Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ حرمة لحوم الحمر الأهلية إعلاء السنن ٥٥٤١- وعن محمد بن الحنفية أن عليًا قال لابن عباس: ((إن النبى عدٍّ نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر))، أخرجه البخارى، وقال ابن حجر فى "الفتح" (١٤٥:٩): ذكر الحميدى من طريق قاسم أصبغ عن أبى إسماعيل السلمى، قال ابن عيينة: يعنى أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ولا يعنى نكاح المتعة، وقال أبو عوانة فى "صحيحه": سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث على أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة فسكت عنها. ٥٥٤٢- وعن محمد بن على بن الحسين عن جابر بن عبد الله قال: ((نهى النبى عَّ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص فى لحوم الخيل))، رواه البخارى. قلت: هو أصح ما روى عن جابر، ومعناه: أنه نهى النبى معَّم عن لحوم الحمر، وكان ذلك النهى يوم خيبر، ورخص فى لحوم الخيل أى لم ينه عنها لا فى خيبر ولا فى غيره، وليس معناه أنه رخص لهم فيها يوم خيبر، كما يوهمه ظاهر العبارة، واغتر به كثير من الناس، فظنوا أن الرخصة أيضًا كان يوم خيبر، ومبنى قول جابر هذا إنه لم يصل إليه النهی عنها. وأما التعليل بخشية قلة الظهر، فأجاب عنه الطحاوى بالمعارضة بالخيل، فإن فى حديث جابر النهى عن الحمر، والإذن فى الخيل مقرونًا، فلو كانت العلة لأجل الحمولة، لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزتها، وشدة حاجتهم إليها. والجواب عن آية الأنعام أنها مكية، وخبر التحريم متأخر جدا، (وقد بلغ حد التواتر كما قاله الطحاوى)، فهو مقدم، وأيضًا فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه لم يكن نزل حينئذ فى تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها، فليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها فى المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر فى "المائدة"، وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة إلى آخره، وكتحريم السباع، والحشرات اهـ، ملخصًا (٥٦٥:٩)، فإن ذكروا أن عائشة أم المؤمنين احتجت بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما﴾ الآية. قلنا: لم يبلغها التحريم، ولو بلغها لقالت به، كما فعلت فى الغراب، وليس مذکورًا فى الآية، روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق أحمد بن زهير نا ابن أبى أويس نا أبى نا يحيى بن ١٤٢ ج - ١٧ حرمة لحوم الحمر الأهلية ٥٥٤٣- وقد روى عن خالد بن وليد أنه قال: سمعت رسول الله عَ لّه قال: ((لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير))، أخرجه النسائي وغيره، وقد ضعفه المحدثون؛ لمعارضة حديث جابر وهو ليس بشىء، لأن مبنى حديث جابر على عدم العلم بالنهى، ومبنى حديث خالد على علمه به، ولا تعارض بين عدم علم أحد بشىء وعلم الآخر به، فافهم. سعيد الأنصارى عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: إنى لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن رسول الله عَّ فى قتله، وسماه فاسقًا، والله ما هو من الطيبات اهـ (٤٠٤:٧). وفى "شرح المهذب": لحم الحمر الأهلية حرام عندنا، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف، قال الخطابي: هو قول عامة العلماء، وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس (أى ثم توقف فيه)، وعند مالك ثلاث روايات فى لحمه، أشهرها: أنه مكروه كراهة تنزيه شديدة، والثانية: حرام، والثالثة: مباح اهـ (٦:٩). قلت: فتحمل على أنه كان يقول بالإباحة أولا، ثم كرهه، ثم جزم بالتحريم، والله تعالى أعلم. وفى "الجوهر النقى": وقال صاحب " التمهيد": لا خلاف بين العلماء فى تحريم الحمر الإنسية إلا ابن عباس، وعائشة كانا لا يريان بأكلها بأسًا على اختلاف فى ذلك عن ابن عباس، والصحيح عنه فيه ما عليه الناس، روى عبيد الله بن موسى عن الثورى عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله عَّ ◌ُّه يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية. وقال الطحاوى فى "أحكام القرآن": ثنا يونس ثنا ابن وهب ثنى يحيى بن عبد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومى عن مجاهد عن ابن عباس أن النبى عَ ◌ّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية (فلعله كان يتوقف فى ذلك أولا، ثم بلغه النهى فأفتى به). أخرج صاحب "التمهيد" من حديث محمد ابن الحنفية عن على أنه مر بابن عباس وهو يفتى فى متعة النساء، أنه لا بأس بها، فقال له على: إنك امرء تائه أن رسول الله عَ لّم نهى عنها، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر اهـ (٢٢٨:٢)، وهذا هو الظن بعائشة أنها رجعت عن قولها الأول إلى القول بالتحريم، لأن النهى عن لحوم الحمر الأهلية، رواه جماعة من الصحابة، فيبعد خفاءه على عائشة رضى الله عنها، فافهم، ظ. ١٤٣ إعلاء السنن باب كراهة لحوم الخيل ٥٥٤٤- قال أحمد: حدثنا یزید بن عبد ربه ثنا بقية بن الوليد حدثنی ثور بن یزید عن صالح بن یحیی بن المقدام بن معدیکرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد قال: نهى رسول الله عَ ليه عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. ٥٥٤٥- ورواه أيضًا النسائى فقال: سمعت رسول الله عّ لّه قال: ((لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير)). باب كراهة لحوم الخيل أقول: احتج لأبى حنيفة على كراهة لحوم الخيل بما روينا، وأجاب عنه المبيحون من وجوه: أحدها: أن صالح بن يحيى ضعيف، قال البخارى: فيه نظر، وقال موسى بن هارون الحمال: لا يعرف صالح، وأبوه إلا بجده، وقال ابن حزم: هو وأبوه مجهولان، وفى حديثه فى تحريم لحوم الخيل دليل الضعف، لأن خالد بن الوليد لم يسلم بلا خلاف إلا بعد خيبر، وقال هذا فى الحديث وذلك يوم خيبر، كذا فى "التهذيب". والجواب عنه أن صالح بن يحبى وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ، ولعل البخارى اعتمد على هذه الرواية فى جرحه، وستعرف أنه لاوجه فيه للجرح، وكذا أبوه يحيى، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، فاندفع الوجه الأول، وثانيهما: أن الحديث مضطرب