Indexed OCR Text
Pages 41-60
ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٤١ لأنه لو عقد الإجارة بأن قال: آجرتك هذا كل يوم، أو كل شهر، أو كل سنة بكذا لا يكون الإجارة فاسدة. قال فى "الهداية": ومن استأجر دارًا لكل شهر بدرهم، فالعقد صحیح فى شهر واحد فاسد فى بقية الشهور، إلا أن يسمى جملة الشهور معلومة، فإن سكن ساعة من الشهر الثانى صح العقد، وليس للمؤجر أن يخرجه إلى أن ينقض، وكذلك كل شهر سكن أو له اهـ، فيكون هذا هو حكم المزارعة التى لم يسم(١) فيها المدة، فافهم. وقال بعضهم: إن أهل خيبر كانوا عبيدًا له عَّهِ، وكان المعاملة استخدامًا، وهو أسخف من الأول، لأنه ◌َ ◌ّه لم يستأسرهم ولم يسترقهم، بل كانوا أحرارًا على ما كانوا عليه، ولذا قال مرّ له: ((أخرجناكم متى شئنا)) وأجلاهم عمر، ولو كانوا عبيدًا فلا معنى للإجلاء، ولا لقوله: ((أخرجناكم متى شئنا)» فالجواب الصحيح هو ما قلنا. فإن قلت: إن الصحابة والتابعين قد روى عنهم جوازها، قلنا: كان ذلك اجتهادًا منهم، والمسألة مجتهد فيها، واجتهاد أحد الفريقين ليس بحجة على الآخر فلا حجة لكم فيه، فقد ظهر لك من هذا التفصيل أن مذهب أبى حنيفة فى الباب، هو أقوى المذاهب عقلا ونقلا، وإنما أفتى الحنفية بمذهب صاحبيه، لأنه أرفق بالناس، لا لأنه أقوى من حيث الدليل، وقد أطال الطحاوى رحمه الله فى "معانى الآثار" على المسألة، ولم يأت بما يشفى الغليل، وكذا من بعده، ويظهر منه أن مذهب الإمام قد يكون أقوى المذاهب، ولكن المقلدين لا يستطيعون إقامة الدليل عليه على وجهه، ويأتون بأشياء لا يقبلها الطبع، فلا ينبغى أن يعتقد بضعف مذهب إمام بضعف أدلة المقلدين، فاحفظه فإنه نافع جداً. وما روى عن أبى هريرة أنه قال: قالت الأنصار للنبى معَّه: اقسم بيننا، وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: فتكفونا المؤنة، ونشرككم فى الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا، رواه البخارى، فلا حجة فيه لجواز المساقاة والمزارعة، لأنه لم يكن من باب المعاملة التى يستحق فيها بعضهم على بعض شيئًا ويجبر عليه، بل هو من باب المواساة والتعاون. ومعنى قول الأنصار: تكفونا المؤنة ونشرككم فى الثمرة، واسونا بالخدمة نواسكم بالثمرة، (١) فيه حمل فعل النبى ◌ّ على خلاف المشروع لما فيه من فساد المزارعة فى بقية السنين ما لم يزرع العامل فيها، ولا يصح نسبة مثل ذلك إليه مګے من غير دليل واضح. ٤٢ النهى عن المزارعة إعلاء السنن فيكون كل واحد من الخدمة، وإعطاء الثمرة تبرعًا، لا معاوضة، فلا يكون مما نحن فيه، ولم يتنبه المهلب لهذه الدقيقة، فجعلها من باب المساقاة، وتبعه ابن حجر والعینی فی شرحیهما للبخاری، وقد عرفت أنه ليس كذلك، بل هو من باب المواساة، ولو سلم فلا حجة لهم فيه أيضًا، لأن هذا كان فى ابتداء الإسلام حين لم يحرم الربا، ونسخ بحرمته، والله تعالى أعلم. ثم اعلم أن البخارى احتج بمعاملة أهل خيبر على عدم انفساخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين، لأن أبا بكر وعمر لم يجددوا الإجارة بعد النبى معَّ ◌ُلّه، وهذا ليس بشىء، لأن هذا لم يكن عقد إجارة، لأن عقد الإجارة عقد لازم من الجانبين، وهذا لم يكن لازمًا من جانب لقوله ◌َله: ((أخرجناكم متى شئنا))، واختيار اليهود أن يخرجوا متى شاؤوا، فدل ذلك على أنه كان(١) تبرّعًا من الجانبين، فاليهود كانوا متبرعين بالخدمة، والمسلمون كانوا متبرعين بإعطائهم شطر الخارج بناء على الوعد الذى واعدوهم. وبهذا يخرج جواب آخر من استدلالهم لهذه المعاملة على جواز المساقاة، وكراء الأرض بشطر ما يخرج، ولو سلم أنه إجارة، فالجواب أن قياس الورثة على الخلفاء قياس مع الفارق، لأن الورثة مالكون، والخلفاء نائبون، وفرق ما بينهما، ولو سلم عدم الفرق فإبقاءهم اليهود على ما كانوا عليه تجديد منهم للمعاملة، وهكذا الورثة إن أقروا المستأجر على ما هو عليه فلهم ذلك، والله أعلم. قال العبد الضعيف: أجاب صاحب "المبسوط" عن قوله: وخراج المقاسمة كان يمكن أن كان الأرضْ لأهل خيبر إلخ بجوابين: أحدهما: أنه مرّ ◌ُلّه من عليهم بأراضيهم ونخيلهم، وجعل شطر الخارج عليهم بمنزلة خراج المقاسمة، وللإمام رأى فى الأرض المنون بها على أهلها، إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة، وهذا أصح، لأنه لم ينقل عن أحد من الولاة أنه تصرف فى رقابهم، ورقاب أولادهم كالتصرف فى المماليك، وكذلك عمر رضى الله عنه أجلاهم، ولو كانوا عبيدًا للمسلمين لما أجلاهم، ثم بين لهم رسول الله عّ لّه أن ما فعله من المن عليهم بنخيلهم وأراضيهم غير مؤيد بقوله: أقركم ما أقركم الله، وهذا منه شبه الاستثناء، وإشارة إلى أنه ليس لهم حق المقام فى نخيلهم على التأييد، وفيه دليل على أن المن الموقت صحيح سواء كان لمدة معلومة أو مجهولة، وأن الغدر ينتفى بمثل هذا الكلام اهـ (٢٣:٣). (١) فيه ما سيأتى. ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٤٣ والثانى: أنه روى عن سعيد بن المسيب رضى الله عنه أن رسول الله عّ لّه حين افتتح خيبر قال لليهود: أقركم ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم، فكان رسول الله عَّ له بعث ابن رواحة فخرص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا فكانوا يأخذونه (سیأتی تخريجه فى المتن). وفى هذا الحديث بيان أن ما جرى بين رسول الله عَ ليه وبينهم كان على طريق الصلح، وقد يجوز من الإمام المعاملة بين بيت المال، وبين الكفار على طريق الصلح ما لا يجوز مثله فيما بين المسلمين، فضعيف من هذا الوجه استدلالهم بمعاملة رسول الله عَ ليه معهم اهـ (٢٣:٧)، وهذا أولى من قول بعض الأحباب فى جواب البخارى: إن هذا لم يكن عقد إجارة، لأنه لم يكن لازمًا من جانب، فدل ذلك أنه كان تبرعًا من الجانبين، فاليهود كانوا متبرعين بالخدمة، والمسلمون كانوا متبرعين بإعطائهم شطر الخارج على الوعد الذى واعدوهم إلخ، فإن القول بالتبرع يرده سياق الأحاديث، وما فيه من بعث رسول الله عّ لّه الخارص عليهم، وكيف يكون تبرعًا، وقد أقرهم رسول الله عَّه بأرض خير على الشرط الذى شرطه عليهم. والعجب ممن يدعى الفهم والفقه، ويرمى أسلافه بقلة الفهم أن يؤول معاملة خيبر على التبرع من الجانبين، وهو مما يمجه الطبع السليم، ولم يذهب إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار، ولا واحد من