Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ وجوب التسمية عند الصيد والذبح إعلاء السنن ٥٤٦٩- وعن جندب بن سفيان قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله))، رواه البخارى (٨٢٧:٢). فتدبر، فإنه دقيق، وإن اختلج فى صدرك شىء، فأزحه بالتأمل الصادق، فإن الحق لا يتجاوزه، إن شاء الله تعالى. ثم الفسق هو الخروج عن الطاعة، وظاهر أن من ترك التسمية ناسيًا، ليس بذاكر لاسم الله، فلا يكون مطيعًا، فيكون فاسقًا بالمعنى اللغوى، وإن لم يكن فاسقًا بالمعنى المتعارف، والمراد ههنا هو الفسق اللغوى لا المتعارف، فلا حجة لهم فيه. والجواب عن الوجه الثالث أنا لا نسلم أن الجملة حال، وأما عطف الخبر على الإنشاء فسيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة، كذا قال الحافظ فى "الفتح" (٥٣٨:٩)، ولو سلم فلا محيص لهم عن هذا العطف، إذ لا شك أن قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ جملة خبرية، وليست بحال، فإن لم يكن قوله: ﴿وإنه لفسق﴾ معطوفا يكون قوله: ﴿وإن الشياطين إلخ﴾ معطوفًا، وحينئذ يلزم القرار على ما منه الفرار، فما هو جوابهم فهو جوابنا. وهذا الكلام على سبيل التنزل، وإلا فالتحقيق عندنا أن قوله: ﴿وإنه لفسق﴾ معطوف على المحذوف، وتقدير الكلام: ﴿لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾؛ لأنه ليس بما يؤكل، وإنه لفسق، وحذف المعطوف عليه للإيجاز شائع فى كلامه تعالى، كما لا يخفى على من تدبر فى القرآن. وحينئذ لا يلزم عطف الإخبار على الإنشاء، حتى يقال: إنه حال، وإطلاق الفسق على ما أهل لغير الله به فى موضع لا يستلزم أن يكون هو المراد منه فى موضع آخر، لأن ما لم يذكر اسم الله عليه عمدًا أيضًا فسق، لكونه ميتة كما أهل لغير الله به، إلا أن كونه فسقًا مختلف فيه بخلاف كون ما أهل لغير الله به فسقًا. وهذا الفرق غير مؤثر كما عرفت أن الاختلاف إنما نشأ بعد نزول الآية لا قبله، حتى يمنع إطلاق الفسق عليه، والمراد من الفسق المعنى اللغوى لا العرفى، والعائد فى قوله: ﴿إِنه لفسق﴾ عائد إلى ﴿ما لم يذكر اسم الله عليه﴾، كما فى قوله: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾؛ لأن المراد من الفسق ههنا هو ذات ما أهل به لغير الله، كما لا يخفى، وليس براجع إلى الأكل، أو عدم الذ کر کما فهموا، فتدبر. فاندفع الوجوه الثلاثة للعلامة، وظهر أن سكوت جملة الأئمة الحنفية فى مجلس السلطان، ٦٢ ج - ١٧ وجوب التسمية عند الصيد والذبح ٥٤٧٠- وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله عَّ له: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر))، رواه البخارى (٨٢٨:٢). لم يكن لقوة تلك الوجوه ومتانتها، بل لأمر آخر، وهذا الكلام كان مع الشافعى، وتبين منه أن كلامه فى هذه المسألة من جهة الاجتهاد، والمسألة من المسائل التى للاجتهاد فيها مجال كسائر الاجتهاديات، وليس من القطعيات التى لا مجال فيها للاجتهاد، حتى يجعل كلامه فيها من الأباطيل، والقول بأنه مخالف للإجماع، ليس بما ينبغى، لأن الشافعى أعرف بالإجماع وأهله، فلا يظن به أنه خرق الإجماع، وقد روى عن عطاء أنه قال فى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، أنه نهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، أخرجه ابن أبى حاتم، كما فى "الدر المنثور" (٤٢:٣)، ويمكن حمله على مذهب الشافعی، وإن لم یکن نصا فيه. وروى عن أبى مالك فى الرجل يذبح، وينسى أن يسمى؟ قال: لا بأس به، قيل: فأين قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾؟ قال: إنما ذبحت بدینك، أخرجه عبد بن حميد، وابن أبى حاتم، وأبو الشيخ كما فى "الدر المنثور" أيضًا، وهو أيضًا يحتمل الحمل على مذهب الشافعى، فأين الإجماع الذى خرقه الشافعى؟ فالمسألة مجتهد فيها، كما عرفت. بقى الكلام مع داود ومن قال بقوله: إن النصوص ظاهرة فى الإطلاق، فلا يحل متروك التسمية عمداً، أو نسیانًا، فنقول: قال عبد الرزاق فى المصنف: حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء حدثنا عين -يعنى عكرمة- عن ابن عباس قال: إن فى المسلم اسم الله، فإن ذبح ونسى أن يذكر اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسى، وذكر اسم الله فلا يأكل (زيلعى ٢: ٢٦١)، وهذا سند رجاله أثبات من رجال الصحيحين إلا أنه موقوف على ابن عباس. وأخرج الدار قطنى والبيهقى عن محمد بن يزيد بن سنان عن معقل بن عبيد الله عن عمرو ابن دينار عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى معَّ ◌ُلّه أنه قال: ((المسلم يكفيه اسمه، فإن نسى أن يسمى حين يذبح فليسم، وليذكر اسم الله ثم ليأكل)) (زيلعى ص٢١١)، وهذا الحديث وإن أنكره الحفاظ لمخالفته سفيان، فإنه يرويه عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس، ويرويه محمد بن يزيد بن سنان عن معقل عن ابن دينار عن عكرمة بإسقاط أبى الشعثاء عن ابن عباس عن النبى معَّه، ومحمد بن يزيد بن سنان شديد الغفلة كثير الخطأ، فيكون منكرًا، إلا أن له شاهدًا من رواية أبى هريرة، أخرج الدارقطنى من طريق مروان بن سالم عن الأوزاعى عن يحيى بن ٦٣ وجوب التسمية عند الصيد والذبح إعلاء السنن وقال الله تعالى: ﴿كلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾، وقال الله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافٌ﴾، وقال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا مما لم يذكر أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: سأل رجل النبى معَّ ◌ُله: الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمى الله قال: ((اسم الله على كل مسلم))، وفى لفظ: ((على فم كل مسلم)) (زيلعى ٢: ٢٦١)، وهذا الحديث وإن ضعفه الحفاظ بمروان بن سالم لأنه ضعيف إلا أنه مؤيد بما أخرج أبو داود فى مراسيله (ص ٤١) عن الصلت السدوسى مرسلا أن النبى معَّ ◌ُّه قال: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم یذ کر إن ذکر لم یذ کر إلا اسم الله اهـ)، وهذا وإن کان مرسلا ومعلولا بالصلت السدوسى إلا أنه مؤيد بما أخرجه عبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلا أن النبى معَ لّه قال: ((ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسم لم يتعمد))، والصيد كذلك، فهذه بجملتها تدل على حل ذبيحة الناسى، وقد كاد أن ينعقد الإجماع حتى قال ابن جرير فى تفسيره (١٦:٨). وأما من قال عنى بذلك ما ذبحه المسلم، فنسى ذكر اسم الله لا يحل، فقول بعيد من الصواب لشذوذه، وخروجه عما عليه الجماعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده اهـ، فتم الحجة على داود أيضًا، واحتج الجصاص بهذه الآية -أى قوله :- ﴿لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ على خروج الناسى، وقال: وإنما قلنا: إن ترك التسمية ناسيًا لا يمنع صحة الزكاة من قبل أن قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، خطاب للعامد دون الناسى، ويدل عليه قوله تعالى فى نسق الآية: ﴿وإنه لفسق﴾، وليس ذلك صفة للناسى، ولأن الناسى فى حال نسيانه غير مكلف للتسمية. وروى الأوزاعى عن عطاء بن أبى رباح عن عبد بن عمير عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله عَ ليه: ((تجاوز الله عن أمتى الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه))، وإذا لم يكن مكلفا للتسمية، فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به، فلا يفسده ترك التسمية، وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه، وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة، أو نسيان الطهارة ونحوها، لأن الذى يلزمه بعد الذكر، هو فرض آخر، ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر فى الذكاة لفوات محلها اهـ (أحكام القرآن ٧:٣). قال بعض الأحباب: وفيه نظر، أما أولا: فلأنه ليس فى قول ﴿لم يذكر اسم الله عليه﴾ خطاب، وإنما الخطاب فى قوله: ﴿لا تأكلوا﴾، والأكل ليس محل البحث، وإنما محل البحث هو الذكر، ولو سلم فالنسيان غير مانع من الخطاب، وإنما هو مانع من العتاب، ولا كلام فيه، وإذا كان ٦٤ ج - ١٧ وجوب التسمية عند الصيد والذبح اسم الله عليه﴾ وقال تعالى: ﴿لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾. مكلفًا للتسمية، فلا يقع التذكية على الوجه المأمور به. وأما ثانيًا: فلأن قوله: ﴿وإنه لفسق﴾ لا يدل على خروج الناسى، لأنك قد علمت أن الضمير عائد إلى قوله: ﴿ما لم يذكر اسم الله عليه﴾ لا إلى ترك الذكر، ولا إلى الأكل، فلا يتم الاستدلال. (قال العبد الضعيف: إطلاق الفسق علی المذبوح بعید، فإنه ليس بفسق، بل هو مما قد فسق به، ألا ترى أن الفسق من الأفعال، فحمله على الفعل أى ترك الذكر المفهوم من قوله: لم يذكر اسم الله عليه أولى، وهو المتصل به، وإرجاع الضمير إلى القريب المتصل أولى من الإرجاع إلى البعيد المنفصل، فافهم. قال: ولو سلم فالفسق هو الخروج عن الطاعة، والطاعة هو ذكر اسم الله، والناسى ليس بذاكر، فهو خارج عن الطاعة بالضرورة إلا أنه لا يعاقب على مثل هذا الخروج، لعدم قصد المعصية، والعقاب ليس بلازم للفسق، فلا يتم الاستدلال أيضًا. قال العبد الضعيف: قد أجمعوا على أن الناسى لا يطلق عليه اسم الفسق لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، ولقوله عَّ له: ((إن الله تجاوز عن أمتى الخطأ والنسيان))، قال: وأما ثالثًا: فلأن الفرق بين الناسى للطهارة أو التكبيرة غير صحيح، لأن الحیوان المخصوص ليس بمحل للفرض، كما أن الأفعال المخصوصة ليست بمحل للفرض فى الصلاة، فلا معنى لفوات المحل. قال العبد الضعيف: هذا كلام يشبه هذر الفلاسفة، وهل لأحد أن يقول بأن الحيوان ليس بمحل للتذكية المفروضة، أو أن تكبيرة الصلاة ليست بمحل للفرضية، فإن الفرض، والوجوب، والاستحباب من الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين كما صرح به أصحاب الأصول، والتذكية واجبة على المكلف، ومحلها الحيوان، وهذا ظاهر جدا، قال: ولو سلم فلا نسلم أن فوات المحل سقطة للفرض إذا كان المثل موجودًا، كخروج وقت الصلاة، أو الصوم. قال العبد الضعيف: هذا مسلم إذا كان للفائت مثل، وإلا فلا، وقد جعل الشارع لوقت الصلاة مثلا، فهل جعل لفوات التسمية فى الذبح مثلا أو بدلا؟ وهل تسميته بعد الذبح على هذا المذبوح يجدى شيئًا؟ كلا فإن ذلك لم يقل به أحد من الفقهاء قال: وهذا ظاهر جداً، ولا أدرى كيف خفى هذا الإمام مثل هذا الظاهر؟ ٦٥ وجوب التسمية عند الصيد والذبح إعلاء السنن قلت: لم يخف عليه، ولكنك لا تفقه، ولا تفهم، فالصحيح هو ما قلنا: إن المعتمد عليه فى هذا الباب هو الآثار، والأحاديث التى تلقاها العلماء بالقبول، وإن كانت مروية بأسانيد ضعيفة، أو مرسلة، أو موقوفة مع تأييدها بدلالة النص كما ذكرها الجصاص. قال العبد الضعيف: واستدل البيهقى لمذهبه فى حل متروك التسمية عمدًا بحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالوا: يا رسول الله! إن ههنا أقوامًا حديث عهد بشرك إلى آخره، ثم قال: إن جماعة رووه عن هشام كذلك موصولا، ثم أخرجه من حديث جعفر بن عون عن هشام عن أبيه مرسلا، ثم قال: وكذلك رواه مالك، وحماد بن سلمة عن هشام. قلت: وكذلك رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن معمر عن هشام، وذكر صاحب "التمهيد" أن جماعة رووه عن هشام مرسلا، كما رواه مالك: منهم ابن عيينة، ويحيى القطان، انتہی کلامه. قد اضطرب سندهذا الحدیث کما تری، ومع اضطرابه لا دلیل فیه علی مدعی البيهقى، إذ ليس فيه ترك التسمية، قال صاحب "التمهيد": فيه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف، بل سمى الله عليه أم لا، أنه لا بأس بأكله، وهو محمول على أنه قد سمى، والمؤمن لا يظن به إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمول على السلامة، حتى يصح غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه. وقال ابن الجوزى فى "الكشف" فى شرح هذا الحديث: الظاهر من المسلم والكتابى أنه يسمى، فيحمل أمره على أحسن الأحوال، ولا يلزمنا السؤال عن هذا، وقوله: ((سموا أنتم)) ليس بمعنى أنه يجزئ عما لم يسم عليه، ولكن لأن التسمية على الطعام سنة، وفى الموطأ أن عبد الله بن عياش بن أبى ربيعة المخزومى أمر غلامًا له أن يذبح ذبيحة، فلما أراد أن يذبح قال له: سم، فقال الغلام: قد سميت، فقال له: سم الله ويحك، قال: قد سميت الله تعالى، فقال ابن عياش: والله لا أطعمها