سندًاً ومتنا، كما ترى. والجواب عنه أن الاضطراب فى السند، لأن الصحيح هو ما رواه بقية، والواقدى وسليمان ابن سليم فى رواية على بن بحر، وما رواه محمد بن حمير أنه سمع جده، فوهم ومنشأه أن صالحًا أو ثورًا اختصر فى الرواية، فقال عن جده، فتوهم منه ابن حمير أنه سمع جده، فرواه على التوهم، ومع ذلك فمحمد بن عمير متكلم فيه، وما رواه عمر بن هارون البلخى، فهو إما اختصار فى الرواية، أو خطأ منه؛ لأنه ضعيف جدًا. والدليل على ما قلناه: إن محمد بن حرب يرويه عنه أحمد بن عبد الملك، فيقول فى رواية: عن صالح عن جده، ویرویه عنه علی بن بحر، فيقول فى رواية: عن صالح عن أبيه عن جده، ويدل هذا على أن هذا الاختلاف، ليس من قبيل الاضطراب، بل من قبيل الإرسال على وجه الاختصار، والإسناد على وجه الإتمام، فاندفع طعن اضطراب السند. وأما طعن الاضطراب فى المتن، فالجواب عنه أن الروايات كلها متفقة على أن رسول الله عَِّ نهى عن لحوم الخيل، وأما الاختلاف فى أنهم جعلوا الرمكة، أو البرذونة، أو أنهم كانوا ج - ١٧ كراهة لحوم الخيل ١٤٤ ٥٥٤٦- وقال الدارقطنى: ثنا ابن مبشر نا أحمد بن سنان -القطان- نا محمد بن عمر الواقدى نا ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد أن رسول الله عَ ليه ((نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذى ناب من السبع أو مخلب من الطير))، وأعل بالواقدى. ٥٥٤٧- وقال أيضا: حدثنا عبد الغافر بن سلامة حدثنا يحيى بن عثمان نا محمد ابن حمير حدثنى ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام أنه سمع جده يقول: أقمت أنا وبضعة عشر رجلا من قومى يومين أو ثلاثة لم نذق طعامًا وقد ربطوا برذونة ليذبحوها، فأتيت خالد بن الوليد فأعلمته الذى كان منا فى أمر البرذونة فقال: لو ذبحوها لسؤتك ثم قال: حرم رسول الله عَّ ◌ُلّه يوم خيبر أموال المعاهدين وحمر الإنس وخيلها وبغالها، ثم أمر بمدين أو مد من طعام -الشك من يحيى-، وقال: إذا أتتنا سرية فاطلعنا، قلت: أعله ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" بمحمد بن حمير. مضطرين إلى الأكل، أو قارمين إلى اللحم، فذلك اختلاف فى أمر خارج ولا يضرنا، فاندفع طعن اضطراب المتن أيضًا. وثالثها: أنه وقع فى الرواية أنه قال خالد بن الوليد: إنه أمر لى يوم خيبر بالنداء، وخالد لم يسلم إذ ذاك، لأنه أسلم بعد خيبر بلا خلاف. والجواب عنه أن قوله بلا خلاف غير صحيح؛ لأنه صرح هذا القائل نفسه فى ترجمة خالد أنه اختلف فى شهوده خيبر، فكيف يقول ههنا: إنه أسلم بعد خيبر بلا خلاف؟ فإذا وقع الاختلاف، فكيف يدفع الرواية بهذا العذر؟ ولو سلم فغايته أن ذكر خيبر وهم من الرواة ولا يقدح هذا الوهم فى الرواية، لأنه وهم فى أمر خارج عن المقصود، لأن المقصود هو أنه معَ ◌ّـ حرم لحوم الخيل، لا أنه متى حرم، و كيف حرم؟ ورابعها: أن رواية خالد ضعيفة باتفاق المحدثين، والجواب عنه أن هذه الدعوى غير مسلمة؛ لأن أبا داود صححه، لأنه قال: إنه منسوخ، ولا يكون منسوخًا إلا بعد الصحة، ولم يجزم النسائى بضعفه؛ لأنه قال: إن كان هذا صحيحًا يكون منسوخًا، فلا يصح دعوى الضعف بإجماع المحدثين. والخامس: أنه معارض لحديث جابر؛ لأنه روى أنه مَِّ رخص لهم يوم خيبر فى لحوم الخيل، وهو أصح من حديث خالد، فيقدم عليه. ١٤٥ كراهة لحوم الخيل إعلاء السنن ٥٥٤٨- وقال أيضًا: حدثنا حسين بن إسماعيل نا يوسف بن موسى نا عمر بن هارون -البلخى - نا ثور بن يزيد عن يحيى بن المقدام عن أبيه عن خالد بن الوليد قال: ((نهى رسول الله عَ لّه عن أكل الحمار الإنسى وعن خيلها وبغالها))، قلت: أعله فى "الجوهر النقى" بعمر من هارون. والجواب عنه أولا: أنه قال ابن إسحاق: إن جابرًا لم يشهد خيبر، فتكون روايته مرسلة، و حدیث خالد مسند، فیقدم علیه. وثانيًا: أن الذى ثبت عن جابر، وصح عنه هو الرخصة على الإطلاق، لا المقيدة بيوم خيبر، لأنه رواه محمد بن على بن الحسين عن جابر، فقال: إنه مَّ رخص فى لحوم الخيل، أخرجه البخارى وغيره، ولم يقل: يوم خيبر، وروى عنه عمرو بن دينار فقال: أطعمنا رسول الله عَ ليه لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر، أخرجه النسائي، ولم يقل: يوم خيبر، وروى عنه عطاء، فقال: كنا نأكل لحوم الخيل فى عهد النبى معَّ ◌ُلّه، أخرجه الطبرى والنسائى، ولم يقل: يوم خيبر. وإنما تفرد بهذه الزيادة أبو الزبير فقط، ثم لما تأملنا فى منشأ هذه الزيادة علمنا أن منشأها هو الخطأ فى الفهم؛ لأنه لما سمع من جابر أنه مَّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ورخص فى لحوم الخيل، توهم أن الرخصة أيضًا كانت يوم خيبر، ورواه كما فهم، ومثل هذا التوهم وقع فى رواية على؛ لأنه روى أنه معّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ونهى عن متعة النساء، فظن الرواة أن النهى عن متعة النساء أيضًا كان يوم خيبر فرووا عنه أنه قال: نهى رسول الله عَلّه عن متعة النساء يوم خيبر، ونبه الحفاظ على هذا الخطأ، وقالوا: لم يكن تحريم متعة النساء يوم خيبر، وهذا خطأ من الرواة، ولكن لم يتنبهوا للخطأ الذى وقع فى رواية جابر، وأطلعنى أمه عليه، والله يختص برحمته من يشاء. ومما يدل على خطأ أبى الزبير، أنه روى البخارى عن سلمة بن الأكوع قال: أتيت خيبر، فحاصرنا حتى أصابنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتح عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذى فتحت عليهم أو قدوا نيرانًا كثيرة، فقال النبى معَّهِ: ((ما هذه النيران؟ على أى شىء توقدون؟ قالوا: على لحم، قال: على أى لحم؟ قالوا: لحم الحمير الإنسية، قال النبى عّ لّه: أهريقوها)). وفى لفظ له ولمسلم قال: ((أكسروا القدور وأهريقوا ما فيها، فقال رجل من القوم: أو نهريق ما فيها ونغسلها؟ قال: أو ذاك)) (شرح المهذب ٩:٧). وهذه تدل على أنه لم يكن هناك غير لحم الحمر، وهكذا رواه أنس بن مالك، وأبو سعيد ١٤٦ ج - ١٧ كراهة لحوم الخيل ٥٥٤٩- وقال أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك ثنا محمد بن حرب -يعنى الأبرش- قال: ثنا سليمان بن سليم عن صالح -يعنى ابن يحيى بن المقدام- عن جده المقدام بن معديكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة، فعزم أصحابنا إلى اللحم فقالوا: أتأذن لنا أن نذبح رمكة له، فدفعتها إليهم فحلبوها، ثم قلت: مكانكم حتى آتى الخدرى، وعبد الله بن أبى أوفى، وابن عمر، والبراء بن عازب، وأبو ثعلبة الخشنى، وأبو هريرة، وعلى بن أبى طالب، والعرباض بن سارية مختصراً، أو مطولا، وهكذا رواه جابر فى غير رواية أبى الزبير، ولم يقل أحد فى روايته: إنهم أكلوا الخيل يوم خيبر، أو ذبحوها، بل كلهم متفقون على أنهم طبخوا لحوم الحمر الأهلية فقط، فنهاهم النبى معَّ عن ذلك، فلا يشك منصف بعد هذا أن أبا الزبير أخطأ فى الرواية عن جابر، أنهم أكلوا لحوم الخيل فى ذلك اليوم. ومما يقوى ضعف هذه الرواية أن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر، فقال: أكلنا زمن خيبر لحوم الخيل، وحمر الوحش، ورواه حماد عن أبى الزبير عن جابر، فقال: ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير. وهذا اختلاف يدل على أن الرواية غير محفوظة عند أبى الزبير، فقد يقول: أكلنا لحوم حمر الوحش، وقد يقول: ذبحنا البغال، ثم لما أخطأ أبو الزبير فى الرواية نشأ منه خطأ آخر، وهو أنه لما سمع حسين بن واقد من أبى الزبير أنهم أكلوا لحوم الخيل يوم خيبر، وسمع من عمرو بن دينار عن جابر، وعن ابن نجيح عن جابر أنهم أكلوا لحوم الخيل فى عهد النبى معَّهِ مطلقًا حمل المطلق على المقيد، وروى عن كلهم بالتقييد، كما رواه عنه النسائى، فظن أن أبا الزبير لم يتفرد بهذه الزيادة، بَل تابعه عليه عمرو بن دينار وعطاء أيضًا، مع أن الذى روى سفيان عن عمرو بن دينار، وعبد الكريم عن عطاء مطلق غير مقيد بيوم خيبر، كما عرفت. وإنما هذا من خطأ حسين بن واقد أنه أشرك عمرو بن دينار عطاء أيضًا مع أبى الزبير ظنا منه أن معنى الروايات كلها واحد، ولو سلم أن عمرو بن دينار وعطاء أيضًا تابعوا أبا الزبير، يقال: إنهم أخطأوا أيضًا فى الرواية، بمثل خطأ أبى الزبير. والأصح ما رواه محمد بن على بن الحسين عنه؛ لأنه لم يختلف عليه فى الرواية بخلاف غيره، ثم الخطأ الذى وقع فى رواية أبى الزبير عن جابر وقع مثله فى حديث خالد بن سليمان بن سليم والواقدى وغيرهما فى أن تحريم الخيل كان يوم خيبر. والصحيح من حديثه ما رواه بقية عن ثور بن يزيد عن صالح عن أبيه عن جده عن خالد أنه ١٤٧ كراهة لحوم الخيل إعلاء السنن خالدًا فأسأله قال: فأتيته فسألته فقال: غزونا مع رسول الله عّ لّ غزوة خيبر فأسرع الناس فى حظائر يهود، فأمرنى أن أنادى: الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ثم قال: أيها الناس! إنكم قد أسرعتم فى حظائر يهود، ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذى . مخلب من الطير. سمع رسول الله عَ ◌ّ يقول: ((لا يحل أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير))، كما رواه عنه النسائى، وأحمد من غير تقييد بيوم خيبر، وهكذا رواه عمر بن هارون عن ثور بن يزيد إلا أنه قال: عن يحيى عن أبيه عن خالد، وترك صالحًا للوهم أو للاختصار، ومنشأ وهم من وهم أن خالد أجمع فى الرواية بين الخيل، والبغال، والحمير، وقد علم الزواة أن حرمة الحمر كان فى خيبر فظنوا أن حرمة البغال، والخيل أيضًا كانت ذلك اليوم، فرووهما بالتقييد. ويمكن أن يكون ذلك الوهم من صالح نفسه، فرواه تارة مختصرا، وأخرى مطولا، ولكن هذا الوهم لا يسقط روايته بعد ما ثبت عدالته؛ لأنه وهم فيما هو خارج عن المعقود، كما لا یخفی. فجملة الكلام فى هذا المقام أن حديث جابر مثبت؛ لأنهم أكلوا فى عهد رسول الله معد له لحوم الخيل، ولم يصل إليه النهى عنها، وحديث خالد مثبت؛ لأنه سمع من رسول الله معد له تحريم الخيل فى وقت من الأوقات، ولا شك أن الخيل لم تكن حراما من أول الأمر، بل كانت العرب تأكلها، فثبت أن حديث جابر مثبت للحل الابتدائى، وحديث خالد مثبت للحرمة الطارئة، فيكون ناسخًا لحديث جابر. وبهذا ظهر قوة مذهب أبى حنيفة، واندفع طعن الطاعنين أنه ترك حديثًا صحيحًا، وعمل بالحديث الضعيف، وظهر أيضًا أن نظر أبى حنيفة فى الحديث أوسع وأدق، وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم عن ابن عباس أنه كره لحم الفرس، وقال: هذا قول أبى حنيفة ولسنا نأخذ به، ولا نرى بلحم الفرس بأسا، وقد جاء فى إحلاله آثار كثيرة (كتاب الآثار)، قلت: قد عرفت الجواب عنها، والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم. قال العبد الضعيف: قال العينى فى "البناية" و"فى العمدة" وأصله لصاحب " الجوهر النقى": إن سند حديث خالد جيد، ولهذا لما أخرجه أبو داود سكت عنه، فهو حسن عنده، وقال النسائی: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنی بقیة حدثنی ثور بن یزید عن صالح فذكره بسنده، ج - ١٧ كراهة لحوم الخيل ١٤٨ قلت: رجاله ثقات إلا أن قصة يوم خيبر وهو كما سيتضح لك، ولعله وقع ذلك فى يوم آخر. وقد صرح فيه بقية بالتحديث عن ثور، وثور حمصى، أخرج له البخارى وغيره، وبقية إذا صرح بالتحديث كان السند حجة، قاله ابن معين وأبو زرعة والنسائى وغيرهم، خصوصًا إذا كان الذى حدث عنه بقية شاميًا، وقال ابن عدى: إذا روى بقية عن أهل الشام فهو ثبت وصالح، وثقه ابن حبان، وأبو يحبى ذكره الذهبى فى "الكاشف" وقال: وثق، وأبوه المقدام بن معدیکرب صحابی، فهذا سند جيد كما ترى، فإذا كان كذلك صحت المعارضة، فإذا تعارضا يرجح المحرم. فإن قلت: قال ابن حزم: فى حديث خالد دليل الوضع؛ لأن فيه عن خالد غزوت مع النبى معَِّ خيبر، وهذا باطل، لأنه لم يسلم إلا بعد خيبر بلا خلاف، قلت: ليس كما قال، بل فيه خلاف، فقيل: هاجر بعد الحديبية، وقيل: بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: أسلم سنة خمس بعد فراغ رسول الله عّ لّ من بنى قريظة، وكانت الحديبية فى ذى القعدة سنة ست، وكانت خيبر بعدها لسنة سبع، ولو سلم أنه أسلم بعد خيبر فغاية ما فيه أنه أرسل الحديث، ومراسيل الصحابة رضى الله عنهم فى حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة قاله ابن الصلاح وغيره اهـ (١٥٨:٤ و٣١٣:٧). وقال العزيزى: قال العلقمى: وظاهر صنيع شيخنا أنه حديث حسن، فإنه رقم عليه بخطه علامة الحسن اهـ (٣: ٣٩٦)، وفى "البناية": فإن قلت: يشكل على قوله: سؤره فإنه طاهر، قلت: ذكر خواهر زاده فى "شرحه": أن الحسن روى عن أبى حنيفة أن سؤره مشكك مثل سؤر الحمار، فإن