Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
المواثبة فى الشفعة
ج - ١٧
الثالث حصته من الدار، فسبق أحدهما بطلب الشفعة، والشراء، وسكت الآخر، ولم يواثب
بالطلب، فلا شفعة للساكت، لأن الشفعة كحل العقال لا بد لها من الطلب فى مجلس العلم، وأن
تسقط بتأخير الطلب بلا عذر، والبسط فى كتب الفروع، فليراجع.
وقال الموفق فى "المغنى": الصحيح فى المذهب أن حق الشفعة على الفور إن طلب بها ساعة
يعلم بالبيع، وإلا بطلت، نص عليه أحمد فى رواية أبى طالب فقال: "الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم"،
وهذا قول ابن شبرمة، والبتى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، والعنبرى (وفيه دليل على صحة الأثر الذى
ذكرناه فى المتن عندهم)، والشافعى فى أحد قوليه: وحكى عن أحمد أن الشفعة على التراخى
لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا من عفو أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك.
وهذا قول مالك، وقول الشافعى إلا أن مالكا قال: تنقطع بمضى سنة، وعنه بمضى مدة يعلم
أنه تارك لها، لأن هذا الخيار لا ضرر فى تراخيه فلم يسقط بالتأخير كحق القصاص؛ لأن النفع
للمشترى باستغلال المبيع، وإن أحدث فيه عمارة من غراس، أو بناء، فله قيمته، وحكى عن ابن أبى
ليلى، والثورى أن الخيار مقدر بثلاثة أيام، وهو قول الشافعى، لأن الثلاث حد بها خيار الشرط
فصلحت حدًّا لهذا الخيار، ولنا ما روى ابن البيلمانى عن أبيه عن عمر قال: قال رسول الله عد له:
((الشفعة كحل العقال))، وفى لفظ أنه قال: ((كنشطة العقال))، إن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوم
على تاركها، وروى عن النبى عّ لّه أنه قال: ((الشفعة لمن واثبها))، رواه الفقهاء فى كتبهم، فلعله
صح عندهم.
وقال ابن حزم: وأما الشفعة لمن واثبها، فما يحضرنا الآن ذكر إسنادها إلا أنه جملة لا خير
فيه اهـ (٩: ٩١)، وفيه دليل على أنه كان مسندًا عنده فنسيه، وأما قوله: لا خير فيه، فجرح مبهم
لا يقبل مثله، ولأن إثباته على التراخى يضر المشترى لكونه لا يستقر ملكه على المبيع، ويمنعه من
التصرف بعمارة خشية أخذه منه، ولا يندفع عنه الضرر بدفع القيمة؛ لأن خسارتها فى الغالب
أكثر من قيمتها مع تعب قلبه، وبدنه فيها، والتحديد بثلاثة أيام تحكم لا دليل عليه، والأصل المقيس
عليه ممنوع.
(قلت: كلا! بل هو صحيح، ولكن لا يصح القياس مع الأثر، فلولا قوله: ((الشفعة لمن
واثبها)) لقلنا بقول الشافعى).
وإذا تقرر هذا فقال ابن حامد: يتقدر الخيار بالمجلس، وهو قول أبى حنيفة، فمتى طالب فى

٢٢
إعلاء السنن
باب الصبى على الشفعة
٥٤٦١- حدثنا محمد بن زبیر الأیلی ثنا جعفر بن محمد الجنید یسابورى ثنا عبد
الله بن رشيد ثنا عبد الله بن بزيع عن صدقة بن أبى عمران عن عبد الملك بن أبى سليمان
عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَ له: ((الصبى على
مجلس العلم تثبت الشفعة وإن طال، لأن المجلس كله فى حكم حالة العقد بدليل أن القبض فيه لما
يشترط فيه القبض كالقبض حالة العقد، وظاهر كلام الخرقى أنه لا يتقدر بالمجلس، فطالب عقيب
علمه، وإلا بطلت شفعته، وهذا ظاهر كلام أحمد، وقول للشافعى لما ذكرنا من الخبر والمعنى اهـ،
ملخصًا (٤٧٨:٥).
قلت: قول أبى حنيفة هو ما يدل عليه ظاهر كلام الخرقى أن يطلبها كما علم، حتى لو بلغ
الشفيع البيع، ولم يطلب بطلت الشفعة، وعلى هذا عامة المشايخ، وهو رواية عن محمد، وعنه أن
له مجلس العلم، وبالثانية: أخذ الكرخى كما فى "الهداية"، والله تعالى أعلم.
الجواب عن تعليل ابن حزم حديث: ((الشفعة لمن واثبها)):
وأما قول ابن حزم: إن لفظ: ((الشفعة لمن واثبها))، فهو لفظ فاسد لا يحل أن يضاف مثله إلى
رسول الله ◌َّهِ، لأن قول القائل: ((الشفعة لمن واثبها)) موجب أن يلزمه الطلب مع البيع لا بعده،
لأن المواثبة فعل من فاعلين، فوجب أن يكون طلبه مع البيع لا بعده، لأن التأنى فى الوثب لا يسمى
مواثبة اهـ (٩: ٩١)، ففيه أن المفاعلة قد يستعمل لفعل واحد أيضًا كقوله: ﴿يخادعون الله والذين
آمنوا﴾، سلمنا أنه لفعل فاعلين، ويجب أن يكون طلبه مع البيع إذا حضر مجلس البيع، ومع العلم
بالبيع، إذا لم يحضر مجلسه، وطلبه كما علم يسمى مواثبة كطلبه مع البيع، ومن ادعى الفرق
فعليه البيان، فإن قوله: ((الشفعة لمن واثبها)) مطلق فى المواثبة عند البيع، وعند العلم به سواء،
ولا ينبغى لمحدث حافظ أن ينكر صحة الحديث إلا لعلة فى الإسناد، وأما الإنكار لعله فى المعنى
فمن وظيفة الفقیه دون المحدث، فافهم.
باب الصبى على الشفعة
أقول: الحديث وإن كان ضعيفًا من حيث السند إلا أنه مؤيد بالأصول، لأن الشفعة حق
مستحق، والصبى من أهل الاستحقاق، فلا وجه لحرمانه، وهو مع ضعفه أقوى مما رواه ابن ماجة
من طريق محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن البيلمانى عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا أن