أبدًا، قال صاحب الاستذكار: هذا واضح فى أن من ترك التسمية عمدًا لم تؤكل ذبيحته، (فإن الغلام لم يسم باللسان، ورأى تسميته بالقلب كافيًا، ولم يعتد به ابن عياش، وقال: والله لا أطعمها أبدًا)، وهو مذهب الثورى، ومالك، وأبى حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حیی، وإسحاق بن راهويه، وابن حنبل. ثم ذكر البيهقى عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾، قال: يقولون ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم فكلوه، فأنزل الله تعالى: ٦٦ وجوب التسمية عند الصيد والذبح ج - ١٧ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾. قلت: ذكر الحاكم فى المستدرك عن ابن عباس: ﴿وإن الشیاطین لیوحون﴾، قال: يقولون ما ذبح فذكر اسم الله عليه، فلا تأكلوه، وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه، فقال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، كذا فى "الجوهر النقي" (٣١٥:٢)، وأيضًا: فالصحيح المشهور أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، والأصل تحريم الميتة، وما خرج عن ذلك إلا ما كان مسمى عليه، فغيره يبقى على أصل التحريم داخلا تحت النص المحرم للميتة. وقال الموفق فى "المغنى": المشهور من مذهب أحمد أن التسمية شرط مع الذكر، وتسقط بالسهو، وروى ذلك عن ابن عباس، وبه قال مالك، والثورى، وأبو حنيفة، وإسحاق، وممن أباح مع ما نسيت التسمية عليه عطاء، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وجعفر ابن محمد، وربيعة، وعن أحمد أنها مستحبة غير واجبة فى عمد، ولا سهو، وبه قال الشافعى. قال أحمد: إنما قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ - يعنى الميتة- وذكر ذلك عن ابن عباس. ولنا قول ابن عباس: من نسی التسمية فلا بأس، وروی سعید بن منصور پاسناده عن راشد ابن ربيعة، قال: قال رسول الله عَ لّه: ((ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم ما لم يتعمد))، ولأنه قول سن سمينا، ولم نعرف لهم فى الصحابة مخالفًا، وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ محمول على ما تركت التسمية عليه عمداً بدليل قوله: ﴿وإنه لفسق) اهـ، ملخصًا (٣٣:١١). وقال ابن حزم فى المحلى: ولا يحل أكل ما لم يسم الله تعالى عليه لعمد، أونسيان برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، وقال أبو حنيفة، ومالك: إن ترك عمدًا لم يحل أكله، وإن ترك نسيانا حل أكله، وقال الشافعى: هو حلال ترك عمدًا، أو نسيانًا، روينا عن ابن عباس من طريق فيها ابن لهيعة أنه قال: إذا خرجت قانصا لا تريد إلا ذلك، فذكرت اسم الله حين تخرج فإن ذلك يكفيك. (لا دليل فيه على حل متروك التسمية عامدًا، وإنما فيه أنه لا يشترط اتصال التسمية بالاصطياد، والرمی، بل یکفی التسمية، ولو منفصلة، وهذا ليس مما نحن فيه)، وصح عن أبى ٦٧ وجوب التسمية عند الصيد والذبح إعلاء السنن هريرة فيمن ذبح، وهو مغضب فلم يذكر الله تعالى أنه يؤكل، وليسم الله تعالى إذا أكل (فيه حل متروك التسمية سهوًا، ونسيانا لأجل الغضب). قال ابن حزم: احتج أهل الإباحة بما رويناه من طريق عمران بن عيينة أخى سفيان عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى رسول الله عَّ ◌ُله، فقالوا: أنا كل مما قتلنا ولا تأكل مما قتل الله عز وجل؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ إلى آخر الآية. قال ابن حزم: هذا من التمويه القبيح، وليت شعرى أى ذكر فيه لإباحة أكل ما لم يسم الله تعالى عليه؟ بل حجة عليهم كافية، فأما قول الشافعى فما نعلم له حجة أصلا، وأما الحنفيون، والمالكيون فإنهم ذكروا خبرًا، رويناه من طريق سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد فهذا مرسل، والأحوص بن حكيم ليس بشىء، وراشد بن سعد ضعيف. قلت: قال الذهبى فى "الميزان": راشد بن سعد الحمصى شهد صفين، وروى عن سعد، وثوبان، وعوف بن مالك، وخلق وثقه ابن معین، وأبو حاتم، وابن سعد، وقال أحمد: لا بأس به، وشذ ابن حزم، فقال: ضعيف (٣٢١:١). والأحوص قال ابن المدينى: كان ابن عيينة يفضل الأحوص بن حكيم على ثور فى الحديث، وأما يحيى بن سعيد فلم يرو عنه وهو محتمل، وقال ابن عدى بعد ما ساق له أحاديث: ليس فيما يرويه الأحوص حديث منكر إلا أنه يأتى بالأسانيد يتابع عليها اهـ (٧٩:١)، فهو مختلف فيه، وحديثه مرسل حسن، وقال: وخبر آخر رويناه من طريق وكيع نا ثور الشامى عن الصلت مولى سويد قال: قال النبى معَّهِ: وهذا مرسل، والصلت أيضًا مجهول لا يدرى من هو؟ (قلت: ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الحافظ فى "الفتح": مرسل جيد كما سيجىء)، ثم ذكر من طريق هشيم عن يونس - هو ابن عبيد- عن محمد بن زياد قال: إن رجلا نسى أن : يسمى الله تعالى على شاة ذبحها، فأمر ابن عمر غلامه فقال: إذا أراد أن يبيع منها لأحد فقل له: إن ابن عمر يقول: إن هذا لم يذكر اسم الله عليها حين ذبحها، وهذا إسناد فى غاية الصحة. (قلنا: لعله اتهمه ولم يقبل ادعائه النسيان فى ذلك، وظن أنه ترك التسمية عامدًا تهاونًا بها، أو أراد زجره كى لا يعتاد بالنسيان بعد ذلك، وبالجملة: فالحديث ليس بنص فیما ادعاه ابن حزم، قال: ومن طريق ابن أبى شيبة نا معتمر بن سليمان عن خالد - هو الحذاء - عن ابن سيرين عن عبد ٦٨ ج - ١٧ باب فى حل متروك التسمية نسیانا ٥٤٧١- عن محمد بن يزيد بن سنان عن معقل بن عبيد الله الجزرى عن عمرو ابن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى عّ لّه قال: ((المسلم يكفيه اسمه، فإن نسى أن يسمى حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل))، أخرجه الدار قطنى، ثم البيهقى (زيلعى ٢٦١:٢)، وأنكره الحفاظ، بعضهم على معقل وبعضهم على محمد بن یزید. وقالوا: الصواب ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبى الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا عليه أنه قال: إن فى المسلم اسم الله، فإن ذبح ونسى أن يذكر اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسى وذكر اسم الله فلا تأكل، أخرجه عبد الرزاق كما فى الزيلعي، وكذا رواه الحاكم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار إلا أنه قال: عن جابر بن زيد وعكرمة عن ابن عباس (مستدرك ٢٣٣:٤). الله بن يزيد قال: لا تأكل إلا مما ذكر اسم الله عليه. (قلت: هو مجمع عليه لا نعلم فيه خلافًا)، قال: ومن طريق ابن أبى شيبة نا يزيد بن هارون عن أشعث عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد سأله رجل عمن ذبح، ونسى أن يسمى الله تعالى، فتلا عبد الله بن يزيد قول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ اهـ (٤١٤:٧). قلت: ليس بنص فى التحريم، ويحتمل أنه كرهه تورعًا، سلمنا ولكن ابن عباس يقول: من نسى التسمية فلا بأس، صح ذلك عنه موقوفًا، وروى عنه مرفوعًا أيضًا كما سيأتى، ولولا ما فى قوله تعالى: ﴿وإنه لفسق﴾ من احتمال كون الضمير عائدًا إلى ترك الذكر، والنسيان خارج من الفسق إجماعًا، فأورث شبهة فى عموم الآية للذاكر والناسى، وأيدت الآثار المذكورة سابقًا، ولا حقًا حل متروك التسمية ناسيًا لكان القول بحرمة متروك التسمية مطلقًا ألصق بالآية، وأوفق الأصول، وأسعد بالنظر. باب فی حل متروك التسمية نسیانا أقول: الروايات المذكورة فى الباب تدل على ما فى الباب، وقد مر الكلام فیه فى الباب السابق، وأخرج الرافعى عن البراء بن عازب: "المسلم يذبح على اسم الله سمى، أو لم يسم"، وقال الحافظ فى "التلخيص" (ص٣٨٣)، لم أره من حديث البراء، وزعم الغزالى فى "الإحياء": ٦٩ حل متروك التسمية نسيانا إعلاء السنن وعندى أنه لا تعارض بين الموقوف والمرفوع حتى يحتاج إلى الترجيح بقى الكلام فى معقل بن عبد الله ومحمد بن يزيد بن سنان، فمعقل من رجال مسلم، ومحمد بن يزيد بن سنان مختلف فيه، فإنه ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وكان نفيلى يرضاه. وقال مسلمة: ثقة، وكذا الحاكم وثقه فيما رواه مسعود عنه كذا فى "تهذيب التهذيب"، فلا يكون الحديث ساقطًا، لا سيما إذا تأيد بالموقوف الصحيح وبغيره، كما سنذكر، وقال الحافظ فى "التلخيص" (ص٣٨٣): قد صححه ابن السكن. ٥٤٧٢- وعن مروان بن سالم عن الأوزاعى عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: سأل رجل النبى معَّهِ: الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى الله؟ قال: اسم الله على كل مسلم. وفى رواية: فى فم كل مسلم اهـ، أخرجه الدارقطنى وقال: مروان بن سالم ضعيف (زيلعى ٢٦١:٢)، وكذا ضعفه أحمد والنسائى وغيرهما، ولم أر من وثقه إلا أن له شواهد. ٥٤٧٣- وعن راشد بن سعد مرسلا أن النبى عّ لّه قال: ((ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسمّ ما لم يتعمد، والصيد كذلك))، أخرجه عبد بن حميد، كذا فى "الدر المنثور" (٤٢:٣)، وأخطأ صاحب "روح المعانى" فى عزوه إلى داود وعبد بن حميد كليهما، لأن أبا داود رواه عن الصلت السدوسى لا عن راشد بن سعد، وأخطأ أيضًا فى تر که قوله: ما لم يتعمد. إنه حديث صحيح اهـ، ولكن ليس فيه: أنه صحيح من حديث البراء كما يوهمه عبارة الحافظ، بل فيه تصحيح للمتن فقط، سيأتى نصه عن قريب، ورواه أيضًا ابن العربى فى "أحكام القرآن" (٣٠٩:١)، ولكن قال: إنه ضعيف فليتنبه له، واستدل الشافعى بهذه الروايات على حل متروك التسمية عمدًا لأنه معَِّ قال: المسلم يكفيه اسمه أو ذبيحة المسلم حلال إلى غير ذلك، وعندنا هو محمول على الناسی کما صرح به فى رواية راشد بن سعد. وقال الحافظ فى "الفتح": قال الغزالى فى "الإحياء" فى مراتب الشبهات: المرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب فى التورع عنه، وهو ما يقوى فيه دليل المخالف، فمنه التورع عن أكل متروك التسمية، فإن الآية ظاهرة فى الإيجاب، والأخبار متواترة بالأمر بها، لكن لما صح قوله عدّ له: ٧٠ حل متروك التسمية نسيانا ج - ١٧ ٥٤٧٤- وعن الصلت السدوسى مرسلا أن رسول الله عَ لّه قال: ((ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر، إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله)) (مراسيل أبى داود، (ص٤١). والصلت ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال ابن القطان: فيه مع الإرسال أن الصلت السدوسى لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد، ولم يعله ابن الجوزى وصاحب "التنقيح" بغير الإرسال (زيلعى: ٢: ٢٦١ تهذيب التهذيب)، وقال الحافظ فى "الفتح" (٥٤٨:٩): مرسل جید. ٥٤٧٥- وعن جابر قال: "فى كل مسلم اسم التسمية سمى أو لم يسم"، وفى لفظ: ذكاة كل مسلم حلته، يعنى بذلك أن الرجل يذبح، وينسى أن يسمى أنه لا بأس بأکل ذبيحته، رواه محمد فى "الآثار" (ص١١٥)، وفى سنده رجل مبهم. ((المؤمن يذبح على اسم الله أو لم يسم) احتمل أن يكون عاما موجبًا لصرف الآية، والأخبار عن ظاهر الأمر، واحتمل أن يخصص بالناسى ويبقى من عداه على الظاهر، وهذا الاحتمال الثانى أولى (فتح البارى ٥٤٨:٩). ويظهر من هذه العبارة أن الغزالى جعلٍ مذهب الشافعى مرجوحًا ومذهب الحنفية راجحًا، ولكن الذى يظهر من "الإحياء" أنه جعل مذهب الشافعى راجحًا، ولكن جعل الورع فى الاختيار لمذهب أبى حنيفة، وإن كان مرجوحاً، وفرق ما بين ما قال الغزالى، وبين ما نقله الحافظ عنه، ونص الغزالى فى "الإحياء" أنه قال: المرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب فى التورع عنه، وهو ما يقوى فيه دليل المخالف، ويدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه ...... ومن ذلك الورع عن متروك التسمية، وإن لم يختلف فيه قول الشافعى، لأن الآية ظاهرة فى إيجابها والأخبار متواترة فيه. ولما صح قوله ◌َّ: ((المؤمن يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم))، واحتمل أن يكون هذا عامًا موجبًا لصرف الآية، وسائر الأخبار عن ظواهرها، ويحتمل أن يخصص هذا بالناسى، ويترك الظواهر، وكان حمله على الناسى ممكنا تمهيد العذرة فى ترك التسمية بالنسيان، وكان تعميمه وتأويل الآية، وممكنًا إمكانا أقرب له رجحنا ذلك، ولا ننكر رفع الاحتمال المقابل له، فالورع عن مثل هذا لهم واقع فى الدرجة الأولى (إحياء العلوم ١٠٣:٢)، وهذا الكلام نص فيما قلنا، فتنبه له. ٧١ إعلاء السنن الكلام المتين فى ذكاة الجنين باب ذکاة الجنین ٥٤٧٦- عن يونس بن أبى إسحاق عن أبى الوراك جبير بن نوف عن أبى سعيد أن النبى عّ لّه قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) (دار