Indexed OCR Text

Pages 261-280

ج - ١٧
حكم لحوم الأضاحى وجلودها وأجلتها
٠٫
٢٦١
لغد، والأول فى "الصحيحين"، والثانى فى "مسلم"، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه
ويدخر لعياله أو أن ذلك كان باختلاف الأصول اهـ (٢٠:١٠).
وقال الطبرى رحمه الله: هو أمر بمعنى الاطلاق، والإذن للأكل، لا بمعنى الإيجاب،
ولا خلاف بين سلف الأئمة وخلفها فى عدم الحرج على المضحى بترك الأكل من أضحيته ولا إثم،
فدل على أن الأمر بمعنى الإذن والاطلاق اهـ من "عمدة القاري" (٧٦:١٠)، ويرد القول بوجوب
الأكل منها حديث عبد الله بن قرظ ((قرب إلى رسول الله عَ ل خمس بدنات أو ست ينحرهن
فطفقن يزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفيفة لم أفهمها، فسألت بعض
من يلينى ما قال. قالوا: قال: من شاء اقتطع))، رواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن حبان فى
"صحيحه"، وسكت عنه أبو داود والمنذرى (نيل ٣٦٥:٤)، فهذه قد أذن النبى عّ لّه فى انتهابها،
ولم يأكل منها، ولو أكل لنقل على ما تقتضى العادة؛ ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله تعالى،
فلم یجب الأكل منها کالهدى ونحوه.
وفى "المغنى" لابن قدامة قال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله يأكل هو الثلث،
ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساکین بالثلث، وعن ابن عمر قال: الضحایا والهدايا ثلث
لأهلك وثلث للمساكين، وهذا قول إسحاق وأحد قولى الشافعى، وقال فى الآخر: يجعلها نصفين
يأكل نصفا ويتصدق بنصف لقول الله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾.
وقال أصحاب الرأى: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأن النبى عرِّ أهدى مائة بدنة، وأمر
من كل بدنة بضعة؛ فجعلت فى قدر فأكل هو وعلى من لحمها، وحسيا من مرقها، ونحر خمس
بدنات أو ست بدنات وقال: من شاء كاقتطع ولم يأكل منهن شيئا، قال: ولنا ما روى عن ابن
عباس فى صفة أضحية النبى عّ لّه قال: ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق
على السؤال بالثلث، رواه الحافظ أبو موسى الأصفهانى فى "الوظائف"، وقال: حدث حسن؛
ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر ولم نعرف لهما مخالفا فى الصحابة، فكان إجماعا.
وأما خبر أصحاب الرأى فهو فى الهدى والهدى يكثر، فلا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ
ثلثه، فتتعين الصدقة بها، والأمر فى هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها
كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وقال أصحاب الشافعى: يجوز أكلها كلها، قال: ولنا أن الله تعالى
قال: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾، وقال: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾، والأمر يقتضى

٢٦٢
حکم لحوم الأضاحی وجلودها وأجلتها
إعلاء السنن
الوجوب اهـ ملخصا (١٠٩:١١)
قلت: مورد النص هو الهدى أولا كما يقتضيه سياق الآيات، فلو دل الأمر على الوجوب
لدل على وجوب الأكل من هدى أيضا. ولا قائل بوجوب الأكل منها غير أهل الظاهر؛ فمن أين
للموفق أن يستدل به على وجوب الإطعام، فالأمر فى قوله: ﴿أطعموا﴾ للندب، كما هو فى قوله:
﴿فكلوا﴾، وأما قوله: إن خبر أصحاب الرأى إنما هو فى الهدى فقد صرح ابن عمر بكون الضحايا
والهدايا فى ذلك كله سواء. فلما ثبت من فعله عّ لّ التصدق بالكل مرة والتصدق بالأكثر وأكل
الأقل أخرى دل على كون التصدق بالأكثر أفضل، وحديث ابن عباس لا يدل على كون التثليث
أفضل من التصدق بالكل بل على كونه أفضل من أكل الكل، وغاية ما فيه أنه مُّه جعل أضحيته
أثلاثا مرة ونحن نقول به يفعل هذا مرة إن شاء ويتصدق بالكل أو الأكثر مرة إن شاء، فبكل
ذلك ثبت عمل النبى عّ. ولا ريب أن النفع المتعدى أفضل من النفع اللازم، فكان ما كثر من
الصدقة أفضل.
وفى "الدر المختار": ويأكل من لحم الأضحية ويؤكل غنيا. (إذا لم تكن منذورة) ويدخر،
وندب أن لا ينقص التصدق عن الثلث، وندب تركه -أى ترك التصدق لذى عيال- (غير موسع
الحال) توسعة عليهم اهـ.
وفى "رد المحتار" عن "البدائع": والأفضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث ضيافة لأقربائه
وأصدقائه ويدخر الثلث، ويستحب أن يأكل منها، ولو حبس الكل لنفسه جاز، لأن القربة فى
الإراقة والتصدق باللحم تطوع اهـ (٥: ٣٢٠).
وأما قول الموفق: إنه قول ابن مسعود وابن عمر ولم نعرف لهما مخالفا إلى آخره فأثر ابن
مسعود رواه إبراهيم الحزلى عن الحكم بن موسى عن الوليد عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن
مسعود أمرنا رسول الله عّ لّه أن نأكل منها ثلثا ونتصدق بثلثها، ونطعم الجيران ثلثها. وطلحة
مشهور بالكذب الفاضح، وعطاء لم يدرك ابن مسعود.
وروينا من طريق عبد الرزاق عن عمر عن عاصم عن أبى محلز قال: أمر ابن عمر أن يرفع له
من أضحيته بضعة، ويتصدق بسائرها، كذا فى "المحلى" (٣٨٤:٧)، ولو كان التثليث أفضل
لم يتركه ابن عمر لما علم من تشديده فى اتباع الآثار، ولو سلمنا فهو محمول على أنه يستحب أن
لا ينقص التصدق عن الثلث.

٢٦٣
حكم لحوم الأضاحى وجلودها وأجلتها
إعلاء السنن
وروى ابن حزم من طريق عطاء عن إبراهيم النخعى قال: سار معى تميم بن سلمة، فلما
ذبحنا أضحيته فأخذ منها بضعة فقال: آكلها؟ فقلت له: وما عليك أن لا تأكل منها؟ فقال: تميم:
يقول الله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾، فتقول أنت: وما عليك أن لا تأكل.
قال ابن حزم: حمل هذا الأمر تميم على الوجوب، وهو من أكابر أصحاب ابن مسعود،
قلت: لا دلالة فيه على أنه حمله على الوجوب بل على الندب، ولو كان على الوجوب لم يكن
لقوله: آكلها بالاستفهام معنى، قال: ومن طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن فضيل عن عبد الملك
عن مولى لأبى سعيد عن أبى سعيد أنه كان يقول لبنيه: إذا ذبحتم أضاحيكم فأطعموا وكلوا
وتصدقوا (فيه مولى أبى سعيد مجهول)، وعن ابن مسعود أيضا نحو هذا، وعن عطاء نحوه.
(قلت: ولا دلالة فى شىء منه على أفضلية التثليث من التصدق بالكل أو الأكثر، بل معناه
أنه لا ينبغى أكل الكل) قال: وصح عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: ليس لصاحب الأضحية
إلا ربعها اهـ (٣٧٤:٧)، قلنا: محمول على أفضلية التصدق بالأكثر، كما هو ظاهر، ظ.
فائدة: الأكل من أضحية التطوع والواجب غير المنذور سنة لما ثبت عن النبى معَّه فى
حديث بريدة أنه عّ ◌ٍُّ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، وكان لا يأكل يوم النحر شيئا حتى
يرجع فيأكل من أضحيته، رواه الدارقطنى وصححه ابن القطان (زيلعى ١: ٣١٩)، ورواه الرافعى
بلفظ: إنه معَِّ كان يأكل من كبد أضحيته، كذا فى "التلخيص" (٢: ٣٨٦)، وقال الحافظ: تقدم
فی صلاة العیدین اهـ.
قلت: لم يتقدم هناك بلفظ الكبد، والعمل عليه عندنا، فتأكل من كبد ضحايانا أولا،
ولم نكن نظنه ثابتا عن النبى معَّ صريحا، فلله الحمد على الموافقة، ولما روى أبو هريرة عن
النبى معَِّ قال: (إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته))، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح،
وعن ابن عباس قال رسول الله عَ ليه: ((ليأكل كل رجال من أضحيته))، رواه الطبرانى فى "الكبير"،
وفيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان، وقال: ربما أخطأ وضعفه الجمهور (مجمع الزوائد ٢٥:٤).
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها، وبهذا قال مالك
والشافعى وأصحاب الرأى، ورخص الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمير فى إعطائه الجلد، ولنا ما
روى على رضى الله عنه، فذكر أثر المتن وقال: ولأن ما يدفعه إلى الجزار أجرة عوض عن عمله
وجزارته، ولا تجوز المعاوضة بشىءٍ منها، فأما إن دفع إليه لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس،