٢٣
ج - ١٧
الصبى على الشفعة
شفعته حتى يدرك، فإذا أدرك إن شاء أخذ وإن شاء ترك))، لم يروه عن صدقة إلا عبد الله
لا شفعة للصبى، ولا للغائب، ويدل على بطلانه (أنه ثبت الشفعة للغائب من حديث جابر على
وجه صحیح کما مر، فلا يصح نفیها، فافهم.
قال العبد الضعيف: والأولى ما ذكرناه فى الجمع بين الحديثين أن المراد أن لا شفعة للصبى
فى صباه، ولا للغائب فى غيبة، حتى يدرك الصبى، ويحضر الغائب، ومعناه أن لا يؤخر حق
الحاضر البالغ لأجل الصبى، والغائب لاحتمال أن لا يطلبا، فلا يؤخر المتيقن بالمحتمل، فتذكر.
وحديث المتن أخرجه الهيثمى فى "مجمع الزوائد"، ولم يعله إلا بعبد الله بن بزيغ
(١٥٨:٤)، وهو مختلف فيه، قال الدار قطنى: ليس بمتروك، وقال ابن عدى: ليس بحجة، وهو
قاضى تستر، عامة أحاديثه ليست بمتروكة، روى عنه يحيى بن غيلان مناكير، كما فى "اللسان"
و "الميزان"، وهذا ليس من رواية ابن غيلان عنه كما ترى، وأما عبد الله بن رشيد، فقال صاحب
"الجوهر النقى": لا ذكر له فى "الميزان"، ولا فى شىء مما عندنا من كتب الضعفاء.
(قلت: صالح للاحتجاج به)، وأخرجه البيهقى فى سنته، وفى سنده السرى بن سهل ألان
البيهقى القول فيه، وكذبه ابن خراش، وقال ابن عدى: يسرق الحديث، ولكن سند الطبرانى سالم
منه، وأخرج البيهقى من طريق معاذ عن الأشعث عن الحسن أنه كان يرى أن الغائب على شفعته
إذا قدم، ويرى الصغير على شفعته إذا كبر، قال: وليس فى الحيوان شفعة (١٠٩:٦)، وقوله: إذا
قدم، وإذا كبر إشارة إلى الوجه الذى ذكرناه فى الجمع بين الحدیثین، فتدبر.
فائدة: قال الطبرانى فى "الصغير" (ص١١٨): حدثنا على بن إسماعيل بن كعب الموصلى
ثنا محمد بن سنان القزاز البصرى ثنا تامل بن نجيح ثنا سفيان الثورى عن حميد عن أنس أن
النبى عّ لّه قال: ((لا شفعة لنصرانى)) لم يروه عن سفيان إلا تامل تفرد به محمد بن سنان اهـ.
أقول: لم يعمل به أبو حنيفة لأنه من رواية محمد بن سنان عن تامل، وكلاهما مجروح، أما
ابن سنان فقد أطلق أبو داود فيه الكذب، وقال ابن خراش: كذاب روى حديث، وألان عن روح
ابن عبادة، فذهب حديثه، وقال ابن منده: فى أثره نظر، سمعت عبد الرحمن بن يوسف يذكره
فقال: ليس عندى بثقة، وقال الدار قطنى: لا بأس به، وقال مسلمة: ثقة، كذا فى "التهذيب"
ملخصًا، وأما تامل بن نجيح، فقد وثقه أبو حاتم، ويزيد بن سنان، ولكن قال ابن عدى: أحاديثه
مظلمة جدا، وخاصة إذا روى عن الثورى، وقال الدار قطنى: ليس بثقة، وقال العقيلى: لا أصل
حديثه، كذا فى "التهذيب".
:

٢٤
الصبى على الشفعة
إعلاء السنن
ابن بزيع ولا عنه إلا عبد الله بن رشيد، أخرجه الطبرانى (معجم صغير ص١٧٣)، قلت:
ضعفه فى "مجمع الزوائد" (٢٥١:١).
معنى قولنا: "الاختلاف غير مضر":
فإن قلت: قد علم مما نقلت أن الرجلين مختلف فيهما، وإنكم تقولون: إن الاختلاف غير
مضر، فكيف تجرحون روايتهما؟ قلنا: إن معنى قولنا: "الاختلاف غير مضر"، إن المجتهد لا يلام
إذا عمل بحديث مختلف فيه، إذا ترجح عنده صدقة، وليس معناه أن ليس لأحد ترك حديث
المختلف فيه، وإن ترجح عنده جرحه وخطأه فى الرواية فلا تعارض، فافهم.
وقال فى "الميزان": محمد بن سنان، وحفص الربالى قالا: ثنا قائل عن سفيان عن حميد عن
أنس مرفوعًا: ((لا شفعة لنصرانى))، قال أبو حاتم: هذا باطل بهذا الإسناد اهـ، وظهر منه أن محمد
ابن سنان برىء من العهدة، لأنه تابعه عليه حفص بن عمرو بن ربال الربالى، وهو ثقة بلا كلام،
وإنما العهدة فيه على تامل، والله أعلم.
الكلام فى حديث: ((لا شفعة النصرانى)):
قال العبد الضعيف: والحديث أخرجه الهيثمى فى "مجمع الزوائد"، وقال: فيه تامل بن
نجيح، وثقه أبو حاتم وضعفه غيره (١٤٩:٤)، ولكن أيش يجديه توثيق أبى حاتم، وقد ضعف
الحديث، وقال: هذا باطل بهذا الإسناد، وتحقيقه ما قاله البيهقى: إن الحديث عند سفيان عن حميد
الطويل عن الحسن قال: ليس لليهودى، والنصرانى شفعة، أخبرناه أبو بكر الأروستانى أنبأ أبو نصر
العراقى ثنا سفيان الجوهرى ثنا على بن الحسن الهلالى ثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان فذكره، هذا
هو الصواب من قول الحسن اهـ، فجعله تامل بن نجيح عن سفيان عن حميد عن أنس قال: محمد
ابن سنان القزاز رفعه مرة إلى النبى معَ ◌ّ ولم يرفعه أخرى اهـ (١٠٨:٦).
وقد عرفت فى قول ابن عدى: إن أحاديث تامل عن سفيان خاصة مظلمة جدا، وبالجملة:
فليس هذا الحديث من قول النبى معَّهِ، وإنما مؤمن، قول الحسن أخطأ تامل فى إسناده ورفعه، قال
البيهقى: وقد روينا عن إياس بن معاوية أنه قضى بالشفعة للذمى (١٠٩:٦).
وقال الموفق فى "المغنى": إن الذمی إذا باع شريكه شقصًا لمسلم، فلا شفعة له علیه، روى
ذلك عن الحسن والشعبى، وروى عن شريح، وعمر بن عبد العزيز أن له الشفعة، وبه قال النخعى،
وإياس بن معاوية، وحماد بن أبى سليمان، والثورى، ومالك، والشافعى، والعنبرى، وأصحاب
الرأى لعموم قوله عليه السلام: ((لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه وإن باعه ولم يؤذنه

٢٥
ج - ١٧
الصبى على الشفعة
فهو أحق به))، ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء، فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب
(لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لهم ما لنا وعليهم ما علينا))، قال: ولنا ما روى الدارقطنى فى
"كتاب العلل" بإسناده عن النبى معَّةٍ: ((لا شفعة لنصرانى)).
(قلت: ولكن البيهقى أعله، وخطأ نائلا فى إسناده، ورفعه، وظنى أن الدار قطنى أيضًا ذكره
لذلك فى "العلل"، ولكن لموفق لم يذكر كلامه بتمامه، وإنما هو من قول الحسن، كما مر،
ولا حجة فى قوله، فقد خالفه فيه غيره من التابعين)، قال: ولأنه معنى يملك به يترتب على ملك
مخصوص، فلم يجب للذمى على المسلم كالزكاة.
قلت: ما أبعد هذا القياس؟ فإن الشفعة بخيار رد العيب أشبه منه بالزكاة، كما لا يخفى،
قال: ولأنه معنى يختص العقار، فأشبه الاستعلاء فى البنيان.
(قلت: كلا! بل هو يعم أرض الزراعة أيضًا، ولا يتصور الاستعلاء فيه)، قال: يحققه أن
الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعًا للضرر عن ملكه، (قلنا: فى ثبوته للمسلم خاصة نظر، وإنما تثبت
للشريك والجار مطلقًا)، فقدم ضرره على دفع ضرر المشترى قال: ولا يلزم من تقديم ضرر للمسلم
على المسلم تقديم ضرر الذمى، فإن حق المسلم أرجح ورعايته أولى.
(قلنا: نعم، إذا ثبت كونه حقًّا للمسلم، وأما إذا كان حقًّا للشريك والجار مطلقًا، فلا كما
فى خيار رد العيب، وأيضًا فإن سبب ثبوت الشفعة الاتصال، وشرطه البيع، وهذا معنى لا يختص
به المسلم، فكيف يختص بالمسبب). قال: ولأن ثبوت الشفعة فى محل الإجماع على خلاف
الأصل رعاية لحق الشريك المسلم، وليس الذمى فى معنى المسلم، فيبقى فيه على مقتضى الأصل.
(قلنا: ثبت الجدار فانقش، لا نسلم أنه ثبت فى محل الإجماع رعاية لحق المسلم، بل رعاية
لحق الشريك والجار، وهذا متحقق فى المسلم والذمى على السواء).
قال: وتثتب الشفعة للمسلم على الذمى، وللذمى على الذمى لعموم الأخبار، ولا نعلم فى
هذا خلافًا، فأما أهل البدع فمن حكم بإسلامه فله الشفعة، لأنه مسلم كالفاسق بالأفعال، ولأن
عموم الأدلة يقتضى ثبوتها لكل شريك (ولكل جار)، فيدخل فيها.
حكم الشفعة لأهل البدع:
وقد روی حرب أن أحمد سئل عن أصحاب البدع، هل لهم شفعة؟ ویروی عن ابن إدريس
-هو الإمام الشافعى - أنه قال: ليس للرافضة شفعة، فضحك، وقال: أراد أن يخرجهم من الإسلام،

