Indexed OCR Text

Pages 1-20

٥
٧
إغلا السُّنْ
تأليف
الحَدِالنَّائِالعَلَامِ مُوْلاَنَظّفَرَ اجِدِالجثمانِ التَّهَانُوِيَّاللّ
علىضوء ما أفاده
جَكَِّ الأمْر الأِالقِفِي الدّاعِيِ كَبِرَلَا الشَّيعَ الْف ◌َعَل التهابِ
أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى
أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة
الجزء السابع عشر
إِلَخَارَةُ القُرْ وَالْعَائِ الإِثْلَمَةُ
أشرف منزل د/٤٣٧، كاردن الست ، كراتشى، باكستان

جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها.
ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QURAN
No part of this book may be reproduced or
utilized in any form or by any means
الطبعة الأولى :
١٤٠١ هـ
الطبعة الثانية :
١٤٠٥ هـ
الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر:
١٤١٥ هـ
بإدارة القرآن كراتشى
الصف والطبع:
نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين
نعيم أشرف نور أحمد
...............
على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه:
فهیم اشرف نور أحمد
أشرف على طباعته :
من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گارڈن ایسٹ كراتشي ٥ باكستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً من :
باب العمرة مكة المكرمة
.....
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
مكتبة الإيمان
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد
١٩٠ انار كلى لاهور
إداره اسلاميات

٣
ج - ١٧
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الشفعة
باب لا شفعة إلا فى دار أو عقار
٥٤٤٨- حدثنا عمرو بن على ثنا أبو عاصم ثنا ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر .
قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا شفعة إلا فى ربع أو حائط، ولا ينبغى له أن يبيع حتى
يستأمر صاحبه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك))، أخرجه البزار، وقال: لا نعلم أحدًا يرويه
بهذا اللفظ إلا جابر (زيلعى ٢٥٩:٢)، وقال فى "الدراية": رجاله أثبات، وفى
"التلخيص الحبير" (٢٥٤:٢) بسند جيد.
باب لا شفعة إلا فى دار أو عقار
أقول: الحديثان نصان فى الباب، وهما يبطلان قول من قال: الشفعة فى كل شىء منقول
وغيره، وما أخرجه أبو بكر عن ابن عباس أنه قال مرفوعًا: ((لا الشفعة فى العبد، وفى كل شىء))،
كما فى كنز العمال" (٢:٤)، فلم أقف على سنده، نعم رواه إسحاق بن راهويه فى "مسنده" عنه
بسند، قال فيه ابن حجر فى "الدراية": رجال إسناده ثقات بلفظ: الشريك شفيع والشفعة فى كل
شىء، وكذا رواه الطحاوى فى "تهذيب الآثار" عنه بلفظ: ((قضى رسول الله عَ لّه بالشفعة فى
كل شىء))، وأيضًا رجاله ثقات، أخرج الروايتين الزيلعى فى "نصب الراية" (٢٥٨:٢)، إلا أنه لا
حجة لهم فيه، لأن المراد من كل شىء، هو العقار من الربع، والحائط وغيرهما كما صرح به فى
رواية جابر وأبى هريرة، فافهم.
تفصيل الكلام فى حديث: ((الشفعة فى كل شىء)):
قال العبد الضعيف: والأثران ذكرهما ابن حزم فى "المحلى" من طريق الطحاوى: نا محمد
ابن خزيمة نا يوسف بن عدى -هو القراطيسی - وهو وهم من ابن حزم ليس فى كتاب الطحاوى
نبه عليه ابن القطان، وقال: قد وجدنا لابن حزم كثيراً من ذلك فى كتابه، وهو قبيح، والقراطيسی
إنما هو یوسف بن یزید، وهذا یوسف بن عدی أخو ز کریا بن عدی کوفی نزل مصر یروی عن
مالك بن أنس، وروى عنه الرازيان، قاله أبو حاتم: ووثقه هو وأبو زرعة اهـ (زیلعی): نا ابن إدريس
-هو عبد الله الأودى- عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: ((قضى رسول الله عَّ ◌ُله بالشفعة فى

٤
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
إعلاء السنن
٥٤٤٩- وأبو حنيفة عن عطاء عن أبى هريرة مرفوعًا: ((لا شفعة إلا فى دار
أو عقار))، أخرجه البيهقى (تلخيص ص٢٥٤)، وسكت عليه الحافظ، ولم يعله بشىء.
كل شىء))، قال الطحاوى: وحدثنا إبراهيم بن أبى داود نا نعيم نا الفضل بن موسى عن أبى حمزة
السكرى عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ له:
(الشريك شفيع، الشفعة فى كل شىء))، ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن عبد العزيز بن
رفيع عن ابن أبي مليكة قال: قضى رسول الله عَّه بالشفعة فى كل شىء: الأرض، والدار،
والجارية، والخادم. فقال عطاء: إنما الشفعة فى الأرض والدار، فقال له ابن أبى مليكة تسمعنى لا أم
لك أقول: قال رسول الله مَّه: ثم تقول مثل هذا؟ قال ابن حزم: وإلى هذا رجع عطاء كما روينا
من طريق وكيع نا أبان عن عبد الله البجلى قال: سألت عطاء عن الشفعة فى الثوب فقال: له شفعة،
وسألته عن الحيوان، فقال: له شفعة، وسألته عن العبد؟ فقال: له شفعة، فهذان عطاء وابن أبى مليكة
بأصح إسناد عنهما اهـ (٨٤:٩).
والجواب أن حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر يعارضه ما رواه أبو عاصم عن ابن جريج
عن أبى الزبير عن جابر، وعطاء، وإن كان فوق أبى الزبير فى الفقه والفضل، فأبو الزبير أقعد الناس
بجابر، وأعلمهم بحديثه، كما لا يخفى على من مارس الإسناد، وإذا كان كذلك فلا بد من الجمع
بينهما، ولا ريب أن حديث أبى الزبير عن جابر صريح فى نفى الشفعة عما سوى الدار والعقار،
وحديث عطاء عن جابر ليس بصريح فيه لاحتمال أن يراد بكل شىء، كل شىء يتعلق بالأرض،
والعقار من الطريق ونحوها.
والحديث ذكره الزيلعى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، كما فى "نصب الراية" عن
"تهذيب الآثار" للطحاوى، قال: ومن جهة الطحاوى ذكره عبد الحق فى "أحكامه" (٢٥٨:٢)،
وفى "الدراية": وروى الطحاوى من وجه آخر عن ابن عباس قال: قضى رسول الله عَ لّه بالشفعة
فى كل شىء، ولكن الذى فى معانى الآثار موافق لما ذكره ابن حزم، والله أعلم (ص٣١٧).
وحديث ابن أبى مليكة عن ابن عباس تفرد بذكر ابن عباس فى السند أبو حمزة
السكرى، قال على بن عمر الحافظ خالفه شعبة وإسرائيل، وعمرو بن أبى قيس، وأبو بكر بن
عياش، فرووه عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبى مليكة مرسلا، وهو الصواب، (قلت: وهكذا
رواه أبو الأحوص عنه مرسلا، كما مر)، ووهم أبو حمزة فى إسناده قاله البيهقى فى "سننه"
(١٠٩:٦)، والدار قطنى (٥١٩:٢).