٢٦٤
ج - ١٧
باب ما یندب للمضحی فی عشر ذي الحجة
٥٦٠١- عن أم سلمة أن النبى عّ لّه قال: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن
یضحی فلا يمس من شعره وبشره شيئا»، رواه مسلم.
لأنه مستحق للأخذ، فهو كغيره بل هو أولى، لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها اهـ (١١٠:١١).
قلت: وينبغى التصريح بأن ما دفع إليه من اللحم ليس من أجرته، وإنه لا يستحق أخذ شىء
منها أصلا. فقد جرى العرف فى بعض البلاد باعطاء الجزار قدرا من لحم الأضحية، ومن لم يعطه
شيئا من اللحم ينازعه فى ذلك والمنازعة دليل الاستحقاق بالأجرة، فلا بد من نفيه، فافهم، ظ.
باب ما يندب للمضحى فى العشر الأول من ذى الحجة
أقول: نهى النبى معَّه من أراد التضحية عن قلم الأظفار وقص الشعر فى العشر الأول،
والنهى محتقول عندنا على خلاف الأولى؛ لما روى عن عائشة أن النبى معَّ لّه كان يبعث بهدية،
ولا يحرم عليه شىء أحله الله له حتى ينحر هديه، ونقل فى "شرح المنية": عليه الإجماع كما نقل
عنه فى "بذل المجهود" (٤: ٧٠)، وليس بشىء؛ فإن سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق
وداود وبعض أصحاب الشافعى قالوا بظاهر الحديث، كما نقله فى "بذل المجهود" عن الشوكانى،
فتدبر، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": من أراد أن يضحى فدخل العشر، فلا يأخذ من
شعره، ولا بشرته شيئا، ظاهر هذا تحريم قص الشعر، هو قول بعض أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن
أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب، وقال القاضى وجماعة من أصحابنا: هو مكروه غير محرم،
وبه قال مالك والشافعى لقول عائشة: ((كنت أقتل قلائد هدى رسول الله عرّ لله ثم يقلدها بيده
ثم يبعث بها))، الحديث، متفق عليه، وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك، لأنه لا يحرم عليه الوطئ
واللباس، فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحى.
قال الموفق: ولنا ما روت أم سلمة فذكر حديث المتن قال: ومقتضى النهى التحريم، وهذا
يرت القياس ويبطله، وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عد ما تناوله
الحديث الخاص، ولأن النبى مرّ ◌ُّه لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها، ولأن أقل أحوال
النهى أن يكون مكروها ولم يكن النبى معَّ، ليفعله، ولأن عائشة تعلم ظاهرا ما يباشرها به من
المباشرة، أو ما يفعله دائما كاللباس والطيب، فأما ما يفعله نادرا كقص الشعر، وقلم الأظفار مما

٢٦٥
ما يندب للمضحى فى العشر الأول من ذى الحجة
إعلاء السنن
لا يفعله فى الأيام إلا مرة فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، وإن احتمل إرادتها إياه فهو احتمال بعيد،
وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفى فيه أوفى دليل، وخبرنا دليل قوى فكان أولى
بالتخصيص، ولأن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة عن قوله، والقول يقدم على الفعل لاحتمال أن
یکون فعله خاصا له اه ملخصا (٩٦:١١).
قلنا: نعم مقتضى النهى التحريم إذا لم يعارضه أقوى منه وههنا كذلك، فإن حديث عائشة
أقوى، قال الليث: جاء هذا الحديث -أى حديث أم سلمة- وأكثر الناس على خلافه.
وقال الطحاوى: حديث عائشة أحسن مجيئا من حديث أم سلمة لأنه قد جاء مجيئًا
متواترا، وحديث أم سلمة قد طعن فى إسناد.
قيل: إنه موقوف على أم سلمة ولم يرفعه، ونقل ابن المنذر عن مالك والشافعى أنهما كانا
يرخصان فى أخذ الشعر والأظفار لمن أراد أن يضحى ما لم يحرم غير أنهما يستحبان الوقوف عن
ذلك عند دخول العشر إذا أراد أن يضحى، ورأى الشافعى أن أمر رسول الله عَّةٍ أمر اختيار، كذا
فى "العمدة" للعينى (٧٣:١٠).
قلت: وهذا هو قولنا -معشر الحنفية- وما روى عن أبى حنيفة أنه لم يكره ذلك، أراد به
نفى كراهة التحريم دون كراهة التنزيه، وأما قول الموفق: إن عائشة تعلم ظاهرا ما يباشرها به إلخ
فرد عليه، لأن ترك قص الشعر وقلم الظفر فى العشر مما لا يخفى على الأجانب فضلا عن أهل
البيت لما يحدث فى شعر الوجه والشارب والأظفار من الطول الظاهر، فلا نسلم أنها لم ترده
بخبرها أو أن إرادتها إياه احتمال بعيد، وإنما البعيد عدم إرادتها إياه، لما قلنا.
وأما قوله: إن حديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه فهو عين النزاع، فإن العام المتفق عليه
بالقبول مقدم عندنا على الخاص المختلف فى قبوله، كما مر غير مرة، لا سيما وحديث عائشة متواتر
وحديث أم سلمة من أخبار الآحاد قد اختلف الرواة فى رفعه ووقفه، وقال الليث: جاء هذا
الحديث والناس على خلافه.
فإن قيل: فى بعض طرق حديث عائشة فى الصحيح فيبعث بهديه إلى الكعبة، فما يحرم
عليه مما حل للرجل من أهله حتى يرجع الناس، ومفاده أن الذى كان لا يجتنبه هو ما يجتنبه المحرم
من أهله لا ما سوى ذلك من حلق شعر وقص ظفر، فلا يخالف حديث أم سلمة. قلنا: هذا لفظ
مسروق عنها، ورواه القاسم عن عائشة بلفظ: وما حرم عليه شىء كان أحل له أو كان له حل،

