Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ ما جاء فى الجلالة إعلاء السنن فائدة: لا تؤكل المصبورة ولا المجثمة، والمجثمة هى الطائر أو الأرنب يجعل عرضا، ثم يرمى حتى يقتل، والمصبورة مثله إلا أنها تختص بالطائر والأرنب، والأصل فى تحريمه أن النبى معد له نهى عن صبر البهائم، وقال: ((لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا))، وروى سعيد باسناده عن أبى الدرداء قال: نهى رسول الله عَ لّه عن كل مجثمة. وباسناده عن مجاهد قال: نهى رسول الله عَ ليه عن المجثمة وعن أكلها وعن المصبورة وعن أكلها (ورواه أحمد والحاكم عن ابن عباس بلفظ نهى عن الشرب من فى السقاء وعن ركوب الجلالة وأكل المجثمة. قال العزيزى: هى كل حيوان يرمى بالسهام ونحوها حتى يموت من غير تذكية. وإسناده صحيح (٣: ٣٩١)، ولأنه حيوان مقدور عليه فلم يبح بغير الذكاة كالبعير والبقرة، كذا فى "المغنى" (٤٧:١١) وقواعدنا تساعده ظ. فائدة: ما أبين من الحى فهو ميت، أخرج الحاكم فى "المستدرك" من طريق سليمان بن بلال عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله عَ ليه سئل عن جباب أسنمة الإبل وأليات الغنم، فقال: ((ما قطع من حى فهو ميت))، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، (كذا فى "البناية" ٣٧٦:٤)، وقال الحافظ فى "التلخيص": ذكر الدار قطنى علة ثم قال: والمرسل أصح اهـ (١:٩). قلت: قد تقدم غير مرة أن الرفع زيادة لا تنافى الإرسال فتقبل من الثقة ويكون الحكم للرافع. والأصل أن المبان من الحى حقيقة وحكما لا يحل والمبان من الحى صورة لا حكما يحل، وذلك بأن يبقى فى المبان منه حياة بقدر ما يكون فى المذبوح، فإنه حياة صورة لا حكما، كذا فى "الهداية" (٣٧٧:٤). وفى "شرح المهذب": فيما يقطع من الشاة بعد الذكاة قبل أن تبرد مذهبنا أن الفعل مكروه (لأنه ◌َِّ نهى عن الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت، رواه الطبرانى والبيهقى عن ابن عباس كما فى "العزيزى" (٣: ٣٩٠)، والعضو المقطوع حلال (لما بينا أن المبان منه حى صورة لا حكما)، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق قال ابن المنذر: ذكره ذلك قال: وقال عمرو بن دينار: ذلك العضو ميتة، وقال عطاء: ألق ذلك العضو اهـ (٩١:٩) لعلهما حملا الحى فى قوله عّ لّه: ((ما أبين من حى فهو ميت على الحى مطلقا سواء حيا صورة، أو حكما، ولكن إطلاق الحى على المذبوح ليس بمتعارف، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الحى حقيقة وحكما، وهو أن يكون الحياة فيه قائمة، ويتوهم سلامته، فافهم. ج - ١٧ ما جاء فى الجلالة ٢٠٢ وذكر الموفق فى "المغنى" عن أحمد روايتين فيما إذا أبان من الحيوان فى مقدمات الذبح عضوا، أشهرهما: إباحتهما جميعا، قال أحمد: إنما حديث النبى عَّ له: ((ما قطعت من الحى ميتة)) إذا قطعت وهى حية تمشى وتذهب؟ أما إذا كانت البينونة والموت جميعا، أو بعده بقليل إذا كان فى علاج الموت، فلا بأس به اهـ ملخصا. قلت: ولكن الخبر يقتضى أن المبان منه إذا كان حيا بعد الإبانة حقيقة وحكما يكون المبان ميتا، لم يفرق بين كونه حيا يمشى ويذهب بعد الإبانة أولا، فالتقیید به دعوی مجردة لا دلیل علیها. والثانية: كقول أبى حنيفة ومن وافقه أنه لا يباح ما بان منه، قال أحمد: حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا، كان المسلمون يفعلون ذلك فى مغازيهم، وما زال الناس يفعلونه فى مغازيهم: واستحسنه أبو عبد الله قال: والطريدة صيد يقع بين القوم، فيقطع ذا منه بسيفه قطعة، ويقطع الآخر أيضا حتى يؤتى عليه، وهو حى قال: وليس هو عندى إلا أن الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيأخذونه قطعا اهـ (٢٤:١١). قلت: ولو كان يقدرون على ذكاته فهو من المجثمة لا يحل أكله، وإنما يحل أخذه قطعا إذا قطع كل واحد منه قطعة لا يتوهم سلامة بقطعها، وإلا فالمبان حرام والمبان منه حلال، والله تعالى أعلم، وستأتى المسألة فى أبواب الصيد أيضا، فانتظر، ظ. فائدة: وفى "شرح المهذب": تحل ذکاة الأعمى بلا خلاف ولكن تكره كراهة تنزيه، وفى حل صيده بالكلب والرمى وجهان اهـ (٧٦:٩). فائدة: أجمعت الأمة على جواز أكل الجبن ما لم يخالط نجاسة بأن يوضع فيه أنفحة سخلة ذبحها من لا يحل ذكاته، فهذا الذى ذكرناه من دلالة الإجماع هو المعتمد فى إباحته، وقد جمع البيهقى فيه أحاديث كثيرة، وروى عن عمر وابن مسعود وابن عمر: كلوا من الجبن ما صنعه المسلمون وأهل الكتاب، قال البيهقى: وهذا التقييد لأن الجبن يعمل بأنفحة (١) السخلة المذبوحة، فإذا كانت من ذبائح المجوس لم يحل، وعن ابن عمر أنه سئل عن السمن والجبن فقال: سم وكل فقيل له: إن فيه ميتة، فقال: إن علمت أن فيه ميتة، فلا تأكل. قال البيهقى: وكان بعض العلماء لا يسأل عنه تغليبا للطهارة، روينا ذلك عن ابن عباس وابن (١) الإنفحة بكسر الهمزة شىء يستخرج من بطن الجدى الراضع أصغر، فيعصر فى صوفة فيغلظ كالجن (قاموس ١٥٧:١). ٢٠٣ إعلاء السنن کتاب الأضاحی باب أن البدنة عن سبعة بقرة كانت أو بعيرًا والشاة عن واحد ٥٥٧٣- وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى عَّه أتاه رجل، فقال: إن على بدنة وأنا موسر ولا أجدها فأشتريها، فأمره النبى عّ لّـ ((أن يبتاع سبع شياه فيذبحن)) ورواه أحمد وابن ماجه، قال الشوكانى: رجاله ثقات إلا أن عطاء الخراسانى لم يسمع من ابن عباس.