٥
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
ج - ١٧
.
ولا شك أن المرفوع المتصل أولى من المرسل، وما فى أثر أبى الأحوص عن عبد العزيز بن
رفيع عن ابن أبى مليكة من قول عطاء: إنما الشفعة فى الأرض والدار أكبر دليل على ما قلنا: إن
حديث جابر: قضى رسول الله عَّه بالشفعة فى كل شىء، محمول على كل شىء يتعلق بالأرض
والدار من الطريق والشرب ونحوهما، وإلا فيبعد كل البعد أن يكون عند عطاء عن جابر عن
رسول الله عَّ أنه قضى بالشفعة فى كل شىء (منقول أو غير منقول)، ثم يرد على ابن أبي مليكة
قوله حين روى له ما يوافقه، فثبت أن حديث جابر لم يكن عنده على العموم بدليل ما روى عنه
أبو الزبير مرفوعًا: لا شفعة إلا فى ربع أو حائط.
قال الطحاوى بعد ما روى حديث عطاء عن جابر مرفوعًا: فإن قال: فإنك لا تقول بهذا
الحديث، لأنه يوجب الشفعة فى جل شىء من حيوان أو غيره، وأنت لا توجب الشفعة فى
الحيوان، قيل له: ليس هذا على ما ذكرت، إنما معنى الشفعة فى كل شىء أى فى الدور والأرضين
والعقار (وما يتعلق بها من الطريق والشرب والمسيل ونحوها)، والدليل على ذلك ما قد روى عن
ابن عباس: حدثنا أحمد بن داود ثنا يعقوب ثنا معن بن عيسى عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء
عن ابن عباس قال: لا شفعة فى الحيوان (٢٦٩:٢).
وقول ابن حزم: محمد بن عبد الرحمن مجهول رد عليه، لأن الطحاوى قد احتج به،
وعارض به السند الصحيح الذى ذكره أولا، وهذا لا يستقيم إلا إذا كان المعارض صحيحًا مثله،
فلعل ابن حزم جهل من قد عرفه الطحاوى، والعارف مقدم على من لم يعرف، قال ابن حزم:
وليس فيه أيضًا: أنه لا شفعة فى غير الحيوان اهـ (٨٧:٩).
قلنا: قد وقع التصریح بذلك فی حدیث جابر عند البزار، وقد تبين بقول ابن عباس هذا: إن
قوله: قضى رسول الله عّ لّه بالشفعة فى كل شىء ليس على عمومه، وإذ قد بطل عمومه لم يكن
ذلك معارضًا لما فى حديث جابر أن لا شفعة إلا فى ربع، أو حائط، وما فى حديث أبى هريرة:
لا شفعة إلا فى دار أو عقار، وهو نص فى موضع النزاع فوجب التعويل عليه، لأن الشفعة ليست
لفظة قديمة، إنما هى لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل رسول الله مئێ، لا يدرى أحد ما
المراد بها حتى بينه رسول الله عَّ له، وقد بين أن ذلك فى الدار والعقار، ولم يذكرها فى غير ذلك،
فلم يجز أن يتعدى بها بيان رسول الله عد له.
... وأما ما فى أثر ابن أبى مليكة المرسل من قوله: الأرض، والدار، والجارية، والخادم، فالظاهر

٦
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
إعلاء السنن
أنه سمع ابن عباس يقول: قضى رسول الله عَ ليه بالشفعة فى كل شىء، فحمله على العموم برأيه،
وزاد فيه ذكر الجارية، والخادم رواية بالمعنى، وأخطأ فى ذلك، لأنه لم يكن عد ابن عباس عامًا
للحيوان وغيره، كما فهمه ابن أبى مليكة لما ثبت عنه أنه قال: لا شفعة فى الحيوان، وإذا كان
كذلك فلا يصح القول بإيجاب الشفعة فى كل جزء مشاع غير مقسوم بين اثنين فصاعدا من أى
شىء كان مما ينقسم أو لا ينقسم من أرض، أو شجرة واحدة فأكثر، أو عبد، أو ثوب، أو أمة، أو
من سيف، أو من طعام، أو من أى شىء، كما قاله الظاهرية، ومنهم ابن حزم فى "المحلى" (٨٢:٩)،
لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله عَّه، والذى ورد بصيغة العموم مرسلا، أو موصولا، لا يصح
حمله على العموم لما ذكرنا، ولو صح ذلك لصح القول بإيجاب الشفعة فى الصداق، والإجارة،
والهبة، والوصية ونحوها لعموم قوله: الشفعة فى كل شىء، ولحديث جابر: جعل رسول الله عَ لّه
الشفعة فى كل مال لم يقسم، رواه البخارى، ولا يقول ابن حزم بذلك، فإن قال: لفظة الشفعة
لفظة شرعية، فلا يجوز أن يتعدى بها بيان رسول الله عَ ليه، وقد بين أن الشفعة فى البيع، ولم
یذ کرها فى غير ذلك.
قلنا: قوله: جعل الشفعة فى كل مال لم يقسم يعم كل مال مبيعًا كان أو موهوبًا، أو صداقًا،
أو موصى به، كما يعم قوله: قضى بالشفعة فى كل شىء: الأرض، والدار، والحيوان وغيره عندك،
وذكر البيع فى بعض ألفاظ الحديث لا يقتضى نفى الشفعة عن غير البيع، كما قلت: إن قول ابن
عباس: لا شفعة فى الحيوان ليس فيه أن لا شفعة فى غير الحيوان، فالجواب الجواب، والدليل
الدلیل.
والعجب أنه يجعل مجرد ذكر البيع نافيًا للشفعة عن غيره، ولا يجعل قول رسول الله عَ ليه:
«لا شفعة إلا فى ربع أو حائط))، وقوله: لا شفعة إلا فى دار أو عقار، نافيًا لها عن غير الدار والعقار
مع كونه نصًا فى موضع النزاع، فافهم.
فإن ثبوت حق الشفعة إنما ورد على خلاف القياس لما فى ذلك من الإضرار بأرباب الأموال،
فإن المشترى إذا علم أنه يؤخذ منه المشترى بالشفعة لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر
المالك به.
وأيضًا: فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ عام فى جواز بيع الشريك، أو الجار حصته،
أو داره من شريكه، أو جاره، أو من غيره، ومقتضى ذلك ملك المشترى لما اشتراه، وأن لا يكون