ج - ١٧
ما يندب للمضحى فى العشر الأول من ذى الحجة
٢٦٦
ولفظ عروة وعمرة عنها: ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم؛ ولفظ عمرة عنها، فلم يحرم على
رسول الله عَّ شىء أحله الله حتى نحر الهدى، والكل فى البخارى: فالترجيح للفظ الجماعة على
ما انفرد به مسروق وحده.
وأما قول من قال: هذا له، وجه وذاك له وجه، حديث عائشة: إذا بعث الهدى وأقام،
وحديث أم سلمة: إذا أراد أن يضحى بالمصر ففيه أن رسول الله عَّ له كان يريد التضحية مع بعثه
بالهدى لأنه لم يتركها أصلا ومع ذلك لم يجتنب شيئا على ما فى حديث عائشة: فدل على أن
إرادة التضحية لا تحرم ذلك (الجوهر النقى ٢: ٢٢٠)، وقال ابن التين: إن عائشة إنما أنكرت أن
يصير من يبعث هديه محرما بمجرد بعثه، ولم تتعرض على ما يستحب فى العشر خاصة من
اجتناب إزالة الشعر والظفر، ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودى (أن حديث أم
سلمة منسوخا بحديث عائشة).
وقال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحى أنه
لا يستحب فعل ما ورد به الخبر المذكور لغير المحرم، والله أعلم (فتح البارى ١٠: ١٩).
قلت: وهذا أولى من ادعاء النسخ فلا يصار إليه إلا بدليل، ولا نزاع فى استحباب فعل ما
ورد به حديث أم سلمة ولا فى كراهته خلافه تنزيها، وإنما النزاع فى وجوب العمل به وحرمة
تر که، فافهم.
قال الطحاوى: فذهب قوم إلى تحديث أم سلمة فقلدوه وجعلوه أصلا وخالفهم آخرون
فقالوا: لا بأس بقص الأظفار والشعر لمن عزم أن يضحى ولمن لم يعزم على ذلك، وهو قول أبى
حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمه الله تعالى.
(قلت: وكلمة لا بأس تفيد كراهة التنزيه)، قال: وقد روى ذلك أيضا عن جماعة من
المتقدمين، حدثنا يونس ثنا ابن وهب أخبرنى ابن أبى ذئب ح وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا بشر بن
عمر ثنا ابن أبى ذئب عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن بن يسار وأبا بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام وأبا بكر بن سليمان كانوا لا يرون بأسا أن يأخذ الرجل من شعره ويقلم
أظفاره فى عشر ذي الحجة (٢: ٣٠٥)، وهذا سند صحيح، وروينا من طريق مالك عن عمارة بن
عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا بالاطلاء فى العشر (وسعيد بن المسيب
هو رواى هذا الخبر عن أم سلمة رضى الله عنها)، وروينا من طريق عكرمة أنه ذكر له هذا الخبر

٢٦٧
ما يندب للمضحى فى العشر الأول من ذى الحجة
إعلاء السنن
-(أى حديث أم سلمة) فقال: فهلا اجتنب النساء والطيب، كذا فى المحلى (٧: ٣٦٩)، ولم يعل
ابن حزم شيئا منهما من حيث الإسناد وإنما تكلم بوجوه من النظر منها أنه لا حجة فى قول سعيد
وإنما الحجة فى روايته، وإن الدين لا يؤخذ بقول عكرمة، ورأيه إنما هذا منه قياس، والقياس كله
باطل إلخ.
قلنا: ولكنهم أعرف منك بمعنى الحديث ولم يكونوا ليتركوا شيئا صح عن رسول الله ◌ّ له
عندهم بآرائهم، فثبت أن حديث أم سلمة لم يكن عند راويه على الوجوب، وكذا عند عكرمة،
فالقائل بالوجوب محجوج باجماع من تقدمه على خلافه.
وأما قول ابن حزم: إن جواز الاطلاء لا يستلزم جواز حلق الشعر، وإن النهى إنما هو شعر
الرأس فقط، فيرده لفظ مسلم: فلا يمس من شعره وبشره شيئا، كما فى المتن، وهو يعم شعر البدن
كله فيبعد عن سعيد أن يتأول فى الاطلاء أنه بخلاف حكم سائر الشعر.
وأما قوله: قد يكون المراد بقول سعيد فى الاطلاء فى العشر عشر المحرم إلخ فأبطل وأبطل
وأسخف من نسج العنكبوت، فهل كان أحد يتوقف عن مس الشعر فى غير عشر ذى الحجة؟ وإذ
لا فمن أين لك أن تحمله على عشر المحرم أو عشر رمضان تحكما من غير دليل، وروينا من طريق
مالك أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر أنه ضحى مرة بالمدينة فأمرنى أن اشترى له كبشا فحيلا
أقرن، ثم أُذبحه له يوم الأضحى فى مصلى الناس، ففعلت ثم حمل إليه فحلق رأسه حين ذبح كبشه
وكان مريضا لم يشهد العيد مع الناس.
قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: ليس حلاق الرأس بواجب على من ضحى إذا
لم يحج وقد فعله عبد الله بن عمر، أخرجه محمد فى "الموطأ"، وقال به بقول عبد الله بن عمر
نقول: إن الحلاق ليس بواجب على من لم يحج فى يوم النحر، وهو قول أبى حنيفة والعامة من
فقهاءنا (ص٣٧٦)، وفيه دليل على أن تشبه المضحى بالمحرم فى الاجتناب عن إزالة الشعر فى
العشر، وفى حلق الرأس يوم النحر ليس بواجب، وإنما هو سنة أو مستحب، والله تعالى أعلم،
واختار الطحاوى فى "مشكله" أن فى حديث أم سلمة منع من معه ما يضحى أن يأخذ من شعره،
أو ظفره حتى يضحى ولا يعارضه حديث عائشة لأنه على إطلاق ما سوى الحلق والقص، وإنه فى
ذلك خلاف ما عليه المحرم فى إحرامه، يؤيد ما ذهبنا إليه فى المنع من القص والحلق ما روى عن
الصحابة أنهم كانوا عليه، سئل سعيد بن المسيب عن فتوى يحيى بن يعمر بخراسان أن من اشترى
أضحية ، ودخل عشر ذي الحجة لا يأخذ من شعره وأظفاره، فقال سعيد: قد أحسن كان أصحاب

٢٦٨
ج - ١٧
باب التضحية عن الميت
٥٦٠٢- قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر أنبأنا شريك عن أبى الحسناء عن الحكم
عن حنش عن على قال: ((أمرنى رسول الله عَّ أن أضحى عنه فأنا أضحى عنه أبدًا))
(مسند: ١٠٧:١)، ورواه أبو داود، فسكت عنه مع أن فيه أبا الحسناء، قال ابن حجر:
مجهول، وقال الذهبى: لا يعرف وحنش فيه مقال، وقال الترمذى: غريب.
رسول الله عَّه يفعلون ذلك أو يقولون ذلك وهذا بخلاف ما يقوله أبو حنيفة وأصحابه
اهـ (١٦٧:١ من "المعتصر"). قلت: فتوى يحيى بن يعمر أخرجه ابن حزم فى "المحلى" من طريق
مسدد نا يزيد بن زريع نا سعيد بن أبى عروبة نا ابن أبى كثير - هو يحبى - أن يحيى بن يعمر كان
يفتى بخراسان الحديث (٣٦٩:٧).
ولنا ما روى أبو داود والنسائى عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله عَ ظُله: ((أمرت بيوم
الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة قال له رجل: يا رسول الله عَ لّه! أرأيت إن لم أجد إلا منيحة
أنثى أفأضحى بها؟ قال: لا ولكن خذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فذلك تمام
· أضحيتك عند الله عز وجل))، وفيه أنه لم يكن المأمور به مطلقا له قبل يوم النحر موافق حديث أم
سلمة وقد أجمعوا على أن من لم يكن معه ما يضحى به لا يجب عليه الكف من شعره وظفره
وحملوا هذا الحديث على الندب، فكذا حديث أم سلمة رضى الله عنها، ومن ادعى الفرق فعليه
البيان، وعليه يحمل فتوى يحيى بن يعمر، وفعل الصحابة وأقوالهم بدليل ما مر عن ابن عمر رضى
الله عنهما، فتذ کر، ظ.
باب التضحية عن الميت
قوله: أمرنى إلخ أقول: الحديث نص فى الباب، وقد ذكر فى مقام آخر من هذا الكتاب ما
يعضده من حديث عائشة وأبى هريرة وجابر وأبى رافع وهو أن النبى معَّه كان يضحى عن أمته
-فتذكر- ومعنى التضحية عن الميت إهداء الثواب له، فإن قلت: إن النبى مر ◌ّ حى فى قبره فيكون
التضحية عن الحى دون الميت. قلنا: فتلك حياة أخرى لا من جنس الحياة الدنيوية، فهو ميت
باعتبار هذه الحياة الدنيوية حى بتلك الحياة البرزخية المغايرة لهذه الحياة، وعقد أبو داود للتضحية
عن الميت بابا، واحتج فيه بهذا الحديث.
قال العبد الضعيف: قال الدولابی فی "الکنی": حدثنا العباس بن محمد عن يحيى بن معين
قال أبو الحسناء: روى عنه شريك والحسن بن صالح کوفی (١٥١:١)، وهذا كما ترى قد عرفه