٢٦
الصبى على الشفعة
إعلاء السنن
فظاهر هذا أنه أثبت لهم الشفعة، وهذا محمول على غير الغلاة منهم، وأما من غلا كالمعتقد أن
جبريل غلط فى الرسالة، فجاء إلى النبى عّ لّه، وإنما أرسل إلى على، ونحوه " كمن اعتقد التحريف
فى القرآن، أو قذف عائشة رضى الله عنها بقول أهل الإفك)، ومن حكم بكفره من الدعاة إلى
القول بخلق القرآن فلا شفعة له اهـ، ملخصًا (٥٥٢:٥). قلت: وينبغى أن لا تكون لهم الشفعة
عندنا أيضًا لكونهم مرتدين، ولا ولاية للمرتد على شىء، فافهم.
تأويل حديث: ((لا شفعة النصرانى)):
ويمكن أن يحمل قوله: ((لا شفعة لنصرانى)) لو سلم رفعه أنه أراد به أن لا شفعة له أرض
العرب لكونهم ممنوعين(١) من اتخاذ السكنى بها مطلقًا، وأن لا شفعة له فى مصر من أمصار
المسلمين فيما بينهم، فقد ذكر القاضى أبو يوسف فى كتاب الخراج أن للقاضى منعهم من السكنى
بین المسلمین، بل يسكنون منعزلين.
قال قارئ "الهداية": وهو الذى أفتى به أنا (رد المحتار ٤٢٧:٣)، وفى "الدر": الذمى إذا
اشترى دارًا أى أراد شراءها فى المصر لا ينبغى أن تباع منه، فلو اشترى يجبر على بيعها من المسلم،
وقيل: لا يجبر إلا إذا كثروا اهـ، وقال السرخسى فى "شرح السير": فإن مصر الإمام فى أراضيهم
للمسلمين كما مصر عمر رضى الله عنه البصرة والكوفة فاشترى بها أهل الذمة دورا، وسكنوا مع
المسلمين لم يمنعوا من ذلك، وقال شمس الأئمة الحلوانى: هذا إذا قلوا بحيث لا تتعطل جماعات
المسلمين، ولا تتقلل بسكناهم بهذه الصفة، وإلا منعوا من ذلك، وأمروا أن یسکنوا ناحية، لیس
فيها للمسلمين جماعة، وهذا محفوظ عن أبى يوسف فى "الأمالى" اهـ.
قال الخير الرملى: إن الذى يجب عليه التعويل هو التفصيل، فلا نقول بالمنع مطلقًا،
ولا بعدمه مطلقًا، بل يدور الحكم على القلة، والكثرة، والضرر، والمنفعة، وهذا هو الموافق للقواعد
الفقهية، فتأمل اهـ ملخصًا من "رد المحتار" (٣: ٤٢٥).
قلت: ومقتضى ذلك أن أهل الذمة إذا كثروا فى محلة المسلمين يجبرون على بيع دورهم
من المسلمين، وإذا قلوا لم يجبروا على ذلك، ولكن الإمام أن يمنعهم من طلب الشفعة إذا باع
أحدهم داره من مسلم، لأن أخذهم بالشفعة قد يفضى إلى كثرة سكناهم فيما بيننا، ومنعهم منها
(١) والأمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وإن تأخر إلى مرضه عَّ الذى توفى منه، ولكنه أشار إلى مقدماته من قبل، ظ.

٢٧
الصبى على الشفعة
ج - ١٧
يؤدى إلى قلتها، فافهم، فإن الفقه عزيز، والله تعالى أعلم.
ولعل هذا هو معنى قول الشعبى والبتى: لا شفعة لمن لا يسكن المصر ذكره الموفق فى
"المغنى" (٥٥٣:٥)، وفى "المحلى" لابن حزم: قال الشعبى: لا شفعة لمن لا يسكن المصر ولا الذمى
اهـ (٩: ٩٤)، فأراد بمن لا يسكن المصر من هو ممنوع من سكنى المصر بين المسلمين كالمستأمنين من
أهل الحرب، ونحوهم، وأما البدوى والقروى فله الشفعة على أهل المصر إذا كان مسلمًا فى قول
أكثر أهل العلم، كما فى "المغنى".
حكم تصرف المشترى فى المبيع قبل أخذ الشفيع:
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إن المشترى إذا تصرف فى المبيع قبل أخذ الشفيع، أو قبل
علمه فتصرفه صحيح، لأنه ملكه وصح قبضه له، ولم يبق إلا أن الشفيع ملك أن يتملكه علیه،
وذلك لا يمنع من تصرفه كما لو كان أحد العوضين فى البيع معيبًا لم يمنع التصرف فى الآخر،
والموهوب له يجوز له التصرف فى الهبة، وإن كان الواهب ممن له الرجوع فيه، فمتى تصرف
تصرفًا صحيحًا تجب به الشفعة مثل إن باعه فالشفيع بالخيار إن شاء فسخ البيع الثانى، وأخذه بالبيع
الأول بثمنه، لأن الشفعة وجبت له قبل تصرف المشترى، وإن شاء أمضى تصرفه، وأخذ بالشفعة
من المشترى الثانى، لأنه شفيع فى العقدين، فكان له الأخذ بما شاء منهما، فإذا كان الأول اشتراه
بعشرة، ثم اشتراه الثانى بعشرين، ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول دفع الشفيع إلى
الأول عشرة، وأخذ الثانى من الأول عشرة، وأخذ الثالث من الثانى ثلاثين، لأن المبيع إنما يؤخذ من
الثالث لكونه فى يده، وقد انفسخ عقده، فيرجع بثمنه الذى أداه، ولا نعلم فى هذا خلافًا، وبه
يقول مالك، والشافعى، والعنبرى، وأصحاب الرأى اهـ (٤٧٩:٥).
وقال ابن حزم: إن أخذ الشفيع حقه لزم المشترى رد ما استغل، وكان كل ما أنفذ فيه من
هبة، أو صدقة، أو عتق، أو حبس، أو بنيان ...... ، أو مكاتبة، أو مقاسمة فهو كل باطل، مردود،
مفسوخ أبدًا، وتقلع أنقاضه ليس له غير ذلك، لا سيما المانع المخاصم، فإن هذا غاصب، ظالم،
متعدٍ، مانع حق غيره بلا مرية، فإن ترك الشريك الأخذ بالشفعة نفذ كل ذلك، وصح ولم يرد شيئا
منه، وكانت الغلة له اهـ، قال: وبرهان ذلك قوله عليه السلام: ((لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن
شريكه))، ومن الباطل أن يكون صحيحًا ما أخبر عليه السلام أنه لا يصلح، والصحيح أن يكون

