Indexed OCR Text

Pages 321-340

ج - ١٧
٣٢١
باب خاتم الحديد و غيره
٥٦٣٤- حدثنا ابن أبى داود قال: ثنا ابن أبى مريم قال: أخبرنا أبو غسان قال: ثنا
أبن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا جلس إلى النبى عّ لّه وعليه
خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله عَ ليه، فلبس خاتم حديد، فقال رسول الله عد له:
قال القارى فى "الشمائل": فى الحديث دليل على جواز تحلية السيف، وسائر آلات الحرب
بالقليل من الفضة، وأما التحلية بالذهب فغير مباح كذا ذكره ميرك، وقال الحنفى: وكذلك
المنطقة، واختلفوا فى تحلية اللجام والسرج، فأباحه بعضهم كالسيف وحرمه بعضهم؛ لأنه من زينة
الدابة، وكذلك اختلفوا فى تحلية سكين الحرب، والمقلمة بقليل من الفضة، وقال ابن حجر:
الحاصل أن الذهب لا يحل للرجال مطلقًا لا استعمالا، ولا اتخاذًا ولا تضبيًا، ولاٍ تمويها (يتخلص
منه شىء بالعرض على النار) لا لآلة الحرب ولا لغيرها، وكذا الفضة إلا فى التضبيب والخاتم،
وتحلية آلة الحرب، وما وقع فى بعض الروايات من حل التمويه محمول على ما لا يتخلص منه شىء
فلا يحرم استدامته، وأما نفس التمويه الذى هو الفعل والإعانة عليه، والتسبيب فيه فحرام مطلقًا،
ويتأتى هذا التفصيل فى تمويه الرجال الخاتم، وآلة الحرب بالذهب.
وقال قاضى خان: يكره الأكل والشرب والادهان فى آنية الذهب والفضة، وكذا المجامر
والمكاحل والمداهن، وكذا الاكتحال بميل الذهب والفضة، وكذا السرر والكراسى إذا كانت
مفضضة أو مذهبة، وكذا السرج إذا كان مفضضًا أو مذهبا، وكذا اللجام والركاب، ولا بأس بأن
يجعل المصحف مفضضًا أو مذهبا، ولا بأس بتحلية المنطقة، والسلاح وحمائل السيف بالفضة فى
قولهم جميعًا، ويكره ذلك بالذهب عند البعض، وهذا إذا كان يخلص منه الذهب والفضة، وأما
التمويه الذى لا يخلص منه شىء فلا بأس به عند الكل، ولا بأس بمسامير الذهب والفضة اهـ
(١٥٦:١)، وفى "شرح المهذب": وفى جواز لبس النساء نعال الذهب والفضة وجهان: أصحهما:
الجواز كسائر الملبوسات. والثانى: التحريم للإسراف اهـ (٤٤٣:٤)، وفيه دلالة على كون النعال
من اللباس، ولم أر التصريح به فى كتب القوم، والله تعالى أعلم.
باب خاتم الحدید و غيره
أقول: ههنا مباحث ينبغى التنبيه عليها، الأول: أنه قال محمد فى "كتاب الآثار"
(ص١٢١)، لا يعجبنا أن نتختم بالذهب والحديد، ولا بشىء من الحلية غير الفضة للرجال؛ فأما

٣٢٢
إعلاء السنن
خاتم الحديد وغيره
((هذه لبسة أهل النار))، فرجع فلبس خاتم ورق فسكت عنه رسول الله عدّ له، أخرجه
الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٥١:٢).
قلت: ابن أبى داود شيخ الطحاوى هو إبراهيم بن سليمان بن داود البرلسى، قال
السمعانى: ثقة من حفاظ الحديث وابن أبى مريم هو سعيد بن الحكم من رجال الجماعة،
وأبو غسان هو محمد بن مطرف من رجال الجماعة وابن عجلان هو محمد بن عجلان
من رجال الجماعة. وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه كلام معروف، والعمل على
قبول روايته عند الجمهور، فالحديث حجة.
٥٦٣٥- وأخرجه أحمد فى "مسنده" (١٦٣:٢): من حديث يحيى عن ابن
عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبى عن جده أن النبى معَّ رأى على بعض أصحابه
خاتمًا من ذهب، فأعرض عنه، فألقاه واتخذا خاتما من حديد فقال: "هذا شر، هذا حلية
أهل النار"، فألقاه فاتخذ خاتمًا من ورق، فسكت عنه اهـ.
٥٦٣٦- أيضا عن عبد الله بن موئل عن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن عمرو بن
العاص أنه لبس خاتما من ذهب، فنظر إليه رسول الله عّ لّر كأنه كرهه، فطرحه، ثم لبس
خاتماً من حديد، فقال: ((هذا أخبث وأخبث)) فطرحه، ثم لبس خاتما من ورق، فسكت
عنه (مسند ٢١١:٢).
وأعله العينى فى "العمدة" بعبد الله بن الموئل وقال: هو ضعيف. قلت: وثقه ابن
سعد وابن نمير، واختلف فيه الروايات عن ابن معين فقال فى رواية: ضعيف، وفى
أخرى: لا بأس به. فهو مختلف فيه، فلا ينبغى إطلاق الضعف، ولو سلم فلم يتفرد به
بل تابعه عليه ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فافهم.
النساء، فلا بأس لهن بالذهب، وهو قول أبى حنيفة، وقال فى "الموطأ". (ص ٣٧٠): لا ينبغى
للرجال أن يتختم بذهب، ولا حديد، ولا صفر، ولا يتختم إلا بالفضة.
فأما النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن اهـ، وقال فى "التنوير": ولا يتختم بغير الفضة
كالحجر، والذهب، والحديد، والصفر، وزاد عليه فى "الدر المختار" الرصاص والزجاج وغيرها
محتجًا بالقصر الذى ورد فى قول محمد: لا يتختم إلا بالفضة، وصح السرخسى جواز التختم
باليشب والعقيق، ومال إليه قاضى خان، وقال ملا خسرو بجواز التختم بسائر الأحجار محتجًا

ج - ١٧
خاتم الحديد وغيره
٣٢٣
٥٦٣٧- وأخرج أحمد أيضًا عن عمار بن أبى عمار أن عمر بن الخطاب قال: إن
رسول الله عَّ ◌ُّه رأى فى يد رجل خاتمًا من ذهب فقال: ألق ذا، فألقاه فتختم بخاتم من
حديد فقال: ذا شر منه، فتختم بخاتم من فضة، فسكت عنه (مسند ٢١:٢). وأعله
العينى بالانقطاع، وقال: قال شيخنا: رواية عمار بن أبى عمار عن عمر مرسلة. قلت:
الانقطاع غير مضر عندنا فى خير القرون لا سيما فى مقام الاستشهاد.
بقول رسول الله عَ له: ((تختموا بالعقيق فإنه مبارك))، وبأنه مرّ تختم به، وقال: لما ثبت جواز
التختم بالعقیق من قوله وفعله، ثبت جواز التختم بسائر الأحجار؛ لأنه لا فرق بین حجر وحجر،
وأجاب عن قصر محمد بأنه بالإضافة إلى الذهب.
ورده صاحب "رد المحتار" بأن النص المانع من التختم بخاتم الحديد، والشبه معلول،
فالإلحاق بما ورد به النص فى العلة التى فيه أخذ من النص أيضًا، والنص على الجواز بالعقيق يحتمل
عدم الثبوت عند المجتهد أو ترجيح غيره عليه، على أن العقيق أو اليشب ليسا من الحجر كما مر،
فقياس غيرهما عليهما يحتاج إلى دليل، واتباع المجتهد اتباع للنص؛ لأنه تابع للنص غير مشرع
قطعًا، وتأويل عبارة المجتهد العارف بمحاورات الكلام عدول عن الانتظام، ولو كان القصر فيها
بالإضافة إلى الذهب لزم منها إباحة نحو الصفر والحديد؟ مع أن مراد المجتهد عدمها اه بمحصله.
وتحقيق المقام أن النص المانع من التختم بالحديد، والصفر معلول بأن الحديد من لباس أهل
النار، والصفر مما يتخذ منه الأصنام، وهاتان العلتان لا توجدان فى العقيق واليشب وغيرهما من
الجواهر، فلا يمنع التختم بها.
قال العبد الضعيف: قد يتخذ الأصنام من اليشب، فأشبه الشبه الذى هو منصوص معلوم
بالنص، إتقانى (رد المحتار ٣٥٣:٥).
قال بعض الأحباب: وعلى هذا يجب حمل القصر فى كلام محمد على القصر الإضافى
دون الحقيقى، أو يقال: إن القصر فيه حقيقى، ولكن المستثنى منه فى كلامه هى الأجساد المتطرقة
التى هى من جنس الفضة، ومعنى كلامه أنه لا يتختم بجسد من الأجساد المتطرقة إلا بالفضة،
فلا يدخل فيه العقيق واليشب والياقوت وغيرها، نعم، الأحجار التى تتخذ منها الأصنام عادة يمكن
إلحاقها بالصفر لاشتراك العلة، ولكن لا يصح تعميمه للأحجار بحيث يشمل العقيق واليشب
وغيرها؛ لأنها لا تتخذ منها الأصنام عادة، ألا ترى أن النبى معَّ استثنى الفضة مع كونها من
جنس النحاس؛ لكونها من الأجساد المتطرقة لهذه العلة بعينهما أنها لا تتخذ منها الأصنام عادة،