٢٦٩
إعلاء السنن
باب ادّخار لحوم الأضاحى فوق ثلاثة أيام
٥٦٠٣- عن جابر عن النبى عَّه ((أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث
يحيى بن معين وناهيك بمن قد عرفه، ولم يذكره بجرح ولا تعديل فهو ثقة.
قال ابن معين: لا يسكت عن جرح المجرد حين، وقد روى عن أبى الحسناء اثنان من الثقات،
وليس بمجهول من روى عنه اثنان كما مر فى "المقدمة".
واندحض بذلك قول الهيثمى فى "مجمع الزوائد": فيه أبو الحسناء ولا يعرف روى عنه
غير شريك اهـ (٤: ٢٣)، ولما ثبت أنه عرّ ◌ُّ أوصى عليا بأن يضحى عنه وذلك دليل حبه عدّ له
التضحية عنه فينبغى لمن وجد سعة أن يضحى عن حبيبه ونبيه مرّ كل عام ولو بشاة أو بسبع بقرة
ونحوه، نسأل الله العظيم أن يوفقنا لذلك أبدا، كما وفقنا له منذ أعوام، ويرزقنا المواظبة عليه
والدوام، ويرضى عنا ويرضى حبيبه عنا عليه الصلاة والسلام، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته
البررة الكرام.
قال فى "الدر": وإن مات أحد السبعة وقال الورثة: اذبحوا عنه وعنكم صح عن الكل
استحسانا لقصد القربة من الكل، وإن ذبحوها بلا إذن الورثة لم يجزهم، لأن بعضها لم يقع قربة،
وفى "رد المحتار" عن "البدائع": لأن الموت لا يمنع التقرب عن الميت بدليل أنه يجوز أن يتصدق
عنه ويحج عنه، وقد صح أن رسول الله مرّ له ضحى بكبشين، أحدهما عن نفسه، والآخر عمن
لم يذبح عن أمته إن كان منهم من قد مات قبل أن يذبح اهـ فرع: من ضحى عن الميت يصنع، كما
يصنع فى أضحية نفسه من التصدق والأكل، والأجر للميت والملك للذابح. قال "الصدر":
والمختار أنه إن بأمر الميت لا يأكل منها، وإلا يأكل (بزازية ٣١٨:٥)، وفيه أيضا عن منظومة ابن
وهبان وشرحها:
وعن ميت بالأمر الزم تصدقا وإلا فكل منها وهذا المخير
(٣٢٨:٥). وينبغى تقييد الأمر بما إذا أمره بالتضحية عنه من تركته فى الثلث، ولو أمره بها
من عند نفسه كأمره ◌َّةٍ عليا، فحكمه حكم ما لو ضحى عنه بلا أمره لكونه تطوعا عنه فى
الوجهين لم أره صريحا ولكنه مقتضى القواعد ظ.
باب ادخار اللحوم فوق ثلاثة أيام
أقول: قال الشوكانى فى "النيل": حكى النووى عن على وابن عمر وحكى الحازمى عن

٢٧٠
ج - ١٧
ادخار اللحوم فوق ثلاثة أيام
ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادّخروا)). رواه مسلم، وفى لفظ له: كنا لا نأكل من لحوم
بدنة ما فوق ثلاث منى فرخص لنا رسول الله عَّ له فقال: ((كلوا وتزدادوا)). متفق عليه
وفى الباب عن عائشة وسلمة بن الأكوع عند الشيخين وعن ثوبان وبريدة وأبى سعيد
عند مسلم، وعن نبيشة الهذلى عند أبى داود، كذا فى "المنتقى" و"النيل"، وقد رأيت
عن علی عند أحمد.
على والزبير وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر تحريم الإمساك فوق ثلاثة أيام اهـ ملخصا، أقول:
روى أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف عن على مرفوعًا تحريم الإمساك فوق ثلاثة أيام، وروى
حماد بن أبى سلمة عن على بن زيد عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن على عن النبى معَّ أنه قال:
نهيتكم عن لحوم الأضاحى أن تحبسوها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم اهـ (مسند أحمد ١٤٥:١).
فتبين منه أن ما رواه مولى عبد الرحمن بن عوف عنه، هو حكاية للفعل المنسوخ، ولم يرده
على أنه مذهب له، فاغتر بالرواية المذكورة النووى والحازمى، فنسبا إليه التحريم، واغتر الشوكانى
بما قالاه، وقال: لعله لم يبلغه النسخ، وغفل عما رويناه عنه أنه علم بالنسخ، وقال به، فاحفظه،
ويمكن مثل هذا الاحتمال فيما نسباه إلى ابن عمر، والزبير، وعبد الله بن واقد، لأن النسخ كان
شائعًا، فبعيد أن لا يبلغ هؤلاء الأعلام، فتدبر.
فإن قلت: حديث النابغة قال فيه البخارى: لا يصح، وضعف العقيلى ابنه ربيعة، وقال ابن
حجر فى "النابغة": إنه لا يعرف حاله.
قلنا: قال ابن حجر فى "تعجيل المنفعة" فى ترجمة ربيعة من النابغة قال البخارى: لم يصح
فذكره العقيلى فى "الضعفاء" بذلك، ومراد البخارى أن الذى رواه عن أبيه عن على فى النهى عن
زيارة القبور، وعن ادخار لحوم الأضاحى بعد ثلاث، وعن الأدعية لا يعمل به، لأنه منسوخ اهـ.
قلت: هذا عجيب، فإن ربيعة كما روى عن أبيه عن على النهى عن الأمور الثلاثة كذلك
روى نسخ ذلك النهى فى تلك الأمور كلها، وكلا الأمرين ثابت من غير طريقة ربيعة أعنى النهى
عن الأمور المذكورة فى الابتداء، ونسخه بعد ذلك، فما ذا ينكر منه حتى يقال: لم يصح إلا أن
يقال: إن معناه أنه لم يصح بهذا السند، لأن ربيعة وأباه لم يعرف حالهما ..
والجواب عنه أن ربيعة وأباه من خير القرون، ولم یتحقق ما یقدح فی وثاقتهما أو فى صحة
روايتهما، لأن ما روياه ثابت من غير طريقهما، فكيف يرد روايتهما بمجرد الاحتمال؟ بالجملة
الحديث ثابت، ولا يصح قول البخارى: لم يصح، ولا جرح العقيلى ربيعة جزافًا، مع أن ابن حبان