أخذنا بهذا، فالسؤال ساقط، ولئن سلمنا، فالجواب أن حرمة أكله إنما كانت للاحترام لا للنجاسة، فصار کسؤر الآدمى. فإن قلت: يشكل على قوله: بوله؛ لأنه كبول ما يؤكل لحمه عنده. قلت: إنما جعله كذلك للتخفيف لعموم البلوى، وقد علم أن لها أثرا فى التخفيف، فافهم اهـ (١٥٨:٤). قلت: فليكن كذلك بول الحمار، والبغل أيضًا لعموم البلوى فيهما كالخيل، والظاهر من هذه الفروع أن كراهة لحمه عند الإمام كراهة تنزيه. قال فخر الإسلام، وأبو المعين رحمهما الله فى "جامعيهما"، كما فى "البناية": إن الصحيح أنه كراهة تنزيه؛ لأن كراهته لمعنى الكرامة، ولهذا كان سؤره طاهرًا فى ظاهر الرواية، وفى "الفتاوى الصغرى" قال قاضى خان: إنه كراهة تنزيه، لأنه سوى بين بوله وبول ما يؤكل لحمه اهـ، ١٤٩ كراهة لحوم الخيل إعلاء السنن وقال أيضًا: حدثنا على بن بحر ثنا محمد بن حرب الخولانى ثنا أبو سلمة الحمصى -وهو سليمان بن سليم- عن صالح بن يحيى بن المقدام عن ابن المقدام عن جده المقدام بن معديكرب، وساق الحديث نحو حديث عبد الملك. وهذا خلاف ما فى "الهداية" من ترجيح كونها كراهة تحريم، فافهم. وفى "شرح المهذب" فى مذاهب العلماء فى لحم الخيل: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه حلال، لا كراهة فيه، وبه قال أكثر العلماء، وممن قال به عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبى بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، وحماد بن أبى سليمان، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، ووغيرهم، وكرهها طائفة منهم ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله ولا يسمى حرامًا. (قلت: هذا غاية مراعاته للجمع بين الأحاديث)، واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾، ولم يذكر الأكل منها مع ذكره الأكل من الأنعام فى الآية التى قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد قال: ((نهى رسول الله عَ ◌ّهِ عن لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب من السباع))، رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجه، ثم أعل الحديث بما قد تقدم الجواب عنه اهـ (٤:٩). وفى "الجوهر النقى" بعد كلام قد نقلناه فيما مضى عن العينى أن أبا داود أخرجه من وجه آخر، وسكت عنه، فقال: حدثنا عمرو بن عثمان ثنا محمد بن حرب ثنا أبو سلمة - يعنى سليمان ابن سليم- عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معديكرب عن خالد بن الوليد قال: غزوت مع رسول الله عَ لّه يوم خيبر، فذكر الحديث، وفيه: وحرام عليكم الحمر الأهلية، وخيلها وبغالها، وكل ذى مخلب من الطير وكل ذى ناب من السباع ورجال هذا السند ثقات، ولم يذكر البيهقى سنده إلى محمد بن حمير وعمر بن هارون لينظر فيه على أن عمر بن هارون متروك، ومحمد بن حمير ذكره ابن الجوزى فى "كتاب الضعفاء" وقال: قال يعقوب بن سفيان: ليس بالقوى فكيف توجب رواية مثل هذين اضطرابًا لما رواه إسحاق الحنظلى وغيره عن بقية؟ واختلف فى إسلام خالد، وهذا الحديث يدل على أنه شهد خيبر (فيجب ترجيحه على أقوال المؤرخين وأهل السير)، ولو سلم أنه أسلم بعدها، فغاية ما فيه أنه أرسل الحديث، ومراسيل الصحابة فى حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، كما ذكره ابن الصلاح وغيره اهـ (٢٢٧:٢). ١٥٠ كراهة لحوم الخيل ج - ١٧ وقال الزيلعى: أخرجه الطبرانى عن سعيد بن غزوان عن صالح به، ولم يسق السند والمتن. وقال الحازمى بعد أن ذكر حديث خالد، وقال: هو شامى المخرج، جاء من غير وجه، إن ما ورد فى حديث جابر من قوله: رخص وأذن فى لحوم الخيل ناسخ له، قال: ولو لم ترد هذه اللفظة لكانت دعوى النسخ مردودة لعدم معرفة التاريخ اهـ. قلنا: ليس فى لفظ: "رخص" و"أذن" ما يتعين معه المصير إلى النسخ، لأن لفظ رخص وأذن لا يستلزم سبق النهى، ألا ترى إلى قول أبى هريرة أن رجلا سأل النبى معَ له عن المباشرة للصائم فرخص له، رواه أبو داود، وسكت عنه (نيل ٩٤:٤)، ولم يقل أحد بحرمة المباشرة أولا، وإباحتها على سبيل الرخصة. ثانيًا: فليس فى حديث جابر ما يدل على تأخره عن حديث خالد، ولو سلم فنقول: إن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة التى أصابتهم بخیبر. ويؤيده ما رواه الطحاوى، وأبو بكر الرازى، وأبو محمد بن حزم من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن جابر قال: نهى رسول الله عَّ ◌ُلّه عن لحوم الحمر، والخيل، والبغال (فتح البارى ٩: ٥٦١)، وزاد فى "المحلى": وعن كل ذي ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير وحرم المجثمة (٤٠٨:٧)، وهذا كحديث خالد سواء فتصادقا جميعا على أن النبى معَّ نهى عن لحوم الخيل، كما نهى عن لحوم الحمر، والبغال. وانفرد جابر فى رواية بقوله: ورخص فى الخيل، فلا بد من حمله على الرخصة للمخمصة ونحوها، وأما قول الطحاوى: إن أهل الحديث يضعفون عكرمة بن عمار، وقول الحافظ فى "الفتح" لا سيما فى يحيى بن أبى كثير ففيه أن عكرمة روى له مسلم، وعلق له البخارى، واحتج به أصحاب السنن، ووثقه جماعة مطلقا، قال أبو زرعة الدمشقى: سمعت أحمد يضعف رواية أيوب بن عتبة، وعكرمة بن عمار عن يحيى بن أبى كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين. وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله هل كان باليمامة أحد يقدم على عكرمة اليمامى مثل أيوب بن عتبة، وملازم بن عمرو وهؤلاء؟ فقال: عكرمة فوق هؤلاء، ثم قال: روى عنه شعبة أحاديث، وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الغلابی عن یحیی: ثبت، وقال ابن أبى خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس به بأس، وقال العجلی: ثقة، (ولم یتکلما فى حديثه عن ١٥١ كراهة لحوم الخيل إعلاء السنن يحيى بن أبى كثير بشىء)، وقال ابن عدى: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتا، وقال ابن شاهين: فى الثقات، قال أحمد بن صالح: أنا أقول: إنه ثقة، واحتج به ويقوله، كذا فى "التهذيب" (٢٦٣:٧). وهذا توثيق له منهم فى يحيى بن أبي كثير لأن جل رواية عنه كما قاله أبو أحمد الحاكم، وبالجملة فالرجل مختلف فيه حسن الحديث على الأصل الذى مر ذكره غير مرة. وإذا تقرر ذلك فلا يصح رد حديث خالد لكونه معارضًا بحديث جابر المتفق عليه، فقد عرفت أن جابرًا نفسه قد وافق خالدًا فى أنه مَِّ نهى عن لحوم الحمر، والخيل، والبغال. وأما قول الحافظ: إن الحديث عند أحمد، والترمذى من طريقه، ليس فيه للخیل ذکر، فليس مما يوجب الاضطراب، فإن زيادة الثقة مقبولة، وليس من نسى حجة على من ذكر. وأما قوله: ونوقض أيضًا بأن الإذن فى لحوم الخيل لو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها، وعزة الخيل حينئذ إلخ (٥٦٢:٩)، ففيه أن المحرم ليس كله بسواء، فإن المضطر لو وجد لحم الحمار، ولحم الخنزير نأمره بلحم الحمار، ولا نأمره بلحم الخنزير، فكذلك إذا وجد لحم الحمار، ولحم الفرس نأمره بلحم الفرس، وننهاه عن لحم الحمار، لكونه رجسًا نجسا قذرا مستقذرا، فافهم. وقال ابن المنير: الشبه الخلقى بين الخيل، وبين البغال، والحمير مما يؤكد القول بالمنع فمن ذلك: هيئتها، وزهومة لحمها، وغلظه، وصفة أروائها، وأنها لا تجتر، قال: وإذا تأكد الشبه الخلقى التحق بها بنفى الفارق، وبعد الشبه بالأنعام المتفق على أكلها اهـ من "فتح البارى" (٥٦٠:٩). وأما قول الطحاوى: ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله عَّه أولى أن يقال بها مما يوجبه النظر، ففيه أن هذا إذا توافقت الآثار ولم تختلف، وأما إذا اختلفت فلا بدع فى ترجيح بعضها على بعض بالنظر، وههنا کذلك، فإن سند حديث خالد سند جيد، وكذا حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر قال: نهى رسول الله مَّ ◌ُّه عن لحوم الحمر، والخيل، والبغال حديث حسن الإسناد، کما قدمناه. ولله در أبى حنيفة ما أدق نظره فى الجمع بين الأحاديث وتنزيلها منازلها؟ فتراه قال بتحريم لحوم الحمر، والبغال، وحكم بنجاستها، لما تواتر عن رسول الله عَ لّم أنه حرمها، ولم يصح عنه فى ج - ١٧ كراهة لحوم الخيل ١٥٢ خلافه شىء، وكره لحم الفرس ولم يقل: إنه حرام لما ثبت عن رسول الله عَّ أنه رخص فى لحوم الخيل، وجاء عنه أنه نهى عنها، وقد عرفت أنه لم ينفرد بذلك، بل له سلف فيه عن ابن عباس رضى الله عنهما، وبه قال الحكم بن عتيبة، ومالك بن أنس رضى الله عنهم، والعجب من الجمهور أنهم يحتجون بحديث خالد، وبحديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر على حرمة البغال، ولا يحتجون بهما على حرمة لحوم الخيل. فإن قالوا: إنما نحتج لذلك بما رواه حماد بن سلمة عن أبى الزبير عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير، فنهانا رسول الله عّ لّه عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل، رواه أبو داود وابن حبان. قلنا: لا يحتج برواية أبى الزبير عن جابر إلا ما كان من طريق الليث عنه أو ما صرح فيه بالسماع، وقد روينا هذا الخبر من طريق أبى الزبير أنه سمع جابرا فلم يذكر فيه البغال، والمحفوظ أنهم ذبحوا يوم خيير الحمر الإنسية فقط، كما تقدم بما لا مزيد عليه. وأما قولهم: إن البغل ولد الحمار ومتولد منه ففیه أن البغل قد ینفخ فيه الروح، فهو غير الحمار، ولا يسمى حمارا، فلا يجوز أن يحكم له بحكم الحمار؛ لأن النص إنما جاء بتحريم الحمار، والبغل ليس حماراً، ولا جزءً من الحمار، وروى ابن حزم من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد أنه سأل ابن شهاب عن لحم الفرس، والبغل، والبرذون؟ فقال: لا أعلمه حرامًا، ولا يفتى أحد من العلماء بأكله (٤٠٩:٧)، فسوى بين الفرس، والبغل، وقوله: لا أعلمه حرامًا، ولا يفتى أحد من العلماء بأكله، هو نظير قول أبى حنيفة فى الفرس سواء، وأما البغل فقد ثبت النهى عن أكله من رسول الله عَّهِ، وبه قال جميع الأئمة إلا ما حكاه بعض الشافعية عن الحسن البصرى أنه أباحه، كما فى "شرح المهذب" (٨:٩). وقال الموفق فى "المغنى": البغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية، وقال قتادة: ما البغل إلا شىء من الحمار، ثم ذكر الموفق حديث جابر اهـ (٦٦:١١)، وفرق ابن حزم بين الحمار، فحرمه وبين البغال، فأحلها وخرق الإجماع، وخالف النصوص، فافهم. قال الموفق فى "المغنى": وألبان الحمر محرمة فى قول أكثرهم، ورخص فيها عطاء، وطاوس، والزهرى، والأول أصح، لأن حكم الألبان حكم اللحمان اهـ (٦٦:١١)، ظ. ١٥٣ إعلاء السنن باب النهى عن أکل ذی ناب من السباع وذى مخلب من الطير ٥٥٥٠- عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله عَّ عن كل ذى ناب من السبع وعن كل ذى مخلب من الطير))، رواه مسلم وأبو داود والبزار (زيلعى ٢: ٢٦٥). باب النهى عن أكل ذي ناب من السبع وذى مخلب من الطير أقول: الأحاديث نص فى الباب، ودخل فيه الضبع، والثعلب، والسنور، والفيل، اليربوع، وابن عرس، والذئب، والأسد، والنمر، والفهد وغيرها من السباع. وخالف الشافعى فى الضبع والثعلب محتجًا بما روى فيهما من الإباحة. والجواب أن النهى عن أكل ذى ناب من السباع يدل على نسخ الإباحة. والرخم، والبغاث ملحقان بسباع الطير لأكلهما الجيف. قال العبد الضعيف: والأصل الكلى فى ذلك أن المحرم من الحيوان ما نص الله تعالى عليه فى قوله سبحانه: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ الآية. وما نص رسول الله عَّم على تحريمه، وما عدا هذا فما استطابه العرب فهو حلال لقول الله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات﴾، وقوله: ﴿يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل(١) لكم الطيبات﴾ الآية، وما استخبثه العرب فهو محرم لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾، والذين تعتبر استطابتهم، واستخبائهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به بالسنة فيرجع فى مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادى لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، كذا فى "الشامية" عن "معراج الدراية" وذكر إجماع العلماء على ذلك، وكذا هو فى "المغنى" و"شرح المهذب". وقد نص رسول الله عَ لّ. على حرمة كل ذي ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير، وهو مذهب أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعى وأبو ثور وأصحاب الحديث وأبو حنيفة وأصحابه وقال الشعبى وسعيد بن جبير، وبعض أصحاب مالك: هو مباح لعموم قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ الآية. وقال أبو هريرة: إن رسول الله عَّ ◌ُّه قال: ((أكل كل ذى ناب من السباع حرام)) قال ابن (١) فيه دلالة على الفرق بين الاستحلال، والاستطابة، وبين التحريم، والاستخباث؛ لأنهم سألوا عن الحلة، وأجيبوا بالاستطابة، ولو كانا شيئًا واحدًا لم يكن ذلك جوابًا لهم، ظ، ولنا: ما روى أبو ثعلبة الخشنى رضى الله عنه (ذكرناه فى المتن). ج - ١٧ النهى عن أكل ذى ناب من السبع وذى مخلب من الطير ١٥٤ ٥٥٥١- وعن على قال: ((إن النبى عَّ نهى عن كل ذي ناب من السبع وكل ذى مخلب من الطير)) الحديث، أخرجه عبد الله بن أحمد (مسند أحمد ١٤٧:١)، وإسناده حسن إلا أن له علة قاله الحافظ فى "التلخيص" (٣٨٩:٢). عبد البر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته، وهذا نص صريح يخص عموم الآيات، ولأن الآية مكية، فلا يجوز أن تبطل بها أحكام نزلت بالمدينة، وهم يحرمون الحمر الأهلية، وليست فى الآية، ويحرمون الخمر، وليست فى الآية، فيدخل فى عمومه الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والكلب، والفيل، والضبع، والثعلب، والدب، والقرد، وابن آوى، والنمس، وابن عرس، ونحوها. وقد روى عن الشعبى أنه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب، فقال: لا شفاه الله، وهذا يدل على أنه رأى تحريمه، قال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافًا أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه، وروى عن الشعبى أن النبى معَ ◌ّ نهى عن لحم القرد، ولأنه سبع، فيدخل فى عموم الخبر، وهو مسخ أيضًا، فيكون من الخبائث المحرمة، وسئل أحمد عن ابن آوى وابن عرس، فقال: كل شىء ينهش بأنيابه فهو من السباع، وبهذا قال أبو حنيفة، وأصحابه. وقال الشافعى رحمه الله: ابن عرس مباح؛ لأنه ليس له ناب قوى، فأشبه الضب، ولنا: أنها من السباع، فتدخل فى عموم النهى، ولأنها مستخبثة غير مستطابة، فإن ابن آوى يشبه الكلب، ورائحته كريهة، فيدخل فى عموم قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾، والفيل محرم، قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: هو مسخ، وكرهه أبو حنيفة، والشافعى، ورخص فى أكله الشعبى، ولنا نهى النبى معَّ عن أكل كل ذى ناب من السباع، وهو من أعظمها نابًا، ولأنه مستخبث، فيدخل فى عموم الآية المحرمة، كذا فى "المغنى" (٦٧:١١). وأغرب ابن حزم حيث قال: وأما الفيل فليس سبعا، ولا جاء فى تحريمه نص فهو حلال اهـ (٤٠٣:٧). قلنا: كونه من السبع أظهر من أن يخفى على عاقل، ولعله رأى الفيلة المستأنسة، ولم ير المتوحشة فى الجبال والصحارى، ولو كان الاستئناس دليل انعدام السبعية لم يكن الدب، والفهد أيضًا من السباع، فإن كلها تستأنس، وتنقاد للإنسان، وأى نص أصرح فى تحريمه من قوله معّ: ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام))، والفيل من أعظمها نابًا، كما لا يخفى. والعجب ممن يقول: بأن الكلب ذو ناب من السباع، وكذلك الهر والثعلب، فكل ذلك حرام، ويخفى عليه ناب الفيل، فإن كان كذلك، فقد خفى عليه ما لم يخف على أحد غيره، ١٥٥ النهى عن أكل ذي ناب من السبع وذى مخلب من الطير إعلاء السنن ٥٥٥٢- وعن أبي ثعلبة الخشنى أن رسول الله عَّ له ((نهى عن كل ذي ناب من السباع))، أخرجه البخارى وغيره. قال ابن حزم: وقد أمر عليه السلام بقتل الكلب، ونهى عن إضاعة المال، فلو جاز أكلها ما حل قتلها، كما لا يحل قتل كل ما يؤكل من الأنعام وغيرها، روينا من طريق وكيع نا مبارك - هو ابن فضالة- عن الحسن البصرى عن عثمان رضى الله عنه قال: اقتلوا الكلاب، واذبحوا الحمام، ففرق بينهما، فأمر بذبح ما يؤكل، وقتل ما لا يؤكل. ومن طريق ابن وهب عن ابن أبى ذئب أنه سمع ابن شهاب يسأل عن مرارة السبع، وألبان الأتن، فقال الزهرى: نهى رسول الله عَّم عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولا خير فيما نهى عنه رسول الله عَ ليه، ونهى رسول الله عَ لّه عن أكل لحوم الحمر الإنسية، فلا نرى ألبانها التى تخرج من بين لحمها، ودمها إلا بمنزلة لحمها، ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن زيد أخبرنى أبو الزبير أنه قال: الثعلب سبع لا يؤكل، ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن زيد أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله عَّ ◌ُلّه عن أكل الهر وثمنه (هو حجة على الليث وربيعة حيث أباحاها وعلى مالك، وبعض أصحاب الشافعى حیث کرهوها، وهی حرام عندنا، وبه قال جمهور العلماء، كما فى "شرح المهذب" (٨:٩). قال ابن حزم: وبتحريم السباع، وبكل ما ذكرنا يقول أبو حنيفة والشافعى وأبو سليمان إلا أن الشافعى أباح الثعلب وأنكر المالكية تحريم السباع (أى بعض أصحاب مالك، كما تقدم)، ثم قد شهدوا على أنفسهم بإضاعة المال والمعصية فى ذلك إذ تركوا الكلاب والسنانير تموت على المزابل. وفى "الدرر": ولا يذبحونها فيأكلوانها: إذ هى حلال، ولو أن امرأ فعل هذا بغنمه وبقره لكان عاصيا للّه تعالى بإضاعة ماله اهـ ملخصا (٧: ٤٠١). وقال الموفق فى "المغنى": فمن المستخبثات الحشرات كالديدان، والجعلان، ونبات وردان، والخنافس، والفأر، والأوزاغ، والحربأ، والعضأ، والجرازين، والعقارب، والحيات، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ورخص مالك وابن أبى ليلى والأوزاعى فى هذا كله إلا الأوزاغ، فإن ابن عبد البر قال: هو مجمع على تحريمه وقال مالك: الحية حلال إذا ذكيت، واحتجوا بعموم الآية المبيحة. ولنا: قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ وقول النبى معَ ◌ّه: ((خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم، العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور)) وفى حديث: الحية مكان الفأرة، (ولو جاز أكلها ما حل قتلها بل أمر بذبحها كما مر) ولأنها مستخبثة فحرمت كالوزغ، أو مأمور ج - ١٧ النهى عن أكل ذى ناب من السبع وذى مخلب من الطير ١٥٦ ٥٥٥٣- وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام))، أخرجه مسلم (زيلعى ٢٦٦:٢). بقتلها، فأشبهت الوزغ اهـ (٦٤:١١). وأما قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما﴾. فقال الشافعى وغيره من العلماء: معناها: مما كنتم تأكلون وتستطيبون. قال الشافعى: وهذا أولى