المحدثين، فإن كان هذا هو الفهم، فعلى مثل هذا الفهم السلام. والجواب عن إيراد البخارى أن معاملة خيبر لم تكن من باب الإجارة، بل من باب الصلح، ولا يفسخ الصلح بموت الإمام إجماعًا، ولو سلم فإنما ينفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين، إذا عقدها لنفسه، وإن عقدها لغيره لم تنفسخ، مثل الوكيل، والوصى، ومتولى الوقف، كما فى "الهداية" (٢٩٩:٣)، والنبى معَّ كان قد عامل أهل خيبر للمسلمين، لا لنفسه، فافهم. واندحض بكل ما ذكرنا قول ابن حزم فى "المحلى"، فإنه أغرب، وقال: لا يجوز كراء الأرض بشىء أصلا لا بدنانير، ولا بدراهم، ولا بعرض، ولا بطعام مسمى، ولا بشىء أصلا، ولا يحل فى زرع الأرض إلا أحد ثلاثة أوجه: إما أن يزرعها بنفسه، وأما أن يبيح لغيره زرعها، ولا يأخذ منه شيئًا، وإما أن يعطى أرضه لمن يزرعها ببذره، وحيوانه، وأعوانه، وآلته بجزء، ويكون لصاحب الأرض مما يخرج الله منها مسمى، إما نصف، وإما ثلث، أو ربع، أو نحو ذلك، أكثر أو أقل، ومنع أبو حنيفة، وزفر إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يزرع فيها بوجه من الوجوه، وحجة جميعهم فى المنع من ذلك نهى رسول الله عَّ له عن إعطاء الأرض بالنصف، والثلث، والربع، ٤٤ النبهى عن المزارعة إعلاء السنن فنقول: نعم، قد صح عن النبى عّ لّه أنه نهى عن أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ، وقال: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها، فإن أبى فليمسك أرضه، وهذا نهى عن إعطائها بجزء مما يخرج منها، لكن فعله عليه السلام فى خيبر هو الناسخ على ما بينا قبل. فأبو حنيفة خالف الناسخ، وأخذ المنسوخ اهـ (٢١٨:٨). قلنا: قد بينا أن أبا حنيفة حمله على الصلح مع الكفار، وهو يقول بجواز الصلح على مثل ذلك، وإذا كان كذلك فلا يصح جعله ناسخًا لما ثبت من النهى عن المزارعة بالنصف، والربع ونحوه، فلم يأخذ أبو حنيفة بالمنسوخ، ولا أنتم بالناسخ، ولا يصح القول بالنسخ إلا بدليل، وأما قول بعض الأحباب: وإنما أفتى الحنفية بمذهب صاحبيه، لأنه أرفق بالناس، لا لأنه أقوى من حيث الدليل اهـ، فمنشأه قلة المراجعة للآثار، فهذا حديث رافع حديث ثابت، وفيه دليل مرة على النهى عن المزارعة مطلقًا، وأخرى عن المعاملة عليها ببعض ما يخرج منها بالنصف، أو الثلث، أو الربع، وتارة عن المعاملة عليها بقيود معلومة. ومن تتبع الآثار لم يخف عليه أن بعض الرواة عن رافع قد قيد الأنواع التى وقع النهى عنها، وبين علة النهى، وهى ما يخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر فى العوض يوجب فساد العقد، ولم يزل الرواة يزيد بعضهم على بعض، فإذا جمعنا روايات رافع كلها لزم حمل أخبار النهى على ما لو وقعت المزارعة بشروط فاسدة، نحو شرط الجداول والماذيانات، وهى الأنهار، وهى ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصة لرب المال، ونحو شرط القصارة، وهى ما بقى من الحب فى السنبل بعد ما يداس، ويقال: القصرى، ونحو شرط ما يسقى الربيع، وهو النهر الصغير مثل الجدول، والسرى ونحوه، فكانت هذه وأما أشبهها شروطًا يشرطها رب المال لنفسه خاصة سوى الشرط على النصف، والربع، والثلث، فنرى أن نهى النبى عّ لّه عن المزارعة، إنما كان بهذه الشروط، لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومة نحو النصف، والثلث، والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومة كانت المزارعة جائزة، والأخبار التى ورد فيها النهى عن كرائها بالنصف، أو الثلث، أو الربع، إنما هو لما كانوا يلحقون به من الشروط الفاسدة، فقصر بعض الرواة بذكرها، وقد ذكرها بعضهم، والنهى يتعلق بها دون غيرها. والقاصر ليس بحجة على الحافظ الذاكر، وليس زيادة بعض الرواة فى حديث ما قصر به بعضهم، ولا أن رافعا أسنده عن بعض عمومته مرة، وسماهم مرة، وأرسله أخرى، ولا أنه استقصى ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٤٥ فى روايته مرة، واختصرها أخرى من الاضطراب فى شىء، كيف وقد تابعه على روايته جابر بن عبد الله وغيره: فكيف وقد اتفق الشيخان على إخراج حديثه فى الصحيح، وكذلك اتفق أصحاب السنن، والمسانيد على إخراجه وصحبته؟ ولو رجعنا إلى آثار الصحابة كما هو الأصل عند تعارض الأخبار عن النبى معَّ فقد روينا من طريق البخارى قال: عامل عمر بن الخطاب الناس على أن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. ومن طريق عبد الرزاق عن الثورى عن الحارث بن حصيرة حدثنى صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع أن رجلا قال لعلى بن أبى طالب: أخذت أرضًا بالنصف، أكرى أنهارها وأصلحها وأعمرها، قال على: لا بأس بها. ومن طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء أنه سمع طاوسًا يقول: قدم علينا معاذ بن جبل فأعطى الأرض على الثلث، والربع، فنحن نعملها إلى اليوم، قال ابن حزم: مات رسول الله، ومعاذ باليمن على هذا العمل. ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثورى عن منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: كان ابن عمر يعطى أرضه بالثلث، وهذا عنه فى غاية الصحة و (ما فى الصحيح عنه أنه ترك ذلك حين سمع من رافع ما حدثه، فمحمول على التورع، بدليل ما روى ابن حزم) من طريق ابن أبى شيبة نا يحيى ابن أبى زائدة، وأبو الأحوص كلاهما عن كليب بن وائل قلت لابن عمر: رجل له أرض، وماء ليس له بذر، ولا بقر، فأعطانى أرضه بالنصف، فزرعتها ببذرى وبقرى، ثم قاسمته؟ قال: حسن. ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص، وعبيد الله بن أياد بن لقيط كلاهما عن كليب ابن وائل مثله أيضًا، فهذا إسنادان فى غاية الصحة. ومن طريق سفيان، وأبى عوانة، وأبى الأحوص، وغيرهم كلهم عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة بن عبيد الله أنه شاهد جاريه سعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود يعطيان أرضهما على الثلث. ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن عثمان بن عبد الله بن وهب عن موسى ابن طلحة أن خباب بن الأرت، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود كانوا يعطون أرضهم البياض على الثلث والربع، فهؤلاء عمر، وعثمان، وعلى، وسعد، وابن مسعود، وخباب، وحذيفة، ومعاذ بحضرة جميع الصحابة. ٤٦ النهى عن المزارعة إعلاء السنن ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى أخبرنى قيس بن مسلم عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا وهم يعطون أرضهم بالثلث، والربع. ومن طريق عبد الرزاق نا وكيع أخبرنى عمرو بن عثمان بن موهب قال: سمعت أبا جعفر يقول: آل أبى بكر، وآل عمر، وآل على يدفعون أرضهم بالثلث، أو الربع. ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضل بن دكين عن بكير بن عامر عن عبد الرحمن بن الأسود ابن يزيد قال: كنت أزارع بالثلث، والربع، وأحمله إلى علقمة والأسود، فلو رأيا به بأسًا لنهيانى عنه، وروى ابن حزم جواز المزارعة بالنصف، والثلث، والربع، ونحوه عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وابن سيرين، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وعطاء بأسانيد صحيحة من طريق عبد الرزاق، وابن أبى شيبة، والنسائى، وحماد بن سلمة، وغيرهم (٢١٦:٨). وأما قول بعض الأحباب: إن حديث ثابت بن الضحاك أصرح شىء فى الباب، فنعم، ولكنه ليس بأولى من حديث رافع بن خديج يقول: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكرى الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا، . أخرجه البخارى، ومسلم فى الصحيح، فلا يبعد حمل حديث ثابت أن رسول الله مَ لآم نهى عن المزارعة على هذه المزارعة خاصة. وهذا يرد على ابن حزم قوله: بعدم جواز إكراء الأرض بالذهب والفضة، فإن رافعاً قد سمع النهى من رسول الله عَ ◌ّه، ويقول: وأما الورق فلم ينهنا، وهو أعلم بمعنى ما سمع، ووافقه على ذلك ثابت بن الضحاك، فروى عن رسول الله عّ لّه أنه نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس بها، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم. ويؤيده ما روى سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا تكرى الأرض البيضاء إلا بالذهب والورق، وهذا إسناد صحيح جيد، قاله ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٣:٨)، وهو نص فى جواز المؤاجرة بالدراهم والدنانير، ونحوها صريح فى تأييد قول أبى حنيفة، وزفر رحمهما الله، ولولا أنه ثبت عن عمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وخباب، وحذيفة، ومعاذ بن جبل أنهم قالوا بجواز المزارعة بالنصف، والثلث، والربع، لأخذنا بقول ابن عباس. ٤٧ النهى عن المزارعة ج - ١٧ ولكن الجمهور من أرباب الفتوى رجحوا قول الجمهور من الصحابة والتابعين، ولا يبعد حمل قول ابن عباس على الورع خروجًا من الخلاف، ألا ترى إلى ابن عمر كيف ترك المزارعة حين سمع رافعًا يحدث عن رسول الله عَّه فيه؟ وفى "الحاوى القدسى" أن أبا حنيفة إنما كرهها، ولم ينه عنها أشد النهى إلخ، كذا فى "العرف الشذى" (ص٤٤٨)، ومراده أن أبا حنيفة لم يقل ببطلان المزارعة بل كرهها، ويؤيد ذلك ذكر أصحاب المتون، والشروح خلاف أبى حنيفة مع صاحبيه فى بعض الفروع من باب المزارعة، ولو كانت باطلة عنده من أصلها لم يكن لذكر خلافه فى الفروع معنى البتة، فافهم. وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: وكان أبو حنيفة رحمه الله ممن يكره ذلك كله فى الأرض البيضاء، وفى النخل والشجر بالثلث، والربع، وأقل وأكثر، وكان ابن أبى ليلى ممن لا يرى بذلك بأسا، واحتج أبو حنيفة، ومن كره ذلك بحديث أبى حصين (هو عثمان بن عاصم بن حصین الأسدی الکوفی، روی عن جابر بن سمرة وابن الزبير، وابن عباس، وأنس، وزيد بن أرقم، وأبى سعيد، وأبى عبد الرحمن السلمى، وأبى وائل، والشعبى ومجاهد وأبى صالح، وأبى الضحى، وعنه أبو حنيفة، والثورى، وسعبة، ومسعر، وأبو الأحوص، وشريك، وغيرهم روى له الستة). عن ابن رافع -ابن خديج- (هو عباية بن رفاعة بن رافع المخرج له فى الكتب نسب إلى جده تع (ص٥٣٣)، روى عن أبيه عن جده، وروى عن جده أيضًا، وعن الحسين، وابن عمر، وعنه سعید بن مسروق، وعاصم بن کلیب، ومحارب بن دثار، وغيرهم، روى له الستة وثقه ابن معين، ت)، عن أبيه (المراد بأبيه فى هذه الرواية جده (١)، قاله الحافظ فى التعجيل)، عن رسول الله عَ ليه أنه مر على حائط فسأل: ((لمن هو؟))، فقال رافع بن خديج: لى، استأجرته، فقال: ((لا تستأجره بشىء منه)). (وفى قول أبى يوسف هذا دليل على احتجاج أبى حنيفة، ومن وافقه فى هذا الباب بحديث رافع بن خديج، وفيه رد على بعض الأحباب حيث أعل حديث (رافع بالاضطراب). قال أبو يوسف: فكان أبو حنيفة رضى الله عنه ومن كره المساقاة (والمزارعة) يحتج بهذا الحديث، ويقول: هذه إجارة فاسدة مجهولة، وكانوا يحتجون أيضًا فى المزارعة بالثلث والربع (١) وقال البيهقى فى "السنن" فى باب المزارعة: وقد روى عن رفاعة بن رافع بن خديج عن النبى عَ ◌ٍّ فى معناه، وهو منقطع (١٣٧:٦)، فالمراد بأبيه عنده رفاعة لا رافع، ولكن الظاهر من السياق ما ذكره الحافظ، والله أعلم. : ٤٨ النهى عن المزارعة إعلاء السمن بحديث جابر عن رسول الله عَّ أنه كره المزارعة بالثلث، والربع، وأما أصحابنا من أهل الحجاز، فأجازوا ذلك، ويحتجون فى ذلك بما عامل عليه رسول الله عَّ أهل خيبر فى التمر، والزرع، ولا أعلم أحداً من الفقهاء اختلف فى ذلك خلا هؤلاء الرهط من أهل الكوفة الذين وصفت لك. قال أبو يوسف: فكان أحسن ما سمعنا فى ذلك -والله أعلم- أن ذلك جائز مستقيم، اتبعنا الأحاديث التى جاءت عن رسول الله عَّ فى مساقاة خيبر (ومزارعتها)، لأنها أوثق عندنا، وأكثر، وأعم مما جاء فى خلافها من الأحاديث، قال: وحدثنا نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر عن النبى معَِّ أنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من زرع، وتمر، وكان يعطى أزواجه لكل واحدة كل عام مائة وسق، الحديث، وهذا فى غاية الصحة قال: وحدثنا الحجاج عن أبى جعفر عن النبى معَّ أنه أعطى خيبر بالنصف، قال: فكان أبو بكر، وعمر، وعثمان رضى الله عنهم يعطون أرضهم بالثلث، قال أبو يوسف: فهذا أحسن ما سمعنا فى ذلك، والله أعلم، وهو المأخوذ به عندنا اهـ (ص١٠٧). وفيه دليل على أن أسلافنا من الحنفية، إنما رجحوا قول أبى يوسف، ومحمد فى الباب لقوة ما عندهما من الدليل، فإن الظاهر من سياق الأحاديث أنه مرَ ◌ّ دفع خيبر، وأرضها إلى اليهود معاملة، وتأويله(١) بخراج المقاسمة ونحوه لا يخلو من تمحل مستغنى عنه، وهو آخر ما ثبت عنه عَّهِ، واستمر عليه إلى أن قبضه الله، وعمل به الخلفاء الراشدون، وجمهور الصحابة، والتابعين، ولا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع، لأن النبى عرّ ه لم يزل يعامل أهل خیبر حتی مات، ثم عمل به الخلفاء بعده، ثم من بعدهم فکیف یتصور نبهى النبى عێ عن شىء ثم يخالفه؟ أم كيف يعمل بذلك فى عصر الخلفاء، ولم يخبرهم من سمع نهى النبى عَبٍّ عن ذلك، وهو حاضر معهم، عالم بفعلهم، فلم يخبرهم حتى أخبر بذلك فى إمارة معاوية. روى البخارى فى "الصحيح" من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يكرى مزارعه على عهد رسول الله عرّ ◌ُله، وأبى بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من إمارة معاوية رضى الله عنهم، فأتاه رجل، فقال: إن رافعًا يزعم أن النبى معَِّ نهى عن كراء الأرض قال نافع: فانطلق ابن عمر إلى رافع، وانطلقت معه الحديث، وقال طاوس: إن أعلمهم يعنى ابن عباس (١) وقول بعض الأحباب: إنه محمول على التبرع من الجانبين، ليس من التأويل فى شىء، بل هو كتحريف الكلام عن مواضعه لا يتحمله نص الحديث، ولا يساعده النظر. ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٤٩ أخبرنى أن النبى معَّ لم ينه عنه، ولكن قال: ((لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليه خراجًا معلوما))، رواه البخارى ومسلم. وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه، ورجوع ابن عمر يحتمل أنه رجع إليه تورعًا لا أنه قبله وسلمه، يدل على ذلك ما رواه البيهقى فى "السنن" من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكرى أرضه، فأخبر بحديث رافع، فأتاه فسأله عنه، فأخبره، فقال ابن عمر: قد علمت أن أهل الأرض قد كانوا يعطون أرضهم على عهد النبى عرّ له ويشترط صاحب الأرض (أن) لى الماذيانات، وما يسقى الربيع، ويشترط من الجرين نصيبًا معلومًا، قال: وكان ابن عمر يظن أن النهى لما كانوا يشترطون (١٣٥:٦)، وهذا سند صحيح، وقد روينا فى حديث رافع فى بعض طرقه عنه ما يدل على صحة ما ظنه ابن عمر، فإنه روى فى حديثه أشياء من أنواع الفساد، وأما غير ابن عمر فقد أنكر على رافع، ولم يقبل حديثه، وحمله على أنه غلط فى روايته، ومن هنا نشأ الاختلاف بين التابعين، فذهب جمهورهم إلى ما ذهب إليه جمهور الصحابة، وذهب بعضهم إلى حديث رافع تورعًا، لا تحريمًا، كما ذهب إليه ابن عمر. وفرق الموفق فى "المغنى" بين المزارعة والمساقاة بالثلث، والربع، وبين إجارة، والنخيل الأرض بجزء مشاع مما يخرج منها كنصف، وثلث، وربع، فجوز الأولى، ومنع الثانية، وقال: إن حديث رافع ورد فى الكراء بثلث، أو ربع، والنزاع فى المزارعة، ولم يدل حديثه عليها أصلا، وحديثه الذى فيه المزارعة يحمل على الكراء أيضًا، لأن القصة واحدة رويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر (٥٨٥:٥). قال: وتجوز إجارة الأرض بالورق، والذهب، وسائر العروض فى قول أكثر أهل العلم، قال أحمد: قلما اختلفوا فى الذهب والورق، وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض وقتا معلومًا جائز بالذهب، والفضة، روينا هذا القول عن أبى سعيد، ورافع بن خديج، وابن عمر (١)، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وسالم، وعبد الله بن الحارث، ومالك، والليث، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى. (١) وأما ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن كليب بن وائل قال: سألت ابن عمر، فقلت: أرض تقبلتها ليس فيها ماء جار، ولا نبات عشر سنين بأربعة آلاف درهم كل سنة، كريت أنهارها وعمرت قراها، وأنفقت فيها نفقة كثيرة، وزرعتها، لم ترد على رأس مالى، وزرعتها من العام المقبل فأضعف، قال ابن عمر: لا يصلح لك إلا رأس ٥٠ النهى عن المزارعة إعلاء السنن وروى عن طاوس، والحسن كراهة ذلك لما روى رافع أن النبى عّ لّ نهى عن كراء الأرض متفق عليه، ولنا: أن رافعا قال: أما بالذهب والورق فلم ينهنا - يعنى النبى عرّ لـ ـ متفق عليه، ولمسلم: أما بشىء معلوم مضمون فلا بأس، وهذا مفسر حديثهم، فإن راویهما واحد. وأما إجارتها بطعام، فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يؤجرها بمطعوم غير الخارج منها معلوم فيجوز، نص عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم سعيد بن جبير، وعكرمة، والنخعى، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، ومنع منه مالك حتى منع إجارتها باللبن، والعسل، لما روى رافع بن خديج عن بعض عمومته قال: قال رسول الله عرّ له: ((من كانت له أرض فلا يكريها بطعام مسمى))، ورواه أبو داود، وابن ماجة، وروى أبو سعيد قال: نهى رسول الله عَ ليه عن المحاقلة، والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة. ولنا قول رافع، فأما بشىء معلوم مضمون فلا بأس به، ولأنه عوض معلوم مضمون، لا يتخذ وسيلة إلى الربا، فجازت إجارتها به، كالأثمان (وحديث أبى سعيد فى تفسير المحاقلة يخالف حديث ابن عمر، وجابر، وأبى هريرة قالوا: المحاقلة اشتراء السنبلة بالحنطة كما مر فى البيوع). القسم الثانى: إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها كإجارتها بقفزان حنطة لزرعها، فقال أبو الخطاب: فيها روايتان (عن أحمد): إحداهما: المنع، وهى التى ذكرها القاضى مذهبًا، وهی قول مالك. والثانية: جوازها، اختارها أبو الخطاب، وهو قول أبى حنيفة، والشافعى لما ذكرنا. القسم الثالث: إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها كنصف، وثلث، وربع، فالمنصوص عن أحمد جوازه، وهو قول أكثر الأصحاب واختار أبو الخطاب أنها لا تصح، وهو قول(١) أبى حنيفة، مالك اهـ (٨: ٢١٠)، فليس معناه أنه لم يجز إكراء الأرض بالدراهم كما زعمه ابن حزم، وإنما معناه فساد قبالة الأرض على هذا الوجه، لأنه تقبلها على أن يكرى أنهارها، ويصلحا للزراعة، لأنها لم تكن تصلح لها حين أخذها، ومن استأجر الأرض على أن يثنيها، ويكرى أنهارها، أو يسرقنها فهو فاسد، لأنه يبقى أثره بعد انقضاء المدة، وليس من مقتضيات العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، وما هذا حاله فهو فاسد، وكذا من استأجر أرضًا ولم يذكر أى شىء يزرعها، فالإجارة فاسدة كما فى "الهداية"، وإذا فسدت الإجارة لم يطب للمستأجر ربحها، فافهم. (١) قلت: وبهذا ظهر أن أبا حنيفة رضى الله عنه لا يقول بجواز مؤاجرة الأرض مطلقًا، وإنما يقول بجواز مؤاجرتها بالدراهم، والدنانير، والعروض، وبطعام مسمى