Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
إعلاء السنن
باب جواز استعمال أوانى الصفر والشبه
و غير ذلك فى الوضوء و غيره
٥٦٢٣- عن عبد الله بن زيد -صاحب النبى عَّ له - قال: ((جاءنا النبى عليه.
وأخرجنا له ماء فى تور من صفر فتوضأ به)) الحديث، أخرجه البخارى، كذا فى
"السنن" للبيهقى (٣٠:١).
٥٦٢٤- وعن حماد بن خالد قال: ثنا عبد الله يعنى ابن عمر عن إبراهيم بن
محمد عن أبيه عن زينب بنت جحش أنها كانت ترجل رسول الله عَّ ◌ُّه وقالت مرة: كنت
أرجل رأس رسول الله عّ لّه فى مخضب من صفر أخرجه أحمد فى مسنده (٣٢٤:٦).
قوله فى شدها بالذهب، فالحق جواز المفضض والمضبب بالفضة للرجال والنساء لأنه ليس إناء
فضة، وإنما فيه استعمال الفضة تبعا، وقد ثبت للرجال استعمال شىء من الفضة فى الخاتم، فكذا
هذا بدليل حديث أنس رضى الله عنه. وأما المذهب والمضبب بذهب فلا، لأنه وإن لم يكن إناء
ذهب ولكن فيه استعمال الذهب، ولم يرد نص بجوازه للرجال وإنما جاز للنساء فى الحلى والزينة
دون غيرها من الاستعمال، فافهم.
باب جواز استعمال أوانى الصفر والشبه
و غير ذلك فى الوضوء و غيره
أقول: الأحاديث نص فى الباب، قال العبد الضعيف: قال فى "الدر": ويكره الأكل فى
نحاس أو صفر والأفضل الخزف، ولا يكره من إناء رصاص وزجاج وبلور وعقيق خلافا للشافعى
اهـ، وفى "رد المحتار" عن شرح الشرعة: ثم قيد النحاس بغير المطلى بالرصاص، وهكذا قول بعض
من كتب على هذا الكتاب أى قبل طليه باتضردير والشب، لأنه يدخل الصدأ فى الطعام فيورث
ضررا عظيما، وأما بعده فلا، قال الشامى: والذى رأيته فى "الاختيار": ويجوز اتخاذها من نحاس
أو رصاص اهـ.
وفى "الجوهرة": وأما الآنية من غير الفضة والذهب فلا بأس بالأكل والشرب فيها
والانتفاع بها كالحديد والصفر والنحاس والرصاص والخشب والطين اهـ فتنبه (٣٣٦:٥).
وقال الموفق: فأما سائر الآنية (سوى أوانى الذهب والفضة) فمباح اتخاذها واستعمالها سواء.
كانت ثمينة كالياقوت والبلور والعقيق والمخروط من الزجاج أو غير ثمينة كالخشب والخزف
والجلود، ولا يكره استعمال شىء منها فى قول عامة أهل العلم إلا أنه روى عن ابن عمر أنه كره

ج - ١٧
جواز استعمال أوانى الصفر والشبه وغير ذلك فى الوضوء وغيره
٣٠٢
٥٦٢٥- وأخرج أيضًا من طريق على بن بحر عن الدراوردى عن عبيد الله بن
عمر عن محمد بن إبراهيم عن زينب بنت جحش أن رسول الله عّ لّه كان يتوضأ فى
مخضب من صفر.
والظاهر أن الصحيح هو ما رواه حماد بن خالد، وسند على بن بحر وقع فيه
القلب من أحد الرواة حيث قال: محمد بن إبراهيم، وإنما هو إبراهيم بن محمد، كما
فى رواية حماد بن خالد، ثم رواية على بن بحر فيه إرسال، والمتصل هو رواية حماد
لأن إبراهيم، إنما هو إبراهيم بن محمد يرويه عن أبيه عن زينب، لا عن زينب
بلا واسطة، فتنبه له.
والحديث الثانى أى حديث على بن بحر، ذكره ابن تيمية فى "المنتقى"،
ولم يذكر فيه العلة، وكذا سكت عنه الشوكانى فى "النيل"، والله أعلم.
٥٦٢٦- وقال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال: أخبرنى
صاحب لى عن هشام بن عروة أن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله عّ لّه فى
تور من شبه، وحدثنا محمد بن العلاء ان إسحاق بن منصور حدثهم عن حماد بن
سلمة عن رجل عن هشام عن أبيه عن عائشة بنحوه، وأخرجه البيهقى: من طريق عبد
الله بن أحمد بن حنبل عن حوثرة بن أشرس عن حماد بن سلمة عن شعبة عن هشام عن
أبيه عن عائشة (سنن بيهقى ٣١:١).
الوضوء فى الصفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، واختار ذلك الشيخ أبو الفرج المقدسى لأن
الماء یتغیر فیها، وروی أن الملائكة تکره ریح النحاس، وقال الشافعی فی أحد قوله: ما كان ثمنیا
لنفاسة جوهره (لا لجودة صنعته) فهو محرم، لأن تحريم الأثمان تنبه على تحريم ما هو أعلى منه،
ولأن فيه سرفا وخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، فكان محرما كالأثمان.
ولنا ما روى عن عبد الله بن زيد أن رسول الله ێّ توضأ بتور من صفر متفق عليه، وروى
أبو داود فى "سننه": عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله عَ لّه فى تور من شبه (هو
بفتحتين ما يشبه الذهب فى لونه وهو أرفع الصفر، والصفر بالضم النحاس) ولأن الأصل الحل
فيبقى عليه، ولا يصح قياسه على الأثمان لأن هذا لا يعرفه إلا خواص الناس فلا تنكسر قلوب
الفقراء باستعماله، بخلاف الأثمان، ولأن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرا

٣٠٣
جواز استعمال أوانى الصفر والشبه وغير ذلك فى الوضوء وغيره
إعلاء السنن
فتبين منه أن المبهم فى رواية أبى داود هو شعبة، وحوثرة روى عنه عبد الله بن
أحمد ومسلم بن الحجاج خارج الصحيح، وأبو يعلى وغيرهم، وذكره ابن حبان فى
"الثقات"، كذا فى "تعجيل المنفعة" لابن حجر، وهو الذى روى عن عقبة بن أبى
الصهباء عن الحسن قال: سمعت عليا يقول: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((مثل أمتى كمثل
المطر) الحديث، واحتج به من قال بسماع الحسن من على، والله أعلم.
فلا تفضى إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها، وتعلق التحريم بالأثمان التى هى واقعة فى مظنة الكثرة
فلم يتجاوزه، كما تعلق حكم التحريم فى اللباس بالحرير، وجاز استعمال القصب من الثياب وإن
زادت قيمته على قيمة الحرير، ولأنه لو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز وخاتم الذهب حرام،
ولو جعل فصه ذهبا كان حراما، وإن قلت قيمته اهـ (٦٦:١).
قلت: سيأتى فى باب التختم بالحديد قوله مَّ فيمن تختم بخاتم من شبه "مالى أجد منك
ريح الأصنام"، وأما تأذى الملائكة بالنحاس فرواه الطبرانى فى "الأوسط" عن عبد الله بن عمر
قال: مر النبى معَّه بصنم من نحاس فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال: خاب وخسر من عبكك من
دون الله، ثم أتى النبى مَّ ◌ُّه جبريل ومعه ملك فتنحى الملك فقال النبى معَّه: ما شأنه تنحى؟ قال:
إنه وجد منك ريح نحاس، وإنا لا نستطيع ربح النحاس"، وفيه يزيد بن يوسف الصنعانى ضعفه
ابن معين وغيره وأثنى عليه أبو مسهر وأبو سبرة، قال الذهبى: لا يعرف، وبقية رجاله ثقات
(مجمع الزوائد ١٨٤:٥)، وهذا وإن کان ضعيفا لا يصلح للاحتجاج به ولکنه یکفی سندا
للاحتياط والورع، والظاهر أن بعد طليه بالرصاص والشب ونحوه لا يبقى للنحاس ريح، والله
تعالى أعلم، ثم اعلم أن استعمال أوانى الشبه من شعار المشركين فى ديارنا فيكره ذلك لنا لأجل
التشبه أيضا، فليحفظ ذلك.
فائدة: قال شارح المهذب: استعمال الإناء من ذهب أو فضة حرام على المذهب الصحيح
المشهور، وبه قطع الجمهور. وحكى المصنف وآخرون قولا قديما للشافعى أنه يكره كراهة تنزيه،
ولا يحرم، ويكفى فى ضعفه منابذته الأحاديث الصحيحة كحديث أم سلمة وأشباهه، وقولهم فى
تعليله: إنما نهى عنه للسرف والخيلاء وهذا لا يوجب التحريم، وليس بصحيح، بل هو موجب
للتحريم، وكم من دليل على تحريم الخيلاء.
وحكى أصحابنا عن داود (الظاهرى) أنه قال: إنما يحرم الشرب دون الأكل والطهارة