٣٢٤
خاتم الحديد وغيره
إعلاء السنن
٦ ٥٦٣٨- وأخرج الطحاوى عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية الأنصارى عن
سمى مولى أبى بكر عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رجلا أتى النبى معَّ له وعليه خاتم
من ذهب فأعرض عنه، فانطلق فلبس خاتمًا من حديد ثم جاء، فأعرض عنه، فانطلق
فنزعه، ولبس خاتمًا من ورق، فأقره النبى معَّ ◌ُله وأقبل إليه (معانى الآثار ٢: ٣٥١).
فالحق عندى مع الإمام السرخسى وقاضى خان، وأما ما قال ملا خسرو أنه قال عّ لّه: ((تختموا
بالعقیق فإنه مبارك))، وإنه تختم به، فغير ثابت منه بسند صحيح، ولا ضعيف ..
قال العبد الضعيف: قد مر ما فيه، فتذكر، قال: وأما قوله: لا فرق بين حجر وحجر فغير
صحيح؛ لأن البعض منها تتخذ منه الأصنام، وبعضها ليس كذلك، فالفرق ثابت، وكذا ما قال
صاحب "رد المحتار": إن تأويل كلام المجتهد العارف بالمحاورات عدول عن الانتظام غير صحيح؛
لأن المؤول مثل السرخسى(١)، وقاضى خان وهما أعرف بكلام المجتهد، ومراده من صاحب
"الهداية"، وصاحب "الدر المختار"، وصاحب "رد المحتار" وأمثالهم.
والبحث الثانى: أن النهى عن خاتم الحديد وغيره مخصوص بالخاتم، أو شامل لسائر الحلى
منها؟ فلم أر نصًا فيه فى كلام الفقهاء إلا أن الحديث، وكلام الفقهاء يرشدان إلى عدم
الاختصاص؛ لأن النبى معَّه قال: ((ما لى أرى عليك حلية أهل النار؟))، وقال: ((ما لى أرى منك
ريح الأصنام؟»، فدل ذلك على أنه غير مخصوص بالخاتم، بل يشمل كل حلية من الحديد، أو
الشبه والنحاس والصفر، وكذا قول الفقهاء: إن النص معلول، وإلحاقهم الرصاص والنحاس والصفر
بالشبه يدل على عدم الاختصاص بالخاتم، ثم لا يخفى: أنه لا دخل للصورة الخاتمية فى المنع، فلا
وجه للاختصاص، و الله أعلم.
والبحث الثالث: أن النهى عن خاتم الحديد وغيره مخصوص بالخالص منه أو شامل لما لوى
عليه الفضة أيضا؟ فنقول: إن الملوى عليه الفضة، ليس بممنوع، أما أولا فلأنه روى عن نوح بن
ربيعة عن إياس عن جده أن خاتم النبى معٍَّ كان من حديد ملوى عليه الفضة وربما كان فى يده،
أخرجه أبو داود، وسكت عليه، إلا أنه يعارضه ما روى عن أنس أنه كان كله من فضة، وهو أصح
منه من حيث السند إلا أن يقال: إنه قال ذلك بناء على الظاهر، وثانيًا: أن الحديد فيه كالحرير المحشو
(١) ولكن بعض الأحباب ينسى قوله، هذا إذا خالف كلام السرخسى غرضه، فلا يسلم إذًا أنه أعرف بكلام المجتهد منه فضلا أن
یکون أعرف به ممن هو فوقه.

ج - ١٧
خاتم الحديد وغيره
٣٢٥
وفى "مسنده" : ابن لهيعة وفيه كلام معروف ولكنه حسن الحديث عندنا ولا أقل
من أن يستشهد به، وإنما أخرجنا حديثه ههنا للاستشهاد، فهذه الأحاديث متفقة على
سياق واحد، وهو أن رجلا تختم أولا بخاتم الذهب فأنكره رسول الله مّ له ثم تختم
بخاتم الحديد، فأنكره عليه أيضًا، ثم تختم بخاتم الفضة، فسكت عنه.
فى الثوب، فيجوز كما جاز الحرير، وصرح به الشامى نقلا عن "التتارخانية" (شامى ٣٥٤:٥).
والبحث الرابع: أنه لم يثبت من الأئمة شىء فى مقدار الفضة فى خاتم الفضة، والظاهر من
كلامهم الإطلاق، وهو الأصح إلا أنه قال فى "البدائع"، و "تكملة البحر": إنه يجوز قدر المثقال،
ولا يجوز زائدًا منه، واحتجوا فيه بحديث من النعمان بن بشير أنه قال: "اتخذت خاتماً من ذهب
فدخلت على رسول الله عَّم قال: ما لك اتخذت حلى أهل الجنة قبل أن تدخلها؟ فرميت ذلك،
واتخذت خاتمًا من حديد، فدخلت عليه فقال: ما لك اتخذت حلى أهل النار؟ فاتخذت خاتما من
نحاس فدخلت عليه، فقال: إنى أجد منك ريح الأصنام، فقلت: كيف أصنع يا رسول الله! فقال
عليه الصلاة والسلام: ((اتخذه من ورق ولا تزد على المثقال)) اهـ"، ولم يثبت هذا الحديث بهذا
السياق، وإنما المروى فيه عن بريدة، وسياقه ما ذكرنا وفيه "ولا تتمه مثقالا"، فتبصر.
والبحث الخامس: أن كراهة الذهب والحديد وغيرهما متفاوتة، فالتحلى بالذهب حرام
لصحة الروايات فيها من غیر کلام، ثم التختم بالحديد لورود روايات عديدة مع الكلام فيها، ثم
التختم بالشبه لورد النص فيه من طريق واحد فيه كلام، ولذا قال محمد رحمه الله فى "الآثار": لا
يعجبنا، وفى "الموطأ" وغيره: لا يتختم إلا بالفضة ليشمل كل المراتب، ولم يطلق التحريم ولا
الكراهة، وأما المتأخرون فأغلظوا منه، وصرحوا فى الكل بالتحريم، فليتنبه له.
قال العبد الضعيف: وفى "شرح الشمائل" للترمذى: وذهب جمع من المتأخرين من العلماء
الشافعية إلى تحريم ما زاد على مثقال للحديث الحسن، بل صححه ابن حبان أنه معّ ◌ّ. قال للابس
خاتم الحديد: ((ما لى أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه، وقال: يا رسول الله! من أى شىء أتخذه؟
قال: من ورق ولا تتمه مثقالا))، لكن رجح الآخرون الجواز، منهم الحافظ العراقى فى "شرح
الترمذى"، فإنه حمل النهى المذكور على التنزيه، على أن النووى فى "شرح مسلم" ضعفه اهـ
(١٤٨:١)، قلت: لم أجده فى "شرح مسلم" فى باب الخاتم، والله تعالى أعلم.
والحق أن الحديث حسن، ويلزم من قال بحرمة الخاتم من الشبه أن يقول بكراهة الزيادة على
مثقال؛ لأن النهى عن خاتم الشبه لم يرد أيضًا إلا فى هذا الحديث الذى فيه: "ولا تتمه مثقالا"،