٧
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
ج - ١٧
أحد فيه حق، فلا يصح القول بالشفعة إلا فيما ثبت عن رسول الله عّ له صريحًا، ووقع عليه
الإجماع، وليس ذلك إلا فى بيع الدار، أو العقار دون ما سواهما، وفى البيع وحده دون ما سواه،
وروى سعيد بن منصور نا هشيم عن عبيدة وجریر ویونس، قال عبيدة عن إبراهيم، وقال: جریر
عن الشعبى، قالا جميعًا: لا شفعة إلا فى دار أو عقار، وقال يونس عن الحسن: لا شفعة إلا فى
تربة، كذا فى "المحلى" وإسناده صحيح (٨٧:٩).
قال ابن حزم: وما نعلم إسقاط الشفعة فيما عدا الأرض إلا عن ابن عباس، وشريح وابن
المسيب، ولا يصح عنهم، (قلت: دعوى عدم الصحة متكلم فيها)، وعن إبراهيم، والشعبى،
والحسن، وقتادة، وحماد بن أبى سليمان، وربيعة، وعن هؤلاء صحيح اهـ.
قلت: قد صح ذلك عن جابر مرفوعا كما فى المتن، وعن أبى هريرة مرفوعا، وروى البيهقى
فى "سننه" عن عبادة بن الصامت قال: ((قضى رسول الله عَّ ◌ُلّه بالشفعة بين الشركاء فى الدور
والأرضين))، قال: وروينا عن شريح أنه قال: لا شفعة إلا فى أرض أو عقار. وعن سعيد بن المسيب
سليمان بن يسار قال: الشفعة فى الدور والأرضين، وعن الحسن قال: ليس فى الحيوان شفعة اهـ
(١٠٩:٦).
أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة:
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذى لم يقاسم فيما بيع من
أرض، أو دار، أو حائط، ولا نعلم أحدًا خالف هذا إلا الأصم قال: لا تثبت الشفعة، لأن فى ذلك
إضرارًا بأرباب الأملاك، (وهو محجوج بما ورد فى الباب من الأحاديث الصحيحة المتفق على
صحتها، وبإجماع من تقدمه من الصحابة والتابعين).
قال الموفق: إن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هى انتزاع ملك المشترى بغير رضاه،
وإجبار له على المعاوضة (وهو خلاف قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾) مع ما
ذكره الأصم، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط فذكرها (٥: ٤٦٠-٤٦١).
الجواب عن إيراد ابن حزم على الحنفية لقولهم: بالشفعة مع مخالفتها للأصول:
وبهذا ظهر الجواب عن إيراد ابن حزم علينا بقوله: ولقد كان يلزم الحنفيين المخالفين للثابت
من رسول الله عَ ظّم من حكم المصراة، ومن حكم: من وجد سلعته عند مفلس فهو أولى بها،

٨
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
إعلاء السنن
باب الشفعة بالشركة فى نفس المبيع أو حقه
٥٤٥٠- عن جابر: ((أن النبى عَّ ل قضى بالشفعة فى كل ما لم يقسم، فإذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))، رواه أحمد والبخارى.
والقرعة بين الأعبد الستة فى العتق، وقالوا: هذه الأخبار مخالفة للأصول أن يقولوا: مثل هذا فى
خبر الشفعة، ولكن التناقض أسهل شىء عليهم اهـ (٨٥:٩)، فإن الشفعة مجمع عليها، والأخبار
التى ذكرها ابن حزم ليست مما أجمعت الأمة على العمل به، وهى مخالفة للأحاديث المجمع على
العمل بها، فلا بد من إرجاع المختلف فيه إلى المجمع عليه، وحاشا أبا حنيفة وأصحابه أن يخالفوا
رسول الله عَّ فى أمر أمر به، أو قضاء قضى به، فإن غاية مراد المسلم اتباع الرسول، وإرضاء
الرب، وأى فائدة فى العلم والفقه إذا لم يرد العالم بعلمه إرضاء الله وإرضاء رسوله بالاتباع
والإطاعة؟ ولكن الاختلاف بين أخبار الآحاد، وبين الأخبار المجمع على العمل بها يورث شكا فى
أخبار الآحاد ثبوتًا أو دلالة، ومع ذلك فالحنفية لا يردون الأخبار بعضها ببعض، كما يفعله
الظاهرية، بل يجمعون بين مختلف الأحاديث بترجيح الراجح، وحمل المرجوح على محامل حسنة
مؤيدة بآثار الصحابة، وأقوال التابعين إذا لم يدل دليل على وجود النسخ فى بعضها، كما بينا ذلك
فى باب المصراة من البيوع، فليراجع.
وقال الحافظ فى "الفتح": ولم يختلف العلماء فى مشروعيتها -أى الشفعة- إلا ما نقل عن
أبى بكر الأصم من إنكارها (٤: ٣٦٠)، ظ.
باب الشفعة بالشركة فى نفس المبيع أو حقه
أقول: قوله: قضى بالشفعة فى كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق
فلا شفعة، يدل على أن الشفعة تستحق بالشركة فى نفس المبيع، وفى حق المبيع.
أما الأول: فظاهر، وأما الثانى: فلقوله: وصرفت الطرق إذا لو لم يكن الشركة فى الطريق
موجبة للشفعة لم يحتج إلى قوله: وحرفت الطرق، فدل ذلك على أن الشفعة كما تستحق
بالشركة فى نفس المبيع، تستحق بالشركة فى الطريق، ولما استحقت بالشركة فى الطريق،
فبالشركة فى حق آخر كالمسيل وغيره كذلك لاشتراك العلة.
وقوله: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه يدل على أنه ينتظر الشريك إن كان غائبا، وقد
عرفت أن المراد من الشريك أعم من أن يكون شريكًا فى نفس المبيع، أو فى طريق المبيع، فثبت من

٩
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
ج - ١٧
٥٤٥١- وعنه: ((أن النبى عّ لّ قضى بالشفعة فى كل شركة لم تقسم -ربعة
أو حائط- لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باعه
ولم يؤذنه فهو أحق به))، رواه مسلم والنسائی وأبو داود ..
المجموع أن الجار إذا كان شريكًا فى الطريق، فهو أحق بالشفعة، وإن كان غائبًا ينتظر بالشفعة، وإذا
ثبت هذا ثبت أن ما رواه عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء بن أبى رباح عن جابر أنه قال: قال
رسول الله عَّه: ((الجار أحق بالشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا)) رواه
أبو داود وغيره لم يتفرد به عبد الملك، بل روى البخارى ومسلم معناه، فسقط إنكار شعبه وغيره
علی عبد الملك هذا الحديث، قولهم: إنه تفرد به، لأنك قد عرفت أنه لم يتفرد به، بل روی غيره
معناه، ثم قوله: فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق يدل على أن قوله: كل ما لم يقسم ليس مما
يعم النقول وغيره، بل إنما هو يعم غير المنقول فقط، كما يدل عليه تفسيره بربعة، أو حائط.
خطأ الشوكانى فى نقل المذهب:
فانخسف ما قال الشوكانى: إن ظاهر هذا العموم ثبوت الشفعة فى جميع الأشياء، وأنه لا
فرق بين الحيوان، والجماد وغيره، لأن ظهوره إنما هو لمن لم يتدبر فى ألفاظ الحديث، وأما من تدبر
فهو لا يشك فى أنه لا يعم المنقول، بل هو عام لغيره فقط، ومن العجائب أنه نسب هذا العموم إلى
أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد، وقال: وقد ذهب إلى ذلك العترة ومالك، وأبو حنيفة،
وأصحابه، مع أن أبا حنيفة، وأصحابه براء من ذلك، وهم لا يقولون بالشفعة فى المنقول، فتذكر.
وقوله: لا شفعة معناه: أنه لا شفعة من جهة الشركة لا أنه لا شفعة فى المنقول، فتذكر،
وقوله: لا شفعة معناه: أنه لا شفعة من جهة الشركة لا أنه لا شفعة أصلا؛ لأنه قد ثبت الشفعة
بالجدار كما سيأتى، فلا تنافى بينه، ومن حديث الشفعة بالجوار، كما فهمه الشافعى.
وقوله: لا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه إلخ، معناه: أنه لا يحل له من حيث المروءة،
ويحتمل أن يكون معناه: أنه والحل له ذلك من حيث الدين، ويقال: إنه خرج مخرج الزج للناس
عن إخفاء البيع من الشريك إضرارًا له، كما هو عادة الناس فى أمثال هذه المواضع، وحينئذ يكون
معناه: أنه لا يحل لأحد أن يقصد إضرار شريكه بإخفاء البيع عنه، بل ينبغى له أن يطلعه عليه، لأنه
لا فائدة له فى إخفاءه، إذ لو أخفاه عنه كان أحق بالشفعة حين يطلع عليه، ولا يسقط به حقه، فأى
فائدة فى الإخفاء سوى الإثم بقصد الإضرار؟ فلا ينبغى أن يفعل، وإذا كان الحديث مسوقًا للغرض