، قلت: ولا ضير، فإن المرسل عندنا حجة لا سيما إذا اعتضد بالمسانيد. عمر وغيرهما، كان بعضهم يسأل عنه احتياطا رويناه عن أبى مسعود الأنصارى، وعن الحسن البصرى قال: كان أصحاب رسول الله عَّ يسألون عن الجبن ولا يسألون عن السمن اهـ من "شرح المهذب" (٦٩:٩)، ظ. باب أن البدنة عن سبعة بقرة كانت أو بعيرا والشاة عن واحد قوله: عن ابن عباس إلخ قلت: وهذا أصح مما أخرج الحاكم عن الثورى عن أبى الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن عشرة. وقال رسول الله عَ ليه: ((ليشترك النفر فى الهدى))، لأنه اختلف فيه على سفيان، فروى تارة مثل ما رواه عنه ابن جريج ومالك وزبير أن البدنة عن سبعة. وروى أخرى ما يخالفهم فقال: البدنة عن عشرة. أما رواية ابن جريج ومالك وزهير فأخرجها مسلم، وأما رواية سفيان الموافقة فلم أرها ولكن قال الذهبى فى "التلخيص" بعد إخراج رواية الحاكم: خالفه ابن جريج ومالك وزهير عن أبى الزبير فقالوا: البدنة عن سبعة، وجاء عن سفيان أيضا كذلك اهـ، وتابع أبا الزبير على رواية السبعة عطاء عن جابر عند أبى داود والنسائى من رواية، والليث والشعبى عن جابر عند الدار قطنى من رواية مجالد، وما أخرج البيهقى فى "المعرفة" من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أن رسول الله مګ خرج يريد زيارة البيت وساق معه الهدى سبعين بدنة عن سبعمائة رجل كل بدنة عن عشرة، فهو مرسل، لأن مروان من التابعين، والمسور لم يشهد الحديبية، كما فى "الفتح"، فلا يعارض حديث جابر الذى شهدها، ثم هو مخالف لما. صح عن جابر وغيره أنهم كانوا بضعة عشر أيضا دون سبعمائة، ولا يتمشى تأويل البيهقى بأنه لم يخبر عن جميعهم، بل عن بعضهم الذين نخبر عنهم البدن، والباقون نحر عنهم البقر؛ لأن الذى فى المغازى هذا نصه: قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى عن عروة ج - ١٧ البدنة عن سبعة بقرة كانت أو بعيرا والشاة عن واحد ٢٠٤ ٥٥٧٤- وعن جابر قال: ((أمرنا رسول الله عَّ له أن نشترك فى الإبل والبقر كل سبعة منا فى بدنة)) متفق عليه، وفى لفظ: قال لنا رسول الله عَ له: ((اشتركوا فى الإبل ابن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثا قالا: خرج رسول الله عَ لّه يريد عام الحديبية زيارة البيت لا يريد قتالا، وساق معه الهدى سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغنى يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة اهـ، وهذا الكلام كالنص على أنه أخبر عن الكل لا عن البعض. وهذا يرد أيضا على ابن حجر حيث قال: وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطا من قول جابر: نجرنا البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ينحروا غير البدن مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا (٣٣٩:٧)؛ لأن ابن إسحاق قد نص على أن جابرا يقول: إنهم كانوا أربع عشرة مائة، فكيف يستنبط من قوله المذكور أنهم كانوا سبعمائة؟ ثم قول جابر: إنهم نحروا كل بدنة عن عشرة لم يثبت منه، والذى ثبت عنه أنهم نحروا عن سبعة. فالظاهر أن الخطأ لمن هو دونه، والله أعلم. وما روى عن ابن عباس أنه قال: كنا مع النبى ◌َِّ فى سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة، رواه الخمسة إلا أبا داود، ففيه أن فى سنده حسين بن واقد واضطرب فيه فقال تارة: عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس كما رواه عنه الترمذى وغيره. وأخرى عن عكرمة عن ابن عباس. كما رواه الحاكم فى "المستدرك" وهذا يدل على أنه لم يحفظ الرواية كما هى، وحسين بن واقد وإن كان من أهل الصدق والديانة إلا أنه كان يهم ويخطئ. قال ابن حبان: ربما أخطأ فى الروايات، وقال الساجى: فيه نظر، وهو صدوق بهم، وقال العقيلى: أنكر أحمد بن حنبل حديثه، وفى رواية عنه فى أحاديثه زيادة ما أدرى أيش هى؟ ونفض يده، وفى رواية عنه: ما أنكر حديث حسين بن واقد عن أبى منيب، فالظاهر أن قوله عن عشرة من أوهامه، والله أعلم. ولو صح الرواية لم يكن فيه حجة، لأنه من أفعال الصحابة التى عارضت قول رسول الله عَّه، إذ ليس فى حديث ابن عباس أنهم فعلوا ذلك بأمر رسول الله عّ ◌ُّه، أو اطلع هو عليه فأقره. والعجب من الشوكانى أنه لا يرى أفعال الصحابة حجة، ومع ذلك يقول بما روى عن ابن عباس، ويفرق بين الهدى والأضحية بأن البدنة تجزئ عن السبعة فى الهدى لحديث جابر وغيره، ٢٠٥ البدنة عن سبعة بقرة كانت أو بعيرا والشاة عن واحد . إعلاء السنن والبقر كل سبعة فى بدنة))، رواه البرقانى على شرط "الصحيحين"، وفى رواية، قال: "اشتركنا مع النبى عّم فى الحج والعمرة كل سبعة منا فى بدنة"، فقال رجل لجابر: "أ. وعن العشرة فى الأضحية لحديث ابن عباس، مع أن هذا الفرق لم يذهب إليه أحد من أئمة المسلمين، ويرده أيضا عدم الفرق بينهما فى الشاة والبقرة، وقوله بأنه قياس فى مقابلة النص مردود بأنه لا نص فى حديث ابن عباس، على أن ذلك كان أمر رسول الله مّ أو يعلمه، بل فيه مجرد حكاية عن فعل الصحابة، فكيف يكون القياس معارضا للنص؟ فافهم. ثم لما ثبت أن النبى ◌ّ عدل البدنة بسبع شياه ثم جعل البدنة عن سبعة أنفس ثبت من كلا الأمرين أن الشاة عن واحد، كما لا يخفى، فثبت من النصوص كون الشاة عن واحد من دون حاجة إلى القياس، وسقط قول صاحب "الهداية" أن لا نص فى الشاة فبقى على أصل القياس اهـ. قال العبد الضعيف: لم يرد صاحب "الهداية" ما توهمه بعض الأحباب، وإنما أراد أن لا نص فى كون الشاة عن أكثر من واحد، فاقتصر على أصل القياس، وهو أن الإراقة واحدة، فلا يجوز إلا عن واحد، فافهم. وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على ابن أبى طالب قال: الجزور والبقرة عن سبعة من أهل البيت لا يدخل معهم غيرهم (وهو بظاهره حجة لمالك). ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن علية عن سعيد عن قتادة عن سليمان بن يسار عن عائشة - أم المؤمنين- قالت: البقرة والجزور عن سبعة، ومن طريقه عن على بن مسهر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن قالوا كلهم: البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة، يشتركون فيها كانوا من غير أهل دار واحدة. (هذه حجة الجمهور على مالك، وهو أولى مما رواه جعفر عن أبيه عن على لكونه منقطعا وهذا موصولا، وأيضا فقوله عّ لّه لرجل كانت عليه بدنة ولم يجدها أن يبتاع سبع شياه، فيذبحها صريح فى كون البدنة بمنزلة سبع شياه مطلقا. وأيضا، فأمره عَ لِّ أهل الحديبية أن يشتركوا فى الإبل والبقر كل سبعة منهم فى بدنة من غير فصل بين أن يكونوا من أهل دار واحدة أولا يؤيد قول الجمهور، فيحمل قول على على أن كون السبعة المشركين فى الجزور والبقرة من أهل بيت واحد أولى من كونهم من بيوت متفرقة تحرزا عن لزوم الربا فى قسمة اللحم، وإذا كانوا من أهل بيت واحد لم يحتاجوا إلى القسمة فيأكلون جميعا ويتصدقون بما شاءوا جميعا، فافهم). ج - ١٧ البدنة عن سبعة بقرة كانت أو بعيرا