٣٢٦
خاتم الحديد وغيره
إعلاء السنن
٥٦٣٩- وأخرج النسائى وغيره وصححه ابن حبان، كما فى "الفتح" عن بريدة
بسياق غير سياق عبد الله بن عمرو، وعمر بن الخطاب، وأبى هريرة، فقال: إن رجلا
جاء إلى النبى معٍَّ وعليه خاتم من حديد فقال: ((ما لى أرى عليك حلية أهل النار؟))،
فطرحه ثم جاءه، وعليه خاتم من شبه فقال: ((ما لى أرى منك ريح الأصنام؟)) فطرحه
فقال: يا رسول الله! من أى شىء أتخذه؟ قال: ((من ورق، ولا تتمه مثقالا))، وفى سنده
عبد الله بن مسلم أبو طيبة قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن
حبان فى "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف ، وذكر حديثه هذا فى "صحيحه"، كما
فى "التهذيب"، فيحتمل أن يكون أبو طيبة أخطأ فى رواية حيث روى ما لم يروه
غيره، ويحتمل أن يكون أصاب فى روايته ويكون هذا رجل آخر غير الذى حدث عنه
عبد الله بن عمرو وعمر بن الخطاب وأبو هريرة، فمقتضى الاحتياط أن تقبل روايته فى
خاتم الشبه؛ لأنه لا يعارضه غيره، وفى خاتم الحديد لأنه تابعه عليه غيره أيضًا، ولا يقبل
روايته فى قوله: ((لا تتمه مثقالا)) لأن هذه زيادة شاذة؛ لأن خواتم الفضة كانت معروفة
بينهم، ومعلوم بالضرورة أنها كانت مختلفة الأوزان ولم ينقل عن النبى عّ لّله أنه أنكر
على أحد مقدار فضة خاتم أو أمرهم بمقدار خاص، فلذا قال أصحابنا الحنفية بكراهة
خاتم الحديد والشبه والصفر والنحاس والحجر، أما خاتم الحديد والشبه فلورود النص
فيهما، وأما خاتم النحاس والصفر فلأنهما من جنس الشبه، وأما خاتم الحجر فلأن الحجر
لما يتخذ منه الأصنام كالشبه، وأطلقوا فى مقدار خاتم الفضة لإطلاق الروايات وشذوذ
زيادة قوله: لا تتمه مثقالا، فافهم.
فلا معنى بقول زيادة الشبه ورد زيادة التقدير، فإن ذکر واحد من الرواة ما لم يذكره غيره، ليس
من الشذوذ فى شىء ما لم يلزم من قبوله رد ما روته الجماعة، وههنا ليس كذلك؛ فإن الجماعة
سكتت عن بيان التقدير، والساكت ليس بحجة على الذاكر.
وأما قول بعض الأحباب: لم ينقل عن النبى معَّ أنه أنكر على أحد مقدار فضة خاتمه،
فهذا إنما يتم لو ثبت أن خاتم واحد منهم كان زائدًا على مثقال فضة، و کیف یتوهم ذلك، وقد
ثبت أنه مرّ قال: ((ولا تتمه مثقالا))، فالظاهر أن خواتمهم كانت كذلك، فلذلك لم ينكر على أحد
مقدار خاتمه، فافهم.

ج - ١٧
خاتم الحديد وغيره
٣٢٧
وفى "شرح الطحاوى": وليكن خاتم أقل من مثقال، ويكون قدر الدراهم لكونه أبعد عن
السرف، وأقرب إلى التواضع اهـ من "شرح الشمائل" (١٤٩:١)، وإنما حكم أصحابنا بكراهة
الخاتم من حدید أو صفر ونحوه، ولم یحکموا بحرمته لاختلاف الروايات فى ذلك، فقد روى
الطبرانى فى "الأوسط" عن أبى سعيد الخدرى قال: أقبل رجل من البحرين إلى رسول الله عَ ليه،
فلم يرد عليه السلام، وكان فى يده خاتم من ذهب وجبة حرير، فذكر الحديث، وفيه: فألقاهما ثم
غدا إلى رسول الله عَ لّم فرد عليه السلام فقال: يا رسول الله! أتيتك آنفًا فأعرضت عنى، قال: كان
فى يدك جمرة من نار، قال: فما أتختم به؟ قال: ((حلقة من ورق أو حديد أو صفر))، وفيه أبو
النجیب وثقه ابن حبان ورجاله ثقات (١٥٤:٥).
وفى الجوهرة: والتختم بالحديد والصفر والنحاس والرصاص مكروه للرجال والنساء (رد
المحتار ٣٥٣:٥)، وهذا هو مراد من قال من المتأخرين: يحرم بغير الفضة أى يكره تحريمًا، وهو معنى
قول محمد فى "الآثار": لا يعجبنا، وفى الموطأ وغيره: لا يتختم إلا بالفضة أى يكره بغيرها تحريماً،
ولكن ينبغى أن يعلم أن العبرة للحلقة لا الفص حتى يجوز أن يكون الفص من الحجر والعقيق
والياقوت وغيرها، والحلقة من الفضة كما فى "الدر" (٣٥٤:٥).
ولا يجوز أن يكون كله حجرًا أو ياقوتًا أو يشبًا أو عقيقًا ونحوها، والجمع بين الآثار بهذا
الطريق أولى مما قاله بعض الأحباب من حمل القصر فى كلام محمد على الأجساد المتطرقة التى
هى من جنس الفضة، وأن معنى كلامه أنه لا يتختم بجسد من الأجساد المتفرقة إلا بالفضة اهـ، فلا
يخفى على من له مسكة ما فى هذا التأويل من البعد، والله تعالى أعلم بالصواب.
وفى "شرح الشمائل": نقل النووى فى "شرح المهذب" عن صاحب الإبانة كراهة الخاتم
المتخذ من حديد أو نحاس للخبر المذكور، وفى رواية أنه رأى خاتما من صفر فقال: ما لى أجد ريح
الأصنام؟ فطرحه ثم جاء وعليه خاتم حديد، فقال: ما لى أرى عليك حلية أهل النار؟ (فطرحه،
وقال: يا رسول الله! من أى شىء أتخذه؟ فقال: اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا، رواه أبو داود
والترمذى وفى إسناده رجل ضعيف)، وعن المتولى: لا يكره واختاره فيه، وصححه فى "شرح
مسلمّ لخبر "الصحيحين" فى قصة الواهبة: اطلب ولو خاتمًا من حديد، ولو كان مكروها لم يأذن
فيه، ولخبر أبى داود كان خاتمه مَّ ◌ُلّه من حديد ملوى عليه فضة.
قال: والحديث فى النهى ضعيف، واعترض على تضعيفه بأن له شواهد عدة إن لم ترقه إلى