١٠
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
إعلاء السنن
٥٤٥٢- وعن عبادة بن الصامت: ((أن النبى عَّ ◌ُلّهِ قضى بالشفعة فى الأرضين
والدور))، رواه عبد الله بن أحمد فى "زيادات المسند"، وفيه انقطاع، لأنه من رواية
المذكور، وكان معناه: ما ذكرنا فلا يدل على سقوط حق الشفعة بالاطلاع على البيع قبل البيع،
وعدم طلب الشفعة إذ ذاك، لأن الحديث ساكت عن هذا البحث غير متعرض له كما لا يخفى،
وكذا لا يدل على عدم جواز البيع قبل الإيذان، وعدم جواز الحيلة لإسقاط الشفعة، لأن إسقاط
الشفعة بالحيلة يحتمل أن يكون لرفع الضد عن نفسه لا لإضرار الشريك.
فاندفع ما قال ابن القيم فى "إعلام الموقعين" (٢٢٩:١): إنهم احتجوا على إيجاب الشفعة
فى الأراضى، والأشجار بقوله: قضى رسول الله معرّ له بالشفعة فى كل شرك فى ربعة أو حائط، ثم
خالفوا نص الحدیث نفسه، فإن فیه: لا يحل له أن يبيع حتی یؤذن شریکه، فإن باع ولم يؤذنه فهو
أحق به، فقالوا: يحل له أن يبيع قبل إذنه، ويحل له أن يتحيل لإسقاط الشفعة، وإن باع بعد إذن
شریکه فهو أحق أيضًا بالشفعة، ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه اهـ.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: إن الشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع،
فقال: قد أذنت فى البيع، أو أسقطت شفعتى، أو ما أشبه ذلك لم تسقط، وله المطالبة بها متى وجد
البيع، هذا ظاهر المذهب، وهو مذهب مالك، الشافعى، والبتى، وأصحاب الرأى، وروى عن أحمد
أن الشفعة تسقط بذلك، وهذا قول الحكم، والثورى، وأبى عبيد، وأبى خيثمة، وطائفة من أهل
الحديث (علق البخارى)، عن الحكم قال: إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له، وقال الشعبى: من بيعت
شفعته، وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له اهـ.
قلت: قول الشعبى محمول عندنا على ما إذا لم يواثب بطلب الشفعة فى مجلس العلم
بالبيع، وهو معنى قوله: وهو شاهد لا يغيرها أى لا يواثب بطلب الشفعة، وسيأتى أن المواثبة
بالطلب شرط لثبوت الشفعة تسقط بتركها.
قال ابن المنذر: وقد اختلف فيه عن أحمد، فقال مرة: تبطل شفعته، وقال مرة: لا تبطل،
واحتجوا بقول النبى معَّه: من كان له شركة فى أرض ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع، حتى
يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، ومحال أن يقول النبى معَّ له: وإن شاء ترك،
فلا يكون لتركه معنى (قلنا: لا ينحصر معناه فى سقوط الشفعة به كما سيأتى)، ومفهوم قوله: فإن
باع ولم يؤذنه، فهو أحق به أنه إذا باعه پإذنه لا حق له.
(قلنا: لا حجة فى المفهوم كما تقرر فى الأصول)، ولأن الشفعة تثبت فى موضع الاتفاق

١١
ج - ١٧
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
إسحاق عن عبادة ولم يدركه، كذا فى "النيل" (٢١٧:٥)، ولكن الانقطاع غير مضر
عندنا لا سيما إذا تأيدت برواية جابر وغيره.
على خلاف الأصل لكونه يأخذ ملك المشترى من غير رضاه، ويجبره على المعاوضة به لدخوله مع
البائع فى العقد الذی أساء فیه پإدخاله الضرر على شریکه، وتر که الإحسان إليه فی عرضه عليه،
وهذا المعنى معدوم ههنا، فإنه قد عرضه علیه امتناعه من أخذه دلیل علی عدم الضرر فى حقه ببيعه،
وإن كان فيه ضرر فهو أدخله على نفسه فلا يستحق الشفعة كما لو أخر المطالبة بعد البيع، ووجه
الأول: أنه إسقاط حق قبل وجوبه، فلم يصح كما لو أبرأه مما يجب له، أو أسقطت المرأة صداقها
قبل التزويج، (فلا عبرة بالعرض عليه، وامتناعه من الأخذ قبل ثبوت الحق).
وأما الخبر فيحتمل أنه أراد العرض عليه ليبتاع ذلك إن أراد، فتخف عليه المؤنة، ويكتفى
أخذ المشترى الشقص، لا إسقاط حقه من شفعة اهـ (٥٤٢:٥)، وأيضًا: فإن الظاهر من شأن أنه إذا
ترك شيئا لا يطلبه بعد ذلك، فكان لتركه معنى، وهو رجاء أنه لا يطلبه، لا أنه يسقط حقه بالمرة،
فافهم.
وأما قول ابن حزم: إن الشفعة وغير الشفعة من أحكام الديانة كلها لا تجب إلا إذا أوجبها
الله تعالى على لسان رسوله عّ لّه، وإلا فما لم يجئ هذا المجىء، فليس هو من الدين، ورسول
الله ◌َِّ هو الذى أوجب حق الشفيع بعرض الشفعة عليه قبل البيع، وأسقط حقه بتركه الأخذ
حينئذ إلخ (٨٧:٩)، ففيه: أن رسول الله عَّه متى أوجب حق الشفيع بعرض الشفعة عليه قبل
البيع، ومتى أسقط حقه بتركه الأخذ؟ وغاية ما فى الحديث أنه مرّ أمر البائع بعرض الشفعة على
الشفيع قبل البيع، وأين فيه ثبوت الحق بهذا العرض؟ وليس فى قوله معرّه: ((إن شاء أخذ، وإن شاء
ترك)) دلالة على سقوط حق الشفيع بتركه الشفعة قبل البيع كما بينا، ولكن ابن حزم لا يزال يحتج
على الخصم بما هو غير مسلم عنده، ولا هو ثابت من الحديث إلا عند ابن حزم وحده، وأما قوله:
وإلا فليأتونا عنه عليه السلام بأن الأخذ لا يجب للشفيع إلا بعد البيع فقط، هذا لا يجدونه أصلا.
قلنا: قد اعترف ابن حزم نفسه أن الشفعة لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل رسول
الله عَّه، وقد بين أن ذلك فى البيع، فلم يجز أن يتعدى بها بيان رسول الله مَّ ◌ُله (٩:٩)، ولما بين
رسول الله مێ أن الشفعة فى البيع فلا شفعة إلا بتمام البيع، لأنها ليس بیعا قبل ذلك، صرح به ابن
حزم فى "المحلى" أيضًا (٩٩:٩).
وأيضًا: فإن إضرار الشريك أو الجار لا يتحقق إلا بالبيع، فكان الاتصال مع البيع سببًا لثبوت