والشاة عن واحد ٢٠٦ يشترك فى البقر ما يشترك فى الجزوز؟" فقال: ما هى "إلا من البدن"، رواه مسلم، وفى ومن طريقه نا محمد بن فضيل عن داود بن هند عن الشعبى قال: أدركت أصحاب محمد عّ وهم متوافرون كانوا يذبحون البقرة والبعير عن سبعة (وهذا كحكاية الإجماع)، ومن طريق وكيع عن سفيان عن حماد عن إبراهيم قال: كان أصحاب محمد عّه يقولون: البقرة والجزور عن سبعة، (هذا أيضا حكاية الإجماع، وفى كل ذلك رد على من جعل البعير عن عشرة)، وعن ابن أبى شيبة عن ابن فضيل عن مسلم عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: البقرة والجزور عن سبعة، وعن وكيع عن سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن خالد بن سعد عن أبی مسعود قال: البقرة عن سبعة، ورويناه أيضا عن حذيفة وجابر وعلى وممن أجاز الاشتراك فى الأضاحى البقرة عن سبعة والناقة عن سبعة طاوس وأبو عثمان النهدى وعطاء وجمهور التابعين. فأما ابن عمر فإننا روينا من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: البدنة عن واحد والبقرة عن واحد والشاة عن واحد لا أعلم شركا. وصح عن محمد بن سيرين لا أعلم دما واحدا يراق عن أكثر من واحد (هذا هو القياس لكنا تركناه بالنص وإليه رجع ابن عمر)، كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير نا مجالد عن الشعبى قال: سألت ابن عمر عن البقرة والبعير تجزئ عن سبعة؟ فقال: كيف أولها سبعة أنفس؟ قلت: إن أصحاب محمد عبد الله الذين بالكوفة أفتونى فقالوا: نعم قاله النبى مرّه وأبو بكر وعمر، فقال ابن عمر: ما شعرت، (وسنده حسن)، فهذا توقف من ابن عمر، ومن طريق وكيع عن عريف بن درهم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: البقرة عن سبعة، فهذا يدل على رجوعه، كذا فى "المحلى" (٣٨٢:٧). قال ابن حزم: وصح عن سعيد بن المسيب: البدنة عن عشرة، وروينا ذلك عن ابن عباس عن الصحابة اهـ، قلت: قد مر أن فى سنده حسين بن واقد ضعيف، وقد صح عن ابن عباس عن النبى عّ لّه أنه جعل البدنة بسبع شياه، رجاله ثقات كما فى المتن، فلم يبق إلا قول ابن المسيب وهو محجوج بالنصوص، وبالإجماع على خلافه. قال ابن حزم: ولم يمنع عليه السلام من الاشتراك فى التطوع أكثر من عشرة وسبعة، بل قد أشرك عليه السلام فى أضحيته جميع أمته اهـ (٣٨٢:٧). قلنا: لم يكن ذلك من الاشتراك فى شىء، وإنما كان من باب هبة الثواب، كما سيأتى، وكيف يجوز إشراك سبعة أو عشرة أو جميع الأمة فى شاة وقد كان ابن عمر ينكر الإشراك فى البقرة والجزور، حتى بلغه عن رسول الله عَّ ◌ُله أنه أشرك سبعة فيهما؟ فافهم، فإن أهل الظاهر ٢٠٧ البدنة عن سبعة بقرة كانت أو بعيرا والشاة عن واحد إعلاء السنن لفظ، قال: "نحرنا مع رسول الله عَ ◌ّ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة". لا يفقهون، وأغرب ابن حزم فقال: والأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذى أربع أو طائر كالفرس والإبل وبقر الوحش والديك وسائر الطير والحيوان الحلال أكله واحتج بحديث أبی هريرة فى المهجر إلى الجمعة وفيه: ثم مثل من یهدی دجاجة، ثم كمثل من يهدى عصفورا، ثم كمثل من يهدى بيضة. قال: ففيه جواز هدى دجاجة وعصفور وتقريب بيضة، والأضحية تقريب بلا شك اهـ (٧: ٣٧١). قلت: فما وجه تخصيصك الأضحية بالحيوان ولم لم تقل بجواز التضحية ببيضة، وهل هذا إلا إعمال بعض الحديث وإهمال بعضه؟ وأيضا يلزمك القول بإجزاء الدجاجة والعصفور والفرس ونحوها فى هدايا الحج لورود الحديث بلفظ الهدى، وأصله فيما يهدى إلى الحرم: وأنت لا تقول به بل صرحت بأن الهدى الواجب على المتمتع رأس من الغنم أو من البقر أو شرك فى بقرة أو ناقة لقول الله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ يقع على الشاة والبقرة والبدنة؛ لما روى البخارى عن ابن عباس سئل عن المتعة فأمر بها، وسئل عن الهدى فقال: جزور أو بقرة أو شاة أو شرك فى دم (١٤٩:٧)، فكان عليك أن ترد قول ابن عباس بقول النبى عّ لّه فى حديث المهجر وتقول بأن اسم الهدى يقع على الدجاجة والعصفور والبيضة أيضا، وإلا فأنت متناقض متلاعب، والحق أن الإهداء فيه مفسر بالتصدق دون إراقة الدم بدليل ذكر البيضة فيه، وبدليل ما رواه مالك عن سمى عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة بلفظ: فكأنما قرب بدنة، ثم كأنما قرب بقرة إلى أن قال: ثم كأنما قرب دجاجة، ثم كأنما قرب بيضة، والتقريب التصدق بالمال تقربا إلى الله عز وجل. وأما قولك: إن الأضحية تقريب بلا شك فنعم ولكنها مقيدة بإراقة الدم كالهدى، فإن قلت بإجزاء كل حيوان فى الأضحية لزمك القول بمثله فى الهدى سواء، ومن ادعى الفرق فعليه البيان. وأما ما رواه سعيد بن منصور نا أبو الأحوص أنا عمران بن مسلم -هو الجعفى - عن سويد ابن غفلة قال: قال لى بلال: ما كنت أبالى لو ضحيت بديك. ولأن آخذ ثمن الأضحية فأتصدق به على مسكين مقتر فهو أحب إلى من أن أُضحی. وما روى وكيع نا أبو معشر المدينى عن عبد الله بن عمير ولى ابن عباس عن ابن عباس أنه أعطى مولى له درهمين فقال: اشتر بهما لحما، ومن لقيك فقل: هذه أضحية ابن عباس. (المحلى ٣٥٨:٧)، فلا حجة له فيه. أما أولا فلأنه لا حجة فى أحد دون رسول الله مَّ له عنده، وقد صح عن رسول الله عَ لّه أنه ج - ١٧ ٢٠٨ باب التضحية بالشاة وتشريك الغير فى الثواب أو إيثاره له به ٥٥٧٥- عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصارى كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله عَّ له؟ قال: كان الرجل فى عهد النبى معَ ◌ّه يضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى، رواه آثر الأضحية على الصدقة بثمنها فى أيام النحر وقال: ما عمل ابن آدم فيهما عملا أحب إلى الله من هراقة دم. وقال الله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، والنسك يعم الهدى والأضحية جميعا لقوله مرّ له: ((ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه)) متفق عليه، قاله فى الأضحية، فدل على اختصاصهما ببهيمة الأنعام، وهى الشاة والبقرة والإبل لا غير، كما فى "المفردات" للراغب (ص٥١٩)، فمن قال بجواز الأضحية ببقر الوحش والديك والدجاجة ونحوه محجوج بالكتاب والسنة. قال صاحب "المهذب": ولا يجزئ فى الأضحية إلا الأنعام وهى الإبل والبقر والغنم لقول الله عز وجل: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، وفى "شرح المهذب": نقل جماعة إجماع العلماء على أن التضحية لا تصح إلا بالإبل والبقر والغنم فلا يجزئ شىء من الحيوان غير ذلك اهـ (٣٩٤:٨). وأما ثانيا: فللاحتمال أن يكون بلال وابن عباس إذ ذاك معسرين، فما روى عن الحسن بن صالح وداود فى بقر الوحش والظباء كله شاذ مردود بالكتاب والسنة والإجماع، والعامة على أن البعير والبقرة تجزئ عن سبعة أو أقل من ذلك لا عن أكثر من سبعة، وقال مالك: يجزئ ذلك عن أهل بيت واحد وإن زادوا على سبعة ولا يجزئ عن أهل بيتين وإن كانوا أقل من سبعة والصحيح قول العامة (بدائع ٧٠:٥). ولا حجة لمالك فيما رويناه عن على رضى الله عنه لأنه قال: الجزور والبقرة عن سبعة، ومالك يجيزهما عن أكثر من سبعة إذا كانوا أهل بيت واحد. ولأن البدنة بمنزلة سبع شياه بنص الحديث، ولا يجزئ سبع شياه عن أكثر من سبعة، وتجزئ عن سبعة متفرقين ومجتمعين، فكذلك البدنة والبقرة. ولو كان واحد من السبعة يريد اللحم لم تجز عن واحد منهم خلافا للشافعية والحنابلة، ولنا أن جواز الاشتراك ثبت بالنص على خلاف القياس فيقتصر على مورده ظ. باب التضحية بالشاة وتشريك الغير فى الثواب أو إيثاره له به أقول: قال الشوكانى: الحديثان (أى حديث أبى رافع وجابر) يدلان على أنه يجوز للرجل ٢٠٩ التضحية بالشاة وتشريك الغير فى الثواب أو إيثاره له به إعلاء السنن ابن ماجة والترمذى وصححه، وقال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق واحتجا بحديث أن النبى معَّ ال ضحى بكبش فقال: ((هذا عمن لم يضح من أمتى))، وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ الشاة إلا عن نفس واحدة وهو قول عبد الله ابن المبارك وغيره من أهل العلم (نيل ٣٥٣:٤). ٥٥٧٦- وعن أبى سريحة قال: حملنى أهلى على الجفاء بعد ما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يبخلنا جيراننا، رواه ابن ماجه والحاكم وصححه، وأقره عليه الذهبى فى "التلخيص"، وقال فى "النيل": إسناده فى "سنن ابن ماجة" إسناد صحيح. أن يضحی عنه وعن أتباعه وأهله ویشر کهم معه فی الثواب، وبه قال الجمهور، و کره الثوری وأبو حنیفة وأصحابه، والحديثان یردان عليهم اهـ. قلت: التضحية عن الغير تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المضحى هو الغير ويكون المباشر نائبا عنه، ومثل هذه التضحية لا يجوز بشاة واحدة عن أكثر من واحد عند أبى حنيفة وأصحابه لما دل الدليل على أن الشاة الواحد لا تجزئ إلا عن واحد. والثانى: أن يكون المضحى هو المباشر ويشرك غيره فى الثواب أو يهديه له، ومثل هذه التضحية لا يمنعه أبو حنيفة وأصحابه، لا لواحد، ولا لأكثر. ومحمل الأحاديث هو الوجه الثانى لا الأول، إذ لو كان محملها المعنى الأول لجاز الشاة الواحدة عن جميع المسلمين، كما يدل عليه حديث أبى رافع أنه مرّ ضحى عن جميع أمته. وحديث جابر أنه مٍَّ ضحى عمن لم يضح من أمته، ولا يقول به أحد حتى أحمد وإسحاق حيث خصوا الإجزاء بأهل البيت فقط. وحتى الشوكانى نفسه حيث قال: والحق أنها تجزئ عن أهل البيت، وإن كانوا مائة نفس، أو أكثر كما قضت به السنة اهـ. فالأحاديث المذكورة حجة عليهم، لا لهم وهى معاضدة لمذهب أبى حنيفة لا معارضة له. كما ظنه الشوكانى. وأيضا لو جاز الشاة الواحدة عن أكثر من واحد لجاز البقرة والبعير عن أكثر من سبعة أو عشرة على اختلاف القولين فى البعير، لأن كلا منهما مشتمل على سبع شياه أو عشر شياه، فلما جاز الشاة الواحدة عن أكثر من واحد فلا بد أن تجوز البقرة عن أكثر من سبعة، والبعير عن أكثر من سبعة أو عشرة كما لا يخفى، وحينئذ يبطل تجديد الشارع بالسبعة، أو العشرة فيهما لا محالة. ج - ١٧ التضحية بالشاة وتشريك الغير فى الثواب أو إيثاره له به ٢١٠ ٥٥٧٧- وعن أبي رافع مولى رسول الله عَ ليه، ((كان رسول الله عز له إذا ضحى اشترى كبشين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم فى مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتى جميعًا لمن شهد لك بالتوحيد وشهد لی بالبلاغ، ثم یؤتی بالآخر فیذبحه بنفسه، ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحى قد كفاه الله المؤنة برسول الله عَّ ليه والعزم. رواه أحمد (مسند ٣٩١:٦) وحسنه فى مجمع الزوائد، وسكت عنه الحافظ فى التلخيص، كذا فى النيل (٣٤١:٤). فالحق هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه أنه لا تجوز الشاة الواحدة إلا عن واحد، وهو القياس، لأن الشاة أدنى ما تجوز به الأضحية، فلو اشترك فيه الاثنان أو الأكثر كان المضحى به عن كل واحد النصف أو الثلث أو الربع أو أقل من ذلك، فلا يكون الشاة بأدنى ما تجوز به الأضحية، ولم يكن لتخصيص أهل البيت معنى، إذ لما جاز التضحية بأقل من الشاة فأهل البيت الواحد والبيوت الكثيرة سواء. قال العبد الضعيف: ولو كان كذلك لم يكن لقوله عدّ له: ((من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا)) معنى، فأى حاجة إلى وجدان السعة إذ جاز للمسلمين أن يشتركوا فى الشاة الواحدة ولو كانوا مائة أو أكثر، فإن هذا القدر مما لا يعجز عنه مسلم قط، كما هو ظاهر مشاهد، فتأمل. وفى "البناية" للعينى: اعلم أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، وأنها أقل ما تجب وذكر الإنزارى أن هذا إجماع، ثم ذكر حديث تضحيته مّه بكبشين وقوله فى أحدهما: اللهم هذا عن محمد وأهل بيته وفى الآخر: إن هذا منك وإليك عمن وحد من أمتى. وعن أبى هريرة لما ضحى بالشاة جاءت ابنة تقول: وعنى، فقال: وعنك. وأجاب بأن هذا لا يدل على وقوعه من اثنين بل هذا هبة ثوابها، وقد روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: الشاة عن واحد، انتهى (١٧١:٤). وفى "التهذيب" لابن جرير الطبرى ما ملخصه: ظن أهل الغباوة أن ذلك -أى قوله مرّ له: (هذا عن محمد وعمن وحد من أمتى))- كان باشراكه لهم فى ملك أضحيته، فزعم أن للجماعة أن يشتركوا فى الشاة، ويجزئهم عن التضحية، ولو كان كذلك لم يحتج أحد من هذه الأمة إلى التضحية، ولما كان لقوله عليه السلام: ((من وجد سعة فلم يضح)) وجه وكيف يقول ذلك وقد ضجى هو عنهم وذبحه أفضل؟ من "الجوهر النقى" (٢١٩:٣). ٢١١ التضحية بالشاة وتشريك الغير فى الثواب أو إيثاره له به إعلاء السنن ٥٥٧٨- وعن جابر قال: صليت مع رسول الله عَّ ◌ُّه عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبش فذبح، فقال: ((بسم الله والله أكبر اللّهم هذا عنى وعمن لم يضح من أمتى))، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه والمطلب ابن عبد الله بن حنطب يقال: إنه لم يسمع من جابر، وقال أبو حاتم الرازى: يشبه أن يكون أدركه، كذا فى "النيل" (٣٤١:٤). وبالجملة فأبو حنيفة ومن وافقه إنما يقولون بعدم وقوع شاة عن اثنين فصاعدا ولا يقولون بعدم جواز هبة ثوابها لأكثر من واحد، فقول الشوكانى: والحديثان يردان عليهم رد عليه، لأن الحديث إنما يدل على هبة ثوابها لأكثر من واحد لا على وقوعها من اثنين فصاعدا، فافهم. وأما قول أبى أيوب الأنصارى: كان الرجل فى عهد النبى معَّ يضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته حتى تباهى الناس وقول أبى سريحة: كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يبخلنا جيراننا، فهو حجة لنا لا علينا، فإنا لا نقول بوجوب الأضحية على الموسر عن أولاده، ولا عن. زوجته، وإنما عليه أن يضحى عن نفسه. وهذا هو مراد أبى أيوب وأبى سريحة أن الأغنياء المياسير لم يكونوا يضحون عن أولادهم الصغار، ولا عن أهل بيتهم حتى تباهى الناس، ولأجل ذلك قال أبو سريحة: كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين، ولو كان ذلك للإشراك لم يكن حاجة إلى أزيد من شاة أصلا، ولكن اليسار إنما كان لقيم البيت، ولا يكون لأهل البيت إلا قيم واحد، أو اثنان غالبا، فلأجل ذلك كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين ولم يكونوا يضحون عن الصغار ولا عن الكبار الفقراء حتى تباهوا بذلك، فلا دليل فيه على إجزاء الشاة عن أهل البيت كلهم إذا كانوا أغنياء فافهم يؤيد ما قلنا قول أبى شريحة حذيفة ابن سيد فحملنى أهلى على الجفاء بعد أن علمت من السنة حتى أنى لأضحى عن كل منهم، رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح (مجمع ١٨:٤)، ولم نقل بأنه يجب على المرء أن يضحى عن كل من هو فى عياله، وإنما يجب على كل موسر أن يضحى عن نفسه فقط، وفى "كنز العمال" عن أبى شريحة المذكور قال: لقد رأيت أبا بكر الصديق وعمر ما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن بهما اهـ، وقال: قال ابن كثير: إسناده صحيح اهـ (٤٥:٣)، وفيه تأييد لما قلنا، وأغرب ابن حزم حيث عزى إلى أبى حنيفة القول بأن الأضحية فرض، وعلى المرء أن يضحى عن زوهته قال: فجمع وجوها من الخطأ اهـ من "المحلى" (٣٥٥:٧). ٢١٢ إعلاء السنن باب وجوب الأضحية ٥٥٧٩- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: ((من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا))، أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن أبى شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلى والدار قطنى والحاكم وصححه، وأعل بأنه رواه جعفر بن ربيعة وعبيد الله ابن أبى جعفر عن الأعرج عن أبى هريرة موقوفًا، وكذا رواه ابن وهب عن عبد الله بن قلنا: لم يجمع وجوها من الخطأ من عزى إلى خصمه ما لم يقل، فهذه كتب أصحاب أبى حنيفة ليس فيها إلا القول بالوجوب، وفرق ما بين الواجب والفرض، كما بين السماء والأرض، ولم نر أحدا من أصحابنا قال بوجوب الأضحية على الزوج عن زوجته، أو روى ذلك عن أبى حنيفة، ولا من طريق ضعيفة، ظ. باب وجوب الأضحية أقول: احتج به لأبى حنيفة على قوله لوجوب الأضحية، قال بعض الأحباب: وأورد عليه بأنه روى عن النبى معَّ أنه قال: من ترك سنتى لم ينل شفاعتى، فيمكن أن يكون هذا أيضا من ذلك القبيل. وأجيب عنه بأن ثبت الجدار فانقش، فإن حديث حرمان الشفاعة بترك السنة قال الخطيب: حديث منكر ورجاله ثقات سوى البصرى وابن رجاء فإنهما مجهولان، وفى "الميزان" : هذا خبر كذب، كذا فى "اللآلئ المصنوعة" (٤٨:١) ظ. وأورد أيضا بأنه قال عَّه: ((من أكل الثوم فلا يقربن مصلانا)) مع أن أكل الثوم ليس بمحرم. والجواب عنه أنه ليس للنهى عن أكل الثوم بل للنهى عن قربان المصلى بعد أكل الثوم. ونحن نقول به بخلاف ما نحن فيه، فإنه للنهى عن ترك التضحية فيدل على وجوبها، ثم قوله: من كان له سعة يدل على اشتراط الغنى للوجوب، لأن الفقير ليس بذى سعة للعبادات المالية شرعا. ثم هو يدل على اشتراط الإقامة أيضا؛ لأن المسافر جعله الشارع مصرفا للصدقات، ولو كان غنيا فى وطنه، فلا يكون ذا سعة فى سفره، فلا يجب عليه العبادة المالية التى يطالب بإقامتها فى الحال كالأضحية، بخلاف الزكاة وصدقة الفطر فإنه لا يطالب بهما فى السفر، لأنه ليس لهما وقت معين تفوتان بفواته، بخلاف الأضحية، فإن قلت: قد يكون المسافر ممن لا تحل له الصدقة بأن يكون معه مال فينبغى أن يجب عليه الأضحية، قلنا: لا لأن السفر مظنة الاحتياج، فلا يؤمر بإتلاف المال. ج - ١٧ وجوب الأضحية ٢١٣ عياش عن الأعرج عن أبى هريرة، وإنما رفعه عبد الله بن يزيد المقرئ وحيوة بن شريح وغيرهما عن عبد الله بن عياش عن الأعرج فالموقوف أصح كذا فى الزيلعى (٢٧٣:٢). قلنا: الرفع زيادة والزيادة من الثقات مقبولة، ولا تعارض بين الوقف والرفع، لأنه يمكن أن يكون أبو هريرة رفعه مرة وأفتى به أخرى فسمعه الأعرج من وجهين، ورواه فإن قلت: ينبغى أن يجب عليه الأضحية ولا يؤمر بها فى السفر، بل يجب عليه قضاءها بعد الإقامة، كما فى الصوم. قلنا: المقصود من الصوم هو الإمساك، وذا يمكن بعد الإقامة، ففى إيجابه فائدة، بخلاف الأضحية فإن المقصود هنا الإراقة على وجه التعبد، وذا لا يمكن بعد الإقامة، لأن التعبد بالإراقة مقید بزمان مخصوص ولا یحصل ذلك إلا علی ذلك الزمان دون غيره، فیکون فیه إيجاب التصدق فقط وهو غير مقصود، فلا فائدة فى الإيجاب، بخلاف المقيم الذى وجب عليه الأضحية ولم يضح، فإنه وجب عليه التصدق على سبيل البدلية زجرا له على التهاون والتقصير. ثم القضاء فرع للأداء ولما لم يجب الأداء لفوات شرطه وهو