Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ إعلاء السنن باب فى أن الإكراه لا يكون إلا من السلطان ٥٤٣٠- قال: ابن أبى شيبة: ثنا ابن إدريس عن حصين عن الشعبى فى الرجل يكره على أمر من العتاق، أو الطلاق، فقال: "إذا أكرهه السلطان جاز، وإذا أكرهه اللصوص لم يجز"، رواه ابن القيم فى "إعلام الموقعين" (١٩٠:٢). باب سقوط الحد عن المرأة بالإكراه على الزنا ٥٤٣١- عن صفية بنت عبيد أن عبدا من رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس، فاستكرهها حتى افتضها فجلده عمر الحد، ونفاه، ولم يحد الوليدة، من أجل أنه استكرهها، أخرجه البخارى. بعض الناس فى هذا الباب لم أجده فى كتب الحنفية، متونهم وشروحهم، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. باب فی أن الإکراه لا یکون إلا من السلطان قوله: "قال ابن أبى شيبة" إلخ. قلت: هو المأخذ لقول أبى حنيفة: إن الإكراه لا يكون إلا من السلطان. وأما وقوع طلاق المكره وعدم وقوعه فأمر آخر، وكذا تبدل الحكم بتبدل الزمان فى صحة الإكراه من اللصوص أمر آخر حقق فى موضعه. باب سقوط الحد عن المرأة بالإكراه على الزنا قوله: "عن صفية" إلخ: قلت: دل الحديث على سقوط الحد عن المرأة بالإكراه على الزنا، وهو مذهب أبى حنيفة، أما الرجل إذا أكره على الزنا فقال محمد فى "الجامع الصغير": "رجل أكرهه سلطان حتى زنى فلا حد عليه"، ويظهر من إطلاقه أن سقوط الحد عنه بالإكراه مطلق، وغير مقيد بالإكراه التام، وهو الظاهر من "الهداية" و"القدورى" و"الكنز"، ولكن قال فى "البدائع": إن سقوط الحد عن الرجل مقيد بما إذا كان الإكراه تاما، وسقوطه عن المرأة غير مقيد به، وبين الفرق بينهما بأن الإكراه الناقص لا يجعل المكره مدفوعا إلى فعل ما أكره عليه، فبقى مختارا مطلقا، فيؤاخذ بحكم فعله، بخلاف المرأة، فإنه لم يوجد منها فعل الزنا، وإنما وجد منها التمكين، وقد خرج من أن يكون دليل الرضى بالإكراه، فيدرأ عنها الحد (البدائع ٧: ١٨١). بقى الكلام فى لزوم الإثم فالظاهر من "البدائع" أن الرجل يأثم مطلقا، والمرأة لا تأثم مطلقا، وبين الفرق بأن حرمة فعل الزنا ثابتة فى العقول، فلا يرخص فيه كالقتل، إلا أن الزنا إنما يوجد من ج - ١٦ سقوط الحد عن المرأة بالإكراه على الزنا ٣٢٢ الرجل فيأثم هو ولا يوجد من المرأة، وإنما الموجود ههنا التمكين وهى مدفوعة إليه، فلا تأثم هى، وفيه نظر، لأنا سلمنا أن حرمة الزنا راسخة فى العقول، ولكنها ليست بأعظم من حرمة الكفر، ومع ذلك يرخص فى إظهار الكفر، فكيف لا يرخص فى فعل الزنا بالإكراه؟ والقياس على القتل غير صحيح، لأن القتل من حقوق العباد، والزنا من حقوق الله الخالصة، فكيف يقاس أحدهما على الآخر، ثم الفرق بين الرجل والمرأة غير صحيح لأن الرجل كما يؤخذ على الفعل كذلك المرأة تؤخذ على التمكين، وقد وجد منها. قال العبد الضعيف: ولكن التمكين ليس بزنا، وإنما هو مقدماته والزنا يستدعى انتشار الآلة، ولا يكون إلا بنشاط طبيعى، ولا كذلك التمكين، فإنه لا يستدعى شهوة، وإنما هو مجرد السقوط والاستلقاء. وقد رد الفرق المذكور صاحب "البدائع" نفسه، حيث قال: وعندى فيه نظر؛ لأن فعل الزنا كما يتصور من الرجل يتصور من المرأة. ألا ترى أن الله تعالى سماها زانية، إلا أن زنا الرجل بالإيلاج، وزناها بالتمكين، والتمكين فعل منها لكنه فعل سكوت، فاحتمل الوصف بالخطر والحرمة، فينبغى أن لا يختلف فيه حكم الرجل والمرأة. فلا يرخص للمرأة كما لا يرخص للرجل (البدائع ١٧٧:٧). قلت: وهذا الرد كما يرد الفرق المذكور فى باب الإثم يرد الفرق المذکور فى باب الحد أيضا، كما لا يخفى. وقال فى "الدر المختار": لو أكره