من غير ما يخرج منها، وقد ذكر أبو يوسف فى "الخراج" أن المزارعة عندنا على وجوه، = ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٥١ والشافعى، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لما تقدم من الأحاديث فى النهى من غير معارض لها، ولأنها إجارة بعوض مجهول فلم تصح، ولأنها إجارة لعين ببعض نمائها فلم تجز كسائر الأعيان، ولأنه لا نص فى جوازها، ولا يمكن قياسها على المنصوص، فإن النصوص إنما وردت بالنهى عن إجارتها بذلك، ولا نعلم فى تجويزها نصًا، والمنصوص على جواز إجارتها بذهب، أو فضة، أو شىء مضمون معلوم، وليست هذه كذلك، فأما نص أحمد فى الجواز فيتعين حمله على المزارعة، والله أعلم اهـ ملخصًا (٥٩٨:٥). وعلى هذا فلا بد من الفرق بين المزارعة، وإجارة الأرض، فالمزارعة دفع الأرض إلى من يزرعها، أو يعمل عليها، والزرع بينهما، فلا تكون إلا بالشركة فى الخارج، والإجارة تمليك المنافع بعوض، ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة، والأجرة معلومة كما فى "الهداية"، ولا تصح المزارعة إلا بأن يكون الخارج شائعا بينهما تحقيقًا لمعنى الشركة، فإن شرطا لأحدهما قزانا مسماة فهى باطلة، لأن به تنقطع الشركة كما فيه أيضًا (٣٩١:٨). فائدة: محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد أنه سأل طاوسا، وسالم بن عبد الله عن المزارعة بالثلث، أو الربع فقالا: لا بأس به، فذكرت ذلك لإبراهيم فكرهه، وقال: إن طاوسا له أرض یزارعه، من أجل ذلك قال ذلك، قال محمد: و كان أبو حنيفة يأخذ بقول إبراهيم، ونحن نأخذ بقول سالم، وطاوس لا نرى بذلك بأسا (كتاب الآثار: ص ١١٢)، ولا دلالة فيه على بطلان المزارعة بالثلث، أو الربع عند الإمام، وإنما غايته أنه كرهه تورعًا كما تركه ابن عمر تورعًا، وتبعه إبراهيم، والله تعالى أعلم. فائدة : محمد قال: أخبرنا عبد الرحمن الأوزاعى عن واصل بن أبى جميل عن مجاهد فذ کر وجوهًا خمسة لم یذ کر خلاف أبى حنيفة إلا فى الوجهين منها (ص١٠٨)، وإذا کان کذلك لم يبق حديث ثابت بن الضحاك الذى فتح به بعض الأحباب هذا الباب صريحًا فى ما ذهب إليه أبو حنيفة، لأنه يقتضى النهى عن مزارعة الأرض مطلقًا، وجواز مؤاجرتها مطلقًا، وهو ليس بقائل بالإطلاق فى الوجهين، فهذا حال من يفتخر بفهمه، ويقول: إن مذهب الإمام قد يكون أقوى المذاهب، ولكن المقلدين لا يستطيعون إقامة الدليل عليه على وجهه إلخ، فليعلم القائل: إنهم لم يتركوا لك شيئا، ولكنك لا تميز بين الذهب والصفر. ولا يخفى أن هذا التعليل يدل على أن إبراهيم كرهها تورعًا لا تحريمًا، لأن طاوسا لم يكن يظن به إبراهيم أنه قد يبيح الحرام لكونه مبتلی به حاشاه من ذلك ثم حاشاه منه. ٥٢ النهى عن المزارعة إعلاء السنن قال: اشترك أربعة نفر على عهد رسول الله عّ لّه فقال واحد: من عندى البذر، وقال الآخر: من عندى العمل، وقال الآخر: من عندى الفدان، وقال الآخر: من عندى الأرض، قال: فألغى رسول الله عَّه صاحب الأرض، وجعل لصاحب الفدان أجرًا مسمى، وجعل لصاحب العمل درهمًا لكل يوم، والحق الزرع كله بصاحب البذر (ص١١٣)، وهذا مرسل صحيح، وبهذا يأخذ من يجوز المزارعة، فيقول المزارعة بهذه الصفة فاسدة لما فيها من اشتراط الفدان، وهى البقر، وآلات الحرث علی أحدهم مقصوداً به، ولما فيها من دفع البذر مزارعة على الانفراد، و کل واحد من هذین مفسد للقعد، ثم فى المزارعة الفاسدة الخارج كله لصاحب البذر، لأنه نماء بذره، ألا ترى أن النبى سعر اليوم ألحقه بصاحب البذر، وألغى الأرض أى لم يجعل لصاحب الأرض الخارج شيئا إلا أنه يستوجب على صاحب البذر أجر مثل أرضه كصاحب الفدان، (بل هو أولى منه، لأن النبات يحصل بقوة الأرض لا بقوة البقر، والآلات، فلا يصح حمل الإلغاء على الإلغاء بالمرة)، وبهذا تبين أن المراد بالإلغاء أنه لم يجعل لصاحب الأرض شيئا من الخارج، كذا فى "المبسوط" (١٦:٢٣). تأويل قوله م ◌ُله: ((من زرع فى أرض قوم بغير إذنهم)): وقال الطحاوى فى "معانى الآثار" فى تأويل قوله عّ لّ: ((من زرع فى أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته، وليس له من الزرع شىء اهـ)، إن وجه ذلك عندنا، والله أعلم أن الزارع لا شىء له فی الزرع يأخذه لنفسه كما يملك الزرع الذى يزرعه فى أرض نفسه، ولكنه يأخذ نفقته، وبذره من الزرع، ويتصدق بما بقى، ويضمن للمالك ما نقص من أرضه إن كان زرعه ذلك قد نقصها، قال: وقد دل على ذلك ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو عاصم عن الأوزاعى عن واصل بن أبى جميل عن مجاهد، فذكر الحديث، وقال: أفلا ترى أن رسول الله عّ لّ لما أفسد هذه المزارعة لم يجعل الزرع لصاحب الأرض، بل قد جعله لصاحب البذر اهـ (٢: ٢٦٤). وهذا خلاف ما ذكره فى "مشكل الآثار" من جعل الزرع لصاحب الأرض فى المزارعة الفاسدة، وفى زرع الرجل فى أرض الغير بغير إذنه، قال: ولا نعلم أحدًا من أهل العلم تعلق بهذا الحديث (حديث عطاء عن رافع بن خديج مرفوعًا: ((من زرع فى أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شىء)) إلخ، وقال به غير شريك بن عبد الله النخعى، فأما من سواه من أهل العلم فهو على خلافه، وهو عندنا قول حسن لا ينبغى خلافه لما قد شده من حديث رسول الله عَ ليه هذا اهـ ملخصا (٢: ٢٨٠-٢٨١)، ولعل ذلك كان رأيه قبل الاطلاع علی حدیث مجاهد هذا، ثم رجع ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٥٣ عما كان رآه أولا، ووافق قول الجمهور لما رأى حديث مجاهد قد شيده، لأن المزارعة لما فسدت عاد إذن صاحب الأرض للمزارع كلا إذن، وعاد حكمه على حكم من زرعها بغير أمر ربها، وقد جعل النبى معَِّ الزرع فيها لصاحب البذر دون صاحب الزرع، فهذا هو حكم من زرع فى أرض قوم بغير إذنهم، ومعنى قوله: ((ليس له من الزرع شىء وله نفقته))، هو ما ذكره فى "معانى الآثار"، وقد تقدم الكلام فى معنى هذا الحديث فى باب الغصب أيضًا، فليراجع. فائدة: قال أبو يوسف فى "الخراج" له: وهو - أى المزارعة عندى بمنزلة مال المضاربة، قد يدفع الرجل إلى الرجل المال مضاربة بالنصف، والثلث، فيجوز، وهذا مجهول لا يعلم مبلغ ربحه، ليس فيه اختلاف بين العلماء فيما علمت، وكذلك الأرض عندى هى بمنزلة مال المضاربة الأرض البيضاء منها، والشجر، والنخل سواء اهـ (ص ١٠٥). ورده الطحاوى فى "معانى الآثار" بأن المضاربة، إنما يثبت فيها الربع بعد سلامة