٣٢٨
إعلاء السنن
باب النہی عن لبس الخاتم لغیر ذی سلطان
٥٦٤٠- عن: عياش بن عباس القتبانى عن أبى الحصين هيثم بن مشفى عن أبى
عامر عن أبى ريحانة قال: نهى رسول الله عّ لّه عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان، أخرجه
أحمد، ورجاله ثقات.
درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن، أقول: ويحمل حدیث کان خاتمه من حدید (علی
ما هو مذكور فى الخبر أنه كان ملويًا عليه فضة ولا نزاع فيه)، وقوله: ((اطلب ولو خاتمًا من حديد))
على ما قبل النهى، مع أن الحديث الثانى لا يراد به الحقيقة، بل المبالغة فى الطلب، على أنه لا يلزم
من وجوده لبسه اهـ (١٤٨:١)، ومن أراد البسط فى أحكام الخاتم، وفى صفته وصفة التختم
ونحوها، فليراجع "شرح الشمائل" للعلامة القارى، فقد أجاد وأفاد، ولولا مخافة التطويل لأتيت
علی ما فيه بالتفصيل.
باب النهى عن لبس الخاتم لغير ذى سلطان
أقول: حمل الحنفية هذا النهى على التنزيه لتختم الناس فى عهد النبى عدّه، وبعده
بلا تفصيل أن يكونوا ذوى سلطان أو غيره جمعا بين الأدلة.
قال العبد الضعيف: قال النووى فى "شرح مسلم": أجمع المسلمون على جواز اتخاذ
الخاتم من الفضة للرجال، وكره بعض علماء الشام المتقدمین لبسه لغیر ذی سلطان، «وفيه دليل على
صحة الأثر المذ کور فى المتن)، قال: ورووا فيه آثارا وهو شاذ مردود.
(قلت: كيف وقد تأيد قولهم بالأثر؟)، قال: يدل عليه ما رواه أنس أن النبى عّ لّه لما ألقى
خاتمه ألقى الناس خواتيمهم إلى آخره، والظاهر منه أنه كان يلبس الخاتم فى عهد النبى عَ له من
ليس له سلطان (قلنا: نعم، وأقرهم النبى معَ ◌ّ على ذلك بيانًا للجواز، ثم أرشدهم إلى الأفضل
الأحسن أن لا يلبسه إلا ذو سلطان)، قال العسقلانى: الذى يظهر لى أن لبس الخاتم لغير ذى
سلطان خلاف الأولى، لأنه ضرب من التزين، والأليق بحال الرجال خلافه أى إلا لضرورة،
فتكون الأدلة الدالة على الجواز هى الصارفة للنهى عن التحريم، ويؤيده ما وقع فى بعض الطرق فى
هذا الخبر أنه عَّه نهى عن الزينة والخاتم اهـ من "شرح الشمائل" (١٤٨:١).
وقال الطحاوى: قد روى عن جماعة ممن لم يكن لهم سلطان أنهم كانوا يلبسون الخواتيم،
ثم أخرج بسنده عن الحسن والحسين كانا يتختمان فى يسارهما، وعن ابن الحنفية أنه كان يتختم

ج - ١٧
النهى عن لبس الخاتم لغير ذى سلطان
٣٢٩
فى يساره، وعن قيس بن أبى حازم وعبد الرحمن بن الأسود وقيس بن ثمامة، والشعبى يتختمون
بيسارهم، ثم قال: فهؤلاء الذين روينا عنهم هذه الآثار من أصحاب رسول الله عّ لّه وتابعيهم قد
کانوا یتختمون، ولیس لهم سلطان.
(قلت: كلا! بل كانوا ذوى سلطان؛ لأنهم كانوا ممن يقتدى بهم فى الدين، وكانوا علماء
وفقهاء، وبعضهم من الأمراء - كالحسن والحسين رضى الله عنهما-، وليس المراد بذى سلطان
السلطان الأكبر خاصة، بل كل من له سلطان على شىء من الأشياء بحيث يحتاج إلى الختم عليه،
ومن هنا قال: نهى عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان، ولم يقل: إلا للسلطان، فافهم).
قال الطحاوى: وأما من طريق النظر فإن السلطان إذا كان له لبس الخاتم؛ لأنه ليس بحلية،
فكذلك أيضًا غير السلطان، وإن كان إنما أبيح له الخاتم لاحتياجه إليه ليختم به مال المسلمين، فإنه
أيضًا مباح للعامة لاحتياجهم إليه للختم على أموالهم وكتبهم، فلا فرق اهـ (٣٥٤:٢).
قلنا: نختار الشق الثانى، ولا نسلم أن من كان محتاجاً إلى الختم على ماله، وكتبه ليس بذى
سلطان، والله تعالى أعلم، قال فى "الدر": وترك التختم لغير السلطان، والقاضى وذى حاجة إليه
كمتول أفضل اهـ، قال ابن عابدين عن العلامة عبد البر بن الشحنة أن والده أنشده قوله:
بخنصرك اليمين أو الشمال
تختم كيف شئت ولا تبال
أو الذهب الحرام على الرجال
سوی حجر وصفر أو حدید
باسم الله ربك ذى الجلال
وإن أحببت باسمك فانقشنه
وفى الدر أيضًا: يجعله فى يده اليسرى، وقيل: اليمنى، إلا أنه من شعار الروافض، فيجب
التحرز عنه، قهستانى وغيره، ولعله كان وبان اهـ، قال المحشى: وفى غاية البيان: قد سوى الفقيه
أبو الليث فى "شرح الجامع الصغير" بين اليمين واليسار وهو الحق؛ لأنه قد اختلفت الروايات عن
؛
رسول الله عَّ فى ذلك، وقول بعضهم: إنه فى اليمين من علامات أهل البغى ليس بشىء؛ لأن
النقل الصحيح عن رسول الله عّ لّه ينفى ذلك اهـ (٣٥٤:٥).
ثم اعلم أن نقش خاتم النبى معٍَّ كان: محمد رسول الله، ولم يكن سطرًاً واحدا، بل ثلاثة
سطور بهذه الصفة، محمد رسول الله کما شاهدناه فى تمثال كتابه الذى كان مێ أرسله إلى
المنذر بن سادى، وهو خاتم صغير وصفته فى الكتاب الذى أرسله إلى المقوقس هكذا: محمد
رسول الله، وحلقته أكبر من الأول، وكذا فصه، وهو يؤيد ما قدمنا من طريق الجمع بين الروايات

٣٣٠
إعلاء السنن
باب حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
٥٦٤١- عن: على قال: أتى رسول الله عَّ له بحلة حرير فبعث بها إلى فلبستها،
فرأيت الكراهة فى وجهه، فأطرتها خمرًا بين النساء، أخرجه البخارى ومسلم.
٥٦٤٢- وعن أنس أنه رأى على أم كلثوم -بنت رسول الله عَ ليه - برد حرير
سيراء، أخرجه البخارى ومسلم.
أنه محمول على التعدد، وبه يزول الإشكال الذى عجز الحافظ عن حله فى "فتح البارى" فى كون
نقشه ثلاثة أسطر، والله تعالى أعلم، وكان نقش خاتم محمد بن الحسن الإمام: "من صبر ظفر"،
كما فى "رد المحتار" (٣٥٥:٥)، وينبغى لمن كان اسمه ظفر أن ينقشه على خاتمه.
باب حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
أقول: الأحاديث نص فى الباب، وكره بعض السلف الحرير للرجال والنساء كليهما نظرًا
إلى عموم قوله: ((إنما يلبس الحرير فى الدنيا من لا خلاق له فى الآخرة))، وما بمعناه، إلا أنه وقع
الإجماع بعدهم على جوازه للنساء قاله النووى.
قال العبد الضعيف: اختلفوا فى تفسير السيراء، فقال الخليل: ثوب مضلع بالحرير، ووقع
عند أبى داود فى حديث أنس أنه رأى على أم كلثوم حلة سيراء، والسيراء المضلع بالقز، وجزم ابن
بطال أنه من تفسير الزهرى، ونقل عياض عن سيبويه قال: هو الحرير الصافى، وقوله: حلة سيراء
بالإضافة، قال عياض: كذا ضبطناه عن متقنى شيوخنا، وقال النووى: إنه من قول المحققين ومتقنی
العربية، وإنه من إضافة الشىء لصفته كما قالوا: ثوب خز، كذا فى "فتح الباري" (٢٥٠:١٠).
وفيه أيضًا: قال ابن بطال: اختلف فى الحرير فقال قوم: يحرم لبسه فى كل الأحوال حتى
على النساء، نقل ذلك عن على وابن عمر (قلت: وقد رويا عن النبى عدّ له أنه أمر بتشقيق حلة
سيراء خمرا بين النساء كما فى المتن، فيحمل قولهم فى حق النساء على الورع، أو على ما إذا لبسه
للشهرة)، وحذيفة وأبى موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين: وقال
قوم: يجوز لبسه مطلقًا، وحملوا الأحاديث الواردة فى النهى عن لبسه على من لبسه خيلاء،
أو على التنزيه.
قلت: وهذا الثانى ساقط لثبوت الوعيد على لبسه (مطلقًا فى حق الرجال، ولو كان تحريمه
للخيلاء لم يكن للفرق بين الرجال والنساء معنى، فإن الخيلاء حرام فى حق الجميع)، وقد قال