ج - ١٧
٣٠٤
باب حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
٥٦٢٧- عن عبيد الله قال: حدثنى نافع عن عبد الله أن رسول الله عرّ له اتخذ
وغيرهما، وهذا الذى قاله غلط فاحش، ففى حديث حذيفة وأم سلمة من رواية مسلم التصريح
بالنهى عن الأكل والشرب كما سبق، وهذان نصان فى تحريم الأكل، وإجماع من قبل داود حجة
عليه. (فاندحض بذلك قول محشى "المغنى": الخلاف ثابت عن داود حتى فى الأكل، وعن
معاوية بن قرة حتى فى الشرب، والحديث خاص بالأكل والشرب، وقياس كل استعمال عليه قياس
مع الفارق، وقد أيده حديث ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا، رواه أحمد وأبو داود اهـ
(٦٢:١). أما احتجاجه بقول داود فساقط لأنه محجوج بإجماع من تقدمه وبما ثبت من النهى عن
الأكل فيها بنص صحيح، وأما بقول معاوية بن قرة فأبطل، وأبطل لاتفاق الروايات كلها على
النهى عن الشرب فيها. وأما قوله: إن القياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فسيأتى
الجواب عنه.
(قال النووى: قال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من
الاستعمال فى إناء ذهب أو فضة إلا ما حكى عن داود فى تحريم الشرب فقط ولعله لم يبلغه حديث
تحريم الأكل، وقول قديم للشافعى فقال بالكراهة دون التحريم، وقد رجع عنه (فلا حجة فى قول
مجتهد قد صح رجوعه عنه، وداود ليس ممن يقدح خلافه فى صحة الإجماع)، فثبتت صحة
دعوى الإجماع على ذلك (وبطل قول الشوكانى فى "النيل": إن حكاية الإجماع لا تتم مع
مخالفة داود والشافعى وبعض أصحابه (٦٦:١)، فافهم وأنصف) ولأنه إذا حرم الشرب فالأكل
أولى لأنه أطول مدة وأبلغ فى السرف. وأما قوله معَّه: الذى يشرب فى آنية الفضة، ولم يذكر
الأكل فجوابه أنه مذكور فى رواية مسلم ، كما سبق ومذكور فى رواية حذيفة وليس فى هذا
الحديث معارضة له، ولأن النهى عن الشرب تنبيه على الاستعمال في كل شىء لأنه فى معناه، كما
قال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا﴾، وجميع أنواع الاستيلاء فى معنى الأكل بالإجماع وإنما نبه به
لكونه الغالب والله أعلم (٢٥٠:١). ولأن الأكل والشرب مما لا بد منه للإنسان فى بقاءه وحياته،
فهو أحوج إلى التوسعة من غيره عاقل.
باب حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
أقول: الأحاديث نص فى الباب، وههنا أبحاث يجب التنبيه عليها: الأول أن حديثَ

٣٠٥
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
إعلاء السنن.
خاتما من ذهب وجعل فصه مما یلی کفه، فاتخذه الناس فرمی به واتخذ خاتمًا من ورق،
أخرجه البخارى من حديث يحيى عن عبيد الله، وأخرج من حديث أبى أسامة عنه فقال
فيه: اتخذ خاتما من ذهب أو فضة بالشك، والذهب هو المتعين لأنه رواه محمد بن بشر
وخالد بن الحارث وعقبة بن خالد عن عبيد الله، كما رواه يحيى، وكذا رواه ليث
وأيوب عن نافع، كما فى "صحيح مسلم"، ورواه أيضًا جويرية عن نافع، كما فى
"صحيح البخارى"، وكذا رواه عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، كما فى
"صحيح البخارى"، وزاد جويرية فقال: فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: إنى
اصطنعتهوإنی لا ألبسه فنبذه فنبذه الناس.
٥٦٢٨- وعن ابن شهاب قال: حدثنى أنس بن مالك أنه رأی فی ید رسول
الله عَّه خاتمًا من ورق يومًا واحدًا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق فلبسوها،
فطرح رسول الله عَّه خاتمه فطرح الناس خواتيمهم، أخرجه البخارى، وقال: قال ابن
مسافر عن الزهرى: أرى خاتما من ورق، وقال ابن حجر فى "الفتح": وصله
الإسماعيلى، وليس فيه لفظ أرى، فكأنها من البخارى اهـ. قلت: هو عجيب،
ولا يحتمله العبارة، كما لا يخفى وانعدامه فى رواية الإسماعيلى لا يستلزم انعدامه.
مطلقًا، فلعله وصل إلى البخارى من غير طريق الإسماعيلى، هذا هو الصواب، فافهم.
الزهومن عن أنس معارض لحديث ابن عمر، وأطال الكلام ابن حجر فى "الفتح" فى الجواب،
والصواب أن الزهرى أخطأ فى قوله: من ورق، لأنه لم يحفظه، كما يدل عليه ما روى عنا.
ابن مسافر أنه قال: أرى خاتما من ورق، لأن قوله: أرى يدل على عدم التثبت منه فيه، وقال
فى "الفتح": قال النووى تبعا للعياض: قال جميع أهل الحديث: هذا وهم من ابن شهاب، لأن
المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، ومنهم من تأوله، إلخ (الفتح ٢٦٩:١٠).
قلت: ما تأولوه به لا يخلو من تكلف وتعسف، والصواب أنه وهم منه.
والثانى: أن مسلما وغيره أخرج عن ابن شهاب عن أنسَ أنه قال: كان خاتم النبى معَ ◌ّه كان
من ورق، وكان فصه حبشيا، وأخرج البخاري وغيره عن حميد الطويل عن أنس أنه كان فصه منه ..
وأجاب عنه ابن حجر من وجوه لا تخلو عن تكلف، والصحيح أن رواية الزهرى عن أنس
غیر محفوظة کما مر فى البحث الأول فالمعتمد هو رواية حمید.