رأس المال، ووصوله إلى يدى رب المال، وليس فى المزارعة والمساقاة كذلك، ألا ترى أنه لو أثمرت النخل فجذ عنها الثمر، ثم أحرقت النخل، وسلم الثمر كان بين رب النخل، والمساقى على ما اشترطا فيها، والمزارعة والمساقاة إذا عقدتا لا إلى وقت معلوم كانتا فاسدتين، والمضاربة تجوز لا إلى وقت معلوم، وللمضارب أن يمتنع من العمل متى أحب، ولا يجبر على ذلك، وكذلك لرب المال أيضًا أن يأخذ المال من يده متى شاء رضى المضارب أو أبى، وليست المساقاة والمزارعة كذلك أهـ (٢٦٢:٢). والجواب أن أبا يوسف لم يجعل المزارعة، والمساقاة مضاربة، وإنما أراد الجواب عن تعليل من كرهها بأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة، أو زرع مجهولين، فقال: إن قولهم: إنها إجارة فاسدة ليس بصحيح، وإنما هو عقد على العمل فى المال ببعض نمائه، فهو نظير المضاربة، وينكسر كل ما ذكروه بالمضاربة، فإن المضارب يعمل فى المال بنمائه، وهو معدوم مجهول، وقد جاز بالإجماع، وهذا نظيره فليجز كما جاز ثم قد جوز الشارع العقد فى الإجارة على المنافع المعدومة للحاجة، فلم لا يجوز على الثمرة المعدومة للحاجة. وبالجملة: فالمراد أن المزارعة نظير المضاربة، والإجارة، لا أنها عينهما، حتى يرد عليه ما أورده الطحاوى مع أن القياس إنما يكون فى إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه، أو المجمع عليه، فأما فى إبطال نص، وخرق إجماع بقياس نص آخر، فلا سبيل إليه، فلو سلمنا أن المزارعة، والمساقاة كالإجارة بثمرة لم تخلق، أو زرع لم ينبت، فإنما يضر ذلك من يقول بجوازها بالقياس، وأما من ٥٤ النهى عن المزارعة إعلاء السنن يقول به بالنص، والإجماع، فلا يضره ذلك أصلا لما بينا أن معاملة رسول الله عّ لّه أهل خيبر بالشطر مشهور متواتر لم يختلف فيه اثنان من المسلمين، وكذا عمل الخلفاء به بعده معدّ ية، فهو أصل رأسه، كما أن المضاربة، والإجارة أصلان، برأسيهما، فافهم، ثم رجح الطحاوى قول أبى يوسف، ومحمد، والجمهور فى مشكل الآثار لموافقة الأثر، وإن كان قول أبى حنيفة أوفق للنظر. فائدة: قال أبو يوسف فى الخراج: والمزارعة عندنا على وجوه: منها عارية ليست فيها إجارة، وهو الرجل يعير أخاه أرضًا يزرعها، ولا يشترط عليه إجارة، فيزرعها المستعير ببذره، ونفقته، فالزرع له، والخراج على رب الأرض، فإن كانت من أرض العشر، فالعشر على الزارع، وبه يقول أبو حنيفة رضى الله عنه عنه. ووجه آخر: تكون الأرض للرجل فيدعو الرجل إلى أن يزرعها جميعًا، والنفقة والبذر عليهما نصفان، فهذا مثل الأول، الزرع بينهما، والعشر فى الزرع إن كانت أرض عشر، وإن كانت أرض خراج، فالخراج على رب الأرض. ووجه آخر: إجارة أرض بيضاء بدراهم مسماة سنة، أو سنتين، فهذا جائز، والخراج على رب الأرض فى قول أبى حنيفة رضى الله عنه، وإن كانت أرض عشر، فالعشر على رب الأرض، وكذلك قال أبو يوسف فى الإجارة فى "الخراج"، وأما العشر فعلى صاحب الطعام. ووجه آخر: المزارعة بالثلث، والربع، فقال أبو حنيفة: إنه فاسد، وعلى المستأجر أجر مثلها، والخراج، والعشر على رب الأرض، وقلت: المزارعة جائزة على شروطها، والخراج على رب الأرض، والعشر عليهما جميعاً فى الزرع، فهذا الوجه الرابع. ووجه آخر: أن يكون للرجل أرض، وبقر، وبذر، فیدعو أُکارًا فيدخله فيها، فيعمل ذلك، ویکون له السدس، أو السبع، فهذا فاسد فی قول أبى حنيفة، ومن وافقه، والزرع فی قولهم لرب الأرض، وللأكار أجر مثله، والخراج على رب الأرض، والعشر فى الطعام، وقال أبو يوسف: هو عندى جائز على ما اشترطا عليه على ما جاءت الآثار اهـ (ص١٠٨)، فالخلاف فى الوجهين الآخرين دون الثلاثة الأول. وفى "رد المحتار" (٢٦٧:٥): ولا تصح عند الإمام إلا إذا كان البذر، والآلات لصاحب الأرض، والعامل (هذا هو الوجه الثانى الذى ذكره أبو يوسف ثانياً)، وقضى ج - ١٧ النهى عن المزارعة ٥٥ أبو حنيفة بفسادها بلا حد(١) (أى بلا منع)، ولم ينه عنها أشد النهى كما فى الحقائق، ويدل عليه أنه فرع عليهما مسائل كثيرة اهـ. وفيه أيضاً عن "الشرنبلالية عن الخلاصة": أن الإمام فرع هذه المسائل فى المزارعة على قول من جوزها لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله اهـ (٢٦٨:٥)، وهذا ليس بشىء، لأن مثل ذلك يجرى فى كل باب مختلف فيه، وإن كان قد علم أن الناس يأخذون بقوله فى كل باب سوى هذا الباب، فهو دليل علمه بأنه قوله فى هذا الباب مبنى على الاحتياط والورع دون التحريم، لأن العامة ربما يتساهلون فى الورع، ولا يتساهلون فى الحرمات، فافهم، فإن الحق لا يتجاوز، إن شاء الله عما ذكرناه سابقًا، واغتنم هذا التحرير، فلعلك لا تجده فى غير هذا الكتاب، والعلم لله الملك الوهاب. فائدة: الشافعى رحمه الله تعالى يجيز المزارعة مع المساقاة إذا اجتمعتا فى أرض واحدة ذات نخل، ويجيز المساقاة فى النخل بلا أرض، ولا يجيز المعاملة فى الأرض بجزء مما يخرج منها، والحجة عليه أن ابن عمر أحد من روى عن رسول الله عَّ معاملة اليهود فى نخل خيبر، وأرضها، وقد روى عنه جواز المعاملة فى الأرض وحدها بدون النخل، وعمل بذلك جماعة من الصحابة رضى الله عنهم، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود، وسعد بن مالك، وكذلك معاذ لما قدم اليمن، رآهم على ذلك فأقرهم، ولا دليل على أن الأرض التى عامل النبى معَ له اليهود فيها كانت بين النخل، لا يوصل إلى الانتفاع بها إلا مع العمل فى النخل، لأن خيبر لم تكن حائطًا واحدًا، ولا محشرًا واحدًا، ولا قرية صغيرة، ولا حصنًا واحدًا، بل كانت حصونا كثيرة باقية إلى خلافة العباسية لم تتبدل، منها "الوطيح، والسلالم، وناعم، والقموص، والكتيبة، والشق والنطارة" وغيرها، وما الظن ببلد أخذ القسمة فيها مائتا فارس، وأضعاف أضعافهم من الرجالة، فتمولوا منها، وصاروا أصحاب ضياع، وقد كان فيها بياض لا سواد فيه وسواد لا بياض فيه وبياض وسواد معاً، فما جاء قط فى شىء من الآثار تخصيص ما خصه، ومن أين له أن يقول: إن رسول الله عّ لّه إنما أعطى أرض خيبر بنصف ما يخرج منها، لأنها كانت تبعًا للسواد فهل هذا إلا قطعًا بالظن، وتحكمًا من غير دليل، والحق أن رسول الله عَّ هو القدوة فيما كان منه فى خيبر ومن أجازهما إذا اجتمعنا يلزمه إجازة كل منهما على الانفراد، كذا فى "مشكل الآثار" للطحاوى، ومختصره (٢٦٨:١). (١) عبارة القهستانى بلا جد بالجيم، كما فى "التحرير المختار". ٥٦ ج - ١٧ كتاب المساقاة باب المساقاة ٥٤٦٥- عن ابن عباس قال: افتتح رسول الله عَّ ◌ُلّه خيبر واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء، وقال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم، فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحرز عليهم النخل، وهو الذى يسميها أهل المدينة الخرص، فقال: فماذه كذا وكذا، قالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة! قال: فأنا إلى حرز باب المساقاة أقول: احتج بالحديث المذكور أبو يوسف، ومحمد، والجمهور على جواز المساقاة، والجواب عن أبي حنيفة أنه لا حجة فى الحديث على جوازها، لأن الظاهر أن هذه المعاملة كانت على وجه الصلح مع الكفار، لا على وجه العقد اللازم، لأن النبى معَّه كان شرط معهم أن يخرجهم متى شاء، فلم يكن هذه المعاملة عقدًا لازمًا من جهة النبى معَِّ، فلم تكن هذه المعاملة من المساقاة المبحوث عنها. قال بعض الأحباب: ثم ههنا إشكال ما رأيت من تعرض لدفعه، وهو أنه كيف جاز التقسيم بالمجازفة مع كون المال مالا ربويًا؟ قلت: والجواب عنه أن التقسيم مبنى على الشركة، ولا شركة عند أبى حنيفة، لكونه من خراج المقاسمة عنده بطريق الصلح، فلا حاجة إلى التعرض لدفعه، وإنما كان الخرص على سبيل النظر للمسلمين حتى يتحرز اليهود من كتمان شىء، فقد كانوا فى عداوة المسلمين بمكان، نعم هذا الإشكال وارد على القائلين بكونه عقد مساقاة، لأنهم يسلمون الشركة فى الثمرة، فيرد عليهم أن التقسيم بالمجازفة مفضٍ إلى الربا، لكونه مزابنة منهيا عنها فى الشرع، فمنهم من فرق بين الخرص والمجازفة، وجعل الخرص بمنزلة الكيل، لأن الخارص إذا كان عرفًا بالخرص لم يظهر الزيادة والنقصان فيه إلا كما يظهر فى الكيل، ومنهم من حمله على أن الخرص لم يكن لأخذ النصف من عين الثمرة، وإنما كان لأخذ الثمن، فلم يكن من المزابنة فى شىء، ثم رأيت فى كتاب الخراج لأبى يوسف أنه قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: جلسنا إلى أبى جعفر، فسأله رجل عن القوم عن قبالة الأرض، والنخل، والشجر، فقال: كان رسول الله عّ لّه يقبل خيبر من أهلها بالنصف، يقومون على النخل يحفظونه، ويسقونه، ويلقحونه، فإذا بلغ أدنى صرامه بعث ٥٧ باب المساقاة إعلاء السنن النخل وأعطيكم نصف الذى قلت، قالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماء والأرض، قد رضينا أن نأخذه بالذی قلت، رواه أبو داود، وسكت عليه. عبد الله بن رواحة فخرص عليهم ما فى النخل، فيتولونه ويردون على النبى عَ ◌ّم الثمن بحصة النصف من الثمرة، الحديث (ص١٠٦)، وهذا يدل على أن الخرص لم يكن لأخذ النصف من عين الثمرة، وإنما كان لأخذ الثمن، فلا اعتراض على الخرص، والله أعلم. قال العبد الضعيف: والظن بأبى حنيفة رحمه الله أنه لم يبطل المساقاة رأسًا، وإنما كرهها تورعًا، ولم ينه عنها أشد النهى، وإنما كرهها لكونها كالمزارعة، وقد ورد النهى عنها، ولكونها مخالفة للأصول المجمع عليها فى الإجارة، ورأى أن حديث معاملة النبى عدّ له أهل خيير على الشطر، ليس بنص فى عقد المساقاة، بل يحتمل الوجوه التى قد مر ذكرها، والله تعالى أعلم. ويؤيد الجمهور ما مر فى (باب قسمة الغنائم) من كتاب السير عن أسلم مولى عمر قال: قال عمر: أما والذى نفسى بيده لولا أن أترك آخر الناس بيانًا، ليس لهم شىء ما فتُحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله مرّ ◌ُلّه خيبر، ولكنى أتركها خزانة لهم يقتسمونها، رواه البخارى. وفى لفظ قال: لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا تفتح للناس قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله عَّ ◌ُّه خيبر، وعن سهل بن أبى حثمة قال: قسم عَّ ◌ُلّه خيبر نصفين: نصفا لنوائبه، وحوائجه، نصفًا بين المسلمین، قسمها على ثمانية عشر سهما، رواه أبو داود، وفی کل ذلك دليل على قسمة خيبر بين المسلمين، وبه يستدل الحنفية على أن للإمام أن يقسم الأرض المغنومة بين الغانمين، أو يضرب عليها الخراج كما ضرب عمر على أرض السواد، الشام. وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق ثنى نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر بن الخطاب للناس: أيها الناس! إن رسول الله عَّ له كان عامل يهود خيبر على أننا نخرجهم إذا شئنا، فمن كان له مال، فليلحق به، فإنى مخرج يهود، فأخرجهم، وقال ابن عمر فى سبب إجلاء اليهود: خرجنا إلى خيبر فتفرقنا فى أموالنا، وتصدق عمر بالمال الذى حصل له بها، وأعطى أمهات المؤمنين بعض الأرض، والماء، وبعضهن الأوساق، والآثار بكل ذلك متواترة متظاهرة، قال ابن حزم فى "المحلى": وإن بقايا أبناء المهاجرين لبها إلى اليوم على مواريثهم (٢٣١:٨). وفيه دليل على أنه كان بخيبر حقوق لأرباب الضياع المقسومة عليهم، وإنما عوامل اليهود على كفايتهم العمل، وشرط لهم شطر ما يخرج منها من الزرع والثمر، وهذا هو المساقاة، والمزارعة، وليس ذلك من الخراج فى شىء، فافهم، والله تعالى أعلم. ج - ١٧ ٥٨ کتاب الذبائح باب وجوب التسمية عند الصيد والذبح ٥٤٦٦- عن عدى بن حاتم قال: سألت رسول الله عَّ له عن الصيد، قال: ((إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن وجدته قد قتل فكل))، رواه مسلم (١٤٦:٦). باب وجوب التسمية عند الصيد والذبح أقول: اختلف أهل العلم فى وجوب التسمية، فقال الشافعى، والطبرى: إنها سنة، وليست بواجبة، وقالوا: يحل متروك التسمية عمدًا، وسهوًا، وقال داود، وموافقوه: إنها واجبة على الإطلاق، وقالوا بحرمة متروك التسمية عمدًا، ونسيانًا، وقال أبو حنيفة، والجمهور: إنها واجبة فى العمد دون النسيان، وقالوا: يحل متروك التسمية سهواً، وبحرمة متروكها عمدًا. قال النووى فى شرحه لمسلم (٢: ١٤٥): احتج من أوجبها بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، وبهذه الأحاديث. واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، فأباح بالتذكية من غير اشتراط التسمية، ولا وجوبها، فإن قيل: التذكية لا تكون إلا بالتسمية؟ قلنا: التذكية فى اللغة: الشق والفتح، وبقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، وهم لا يسمون، وبحديث عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله! إن قومًا حديث عهد بالجاهلية، يأتونا بلحمان لا ندرى أذكروا اسم الله أم لم يذكروا، أفتأكل منها؟ فقال رسول الله مَ له: ((سموا وكلوا))، رواه البخارى، فهذه التسمية هى المأمور بها عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب. وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، أن المراد ما ذبح على الأصنام كما قال تعالى فى الآية الأخرى: ﴿وما ذبح على النصب﴾، و﴿ما أهل به لغير الله﴾، ولأن الله تعالى قال: ﴿وإنه لفسق﴾. وقد أجمع المسلمون على من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، فوجب حملها على ما ذكرناه ليجمع بينها، وبين الآيات السابقات، وحديث عائشة وحملها بعض أصحابنا على كراهة التنزيه، وأجابوا عن الأحاديث فى التسمية أنها للاستحباب -انتهى -. والجواب عنه أنه لو أريد من التذكية فى قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، معناه اللغوى -أعنى الشق والفتح- لزم أن يكون ما أكله السبع، ومات ثم شقه المسلم حلالا، وكذلك المتردية، والمنخنقة، والموقوذة، وهم لا يقولون، فقد علم أنه ليس المراد معناها اللغوى، بل معناها الشرعى، والتسمية ٥٩ وجوب التسمية عند الصيد والذبح إعلاء السنن ٥٤٦٧- وعنه: أنه قال: قلت لرسول الله عَّ له: إنى أرسل كلبى أجد معه كلبًا آخر لا أدرى أيهما أخذه؟ قال: «فلا تأكل، وإنما سمّيت على كلبك ولم تسم على غيره))، رواه البخارى (٨٢٤:٢). مأخوذ فيه، فلا يتم الاستدلال وكذا لا يتم الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾؛ لأن المراد من الطعام: إما أن يكون ما ذبحوه على اسم الله، أو أعم، على الأول: لا يتم الاستدلال، وعلى الثانى: يلزم حل ما ذبحوه على اسم المسيح، أو عزير، وهم لا يقولون به، فلا يتم الاستدلال، وكذا لا يتم الاستدلال بحديث عائشة، لأنه لا دليل فيه على أنه مَّ أباح أكل ذبيحة الأعراب بناء على حل متروك التسمية، لأنه يمكن أن يكون إباحته على حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح من ذكر التسمية وهو الراجح، لأنه لو كان متروك التسمية حلالا لما سألت عائشة. ويحتمل أن يكون منشأ سؤال عائشة احتمال ذكر اسم غير الله لكونهم حديثى عهدْ بجاهلية، ویکون مبنی جوابه حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، وحينئذ لا یکون فیه حجة لأحد، لا للشافعية، ولا للحنفية، ولا دليل لهم على أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو ما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب خاصة، فلا يسمع دعوى الاختصاص، وقوله فى الآية الأخرى: ﴿وما ذبح على النصب﴾، ﴿وما أهل به لغير الله﴾ لا يدل على أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو ذلك، لا المعنى الأعم، ولو كان كذلك بالفرض فتعبيره بعنوان: ما لم يذكر اسم الله عليه، يدل على أن علة حرمة الأكل هو عدم ذكر الله عليه، وهو يدل على أن ذكر الله شرط للحل، وهو المدعى، ولا يصح استدلاله أيضًا بقوله: ﴿وإنه لفسق﴾، كما سيأتى عن قريب. ولا يصح عذر الجمع بين الأحاديث والآيات، لأنك قد عرفت أن لا تخالف ههنا، بل كلها متعاضدة متوافقة، ولا يصح حمل النهى على التنزيه، ولا حمل الأحاديث على الاستحباب، لأنه مجاز، ولا بد للمجاز من قرينة، ولا قرينة هناك. وإذا عرفت هذا علمت أن كلام النووى مختل من أوله إلى آخره، ولیس فیه شیء ينتهض للاستدلال، ويصلح للجواب. وقال فى "روح المعانى": ذكر العلامة للشافعية فى دعوى حل متروك التسمية عمدًا، أو نسيانًا، وحرمته ما ذبح على النصب، أو مات حتف أنفه وجوبًا: الأول: أن التسمية على ذكر المؤمن، وفى قلبه ما دام مؤمنًا، فلا يتحقق منه الترك، فلا يحرم من ذبيحة إلا ما أهل به لغير الله. الثانى: أنه قوله سبحانه: ﴿وإنه لفسق﴾ على وجه التحقيق، التأكيد لا يصح فى حق أكل ما ٦٠ وجوب التسمية عند الصيد والذبح ج - ١٧ ٥٤٦٨- وعن أبي ثعلبة الخشنى قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((ما صدت بقوسك فاذكر اسم الله وكل وما صدت بكلبك فاذكر اسم الله وكل)) رواه البخارى (٨٢٦:٢). لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمدًا كان أو سهواً، إذ لا فسق لفعل ما هو محل الاجتهاد. الثالث: أن هذه الجملة فى موقع الحال، إذ لا يحسن عطف الخبر على الإنشاء، وقد بين الفسق بقوله عز شأنه: أهل لغير الله به، فيكون النهى عن الأكل مقيدًا بكون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، قد أهل به لغير الله تعالى، فيحل ما ليس كذلك، إما بطريق مفهوم المخالفة، وإما لحكم الأصل، وإما بالعمومات الواردة فى حل الأطعمة، وقال: هذا خلاصة ما ذكره الإمام فى مجلس تذكير عقده له سلطان خوارزم فيها بمخضر منه، ومن جلة الأئمة الحنفية، وعليه لا حاجة للشافعية إلى دليل خارجى فى تخصيص الآية اهـ (روح المعانى ١٤:٨). والجواب عن الوجه الأول أنا سلمنا أن التسمية على ذكر المؤمن، وفى قلبه، لكن لا دليل على أن مثل هذه التسمية يكفى لحل الذبيحة فى العامد، فإن قيل: حل ذبيحة الناسى محلل بهذه العلة، وهى موجودة فى العامد، فلا بد أن يثبت الحكم فيه؟ قلنا: لا بد فى القياس مساوات الفرع للأصل، وههنا ليس كذلك، لأن النسيان عذر، والناسى معذور، فقيام الذكر الحكمى مقام الذكر الحقيقى فيه للضرورة، لا يدل على قيامه مقامه فيمن ليس مثله فى كونه معذورًا أعنى العامد، فلا يصح القياس. وإن قيل: إنا لا نقول بالقياس، بل نقول تعليله عّ لّ حل ذبيحة الناسى بكون ذكر الله على كل مسلم يدل على أن المراد من الذكر فى نصوص التسمية أعم من الذكر الحقيقى، والحكمى، فأيهما تحقق يكفى لحل الذبيحة، قلنا: لا دليل فيه على أن المراد من الذكر فى نصوص التسمية أعم من الذكر الحقیقی، والحكمى، وغاية ما فيها أن الذكر الحكمی یکفی فی الناسی حل ذبيحته، وهو غير مثبت للمدعى. والنصوص ظاهرة فى اشتراط الذكر اللسانى لا سيما قوله: ((إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره))، فإنه كالنص على اشتراطه، فلا يصح صرفنا عن الظاهر من غير ضرورة ملجئة. والجواب عن الوجه الثانى أن المسألة لم تكن مجتهدا فيها حين نزول قوله تعالى: ﴿وإنه الفسق﴾، حتى يقال: لا يصح إطلاق الفسق عليه لكون المسألة مجتهداً فيها، بل إنما نشأ الاختلاف، والاجتهاد بعد نزوله للاختلاف فى التأويل، فلا يمنع هذا الاجتهاد الطارئ عن إطلاقه تعالى عليه لفظ الفسق، نعم، هو مانع لنا من إطلاقه لكون قوله: ﴿إنه لفسق﴾ محتملا للوجوه،