٢٨
الصبى على الشفعة
إعلاء السنن
موقوفًا، فإن أخذ الشفيع بالشفعة علم أن البيع وقع باطلا، وإن ترك حقه علم أن البيع وقع صحيحًا
لقوله عليه السلام: ((الشريك أحق)) فصح أن للمشترى حقا بعد حق الشفيع اهـ، ملخصًا (٩٢:٩).
الرد على ابن حزم فى الباب:
قلت: إن كان قوله ◌ِّ ◌ُّه: ((لا يصلح)) بمعنى لا يصح فمقتضاه بطلان البيع قبل إيذان
الشريك، وإن كان بمعنى لا ينبغى، ولا يليق، وهو الظاهر المتبادر، فمقتضاه صحة البيع، وتمامه مع
كراهته فيه لعدم الإيذان، وعدم الإيذان غير البيع، فلا يجوز أن يفسخ أو يتوقف بيع صح بفساد
شىء غيره، كما قال بذلك ابن حزم نفسه فى البيع بالنجش (٤٤٨:٨)، ولم يأت نهى قط عن البيع
بغير إيذان الشريك، وغاية ما ثبت أنه لا يصلح، ولا دلالة فيه على عدم الصحة، ولا على التوقف،
فالقول بالتوقف زيادة فى الحديث، وتقول على النبى عّ لّ ما لم يقل، وبمثل هذا يبتلى أهل الظاهر
النافون للقياس، فإنهم يرتكبون ما هو أشد من القياس، ولا يشعرون، وإذا ثبت أن البيع صحيح
فليس على المشترى أن يرد إلى الشفيع ما استغل، وقوله عّ لّه: ((الشريك أحق) لا يدل على توقف
بيع الشريك على إذنه، وغاية ما فيه أن حقه فى المبيع أقوى من حقه، ولهذا ينقض بيعه، وهبته
وغيره من تصرفاته، وأما إن المشترى لا يملكه، ولا يجوز له التصرف فيه بشىء فلا، ومن ادعى
فعلیه البيان.
قال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق أنا سفيان الثورى عن أبى إسحاق الشيبانى عن
الشعبى، وابن أبى ليلى قالا جميعا: إذا بنى ثم جاء الشفيع بعده فالقيمة، وقال حماد بن أبى
سليمان: يقلع بناؤه، وبه يأخذ سفيان الثورى، وأبو حنيفة، وأبو سليمان، وأصحابهم، وبقول
الشعبى يأخذ مالك، والبتى، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد (٩٣:٩).
قلت: وبقوله قال أبو يوسف منا، واحتجوا بقول النبى معَّ ((لا ضرر ولا ضرار))، ولا يزول
الضرر عنهما إلا بذلك، ولأنه تحقق فى البناء لأنه بناه على أن الدار ملكه، والتكليف بالقلع من
أحكام العدوان، وصار كالموهوب له، والمشترى شراء فاسدا، وكما إذ زرع المشترى فإنه لا يكلف
القلع، وهذا لأن فى إيجاب الأخذ بالقيمة دفع أعلى الضررين بتحمل الأدنى فيصار إليه، ولنا قول
النبى عّ لّه: ((الشريك أحق))، وقوله: ((جار الدار أحق بدار الجار))، فأشبه ما لو بانت الدار مستحقة،
لأنه بنى فى محل تعلق به حق متأكد للغير من غير تسليط من جهة من له الحق، فينقض كالراهن
إذا بنى فى المرهون بخلاف الهبة، والشراء الفاسد، لأنه حصل بتسليط من جهة من له الحق،

٢٩
الصبى على الشفعة
ج - ١٧
ولأن حق الاسترداد فيهما ضعيف، ولهذا لا يبقى بعد البناء، وحق الشفعة يبقى، فلا معنى لإيجاب
القيمة كما فى الاستحقاق والزرع يقلع قياسًا، وإنما لا يقلع استحسانًا، لأن له نهاية معلومة، ويبقى
بالأجر، وليس فيه كثير ضرر، والترجيح بدفع أعلى الضررين بالأهون، إنما يكون عند المساواة فى
أصل الحق، ولا مساواة ههنا، فإن الشفيع أحق، كذا فى "الهداية" وشروحها (٣٢٤:٨).
حكم نماء المبيع فى يد المشترى قبل أخذ الشفيع:
قال الموفق: وإذا نما المبيع فى يد المشترى نماء متصلا كالشجر إذا كثر أو ثمرة غير ظاهرة
(عند الشراء)، فإن الشفيع يأخذه بزيادته، لأن هذه زيادة غير متميزة فتبعت الأصل، كما لورد
بعيب، أو خيار، أو إقالة، وإذا نما نماء منفصلا كالغلة والأجرة (والثمرة إذا جدت قبل أخذ الشفيع)،
فهى للمشترى لا حق للشفيع فيها، لأنها حدثت فى ملكه اهـ، ملخصًا (٥٠٣:٥).
وبه نقول لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخراج بالضمان))، ولا فرق عندنا فى الثمرة المؤبرة،
وغير المؤبرة، والظاهرة عند الشراء وغير الظاهرة، وإنما الحكم عندنا للاتصال عند أخذ الشفيع
بالشفعة، فمن ابتاع أرضا على نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها، و کذلك إن ابتاعها، وليس فى
النخيل ثمر فأثمر فى يد المشترى، لأنه باعتبار الاتصال صار تبعًا للعقار كالبناء فى الدار، فإن جده
المشترى ثم جاء الشفيع لا يأخذ الثمر فى الفصلين جميعًا، كما فى "الهداية"، والله تعالى أعلم.
بحث الاحتيال لإسقاط الشفعة:
فائدة: قال فى الهداية: لا تكره الحيلة فى إسقاط الشفعة عند أبى يوسف، وتكره عند
محمد أهـ، وفى "المغنى": لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط، ومعنى الحيلة أن
يظهروا فى البيع شيئًا، لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطأون فى الباطن على خلافه، مثل أن يشترى
شقصا يساوى عشرة دنانير بألف درهم، ثم يقبضه عنها عشرة دنانير، أو يشتريه بمائة دينار،
ويقبضه عنها مائة درهم، أو يشترى البائع من المشترى عبدًا قيمته مائة ألف درهم فى ذمته، ثم يبيعه
الشقص بالألف، أو يشترى شقصا بألف، ثم يبرئه البائع من تسعمائة، أو يشترى جزء من الشقص
بمائة، ثم يهب البائع باقيه، أو يهب الشقص للمشترى، ويهب له المشترى الثمن، وأشباه هذا، فهذا
كله إذا وقع من غير تحيل سقطت الشفعة، وإن تحيلا به على إسقاط الشفعة لم تسقط، ويأخذ
الشفيع الشقص فى الصورة الأولى بعشرة دنانير، أو قيمتها من الدراهم، وفى الثانية بمائة درهم،

٣٠
الصبى على الشفعة
إعلاء السنن
أو قيمتها ذهبا، وفى الثالثة بقيمة العبد، وفى الرابعة بالباقى بعد الإبراء، وفى الخامسة يأخذ الجزء
المبيع من الشقص بقسطه من الثمن، وفى السادسة يأخذ بالثمن الموهوب، وقال أصحاب الرأى،
والشافعى: يجوز ذلك كله، وتسقط به الشفعة، لأنه لم يأخذ بما وقع البيع به اهـ (٥٠٢:٥).
قلت: لا خلاف عندنا فى سقوط الشفعة بأمثال تلك الحيل، وإنما الخلاف فى جوازها،
وعدم جوازها، فاعلم أن الحيلة فى هذا الباب: إما أن تكون للرفع بعد الوجوب، أو لدفع
الوجوب، فالأول مثل أن يقول المشترى للشفيع: أنا أبيعها منك إنما أخذت لك فلا فائدة لك فى
الأخذ بالشفعة فيقول الشفيع: نعم، تسقط به الشفعة، وهو مكروه إجماعًا، لأنه احتيال لإبطال
حق واجب.
والثانى: مثل ما ذكره الموفق، وهو مختلف فيه، لأنه احتيال لدفع الوجوب عن نفسه، فكان
كترك الاكتساب لمنع وجوب الزكاة، وإنما كرهه محمد، لأن الشفعة وجبت لدفع الضرر، ولو
ألجنا الحيلة ما دفعناه، ولا يصح الاحتجاج على أبى يوسف بما روى أبو هريرة رضى الله عنه عن
النبى عّ لّه أنه قال: ((لا تركبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل))، وقول
النبى معَّ ◌ُله: ((لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه وأكلوه ثمنه)) متفق
عليه، فإنه لا خلاف فى حرمة الاحتيال لاستحلال الحرام أو لرفع الوجوب بعد ثبوته، وإنما النزاع
فى الاحتيال لدفع الوجوب عن النفس قبل ثبوته، ألا ترى إلى وجوب التسوية، وحرمة التفاضل فى
الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها، فلو باع أحد صاعين بصاع جيد، وقال: صاع منهما فى
مقابلة الصاع، والآخر هبة منى إليك، لم يجز ما لم يميز، ويختلف مجلس البيع، والهبة ولم يكن
مشروطًا، وإن باع الصاعين بدرهم، ثم اشترى بالدرهم صاعا جيدا، جاز بلا اختلاف، وهل ذلك
إلا لأن فى الأول احتيالا لرفع الحرمة والوجوب بعد ثبوتهما، وفى الثانى لدفع الوجوب والحرمة
قبل الثبوت.
وهذا هو الجواب عن قول محمد: إن الشفعة إنما وجبت لدفع الضرر إلخ فنقول: إن
الاحتيال المختلف فيه منع عن إثبات الحق لا رفع له بعد ثبوته، وشتان بينهما كما ذكرناه آنفاً،
فلا يعد ذلك ضررًا، وقال بعض المشايخ منا: تكره الحيلة لإسقاط الشفعة بعد الوجوب، لأنه
احتيال لإبطال حق واجب، وقبل الوجوب إن كان الجار فاسقًا يتأذى منه فلا بأس به (نتائج
الأفكار ٣٤٧:٨).