ج - ١٧
حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
٣٣١
٥٦٤٣- وعن وهب بن جرير عن أبيه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله عَ لَّه
أتى بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وأبى أسامة بحلة، وأعطى عليًا حلة، فأمره أن
يشقها خمرًاً بين نساءه، قال: وراح أسامة بحلته فنظر إليها رسول الله عَ لّه نظراً عرف
أنه كره ما صنع، فقال: إنى لم أبعث بها إليك لتلبسها، وإنما بعثت إليك لتشقها خمرًاً
بين نساءك، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار".
٥٦٤٤- وأخرج أيضًا عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فقال: أبصر رسول
الله عَّ حلة سيراء على عطارد فكرهها له ونهاه عنها ثم إنه كسا عمر مثلها فقال: يا
رسول الله! قلت فى حلة عطارد ما قلت وتكسونى هذه؟ فقال: لم أكسكها لتلبسها،
وإنما أعطيتك لتلبسها النساء اهـ (معانى الآثار ٢: ٣٤٠).
٥٦٤٥- وفى رواية شيبان عن جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إنى
لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكنى بعثت بها إليك لتصيب بها، أخرجه مسلم.
٥٦٤٦- وفى طريق جويرية عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إنما بعثت بها إليك
لتبيعها أو تکسوها، رواه البخارى.
٥٦٤٧- وفى رواية مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إنى لم أكسكها لتلبسها،
فکسا عمر أخا له بمكة مشركًا، رواه البخارى.
القاضى عياض: إن الإجماع انعقد بعد ابن الزبير فى الطريق التى أخرجها مسلم: ألا لا تلبسوا
نسائكم الحرير؛ فإنى سمعت عمر فذكر الحديث اهـ (٢٣٩:١٠).
وفى المغنى لابن قدامة: القسم الثانى ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء، وهو الحرير
والمنسوج بالذهب فهو حرام لبسه، وافتراشه فى الصلاة وغيرها، (وفى الافتراش خلاف نذكره إن
شاء الله تعالى)، لما روينا عن أبى موسى: ((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتى وأحل
الإناثهم))، أخرجه أبو داود والترمذى، وقال: حسن صحيح، وعن عمر بن الخطاب مرفوعًا: ((لا
تلبسوا الحرير فإن من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة)) متفق عليه، ولا نعلم فى تحريم لبس ذلك
على الرجال اختلافًا إلا لعارض أو عذر، قال ابن عبد البر: هذا إجماع (٦٣٠:١).
هذا هو حكم المصمت من الحرير، وأما المنسوج من الحرير وغيره، فإن كانت لحمته حریرًاً،
وسداه غير حرير لا يكره لبسه فى حال الحرب بالإجماع؛ لضرورة دفع مضرة السلاح، وتهییب

٣٣٢
حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
إعلاء السنن
٥٦٤٨- وفى رواية سالم بن عبد الله عن أبيه أنه قال: تبيعها وتصيب بها
حاجتك، كذا فى البخارى ومسلم.
٠
٥٦٤٩- وفى رواية حنظلة بن أبى سفيان عن سالم عن أبيه أنه قال: بعها واقض
بها حاجتك أو شققها خمراً بين نسائك، أخرجه النسائي.
٥٦٥٠- وفى رواية أنس بن مالك أنه قال إنما بعثت بها إليك لتنتفع بثمنها،
رواه مسلم.
العدو، فأما فی غیر حال الحرب فمكروه لانعدام الضرورة، وإن کان سداه حریرًا و لحمته غیر حرير
لا يكره فى حال الحرب وغيرها؛ لأن الثوب يصير ثوبًا باللحمة لأنه إنما لا يصير ثوبًا بالنسج
تركيب اللحمة بالسدى، فكانت اللحمة كالوصف الأخير فيضاف الحكم إليه (بدائع ١٣١:٥)،
وهو مذهب ابن عباس لما فی المتن من قوله: فأما العلم من الحریر وسدی الثوب فلا بأس به.
وأما ما رواه الطبرانى من وجه آخر عنه، إنما نهى رسول الله عَّ ◌ُلّه عن مصمت الحرير، وأما
ما کان سداه کتان أو قطن فلا بأس به، وهو يشعر بجواز ما لحمته حریر وسداه غیر حرير، ففى
سنده إسماعيل بن مسلم المكى، وهو ضعيف كما فى "مجمع الزوائد" (١٤٥:٥)، لم يوثقه أحد
غير محمد بن عبد الله الأنصارى فيما علمنا، وأما خصيف بن عبد الرحمن الذی روی حديث
المتن عن عكرمة عن ابن عباس فوثقه ابن معین، وقال أبو حاتم: صالح، و کذا قال النسائی فی روایة،
وقال ابن عدى: لخصیف نسخ أحاديث كثيرة، وإذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه، (وهذا من
رواية زهير عنه وهو ثقة)، وقال الدار قطنى: يعتبر به، يبهم، وقال الساجى: صدوق، وقال يعقوب
ابن سفیان: لا بأس به.
وقال ابن حبان: تركه جماعة، واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا عابدًا إلخ، من
"التهذيب" (١٤٤:٣)، وهو من رجال الأربعة احتج به النسائى مع تعنته فى الرجال وتشديده،
فالظاهر ترجيح ما رواه خصيف على رواية إسماعيل بن مسلم، فإنه وهم فى الحديث، قد انقلب
عليه متنه، فجعل السدى مكان اللحمة، ولو سلمنا صحته فهو محمول على حال الحرب.
وأحسن الله عزاءنا فى بعض الأحباب، حيث جعل مذهب ابن عباس مخالفًا للحنفية اغترارًا
بما روى إسماعيل بن مسلم عن عكرمة عنه، ولم يتنبه لما فيه، واحتج لهم بمذهب سعد بن أبى
وقاص، حيث كان يلبس مطرفا شطره خز وشطره حرير، وقال: إنما يلى جلدى منه الخز، قال:
فهذا يؤيد أبا حنيفة؛ لأن الظاهر من الثوب لحمته، وهو الذى يمس الجلد منه، وأما السدى فهو