ج - ١٧
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
٣٠٦
٥٦٢٩- وعن عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: اتخذ
رسول الله ێے خاتمًا من ورق و کان فی یده، ثم کان بعد فی ید أبی بکر، ثم کان بعد
فی ید عمر، ثم کان بعد فی ید عثمان، حتى وقع بعد فى بير أريس نقشه "محمد
رسول الله"، أخرجه البخارى، وزاد أبو أسامة فى روايته عن عبيد الله: فاتخذ الناس
خواتيم الفضة، أخرجه أيضًا البخارى.
والثالث أنه أخرج أبو داود من طريق زهير بن معاوية عن حميد أن خاتم النبى مَّ الّ. كان من
فضّة كله، وهو ظاهر روايات الصحيحين، وأخرج النسائى من طريق أبى مكين عن إياس بن
الحارث بن معيقيب عن جده أنه كان من الحديد ملويا عليه الفضة، وهكذا أخرج ابن سعد عن
مکحول مرسلا، وهكذا أخرجه عن إبراهيم النخعى مرسلا.
وأخرج أيضا من طريق سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أن خالد بن سعيد بن العاص أتى
رسول الله عَّ له وفى يده خاتم فقال له رسول الله عَ ليه: ((ما هذا؟ اطرحه))، فإذا خاتم من حديد
ملوى عليه الفضة قال: فما نقشه؟ قال: "محمد رسول الله"، قال: فأخذه فلبسه. ومن وجه آخر
عن سعيد أنه وقع ذلك لعمرو بن سعيد، كذا فى "الفتح" (٢٧١:١٠).
والجواب أن المراسيل مخالفة للمسانيد، ورواية سعيد بن عمرو مضطربة ورواية أبى مكين
غير معتمد عليها، لأن أبا مكين قال البخارى: منكر الحديث، وذكره ابن حبان فى "الثقات"،
وقال: كان يخطىء. وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به، ووثقه غیر واحد، وإیاس
لا يعرف له سماع عن جده. فالظاهر أنه مرسل، وإن ذكروه فى الموصولات لاحتمال
"السماع، والله أعلم. وقد روى عن سلمة بن دهرام عن عكرمة عن يعلى بن أمية قال: أنا صنعت
لرسول الله عَّه خاتما لم يشركنى فيه أحد نقش فيه محمد رسول الله. أخرجه الدارقطنى فى
"الإفراد" كما فى "الفتح" (٢٧٦:١٠)، وفيه رد لرواية سعيد بن عمرو، والقول بالتعدد تعسف.
والرابع أنه روى النسائى عن أبى بشر عن نافع عن ابن عمر أن النبى معَّ لّه اتخذ خاتما من
فضة فكان يختم به ولا يلبسه، وقد ورد فى روايات أخرى البس، والجواب عنه أن معناه أنه لا
يلبسه على وجه العادة، فلا تعارض.
والخامس أنه روى عن بعض الصحابة والتابعين لبس خاتم المذهب، كما سرد العينى
أسماءهم فى "شرح البخاري" (٢٦٧:١٠)، والجواب عنه أنه يمكن أن يكون لم يبلغهم النهى أو

٣٠٧
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
إعلاء السنن
٥٦٣٠- ورواه عبد العزيز بن صهيب عن أنس فقال فيه: إن النبى عَ لّ اتخذ
خاتما من فضة ونقش فيه "محمد رسول الله"، وقال: إنا اتخذنا خاتما من ورق ونقشت
فيه "محمد رسول الله" فلا ينقش أحد على نقشه.
بلغهم، ولكن حملوه على محمل خاص ولا يلزم المجتهد أن يقلد المجتهد الآخر فى تأويله الخاص إذا
خالف اجتهاده فيه لا سيما إذا انعقد الإجماع على خلافه، كما ههنا، فإنه انعقد الإجماع على
تحريم الذهب على الرجال، فافهم.
قال العبد الضعيف: حديث الزهرى عن أنس فى طرح النبى عّ لّ خاتما من ورق قد اتفق
الشيخان على تخريجه من طريقه، ونسب فيه إلى الغلط، لأن المعروف أن الخاتم الذى طرحه
النبى عّل بسبب اتخاذ الناس مثله، إنما هو خاتم الذهب، كما صرح به فى حديث ابن عمر، قاله
الحافظ فى "الفتح"، وإنما أخرجه الشيخان لاختلاف الرواة فى حديث ابن عمر أيضا، فقد روى
البخارى من طريق أبى أسامة حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول مرّ له اتخذ خاتما من
ذهب أو فضة ونقش فيه: محمد رسول الله. فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به
الحديث (فتح البارى ٢٦٨:١٠)، فلم يكن خطأً(١) ابن شهاب متعينا، واحتمل أنه مع لآ- رمى
الخاتمين جميعا، أما خاتم الذهب فلتحريمه، وأما خاتم الورق فلاتخاذ الناس مثله، ونقشهم
خواتيمهم على نقشه، وهذا أولى من تخطئة الرواة الحفاظ لا سيما فى حديث قد اتفق الشيخان
على تخريجه، وإذا كان كذلك فلا بد من الجمع بين ما روى أن فص خاتمه عّ لّه كان حبشيا وبين
ما روی أن فصه کان منه.
فقال البيهقى فى "الشعب": وفيه دلالة على أنه كان له خاتمان، أحدهما فصه حبشى،
والآخر فصه منه، وفى حديث معيقيب أنه كان له خاتم من حديد ملوى عليه فضة فربما كان فى
يده، وليس فى شىء من الأحاديث أنه مَِّ جمع بينهما، إلى هنا كلامه.
وقال ابن العربی: ما روی ان فصہ کان حبشیا وان فصہ منہ لیس بتناقض لکنہ لیس
الصفتين، واستقر الأمر على خاتم فصه منه، وجرى على ذلك القرطبى فقال: هذا ليس بخلاف،
فإنه كان له خاتمان فص أحدهما حبشى والآخر منه، ثم الإمام النووى فإنه لما نقل عن ابن عبد البر
(١) والعجب من جماعة المحدثين أنهم لم يتعرضوا لحل هذا الإشكال ولم يبينوا وجه سكوت الشيخين عن تخطئة ابن شهاب فى
هذا الحديث، بل اتفقا على إخراجه وتصحيحه، والحمد لله الذى هذانا لهذا وما كنا لنهتدى لو لا أن هدانا الله.

ج - ١٧
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
٣٠٨
أن رواية أن فصه منه أصح قال: وقال غيره: كلاهما صحيح وكان له عَّ فى وقت خاتم فصه
منه، وفى وقت خاتم فصه حبشی، وفى حديث آخر فصه من عقيق، هذا كلام النووى، وتعقبه ابن
جماعة بأنه يحتاج إلى إثبات ذلك ولم يقل أحد بأنه كان له خواتيم، ولا أنه اتخذ ولا لبس غير
واحد، وبأن العقیق یبعد أن ینقش علیه، انتهى.
(قلت: أما قوله: إنه لم يلبس غير واحد فمسلم، وأما إنه لم يتخذ غير واحد فلا، فقد ثبت
أنه مرّ أخذ خاتما من خالد بن سعيد أو عمرو بن سعيد وأنه صنع له يعلى بن أمية خاتما لم يشركه
فيه أحد، كما مر وسيأتى)، والأوجه فى معنى الحبشى الذى لا محيد عنه ما صار إليه الجلال
السيوطى وغيره اعتمادًا على ما ذهب إليه ابن البيطار فى "مفرداته" أن الحبشى نوع من الزبرجد
يكون ببلاد الحبش لونه إلى الخضرة مائل، من خواصه أنه يجلو ظلمة البصر وينقى العين، وهذا هو
الإمام المرجوع إليه فى بيان "المفردات" وضروبها، وإنما يرجع فى كل فن لأهله.
وأما جمع العصام بأن معنی وفصه منه أن موضع فصه منه، فلا ینافی کون فصه حجرا، فرد
بأنه تعسف، إذ لا يتوهم أن موضع فص الخاتم من غيره حتى يحترز الراوى بقوله: فصه منه عن
ذلك، قال الزين العراقى: مقتضى تبويب الترمذى أن المستحب أن يكون فص الخاتم منه لا من
غيره، قال: وقد ورد حديث غريب فى كراهة كونه من غيره ففى كتاب المحدث الفاضل من رواية
على بن زيد عن أنس بن مالك عن رسول الله عّ لّه أنه كره أن يلبس الخاتم ويجعل فصه من غيره
اهـ. ملخصا من "شرح الشمائل" للمناوى (١٣٨:١). قلت: وغاية ما فيه كراهة لبس خاتم على
هذه الصفة، ولا دلالة فيه على كراهة اتخاذ خاتم هذا صفته للختم به، فيكون خاتمه الذى فصه
حبشى للختم والذى فصه منه للختم واللبس جميعا، فافهم.
وأما قول بعض الأحباب: إن رواية ابن شهاب عن أنس غير محفوظة فالمعتمد هو رواية
حميد فى أن فصه منه، ففيه أن كون فصه حبشيا لم ينفرد به الزهرى عن أنس، بل تابعه ثمامة عن
أنس أيضا أخرجه أبو الشيخ فى أخلاق النبى ◌ّ له من رواية عرعرة بن البرند عن عزرة بن ثابت
عن ثمامة عنه قال: كان فص خاتم النبي ◌ّ حبشيا الحديث (فتح البارى ٢٧٧:١٠)، وعرعرة
وإن ضعفه ابن المدينى، فقد وثقه ابن حبان وغيره، كما فى "الميزان" (١٩٣:٢).
وقوله: وإياس لا يعرف له سماع من جده، فدعوى بلا دليل، فقد قال الحافظ فى
"التهذيب": روى عن جده معيقيب وعن جده لأمه ابن أبى ذباب، ذكره ابن حبان فى