ج - ١٧
الصبى على الشفعة
٣١
تأويل آخر لحديث ((لا شفعة النصرانى)):
وهذا أحسن ما سمعناه فى الباب، ولا يبعد أن يحمل قول الحسن موقوفًا أو حديث أنس
مرفوعًا: ((لا شفعة لنصرانى ولا يهودى)) على هذا المعنى، أى لا حرمة(١) لشفعتهما، فيجوز
الاحتيال لإسقاطها قبل الوجوب، لأن جوار الكافر والفاسق يتأذى منه المسلمون، فافهم،
فإن مدارك الحنفية لا ينالها أفهام القاصرين، وتعجز عن دركها أيدى كثير من الماهرين، ولأجل
ذلك رماهم أهل الظاهر باتباع الرأى، ومخالفة الأثر، وهذه والله قرية بلا مرية نشأت من سوء
النظر، وما نقموا منهم إلا أنهم علموا ما لم يعلموا، وفهموا ما لم يفهموا، وعرفوا ما لم يعرفوا،
وفقهوا ما لم يتفقهوا:
فلا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
فائـدة:
قال فى "الهداية": وإذا اجتمع الشفعاء، فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يعتبر
اختلاف الأملاك، وقال الشافعى رحمة الله: هى على مقادير الأنصباء، لأن الشفعة من مرافق الملك
عنده، ومن مرافق الاتصال عندنا اهـ ملخصًا.
قال العبد الضعيف: يؤيد الشافعى ما رواه البيهقى من طريق غندر عن شعبة عن أبى شيبة
عن عيسى بن الحارث عن شريح(٢) قال: الشفعة على قدر الأنصباء، ومن طريق إسماعيل القاضى
ثنا ابن أبى أويس ثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا
يقولون فى النفر: يرثون من أبيهم مالا فيموت أحدهم، ويترك ولدًا فيبيع ولده حقه من ذلك المال،
فالولد وأعمامه شركاءه فى الشفعة على قدر حصصهم، إذا كان المال لم يقسم، وتقع فيه الحدود،
انتهى ملخصًا (١١٠:٦).
ولنا قوله عَّه: ((وإذا سبق الشريك شريكه بالشفعة فلا شفعة))، وقد ذكرناه فيما مضى،
٠
(١) ونظيره قوله عليه السلام: ((لا وضوء لمن لم يسم، ولا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)) أى لا وضوء كاملا، ولا صلاة
کاملة، فافهم.
(٢) وفى "المدونة": قال ابن القاسم: أخبرنى ابن الدراوردى عن سفيان الثورى عن على بن أبى طالب أنه قال: الشفعة على قدر
الأنصباء (٢٠٧:٤)، وهذا معضل، وقد خالفه الثورى نفسه، كما سيأتى، فلعله لم يصح عنده، والله تعالى أعلم.
:

٣٢
الصبى على الشفعة
إعلاء السنن
ولو كان الشفعة على قدر الأملاك لم ينفرد واحد من الشريكين -أى بطلبها وأخذها، ظ-
باستحقاق كمال الشفعة، بل بقدر حصته، وبقى نصيب صاحبه محفوظًا له، فثبت أن الشفعة
ليست من مرافق الملك، وإنما هى من مرافق الاتصال، وقد استووا فى الاتصال فيستوون فى
الاستحقاق، ويؤيده استحقاق الجار الشفعة فى دار جاره، ولا ملك له فيه، وهذه آية كونها من
مرافق الاتصال، وقد فرغنا من إقامة الحجة على إثبات الشفعة بالجوار.
قال الموفق فى "المغنى": الصحيح فى المذهب أن الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء قسم
بينهم على قدر أملاكهم، اختاره أبو بكر، وروى ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وبه قال
مالك، وسوار، والعنبرى، وإسحاق، وأبو عبيد، وهو أحد قولى الشافعى، وعن أحمد رواية ثانية:
أنه يقسم بينهم على عدد رؤوسهم، اختارها ابن عقيل، وروى ذلك عن النخعى، والشعبی، وبه
قال ابن أبى ليلى، وابن شبرمة، والثورى، وأصحاب الرأى اهـ (٥٢٣:٦).
قلت: وهؤلاء الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل العراق، ولولا ما جاء عن النبى عل ◌ّه
فى الشفعة للجار، وأنه أحق بسقبه لقلنا بقول فقهاء المدينة، والله تعالى أعلم بالصواب.
فائدة:
قال الموفق فى "المغنى": إذا كان الشقص بين شفعاء، فترك بعضهم، فليس للباقين إلا أخذ
الجميع، أو ترك الجميع، وليس لهم أخذ البعض.
إذا سلم بعض الشفعاء الشفعة، فليس للباقين إلا أخذ الجميع، أو ترك الجميع:
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا، وهذا قول مالك،
والشافعى، وأصحاب الرأى اهـ (٥٢٧:٦).
وأخرج البيهقى من طريق إسماعيل القاضى: ثنا ابن أبى أويس ثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن
الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون فى الرجل له شركاء فى دار فيسلم له
الشركاء الشفعة إلا رجلا واحداً، أراد أن يأخذ بقدر حقه من الشفعة، قالوا: ليس له ذلك، إما أن
يأخذها جميعاً، وإما أن يتركها جميعًا اهـ مختصرًا، وقد ذكرنا بقيته فيما مضى آنفًا.
الشفعة لا تورث:
فائدة: الشفعة لا تورث عن الشفيع، قال ابن حزم: وهذا قول محمد بن سيرين، وروينا من