معناى السنة استدلالا بالآية. وأما حديث التلب رضى الله عنه قال: صحبت النبى معَّه فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما. رواه أبو داود، فإن ثبت لم يكن فيه دليل لأن قوله: لم أسمع لا يدل على عدم سماع غيره، وليس من لم يسمع حجة على ما قام به برهان النص اهـ من "شرح المهذب" (٩: ١٦ و١٧). قال الموفق: ويحرم كل ذى مخلب من الطير وهى التى تعلق بمخالبها الشىء وتصيد بها: هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى، وقال مالك والليث والأوزاعى ويحيى بن سعيد: لا يحرم من الطير شىء: قال مالك: لم أر أحدًا من أهل العلم يكره سباع الطير، واحتجوا بعموم الآيات المبيحة، وقول أبى الدرداء وابن عباس ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه، أما أثر ابن عباس فرواه أبو داود عنه بإسناد حسن. ورواه البيهقى عن سلمان الفارسى. وعن أبى الدرداء عن النبى معَّه قال: الحلال ما أحل الله فى كتابه، والحرام ما حرم الله فى كتابه، وما سكت عنه فهو من عفوه. كذا فى "شرح المهذب" (٩: ٢٥). قلنا: معناه ما حرم الله فى كتابه أو فى سنة رسوله، فإن سنة الرسول ملحقة بالكتاب لقوله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقد روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله عّ لّه نهى عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذى مخلب من الطير. وقال بعض المالكية: إن هذا الخبر لم يسمعه ميمون بن مهران من ابن عباس، وإنما سمعه من سعيد بن جبير عن ابن عباس فكان ماذا؟ لأن سعيد بن جبير هو النجم الطالع ثقة وإمامة وأمانة، فكيف وشعبة وهشيم والحكم وأبو بشر كلهم يقول عن ميمون بن مهران عن ابن عباس، وتفرد على بن الحكم بزيادة سعيد بن جبير بينهما، وكل واحد من هؤلاء لا يعدل به على بن الحكم، وأسلم الوجوه لعلى بن الحكم إن لم يوصف بالخطأ أن يقال: إن ميمون بن مهران سمعه من ابن عباس وسمعه أيضا من سعيد بن جبير عن ابن عباس "المحلى" (٧: ٤٠٥). وقد تقدم الجواب عن استدلالهم بالآية. ولنا ما روى عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله عَ ليه: ((حرام عليكم الحمر الأهلية ١٥٧ النهى عن أكل ذى ناب من السبع وذى مخلب من الطير إعلاء السنن وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير)). رواه أبو داود (وروينا نحوه عن على رضى الله عنه فى مسند أحمد كما فى المتن) وهذا يخص عموم الآيات، فيدخل فى هذا كل ما له مخلب يعدو به كالعقاب والبازى والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة وأشباهها ويحرم منها ما يأكل الجيف (قال الحافظ فى التلخيص ويذكر عن مجاهد أنهم - يعنى الصحابة- كانوا يكرهون ما يوكل الجيف لم أجده ولكن أخرج ابن أبى شيبة من طريق إبراهيم النخعى مثله سواء ومن طريق مجاهد أنه سئل عنه فعافه، وحديث البراء أن النبى معٍَّ كان يكره لحم ما يأكل الميتة لم أجده (ص ٣٨٩). قلت: قد ثبت أنه مَِّ نهى عن أكل الجلالة كما سيأتى وهذه مثلها كما لا يخفى كالنسور والرخم وغراب البين وهو أكبر الغربان والأبقع. قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله عَّ فاسقا؟ والله ما هو من الطيبات لعله يعنى قول النبى عرّ ◌ُله: ((خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور)) فهذه الخمس محرمة لأن النبى عَ ◌ّ أباح قتلها فى الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول فى الحرم ولأن ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه، وإنما يذبح ويؤ كل وسئل أحمد عن العقعق فقال: إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به، ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش وهو الوطواط وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تستطيبها العرب ولا تأكلها، ويحرم الزنابير واليعاسيب والنحل وأشباهها، لأنها مستخبثة غير مستطابة اهـ ملخصا (١١: ٦٩). قلت: أفتى قاضيخان بحرمة الخفاش كما فى "الدر" و"الشامية"، وفيه أيضا عن غرر الأفكار عندنا: يؤكل الخطاف والبوم ويكره الصرد والهدهد، وفى الخفاش اختلاف. وأما الدبسى والصلصل والعقعق واللقلق واللحام فلا يستحب أكلها وإن كانت فى الأصل حلالا، لتعارف الناس بإصابة آفة لآكلها، فينبغى أن يتحرز عنه، وحرم الشافعى الخطاف والببغاء والطاووس والهدهد اهـ. ولا يوكل السنور الأهلى والوحشى والسمور والسنجاب والفنك والدلق، كما فى القهستانى، وكل ما لا دم له فهو مكروه أكله إلا جراد كالزنبور والذباب، ولا بأس بدود الزنبور فيل أن ينفخ فيه الروح، لأن ما لا روح له لا يسمى ميتة. خانية وغيرها قال: ويؤخذ منه أن أكل الجبن، أو الخل، أو الثمار كالنبق بدوده لا يجوز إن نفخ فيه الروح اهـ (٥: ٢٩٩). والأصل فى ذلك أن ما أمر بقتله فهو حرام، لأنه معَّ نهى عن إضاعة المال، فلو جاز أكلها ما حل قتلها مطلقا، كما مر، وكذا ما نهى رسول الله عَّه عن قتله، لأن ما يؤكل لا ينهى عن قتله بغير الذبح. ج - ١٧ النهى عن أكل ذي ناب من السبع وذى مخلب من الطير ١٥٨ إذا عرفت هذا فاعلم أن أبا داود روى من طريق عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبى معَّمِ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد، وإسناده صحيح على شرط البخارى ومسلم، روواه ابن ماجة باسناد على شرط البخارى. وأما النهى عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل، رواه البيهقى بإسناه عن أبى الحويرث عبد الرحمن بن معاوية - وهو من تابعى التابعين أو من التابعين- عن النبى عّ لّ أنه نهى عن قتل الخطاطيف وقال: لا تقتلوا العوذ إنها تعوذ بكم من غير كم. قال البيهقى: هذا منقطع. قال: وروى حمزة النصيبى فيه حديثا مسندا إلا أنه كان يرمى بالوضع وصح عن عبد الله بن عمرو موقوفا عليه أنه قال: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال يا رب سلطنى على البحر حتى أغرقهم، قال البيهقى إسناده صحيح اهـ من "شرح المهذب" (١٩:٩). قال الحافظ فى "التلخيص": فهو وإن كان إسناده صحيحا لكن عبد الله بن عمرو كان يأخذ عن الإسرائيليات، وروى البيهقى من طريق حنظلة بن أبى سفيان عن القاسم عن عائشة قالت: كانت الأوزاغ يوم أحرق بيت المقدس تنفخ النار بأفواهها، والوطواط