قطنى ص ٥٤١)، وكذا رواه عطية عن أبى سعيد عند الطبرانى فى "الصغير" (ص ٤٨ و ٤٩). باب ذکاة الجنين أقول: اختلف فى معنى قوله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))، فقال أبو حنيفة: معناه ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه، فلا يحل إلا بذكاة مستقلة كالأم، كما قال الشاعر: فعيناك عيناها وجيدك جيدها وقال صاحباه: معناه ذكاة الجنين هو ذكاة أمه، ولا يحتاج إلى ذكاة مستأنفة، وإن كان ما قالاه أقرب إلى اللفظ، ولكن ما قال أبو حنيفة أقرب إلى المعنى، لأن الجنين حبى بحياة نفسه دون حياة أمه، وله دم سائل فكيف يتصور التبعية فى الذبح، ولذا قال إبراهيم النخعى لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين، أخرجه محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة عن حماد عنه (كتاب الآثار ص١١٦)، والحديث ليس بنص فى التبعية لأنه يتحمل تأويل التشبيه، كما قلنا: فلا يترك القياس، بل يؤول الحديث جمعا بين الأدلة. ثم لما كان الجنين حيا بحياة نفسه لا بحياة أمه لا يكون موته بموت أمه، بل يموت نفسه بالانخناق، فيكون من قبيل المنخنقة، ويكون محرمًا بالآية، فيجب تأويل الحديث لتعارض النصين، ثم التبعية فى الجنين غير المشعر أظهر بالنسبة، فينبغى أن يكون الحكم فى غير المشعر بالأولى، وهما لا يقولان به، فكيف يصح الحكم بالتبعية فى المشعر؟ واحتج أيضًا لأبى حنيفة بما روى عن عدى ابن حاتم عن النبى عّ لّه أنه قال: ((إذا وقعت رميتك فى الماء فلا تأكل فإنك لا تدرى أن الماء قتله أم سهمك))، كما فى "الصحيحين". ووجه الاحتجاج أنه علم من هذا الحديث أنه إذا وقع الشك فى سبب زهوق الروح لا يحل أكله، فإذا ذبحت الأم، وخرج الجنين ميتا فلا يدرى أنه مات بذبح الأم أم باختناق النفس، فوقع الشك فى الحل فلا يحل، ولكنه ضعيف، لأنه إن كان مراده أنه لا يدرى أنه مات قبل الذبح، أم بعده، ففيه أن السبب الظاهر هو ذبح الأم، والموت قبله احتمال عقلى محض، فلا يعارض السبب الظاهر، وإن كان مراده أن موته بعد الذبح مسلم، ولكنه لا يدرى أن سببه الذبح، ٧٢ ذ کاة الجنین ج - ١٧ ورواه مجالد عن أبى الوارث عن أبى سعيد قال: قال: سألنا رسول الله عَ ل فقلنا: أحدنا ينحر الناقة أو يذبح البقرة أو الشاة فيجد فى بطنه جنينًا فيأكله أو يلقيه، قال: فقال: ((كلوه أن شئتم، إن ذكاته ذكاة أمه))، رواه الدار قطنى (ص٥٤١)، ومجالد ضعيف وقد تفرد بهذا التفصيل فلا يقبل، وإنما الصحيح هو قوله عَّ لـ: ذكاة الجنين ذكاة أمه، هكذا روى عن أبى سعيد غير مجالد، وهكذا روى عن ابن عمر وابن أو الاختناق ففيه أن الذبح لا يكون سببًا لموت الجنين بالذات، بل بالواسطة، فلا معنى لهذا الكلام، ولا يضر من قال: "يكون ذكاة الجنين ذكاة أمه" ، فالصحيح هو ما قلنا. فإن قلت: إنه قد روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إذا نحرت الناقة فذكاة ما فى بطنها ذكاتها إذا كان قد تم خلقه، ونبت شعره، فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه (موطأ مالك ص ١٨٢)، وهو صريح فى نفى التشبيه، قلنا: هذا مبنى على أحد التأويلين فى الحديث، وتأويل أحد المجتهدين لا يلزم المجتهد الآخر، فلا حجة فيه فتدبر(١). وقد أطال الكلام فى المسألة فى "بذل المجهود" (٨٢:٤-٨٣)، فإن شئت فارجع إليه، وفى ما ذكرنا كفاية، قال بعض الأحباب: ورجح العينى فى "شرح الهداية" قول الصاحبين، وقال بالجملة من قال بموافقة الحديث أقوى كذا فى "التعليق الممجد"، وهو خطأ من العينى منشأه عدم الوصول إلى مدرك الإمام، والحق أن ما قاله الإمام هو الأقوى، والله أعلم. قلت: لم أجد فى "شرح الهداية" للعينى ما ذكره هو عن التعليق، بل ظاهر قول العينى ..... هناك ترجيح قول الإمام بكونه موافقًا لنص الكتاب. وأجاب عن الحديث بالحمل على النسخ (١٤٩:٤)، فقوله: وبالجملة إلى آخره من قول صاحب التعليق لا من كلام العينى، فافهم. قال العبد الضعيف: وكان على بعض الأحباب أن يجيب عن دليل الخصم أولا، ثم يدعی قوة قول الإمام، وقد روينا من طريق سفيان عن الزهرى عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان أصحاب رسول الله عَّ له يقولون: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وصح عن ابن عمر قال فى جنين الناقة: إذا تم، وأشعر فذكاته ذكاة أمه وينحر، ومن طريق الحارث عن على: إذا أشعر جنين الناقة (١) لأن تأويل الصحابى أرجح عند الحنفية من قياس المجتهد، ورأيه، ولكن قوله: فإذا خرج من بطن أمه ذبح إلخ يصلح دليلا للإمام لأن حمله على الذبح بعد الخروج ميتا بعيد، فافهم. ٧٣ ذ کاة الجنین إعلاء السنن. مسعود وجابر وأبى هريرة وأبى أيوب وابن عباس وكعب بن مالك وأبى الدرداء وأبى أمامة وغيرهم، كما فى "الزيلعي" (٢٦٤:٢)، وإن كان فى واحد منها كلامًا إلا أن فكله، فإن ذكاته ذكاة أمه، وعن أبى الزبير عن جابر: نحر جنين الناقة نحر أمه، وعن إبراهيم عن ابن مسعود: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وهو قول إبراهيم(١)، والشعبى، والقاسم بن محمد، وأبى ظبيان، وأبى إسحاق السبيعى، والحسن، وسعيد بن المسيب، ونافع، وطاوس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، ويحيى بن سعيد الأنصارى، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، والزهرى، ومالك، والأوزاعى، والليث بن سعد، وسفيان الثورى، والحسن بن حى، وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعى، كذا فى "المحلى" (٤٢٠:٧)، وقال الموفق فى "المغنى" بعد ما ذكر أثر عبد الله بن كعب بن مالك: وهذا إشارة إلى جميعهم -أى جميع الصحابة- فكان إجماعًا، قال ابن المنذر: كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوا إلى أن جاء النعمان فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفس لا تكون ذکاة نفسین اهـ (٥٢:١١). وفى "شرح المهذب" قال الخطابي: إن ابن المنذر قال فى كتابه له: إنه لم يقل بقول أبى حنيفة أحد من العلماء غيره قال: ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه، واحتج لأبى حنيفة أن ذكاة حیوان لا تكون ذکاة حیوان آخر، وتأولوا حدیث ذکاة الجنين ذ کاة أمه أی ذکاته کذ کاة أمه، فذكوه