ج - ١٧
٣٣
كتاب القسمة
باب الخرص
٥٤٦٢- حدثنا ربيع المؤذن قال. ثنا أسد قال: ثنا ابن لهيعة قال: ثنا أبو الزبير عن
جابر أن رسول الله عّ لّه نهى عن الخرص وقال: ((أرأيتم إن هلك الثمر أيحب أحدكم أن
يأكل مال أخيه بالباطل))، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار"، وفى سنده ابن لهيعة
وهو مختلف فيه، والاختلاف غير مضر.
طريق عبد الرزاق عن فضيل عن محمد بن سالم عن الشعبى، قال: سمعنا أن الشفعة لا تباع، ولا
توهب، ولا تورث، ولا تعار، هى لصاحبها الذى وقعت له (والشعبى تابعى كبير، فقوله: سمعنا
محمول على السماع من الصحابة ظاهرًا)، قال عبد الرزاق: وهو قول سفيان الثورى، وهو قول
أبى حنيفة، وسفيان بن عيينة، والحسن بن حى، وأحمد، وإسحاق، وأبى سليمان، وأصحابهم.
وقال مالك، والشافعى: الشفعة لورثته، وإنما جعل الله الميراث فى الأموال، لا فيما ليس مالا
(إلا القصاص أو العفو عنه لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾، والحق أنه
ليس بموروث، بل هو مما جعله الله للوارث حقًا مبتدأ، فاندفع ما ألزم ابن حزم الحنفية من التناقض)،
ونسألهم لمن يأخذ الورثة بالشفعة أللميت أم لأنفسهم؟ فإن قالوا للميت، قلنا: هذا باطل، لأن الميت
لا يملك شيئا، وإن قالوا: لأنفسهم، قلنا: هذا باطل أيضًا، لأن شركتهم إنما حدثت بعد البيع،
فلا توجد شفعة، ولم يكونوا حين البيع شركاء فلم تجب لهم شفعة اهـ ملخصًا (٩٦:٩)، ظ.
باب الخرص
قوله: حدثنا ربيع إلخ، قلت: لا سيما إذا كان حديثه مؤيدًا بالأصول الصحيحة الثابتة،
وهذا كذلك، أما أولا: فلما أشار إليه فى الحديث بقوله: ((إن هلك الثمر أيحب أحدكم أن يأكل
مال أخيه بالباطل؟)). وأما ثانيًا: فلأن الخرص والتخمين يحتمل الغلط، فيتضرر به أحدهما، وأما
ثالثا: فلأن فيه مزابنة منهى عنها فى بعض (١) الصور، وبيع الكالئ بالكالئ فى بعضها(٢)، ولهذا قال
أصحابنا بعدم جوازه.
قال أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له (ص٥٩): رأيت أبقى الله أمير المؤمنين أن يقاسم من
(١) كما إذا خرص الرطب تمرًا، وأخذ العشر، أو الخراج هنا فى الحال بالتمر.
.. (٢) كما إذا خرص الرطب تمرًا، ويجعل عليه العشر، أو الخراج بحصته ذلك من غير هذا التمر، ولا يؤخذ منه فى الحال.

٣٤
باب الخرص
إعلاء السنن
عمل الحنطة، والشعير من أهل السواد جميعًا على الخمسين للسيح منه، وأما الدوالى فعلى خمس
ونصف، وأما النخل، والكرام، والرطاب، والبساتين فعلى الثلث.
وأما غلال الصيف فعلى الربع، ولا يؤخذ بالخرص فى شىء من ذلك، ولا يحرز عليهم
شىء منه (بل) يباع من التجار، ثم تكون المقاسمة فى أثمان ذلك أو يقوم ذلك قيمة عادلة لا يكون
فيها حمل على أهل الخراج، ولا يكون على السلطان ضرر، ثم يؤخذ منهم ما يلزمهم من ذلك،
أى ذلك كان أخف على أهل الخراج فعل ذلك بهم، وإن كان البيع وقسمة الثمن بينهم وبين
السلطان أخف فعل ذلك بهم اهـ، وأما ما يروى من الآثار فى الخرص فيحمل على الخرص للتقويم
بأن يخرص الثمر فيقوم، فيجعل عليهم حصة الثمن، أو یجعل لهم حصته.
ويؤيده ما روى أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له (ص١٠٦-١٠٧)، قال: حدثنا عمرو بن
دينار قال: جلسنا إلى أبى جعفر فسأله رجل من القوم عن قبالة الأرض والنخل والشجر، فقال:
كان رسول الله عَّه يقبل خيبر من أهلها بالنصف يقومون على النخل يحفظونه ويسقونه،
ويلقحونه، فإذا بلغ أدنى حرامه بعث عبد الله بن رواحة، فخرص عليهم ما فى النخل، فيتولونه،
ويردون على النبى معَّه الثمن بحصة النصف من الثمرة، فأتوه فى بعض تلك الأعوام، فقالوا: إن
عبد الله بن رواحة قد جار علينا فى الخرص، فقال رسول الله مرّ ◌ُله: نحن نأخذه بخرص عبد الله،
ونرد عليكم الثمن بحصتكم من النصف، فقالوا: هذا الحق بهذا قامت السماوات والأرض، لا بل
نحن نأخذه، فتولوا النخل وردوا على رسول الله عَ لّه الثمن بحصته النصف اهـ.
فإن قلت: هذا تأويل يرده ما روى ابن أبى شيبة أن النبى معَّه أمر عتاب بن أسيد أن يخرص
العنب، كما يخرص النخل، فتؤدى زكاته زبيبًا كما تؤدى زكاة النخل تمرًا، فتلك سنة النبى علي ◌ّ.
فى النخل والعنب (كتاب الرد على أبى حنيفة (.ص١٥).
قلنا: هذا لا يعارض ما رواه الطحاوى عن جابر، لأنه مسند، وما رواه ابن أبى شيبة مرسل،
لأنه رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أن النبى عرٍّ أمر عتابًا إلخ،
ومع ذلك اختلف فیه علی الزهرى، لأنه رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن سعيد بن
المسيب عن النبى معَّ ◌ُّه، ورواه يونس بن يزيد عن الزهرى عن النبى عّ لّه، ولم يذكر سعيد بن
المسيب، وقال أبو زرعة: هو الصحيح عندى كما فى "العلل" لابن أبى حاتم (٢١٣:١)، فجاء
الشك فى أنه مرسل سعيد بن المسيب أو من مرسل الزهرى؟ وشتان بينهما.

ج - ١٧
باب الخرص
٣٥
ثم قال أبو حاتم: الصحيح عندى عن الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: كان يخرص
العنب، كما يخرص التمر، كذا رواه بعض أصحاب الزهرى كذا فى العلل لابن أبى حاتم، وأشار
أبو حاتم بهذا الكلام أن ما رواه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره عن سعيد بن المسيب أن النبى عدّ له.
أمر عتابا خطأ.
والصواب أن سعيدا لم يذكر النبى معَّ له ولا عتابًا، بل قال: كان يخرص العنب على وجه
الإبهام، فجاء الشك فى أن سعيدا قال هذا أو ذاك، ثم الذين رووه عن سعيد عن النبى عّ لّه اختلفوا
فى الألفاظ، فقال بعضهم نحو ما رواه ابن أبى شيبة.
وقال بعضهم: إن النبى عّ لّ كان يبعث على الناس من يخرص كرومهم وثمارهم، وقال
بعضهم: إن النبى ◌َِّ أمر عتابًا أن يخرص العنب زبيبها كما يخرص التمر، وليس فى هذين
اللفظين ما يدل على أن الزكاة كانت تؤخذ زبيبًا أو تمرا، بل يحتمل أن يكون خرص العنب زبيًا،
والرطب تمرًا لأخذ القيمة لا لأخذ عين الزبيب والتمر.
فلما اختلف ألفاظ الرواية لم يصح الاستدلال ببعضها، ولو سلم حجة ألفاظ ابن أبى شيبة
فهى أيضًا محتملة للتأويل، لأنه يحتمل أن يكون معناه، أن تخرص العنب زبيبًا كما تخرص
الرطب تمرًا، فتؤدى زكاته حال كونه زبيبًا بقيمته لا بعينه، كما تؤدى زكاة النخل حال كونه تمرًاً
بقيمته لا بعينه، فلا يكون الحديث مخالفًا لما أولنا به الخرص، وضرورة هذا التأويل لتتفق أحاديث
الخرص مع حديث النهى عن الخرص المبنى على أصول مسلمة، كما لا يخفى.
فإن قلت: فى التقويم بيعٌ للمجهول، قلنا: لا؛ لأن المبيع معلوم مشاهد، وإنما الجهالة فى
القدر، وهو لا يمنع البيع كبيع صبرة من الطعام، فثبت من هذا التفصيل أن مذهب أبى حنيفة فى
الخرص ليس بمخالف للأحاديث، كما زعمه. الذين يتبعون ظاهراً من القول فيتركون الأحاديث
والأصول الصحيحة، ويسمونه اتباع الحديث، ويسمون من خالفهم مخالفًا للحديث مع أنهم
أحرى بهذه التسمية، لأنهم يخالفون الأحاديث المعارضة للحديث المتنازع فيه بدعوى التخصيص
مع أنه ليس إلا رأيا رأوه وظنًا ظنوه، فهم أحق باسم أهل الرأى، فاعرف ذلك.
وقال الطحاوى فى تأويل الخرص: وجه ذلك عندنا أنه إنما أريد بخرص ابن رواحة ليعلم به
مقدار ما فى أيدى كل قوم من الثمار، فيؤخذ مثله بقدره فى وقت الصرام، لا أنهم يملكونه منه
شيئا بما يجب له فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم، وقال بعد أسطر: إنما أرادوا بذلك -أى