١٢
لا شفعة إلا فى دار أو عقار
إعلاء السنن
حق الشفعة، ولا يصح ثبوت الشىء قبل سببه وشرطه، واندحض بذلك قول ابن حزم، ليت شعرى
أين كان الحنفيون عن هذا النظر حيث أجازوا الزكاة قبل الحول نعم، وقبل دخوله اهـ (٨٨:٩)،
فإن الحول ليس سببًا لوجوب الزكاة، بل هو شرط لوجوب أدائها، وسبب وجوبها ملك النصاب
النامى، وههنا البيع شرط لثبوت الشفعة والاتصال سبب لوجوبها، وامتناع الشروط قبل تحقق
شرط الجواز غير خاف على أحد كذا فى العناية (٣٠٤:٨)، فمن ملك النصاب جاز له أداء زكاته
قبل الحول، ومن لم يملكه لم يجز له ذلك، فافهم.
فإن أهل الظاهر لا يفقهون، وفى قوله معَّ له: ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))
دليل على اختصاص الشفعة بما له حددو، وطرق، وليس إلا العقار، والدار.
وأما قول ابن حزم: إن الحدود واقعة فى كل ما ينقسم من طعام، وحيوان، ونبات،
وعروض، وإلى كل ذلك طريق ضرورة كما هو إلى البناء، وإلى الحائط اهـ، فصرف للكلام عن
ظاهره، وتأويل يمجه الطبع السليم، قال الحافظ فى "الفتح": وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة
فى المشاع، وصدره يشعر بثبوتها فى المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار، وبما فيه العقار.
قال عياض: لو اقتصر فى الحديث على القطعة الأولى لكانت فيه دلالة على سقوط شفعة
الجوار، ولكن أضاف إليه صرف الطرق، والمرتب على أمرين لا يلزم منه ترتبه على أحدهما، (فلو
وقعت الحدود بالقسمة، ولم تصرف الطرق، بل كان الطريق مشتركة بين القوم فلكل واحد منهم
الشفعة فى دار جاره، فافهم).
قال الحافظ: اختلف على الزهرى فى هذا الإسناد -أى إسناد حديث جابر-، فقال: مالك
عنه عن أبى سلمة وابن المسيب مرسلا، كذا رواه الشافعى وغيره، ورواه أبو عاصم والماجشون
عنه، فوصله بذكر أبى هريرة، أخرجه البيهقى، ورواه ابن جريج عن الزهرى كذلك، لكن قال:
عنهما أو عن أحدهما، أخرجه أبو داود، والمحفوظ روايته عن أبى سلمة عن جابر موصولا، وعن
ابن المسيب عن النبى معَّ مرسلا، وما سوى ذلك شذوذ ممن رواه ويقوى طريقه عن أبى سلمة عن
جابر متابعة يحيى بن أبى كثير له عن أبى سلمة عن جابر، ثم ساقه كذلك، قال الحافظ: وحكى
ابن أبى حاتم عن أبيه أن قوله: فإذا وقعت الحدود إلخ مدرج من كلام جابر (وإليه مال الطحاوى
فى "معانى الآثار" له، فجعل قوله: ((فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) من قول أبى هريرة برأيه،
ثم جمع بين مختلف الحديث بعد تسليم كونه مرفوعًا بأن المراد بوقع الحدود تحديد الطرق،
٠

١٣
ج - ١٧
باب الشفعة بالجوار إذا كان الطريق واحدا
٥٤٥٣- عن عبد الملك بن أبى سفيان عن عطاء عن جابر قال: قال النبى عَ لّه:
(الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدًا))، رواه
وأيده بما رواه ابن جريج عن الزهرى عن ابن المسيب أن النبى معَ ◌ّ قال: ((إذا حدث الطرق فلا
شفعة)) (٢٦٦:٢).
قال الحافظ: وفيه أى فى دعوى دراخ نظر، لأن الأصل أن كل ما ذكر فى الحديث فهو منه
حتى يثبت الإدراج بدليل، وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها اهـ (٤: ٣٦٠).
قلت: فظهر بذلك أن الطحاوى لم ينفرد بدعوى الإدراج، بل وافقه فيه أبو حاتم أيضًا،
فلا يجوز لأحد الطعن على الطحاوى، فإنه إمام مجتهد فى الحديث والفقه فلا يحتج عليه بقول
غيره، من أئمة الحديث، والله تعالى أعلم.
باب الشفعة بالجوار إذا كان الطريق واحدا
أقول: الحديث نص فى الباب، وقال الشوكانى: فيه دليل على أن الجوار بمجرده، لا تثبت به
الشفعة، بل لا بد معه من اتحاد الطريق، ويؤيد هذا الاعتبار، قوله فى حديث جابر، وأبى هريرة
المتقدمين: ((فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة)) اهـ (نيل ٢٢٠:٥).
أقول: هذا احتجاج بمفهوم المخالفة، وهو ليس بحجة عندنا، وتأییده بحديث جابر، وأبى
هريرة فاسد، لأن قوله: لا شفعة، إنه لا شفعة من جهة الشركة لا أنه لا شفعة مطلقًا، لأن الشفعة
بالجوار ثابتة.
ومما يدل على فساده أنه قال فى حديث أبى هريرة: ((إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة
فيها))، رواه أبو داود وابن ماجه بمعناه، فإن كان معنى قوله: ((فلا شفعة فيها)) أنه لا شفعة فيها بوجه
من الوجوه لانتفت من جهة اتحاد الطريق أيضًا مع أنها ثابتة بحديث جابر المسلم عند الشوكانى،
فثبت أنه ليس فيه نفى الشفعة مطلقا، بل فيه نفى لها من جهة خاصة فقط، وهو المدعى، ولما ثبت
الشفعة باتحاد الطريق ثبت باتحاد المسيل وغيره أيضًا لاشتراك العلة، فتدبر.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن منصور عن الحكم عمن سمع عليًا وابن
مسعود يقولان: ((قضى رسول الله عَ لّه بالجوار)) (مسند ١١٤:١)، وفيه رجل مبهم، وهو لا يضر
عندنا، لأن الأصل فى القرون الثلاثة العدالة، ولو سلم فغايته الضعف، والضعيف يصلح مشاهدًا،