٢٧١
إعلاء السنن
باب أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
٥٦٠٤- عن رجل من الأنصار ((أن النبى عّ لّ أضجع أضحيته فقال: أعنى على
أضحيتى فأعانه))، رواه أحمد، وقال ابن حجر فى "الفتح" (١٦:١٠): رجاله ثقات.
٥٦٠٥- وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار: رأيت ابن عمر ينحر
بدنة بمنى وهى ماركة معقولة ورجل يمسك بحبل فى رأسها، وابن عمر يطعن، كذا فى
"عمدة القارئ" (٧٠:١٠)، ورجاله ثقات أثبات.
ذكره فى "الثقات"، فتدبر.
والظاهر: أن البخاری قال ذلك لعلی بن زيد بن جدعان الذى رواه عن ربيعة، فإنه لا يحتج
به، وحينئذ لا يكون ذلك جرحًا فى ربيعة أو أبيه، بل فى ابن جدعان فقط.
وأجاب الطحاوى والعينى عما روى عن على بوجه آخر، وهو أنه قال ذلك حين أصاب
الناس الجهد متأولا، بأن الإجازة محمول على الرخاء، ودون الجهد، والله أعلم.
وقال الشوكانى: فيما روى ثوبان: ((أن رسول الله مرّ ◌ُلّه ذبح أضحيته، ثم قال: يا ثوبان!
أصلح لى لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه، حتى قدم المدينة)) (رواه أحمد ومسلم) - تصريح بجواز
ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث، وأن الأضحية مشروع للمسافر كما يشرع للمقيم، وبه قال
الجمهور، وقال النخعى وأبو حنيفة: لا أضحية على المسافر، قال النووى: روى هذا من على، وقال
مالك وجماعة: لا تشرع للمسافر بمنی ومکة، والحدیث یرد عليهم اهـ ملخصا.
ولا يخفى ما فيه من الخطأ والزلل، لأن أبا حنيفة لم يقل بعدم الجواز، بل بعدم الوجوب
-وحديث ثوبان غايته الدلالة على الجواز والاستحباب، وليس فيه دليل على الوجوب، فكيف يرد
الحديث عليه؟ فالشوكانى إما لم يعرف مذهب أبى حنيفة فى هذا الباب، أو لم يفهم معنى
الحديث-، فافهم. قال العبد الضعيف: مرجع الضمير فى قوله: "والحديث يرد عليهم"، إنما هو
مالك وجماعة، قالوا: لا تشرع للمسافر بمنى ومكة، فما أورده بعض الأحباب على الشو کانی،
لیس بوارد علیه، ظ.
باب أفضلية مباشرة التضحية بيده
وجواز الاستعانة فى الإمساك، والاستنابة فى الذبح
أقول: حديث السبعة الذين اشتركوا فى الأضحية يدل على جواز الاستنابة؛ لأن المباشر

ج - ١٧
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
٢٧٢
٥٦٠٦- وعن بقية بن الوليد قال: ثنا عثمان بن زفر الجهنى حدثنى أبو الأسود
السلمى عن أبيه عن جده قال: كنت سابع سبعة مع رسول الله عّ لّه فى سفره، فأدركنا
الأضحى فأمرنا رسول الله عّ لّه فجمع كل رجل منا درهمًا فاشترينا أضحية بسبعة
دراهم فقلنا: يا رسول الله لقد غلينا بها فقال: ((إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها)) قال:
فأمرنا رسول الله معَّ ل، فأخذ رجل برجل ورجل برجل ورجل بيد ورجل بيد ورجل
بقرن ورجل بقرن وذبح السابع وكبر وكبروا عليها جميعا أخرجه الحاكم وسكت عنه،
وأقره الذهبى عليه، وقال فى "تلخيصه": قلت: عثمان ثقة اهـ (مستدرك ٢٣١:٤).
للذبح كان واحدًا منهم، والباقون كانوا معينين له بالإمساك، وحديث رجل من الأنصار، وأثر ابن
عمر يدل على جواز الاستعانة فى الإمساك، وأثر أبى موسى يدل على أفضلية المباشرة، والبخارى
عقد بابًا فى "صحيحه"، وقال: باب من ذبح أضحية غيره بإذنه، وأورد فيه أثر ابن عمر، وأبى
موسی تعليقًا، وقال: أعان ابن عمر رجل فى بدنة، وأمر أبو موسى بناته أن یضحین بأيديهن،
وتعقبه الشراح فى هذين التعليقين، وقالوا: أثر ابن عمر لايدل على ما فى الباب؛ لأن تلك الإعانة
إنما كانت فى الذبح، ولم يكن تضحية غيره، والمقصود هو هذا دون ذاك.
والجواب عنه أنه احتج به بالقياس، وتقريره أن ذبح أضحية غيره من باب الإعانة، لأنه كما
يعجز المرء عن إمساك الضحية بنفسه، ويحتاج إلى المعين فى الإمساك، كذلك يعجز عن مباشرة
الذبح بسبب من الأسباب، فكما أجيز الإعانة فى الإمساك نظرًا إلى العجز، كذلك يجاز الإعانة
فى الذبح نظرًا إليه، وعلى هذا التقرير يندفع نظر العينى وتأمله، حيث قال: وأجيب بأن الاستعانة
إذا كانت مشروعة التحقت بها الاستنابة، قلت: وفيه تأمل ونظر اهـ (عمدة القارى ٧٠:١٠)،
وقالوا: أثر أبى موسى مباين للترجمة، وكان المناسب إدخاله فى باب ذبح الأضاحى بيده.
والجواب عنه: أن معنى قوله: من ذبح ضحية غيره بإذنه أنه جاز ذلك الأثر ابن عمر وحديث
عائشة إلا أنه خلاف الأولى لأثر أبى موسى، فلا مباينة، وما قالوا: إن المناسب كان إدخاله فى
(باب من ذبح الأضاحى بيده)، فالجواب عنه أن أثر أبى موسى، إنما يدل على الأمر لبناته، وليس
فيه أنه باشر أو باشرن التضحية، ولو سلم فمباشرتهن لم يكن مما يحتج به، لأن الظاهر أنهن
تابعيات، ولسن من الصحابيات، فلا يناسب ذكر هذا الأثر تحت ترجمة من باشر التضحية بنفسه،
کما لا يخفى.

إعلاء السنن
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
٢٧٣
٥٦٠٧- وعن المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نساء كهن
بأيديهن، أخرجه الحاكم فى "المستدرك"، قاله ابن حجر فى "الفتح"، والعينى فى
"عمدة القارئ"، وقالا: سنده صحيح.
ثم أورد البخارى تحت هذه الترجمة حديث عائشة، وفيه أن النبى عرّ ◌ٍُّ ضحى عن نسائه
بالبقر، وسكت عنه الشراح وسلموا له ذلك، والصواب أن الحديث لا يدل على ما فى الباب، إذ
ليس فيه أن البقر كانت للنساء باشترائهن أو لهبة النبى معَّ له لهن، والغالب أن هذه التضحية كانت
من قبيل تضحية عن أمته، فلا حجة فيه على ما فى الباب من حيث العبارة، ولا من حيث القياس،
کما لا يخفى.
ثم اعلم أن مسألة الاستنابة مجمع عليها، كما نص عليه النووى فى "شرحه" لمسلم،
ويجوز إنابة الكتابى عندنا، لأنه من أهل التذكية، بخلاف المجوسى، والوثنى لأنهما ليسا من أهل
التذكية، فتدبر وتذكر. قال العبد الضعيف: ودليل جواز الاستنابة فيه ما ثبت عنه معدّل أنه أهدى
مائة بدنة، فنحر ثلاثا وستين منها بيده، واستناب من نحر باقى بدنة بعد ثلاث وستين، وهذا لا
شك فيه، ففى حديث جابر الطويل فى صفة حج النبى عرٍّ عند أحمد ومسلم قال: ثم انصرف
إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليه السلام ما غبر الحديث، وعند أبى داود: أمر
عليا فنحر سائرها (نيل ٣٣٦:٤).
وبالجملة يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم، لأنها قربة فلا يليها غير أهل القربة، وإن
استناب كتابيا جاز مع الكراهة، وهذا قول الشافعى وأبى ثور وابن المنذر، وحكى عن أحمد
لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم، وهذا قول مالك، وممن كره ذلك على وابن عباس وجابر رضى الله
عنهم، وبه قال الحسن وابن سیرین. وقال جابر: لا یذبح النسك إلا مسلم، وروی فی حديث ابن
عباس الطويل عن النبى معَّه: ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر، ولنا أن من جاز له ذبح غير الأضحية
جاز له ذبح الأضحية كالمسلم، ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد
والقناطر، والحديث محمول على الاستحباب، والمستحب أن يذبحها المسلم لما قلنا، وللخروج من
الخلاف، كذا فى "المغنى" (١١٦:١١).
وفى "المحلى" لابن حزم: روينا من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن على بن أبى طالب
قال: لا يذبح أضاحيكم اليهود ولا النصارى، ولا يذبحها إلا مسلم، وعن جرير عن قابوس بن أبى
ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، لا يذبح أضحيتك إلا مسلم، وعن أبي سفيان عن جابر: لا يذبح
٠٫