٣٠٩
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
إعلاء السنن
"الثقات"، وظاهره السماع فلا يقبل خلافه إلا بدليل، وقد ذكره فى "شرح الشمائل" بلفظ: إن
أبا داود والنسائى أخرجاه من حديث إياس بن الحارث بن معيقيب عن أبيه عن جده (١: ١٤٠).
وقال فى "فتح الودود": هذا الحديث أجود إسنادًا مما قبله (عون المعبود ١٤٥:٤)، وأما
قوله: إن رواية سعيد بن عمرو مضطربة، فالاختلاف فى اسم الصحابى ليس من الاضطراب فى
شىء، فإنهم كلهم عدول، ومن هنا لا يقدح جهالة الصحابى فى صحة الحديث، والله تعالى أعلم.
وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أنه أخرج لهم خاتما
وزعم أن رسول الله عّلٍّ كان يلبسه، فيه ثمثال أسد. قال معمر: فغسله بعض أصحابنا وشربه ففيه
مع إرساله ضعف لأن ابن عقيل مختلف فى الاحتجاج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ وعلى تقدير
ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهى (فتح البارى ٢٧٣:١٠).
ولا يخفى على عاقل أن القول بالتعدد لا محيد عنه لمن يحتج بالمراسيل، وبه يحصل الجمع
بين الروايات من غير طعن على أحد من الرواة.
وفى "شرح الشمائل" للقارى: وأما ما روى فى التختم بالعقيق من أنه ينفى الفقر وأنه
مبارك وأن من تختم به لم يزل فى خير، فكلها غير ثابتة على ما ذكره الحفاظ. وفى خبر ضعيف أن
التختم بالياقوت الأصفر يمنع الطاعون (١٣٩:١)، وفيه أيضا عن شرعة الإسلام: التختم بالعقيق
والفضة سنة، قال شارحه: ينبغى أن يعلم أن التختم بالعقيق قيل: حرام لكونه حجرا، وهو المختار
عند أبى حنيفة، وقيل: يجوز التختم بالعقيق، لأن النبى معَّ. قال: تختموا بالعقيق فإنه مبارك وليس
بحجر، كذا فى "شرح الوقاية"، وكلام صاحب الشرعة على هذا القول، ولكن ينبغى أن يعلم أن
العبرة للحلقة لا الفص، حتى يجوز أن يكون الفص من الحجر والحلقة من الفضة اهـ (١٤٠:١).
وفى "مجمع الزوائد": عن فاطمة عن رسول الله عّ لّه قال: من تختم بالعقيق لم يزل يرى
خيرا، رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وعمرو بن الشريد لم يسمع من فاطمة، وزهير بن عباد
الرواسى وثقه أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ (١٥٤:٥).
قلت: عمرو بن الشريد أبو الوليد الطائفى ثقة من رجال الشيخين، وهو من الطبقة الثالثة
طبقة الحسن وابن سيرين، وإرسال مثله مقبول عندنا، فالحديث ليس بضعيف، ولا موضوع، بل
هو مرسل صحيح، وله طريق آخر عند البخارى فى "تاريخه" قال: حدثنا أبو عثمان سعيد بن
مروان ثنا داود بن رشيد ثنا هشام بن ناصح عن سعيد بن عبد الرحمن عن فاطمة الصغرى عن

ج - ١٧
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
٣١٠
فاطمة الكبرى قالت: قال رسول الله عَ له: من تختم بالعقيق لم يقض له إلا بالتى هى أحسن، كذا
فى "التعقبات على الموضوعات" للسيوطى (ص ٣٤).
وفى "اللآلئ المصنوعة": وهذا أصيل وهو أمثل ما ورد فى الباب، والله أعلم (٢: ١٤٧).
فالحق أن التختم بالعقيق جائز وليس بحجر بل هو خرز أحمر يكون باليمن وبسواحل بحر
رومية، كما فى "القاموس" (٦٥٧:٢)، وسيأتى بسط الكلام فى المسألة، فانتظر.
وأما ما ورد عن بعض الصحابة والتابعين أنهم تختموا بالذهب فمنه ما رواه الطبرانى عن
جميل بن عبد الله قال: رأيت خمسة من أصحاب النبى مرّ له يلبسون خواتيم الذهب: زيد بن
حارثة وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وأنس بن مالك وعبد الله بن يزيد، قال الهيثمى فى "المجمع":
ويزيد لم أعرفه وبقية رجاله وثقوا اهـ (١٥٣:٥)، وجميل بن عبد الله أظنه الذى ذكره ابن الجذاء
فى رجال "الموطأ"، قال: والأشهر فيه أنه جميل بن عبد الرحمن بن سويدا وسوادة المؤذن المدنى
أمه من ذریة سعد القرظ، و کان یؤذن معهم، سمع سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزیز، روی
عنه مالك ويحيى بن سعيد الأنصارى، ذكره الحافظ ابن حجر فى "كتابه" (تعجيل المنفعة)،
وأغفله الحسينى، كذا فى "إسعاف المبطا" (ص ٩)، فإن كان هو فلم يدرك زيد بن حارثة، قال
الحافظ: وقد جاء عن جماعة من الصحابة لبس خاتم الذهب، من ذلك ما أخرجه ابن أبى شيبة من
طريق محمد بن إسماعيل أنه رآى ذلك على سعيد بن أبى وقاص وطلحة بن عبد الله وصهيب
وذكر ستة أو سبعة، وأخرج ابن أبى شيبة أيضا عن حذيفة وعن جابر بن سمرة وعبد الله بن يزيد
الحظمى نحوه، ومن طريق حمزة بن أبى أسيد نزعنا من يدى أبى أسيد خاتما من ذهب.
وأغرب ما ورد من ذلك ما جاء عن البراء الذى روى النهى، فأخرج ابن أبى شيبة بسند
صحيح عن أبى السفر قال: رأيت على البراء خاتما من ذهب، وعن شعبة عن أبى إسحاق نحوه،
أخرجه البغوی فی "الجعدیات"، قال الحازمى: لو صح فهو منسوخ.
قلت: لو ثبت النسخ عند البراء ما لبسه بعد النبى معَّه وقد روى حديث النهى المتفق على
صحته عنه، فالجمع بين روايته، وفعله إما بأن يكون حمله على التنزيه أو فهم الخصوصية له، كذا
فى "فتح الباري" (٢٦٧:١٠)
قلت: ويؤيد الاحتمال الثانى ما فى "مجمع الزوائد" عن محمد بن مالك قال: رأيت على
البراء خاتما من ذهب وكان الناس يقولون له: لم تختم بالذهب وقد نهى عنه النبى عَّ له؟ فقال