الغنى الغير المشوب بالاحتياج أو مظنته لا يجب القضاء، هذا غاية السعى منا فى تقرير الاستدلال على اشتراط الإقامة بوجوب الأضحية، وقال صاحب "الهداية": إن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها، ويفوت بمضى الوقت، فلا تجب عليه كالجمعة اهـ، وفيه نظر، لأنه تخصيص للنص بالقياس وهو غير جائز، فالأحسن هو ما قلنا. قال العبد الضعيف: وكيف يكون قولك أحسن وهو لا يخلو من تخصيص النص بالقياس أيضا، فإن مقتضى النص وجوب الأضحية على كل من وجد سعة مقيما كان أو مسافرا، وقد جعلت المسافر الموسر الذى معه مال فى حكم الفقير بمجرد كون السفر مظنة للاحتياج، وهل هذا إلا مجرد رأى لا يشهد له نص، ولا يؤيده أثر، بل الظاهر من النص كون السفر مظنة للغناء، فقد روى الطبرانى فى "الأوسط" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّه: ((اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا))، ورجاله ثقات، كما فى "الترغيب" (ص١٦٨)، وهذا كما ترى قد جعله الشارع سببا للغناء، فكيف يصح جعله مظنة للاحتياج والفقر، ولو سلمنا أنه مظنة لذلك فى حق بعض الناس فلا نسلم كون المسافر الذى معه مال فى حكم الفقير، لأن السفر مظنة للغناء أيضا كما هو مظنة للفقر، فلا ترجح إحدى المظنتين على الأخرى إلا بدليل. : ٢١٤ وجوب الأضحية إعلاء السنن كذلك، فسمعه عبد الله بن عياش من وجهين ورواه كذلك، وسمعه جعفر وغيره من وجه واحد، فرووه كذلك، فلا وجه لرد المرفوع، ولو سلم الوقف فمثله لا يقال بالرأى، فيكون فى حكم المرفوع، فافهم. والحق أن أبا حنيفة لم يقل بعدم وجوب الأضحية على المسافر إلا تقليدا فقد روينا من طريق سعید بن منصور نا أبو عوانة عن منصور عن إبراهیم قال: کان عمر یحج(١) ولا یضحى، و کان أصحابنا - يعنى أصحاب عبد الله بن مسعود- يحجون معهم الورق والذهب، فلا يضحون ما يمنعهم من ذلك إلا ليتفرغوا لنسكهم، ومن طريق الحارث عن على: ليس على المسافر أضحية، كذا فى "المحلى" (٣٧٥:٧). الحارث الأعور: والحارث مختلف فيه احتج به أصحاب "السنن"، ومنهم النسائى مع تعنته فى الرجال، قال الذهبى فى "الميزان": وحديث الحارث فى "السنن الأربعة"، والنسائى مع تعنته فى الرجال، فقد احتج به وقوى أمره، والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه فى الأبواب، هذا الشعبى یکذبه، ثم يروى عنه، والظاهر أنه كان يكذب فى لهجته وحكاياته، وأما فى الحديث النبوى فلا، وكان من أوعية العلم قال مرة بن خالد: أنبأنا محمد بن سيرين قال: كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يؤخذ عنهم أدركت منهم أربعة، وفاتنى الحارث فلم أره وكان يفضل عليهم وكان أحسنهم، ويختلف فى هؤلاء الثلاثة أيهم أفضل: علقمة ومسروق وعبيدة. وقال عباس عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائى، وعنه قال: ليس بالقوى، (وهذا تليين هين) وقال عثمان الدارمى: سألت يحيى بن معين عن الحارث الأعور فقال: ثقة، قال عثمان: ليس يتابع يحيى على هذا اهـ ملخصا (١ :٢٠٢). قلت: ناهيك بيحيى بن معين موثقا فإنه أعرف الناس برجال الكوفة وما والاها، فلا يضره أن لا يتابعه غيره، فقول ابن حزم: والحارث كذاب، رد عليه، بل هو حسن الحديث صالح للاحتجاج به. قال ابن حزم: وممن روينا عنه إيجاب الأضحية مجاهد ومكحول، وعن الشعبى (١) أى لا يضحى لكونه مسافرا لا لكونه حاجا، فإن الحج ليس من العذر فى شىء فى حق المقيم، وقوله: ما يمنعهم من ذلك إلا ليتفرغوا لنسكهم، معناه: كانوا لا يتفرغون للأضحية لأجل السفر، لأنها تختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها، و تفوت بمضی الوقت، ظ. ٠ ج - ١٧ وجوب الأضحية ٢١٥ وقال الحافظ فى "الفتح" (١٠:٢): أخرجه ابن ماجة وأحمد ورجاله ثقات اهـ، لم يكونوا يرخصون فى ترك الأضحية إلا لحاج(١) أو مسافر. (قلت: هذه حكاية عن الصحابة، فإن الشعبى تابعی جليل) قال: وروى عن أبى هريرة، ولا يصح اهـ (٣٥٨:٧). قلت: عدم الصحة لا ينفى كونه حسنا، وإن سلمنا ضعفه فالضعيف إذا تأيد بالشواهد تقوی، وقد مر عن عمر وعن أصحاب ابن مسعود ما يشهد له، فافهم. وإذا ثبت عن على وعن أصحاب ابن مسعود أن لا أضحية على المسافر فما قاله صاحب "الهداية": إن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها إلخ إنما هو من تعليل لا من تعليل الحكم، وتعليل النص ليس من القياس فى شىء، فإن القياس إنما هو تعليل الحكم، كما لا یخفی علی من له مسکة، واندحض بما ذكرنا احتجاج ابن حزم بما رواه من طريق ابن مهدى عن سفيان الثورى عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن أبى سريحة حذيفة بن أسيد الغفارى. قال: لقد رأيت أبا بكر وعمر، وما يضحيان كراهية أن يقتدى بهما، فهو محمول على أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما، كما فى "كنز العمال" (٣: ٤٥). وفيه أيضا: قال ابن كثير: إسناده صحيح وبه نقول، فلا يجب على المرء أن يضحى عن أهله وإنما على الموسر أن يضحى عن نفسه، وعن طريق سفيان الثورى عن منصور بن المعتمر عن أبى وائل هو شقيق بن سلمة عن أبى مسعود عقبة بن عمرو البدرى أنه قال: لقد هممت أن أدع الأضحية، وإنى لمن أيسركم مخافة أن يحسب الناس أنها حتم واجب، وما روى عن الشعبى أنه قال: لأن أتصدق بثلاثة دراهم أحب إلى من أن أضحى (المحلى ٣٥٨:٦)، فكل ذلك محمول على الأضحية عن الأهل والعيال أو فى الحج والسفر بدليل ما مر عن عمر وأصحاب ابن مسعود أنهم كانوا يخجون ولا يضحون. وبدليل ما مر عن الشعبى لم يكونوا يرخصون -يعنى الصحابة- فى ترك الأضحية إلا لحاج أو مسافر، فافهم. وأما ما رواه ابن حزم وصححه من طريق شعبة عن تميم ابن حويص الأزدى قال: ضلت أضحيتى قبل أن أذبحها فسألت ابن عباس فقال: لا يضرك اهـ. (١) تعميم بعد تخصيص، والمراد بالحاج المسافر أفرده بالذكر تفخيما لشأنه من بين المسافرين، وعندنا وجه أنهما لا تجب على المحرم، قال فى "الدر": فلا تجب على حاج مسافر، وأما أهل مكة فتلزمهم وإن حجوا، وقيل: لا تلزم المحرم (سراج ٣٠٨:٥). قلت: وهذا القيل وإن كان ضعيفا رواية ولكنه قوى دراية لأن الآثار شاهدة له، ظ. ٢١٦ وجوب الأضحية إعلاء السنن وفى "التنقيح": حديث