٣٦
إعلاء السنن
باب أجرة القسام
٥٤٦٣- قال البخارى: لم ير ابن سيرين بأجرة القسام بأسا، وقال: "كان يقال:
السحت الرشوة فى الحكم وكانوا يعطون على الخرص ..
الخرص- أن يعلموا مقدار ما فى نخلها خاصة، ثم يأخذون منها الزكاة فى وقت الصرام على
حسب ما يجب فيها اهـ ("معانى الآثار" ٣١٧:١-٣١٨).
قلت: الظاهر من العبارة الأولى أنهم يأخذون منه الزكاة على حسب ما خرصوا، والظاهر
من العبارة الثانية أنهم يأخذون منه الزكاة على حسب مال يجب، لا على حسب ما خرصوا،
فلا يعلم منه المراد، فإن كان مراده أنه يؤخذ منه الزكاة على حسب ما خرصوا، يرد عليه أنه
خلاف المذهب، وفيه مفسدة ذكرها الطحاوى نفسه، وهو أنه يمكن أن ينقص الثمر بعد الخرص
بآفة سماوية، ولا يجب فيه مقدار الخرص، وإن كان المراد أنه يؤخذ منه الزكاة على حسب ما
يجب يبطل فائدة الخرص، وما يقال: إنه للتحريف للمزارعين يبطله أنهم كيف يتخوفون بعد العلم
بأنه يؤخذ منهم على حسب ما يجب لا على حسب ما يخرص، فالتأويل الصحيح هو ما قلنا أخذًا
من كلام أبى يوسف فى "كتاب الخراج"، والله أعلم.
باب أجرة القسام
أقول: قال ابن حجر فى "الفتح" (٣٧٤:٤): اختلفت الروايات عنه، فروی عبد بن حميد
فى "تفسيره" من طريق يحيى بن عتيق عن محمد - وهو ابن سيرين- أنه كان يكره أن يشارط
القسام، ويقول: كان يقال: السحت الرشوة على الحكم وأرى هذا حكمًا يؤخذ عليه الأجرة.
وروى ابن أبى شيبة من طريق قتادة قال: قلت لابن المسيب: ما ترى فى كسب القسام؟
فكرهه وكان الحسن يكرهه، وقال ابن سيرين: إن لم يكن حسنا فلا أدرى ما هو؟ وجاءت عنه
رواية يجمع بها بين هذا الاختلاف، قال ابن سعد حدثنا عارم حدثنا حماد عن يحيى عن محمد
-هو ابن سيرين- أنه كان يكره أن يشارط القسام، وكأنه يكره له أخذ الأجرة على سبيل
المشارطة، ولا يكرهها إذا كانت بغير اشتراط اهـ.
وقال تحت قوله: كانوا يعطون على الخرص، وفى ذلك دلالة على جواز أجرة القسام
لاشتراكهما فى أن كلا منهما يفصل المتنازع بين المتخاصمين، ولأن الخرص بقصد القسمة،
ومناسبة ذكر القسام والخارص للترجمة الاشتراك فى أن جنسهما، وجنس تعليم القرآن، والرقية

ج - ١٧
أجرة القسام
واحد، ومن ثم كره مالك أخذ الأجرة على عقد الوثائق لكونهما من فروض الكفايات، وكره
أيضا أجرة القسام، وقيل: إنما كرهها؛ لأنه كان يرزق من بيت المال، فكره له أن يأخذ أجرة أخرى،
وأشار سحنون إلى الجواز عند فساد أمور بيت المال.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة: أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن
أجر: ضراب الفحل، وقسمة الأموال، والتعليم اهـ، وهذا مرسل، وهو يشعر بأنهم كانوا قبل ذلك
يتبرعون بها، فلما فشا الشح طلبوا الأجرة، فعد ذلك من غير مكارم الأخلاق، فتحمل كراهة من
كرهها على التنزيه اهـ ما فى "الفتح".
قلت: فرق بين الرشوة فى الحكم، والأجرة عليه، لأن الرشوة ما يعطى لجلب وجه الحاكم
إليه، والأجرة ليس كذلك، ثم القسمة ليس من باب الحكم، بل هو إفراز الحصص المشتركة فقط)
وكذا الخرص هو تعيين المقدار فقط، فلا حكم فى القسمة والخرص، فالأجر عليهما ليس بأجرة
على الحكم فاحفظ، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة أن على الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال،
لأن هذا من المصالح، وقد روى أن عليًا رضى الله عنه اتخذ قاسمًا، وجعل له رزقًا من بيت المال،
فإن لم يرزقه الإمام، قال الحاكم للمتقاسمين: ادفعا إلى القاسم أجرة ليقسم بينكما، والأجرة على
قدر النصيب من المقسوم، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: يكون على عدد رؤوسهم، لأن
عمله فى نصيب أحدهما كعمله فى نصيب الآخر، سواء تساوت سهامهم أو اختلفت، فكان
الأجر بينهم سواء اهـ (٥٠٧:١١)، ومثله فى "الهداية".
قال الموفق: الأصل فى القسمة قول الله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب
محتضر﴾، وقوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى) الآية، وقول النبي عَّر: ((الشفعة فيما
لم يقسم)) الحديث.
وقسم النبى عَّه خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكان يقسم الغنائم، وأجمعت الأمة على
جواز القسمة، ولأن بالناس حاجة إليها ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره،
ويتخلص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدى اهـ (٤٨٨:١١)، قال: والحيوان كغيره من الأموال
يقسم النوع الواحد منه، وبه قال الشافعى، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حينفة: لا يقسم الرقيق
قسمة إجبار، لأنه تختلف منافعه، ويقصد منه العقل والدين (والأمانة)، والفطنة، وذلك لا يقع فيه