٣١١
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
إعلاء السنن
البراء: بينما نحن عند رسول الله عَ ◌ّه وبين يديه غنيمة يقسمها سبى وحربى قال: فقسمها حتى
بقى هذا الخاتم فرفع طرفه فنظر إلى أصحابه، ثم رفع طرفه ينظر إليهم، ثم خضض ثم رفع طرفه
فنظر إليهم، ثم قال: أى براء! فجأة حتى قعدت بين يديه، فأخذ الخاتم ثم قبض على كرسوعى ثم
قال: خذ ألبس ما كساك الله ورسوله، قال: وكان البراء يقول: كيف تأمرونى أن أضع ما قال
رسول الله عَّ: ألبس ما كساك الله ورسوله، رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، ومحمد بن مالك
مولى البراء وثقه ابن حبان وأبو حاتم، ولكن قال ابن حبان: لم يسمع من البراء. قلت: قد وثقه
وقال: رأيت فصرح، وبقية رجاله ثقات (١٥١:٥).
فقوله: كيف تأمرونى أن أضع إلخ ظاهر فى أنه فهم الخصوصية له من قوله: ألبس ما كساك
الله ورسوله، والأحاديث فى النهى عن التختم بالذهب وفى حرمة الذهب على الرجال كثيرة،
فلا بد من التأويل فى أفعال الصحابة رضى الله عنهم، قال النووى فى "شرح المهذب": أجمع
العلماء على تحريم استعمال حلى الذهب على الرجال الأحاديث الصحيحة السابقة وغيرها واتفق
أصحابنا على تحريم قليله وكثيره، ولو كان الخاتم فضة، وفيه سن من ذهب، أو فص حرم بالاتفاق للحديث،
هكذا قطع به الأصحاب، ونقلوا الاتفاق عليه، وقال إمام الحرمين: لا يبعد تشبهه بالضبة الصغيرة
فى الإناء، وهذا الذى قاله شاذ ضعيف، والفرق أن الشرع حرم استعمال الذهب، ومن لبسه هذا
الخاتم يعد لابس الذهب (ومستعمله)، وهناك حرم إناء الذهب والفضة، وهذا ليس بإناء (٤: ٤٤١).
ولإمام الحرمين أن يقول: إن تحريم الإناء لتحريم الاستعمال فحيث جاز له استعمال إناء
مضبب بذهب ولم يعد مستعملا للذهب لكونه تابعا، فكذلك خاتم فضة فيه سن أو مسمار من
ذهب، أما الذى فيه فص من ذهب فقياسه على الضبة الصغيرة فى الإناء بعيد لكون الفص هو
العمدة فى الخاتم بخلاف الضبة، فافهم.
قال فى "الدر": وحل مسمار الذهب فى حجر الفص، قال ابن عابدين: يريد به المسمار
ليحفظ به الفص (تاتر خانية). لأنه تابع كالعلم فى الثوب فلا يعد لابسا له (هداية، وفى " شرحها".
للعينى)، فصار كالمستهلك، أو كالأسنان المتخذة من الذهب على حوالى خاتم الفضة، فإن الناس
يجوزونه من غير نكير ويلبسون تلك الخواتم قال ط: ولم أر من ذكر جواز الدائرة العليا من الذهب
بل ذكرهم حل المسمار فيه يقتضى حرمة غيره اهـ. أقول: مقتضى التعليل المار جوازها، ويمكن
دخولها فى الضبة أيضا، تأمل اهـ (٣٥٤:٥).

٣١٢
إعلاء السنن
حرمة خاتم الذهب على الرجال وحل خاتم الفضة لهم
باب ما جاء فى الرخصة فى التختم بخاتم الذهب للنساء
٥٦٣١- عن عائشة أن النجاشى أهدى للنبى عّ لّه حلية فيها خاتم من ذهب
فأخذه وإنه لمعرض عنه ثم دعا أمامة بنت ابنته فقال: تحلى به، رواه ابن أبى شيبة، أخرجه
فى "الفتح" (٢٦٧:١٠)، وكان على عائشة خواتيم الذهب، أخرجه البخارى تعليقًا.
قلنا: تأملنا فظهر لنا أن كون الدائرة العليا تابعا كالمسمار بعيد سلمنا ولكن ذكرهم حل
المسمار دون غيره يدل على الفرق بين كثير الذهب تبعا وقليله، والدائرة العليا من الذهب كثير،
فلا يجوز وإن كان تابعاً. وهذا كله إذا كان حل مسمار الذهب فى الخاتم منصوصا عن الإمام، وإلا
فقد قدمنا أن المنصوص عنه فى مسألة التضبيب جواز المفضض فقط لوروده فى النص، وهو ما مر
من حديث أنس فى قدح النبى معَّ ◌ُّ ولم يرد مثله فى الذهب.
ومن هنا قال الإمام بجواز تحلية السيف ونحوه من السلاح بالفضة دون الذهب، ولو كان
منشأ قوله بجواز التضبيب كون الضبة تابعا لقال بجواز تحلية السلاح بالذهب أيضا لكون الحلية
من توابع السلاح، كما لا يخفى. وأما أبو يوسف فقال بكراهة المضبب مطلقا سواء كان مضببا
بالفضة أو بالذهب، لأن من استعمل إناء كان مستعملا لكل جزء منه، والأخبار فى تحريم استعمال
الذهب والفضة مطلقة، ولعله لم يصح عنده كون ضبة الفضة فى القدح من فعل النبى مێد، بل
الظاهر کونه من فعل أنس رضى الله عنه.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فى حديث أنس: إن قدح النبى مێ انكسر فاتخذ مكان
الشعب سلسلة من فضة، إن قوله: فاتخذ یوهم أن النبی مګ هو المتخذ، ولیس کذلك، بل أنس
هو المتخذ، ففى رواية قال أنس: فجعلت مكان الشعب سلسلة، وهذا الذى قاله أبو عمرو قد أشار
إليه البيهقى وغيره اهـ من "شرح المهذب" (٢٥٧:١)، فرآى أبو يوسف التأويل فى فعل أنس، كما
(أولوا فى أفعال من تختم بالذهب من الصحابة، وأجرى الأخبار على إطلاقه، فافهم.
باب ما جاء فى الرخصة فى التختم بخاتم الذهب للنساء
أقول: الحديث نص فى الباب، وتعليق البخارى قال الحافظ: وصله ابن سعد من طريق عمرو
ابن أبى عمرو مولى المطلب قال: سألت القاسم بن محمد فقال: لقد رأيت والله عائشة تلبس
المعصفر وتلبس خواتيم الذهب (فتح ٢٧٧:١٠).
قال العبد الضعيف: قد تقدم أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلى كلها من الذهب والفضة

٣١٣
ج - ١٧
باب تحلية السيف والمنطقة بالفضة
٥٦٣٢- عن أبى أمامة بن سهل قال: كانت قبيعة سيف رسول الله عَ ليه من
فضة، أخرجه النسائى، ورجاله ثقات.
٥٦٣٣- وعن هشام الدستوائى عن قتادة عن سعيد بن أبى الحسن قال: كانت
قبيعة سيف رسول الله عَّ طلاء فضة، رواه أبو داود والنسائى، ورجاله ثقات.
كالخاتم والحلقة والسوار والخلخال والطوق والعقد والقلائد ونحوها، لا نعلم فيه خلافا،
وقوله عَّه فى الحرير والذهب: ((هذان حرام على الرجال من أمتى حل الإناثها)) يشمل بعمومه
الحلى كلها والله تعالى أعلم. وخص منه استعمالهن الذهب والفضة فى غير الحلى بالإجماع الذى
مر ذكره.
قوله: عن هشام إلخ: قلت: وتابعه نصر بن طريف فرواه عن قتادة كما رواه هشام، قاله
الدار قطنى، كما فى "نصب الراية" (٢٨٥:٢)، وعن همام وجرير عن قتادة عن أنس قال: كانت
نعل سيف رسول الله عَّ له من فضة، وكانت قبيعة سيفه فضة، وما بين ذلك حلق فضة، رواه
النسائى، وأخرجه أبو داود عن جرير عن قتادة عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول الله مَ له
فضة. قلت: تكلم الحفاظ فيه من غير شىء فقال بعضهم: جرير عن قتادة ضعيف، فالصواب رواية
هشام. والجواب عنه أنه لم یتفرد به جریر، بل تابعه علیه همام، وهمام لیس بدون هشام، کما
صرح ابن المدينى كما فى "التهذيب"، وجرير ليس بدون نصر بن طريف، كما يظهر من كتب
الرجال، فلا وجه لترجيح رواية هشام، وقال النسائى: هذا حديث منكر، والصواب قتادة عن
سعيد مرسلا، وما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم، كذا فى "الزيلعي" (٢٨٥:٢).
والجواب عنه أنه لا وجه للإنكار فيه ولا لكون رواية قتادة عن سعيد صوابا، وتفرد عمرو
ابن عاصم غير مضر لأنه ثقة من رجال الجماعة.
شرح قول أبى داود: ما علمت أحدًا تابعه على ذلك:
وقال أبو داود بعد إخراج حديث جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس، وحديث هشام عن
قتادة عن سعيد، وحديث عثمان بن سعد عن أنس: أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبى
الحسن، والباقية ضعاف، فضعف بهذا القول حديث جرير عن قتادة عن أنس، وحديث عثمان بن
سعد عن أنس، وأشار إلى وجه ضعف، رواية جرير بأن قال بعد إخراج حديث قتادة عن سعد،