١٤
الشفعة بالجوار إذا كان الطريق واحدا
إعلاء السنن
الخمسة إلا النسائى (نيل ٢١٩:٥)، رجاله ثقات وأنكره شعبة وغيره على عبد الملك من
غير حجة، وقالوا: تفرد به عبد الملك مع أنه لم يتفرد به، كما عرفت فيما مر.
وإنما ذكرناه للاستشهاد بحديث جابر. قال العبد الضعيف: لم يؤثر طعن شعبة عبد الملك بن أبى
سليمان شيئًا عند المحدثين المحققين، لأنه إنما طعن فيه لظنه أنه يروى عن جابر خلاف ما رواه عنه
غيره من الثقات لا لنقص فى عدالته وثقته.
وقال صاحب "التنقيح": اعلم أن حديث عبد الملك بن أبى سليمان حديث صحيح،
ولا منافاة بينه، وبين رواية جابر المشهورة، وهى: ((الشفعة فى كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود
فلا شفعة))، فإن فى حديث عبد الملك: ((إذا كان طريقهما واحدا))، وحديث جابر المشهور لم ينف
فيه استحقاق الشفعة إلا بشرط تصرف الطريق، وطعن شعبة فى عبد الملك بسبب هذا الحديث
لا يقدح فيه، فإنه ثقة، وشعبة لم يكن من الحذاق فى الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها،
إنما كان حافظًا، وغير شعبة إنما طعن فيه تبعا لشعبة، وقد احتج بعبد الملك مسلم فى "صحيحه"،
واستشهد به البخارى، ووثقه أحمد، والنسائى، وابن معين، والمحلى.
وقال الخطيب: لقد أساء شعبة حيث حدث عن محمد بن عبيد الله العزرمى، وترك
التحديث عن عبد الملك بن أبى سليمان، فإن العزرمى لم يختلف أهل الأثر فى سقوط روايته،
وعبد الملك، فثناؤهم عليه مستفيض، والله أعلم (زيلعى ٢٥٧:٢).
وأما ما حكى البيهقى عن الشافعى رحمه الله قال: سمعنا بعض أهل العلم يقول: نخاف أن
لا يكون محفوظا، ثم استدل على ذلك برواية أبى سلمة عن جابر، قال عليه السلام: ((الشفعة فيما
يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة))، قال: وروى أبو الزبير عن جابر ما يوافق قول أبى سلمة،
ويخالف ما روى عبد الملك، فنقول: قد أخرج النسائى فى "سنته" عن محمد بن عبد العزيز بن
أبى رزمة عن الفضل بن موسى عن حرب بن أبى العالية عن أبى الزبير عن جابر: ((أن البنى عّ لّه
قضى بالشفعة بالجوار))، وهذا سند صحيح يظهر به أن أبا الزبير روى ما يوافق رواية عبد الملك
لا رواية أبى سلمة كما ذكره الشافعى، وتأيد هذا بعدة أحاديث سنذكرها، إن شاء الله تعالى.
وأما ما ذكر البيهقى عن جماعة أنهم أنكروا على عبد الملك هذا الحديث، فنقول: ذكر
صاحب "الكمال" عن ابن معين أنه قال: لم يحدث به إلا عبد الملك، وقد أنكر علیه الناس، ولكن
عبد الملك ثقة صدوق، لا يرد على مثله، وذكر أيضًا عن الثورى، وابن حنبل قالا: هو من الحفاظ،
وكان الثورى يسميه الميزان، وعن أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت، وأخرج له مسلم فى "صحيحه"،

١٥
ج - ١٧
باب الشفعة بالجوار
٥٤٥٤- عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبى رافع أن رسول
الله ◌َّ اله قال: (الجار أحق بسقبه))، رواه الدار قطنى والبخارى.
وقال الترمذى: ثقة مأمون عند أهل الحديث، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وذكر عن أبى زرعة
سمعت أحمد بن حنبل، وابن معين يقولان: عبد الملك ثقة.
قال ابن حبان: روى عنه الثورى، وشعبة، وأهل العراق، وكان من خيار أهل الكوفة
وحفاظهم، ولیس من الإنصاف ترك حدیث شیخ ثبت بأوهام یهم فى رواية، ولو سلكنا ذلك لزمنا
ترك حديث الزهرى، وابن جريج، والتورى، وشعبة، لأنهم لم يكونوا معصومين اهـ، من "الجوهر
النقى" ملخصًا (٣٥:٢).
ومما يدل على ثبوت الشفعة بكون الشرب وحده مشتر كا ما رواه يحيى بن آدم، حدثنا عبد
الرحيم الرازى عن إسماعيل عن الحسن قال: إذا اقتسم القوم الأرض فرفعوا شربهم بينهم، فهم
شركاء فى الشفعة، قال يحيى: جعل الشرب مثل الطريق اهـ، من كتاب الخراج (ص٩٨).
باب الشفعة بالجوار
أقول: الشفعة بالجوار أثبتها أبو حنيفة، وأنكرها الشافعى، واحتج أبو حنيفة بقوله: ((الجار
أحق بسقبه))، وحمله الشافعى على الشريك فى المبيع، لقوله عليه السلام: ((إذا وقعت الحدود
وصرفت الطرق فلا شفعة))، وأنكرها الشوكانى أيضًا، وحمل الحديث على الشريك فى الطريق،
وعند أبى حنيفة معنى قوله: ((إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة)) من جهة الشركة.
والحاصل: أن أبا حنيفة يؤول قوله: ((إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة))،
والشافعى، والشوكانى يؤولان قوله: ((الجار أحق بسقبه))، ولما نظرنا إلى علة مشروعية الشفعة، وهو
دفع الضرر كان تأويل أبى حنيفة أرجح، لأن المرء كما يتضرر من شريكه يتضرر من جاره أيضًا،
ومؤيد تأويله ما رواه النسائي، وابن ماجه من طريق حسين المعلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن
رجلا قال: يا رسول الله عَ ليه: أرضى ليس فيها لأحد شرك، ولا قسم إلا الجوار، فقال: ((إن الجار
أحق بسقبه ما كان))، كما فى "العينى شرح البخارى"، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: حديث أبى رافع أخرجه إسحاق بن راهويه بلفظين فقال: أخبرنا سفيان
عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبى رافع عن النبى عّ لّه قال: ((الجار أحق بسقبه))،