٣٨
إعلاء السنن
كتاب المزار عة
باب النهى عن المزار عة
٥٤٦٤- عن عبد الله بن السائب قال: دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه عن
المزارعة فقال: زعم ثابت (ابن الضحاك) أن رسول الله عَ ليه نهى عن المزارعة وأمر
بالمؤاجرة وقال: لا بأس بها، أخرجه مسلم (١٤:٢).
تعديل، قال: ولنا أن النبى عّ لّه جزأ العبد الذين أعتقهم الأنصارى فى مرضه ثلاثة أجزاء اهـ، قلنا:
ليس هذا من القسمة المتنازع فيها وهى القسمة بين الشركاء، فإن العبيد كانوا كلهم للأنصارى،
سلمنا ولكنه أعتق من كل عبد ثلثه، وأرق ثلثيه، وألزمه أداء ثلثى قيمة إلى ورثة المعتق، وهذا ليس
من القسمة فيما يتعلق حق الشركاء فيه برقاب العبيد، بل هى كقسمة الغنائم، ولا خلاف فى
قسمة الرقيق فى المغانم، لأن حق الغانمين فى المالية، حتى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها، وكذلك
ههنا، فإن المورث إذا أعتق عبيده كلهم فى مرضه تعلق حق الورثة بالمالية لا برقاب العبيد، بخلاف
ما نحن فيه، فإن ههنا يتعلق حق الشركاء بالعين والمالية جميعًا فافترقا، كذا فى "الهداية".
باب النهى عن المزارعة
أقول: الحديث أصرح شىء فى الباب، لأنه صرح فيه بالمنع عن المزارعة مطلقًا، والإذن فى
المؤاجرة، وهو يقطع احتمال أن يكون النهى للتنزيه، لأنه لا فرق عند قائليه فى المزارعة، والمؤاجرة،
والحديث صريح فى الفرق، وإذا كان الأمر كذلك فيكون هو الحجة، ولا حجة فى غيره، لأن ما
روی مسلم وغيره عن أبى سعيد، وأبى هريرة، وجابر أنه مێ نهى عن المحاقلة، ففیه أنه لا يدرى ما
المحاقلة، لأنه روى بعضهم عن جابر أنه قال: هو بيع الزرع القائم بالحب كيلا، أخرجه مسلم،
ورواه عنه بعضهم، فقال: هو كراء الأرض، أخرجه أيضًا مسلم، وهكذا رواه مسلم عن ابن
عباس، وأبى سعيد الطائى كراء الأرض، فجاء الالتباس فى تفسيره، فلم يبق حجة، ولو سلم أنه هو
كراء الأرض فلا يدرى أن كراء الأرض منهى عنه مطلقًا، أو النهى مخصوص ببعض صوره؟
فانتفى الاحتجاج أيضًا.
وما روى الترمذى عن ابن عباس، وصححه أن النبى معَّه لم ينه عن المزارعة، ولكن أمر أن
يرفق بعضه ببعض، ففيه أنه مجمل، لأنه لا يدل على أن المزارعة يجوز مطلقًا، أو بعض صوره
فقط، ثم هو اجتهاد من ابن عباس يحمل النهى على التنزيه، فلا يكون حجة على مجتهد آخر.

ج - ١٧
النهى عن المزارعة
٣٩
وما روى عن سعد بن أبى وقاص أن أصحاب المزارع فى عهد رسول الله عّ لّ كانوا
يكرون مزارعهم لما يكون على السواقى، وما يبعد بالماء مما حول النبت، فجاؤوا رسول الله عَ ليه
فاخلتفوا فى بعض ذلك، فنهاهم أن يكروا بذلك، وقال: ((أكروا بالذهب والفضة))، رواه أحمد،
وأبو داود، والنسائی.
ففيه أنه لا يدل على أن حكم الربع، والثلث، والنصف ما هو؟ فهو أيضًا لا يصلح
للاحتجاج، وما روى أبو داود وغيره عن زيد بن ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا
-والله- أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان قد اقتلا، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إن كان هذا شأنكم
فلا تكروا المزارع))، فسمع قوله: ((لا تكروا المزارع))، ففيه أنه تأويل غير صحيح، لأن منشأ فتوى
رافع بن خديج ليس ما ذكره زيد، بل غيره كما يدل عليه رواياته، ثم إن قوله: إن كان هذا شأنكم
إلخ، لا يدل على جواز المزارعة بالنصف والثلث، وغير ذلك، وإن دل فهو معارض بما روى عنه أبو
داود أنه قال: إن النبى عّ لّهِ نهى عن المخابرة، قيل له: وما المخابرة؟ قال: المزارعة بالنصف، والثلث،
والربع، فلا حجة فيه.
وما روی عن رافع بن خديج فاختلفوا فیه، فصححه بعضهم، وأعله بعضهم بالاضطراب،
قال فى بذل المجهود (٢٥٩:٤).
قال فى "فتح الودود": قيل: إن حديث رافع مضطرب، فيجب تركه اهـ، والحق أنه
مضطرب سندًا ومتنًا، أما سندًا فلأنه يقول تارة: نهى رسول الله عَّ ◌ُلّه، وتارة: سمعت رسول
الله ◌ُ ◌ّه أنه نهى عن ذلك، وتارة: حدثنى بعض عمومتى، وتارة: حدثنى ظهير بن رافع، وتارة: أن
عميه الذين شهدا بدرا أخبراه بذلك، وهل هذا إلا الاضطراب، وأما متنًا، فلأنه قد يقول: إنما كان
الناس يؤاجرون على عهد رسول الله عَّه بما على الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع،
فيهلك هذا، ويسلم هذا، ولم يكن للناس كرى إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شىء معلوم
مضمون فلا بأس به، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائی.
وهذا يدل على أنه لو كرى أرضه بالنصف، والثلث، والربع، أو بطعام مسمى غير ما
يخرج من الأرض، أو الدراهم والدنانير يكون جائزاً، وقد يقول: كنا نحاقل الأرض على عهد
رسول الله عَّ فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتى،
فقال: نهانا رسول الله عَّه عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل

٤٠
النهى عن المزارعة
إعلاء السنن
بالأرض فنكريبها على الثلث، والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يزرعها،
وكره كرائها، وما سوى ذلك أخرجه أيضًا مسلم.
وهو يدل على أنه نهى عن الكراء بالثلث، والربع، وغير ذلك مطلقًا، ويروى عنه أيضًا غير
ذلك، وهل هذا إلا اضطراب، فلا حجة فيه أيضًا، فالحجة هو ما رواه ثابت أنه نهى عن المزارعة،
وأمر بالمؤاجرة، وهو القياس أيضًا، ولذا أذه أبو حنيفة للعمل.
فإن قلت: إنه معارض لما صح عن النبى عّ لِّ أنه عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج؟ قلنا:
حديث النهى قولى، وحديث المعاملة فعلى(١)، وعند التعارض يقدم القولى على الفعلى، ثم حديث
النهى حاظر، وحديث المعاملة مبيح، وعند التعارض يقدم الحاظر(٢) على المبيح.
ثم إن حديث النهى نص فى المنع، وحديث المعاملة محتمل للإباحة لاحتمال اختصاصه
بالنبى عَّ لوجه لا نعلمه، وعند التعارض يقدم النص على المحتمل، ثم حديث النهى موافق
للقياس، وحديث الإباحة مخالف له، وعند التعارض يقدم ما هو موافق للقياس على ما هو مخالف
له، فلذلك قدم أبو حنيفة حديث النهى على حديث المعاملة.
وأجاب بعضهم عن حديث المعاملة أنها لم تكن مزارعة، بل خراج للمقاسمة، وقال فى
" بذل المجهود": والدليل عليه أنه لم يعين له المدة، والمزارعة إذا لم يعين لها المدة، فهى فاسدة عندكم
أيضًا (بذل المجهود ٢٦٠:٤)، ولكن فيه أن الأرض كانت للمسلمين لا لأهل خيبر، كما صرح به
فى الروايات.
وقد أخرج أبو داود عن ابن عباس أنه قال: افتتح رسول الله عّل خيبر، واشترط أن له
الأرض، وكل بيضاء وصفراء، وهو صريح فيما نحن فيه، وخراج المقاسمة كان يمكن إن كان
الأرض لأهل خيبر، فلا يصح الجواب، وما قيل: إنه لم يعين له المدة، فلا دلیل علیه، إذ عدم كون
تعيين المدة مرويًا، لا يستلزم(٣) عدم كونها معينة فى المعاملة، ولو سلم فالفساد غير مسلم مطلقًا،
(١) فيه نظر لما فيه من قوله عَّه: نقركم بها على ذلك، أى على أن يكفوا عملها، ولهم الشطر ما شئنا، وهذا قول، وليس بفعل
مجرد، وأيضًا: فكيف يظن به أن ينهى عن شىء، ثم يخالفه بالعمل، ويستمر عليه مدة حياته، وأيضًا: فالفعل المقرون
بالاستمرار بمنزلة القول، كما تقرر فى الأصول.
(٢) هذا إذا جهل التاريخ، وإلا فالترجيح للمتأخر، وحديث معاملة خيبر متأخر حتمًا لكونه مرِّ استمر عليه إلى أن توفى.
(٣) قلنا: لو قدرت لم يترك نقلها، لأن هذا مما يحتاج إليه، فلا يجوز الإحلال بنقله.