١
٣١٤
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
إعلاء السنن
قال قتادة: وما علمت أحدًا تابعه على ذلك، ووجه الإشارة أن قتادة نفسه مصرح بأنه لم يسمع
ذلك من غير سعيد، فکیف یروی جرير عن قتادة عن أنس به؟
الجواب عنه أنه لم يتفرد به جرير بل تابعه عليه همام، وهما ثقتان فكيف يصح أن يخطأ
ثقتان فى الرواية؟ وأما قول قتادة ذلك فيمكن أن يكون نسى الحديث عن أنس، ويحتمل أن يكون
لم يسمعه من أنس إلى وقت هذا القول وسمعه بعد ذلك، فلا حجة فى حديث القول لمضعف
حديث جرير وهمام.
قال العبد الضعيف: ولكن هذا الكلام بأقوال الفلاسفة المجازفين أشبه منه بكلام المحدثين،
وكيف يمكن أن يكون سماع قتادة من سعيد مقدما على سماعه عن أنس؟ وأما قوله: يمكن أن
يكون نسى الحديث عن أنس فمجرد الإمكان العقلی لا یجدی فی هذا الفن ما لم يدل عليه دليل،
وأيضا فليس هذا التأويل بأقرب مما قاله صاحب "العون" وغيره فى تصحيح هذا الكلام: فإنهم
نسبوا أبا داود إلى أنه ارتكب الاختصار فى الكلام أو نسبوا الناسخين إلى الخطأ فى الكتابة، وكل
ذلك أهون من نسبة النسيان إلى قتادة الحافظ الثقة، فلم يأت بعض الأحباب إلا بما هو أبعد مما قاله
غيره وأسوأ وأفحش.
تزييف أقوال العلماء فى شرح القول المذکور:
فائدة: اعلم أنه قد تحير العلماء فى شرح قول أبى داود قال قتادة: وما علمت أحدا تابعه
على ذلك، فقال بعضهم: هذه العبارة بظاهرها غير صحيحة ولعلها مسخها النساخ اهـ، ولم يذكر
وجها، وقال بعضهم: فى هذه العبارة اختصار مخل بالمقصود، وحق العبارة أن يقول: هكذا قال
قتادة، يعنى فى رواية جرير بن حازم متصلا، وفى رواية هشام الدستوائى مرسلا وما علمت أحدا
من أصحاب قتادة تابعه أى جرير بن حازم على ذلك أى الرواية عن قتادة عن أنس متصلا اهـ.
قال بعض الأحباب: وفيه أنه تحريف الكلم عن مواضعه، ولو كان كما قال، كان محل هذه
العبارة بعد رواية جرير لا بعد رواية سعيد، وكان حق العبارة أن يقول: هكذا قال جرير:
وما علمت أحدًا تابعه على ذلك، لا أن يقول: هكذا قال قتادة؛ لأن أبا داود يضعف رواية جرير
عن قتادة عن أنس، ولا يسلم أن قتادة حدث به لجرير عن أنس، وفى قوله: هكذا قال قتادة: تسليم؛
لأنه رواه لجرير عن أنس، وهو مخالف لمقصوده، ثم بعد تسليم صحة ما قاله هذا القائل، لزم أن

ج - ١٧
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
٣١٥
يرجع الضمير فى قوله: تابعه إلى قتادة لا إلى جرير، ويكون معنى قوله: هكذا قال قتادة، وما
علمت أحدا تابعه أى قتادة على ذلك، وهو خلاف مقصوده، فيكون هذا الإصلاح إفسادًا لكلامه،
فافهم. وقال بعضهم: إن قوله: قال قتادة خطأ، والصحيح: قال أبو داود: والضمير راجع إلى
جرير، فيكون حاصل الكلام، قال أبو داود: وما علمت أحدًا تابع جريرًاً على ذلك، واحتج لما قال:
بأنه لم يعهد من مثله قتادة استعمال هذه العبارة، وإنما يستعملها متأخروالمحدثين الذين دونوا قواعد
الرواية وآدابها.
قال الحافظ ابن حجر فى "نكته على ابن الصلاح": الذى يبحث عنه المحدثون، إنما هو زيادة
بعض الرواية من التابعين، فمن بعدهم اهـ، فإنه يدل صريحًا على أن قوله: ولا أعلم أحدًا تابعه على
ذلك من قول أبى داود لا من قول قتادة، انتهى كلامه مع بعض التغير. وفيه أولا: أنه لو كان الأمر
كما قال: لكان موقع هذا الكلام بعد رواية جرير، لا بعد رواية سعيد، وثانيًا: أنه كان حق الكلام
أن يقول: تابع جرير إلا أن يقول: تابعه، لأنه لا قرینة هناك إلی رجوعه إلی جریر.
وثالثا: أنه لا بعد فى أن يقول قتادة: لم يحدث لى هذا الحديث غير سعيد أو ما سمعته من
غير سعيد، أو ما فى معناه.
ورابعا: أنه لا حجة له فى كلام ابن حجر بوجه من الوجوه، فاستشهاده به لدعواه غير
صحيح، وأعجب منه أنه استنتج منه أنه يدل صريحًا على أنه من قول أبى داود، لا من قتادة مع أنه
لا إشارة فيه إلى ذلك فضلا عن الصراحة، فهذا الكلام فاسد.
وقال ذلك البعض أيضًا: إنه يحتمل على بعد أن تكون هذه العبارة من قول قتادة، و کأنه لما
ثبت عند قتادة سماعه لذلك عن أنس عن النبى مرّ له، وسمع قتادة سعيد بن أبي الحسن حدث به
مرسلا، حصل له إنكار لذلك، فقال: ما علمت أحدًا تابعه على ذلك، فعلى هذا يكون الضمير فى
تابعه عائدا إلی سعید بن أبى الحسن اهـ.
وفيه أنه لا معنى لإنكار قتادة على سعيد بعد ما سمع من أنس مثل ما سمعه من سعید،
و قوله: لما ثبت عند قتادة سماعه من أنس عن النبی مګآه، وحدث به سعید مرسلا حصل له الإنكار
لذلك عجيب، فإن قتادة لم يروه عن أنس عن النبى معَّه، بل حدث به عن أنس بحالة السيف،
وكذا حدث به عن سعيد فلا إسناد فى حديث أنس، ولا إرسال فى حديث، فأى شىء أنكره
عليه؟ ثم الإنكار إنما يكون على من رفع المرسل دون من أرسل المرفوع فما معنى لإنكاره على