ج - ١٧
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
٢٧٤
النسك إلا مسلم، وعن سعيد بن جبير، والحسن وعطاء الخراسانى والشعبى، ومجاهد، وعطاء بن
أبى رباح أيضًا، لا يذبح النسك إلا مسلم، وعن إبراهيم، كانوا يقولون: لا يذبح النسك إلا مسلم.
قال ابن حزم: وهذا مما خالف فيه الحنفيون والشافعيون وجماعة من الصحابة، وجمهور
العلماء لا مخالف لهم يعرف من الصحابة (٧: ٣٨٠).
قلت: لم يخالفوهم أما أولا: فلأنه لم يصح عنهم، كما ذكرته فيما بعد، وأما ثانيًا: فلأنه لا
دلالة فيما روى عنهم على بطلان الأضحية، وفسادها إذا ذبحها غير المسلم، وقولهم: لا يذبحها
إلا مسلم محمول على الاستحباب بدليل قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾،
وإنما عنى عز وجل بيقين ما يذكونه لا ما يأكلونه، لأنهم يأكلون الميتة، والدم والخنزير، وما عمل
بالخمر، وظهرت فيه؛ فإذ ذبائحهم ونمائرهم حلال بالنص، فالتفريق بين الأضحية وغيرها لا وجه
له، وتأويل أقوال الصحابة وحملها على محامل حسنة ليس من المخالفة فى شىء لا سيما، وهى
محتملة للتأويل، وهو مؤيد بأقوى الدليل، وروينا من طريق ابن أبي شيبة نا جرير عن منصور، قلت
لإبراهيم: صبى له ظئر يهودى أ يذبح أضحيته؟ قال: نعم، ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج
ومعمر، قال ابن جريج: قال عطاء وقال معمر: قال الزهرى: ثم اتفقا وقالا جميعا: يذبح نسكك
اليهودى والنصرانى إن شئت، قال الزهرى: والمرأة إن شئت، وقال مالك: لا يذبحها إلا مسلم،
فإن ذبحها كتابى قال ابن القاسم: يضمنها اهـ (٧: ٣٨٠ من "المحلى").
وفى "الدر المختار": وكره ذبح الكتابى، وأما المجوسى: فيحرم، لأنه ليس من أهله، قال ابن
عابدين: لأنها قربة، ولا ينبغى أن يستعان بالكافر فى أمور الدين، ولو ذبح جاز، لأنه من أهل الذبح
بخلاف المجوسى، إتقانى وقهستانى وغيرها، وظاهر كلام الزيلعى وغيره، عدم الكراهة لو كان
بأمر المسلم، وبه صرح مسكين مستدلا عليه بقول "الكافى"، ولو أمر المسلم كتابيًا بأن يذبح
أضحيته جاز، وكره بدون أمره لكن نقل أبو السعود عن الحموى أن بعضهم ذكر أن عبارة الكافى
على خلاف ما نقل عنه، وفى "الجوهرة": فإذا ذبحها للمسلم بأمره أجزأه ويكره اهـ (٥: ٣٢٠).
قلت: والحق ما اختاره فى متن "الدر" من الكراهة، فقد عرفت ما روينا عن جماعة من
الصحابة وغيرهم من علماء التابعين أنهم قالوا: لا يذبح أضاحيكم اليهود ولا النصارى، لا يذبحها
إلّا مسلم، وأقل ما يحمل عليه أن يكون ذبح الكتابى مكروهًا، وإلا لزمنا مخالفة جماعة من
الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم، لا يجوز ذلك عندنا، فافهم، والله تعالى أعلم، ظ.

٢٧٥
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
إعلاء السنن
فوائد شتى تتعلق بكتاب الأضاحى:
فائدة: قال فى "الدر": وكره تنزيها الذبح ليلا لاحتمال الغلط اهـ، قال ابن عابدين: قوله:
تنزيهًا بحث من المصنف حيث قال: قلت: الظاهر أن هذه الكراهة للتنزيه، ومرجعها إلى خلاف
الأول، إذ احتمال الغلط لا يصلح دليلا على كراهة التحريم اهـ.
أقول: وهو مصرح به فى ذبائح "البدائع": والمراد الذبح فى الليلتين المتوسطتين لا الأولى،
ولا الرابعة إذ لا تصح فيهما الأضحية أصلا، كما هو الظاهر، ونبه عليه فى "النهاية"، ومع هذا
خفى على البعض (٣١٢:٥).
قلت: وفى الباب حديث رواه ابن حزم من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبى
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار نهى رسول الله عَ لّم عن الذبح بالليل.
قال ابن حزم: هذه فضيحة الأبد، وبقية ليس بالقوى، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع
الحديث عمدًا، ثم هو مرسل، ثم لو صح لما كان لهم -أى للمالكية - فيه حجة؛ لأنهم يجيزون
الذبح بالليل، (وإنما يمنعون التضحية فيه)، فيخالفونه فيما فيه، ويحتجون به فيما ليس فيه، وهذا
عظيم جدًا اهـ (٣٧٩:٧).
قلت: روى الطبرانى فى "الكبير" عن ابن عباس أن النبى معَ ◌ّ نهى أن يضحى ليلا، فيه
سليمان بن ألى سلمة الجنائزى، وهو متروك (مجمع الزوائد ٢٣:٤)، وفيه النهى عن التضحية
صريحًا، ولكنه لا يصلح حجة على التحريم، كما لا يخفى، وغايته أن يعمل به فى الفضائل،
فيكون التضحية ليلا خلاف الأولى وبه نقول.
وأما احتجاج المالكية بقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من
بهيمة الأنعام)، قالوا: فلم يذكر الليل، وبأنه لما كانت ليلة النحر لا تجوز التضحية فيها، وكان
يومه تجوز التضحية فيه كانت ليالى سائر أيام التضحية كذلك، كما فى "المحلى" أيضًا، فكله ساقط
لا یخفی، وهنه علی من له أدنى مسكة بالفقه، ظ.
فائدة: إن ولدت الأضحية ذبح ولدها معها، وبهذا قال الشافعى وأحمد وعزا الموفق إلى
أبى حنيفة لا يذبحه ويدفعه المساكين حيًا، وإن ذبحه دفعه إليهم مذبوحًا وأرش ما نقصه الذبح،
لأنه من نماءها فلزمه دفعه إليهم على صفته كصوفها وشعرها اهـ (١٠٥:١١).
وفى "المحلى" لابن حزم: وقال الشافعى وأبو حنيفة: إن ولدت ذبح ولدها معها، وقال