ابن ماجة رجاله كلهم رجال الصحيحين إلا عبد الله بن عياش فلا يرد علينا لاحتمال أن يكون تميم غير موسر، وبه نقول فى المعسر: إذا ضلت أضحيته لا يجب عليه غيرها، وأما الموسر فيجب عليه الإعادة لما فى الخبر الصحيح من قول رسول الله عَّ ◌ُله: ((من وجد سعة فليضح)) وقوله: ((ومن ذبح قبل الصلاة فليعد ومن لم يذبح فليذبح على اسم الله)، والأمر للوجوب فيكون الذبح بعد الصلاة واجبا على الموسر. وأما قول ابن حزم: إن من ضحى ببعير فنحره فليس عليه فرضا أن يذبح فصح أنه أمر ندب فظاهرية محضة، فلا ينكر إطلاق الذبح على ما يعم الذبح والنحر جميعا لاشتراكهما فى إراقة الدم، يدل على ذلك ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر بلفظ: إن النبى معَّ- صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبى معَّه قد نحر فأمرهم أن يعيدوا. ورواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: إن رجلا ذبح قبل أن يصلى النبى ◌ّه، فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة، صححه ابن حبان، وفى حديث البراء أن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر (فتح البارى ١٨:١٠)، فتراهم يذكرون الذبح مرة والنحر أخرى وقد أجمعوا على جوازهما جميعا، فلا يصح الاحتجاج باقتصار واحد من الرواة على الذبح على النحر ولا بالعكس. وإذا تقرر ذلك فقوله: ومن لم يذبح على اسم الله، دليل على وجوب الأضحية بإراقة الدم على اسم الله وسقط ما ذكره ابن حزم جملة، والله تعالى أعلم. ومما يدل على الوجوب ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن لهيعة عن ابن أنعم عن عتبة بن حميد الضبى عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم الأشعرى عن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله عَّ يأمر أن نضحى ويأمر أن نطعم منها الجار والسائل، وقوله: إن ابن لهيعة وابن أنعم كلاهما فى غاية السقوط فساقطا؛ لما مر غير مرة. عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقى: إن ابن لهيعة حسن الحديث وابن أنعم حسن له الترمذى ولم يذكره البخارى فى الضعفاء، وكان يقوى أمره ويقول: هو مقارب الحديث. ووثقه يحيى بن سعيد، وقال ابن معين: ليس به بأس، و کذا قال النسائى. وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: أتحتج به؟ قال: نعم. والبسط فى "التهذيب"، ج - ١٧ وجوب الأضحية ٢١٧ القتبانى، فإنه من أفراد مسلم، كذا فى "البناية" (١٦٨:٤). وما روى من طريق وكيع نا الربيع عن الحسن أن رسول الله مَّه أمر بالأضحى (وهو مرسل صحيح والمرسل حجة عندنا) ومن طريق ابن أخى ابن وهب عن عمه عن عبد الله بن عياش القتبانى عن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهرى عن ابن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله عَ ليه قال: ((من وجد سعة فليضح)) اهـ (٣٥٧:٧)، وقول ابن حزم: إن عبد الله بن عياش ليس معروفا بالثقة مردود بإخراج مسلم حديثه فى الصحيح كما فى "التهذيب"، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين صدوق يكتب حديثه، وذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ، فهو حسن الحديث صالح للاحتجاج به، والحديث مفسر جيد لما فى حديث المتن من قوله معّ له: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا))، وثبت بذلك أن قوله: ((فلا يقربن مصلانا)) المراد به الوجوب؛ لأنه الحق الوعيد بترك الأضحية، ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، يدل على ذلك قوله فى رواية ابن وهب هذه: ((من وجد سعة فليضح))، والأمر للوجوب. وبذلك ظهر الجواب عن قول المخالفين فى حديث عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعا عند ابن ماجة وغيره أن ابن وهب رواه موقوفا فنقول: إن كان ابن وهب أوقفه من طريق الأعرج فقد دفعه من طريق الزهرى عن ابن المسيب عن أبى هريرة، فسقط قولهم جملة. قال صاحب "الجوهر النقى": تبين بهذا أن ثلاثة رووه مرفوعا عن ابن عياش: حيوة ويحيى العطار وابن الحباب، ومن طريقه أخرجه ابن ماجة فى سننه وأخرجه الحاكم فى "المستدرك" من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ عن ابن عياش كذلك مرفوعا، وقال: صحيح الإسناد أوقفه ابن وهب، إلا أن الزيادة من الثقة مقبولة، والمقرئ فوق الثقة. وأخرجه الدار قطنى من طريق عبيد الله بن أبى جعفر عن الأعرج مرفوعا، بخلاف ما ذكر البيهقى وعلم بذلك أن حديث ابن الحباب محفوظ، وإن الذين رووا الرفع عن ابن عياش أربعة (قلت: بل خمسة، فان ابن وهب روى عنه الرفع أيضا فى غير طريق الأعرج كما مر) وتابعهم على ذلك ابن أبى جعفر عن الأعرج، كما ذكر الدار قطنى، والرفع زيادة فوجب قبوله اهـ (٢١٨:٢). وأما ما علقه البخارى عن ابن عمر قال: هى سنة ومعروف، ووصله حماد بن سلمة فى "مصنفه" بسند جيد، كما فى "فتح البارى" (١٠:٢)، وما فى حديث البراء عن الشيخين: ((ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين)) فلا ينافى الوجوب، لأن المراد سيرة المسلمين ٢١٨ وجوب الأضحية إعلاء السنن وطريقتهم، وذلك قدر مشترك بين الواجب والسنة المصطلح عليها، ومثله قوله عليه السلام: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) وقوله عدّ له: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)) ولم تكن السنة المصطلح عليها معروفة إذ ذاك. وقد قال البيهقى فى قول ابن عباس: الختان سنة أراد سنة النبى عليه السلام الموجبة. والترمذى محسنا من طريق جبلة بن سحيم أن رجلا سأل ابن عمر عن الأضحية: أهى واجبة؟ فقال: ضحى رسول الله عّ لّه والمسلمون بعده (فتح البارى ص مذكور). قلت: لا دلالة فيه على عدم الوجوب فإِنه نظير قوله: وسئل عن الوتر أواجب هو؟ فقال: قد أوتر رسول الله عَّه وأوتر المسلمون، قال العينى فى "العمدة": فيه دلالة على وجوب الوتر؛ إذ كلامه يدل على أنه صار سبيلا للمسلمين، فمن تركه فقد دخل فى قوله تعالى: ﴿ويتبع غير. سبيل المؤمنين﴾ اهـ (٤١٨:٣)، وإنما لم يصرح بالوجوب كيلا يظن تحتمه كتحتم الفرائض، فكذلك ههنا، يدل على لفظ الجصاص فى "الأحكام" له قال ابن عمر: ليست بحتم ولكن سنة ومعروف اهـ (٢٤٨:٣). فثبت أنه إنما أراد نفى الفرضية دون الوجوب، ومما يدل على وجوبها قوله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، والذى جعل الله لكل أمة لا يكون أقل من الواجب. قال الجصاص: وفى حديث البراء بن عازب أن النبى معَّ ◌ُلّه خرج يوم الأضحى فقال: إن أول نسكنا فى يومنا هذا الصلاة ثم الذبح، فجعل الصلاة والذبح جميعا نسكا. وهذا يدل على أن اسم النسك يقع على جميع العبادات إلا أن الأظهر الأغلب فى العادة عند الإطلاق الذبح على وجه القربة، فيوجب ذلك أن يكونوا مأمورين بالذبح لقوله تعالى: ﴿فلا ينازعنك فى الأمر﴾، وإذا كنا مأمورين بالذبح ساغ الاحتجاج به فى إيجاب الأضحية لوقوعها عامة فى المعسرين كالزكاة،، ولو جعلناه على الذبح الواجب فى الحج كان خاصا فى دم القران والمتعة، إذ كانا نسكين فى الحج دون غيرهما من الدماء التى تجب على جهة جبران نقص وجناية، وقوله تعالى: ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الأمر﴾ يقتضى ظاهره ابتداء إيجاب العبادة به اهـ (٢٤٧:٣). قلت: لا دليل على كونه مختصا بدماء الحج، بل الظاهر عمومه لكل إراقة دم سماها الشارع نسكا، وقد ثبت أنه معَِّ سمى الأضحية نسكا، فهى واجبة. ومما يدل على وجوبها ما رواه الطبرى فى "تفسيره" : حدثنا ابن حميد ثنا هارون بن المغيرة ٢١٩ وجوب الأضحية ج - ١٧ عن عنبسة عن جابر عن أنس بن مالك قال: كان النبى معَِّ ينحر قبل أن يصلى، فأمر أن يصلى، ثم ینحر، (أراد قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾)، وسنده حسن، فابن حمید هو محمد بن حميد ابن حبان الرازى حافظ وثقه ابن معين وكان أحمد حسن الرأى فيه، وجابر هو ابن زيد أبو الشعثاء ثقة من رجال الجماعة، والباقون كلهم ثقات أيضا. قال ابن حرير: حدثنا ابن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة: ﴿فصل لربك وانحر﴾، قال: صلاة الأضحى، والنحر نحر البدن، وسنده صحيح. قال: وحدثنا ابن حميد ثنا حكام عن أبى جعفر عن الربيع ﴿فصل لربك وانحر﴾، قال: إذا صليت يوم الأضحى فانحر، وسنده حسن، وقد ذكرناها كلها فى الجزء الثامن من هذا "الكتاب" (ص٥٨)، ودلالتها على وجوب صلاة العيد ونحر البدن بعدها ظاهرة، ولو لا أنه عّ لّه قال: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا))، وفيه تقييد الوجوب بالسعة لقلنا بوجوبها على كل مسلم بالأمصار مثل الصلاة، وأما قول ابن حزم: وذكروا قول الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾، فقالوا: هو الأضحية، وهذا قول على الله تعالى بغير علم اهـ، فرد عليه فإن ذلك مروى عن أنس بن مالك وقتادة وغيرهما، ولم يكونوا ليقولوا على الله بغير علم. الرد على ابن حزم فى قوله: إن المراد بقوله تعالى: ﴿وانحر﴾ وضع اليد على النحر: قال: وقد روى عن على وابن عباس وغيرهما أنه وضع اليد عند النحر فى الصلاة اهـ، قلنا: هذا هو القول على الله بغير علم، فإن أثر ابن عباس فى سنده روح بن المسيب متروك. قال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات لا يحل الرواية عنه، وما روى عن على فى سنده ومتنه اضطراب، قال الحافظ ابن كثير فى "تفسيره": وقيل: المراد بقوله: ﴿وانحر﴾ وضع اليمنى على اليسرى تحت النحر، يروى هذا من على ولا يصح كما مر فى الجزء الثانى من هذا "الكتاب" (ص١٥٤)، والثابت عن ابن عباس فى ذلك ما رواه الطبرى حدثنى على ثنا أبو صالح ثنى معاوية عن على عن ابن عباس فى قوله: ﴿فصل لربك وانحر﴾ يقول: اذبح يوم النحر (٢١١:٣)، وأثر على رواه الحاكم والبيهقى بإسنادين: أحدهما: من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الجحدرى عن عقبة بن صهبان عن على رضى الله عنه: ﴿فصل لربك وانحر﴾ قال: هو وضعك يمينك على شمالك فى الصلاة، وهو مضطرب الرسناد جدا، فرواه يزيد بن أبى زياد بن ٢٢٠ وجوب الأضحية إعلاء السنن أبى الجعد عند الطبرى عن عاصم الجحدرى عن عقبة بن ظهير عن على، ورواه عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن عاصم عن عقبة بن ظبيان عن أبيه عن على، ورواه عن حماد عن عاصم عن عقبة بن ظهير عن أبيه عنه، ورواه أبو صالح الخراسانى عن حماد عن عاصم الجحدرى عن أبيه عن عقبة بن ظبيان عن على (٢١٠:٣٠)، وعقبة بن ظهير وعقبة بن ظبيان وأبوهما مجهولون، وكذا عاصم الجحدرى، والذى ذكره الذهبى فى "الميزان" هو عاصم بن العجاج الجحدرى البصرى أبو سجشر المقرى قرأ على يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، أخذ عنه سلام أبو المنذر قراءة شاذة فيها ما ينكر اهـ. ولم أدر أنه هو هذا أم غيره؟ والثانى من طريق إسرائيل بن حاتم عن مقاتل بن حبان عن الأصبغ بن نباتة عن على بلفظ: ((لما نزلت هذه الآية على رسول الله عَ ظله: ﴿فصل لربك وانحر﴾، قال النبى ◌ّ: يا جبريل! ما هذه النحيرة التى أمرنى بها ربى؟ قال: إنها ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة)) الحديث. وإسرائيل بن حاتم قال الذهبى: صاحب عجائب لا يعتمد عليه، وإصبغ شيعى متروك. قال ابن حبان: روى إسرائيل عن مقاتل الموضوعات والأوابد والطامات من ذلك خبر يرويه عمر بن صبيح عن مقاتل، وظفر به إسرائيل فرواه عن مقاتل عن الإصبغ بن نباتة عن على اهـ (٩٧:١)، وإصبغ بن نباتة قال أبو بكر بن عياش: كذاب، وقال ابن معين: ليس بشىء، وقال النسائى وابن حبان: متروك اهـ (١٢٦:١) قال الجصاص: ومن تأوله على نحر البدن أولى، لأنه حقيقة اللفظ، ولأنه لا يعقل بإطلاق اللفظ غيره، لأن من قال: نحر فلان اليوم عقل منه نحر البدن، ولم يعقل منه وضع اليمين على اليسار، ويدل على أن المراد الأول باتفاق الجميع على أنه لا يضع يده عند النحر، وقد روى عن على وأبى هريرة وضع اليمين على اليسار أسفل السرة اهـ (٣: ٤٧٦). وبالجملة فقد أغرب ابن حزم حيث عدل عن التفسير الصحيح الثابت إلى التفسير الذى لم يصح ولم يثبت وهو إلى التحريف أقرب منه إلى التفسير وهل هذه إلا عصبية تعمى وتصم قال: ولعله نحر البدن فیما و جبت فیه اهـ. قلنا: يروه اقتران النحر بالصلاة، فالظاهر هو نحر الأضاحى الذى يكون بعد صلاة الأضحى. يؤيده قول أنس بن مالك: كان النبى عَّه ينحر قبل أن يصلى، فأمر أن يصلى، ثم ينحر.