ج - ١٧
حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
٣٣٣٠
ولا تنافى بين هذه الروايات لأنه ممكن أن يكون قال كل ما رووه فاقتصر بعضهم
على بعض، وفى الباب عن على وأبى موسى وغيرهم، ذكرته فى باب حرمة الذهب
على الرجال وحله للنساء، فتذکر.
٥٦٥١- عن حماد بن سلمة عن عاصم الأحول فى حديث أبى عثمان النهدى
مختلف فى اللحمة اهـ.
وليس الأمر كذلك بل يختلف باختلاف الصنعة، واختلاف أنواع الثياب، فمنها ما يدفن
الصانع اللحمة منه فى السدى، ويجعل السدى هو الظاهر، ومنها ما يظهر اللحمة على السدى،
ويدفن السدى فيه "شرح المهذب" (٤٣٨:٤)، ونظيره الثوب العتابی، فإن سداه حرير ولحمته غير
حریر، ومع ذلك سداه ظاهر غير مستور.
والصحيح فى المذهب أن ما كان سداه حريرًا ولحمته من غيره فهو مباح سواء كان الظاهر
هو السدی أو اللحمة، کما فى "البدائع" (١٣١:٥)، ولكن بعض الأحباب لا یدری ما یخرج من
رأسه، ولا يراعى مذهبه، ويدعى ما شاء من غير دليل، وربما يوقعه ذلك فى رزية يا لها من بلية!
فتراه يورد على الحنفية أن ابن عباس أفقه من سعد، فكان الأخذ بتأويله أولى، ثم يجب أن هذا إذا
لم يترجح عند المجتهد أحد التأويلين، وإلا فما ترجح عنده هو الأولى اهـ.
وهذا كما تراه كله جزاف لا طائل تحته، وهذا الإيراد وجوابه كله باطل لا يلتفت إليه
عاقل، ومن أين له أن يقول: إن ابن عباس أفقه من سعد؟ فإن كان قد اغتر بما ذكره ابن القيم فى
"الإعلام" عن ابن حزم أن ابن عباس كان من المكثرين، وسعدًا من المتوسطين فى الفتيا فما أبعده
من الحجة، وما أعوجه من المحجة، فإنه قد عد أبا بكر الصديق من المتوسطين أيضًا مع أنه كان أعلم
الصحابة، وأفقههم بالإجماع، فافهم، ولا تكن من الغافلين، فإن منشأ إكثار من أكثر وتوسط من
توسط فى الفتيا، ليس كون الأول أفقه من الثانى مطلقًا، بل منشأه فى الغالب كثرة ورود الأسئلة
على الأول وقلتها على الثانى لكون الأول، قد عاش إلى زمن الاختلاف، وكثرة الأسئلة، ومات
الثانى قبل ذلك كله، أو لكون الأول قد عاش إلى زمان كثر فيه التابعون، وقلت الأصحاب ومات
الثانى، وأصحاب رسول الله عَّم متوافرون، وكانوا لا يكثرون من السؤال لما عندهم من العلم
بالكتاب والسنة عن رسول الله عَّه، وأما التابعون فأكثروا من السؤال عن العلم لما حرموا صحبة
النبى معٍَّ، وإنما شفاء العي السؤال، فاعلم ذلك، والله يتولى هداك.
قوله: عن حماد بن سلمة إلخ، قال العبد الضعيف: دلالته على جواز الأعلام من الحرير
١

٣٣٤
حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
إعلاء السنن
عن عمر أن النبى عٍَّ نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا إصبعين وثلاثة وأربعة، رواه أبو
داود.
٥٦٥٢- ولمسلم من طريق سويد بن غفلة أن عمر خطب فقال: نهى رسول
الله عَّةِ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع.، وقد أخرجه ابن أبى شيبة
من هذا الوجه بلفظ: إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا وهكذا وهكذا يعنى إصبعين
وثلاثًا وأربعا، وقد وقع عند النسائى فى رواية سويد: لم يرخص فى الديباج إلا فى
موضع أصابع، كذا فى "فتح الباري" (٢٤٢:١٠).
٥٦٥٣- عن ابن عباس إنما نهى رسول الله مّ ◌ُّه عن الثوب المصمت من الحرير،
فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به، أخرجه الطبرانى بسند حسن هكذا،
وأصله عند أبى داود، وأخرجه الحاكم بسند صحيح مختصرا (فتح البارى ٢٤٢:١٠).
قال أبو داود: لبس الخز عشرون نفسا من الصحابة وأكثر وأورده ابن أبى شيبة
عن جمع منهم، وعن طائفة من التابعين بأسانيد جياد.
ظاهرة، وقوله: نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا إلخ، دليل على جواز ثوب مكفوف بالحرير مطرز
به، إذا لم يزد على قدر أربعة أصابع، قال الموفق فى "المغنى": وفى "التنبيه": يباح وإن كان مذهبًا،
وكذلك القول فى الرقاع، ولبنة الجيب، وسجف الفراء وغيرها، لأنه دخل فيما تناوله الحديث اهـ
(٦٣١:١)، وقد روى أنه كان للنبى معَّ ◌ُّه جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج، رواه
أبو داود عن أسماء پاسناد صحیح إلا رجلا، اختلفوا فى الاحتجاج به، ورواه النسائی پإسناد
صحيح، ورواه مسلم ببعض معناه، فقال: جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين
بالديباج (٢: ١٩٠). وقد روى البخارى فى كتاب الخمس عن ابن أبي مليكة أن النبى عّ لّ أهديت
له أقبية من ديباج مزرورة بالذهب، فقسمها فى أناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن
نوفل الحديث، وفيه جواز الثوب المزرور بالذهب؛ لكون الأزرر من التوابع، فكذا كف اللبنة
والجيب والكم والفرجين بالذهب ما لم يزد على أربع أصابع، وسيأتى بسط الكلام فيه فى موضعه،
إن شاء الله تعالى.
قوله: قال أبو داود إلخ، قلت: قد جمع الزيلعى فى "نصب الراية" قدرًا كبيرًا من الآثار عن
الصحابة فى لبس الخز، فليراجع، وقد عرفت فى قول الحافظ: إن الأصح فى تفسير الخز أنه ثياب

ج - ١٧
حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
٣٣٥
٥٦٥٤- وأعلى ما ورد فى ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى من طريق عبد الله
ابن سعد الدشتكى عن أبيه قال: رأيت رجلا على بغلة وعليه عمامة خز سوداء، وهو
يقول: كسانيها رسول الله عَ ليه.
٥٦٥٥- وأخرج ابن أبى شيبة من طريق عمار بن أبى عامر قال: أتت مروان بن
الحكم مطارف خز فكساها أصحاب رسول الله عَّ فيه، والأصح فى تفسير الخز أنه ثياب
سداها من حرير ولحمتها من غيره (فتح البارى ٢٤٨:١٠).
سداها من حرير ولحمتها من غيره، وقال الموفق فى "المغنى" بعد سرد الآثار: وهذا اشتهر فلم يظهر
بخلافه، فكان إجماعًا (٦٣٣:١)، قلت: فيكون فعل الصحابة رضى الله عنهم مبينًا لقول
النبى مَّه لا مخالفًا له.
وأحسن الله عزاءنا فى الشوكانى حيث قال: لا يخفاك أنه لا حجة فى فعل الصحابة، وإن
كانوا عددًا كثيرًا، والحجة إنما هى فى إجماعهم عند القائلين بحجية الإجماع، وقد أخبر الصادق
المصدق أنه سيكون من أمته أقوام يستحلون الخز والحرير، وذكر الوعيد الشديد فى آخر هذا .
الحديث من المسخ إلى القردة والخنازير، انتهى من "عون المعبود" (٨٢:٤)، فإن الحديث الذى ورد
فيه الوعيد، اختلف المحدثون فى لفظه، فضبط الحميدى وابن الأثير قوله: يستحلون الخز بالخاء
المعجمة والزاى، وذكره أبو موسى فى باب الحاء والراء المهملتين وهو الفرج، وكذلك ابن رسلان
فى "شرح السنن" ضبطه بالمهملتين، وعلقه البخارى بلفظ: ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر
(بالمهملتين)، والحرير والخمر والمعازف، كما فى "عون المعبود" أيضًا (٨١:٤).
وقال عبد الحق فى "أحكامه": قد روى هذا بوجهين يستحلون الحر بحاء مهملة وراء
مهملة، قال: وهو الزنا، وروى بخاء وزاء، قال: والأول: هو الصواب، ورأيت فى "حاشيته" قال
الأصمعى: الحر بكسر الحاء، وتخفيف الراء المهملتين، وأصله حرح، فنقصوا فى والواحد وأثبتوا
فى الجمع، فقالوا: حر وأحراح، كذا فى "نصب الراية" (٢٨٤:٢).
وقال الحافظ فى "الفتح": ضبطه ابن ناصر بالحاء المكسورة والراء الخفيفة، وهو الفرج،
وكذا هو فى معظم الروايات من صحيح البخارى، ولم يذكر عياض، ومن تبعه غيره، وأغرب ابن
التين فقال: إنه عند البخارى بالمعجمتين، وقال ابن العربى: هو بالمعجمتين تصحيف، وإنما رويناه
بالمهملتين: وهو الفرج، والمعنی یستحلون الزنا، وترجم أبو داود للحديث فی کتاب اللباس (باب
ما جاء فى الخز)، ووقع فى روايته بمعجمتين والتشديد، والراجح بالمهملتين.