تطيفها بأجنحتها. قال البيهقى: هذا موقوف صحيح قال الحافظ: وحكمه الرفع لأنه لا يقال بغير توقيف، وما كانت عائشة رضى الله عنها ممن يأخذ عن أهل الكتاب اهـ (ص ٣٩٠). قلت: ولكن أثر عائشة ليس فيه النهى عن قتل الوطواط والحق تحريمها لكونها من المستخبثات، قال الموفق فى "المغنى": وما عدا ما ذكرنا فهو مباح لعموم النصوص الدالة على الإباحة، من ذلك بهيمة الأنعام، وهى الإبل والبقر والغنم، قال الله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، ومن الصيود الظباء وحمر الوحش، وقد أمر النبى عّ لّ أبا قتادة وأصحابه بأكل الحمار الذى صاده (وكان حمار وحش والحديث متفق عليه قد مر فى كتاب الحج)، وكذلك بقر الوحش. كلها مباحة على اختلاف أنواعها من الإبل والتيتل والوعل والمهار وغيرها من الصيود كلها مباحة ويباح النعام، وهذا كله مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما يروى عن طلحة بن مصرف قال: إن الحمار الوحش إذا أنس واعتلف فهو بمنزلة الأهلى. قال أحمد: ما ظننت أنه روى فى هذا شىء، وليس الأمر عندى كما قال، وأهل العلم على خلافه، لأن الظباء إذا تأنست لم تحرم، والأهلى إذا توحش لم يحل، ولا يتغير منها شىء عن أصله وما كان عليه، قال عطاء فى حمار الوحش: إذا تناسل فى البيوت لا تزول عنه أسماء الوحش، وسألوا أحمد عن الزرافة تؤكل؟ قال: نعم وهى دابة تشبه البعير إلا أن عنقها أطول من عنقه، ١٥٩ إعلاء السنن باب النہی عن أکل الضب ٥٥٥٤- إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبى راشد الجرانى عن عبد الرحمن بن شبل أن النبى معَّ له ((نهى عن أكل الضب))، رواه أبو داود وسكت عنه، وأعله البيهقى وغيره بإسماعيل بن عياش. وجسمها ألطف من جسمه وأعلى منه، ويداها أطول من رجليها اهـ (٦٩:١١). قلت: وسيأتى الكلام فى الثعلب والضبع والغراب وغيرها مما اختلف فيه، فانتظر، والله الموفق للصواب، ظ. باب النهى عن أكل الضب أقول: الحديث نص فى الباب وما روى فى إباحته فمحمول على أول الأمر ثم الضب من حشرات الأرض كالفأرة ونحوه، فیکون حكمه حكمها، وهذا قياس مؤيد لما رواه عبد الرحمن ابن شبل فيتقوى به، ثم الاحتياط فى الأخذ بالكراهة، فهذه أمور ألجأت أبا حنيفة بالقول بكراهته، فيكون قوله أولى بالقبول، وبه يندفع ما قال الحافظ فى "الفتح" فى الجمع بين أحاديث الإباحة والنهى أن النبى معٍَّ لما خشى أن يكون من الدواب الممسوخة نهى عنبا، ثم لما تبين له أن الممسوخات لا نسل لها أذن فيها، كما فى "النيل" (٣٣٨:٨). ووجه الاندفاع أن هذا الجمع ليس بمتعين لاحتمال أن يكون نهى عنها، أولا: لاحتمال المسخ، ثم نهى عنها، ثانيًا: للخبث. فالاحتياط فى النهى. وبهذا سقط ما قال الشوكانى: إنه جنح بعضهم إلى التحريم. وقال: اختلف الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم، ودعوى التعذر ممنوعة بما تقدم اهـ (نيل ٣٣٩:٨)؛ لأن ما تقدم من وجه الجمع الذى أشار إليه الشوكانى لا يدفع التعذر كما عرفت فيكون ما قال الجانح إلى التحريم قائما، وما قال الشوكانى ساقطا. وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أهدى لها الضب فسألت النبى معَِّ عن أكله فنهاها عنه، فجاء سائل فأرادت أن تطعمه إياه فقال: تطعمينه ما لا تأكلين، وقال محمد: به نأخذ، وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثار)، والحجة فيه قوله: فنهاها عنه، وبه يندفع ما قال الطحاوى مجيبًا عن ما أخرج عن حماد بن أبى سليمان عن أبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبى معَّ أهدى له ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها النبى عّ لّه: أتعطينه ما لا تأكلين أنه يجوز أن يكون كره لها أن تطعمه السائل لأنها ١٦٠ النهى عن أکل الضب ج - ١٧ وأجيب بأن رواية إسماعيل عن الشاميين صحيحة. نص عليه البخارى وغيره، وضمضم شامى فالرواية صحيحة أو حسنة، وفى "العزيزى" (٣٩٦:٣)، رواه ابن عساكر عن عائشة وعن عبد الرحمن بن شبل وإسناده حسن اهـ وقال الحافظ فى الفتح (٥٧٤:٩): أخرجه أبو داود بإسناد حسن، ولا يغتر بقول الخطابى: ليس بذلك وقول ابن حزم: فيه ضعفاء ومجهولون، وقول البيهقى: تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجة. إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته، ولو لا أنها عافته لما أطعمته أياه فأراد النبى معَّ لّه أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام، كما قد نهى أن يتصدق بالبسر الردىء والتمر الردىء. وجه الاندفاع أن هذا الاحتمال إن کان فهو فى رواية حماد بن سلمة لا فی رواية أبى حنيفة، كما لا يخفى، ثم ليس هذا الاحتمال فى رواية حماد أيضًا، لأن الضب لم يكن من خير الطعام عندهم لم يهد للنبى معَّ ◌ُلّه، فدل ذلك على أنه كان من خير الطعام لا من شره، وكراهة بعض الناس لبعض الطعام لأمر طبعى لا يجعله شرا غير قابل للتصدق، وإنما يجعله شرًا كراهة عامة الناس عنه كالبسر الردى والتمر الردى فاعرف ذلك فإنه قد خفى هذا على الطحاوى. وقال مولانا عبد الحى فى حاشية "الموطأ" لمحمد: نقل الشيخ بيرى زاده فى "شرح الموطأ". لمحمد عن العينى أنه قال: الأصح أن الكراهة عند أصحابنا تنزيهية لا تحريمية الأحاديث الصحيحة أنه ليس بحرام اهـ، وهذا خطأ من العينى لأن مذهب شخص إنما يعلم من النقل عن صاحب المذهب لا من الأحاديث الصحيحة، ثم الأحاديث الصحيحة التى تدل على الحل لا تدل على الكراهة أصلا لا التنزيهية ولا التحريمية، فكيف يكون القول بالكراهة التنزيهية أصح؟ فأن قال: أن بعض الأحاديث تدل على الإباحة وبعضها على المنع فقلنا بالكراة التنزيهية جمعًا بين الأدلة يقال له: إن أنت جمعت الأحاديث بهذا الطريق من عند نفسك فلا يكون ذلك مذهبا لأبى حنيفة وأصحابه، فكيف تقول: إن الأصح أن الكراهة عند أصحابنا تنزيهية؟ وإن قلت: إن أصحابنا جمعوا الأحاديث بهذا الطريق فهو دعوى لا بدله من دليل، فلا يصح قول العينى. والحق أن الكراهة تحريمية وطريق الجمع هو ما قلنا: إن الإباحة محمول على أول الأمر والنهى محمول على آخر الأمر. فإن قلت: إن كانت الكراهة تحريمية فكيف أرادت عائشة إعطاء الضب للسائل؟ قلت: لعل السائل لم يكن من المسلمين فزعمت أن الضب إنما يحرم علينا لا عليهم، فأنكر عليها