كما تذكون أمه، والمنقول من رواية أبى داود المذكورة فى "الكتاب" صريح فى الدلالة على مذهبنا ومبطل لتأويلهم اهـ (١٢٨:٩). قلت: لفظ أبى داود عن أبى سعيد: قلنا: يا رسول الله عَّ ◌ُله: ننخر الناقة، ونذبح البقرة، والشاة، وفى بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله، فقال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه اهـ، وقول بعض الأحباب: إن فيه مجالدا وهو ضعيف، وقد تفرد بهذا التفصيل فلا يقبل اهـ، لا يتمشى على أصلنا، لأن مجالدًا مختلف فيه روى له مسلم، والأربعة، وحسن الترمذى حديثه هذا، والأولى أن يقال: إنه ليس بصريح الدلالة على مذهب الخصم، ولا مبطلا لتأويلنا، فإن معنى قولهم: أنلقيه لكونه محرمًا مستقذرا أم نأكله لكونه حلالا مأكولا، فقال: كلوه إن شئتم أكله، ولم تستقذروه بعد أن تذبحوه، لأن ذكاته كذكاة أمه سواء، ويؤيده ما رواه الطبرانى عن أبى ليلى أن رسول الله عَّهِ سئل عن ذكاة الجنين، فقال: ((ذكاته ذكاة أمه))، وفيه حليس بن محمد متروك (مجمع (١) قد روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم خلافه، فلعله كان يقول بقول الجمهور، ثم رجع عنه. ج - ٠١٧ ذ کاة الجنین ٧٤ بعضها يتقوى ببعض، فلا يحسن رده مطلقًا لا سيما إذا كان بعض طرقه على شرط ٣٥:٤)، ولكنه يكفى لتأييد التأويل، ففيه أنهم سألوه عن ذكاة الجنين، وباليقين ليس محل الذكاة إلا ما خرج من البطن حيًّا، فقال: ذكاته ذكاة أمه، وبالإجماع لا يحل الجنين إذ خرج حيًا إلا بذكاته على حدة، فليس معناه إلا ما قلنا: إن ذكاته إذا خرج حيا كذكاة أمه، ولعلهم سألوه عن ذكاته، لأن بعض الطبائع يستقدره، ويعافه، فافهم. وقال ابن حزم: فأما أبو حنيفة فإنه يشنع بخلاف الصاحب لا يعرف له مخالف، وخلاف جمهور العلماء، ويرى ذلك خلافًا للإجماع، وهذا مكان خالف فيه الصحابة، وجمهور العلماء من التابعين، والآثار التى يحتج هو بأسقط منها، وهذا تناقض فاحش اهـ (٧: ٤٣٠). والجواب أن أبا حنيفة ليس بأحق بهذا التشنيع من إبراهيم النخعى، فإن الإمام روى عن حماد عنه، قال: لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين يعنى أن الجنين إذا ذبحت أمه لم يؤ كل حتى يدرك ذكاته قال محمد: وقال أبو حنيفة بقول إبراهيم هذا (كتاب الآثار ص١١٦)، ولا من الأوزاعى فإن ابن حزم نفسه روى من طريق أبى زرعة هو عبد الرحمن بن عمرو النصرى نا عبد الله بن حيان قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله! الناقة تذبح، وفى بطنها جنين يرتكض فيشق بطنها، فيخرج جنينها أ يؤكل؟ قال: نعم، قلت: إن الأوزاعى قال: لا يؤكل، قال: أصاب الأوزاعى فهذا قول مالك أيضًا (٤٢٠:٧)، وقد مر أن إبراهيم لم يكن يفتى بالرأى إلا بالأثر فقوله: هو قول عبد الله وأصحابه، لأنه كان لسانهم، وأعرف الناس بأقوالهم، وأما الآثار وأقوال الصحابة فمحمول عنده على وجهين: إما على جنين لم ينفخ فيه الروح بعد فهو حلال إلا أن كان بعد دمًا لا لحم فيه، فاما إذا کان لحما لم ينفخ فيه الروح بعد فهو بعض أمه، ولم یکن قط حیا فیحتاج إلی ذکاة، وقد قال أبو حنيفة(١) بحل مثل هذا الجنين، كما ذكره ابن حزم (٤١٩:٧). (١) ويخالفه ما فى "البدائع": وإن خرج ميتا فإن لم يكن كامل الخلق لا يؤكل فى قولهم جميعاً، لأنه المضغة، وإن كان كامل الخلق اختلف فيه، قال أبو حنيفة: لا يؤكل، وهو قول زفر، والحسن بن زياد. وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعى: لا بأس بأكله. فإن قيل: الميتة اسم لزائل الحياة فيستدعى تقدم الحياة؟ قلنا: إن تقدم الحياة، ليس بشرط لإطلاق اسم الميت، قال الله تعالى: ﴿وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ على أنا إن سلمنا ذلك فلا بأس به، لأنه يحتمل أنه كان حياً فمات بموت الأم، ويحتمل أنه لم یکن حیا فیحرم احتياطا اهـ (٤٢:٥). وحاصله: أنه يحرم إذا تردد فى نفخ الروح فيه احتياطًا، وأما إذا حصل اليقين بعدم نفخ الروح فيه، وكان لحمًا ولم يكن دمًا، فالظاهر أنه كسائر لحم الحيوان فى كونه جزءً من أجزائه تبعًا له فى الحل والحرمة، وإنما يكون فى المنفصل بعد نفخ الروح فيه، فما حكاه ابن حزم عن أبى حنيفة، هو الأشبه ولكن صاحب "البدائع" أعرف منه بمذهبه، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. ٧٥ ذکاة الجنين إعلاء السنن مسلم كطريق يونس بن أبى إسحاق، وقد حسنه الترمذى، وسكت عليه أبو داود، وهذا هو الذى يكون ذكاته ذكاة أمه لكونه بعضها، وأما إذا نفخ فيه الروح فليس ذكاة الأم ذكاته، لا يقال: ما لم ينفخ فيه الروح فليس بجنين لغة، لأنه هو الولد فى بطن أمه، وما لم ينفخ الروح فيه ليس بولد، لأنا نقول: قد صرح الفقهاء فى باب الجنين من الجنايات بأن ما استبان بعض خلقه كظفر وشعر كتام فيما ذكر من الأحكام من وجوب الغرة، وعدة ونفاس، ولو ألقت مضغة لم يتبين شىء من خلقه، فلا غرة فيه، وتجب عندنا حكومة (شامى ٥٨١:٥). فالجنين يعم تام الخلق، وناقصه، ولا ينفخ فيه الروح الحيوانية إلا بعد تمام الخلق، كما ذكره الشامى أيضًا (٣١١:١)، وإما على التشبيه كما مر، ولو كان كما قال الخصم لكان حق العبارة: ذكاة الأم ذكاة الجنين، أو هو محمول على النسخ لأن حرمة المنخنقة نزلت فى "المائدة" وهى آخر سورة نزلت من القرآن، فيجب حمل الآثار على التقدم منها إذا جهل التاريخ لأن عمومها متروك بالإجماع، ألا ترى أنه لو خرج حيًا يجب تذكيته باتفاق العلماء؟ ولو كان ذكاة الأم ذكاته لم يجب تذكيته مطلقًا، وظهر بذلك أن أبا حنيفة لم يخالف الآثار، ولا الإجماع، بل حملهما علی محمل حسن. واندحض بذلك قول ابن المنذر: كان الناس على إباحته إلى أن جاء النعمان إلخ، فقد عرفت أن أبا حنيفة لم ينفرد بذلك، بل له سلف فيه من إبراهيم، ووافقه على ذلك الأوزاعى، ومالك فى رواية، ولو سلمنا أن حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه عام لكل جنين، فقد عرفت أن طرقه كلها ٪ ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها على مذهب المحدثين، ولو جمعنا طرقه، وقلنا: بأن بعضها يقوى بعضًا فغايته أن يكون بمنزلة الحديث الصحيح من أخبار الآحاد، وبمثله لا يعارض نص الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، وقوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، وقوله: ﴿ولا المنخنقة والموقوذة﴾ الآية، وبالعيان ندرى أن ذكاة الأم ليست ذكاة للجنين، لأنه غيرها، وقد يكون ذكراً، وهی أنثى. فالجنين فى حكم الحياة نفس على حدة، فيشترط فيه ذكاة على حدة، ولو انفصل حيًا، ثم مات لم يحل عندهم جميعًا، فعرفنا أنه ليس بتبع للأم فى هذا الحكم، وإذا لم يكن تبعًا كان ميتة إذا خرج من بطن أمه ميتًا بعد ذبحها، سواء أشعر أو لم يشعر، ونفخ فيه الروح أو لم ينفخ، فإن أحسن أحواله أن يكون حيًا عند ذبح الأم فيموت باحتباس نفسه، وهذا هو المنخنقة، أو ميتًا فهو الميتة، وقد مر غير مرة أن أبا حنيفة لا يحتج بالآثار الضعيفة بمعرض النص، والسنن المشهورة، وإنما يحتج ٧٦ ج - ١٧ ذ کاة الجنین / وصححه ابن حبان وابن دقيق العيد، كما فى "بلوغ المرام وحاشيته" (ص١٣٢). بها إذا لم تخالف النص، ولا الأصول المجمع عليها، فيقدمها على الرأى، ويفسر بها المجمل من الأخبار الصحيحة، فافهم. فإن أهل الظاهر لا يفقهون، قال صاحب "الجوهر النقى" فى حديث: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))، إن عبد الحق ذكر فى "الأحكام" أن أسانيده لا يحتج بها، ولو خرج حيا يجب تذكيته باتفاق العلماء، فقد تركوا عمومه، ولأنه إذا كان حيًا ثم مات بموت أمه فإنه يموت خنقا، فهو من المنخنقة التى ورد النص بتحريمها، وإلى تحريمه ذهب أبو محمد بن حزم، ولم يرض بسند الحديث. وأما ما ذكر البيهقى عن جماعة فى قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ إنه الجنين فيعكر على هذا التفسير الاستثناء فى قوله تعالى: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، إذ ليس فى الأجنة شىء يستثنى من الأول، وقد جاء عن ابن عباس: إلا ما يتلى عليكم الخنزير، وعن مجاهد: الميتة، وما ذكر معها، وعن الحسن: بهيمة الأنعام، والشاة، والبقرة، والبعير اهـ (٢٢٨:٢). وأما الإجماع فالظاهر عدمه، وإلا لم يقل إبراهيم، والأوزاعى، ومالك، وأبو حنيفة بحرمته، وهؤلاء أعرف الناس بإجماع العلماء واختلافهم، ولم يكونوا ينحدقوا الإجماع الذى تقدمهم، وإن سلمنا فالإجماع، إنما هو على أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، وقد قلنا به بالمعنى الذى قد مر ذكره(١). وأما التفصيل الذى ذهب إليه الجمهور فليس مما أجمع عليه، فقد روينا عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق قال: إذا علم أن موت الجنين قبل موت أمه أكل وإلا لم يؤكل، قيل له: من أين يعلم ذلك؟ قال: إذا خرج لم ينتفخ، ولم يتغير، فهو موتها، وقال بعضهم: لا يؤكل إلا أن يكون قد أشعروتم، وهو قول ابن عمرو، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، والزهرى، والشعبى، ونافع، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، ویحیی بن سعید. وقال آخرون: أشعر أو لم يشعر هو حلال، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب كما فى "المحلى" (٧: ٤٢٠)، واختلاف أجلة التابعين الذين أفتوا فى زمن الصحابة، وزاحموهم فى الفتوى دليل على اختلاف الصحابة فى الباب، لأن إجماعهم لا يتم إلا بإجماع أمثال هؤلاء التابعين معهم، كما تقرر فى الأصول. (١) وهو حمله على التشبيه أو على الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح. ٧٧ ذكاة الجنين إعلاء السنن تنبيه لم أظفر فى كتب القوم بما عزاه ابن حزم إلى الإمام من القول: يحل أكل الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح، وكان لحمًا لا دمًّا، فإن الحنفية قاطبة مصرحون بما ذكره صاحب "البدائع" أنه إذا خرج ميتا لا يؤكل عند أبى حنيفة مطلقًا سواء كان تام الخلق أو ناقصه، ولكن يرد على تعليل "البدائع" ما ذكره فى "الخلاصة": ولا بأس بدود الزنبور قبل أن ينفخ فيه الروح، لأن ما لا روح له لا يسمى ميتة اهـ (٣٠٤:٤)، ومثله فى عامة كتب الفتوى، وهو يؤيد ما ذكره ابن حزم، كما لا يخفى. وأما قوله تعالى: ﴿كنتم أمواتا فأحياكم﴾ فمحمول على المجاز عند أهل اللسان، والحقيقة أن الميت لا يطلق إلا على زائل الحياة فقد قالوا بطهارة لبن الميتة، وحله لأنه لا يحله الحياة، فدل أن ما لا روح فيه لا يسمى ميتة، ولم أذكر ما ذكره ابن حزم عن الإمام للتعويل عليه، بل لإلزام الخصم ودفع الطعن عن الإمام بذكر تأويل نسب إليه، فإن صح فهو أحسن تأويل يؤول عليه الحديث، والآثار، وإلا فالجواب بتقديم نص الكتاب على آحاد الأخبار، والحمد لله والصلاة على رسول الله مُ ◌ّه آناء الليل، وأطراف النهار. فائدة: قال المنذرى فى "مختصره": وقد روى هذا الحديث بعضهم لغرض له ذكاة الجنين ذكاة أمه بنصب ذكاة الثانية لتوجب ابتداء الذكاة فيه إذا خرج، ولا يكتفى بذكاة أمه، وليس بشىء، وإنما هو بالرفع كما هو المحفوظ عن أئمة هذا الشأن، وأبطله بعضهم بقوله: فإن ذكاته ذكاة أمه، لأنه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة اهـ من الزيلعى (٢: ٢٦٥)، وفى "شرح المهذب"، قال الشافعى والأصحاب: إذا ذبح المأكولة فوجد فى جوفها جنينًا ميتًا فهو حلال سواء أشعر أو لا، قال الشيخ أبو محمد الجوينى فى كتابه "الفروق": إنما يحل إذا سكن فى البطن عقب ذبح الأم، إما إذا بقى زمناً طويلا يضطرب ويتحرك، ثم سكن فالصحيح أنه حرام اهـ (١٢٧:٩). قلت: إن كان وجه الحرمة كونه من المنخنقة فما وجه الفرق بين سكونه عقب الذبح، وسكونه بعده بزمن طويل، فإن موته لا يكون إلا بالانخناق، واحتباس النفس للعلم بأن السكين لم يمر على حلقومه، وإنما مر على حلقوم أمه، ولم يخرج بذلك منه دم، ولا شىء، وأيضًا فأى دلالة فى حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه على هذا الفرق الذى ذكروه، فلا بحكم الآية أخذوا، ولا عموم الحديث اتبعوا، ولعلك قد عرفت بذلك قوة قول الإمام أبى حنيفة فى هذا الباب حيث قد اضطرا الخصم إلى الأخذ بقوله مع تشنيعه عليه بمخالفة الآثار، والإجماع، فما فقهوا ولو فقهوا لقالوا : صدقت وكنت ذا رأى مصيب. وقال الموفق فى "المغنى": واستحب أبو عبد الله أن ٧٨ ج - ١٧ باب اللحم لا يدرى أذكر اسم الله عليه أم لا؟ ٥٤٧٧- عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله! إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتون بلحمان لا ندرى أ ذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، أنأكل منها؟ فقال رسول الله عَّه: ((سموا الله وكلوا))، رواه أبو داود والبخارى ومالك فى "الموطأ"، واللفظ لأبى داود، ورجاله أثبات. باب الشام ذبحت فتحرك بعضها ٥٤٧٨- عن أبى مرة مولى عقيل بن أبى طالب أنه سأل أبا هريرة عن شاة ذبحت، فتحرك بعضها فأمره أن يأكلها، ثم سأل زيد بن ثابت، فقال: إن الميتة لتتحرك ونهاه عن الأكل، رواه مالك فى "الموطأ" (ص١٨٢). يذبحه، وإن خرج ميتًا ليخرج الدم الذى فى جوفه، ولأن ابن عمر كان يعجبه أن يريقوا من دمه، وإن كان ميتًا. (قلت: وهل يخرج من الميت دم مسفوح؟)، قال: وإن خرج حيًا حياة مستقرة يمكن أن یذ کی فلم یذ که حتى مات، فلیس بذ کی، قال أحمد: إن خرج حیًا فلا بد من ذکاته، لأنه نفس أخرى (٥٣:١١). قلت : - يرحمك الله - إنه كان نفسا أخرى فى بطن أمه منذ نفخ فيه الروح، فإذا خرج ميتا كان من المنخنقة حتمًا، وهو حرام بنص القرآن كما ذكرناه بأبسط بيان، وبالجملة: فقول أبى حنيفة أقوى ما يكون فى هذا الباب، فللّه دره من إمام قد فتحت له أبواب الحكمة، وفهم الكتاب، والعلم الله العلى الوهاب. باب اللحم لا يدرى أ ذكر اسم الله عليه أم لا؟ أقول: فى الحديث دليل على أنه إن كان الآتى بمثل هذا اللحم هو المسلم يجوز أكله لحسن الظن بالمسلم، وحمل فعله على الوجه الصحيح، واحتج بعضهم بهذا الحديث على وجوب التسمية عند الذبح، وبعضهم على عدمه، والحق أنه لا حجة فيه لا على هذا، ولا على ذاك، وأوله مالك فى "الموطأ" (ص١٨٢)، بأن ذلك كان فى أول الإسلام ولا يصح، لأن الحديث يدل على أنه کان بعد نزول حرمة ما لم يذكر اسم الله علیه، فتدبر. باب الشاة ذبحت فتحرك بعضها أقول: ما ذهب إليه أبو هريرة هو مذهب الحنفية، وما ذهب إليه زيد بن ثابت فمحمول على ٧٩ إعلاء السنن باب فى الذبح وآلته ٥٤٧٩- عن سعيد بن سلام العطار عن عبد الله بن بديل الخزاعى عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: بعث رسول الله معرّضله بديل بن ورقاء الخزاعى على جمل أورق يصيح فى فجاج منى: ((ألا إن الذكاة فى الحلق والبة))، أخرجه الدار قطنى (ص٥٤٤). وقال فى "التنقيح": هذا إسناد ضعيف بمرة، وسعيد بن سلام أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به، وكذبه ابن نمير، وقال البخارى: يذكر بوضع الحديث، وقال الدار قطنى: يحدث بالبواطيل متروك (زيلعى ٢٦٢:٢). ٥٤٨٠- وأخرج عبد الرزاق عن عمر وعلى من قولهما: إن الذكاة فى الحلق واللبة (زيلعى: ٢٦٢:٢). الورع والاحتياط، والله أعلم. قال العبد الضعيف: والأثر أخرجه محمد فى "الموطأ" أيضًا (ص٢٨٥)، وقال: إذا تحركت تحركا أكبر الرأى فيه، والظن أنها حية أكلت، وإذا كان تحركها شبيها بالاختلاج، وأكبر الرأى والظن فى ذلك أنها ميتة لم تؤكل اهـ. قلت: فلا تعارض بين ما قال أبو هريرة، وبين ما قال زيد، فحمله أحدهما على الحياة، والآخر على الاختلاج، وإذا تحرك المذبوح تحر كا يدل على الحياة، فالجمهور على حله، أخرج ابن عبد البر عن على قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وهى تحرك يدًا أو رجلا فكلها، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الصحابة وافق زيدا على ذلك (لو حملناه على ظاهره)، وقد خالفه أبو هريرة، وابن عباس، وعليه الأكثر اهـ من "التعليق الممجد" (ص٢٨٥). باب فى الذبح وآلته أقول: قال ابن عباس، وعمر، وعلى: الذكاة فى الحلق، واللبة، ومعناه: أن الذكاة الاختيارية نوعان: الذبح والنحر، ومحل الذبح الحلق، ومحل النحر اللبة، فلا يجوز الذكاة فى غيرهما، وهو معنى قول عطاء: لا ذبح، ولا نحر إلا فى المذبح، والمنحر، فقد علم منه محل الذبح، وهو الحلق إلا أنه لم يعلم ماذا يقطع منه، وعلم من قول عطاء: الذبح هو قطع الأوداج أن المقطوع منه الأوداج، وإليه يشير ما روى عن النبى معَّ ◌ُلّهِ: ((كل ما أفرى الأوداج))، وقول علقمة: "اذبح بكل شىء أفرى الأوداج"، ثم الأوداج ما يقطع فى الذبح عادة، هى العرقان المعروفان، والحلقوم والمرئ، فقال ٨٠ ج - ١٧ الذبح وآلته ٥٤٨١- وأخرج البخارى عن ابن عباس تعليقًا: ((الذكاة فى الحلق واللبة))، وقال ابن حجر: صحيح الإسناد، (فتح البارى ٥٥٢:٩). ٥٤٨٢- وحدثنا أبو جالد الأحمر عن ابن جريج عمن حدثه عن رافع بن خديج قال: سألت رسول الله عَّم عن الذبح بالليطة، قال: ((كل ما أفرى الأوداج إلا سنًا أو ظفرًا))، أخرجه ابن أبى شيبة (زيلعى: ٢٦٢:٢). قلت: فيه من لم يسم ولكنه غير مضر عندنا؛ لأنه من التابعين والغالب فيهم الخير، فالغالب أنه ثقة. ٥٤٨٣- وعن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد الألهانى عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((كل ما أفرى الأوداج ما لم یکن قرض سن أو حز ظفر)) (زيلعى ٢٦٢:٢). قلت: قال ابن حبان: عبيد الله بن زحر يروى الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن على بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع فى إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم، وتعقبه ابن حجر وقال: ليس فى الثلاثة من اتهم إلا على بن يزيد، وأما الآخران فهما صدوقان فى الأصل، وإن كانا يخطيان (تهذيب التهذيب). أبو حنيفة: يكفى قطع ثلاثة منها أى ثلاثة كانت لأن الثلاثة أكثرها، وللأكثر حكم الكل، وقال أبو يوسف: لا بد من قطع الحلقوم والمرئ، وأحد الودجين، وقال محمد: يكفى قطع أكثر عن كل ودج وحلقوم، وقال الشافعى: يكفى قطع الحلقوم والمرئ، وعن الثورى: يكفى قطع الودجين، وعن مالك: يشترط قطع العرقين والحلقوم. وقول أبى حنيفة هو الأقرب، لأن لفظ الأوداج حقيقة فى العرقين، ومجاز فى المرئ والحلقوم، والصيغة حقيقة فى الثلاثة، ومجاز فى الاثنين، فالشافعى اختار المجاز من جهتين: من جهة المادة والصورة، والثورى اختار المجاز من جهة الصورة، وأبو يوسف وإن راعى جهة المادة والصورة إلا أنه تحكم فى تعيين الحلقوم والمرئ، وترك إطلاق الأوداج. ومحمد اختار المجاز مرتين: مرة فى أكثر الكل، ومرة فى أكثر كل واحد، وترك إطلاق الأوداج حيث عين الودجين والحلقوم، وكذا مالك ترك الإطلاق، وبالجملة المسألة مجتهد فيها، ولكل وجهة هو موليها، والله أعلم.