ج - ١٧
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
٢٧٦
مالك: ليس عليه ذلك، روينا عن على أنه سأله رجل معه بقرة قد ولدت فقال: كنت اشتريتها
الأضحى بها، فقال له على: لا تحلبها إلا فضلا عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها
عن سبعة أهـ (٣٧٦:٧)، جزم به ابن حزم، ولم يعله بشىء، ورواه سعيد بن منصور عن أبى
الأحوص، عن زهير العبسى عن المغيرة بن حذف عن على، كما فى "المغني" (١٠٥:١١).
والصحيح من مذهب أبى حنيفة ما ذكره ابن حزم عنه ففى "المبسوط" للسرخسى: وإذا !
ولدت الأضحية قبل أن يذبحها ذبح ولدها معها، لأن حكم التقرب بإراقة الدم ثبت فى عينها
فيسرى إلى ولدها، لأنه متولد من عينها، والولد وإن لم يكن محلا للتقرب بإراقة الدم مقصوداً
(لعدم بلوغه السن)، يثبت الحكم فيه تبعًا للأم، فإن باعه تصدق بثمنه لأن معنى القربة يثبت فيه،
فلا يكون له أن يصرف ماليته إلي نفسه كما فى حق الأم، وكذلك إن أمسك ولدها، حتى مضت
أيام النحر تصدق به (أى حيا) اهـ (١١٤:١٢)، وفى رد المحتار عن الخانية: فإن خرج من بطنها حيا
فالعامة أنه يفعل به ما يفعل بالأم، فإن لم يذبحه، حتى مضت أيام النحر يتصدق به حيًا، فإن ضاع
أو ذبحه، وأكله يتصدق بقيمته، فإن بقى عنده وذبحه للعام القابل أضحية لا يجوز، وعليه أخرى
لعامه الذى ضحى ويتصدق به مذبوحًا مع قيمة ما نقص بالذبح، والفتوى على هذا اهـ (٣١٥:٥).
فالذى ذكره الموفق إنما هو فيما إذا أمسك ولدها، ولم يذبحه معها حتى مضت أيام النحر،
فعليه أن يتصدق به حيًا لسقوط معى التقرب بإراقة الدم؛ لأنها لا تكون قربة إلا فى مكان
مخصوص، وهو الحرم أو فى زمان مخصوص، وهو أيام النحر، ظ.
فائدة: احتج أحمد والشافعى بقول على: لا تحلبها إلا فضلا عن ولدها على جواز حلب
. الأضحية إذا فضل اللبن عن ولدها، ولم يكن الحلب يضر بها أو ينقص لحمها، وإلا لم يكن له
أخذه، وقال أبو حنيفة: لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن، فإن احتلبها تصدق به؛
لأن اللبن متولد منها فلم يجز للمضحى الانتفاع به والولد، كذا فى "المغنى" (١٠٥:١١)، وفى
"الدر": ويكره الانتفاع بلبنها قبله أى قبل الذبح، كما فى الصوف، (فإن كانت التضحية قريبة
نضح ضرعها بالماء البارد وإلا حلبه وتصدق به كما فى "الكفاية" ش)، ومنهم من أجازهما للغنى
بوجوبها فی الذمة فلا تتعین (زیلعی) اهـ.
والجواب: أن المشتراة للأضحية متعينة للقربة إلى أن يقام غيرها مقامها فلا يحل له الانتفاع
بها ما دامت متعينة، ولهذا لا يحل له لحمها إذا ذبحها قبل وقتها (بدائع)، ويكره أن يبدل بها

٢٧٧
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
إعلاء السنن
غيرها فيفيد التعيين أيضًا اهـ (رد المحتار ٣٢١:٥).
وإذا عرفت ذلك فأثر على رضى الله عنه محمول على أنها كانت قد ولدت قبل أيام النحر
بمدة، فلذا أمره بحلبها؛ لأن ترك الحلب يضرها، وأما التصدق باللبن فمسكوت عنه فلا يصح به
الاستدلال على جواز الانتفاع بلبنها، وقد اتفقوا على أنه لا يجز صوفها وشعرها، وإن جزه فى
زمن الربيع لتخف بجزه، وتسمن تصدق به، فكذلك اللبن لكون الكل من أجزاءها، وما ذكره
الموفق من الفرق بينهما، وبین اللبن لا يخلو من تمحل مستغنی عنه.
قال ابن حزم فى "المحلى": وروينا عن عطاء فيمن اشترى أضحية أن له أن يجز صوفها،
وأمره الحسن إن فعل أن يتصدق به اهـ (٧: ٣٧٦)، وقول الحسن أحب إلينا لما روى أحمد، وأبو
داود، والبخارى فى "تاريخه"، وابن خزيمة، وابن حبان فى "صحيحهما": عن ابن عمر قال:
أهدى عمر نجيبًا فأعطى بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبى عرّه فقال: يا رسول الله! إنى أهديت نجيبا
فأعطيت بها ثلاث مائة دينار، فأبيعها وأشترى بثمنها بدنا؟ قال: لا أنحرها إياها (نيل ٣٢٩:٤)،
وفيه دلالة على عدم جواز الانتفاع بالأضحية قبل ذبحها، والانتفاع بالصوف والشعر واللبن مثله،
ولأنه أعدها للقربة بجميع أجزاءها، فلا ينبغى أن يصرف شيئا منها إلى حاجة نفسه، لأن ذلك فى
معنى الرجوع فى الصدقة، وقال عليه السلام لعمر رضى الله عنه فيما دون ذلك، لا تعد فى
صدقتك، وقد مر الحدیث فى موضعه، فتذکر.
فائدة: حديث عمر فى إهداءه نجيبًا يدل على المنع من إبدال الهدى والأضحية مثلها، ولكن
ظاهره المنع من إبدال الأفضل بالأدون دون عكسه، فقول الشوكانى: إن الحديث يدل على أنه لا
يجوز بيع الهدى لإبدال مثله أو أفضل اهـ، وليس فى محله، بل هو خلاف الظاهر من الحديث،
فإن قول عمر: إنى أهديت نجيبًا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، فأبيعها وأشترى بثمنها بدنًا يدل على
أنه أراد أن يشترى بثمنها أُدون منها، كما لا يخفى، وادعى صاحب ضوء النهار الإجماع على
جواز إبدال الأدون بأفضل.
قال الشوكانى: ولكنه ينبغى أن يبحث عن صحة ذلك؛ فإن الشافعى وبعض الحنفية
قد احتجوا بالحديث على المنع من مطلق التصرف، ولو كان للإبدال بأفضل، كما حكاه صاحب
"البحر" اهـ من "النيل" (٣٣٠:٤).
وقال الموفق فى "المغنى": يجوز أن يبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها، هذا المنصوص عن

٠٢٧٨
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
ج - ١٧
أحمد، وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة ومالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، واختار أبو الخطاب
أنه لا يجوز بيعها، ولا إبدالها، وهذا مذهب أبى يوسف والشافعى وأبى ثور، لأنه قد جعلها لله
تعالى، فلم يملك التصرف فيها بالبيع والإبدال، ولنا ما روى أن النبى معَّ ساق مائة بدنة فى
حجته، وقدم على من اليمن، فأشركه فيها رواه مسلم، وهذا نوع من الهبة أو بيع، فأما بيعها (من
غير إبدال)، فظاهر كلام الخرقى أنه لا يجوز، وقال القاضى: يجوز أن يبيعها ويشترى خيراً منها،
وهو قول عطاء ومجاهد وأبى حنيفة، لما ذكرنا من حديث بدن النبى عّ لّه واشتراكه فيها، قال
الموفق: ولنا أنه جعلها الله تعالى فلم يجز بيعها كالوقف، وإنما جاز إبدالها بجنسها، لأنه لم يزل الحق
فيها من جنسها، وإنما انتقل إلى خير منها، فكأنه فى المعنى ضم زيادة إليها.
وأما حديث النبى معَّ: فالظاهر أن النبى معَّه لم يبعها، وإنما أشرك عليا فى ثوابها وأجرها،
ويحتمل أن ذلك كان قبل إيجابها.
(قلت: هذا فى غاية البعد، لأنه مَّه كان قد ساق هديه وقلدها وأشعرها، وهذا هو
الإيجاب نعم، يحتمل أنه أشرك عليا فيما جاء به من اليمن لا فيما ساقه النبى معَّ له من المدينة).
وقول الخرقى: بخير منها يدل على أنه لا يجوز بدونها، ولا خلاف فى هذا، وأنه لا يجوز
بمثلها لعدم الفائدة فى هذا، وقال القاضى: فى إبدالها بمثلها احتمالان اهـ (١١٢:١١). قلت:
قد تقدم أن حديث عمر لا يدل على المنع من بيعها مطلقًا، وإنما يدل على المنع منه إذا أبدلها بأدون
منها، وقد روى الطبرانى فى "الأوسط" عن ابن عباس فى الرجل يشترى البدنة أو الأضحية
فيبيعها، ويشترى السمن منها، فذكر رخصة، ورجاله ثقات، كما فى "مجمع الزوائد" (٢١:٤).
وهذا يؤيد ما ذكره ضوء النهار من جواز إبدال الأدون بالأفضل سواء كان بطريق المبادلة، أو بالبيع
والشراء بالدراهم.
وأما قول الموفق: إنه جعلها لله تعالى فلم يجز بيعها كالوقف فمسلم فى أضحية المعسر، لأن
المشتراة للأضحية من المعسر تتعين للأضحية، فأما من الموسر فلا تتعين، ألا ترى أنه يجب عليه
أخرى إذا هلكت الأولى قبل يوم النحر أو تعيبت بعيب مانع لكونها واجبة فى ذمته، بخلاف
الفقير، وهذا كتعيين النصاب لأداء الزكاة منه لا يمنع جواز الأداء بغيره، وتسقط عنه الزكاة، فكذا
يجوز للموسر أن يضحى بغير ما عينه للأضحية، وأثر ابن عباس نص على محل النزاع، فلا يحاد
عنه إلا أن قوله: فذكر رخصة يشعر بأن العزيمة تركه.