١٦
الشفعة بالجوار
إعلاء السنن
٥٤٥٥- ورواه عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى عن عمرو بن الشريد عن أبيه
قال: وأخبرنا المحاربى وغيره عن سفيان الثورى عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبى
رافع أن النبى معَِّ قال: ((الجار أحق بشفعته)) (زيلعى ٢٥٧:٢)، وقد جاء ذلك مصرحًا فى حديث
جابر بلفظ: ((الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا))، رواه
الخمسة إلا النسائى كما مر، واللفظ للترمذى، وقال: حسن غريب، فاندحض بذلك قول البيهقى:
إن فى سياق القصة دلالة على أنه ورد فى غير الشفعة، وأنه أحق بأن يعرض عليه.
قلت: هذا ممنوع، بل سياقها يدل على أنه ورد فى الشفعة، وكذا فهم منه البخارى، وأبو
داود وغيرهما، وقد صرح بذلك فى قوله: بشفعة أخيه، والعرض مستحب، وظاهر قوله: أحق،
وقوله: ينتظر به الوجوب (الجوهر النقي ٣٤:٢).
وقال الحافظ فى "الفتح": قال ابن بطال: استدل به -أى بحديث أبى رافع- "الجار أحق
بسقبه)) أبو حنيفة، وأصحابه على إثبات الشفعة للجار، وأوله غيرهم على أن المراد به الشريك بناء
على أن أبا رافع كان شريك سعد فى البنيتين، ولذلك دعاه إلى الشراء منه، قال: وأما قولهم: إنه
ليس فى اللغة ما يقتضى تسمية الشريك جارًا فمردود، فإن كل شىء قارب شيئا، قيل له: جار،
وقد قالوا لامرأة الرجل: جارة، لما بينهما من المخالطة.
(قلت: بل لما بينهما من المجاورة والمقاربة، لأن لحمها ليس مخالطًا للحمه، ولا دمها مخالطًا
لدمه، ولكن لقربها منه، فكذلك الجار سمى جارًا لقربه من جاره، لا مخالطته إياه فيما جاوره به،
وقد اتفقوا أن الآثار على ظاهرها، فكيف تركوا الظاهر فى هذا، ومعه الدلائل، وتعلقوا بغيره مما
لا دلالة معه).
وتعقبه ابن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد، لا شقصًا
شائعا من منزل سعد، وذكر عمر بن شبة أن سعدًا كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة
أُذرع، و کان التی عن یمین المسجد منهما لأبی رافع، فاشتراهما سعد منه، ثم ساق حديث الباب،
فاقتضى كلامه أن سعدًا كان جارًا لأبى رافع قبل أن يشترى منه داره لا شريكا اهـ (٤: ٣٦١).
وروى عبد الرزاق عن سفيان عن هشام بن المغيرة الثقفى قال: سمعت الشعبى يقول: قال
النبى معَ ◌ِّ: ((الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب))، كما فى "المحلى" (١٠٢:٩)، وإذا
أطلق الشفيع مقابل الجار يراد به الشريك، وفى قوله: "الجار أولى من الجنب رد على الحافظ حيث
قال فى "الفتح": حديث أبى رافع مصروف الظاهر اتفاقا، لأنه يقتضى أن يكون الجار أحق من كل

ج - ١٧
الشفعة بالجوار
١٧
قال: قال رسول الله عَّ له: ((الجار أحق بسقبه من غيره))، رواه أحمد، وقال الترمذى:
سمعت محمدًا (البخارى) يقول: كلا الحديثين عندى صحيح (ترمذى ١٦٤:١).
أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا بشريك مطلقًا، ثم المشارك فى الطريق، ثم
الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا فيتعين تأويل قوله: أحق بالحمل على الفضل أو التعهد، ونحو
ذلك اهـ (٤: ٣٦١)، فإن المتبادر من قوله: ((الجار أحق بسقبه))، والسقب القرب، والملاصقة أنه أحق
ممن لا قرب له، ولا ملاصقة، فكيف يقتضى أن يكون الجار أحق من الشريك، وهو أشد منه قربا،
وملاصقة؟ وهل حمله على ذلك إلا تحكما بالباطل، فكيف، وقد ورد التصريح فى مرسل الشعبى
بأن الجار أولى من الجنب، فبطل القيل والقال، وانحلت عقدة الإشكال، والحمد لله العلى المتعال.
ومما يرد تأويل الجار بالشريك حديث عمرو بن الشريد الذى مر ذكره، وأخرجه ابن جرير
فى "التهذيب" بلفظ: ليس فيها لأحد شرب، ولا قسم إلا الجوار، فهذا تصريح بوجوب الشفعة
لجوار لا شركة فيه، فدل على أن الجار الملازق تجب له الشفعة (وقيدوا للزوق مستفاد من السقب،
فإنه يطلق على القرب، والملاصقة، كما صرح به الحافظ نفسه، وسيأتى ما يدل على ذلك فى قول
عمر رضى الله عنه).
وقال ابن جرير: رواه عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن الشرید بن سويد من
حضرموت أنه عليه السلام قال: ((الجار والشريك أحق بالشفعة ما كان يأخذها أو يترك))، فظاهر
عطف الشريك على الجار يقتضى أن الجار غير الشريك.
وأخرج ابن حبان فى "صحيحه" حديث: ((الجار أحق بسقبه)) من حديث أبى رافع، وأنس
عن النبى عَّهِ، وأخرج أيضًا عن أنس أنه مَّم قال: ((جار الدار أحق بالدار))، وأخرجه النسائى
أيضًا عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبى معَّ ◌ُّه قال: ((جار الدار أحق بدار الجار))، أخرجه أبو
داود، والنسائى، والترمذى، وقال: حسن صحيح، وقد مر عن الحاكم فى "المستدرك" أنه قال: قد
احتج البخارى بالحسن عن سمرة، وفى "مصنف ابن أبى شيبة" ثنا جرير عن منصور عن الحكم
عن على، وعبد الله قالا: ((قضى رسول الله عَ لّه بالشفعة للجوار)).
وفى "التهذيب" لابن جرير الطبرى: روى موسى بن عقبة عن إسحاق عن يحيى عن عبادة
ابن الصامت ((أن النبى عرِّ قضى أن الجار أحق بسقب جاره))، وأخرج ابن جرير أيضًا بسنده عن
عكرمة عن ابن عباس أن النبى معَ لِّ قال: ((إذا أراد أحدكم أن يبيع عقاره فليعرضه على جاره)).
فظهر بمجموع هذه الآثار أن للشفعة ثلاثة أسباب: الشركة فى نفس المبيع، ثم فى الطريق،