٣١٦
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
إعلاء السنن
سعيد؟ ثم هذا الكلام يدل على صحة حديث جرير عن قتادة عن أنس، وضعف رواية سعيد، وهو
مخالف لتصريح أبى داود؛ لأن أبا داود قال: أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي سعيد،
والباقية ضعاف، فلثبت أن هذا الكلام أيضًا فاسد.
وتبين من هذا التفصيل أن الصواب فى هذا الباب هو ما قلنا: إن هذه العبارة صحيحة،
ومعناه: هو ما هو المتبادر، ولا مسخ فيه ولا إغلاق، والضمير راجع إلى سعيد، كما هو الظاهر،
لا إلى جرير كما توهموا، ومقصود أبى داود منه الإشارة إلى أن رواية جرير عن قتادة عن أنس
ضعيفة لتصريح قتادة بأنه لم يروه غير سعيد، والذى غير هؤلاء الرجال أنهم لما رأوا متابعة أنس
لسعيد توهموا أنه لا معنى لقول قتادة: ما علمت أحدًا تابع سعيدا على ذلك، ولم يفهموا أن هذا
مبنى على تسليم صحة رواية قتادة عن أنس، وأبو داود لا يسلمه، بل يجعله دليلا لضعف تلك
الرواية فتنبه له، وإنما أطنبنا الكلام فى هذا المقام؛ لأنه من مداحض أقدام الأعلام.
قال العبد الضعيف: ولكن بعض الأحباب أطال الكلام بلا طائل، والحق أن ذلك من قول
أبى داود، ومقصوده ترجيح المرسل على المسند، وتضعيف رواية جرير عن قتادة عن أنس، كما
فعل الدارمى فى "مسنده"، وقال الحافظ فى "التلخيص": رواه أصحاب السنن من حديث جرير
عن قتادة عن أنس، ومن طريق هشام عن قتادة عن سعيد مرسل، ورجحه أحمد وأبو داود
والنسائى وأبو حاتم والبزار والدارمى والبيهقى، وقال: تفرد به جرير بن حازم اهـ (١٩:١).
وهذا هو معنى قول أبى داود: ما علمت أحدًا تابعه أى جريرًاً على ذلك، وإنما رجحوا
المرسل لكون هشام الدستوائى من أثبت الناس فى قتادة كما فى "التهذيب"، هذا هو معنى كلام
أبى داود، إلا أن دعواهم أن جريرًا انفرد برفع الحديث، وإسناده محل نظر، فقد ثبت أن همامًا تابعه
على ذلك كما ذكره الحافظ فى "التلخيص" أيضًا، فالحق أن الحديث من كلا الوجهین حسن،
أسنده قتادة عن أنس مرة، وأرسله من طريق سعيد أخرى، فافهم.
تنبيه: قد أطلق الحفاظ على حديث سعيد بن أبى الحسن أنه مرسل، وهذا خطأ فاحش، لأن
سعيدًا لم يروه عن النبى معَّهِ، وإنما حكى عن سيفه أنه كانت قبيعة فضة، ويمكن أن يكون حكايته
عن رؤية ومشاهدة، فلا معنى للحكم عليه بالإرسال، فاعرف ذلك.
قلت: يا سبحانه الله! وهل مشاهدة السيف تخبره بأنه سيف رسول الله عَّ ◌ُّه ما لم يخبره
أحد به؟ فقول التابعى: إن سيف رسول الله عَّه كان كذا، مرسل حتمًا، وهذا أظهر من أن يخفى

٣١٧
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
ج - ١٧
على من له مسكة عقل. قال بعض الأحباب: وأخرج أبو داود عن عثمان بن سعد عن أنس مثل
رواية جرير عن قتادة، وعثمان، وإن ضعفه الأئمة إلا أنه وثقه أبو نعيم وأبو جعفر البستى والحاكم،
ولا أقل من أن يستشهد به لصحة رواية جرير، وهمام عن قتادة عن أنس، فثبتت صحة رواية أنس،
وسقط تضعيف الحفاظ له.
وأخرج عبد الرزاق عن جعفر بن محمد قال: رأيت سيف رسول الله عّ لّره قائمته من فضة،
ونعله من فضة، وبين ذلك حلق من فضة، وهو عند هؤلاء يعنى بنى عباس، كذا فى "الزيلعى"
(٢: ٢٨٥)، ففى هذه الروايات دليل على جواز تحلية السيف بالفضة، وهو مذهب أبى حنيفة.
وأما ما أخرج البخارى عن أبى أمامة الباهلى أنه قال: لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية
سيوفهم الذهب ولا الفضة، وإنما كانت حليتهم العلابى والآنك والحديد اهـ، فليس فيه ما ينفى
جواز التحلية بالفضة، وإنما قال ذلك لتزهيد الناس فى مثل ذلك لما رأى أنهم أولعوا به، وإلا فقد
أخرج البخارى نفسه عن عروة أنه كان سيف الزبير محلى بفضة، وعن هشام أنه كان سيف عروة
محلى بفضة (بخارى ٥٦٦:٢)، فدل ذلك على أن قول أبى أمامة مبنى على الأغلب، وليس فيه
نفى للجواز، بل ورد ذلك للترغيب عن الانهماك فى تحلية السيوف، والتنبيه على أن ذلك ليسل
مدارًا للفتح الذى هو المقصود من السيوف، فلا ينبغى الاشتعال بالتحلية والانهماك فيها،
فاعرف ذلك.
هذا فى حلية السيف من الفضة، وأما المنطقة منها ففى "عيون الأثر" لابن سيد الناس: إن
النبى معٍَّ كان له منطقة من أديم مبثور أى مقشور ثلث حلقها وأبرعيها وطرفها فضة، كذا فى
"شرح النقابة" للقارى، كما نقله عنه مولانا عبد الحليم فى "حواشى الهداية" (٢: ٤٤١)، ونقله
أيضًا فى "نصب الراية" (٢٨٥:٢ من "العيون": وهذا الحديث، وإن لم يظهر لنا سنده إلا أنا نعلم
أن ابن سيد الناس ليس من الذين ينقلون الأحاديث والآثار جزافا، بل هو من الحفاظ الناقدین، ٣كما
قال التاج السبكى فى "الطبقات الكبرى" ونصه: قال شيخنا الذهبى: كان صدوقًا فى الحديث
حجة فيما ينقله له بصر ناقد بالفن، وخبرة بالرجال وطبقاتهم، ومعرفة بالاختلاف، وقال الشيخ
علم الدين البرزالى: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانًا وضبطًا للحديث، وتفهمًا فى علله وأسانيده
عالمًا، بصحيحه وسقيمه، مستحضرًا للسيرة اهـ (طبقات كبرى ٢٩:٦)، فدل ذلك على أن
الحديث ثابت عنده، وهذا القدر كافٍ للاحتجاج، فالحديث دليل لجواز تحلية المنطقة بالفضة،

٣١٨
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
إعلاء السنن
ويقاس عليه تحلية حمائل السيف بها؛ فإن الحمائل كالمنطقة، وهو مذهب أئمتنا.
قال القهستانى فى "شرح النقاية" ناقلا عن قاضى خان: ولا بأس بحلية المنطقة والسلاح،
وحمائل السيف بالفضة فى قولهم، كذا فى "حاشية الهداية" لمولانا عبد الحليم (هداية ٤: ٤٤١)،
وهذا يدل على أن المراد من المنطقة فى عبارة المتون هو حلية المنطقة لا نفس المنطقة، ويؤيده ما فى
"القنية"، لا بأس باستعمال منطقة حلقتاها فضة، ولا بأس إذا كان قليلا وإلا فلا، وما فى
"الظهيرية" عن أبى يوسف: لا بأس بأن يجعل فى أطراف سيور اللجام والمنطقة الفضة، ويكره أن
يجعل جميعه أو عامته الفضة، كما نقله عنها فى "رد المحتار" (٣٥٢:٥)، ثم إن هذا الجواز مختص
بالفضة، وأما المذهب فلا، كما صرح به فى "الهداية" وغيرها، لأن هذا الجواز لورود النصوص
فيها، ولم يرد فى الذهب شىء فبقى على عدم الجواز، والله أعلم.
فإن قلت: ما الفرق بين المنطقة والحمائل والسيف، وبين السرج والكرسى وغيرها، حيث
جوز أبو حنيفة تحلية السرج وغيره بالذهب والفضة، ولم يجوز تحلية السيف وغيره بالذهب؟ قلنا:
إن الفرق أن السيف والحمائل والمنطقة من الملبوسات، فيلزم بتحليتها تحلى الرجل بالذهب والفضة،
فلا يجوز إلا بما ورد به النص وهو الفضة، والكرسى وغيره ليس من الملبوسات، فلا يلزم بتحليتها
تحلى الرجل، فيجوز تحليتها بالذهب والفضة، إذا لم يستعملهما فى ما هو الغرض منها؛ لأنه إن
استعملها يكون تلك الأشياء فى معنى أوانى الذهب والفضة، ويحكم بعدم الجواز.
قلت: ثبت الجدار أولا فانقش فإن المنصوص عن الإمام فى التضبيب، إنما هو جواز المفضض
كما فى المتون، وأما المذهب فلم يذكر جوازه فى المتون، وإنما ذكره القهستانى وغيره قياسًا على
المفضض، وفيه ما فيه فتذكر، والفرق الذى ذكره بعض الأحباب ليس من الفقه فى شىء. قال:
وعلم من هذا التفصيل أن سيور للجام من جنس الكرسى وغيره لا من جنس السيف وغيره فافهم.
فإن قلت: سلمنا أن تحلية السيف وغيره يستلزم تحلى الرجل، ولكنا لا نسلم أن تحلى الرجل
بالذهب ممنوع مطلقًا، ألا ترى أنه لو كان له أزرارا من الذهب أو كفاف لثوبه منه يجوز هذا
التحلی فلم يمنع تحلية السیف وغيره به.
قلنا: تحلى الرجل بالذهب، إما أن يكون تبعًا للثوب، فحكمه حكم الحریر فیعفی منه ما
يعفى من الحرير، وإما أن لا يكون بتعلله، فإن كان بعذر كاتخاذ الأنف والسن من الذهب، وشدها
به يجوز أيضاً، وإلا فلا، والخاتم من الذهب، وحلية السيف، والمنطقة، والحمائل من القسم الثلاثة،