٣٣٦
حرمة الحرير على الرجال وحله للنساء
إعلاء السنن
٥٦٥٦- حدثنا على بن عبد الرحمن ثنا عبد الله بن صالح ثنا بكر بن مضر عن
عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله أن بشر بن سعيد حدثه أنه رأى على سعد بن أبى
وقاص جبة قيامها قز، قال بشر: ورأيت على زيد بن ثابت خمائص معلمة، رواه
الطحاوى (٣٤٤:٢). قلت: سند صحیح، رجاله كلهم ثقات.
٥٦٥٧- قال الطحاوى (٣٤٤:٢): وروينا عنه -أى عن سعد- أنه دخل على
ابن عامر وعليه جبة شطرها خز، وشطرها حرير، فكلمه ابن عامر فى ذلك فقال: إنما
ويؤيد ما وقع فى الزهد لابن المبارك من حديث على: ((يوشك أن تستحل أمتى فروج النساء
والحرير))، ووقع عند الداودى بالمعجمتين، ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ؛ لأن كثيراً من الصحابة
لبسوه، وقال ابن الأثير: المشهور فى رواية هذا الحديث بالأعجام وهو ضرب من الإبريسم كذا
قال، وقد عرف أن المشهور فى رواية البخارى بالمهملتين، وقال ابن العربى: الخز بالمعجمتين
والتشديد مختلف فيه، والأقوى حله، وليس فيه وعيد، ولا عقوبة بإجماع اهـ ملخصا (٤٨:١٠).
قلت: وكذا تعقبه أبو داود حين درج الرواية بالمعجمتين بقوله: وعشرون نفسًا من أصحاب
رسول الله عَّه أو أكثر لبسيوا الخز، منهم أنس بن مالك والبراء بن عازب اهـ، فأشار إلى أن الرواية
بالمعجمتين ليس بمحفوظ، وإنما المحفوظ بالمهملتين، ولكن أهل الظاهر مثل الشوكانى وغيره
لا يفقهون ولا يتدبرون.
،قوله: حدثنا علی بن عبد الرحمن إلخ، قلت: قیام الثوب سداہ لا لحمته، کما صرح به
الطحاوى، وقال: ففى ثبوت ذلك ثبوت ما ذهب إليه من أباح لبس الثوب من غير الحرير المعلم
بالحرير، ولبس الثوب الذى قيامه حرير، وظاهره غير حرير، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف
ومحمد رحمهم الله تعالى (٣٤٩:٢)، وهو محمل ما روى عن سعد أنه كان عليه مطرف خز
شطره خز، وشطره حرير، وقال: إنما يلى جلدى منه الخز، فإن الآثار يفسر بعضها بعضًا، فثبت أن
مذهب سعد فى ذلك هو مذهب ابن عباس بعينه أن المنهى عنه هو الثوب المصمت من الحرير، وأما
العلم وسدى الثوب من الحرير فلا بأس به، وأخطأ بعض الأحباب حيث فرق بينهما، وادعى أن ابن
عباس أفقه من سعد، ولكن ترجح قول سعد عند المجتهد فاختاره، وكله بناء الفاسد على الفاسد،
لا يخفى على عاقل عاره وشناره.
قوله: قال الطحاوى إلخ، قلت: ابن عامر هذا هو عبد الله بن عامر بن كريز ابن خال عثمان

٣٣٧
ج - ١٧
يلى جلدى منه الخز، أخرجه عن أبى بكرة ثنا إبراهيم بن بشار ثنا سفيان عن عمرو عن
صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: استأذن سعد بن أبى وقاص على ابن عامر وتحته
مرافق من حرير فأمر بها فرفعت الحديث، وهذا سند صحيح أيضا.
باب قدر ما يجوز من الحرير للرجال
٥٦٥٨- عن عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدى قال: كتب عمر إلى عتبة بن
فرقد أن النبى عَّ ◌ُِّ نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة، رواه
أبو داود، وسكت عنه (بذل المجهود : ٤٥).
ابن عفان، ولد فى عهد النبى معَّه، وأتى به إليه وهو صغير، فقال: هذا أشبهنا وجعل يتفل عليه،
ويعوذه، فجعل يبتلع ريق النبى معَّه، كان جوادًا شجاعًا ميمونًا ولاه عثمان البصرة بعد أبى موسى
الأشعرى سنة تسع وعشرين، وضم إليه فارس بعد عثمان ابن أبى العاص، فافتح خراسان كلها،
وأطراف فارس وسجستان وكرمان وغيرها، حتى بلغ أعمال غزة، وفى إمارته قتل يزدجرد آخر
ملوك فارس، وأحرم ابن عامر من نيسابور شكرا لله تعالى، وقدم على عثمان فلامه على تغريره
بالنسك، وقدم بأموال عظيمة ففرقها فى قريش والأنصار، كذا فى "الإصابة" (٦٢:٥).
وبالجملة فهو صحابى ابن صحابى، وكان يجلس على مرافق الحرير، وإنما أمر برفعها حين
استأذن عليه سعد تأدبًا معه إجلال له؛ لأن سعدًا كان ينكر ذلك كما فى سياق الحديث، ولو كان
حرامًا لم يلبس عليها قط، ولأنكر عليه كل من حضره قبل سعد؛ لأنهم كانوا لا يهابون عن الأمر
بالمعروف، والنهى عن المنكر، لا سيما وعبد الله بن عامر كان من خيار الأمراء هينا لينا لم يكن.
جبارًا، ولا عنيفًا كما تشهد بذلك سيرته، فثبت أن النهى عنه، إنما هو لبس الحرير دون الجلوس
عليه، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه الله. قال فى "البدائع" بعد سرد الآثار عن الصحابة فى الجلوس
على الحرير: وبه تبين أن المراد من تحريم الحرير فى الحديث تحريم اللبس، فيكون فعل الصحابى مبينًا
لقول النبى عّ لّه لا مخالفا له، والقياس باللبس غير سديد، لأن التزين بهذه الجهات دون إلتزين
باللبس، لأنه استعمال فيه إهانة المستعمل بخلاف اللبس، فيبطل الاستدلال به اهـ (١٣١:٥)،
وسيأتى بسط الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
باب قدر ما يجوز من الحرير للرجال
أقول: دلت الأحاديث على أن كفاف الحرير، إذا لم يتجاوز قدر أربع أصابع يجوز، وهو