١٨
إعلاء السنن
باب الترتيب فى الشفعة
٥٤٥٦- سعيد بن منصور ثنا عبد الله بن المبارك عن هشام بن المغيرة الثقفى قال:
قال الشعبى: قال رسول الله عَ ليه: ((الشفع أولى من الجار والجار أولى من الجنب))،
أخرجه ابن الجوزى فى "التحقيق"، وأخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن ابن المبارك،
وقال فى التنقيح: هشام وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه (زيلعى ٢٥٨:٢).
ثم الجوار، وظاهر قوله معّر: ((جار الدار أحق بالدار))، من يأخذ الدار كلها، وليس ذلك إلا الجار.
وأما الشريك فإنه يأخذ بعضها، ولأن الشفعة إنما وجبت لأجل التأذى الدائم، وذلك موجود
للجار أيضًا، (قال النبى معَّ له: ((وأعوذ بك من جار السوء فى دار المقامة، فإن جار البادية يتحول)))،
ولو وجبت لأجل الشركة لوجبت فى سائر العروض، فلما لم تجب إلا فى العقار، علمنا أن سبب
الوجوب هو التأدى، وحكى الطبرى أن القول بشفعة الجوار، هو قول الشعبى، وشريح، وابن
سيرين، والحكم، وحماد، والحسن، وطاوس، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه اهـ من "الجوهر
النقى" (٣٦:٢).
وروى سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى بكر بن حفص قال
شريح: كتب إلى عمر بن الخطاب: "اقض بالشفعة للجار"، زاد بعضهم: الملازق، وروى ابن
أبى شيبة نا معاوية بن هشام نا هشام نا سفيان عن أبى حبان عن أبيه أن عمرو بن حريث كان
یقضی بالجوار.
ومن طريق وكيع عن سفيان عن الحسن عن عمرو بن فضيل بن عمرو عن إبراهيم النخعى
قال: الخليط أحق من الجار، والجار أحق من غيره، ذكره ابن حزم فى "المحلى" وقال: وروينا مثله
عن قتادة، والحسن، وقالوا كلهم: لا شفعة لجار غير ملاصق بينهما طريق غير متملكة، وروينا عن
طاوس أنه ذكر له قول عمر بن عبد العزيز: إذا قسمت الأرض فلا شفعة فقال: لا، الجار أحق به،
ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن جابر عن الشعبى عن الشريح قال فى الجار: الأول
فالأول يعنى فى الشفعة اهـ (١٠٠:٩) ظ.
باب الترتيب فى الشفعة
أقول: حديث الشعبى عن رسول الله عَّه مرسل، والمرسل حجة، وقول شريح مؤيد
للمرسل، وهو القياس أيضًا، والله أعلم.

١٥
ج - ١٧
٥٤٥٧- وابن أبى شيبة ثنا أبو معاوية عن عاصم عن الشعبى عن شريح قال:
الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار عن سواه (زيلعى ٢٥٨:٢).
٥٤٥٨- وعبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح قال:
الخليط أحق من الجار والجار أحق من غيره (زيلعى ٢٥٨:٢).
٥٤٥٩- وعبد الرزاق عن الثورى عن جابر عن الشعبى عن شريح قال فى الجار:
الأول فالأول -يعنى فى الشفعة-، أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٠٠:٩).
باب المواثبة فى الشفعة
٥٤٦٠- عن محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى عن أبيه
عن ابن عمر عن النبى عٍَّ قال: ((الشفعة كحل العقال))، أخرجه ابن ماجه، وأعل بابن
ترتيب الشفعة فى الجيران:
قال العبد الضعيف: وأما الترتيب فى الجيران، فروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن
شريح أنه قال: الشفعة من قبل الأبواب، كذا رواه محمد بن الحسن فى "الآثار" عنه، وقال: هو
قول أبى حنيفة، ولسنا نأخذه بهذه الشفعة للجيران الملازقين، وذكر البخارى فى "صحيحه" فى
كتاب الشفعة عن عائشة قالت: يا رسول الله! إن لى جارين فإلى أيهما أهدى؟ قال: ((إلى أقربهما
منك بابا))، وذكره أيضًا فى كتاب الهبة فى (باب من يبدأ بالهبة).
قلت: والفتوى على قول محمد فيما ذهب إليه من أن الشفعة للجار الملاصق، وهو من وجد
اتصال بقعة أحدهما ببقعة الآخر، وإن كان بابه من سكة أخرى بعيداً من بابه، كذا فى "عقود
الجواهر المنيفة" (ص ٩٥).
قلت: ومما يؤيد قول محمد حديث أبى رافع: ((الجار أحق بسقبه))، وهو القريب الملاصق،
وقول عمر لشريح: اقض بالشفعة للجار الملازق كما مر، والله تعالى أعلم، ظ.
ياب المواثبة فى الشفعة
أقول: قوله: ((الشفعة كحل العقال))، يدل على ضعف هذا الحق، وسقوطه بأدنى غفلة، وقلة
بقائه، وقوله: ((الشفعة لمن واثبها)) يدل على سرعة الطلب، فالمعنون واحد، والعنوان مختلف، وهو
حجة لأبى حنيفة، والله أعلم.

٢٠
المواثبة فى الشفعة
إعلاء السنن
البيلمانى ومحمد بن الحارث، ولكن قول شريح: "إنما الشفعة لمن واثبها"، أخرجه عبد
الرزاق (زيلعى ٢٥٨:٢) يدل على أن له أصلا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قال الزيلعى: لم أر فى محمد بن الحارث أحسن من قول البزار، فيه
رجل مشهور ليس به بأس، وإنما أعله - أى الحديث- بمحمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى.
(قلت: وابن البيلمانى لم يوثقه أحد فيما علمنا)، والحديث أخرجه ابن حزم فى "المحلى" من
طريق البزار، وزاد فيه: " ومن مثل بعبده فهو حر، وهو مولى الله ورسوله، والناس على شروطهم ما
وافق الحق"، قال ابن القطان فى "كتابه": وهذه الزيادة ليست عند البزار فى حديث الشفعة،
ولكن أورد حديث العبد بالإسناد المذكور حديثًا، وأورد أمر الشروط حديثًا، وأظن أن ابن حزم لما
وجد ذلك كله بإسناد واحد لفقه حديثًا واحدًا تشنيعًا على الخصوم الآخذين لبعض ما روى بهذا
الإسناد التاركين لبعضه اهـ من "الزيلعي" (٢: ٢٥٨).
قلت: وليس ذلك من شأن المحدثين أن يجعلوا كل ما روى بإسناد واحد حديثًا واحدًا،
ولا يدع فى أن يكون بعض ما روى بإسناد مأخوذًا به، وبعض ما روى به غير مأخوذ به لتأييد
الأول بشاهد، أو شواهد دون الثانى، ولجواز أن يكون بعضه منسوخًا دون البعض، وبعضه موافقًا
للأصول المجمع عليها، وبعضه مخالفًا لها، فليس مدار صحة الحديث على الإسناد فقط، بل لا بد
لها من شروط ذكرها الفقهاء، كما مر فى "المقدمة".
نعم يعكر على الاستدلال بحديث: ((الشفعة كحل العقال))، أن البيهقى أخرجه فى "سننه"
بلفظ: ((لا شفعة لصبى ولا لغائب وإذا سبق الشريك شريكه بالشفعة فلا شفعة والشفعة كحل
العقال)) (١٠٨:٦)، فإنه يقتضى نفى الشفعة للصبى، والغائب، والذين يقولون: "إن الشفعة كحل
العقال" لا يقولون به. والجواب أنه محمول على ما إذا كان للدار المبيعة شفعاء منهم صغير،
وكبير، وصغير، وغائب، فلا يترك القضاء للحاضر لأجل الغائب، ولا للكبير لأجل الصغير، بل إذا
سبق واحد من الحاضرين بالشفعة يقضى له بها، ثم إذا أدرك الصبى أو حضر الغائب، وطلب
الشفعة یقضی له بالنصف.
وبالجملة: فالمراد أن لا شفعة للصبى فى صباه، ولا للغائب فى غيبة، بل يقضى للحاضر
البالغ بالكل، لأن الغائب لعله لا يطلب، وكذا الصبى بعد بلوغه، فلا يؤخر حق الحاضر الطالب
بالاحتمال.
وقوله: وإذا سبق الشريك شريكه بالشفعة معناه - والله أعلم- أنه إذا علم الشريكان ببيع