٢٧٩
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
إعلاء السنن
وبه نقول كما فى "البدائع"، ويكره له بيعها لما قلنا، (إن المشتراة للأضحية متعينة للقربة)،
ولو باع جاز فى قول أبى حنيفة ومحمد، لأنه بيع مال مملوك منتفع به مقدور التسليم، وغير ذلك
من الشرائط، فيجوز عند أبى يوسف رحمه الله لا يجوز لما روى عنه أنه بمنزلة الوقف، ثم إذا جاء
بيعها على أصلهما فعلیه، مكانها مثلها أو أرفع منها، فيضحی بها، فإن فعل ذلك، فليس عليه شىء
آخر، وإن اشترى دونها فعليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين، ولا ينظر إلى الثمن، بل ينظر إلى
القيمة اهـ ملخصا (٧٨:٥)، وفى "رد المحتار" عن "النهاية": ويكره أن يبدل بها غيرها أى إذا كان
غنيًا اهـ (٣٢٢:٥)، وأما الفقير: فلا يجوز له الإبدال أصلا.
قلت: ومن فروع الإبدال والبيع أن يشرك فيها غيره، قال فى البدائع: ولو اشترى رجل بقرة
يريد أن يضحى بها، ثم أشرك فيها بعد ذلك، قال هشام: سألت أبا يوسف فأخبرنى أن أبا حنيفة
رحمه الله قال: أكره ذلك ويجزيهم أن يذبحوها عنهم، قال: وكذلك قول أبى يوسف قال: قلت
لأبى يوسف: ومن نية أن يشرك فيها؟ قال: لا أحفظ عن أبى حنيفة فيها شيئا، ولكن لا أرى بذلك ".
بأسا، وفى "الأصل": قال: أرأيت رجلا اشترى بقرة يريد أن يضحى عن نفسه فأشرك فيها بعد
ذلك، ولم يشركهم حتى اشتراها حتى صار سابعهم هل يجزئ عنهم؟ قال: نعم استحسن، وإن
فعل ذلك قبل أن يشتريها كان أحسن، وهذا محمول على الغنى، لأنها لم تتعين لوجوب التضحية
بها إلا أنه يكره لأنه لما اشتراها ليضحى بها فقد وعد وعدًا، فيكره أن يخلف الوعد، فأما إذا كان
فقيرًا، فلا يجوز له أن يشرك فيها لأنه أوجبها على نفسه بالشراء للأضحية فتعينت للوجوب،
فلا يسقط عنه ما أوجبه على نفسه، وقد قالوا فى مسألة الغنى: إذا أشرك بعد ما اشتراها للأضحية
(ولم يكن من نيته أن يشرك فيها)، أنه ينبغى أن يتصدق بالثمن، وإن لم يذكر ذلك محمد رحمه
الله لما روى أن رسول الله عَ لّه دفع إلى حكيم بن حزام دينارًا، وأمره أن يشترى له أضحية،
فاشترى شاة، فباعها بدينارين، واشترى بأحدهما شاة، وجاء إلى النبى معَّه بشاة ودينار، وأخبره
بما صنع، فقال له عليه الصلاة والسلام: بارك الله فى صفقة يمينك، وأمر عليه الصلاة والسلام أن
يضحى بالشاة، ويتصدق بالدينار، لما أنه قصد إخراجه للأضحية، كذا ههنا اهـ (٧٢:٥).
قلت: حديث حكيم بن حزام هذا قد تقدم فى (باب بيع الفضولی) من هذا الكتاب، وفيه
دلالة على جواز بيع الأضحية للموسر لأنه مرّ له لم يأمر حكيما برد البيع وفسخه، فدل على صحة
البيع وجوازه خلافًا لما قاله أبو يوسف، ومن وافقه أنه بمنزلة الوقف، ولا يجوز بيع الوقف، وأمره

٢٨٠
أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة
ج - ١٧
بالتصدق بالدينار يشعر بكراهته، وكل ما حصل بسبب مكروه، فسبيله التصدق، فافهم.
قال ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق مجاهد: لا بأس بأن يبيع الرجل أضحيته ممن
يضحى بها، ويشترى خيراً منها، وعن عطاء فيمن اشترى أضحية ثم بدا له، قال: لا بأس بأن
يبيعها، وروينا عن على والشعبى والحسن وعطاء كراهة ذلك اهـ (٣٧٥:٧).
قلت: ولكن الكراهة لا تستلزم فساد البيع، أو بطلانه إذا كان البائع موسرًا لكون الوجوب
فى ذمته دون المحل المتعين بخلاف الفقير كما تقدم، فما رواه ابن حزم وصححه من طريق شعبة
عن تميم بن حويص الأزدى قال: ضلت أضحيتى قبل أن أذبحها فسألت ابن عباس فقال: لا يضرك
(٣٥٨:٧ من "المحلى") محمول على المعسر، ويحتمل أن يكون أراد لا يضرك ضلالها، ويجزئك
أن تضحى بأخرى مكانها، وروى ابن حزم عن الحسن والحكم بن عتبة فيمن ضلت أضحيته
فاشترى أخرى فوجد الأولى أنه يذبحهما جميعاً، وقال حماد: يذبح الأولى (٧: ٣٧٦).
وروى الدارقطنى عن عائشة رضى الله عنها أنها أهدت هديين فأضلتهما، فبعث إليها ابن
الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدى، كذا فى "المغنى"
(٥٥٨:٣)، ورواه البيهقى فى "سننه" (٢٢٤:٥)، بسند حسن نحوه إلا قولها: هذه سنة الهدى
ولا دلالة فيه على وجوب ذبح الضال إذا وجده، وغاية ما فيه أن ذبحه سنة، وبه نقول، كما فى
"البدائع"، ولو اشترى الموسر شاة للأضحية فضلت، فاشتری شاة أخری لیضحی بها، ثم وجد
الأولى فى الوقت فالأفضل أن يضحى بهما، فإن ضحى بالأولى أجزأته، ولا شىء عليه غير ذلك
سواء كانت قيمة الأولى أكثر من الثانية أو أقل، والأصل فيه ما روى عن سيدتنا عائشة رضى الله
عنها فذكر الأثر وزاد فيه، ثم قالت: كان الأول يجزى عنى، (ولو ثبت ذلك لكان نصًا فى محل
النزاع)، فثبت الجواز بقولها، والفضيلة بفعلها رضى الله عنها، ولأن الواجب فى ذمته ليس إلا
التضحية بواحدة وقد ضحى، وإن ضحى بالثانية أجزأه أيضًا، وليس عليه أن يضحى بالأولى، لأن
التضحية بها لم تجب بالشراء، بل كانت واجبة فى ذمته بمطلق الشاة بخلاف المتنفل بالأضحية إذا
ضحى بالثانية يلزمه التضحية بالأولى أيضًا، لأنه لما اشتراها للأضحية بالأولى أيضًا بعينها،
فلا تسقط بالثانية، بخلاف الموسر، فإنه لا يجب عليه التضحية بالمشتراة بعينها، وإنما الواجب فى
ذمته، وقد أداه بالثانية فلا يجب عليه التضحية بالأولى، وأما على قول أبو يوسف، فإنه لا تجزيه
التضحية إلا بالأولى، لأنه يجعل الأضحية كالوقف اهـ ملخصا (٦٦:٥).