٠
قدر ما يجوز من الحرير للرجال
٣٣٨
إعلاء السنن
٥٦٥٩- وعن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: نهى
النبى عَّ عن لبس الحرير إلا موضوع إصبعين أو ثلاث أو أربع، أخرجه مسلم (١٩٢).
٥٦٦٠- عن عبد الله -مولى أسماء بنت أبى بكر- فى حديث: أن أسماء قالت:
هذه جبة رسول الله عّ لّه فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها
مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها
وكان النبى عدّ ◌ٍّ يلبسها، فنحن للمرضى نستشفى بها، رواه مسلم (١٩٠:٢).
مذهب أبى حنيفة، ويرد عليه أولا أنه روى أبو داود عن عمران بن حصين عن النبى عّ لّه أنه قال:
((لا ألبس القميص المكفوف بالحرير)).
والجواب عنه أنه قال ذلك تورعًا، لما ثبت أنه لبس القميص المكفوف بالحرير، وأباح قدر
أربع أصابع منه. وثانيًا: أنه روى الطحاوى من طريق جرير قال: سمعت الصقعب بن زبير يحدث
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمر قال: أتى رسول الله مرّ له أعرابى عليه جبة
مكفوفة بحرير، أو قال: مزرة بديباج، فقام إليه رسول الله مرّ له مغضبًا، وأخذ بمجامع جبته فجذبها
به، ثم قال: ((ألا أرى عليك ثياب من لا يفعل)) (معانى الآثار ٣٤٢:٢).
والجواب عنه باحتمال أن تكون الجبة مكفوفة بما لا يجوز من الحرير للرجال للزيادة على
قدر أربع أصابع فلا حجة فيه. وثالثا: أنه روى الطحاوى من طريق إسماعيل بن سميع عن مسلم
البطين عن أبى عمرو الشيبانى قال: رأى على بن أبى طالب على رجل جبة فى صدره لبنة من
ديباج، فقال له على: ما هذا الشىء الذى تحت لحيتك؟ فجعل الرجل ينظر، فقال له رجل: إنما يعنى
الديباج (معانى الآثار ٣٤٤:٢).
والجواب عنه ما مر أنه يحتمل أن تكون اللبنة فوق أربعة أصابع، أو قال: ذلك تورعًا،
فلا حجة فيه أيضا، وفيها دليل أيضًا على جواز إعلام الحرير للرجال، إذا لم تكن فوق أربع أصابع
من دون جمع المتفرق منها، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قال القاضى: وهذا أى حديث عمران مرفوعًا: لا ألبس القميص
المكفف بالحرير لا يعارض حديث أسماء؛ لأنه ربما لم يلبس القميص المكفف بالحرير؛ لأن فيه مزيد
تجمل وترفه، وربما لبس الجبة المكففة، قال القارى: والأظهر فى التوفيق بينهما أن قدر ما كف ههنا
أكثر من القدر المرخص ثمه، وهو أربع أصابع، أو يحمل هذا على الورع والتقوى، وذاك على
الرخصة، وبيان الجواز والفتوى اهـ، على أن حديث أسماء أصح سندًا من حديث عمران؛ فإنه من

ج - ١٧
قدر ما يجوز من الحرير للرجال
٣٣٩
رواية الحسن عنه، ولم يسمع منه، كما فى "عون المعبود" (٨٥:٤).
وروى أبو داود من قصص أبى ريحانة من الصحابة قال: ((نهى رسول الله عّ لّ عن عشر
وذكر فيها أن يجعل الرجل فى أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبيه حریرًا مثل
الأعاجم)) الحديث.
والمراد ما زاد على أربع أصابح لما مر من جوازه، أو ما كان على زيهم تشبيهاً بهم، والتشبه
بالكفار منهى عنه، يدل عليه تقييده بقوله: مثل الأعاجم، وقال المظهر: يعنى لبس الحرير حرام على
الرجال سواء كانت تحت الثياب، أو فوقها، وعادة جهال العجم أن يلبسوا تحت الثياب ثوبًا قصيرًاً
من الحرير ليلين أعضاءهم (عون ٨٦:٥).
وفى "الدر": وأما جعله دثارا أو إزاراً، فإنه يكره بالإجماع (سراج)، قال ابن عابدين: وأما
ما نقله صاحب المحيط من أنه إنما يحرم ما مس الجلد فلعله لم يعتبره لضعفه، أفاده ظ (٣٤٩:٥)،
وفى "الهندية": ولو جعل القز حشوا للقباء فلا بأس به، لأنه تبع، ولو جعلت ظهارة أو بطانة فهو
مكروه لأن كليهما مقصود، كذا فى "محيط السرخسى"، وفى " شرح القدورى" عن أبى
يوسف: أكره بطائن القلانس من إبريسم اهـ من "رد المحتار" (٣٤٥:٥).
قلت: وفى "الدر" عن المجتبى: تكره الجبة المكفوفة بالحرير، قال ابن عابدين: هذا غير ما
عليه العامة، فإنه نقل فى "الهندية" عن الذخيرة: إن لبس المكفوف بالحرير مطلق عند عامة الفقهاء،
واحتج له فى التبيين بحديث أسماء رواه أحمد ومسلم، وفى الهداية: وعنه عليه الصلاة والسلم أنه
كان يلبس جبة مكفوفة بالحرير اهـ (٣٤٦:٥).
قلت: فيحمل ما فى "المجتبى" على ما حملنا عليه حديث عمران بن حصين، وبه يظهر اتباع
أبى حنيفة للأثر، فإذا اختلف الآثار على قولين جاء عنه فى المسألة روايتان، فأحسن الله عزاءنا فى
طائفة أغمضت العيون عن كل ذلك، وطعنت فى هذا الإمام بأنه يترك الحديث بالقياس، وهذه
فرية لا مرية، ورمية من غير رؤية رجمًا بالغيب.
فائدة: قال النووى: فى الحديث التبرك بآثار الصالحين، ولبس ملابسهم والتيمن بها، وجواز
لبس الخاتم، وفیہ دلیل أيضا لمن قال: إن النبی مُٹے لم یورث، إذ لو ورث لدفع الخاتم إلی ورثة، بل
كان الخاتم والقدح والسلاح، ونحوها من آثاره الصورية صدقة للمسلمين، يصرفها من ولى الأمر
حيث رأى المصالح، فجعل القدح عند أنس إكرامًا له بخدمته، من أراد التبرك به لم يمنعه، وجعل

٣٤٠
إعلاء السنن
باب لبس الحرير لمعذور
٥٦٦١- عن همام عن قتادة عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى
النبى عَ ◌ّم يعنى القمل فأرخص لهما فى الحرير فرأيته عليهما فى غزاة أخرجه البخارى.
باقى الأثاث عند ناس معروفين، واتخذ الخاتم عنده للحاجة التى اتخذها مدّةٍ، فإنها موجودة
للخليفة بعده، ثم الثانى، ثم الثالث اهـ كلام النووى، واعترضٍ عليه العسقلانى، وقال: يجوز أن
يكون الخاتم، اتخذ من مال المصالح، فانتقل للإمام ينتفع به فيما صنع له اهـ.
قلت: الأصل هو الأول، وهذا محتمل فهو المعول، كذا فى "شرح الشمائل" للقارى
(١٤٦:١)، وهذا فائدة جيدة يجب حفظها.
باب لبس الحرير لمعذور
أقول: قال ابن حجر: جعل الطبرى جوازه فى الغزو مستنبطًا من جوازه للحكة فقال: دلت
الرخصة فى لبسه بسبب الحكة أن من قصد يلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو،
ونحو ذلك، فإنه يجوز (فتح ٧٤:٢)، وفيه بحث؛ لأنه لما حرم لبس الحرير للرجال، فلا يجوز ذلك
إلا لضرورة ملجئة، وإذ يقدر المرء على دفع أذى الحكة والسلاح بما هو مباح، فكيف يجوز له
استعمال المحرم؟ ولا دليل فى الحديث على أن الرخصة لعبد الرحمن والزبير كانت للحكة على
الإطلاق؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك حين كانا مضطرين إليه لعدم وجود ما يدفع ذلك الأذى غير
الحرير لعدم القدرة على استعماله للاشغال بالحرب، فلا حجة فيه.
وأخرج ابن عساكر من طريق ابن عوف عن ابن سيرين أن عمر رأى على خالد بن الوليد
قميص حرير، فقال: ما هذا؟ فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأنت مثل عبد
الرحمن أولك مثل ما لعبد الرحمن، ثم أمر من حضره فمزقوه، قال فى "الفتح": رجاله ثقات إلا
أن فيه انقطاعًا (فتح ٧٤:٦).
واحتج ابن حجر بالأثر المذكور على دعوى اختصاص الرخصة بعبد الرحمن والزبير، ولا
حجة فيه على هذه الدعوى، بل قوله: أو لك مثل ما لعبد الرحمن صريح فى الاختصاص به إلا أنه
: لا يعلم منه ما لعبد الرحمن بن عوف حتى يقاس عليه غيره.
فإن قلت: إنه معلوم من الحديث أنه كانت به حكة من التعمل، قلنا: نعم، ولكنه لا يعلم منه
أنه كان قادراً على استعمال ما يزيلها غير الحرير أم لا، والظاهر من القواعد أنه كان مضطرًا إلى