ج - ١٧
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
٣١٩
فلا يجوز، ولم أر هذا التفصيل فى كلامهم، وإنما استخرجته من الجزئيات، فتدبر فيه، والله أعلم.
وأما النعل المحلى بالذهب والفضة فجعله مولانا عبد الحى البدهانوى -تلميذ الشاه عبد
العزيز الدهلوى- من جنس الحلى فحكم بحرمته، وجعله مولانا عبد الحليم الفرنكى محلى فى
حکم الثوب، فجعل قدر أربع أصابع عفواً، وتبعه ابنه مولانا عبد الحی، واحتج لکونه من جنس
الثوب أنه من جنس الملبوس، ولذا يقال له: پاپوش، وهذا استدلال فاسد؛ لأن اللبس كما يستعمل
للنعل كذلك يستعمل للحلى، بل والسلاح أيضًا، يقال: لبس الحلى، ويقال: لبس السلاح، فاللبس
مشترك بين الثوب والحلى والسلاح. فالاستدلال بهذا اللفظ على كون النعل من جنس الثوب
فاسد، وأفسد منه احتجاجه بلفظ پاپوش، فإنه يحتمل أن يكون من پوشيدن بمعنى التغطية
کقولهم: پلنگ پوش وسر پوش، لا من پوشيدن بمعنى اللبس، فافهم.
والظاهر أنه من جنس الثوب كالفرد؛ لأن المقصود منه صيانة الجسم، ولیس من جنس الحلی
المقصود منها لتزين الصرف، فيعفى فيه ما يعفى فى الثوب لأجل ما قلنا، لا لأجل ما قال مولانا
عبد الحى، ومولانا عبد الحليم، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: لا يخفى على من له مسكة أن تحريم الذهب والفضة على الرجال، ليس
مقيدًا باللبس والتحلى، بل هو مطلق فى حقهم إلا ما استثناه النص، فما ذكره بعض الأحباب من
الفرق بين تضبيب الإناء بالفضة والذهب، وبين تحلية السلاح بهما لا يتم إلا أن يثبت عن الإمام أن
تحريم الذهب والفضة مقيد فى حق الرجال باللبس، والتحلى دون مطلق الاستعمال، فافهم، ويرد
على قوله: إن هذا الجواز -أى جواز تحلية السلاح- مختص بالفضة لورود النص فيها، ولم يرد فى
الذهب شىء فبقى على عدم الجواز، انتهى، ما ذكره الموفق فى "المغنى"، ونصه: وما عدا ذلك من
الذهب، فقد روى عن أحمد الرخصة فيه فى السيف.
قال الأثرم: قال أحمد: روى أنه كان فى سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب، قال أبو
عبد الله: فذاك الآن فى السيف، وقال: إنه كان لعمر سيف سبائكه من ذهب من حديث إسماعيل
ابن أمية عن نافع، وروى الترمذى بإسناده عن مزيدة(١) العصرى أن النبى عّ له دخل مكة، وعلى
سيفه ذهب وفضة اهـ (٦١٠:٢).
(١) ضبطه الأكثر بفتح الميم وإسكان الزاى وفتح الياء، واختاره الجزرى، وهو المشهور عند الجمهور، وخالفهم العسقلانى، فقال
فى "التقريب": مزيدة بوزن كبيرة، قاله القارى فى "شرح الشمائل".

,٠
٣٢٠
تحلية السيف والمنطقة بالفضة
إعلاء السنن
قلت: تمامه، قال طالب: فسألته عن الفضة فقال: كانت قبيعة السيف فضة، رواه الترمذى
من طريق طالب بن حجير عن هود بن عبد الله بن سعد عن جده مزيدة، وقال: هذا حديث غريب
(٢٠٢:١)، وهود بن عبد الله ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال ابن القطان: مجهول (تهذيب
٧٤:١١)، لم يرد عنه غير طالب بن حجير، قال القارى فى "شرح الشمائل": لا يعارض هذا ما
تقرر من حرمته بالذهب؛ لأن هذا الحديث ضعيف، ولا يصح الجواب بأن هذا قبل ورود النهى عن
تحريم الذهب، لأن تحريمه كان قبل الفتح على ما نقل، ولعله على تقدير صحته أنه كان فضة مموهة
بالذهب، ويشير إليه حيث ما سأل الراوى عن الذهب (لأنه كان عالماً بحرمته، وإنه لم يكن إلا
تمويها). قال التوربشتى: هذا الحديث لا تقوم به حجة؛ إذ ليس له سند يعتمد به، وذكره
صاحب "الاستيعاب" فى ترجمة مزيدة العبدى، وقال: ليس إسناده بالقوى، وقال ابن القطان: هو
عندى ضعيف لا حسن، وقال أبو حاتم الرازى: هذا منكر، وقال الذهبى فى "الميزان": صدق
ابن القطان اهـ (١٥٧:١).
وأما مسمار الذهب فى السيف فلا بأس به كما مر، وأما ما روى عن عمر أنه كان له سيف
- سبائكه من ذهب فمحمول على التمويه، وهذا إذا ثبت أنه كان يستعمله، وإلا فيجوز أن يكون
صار إليه فى المغانم، فأخذه لم يعمل به، وادخره شكرًا لله على ما أولاهم من الغلبة على المشركين
وأموالهم وسلاحهم.
قال الموفَّقُ: وروى عن أحمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك (بالذهب)، قال الأثرم: قلت
لأبى عبد الله: يخاف عليه أن يسقط يجعل فيه مسمارا من ذهب؟ قال: إنما رخص فى الأسنان،
وذلك إلما هو على الضرورة، فأما المسمار، فقد روى من تحلى بخريصيصة كوى بها يوم القيامة.
قلت: أى شىء خريصيصة؟ قال: شىء صغير مثل الشعيرة، وروى الأثرم أيضًا بإسناده عن
شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: من حلى أو تحلى بخريصيصة (١) کوی بها يوم
القيامة مغفورا له أو معذبا اهـ (٢٠: ٦١٠).
(١) أخرجه فى "مجمع الزوائد" عن عبد الرحمن بن غنم بلفظ: من تحلى أو حلى بخريصة من ذهب كوى بها يوم القيامة، قال
الهيثمى: رواه أحمد وفيه شهر وهو ضعيف يكتب حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح (١٤٧:٥)، ويمكن أن يقال: إن من
تحلى بخاتم فضة فيه مسمار من ذهب ليس هو متحليًا بذهب، بل هو متحل بالفضة لكون المسمار تابعًا، والتابع كالمستهلك
فى المتبوع، فالأثر محمول على التحلى بالذهب مقصودًا، ولو قليلا، فافهم.