على الزنا لا يرخص له، لأن فيه قتل النفس بضياعها لكنه لا يحد استحسانا، وفى جانب المرأة يرخص بالإكراه الملجئ، لأن نسب الولد لا ينقطع فلم يكن فى معنى القتل من جهتها، بخلاف الرجل، لا بغيره، لكنه يسقط الحد فى زناها لا زناه، لأنه لما لم يكن الملجئ أرخصه له لم يكن غير الملجئ شبهة له اهـ، وفيه نظر؛ لأنه إن كان ثبوت النسب من المزنية مانعا من الضياع فلا ضياع فى زنا الرجل، فلا يكون فى معنى القتل، وإن لم يكن مانعا منه فالضياع مشترك بينهما، ولا فرق، ولو سلم فالشارع أهدر هذا الفرق فى حال الطواعية، حيث لم يوجب على الرجل حدا، وإثما زائدا على حد المرأة، نظرا إلى كون فعله فى معنى القتل، دون فعلها، فكيف تعتبرونه فى حال الإكراه؟ فظهر أن تأثيم الرجل بناء على كون فعله فى معنى القتل، وعدم تأثيم المرأة بناء على عدم كون فعلها فى معنى القتل كلام لا معنى له، بالجملة لم يظهر لى فرق بين الرجل والمرأة، لا فى باب الحد، ولا فى باب الإثم فليرجع إلى كلام الأئمة المجتهدين، وليحقق. ٣٢٣ إعلاء السنن باب الرخصة للمكره فى إجراء كلمة الكفر على اللسان ٥٤٣٢- عن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه، قال: "أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه، حتى سب النبى عّ لّه، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله عّ لّم قال: ما ورائك؟ قال: شريا رسول الله! قال: ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن عادوا فعد"، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٥٧:٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن حجر فى "الدراية": صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه، قلت: الانقطاع غير مضر عندنا. باب أفضلية الاستقامة على الدين فى حالة الإكراه ٥٤٣٣- عن خباب بن الأرت، قال: "شكونا إلى رسول الله عَ ◌ّ وهو يتوسد بردة له فى ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر؟ ألا تدعو لنا؟" فقال: ((قد كان من قبلكم يؤخذ فيحفر له فى الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، لكنكم تستعجلون))، رواه البخارى (٨٢٧:٣). باب فى الرخصة للمكره فى إجراء كلمة الكفر على اللسان أقول: دلالة النص على الباب ظاهرة. ثم هذه الرخصة منصوصة فى القرآن فى قوله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فلا حاجة إلى إسناد متصل، فافهم. باب أفضلية الاستقامة على الدين فى حالة الإكراه أقول: ذكر رسول الله عَّ له قصة من قبلنا فى الاستقامة فى حالة الإكراه على وجه المدح يدل على أفضلية الاستقامة، كما لا يخفى. قال العبد الضعيف: وأيضا فقد أكره خبيب بن عدى على الكفر بالله وبرسوله، فلم يكفر وثبت على الإسلام، حتى استشهد، وأثنى عليه رسول الله عَ ليه. والقصة مشهورة، أخرجها البخارى وغيره، وهو الذى سن صلاة القتل ركعتين، وأقره الشارع عليه ج - ١٦ ٣٢٤ كتاب الحجر باب الحجر علی المدیون وبيع ماله ٥٤٣٤- عن كعب بن مالك: ((أن النبی مګ حجر علی معاذ ماله وباعه فی دین كان عليه))، رواه الدار قطنى، والبيهقى، والحاكم وصححه (النيل ١١٤:٥). ٥٤٣٥- وعن عبد الرحمن بن كعب، قال: "كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله فى الدين، فأتى النبى عَّ له، فكلمه ليكلم غرمائه، فلو تركوا لأحد تركوا لمعاذ لأجل رسول الله عَ ليه، فباع رسول الله عز ێ ماله، حتى قام معاذ بغیر شیء" ، رواه سعيد فى "سننه" هكذا مرسلا، ورواه أيضًا أبو داود، وعبد الرزاق، وقال عبد الحق: المرسل أصح (النيل ١١٤:٥). قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، واختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله تعالى ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير، وشرب الخمر مثلا فالفعل أولى (إلا إذا أراد إغاظة الكفار، فيجوز له الصبر على القتل، كما فى "الدر"). وقال بعض المالكية: بل يأثم (إن لم يأكل ولم يشرب) إن منع من أكل غيرها، فإنه يصير كالمضطر إلى أكل ميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل اهـ من "فتح البارى" (٢٨٢:١٢)، قلت: وقول الحنفية كقول المالكية سواء، والله تعالى أعلم. باب الحجر على المديون وبيع ماله أقول: احتج بهما أبو يوسف ومحمد لجواز الحجر على المديون، وبيع ماله، والجواب عن أبى حنيفة أن هذا فعل رسول الله مرّه، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فلا يقاس عليه غيره. ثم هو يحتمل أن يكون لعلمه مَّه بأن معاذا يرضى بفعله، ولا يخالفه، فلم يكن فعله من قبيل الإجبار والإلزام بل من قبيل الإصلاح، والكلام فى الإجبار، فلا حجة فيه لأحد، فتأمل. قال العبد الضعيف: وقصة معاذ أخرجها الطبرانى فى "الأوسط" مطولة، وفيها قول معاذ لرسول الله عد له: "فأدعو غرمائى، فاسترفقهم، فإن أرفقونى، فسبيل ذلك. وإن أبوا، فاجعل لهم من مالى" الحديث. قال الهيثمى: وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ (١٤٤:٤)، وهو صريح فى أنه معّ باع على معاذ ماله بإذنه لا بطريق الحجر، والله تعالى أعلم. ٣٢٥ إعلاء السنن باب الحجر على السفيه ٥٤٣٦- عن عروة بن الزبير، قال: "ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا، فقال على رضى الله عنه: لآتين عثمان، فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك فى بيعتك، فأتى عثمان رضى الله عنه، قال: تعال، أحجر على هذا، فقال باب الحجر على السفيه أقول: احتج به أبو يوسف ومحمد لجواز الحجر على السفيه، والجواب عنه لأبى حنيفة أن هذا مبنى على تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ بالحجر، وأبو حنيفة يقول: لا دليل فى الآية على الحجر، بل هو يدل على منع المال من السفيه، وهو لا يستلزم الحجر؛ لأن الحجر هو المنع من التصرف ومنع المال لا يستلزمه، كما لا يخفى، وتأويل أحد المجتهدين ليس بحجة على غيره، فتدبر، وما قال الشوكانى فى "النيل" (١١٦:٥): "الظاهر أن الحجر على من كان فى تصرفه سفه كان أمرا معروفا عند الصحابة مألوفا، ولو كان غير جائز لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة" اهـ فمدفوع؛ لأن عبد الله بن جعفر أنكر على على قوله، وكذا الزبير رضى الله عنهما، وهما صحابيان، وإذا اختلفت أقوال الصحابة لا يكون بعضهم حجة على بعض، ولأن المسألة اجتهادية، ولا يلزم على المجتهد أن ينكر على من خالفه فى اجتهاده، لا سيما إذا كان المجتهد إماما مفترض الطاعة، کعثمان رضی الله عنه. قال العبد الضعيف: واحتج البيهقى للحجر على السفيه بما روى عن ابن عباس: "أنه سئل عن الشيخ الكبير ينكره عقله أيحجر عليه؟ قال: نعم"، ومن طريق يزيد بن هرمز عنه، أنه كتب إلى نجدة: "وكتبت تسألنى عن اليتيم متى ينقضى يتمه؟ فلعمرى! إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، وإذا أخذ لنفسه من مصالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم، وإنه لا ينقطع عن اليتيم اليتم حتى يبلغ ويؤنس منه رشد" إلخ. والجواب أن المراد بالرشد هو العقل. فمن بلغ عاقلا مميزا مسلما وجب دفع ماله إليه، ولم يجز عليه الحجر، ومن بلغ غير عاقل ولا مميز للدين لم يدفع إليه ماله، وهذا هو المراد بالشيخ الكبير ينكر عقله، أى بالعته والاختلاط فى العقل، وهو درجة من درجات الجنون، وقد مر قوله عليه السلام: ((لا یتم بعد احتلام» وليس فيه ما زاده ابن عباس، فينبغى حمل ما روى عنه على ما يوافق المرفوع من غير زيادة عليه. قال ابن حزم: ولم نجد فى شىء من اللغة أن الرشد هو الكيس فى كسب الأموال، ولو كان كذلك لكان من اليهود والنصارى ذوى رشد، وطوائف من المسلمين سفهاء، مع أن الرشد عند الله ٣٢٦ الحجر على السفيه ج - ١٦ الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟" رواه الشافعى فى "مسنده" (النيل ١١٥:٥). هو الدين وترك الغى، قال تعالى: ﴿قد تبين الرشد من الغى﴾، ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾، فمن میز الكفر من الإیمان فقد أونس منه الرشد، فوجب دفع ماله إلیه. ثم ذکر بسنده عن ابن سیرین: "أنه كان لا يرى الحجر على الحر شيئا"، وهو قول جماعة من الصحابة، وقول مجاهد وعبيد الله ابن الحسن وغيرهما (٣٩٣:٨). واحتج البيهقى أيضا بقوله تعالى: ﴿فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾، وذكر عن الشافعى أنه قال: "فأثبت الله الولاية على السفيه، والضعيف، والذى لا يستطيع أن يمل، وأمر وليه بالإملاء عليه" اهــ. قلنا: أراد بالسفيه المجنون والمعتوه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. ورد الطحاوى على هذا الكلام الذى ذكره البيهقى، فقال: ما فى أول الآية من مداينة من وصف فى آخرها بالسفه يدفع ما قال. لأنه تعالى أثبت الديون بمعاملتهم، فأخرجهم بذلك عن حكم الأطفال. ثم قال: فإن كان المدين سفيها مقصرا عن وصف الإملاء، أو ضعيفا عنه لقلة علمه فليملل وليه أى ولى الدين، وهو الطالب الذى له الحق. وأمره أن يمل بالعدل، فلا يحل نجسا، ولا يمل ما ليس له على المطلوب، ويرجح هذا التأويل أن السفيه يجوز طلاقه بإجماع أهل العلم، (لو لم يحمل على المجنون والمعتوه) ففارق الأطفال والمجانين إذ لا يجوز طلاقهما، ثم ذكر البيهقى شراء عبد الله بن جعفر الأرض، قلت: لو كان الحجر واجبا لما سعى ابن جعفر فى إبطاله، ولما ساعده الزبير، ولحجر عليهما عثمان، ثم ذكر قضية عائشة مع ابن الزبير، وقال: "فهذه عائشة لا تنكر الحجر". قلت: وأى إنكار أشد من قولها: "أهو قال هذا؟ لله على نذر أن لا أكلمه"، حتى استشفع إليها ابن الزبير، وأعتقت فى نذرها أربعين رقبة، ثم ذكر قضية الذى فى عقدته ضعف. قلنا: لم يحجر عليه السلام عليه، ولا منعه من البيع، بل جعل له الخيار اهـ من "الجوهر النقى (٢٨:٢). وبالجملة لا يجوز الحجر عند أبى حنيفة على أحد فى ماله، إلا على من لم يبلغ، أو على مجنون فى حال جنونه، فإذا بلغ الصغير، وأفاق المجنون جاز أمرهما فى مالهما كغيرهما، ولا فرق سواء فى ذلك كله الذكر والأنثى، والبكر ذات الأب وغير ذات الأب، والتى لا زوج لها وذات زوج، ولا خلاف فى أن كل أحد من هؤلاء مأمورون ومنهيون، متوعدون بالنار مندوبون موعودون بالجنة، فقراء إلى إنقاذ أنفسهم منها، كفقر غيرهم سواء سواء ولا مزية، فلا يخرج من ٣٢٧ إعلاء السنن باب البلوغ بالإنزال ٥٤٣٧- عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: "حفظت عن رسول الله ع لل: لا یتم بعد احتلام، ولا صمات یوم إلى الليل"، رواه أبو داود وسكت عليه، وحسنه النووى متمسكا لسكوت أبى داود عليه، وأعله عبد الحق، وابن القطان، وغيرهما بيحيى بن محمد المدنى البخارى، ويحيى المذكور وثقه العجلى، وابن عدى، وقال البخاری: "يتكلمون فيه"، وقال ابن حبان: "يجب التنکب عما انفرد به من الروايات"، وقال العقيلى: "لا يتابع يحيى المذكور على هذا الحديث"، ورواه الطبرانى فى "الصغير" بسند آخر عن على (النيل ١١٨:٥) ملخصا. هذا الحكم إلا من أخرجه النص، ولم يخرج إلا المجنون حتى يفيق، والصبى حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ، والله تعالى أعلم. باب البلوغ بالإنزال أقول: دلالة الحديث على الباب ظاهرة، ومع ذلك الأمر أغنى عن البيان، لكونه مجمعا عليه عند الناس، وشذ المنصور مانعه، فلم يجعله علامة للبلوغ فى الأنثى، وهو قول لا يعبأ به، فتدبر. وقال فى "النيل" (١٢٠:٥): استدل به على أن الاحتلام من علامات البلوغ، وتعقب بأنه بيان لغاية اليتم، وارتفاع اليتم لا يستلزم البلوغ الذى هو مناط التكليف، لأن اليتم يرتفع عند إدراك الصبى لمصالح دنياه، والتكليف إنما يكون عند إدراكه لمصالح آخرته، والأولى الاستدلال بما وقع فى رواية لأحمد، وأبى داود، والحاكم من حديث على رضى الله عنه بلفظ: ((وعن الصبى حتى يحتلم)) اهــ أقول: هذا التوقيت ليس بشىء، أما أولا: فلأن الكلام فى الحجر أى إلى متى يحجر على الصبى؟ فلما علم من الحديث أن اليتم ينتهى بالاحتلام علم منه أن الحجر عليه انتهى به، وهو المطلوب. وأما ثانيا: فلأن الاهتداء لمصالح الدنيا يتفرع على كمال العقل، وعند كمال العقل كما هو يهتدى لمصالح الدنيا كذلك يهتدى لمصالح الآخرة، والفرق مكابرة. وأما ثالثا فلأنه لما سلم انفكاك إدراك مصالح الدنيا عن إدراك مصالح الآخرة فأى حجة له فى قوله: (رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم))؟ لأن غايته أن يكون مكلفا برعاية مصالح كالدنيا بعد الاحتلام، لا برعاية مصالح الآخرة. لأن التكليف بقدر الاستطاعة، وهو مستطيع لرعاية مصالح الدنيا، لا لرعاية مصالح الآخرة، بناء على الفرض، فكيف يتم الاحتجاج بالحديث المذكور؟ فافهم. ٣٢٨ ج - ١١ باب البلوغ بالسن ٥٤٣٨ - عن ابن عمر، قال: "عرضت على النبى معَّه يوم أحد وأنا أربع عشر سنة، فلم يجزنى، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة، فأجازنى"، رواه الجماعة (النيل ١١٨:٥). باب البلوغ بالسن أقول: احتج به الجمهور على أن مدة البلوغ خمس عشرة سنة فى الذكر والأنثى، وتعقبه الطحاوى وابن القصار وغيرهما بأنه لا دلالة فى الحديث على البلوغ؛ لأنه مُ لّ لم يتعرض لسنه، وإن فرض خطور ذلك بال ابن عمر، ورده الشوكانى بأنه نورد فى رواية البيهقى وابن حبان فى "صحيحه" بعد قوله: ((لم يجزنى)) ((ولم يرنى بلغت))، وبعد قوله: ((فأجازنى)): ((قد بلغت))، وصحح هذه الزيادة ابن خزيمة، والظاهر أن ابن عمر لا يقول هذا بمجرد الظن، من دون أن يصدر منه مرّ له ما يدل عليه، اهـ (النيل ١٢٠:٥)، وهذا ليس بشىء، لأن غاية ما يثبت من الحديث أن ابن عمر بلغ فى خمس عشرة سنة، ولا يثبت منه أن كل من بلغ هذا السن يحكم عليه بالبلوغ. وقال أبو حنيفة: أقصى مدة البلوغ ثمانى عشرة سنة فى الذكر، وسبع عشرة سنة فى الأنثى، ولم أر له حجة فى ذلك، إلا ما يروى عن ابن عباس، أنه قال فى معنى بلوغ الأشد: "هو ما بین ثمانی عشرة سنة إلى ثلاثین" ، ولكنه غير ثابت عنه؛ لأنه ضعفه ابن جرير، وقال: روى عن ابن عباس من وجه غير مرضى، أنه قال: "ما بين ثمانى عشرة سنة إلى ثلاثين" (تفسير ابن جرير ١٠٥:١٢)، وقد نقل البغوى عن ابن عباس، أنه قال: "هو ما بين ثمانى عشرة سنة إلى أربعين"، كذا فى "نصب الراية" (٢٥٣:٢)، ولم أر من تعرض له من جهة التصحيح والتضعيف، والظهار أنه أيضا ضعيف، ولكنه أقرب إلى ألفاظ القرآن لأنه تعالى قال: ﴿حتى إذا بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة﴾. والظاهر أن العطف للتفسير، ولعله رحمه الله اعتمد على هذه الرواية الضعيفة، لأنه لم يرد فى الباب شىء أقوى منه. لأن ما رواه البيهقى عن أنس: "أنه إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وعليه، وأقيمت عليه الحدود"، فهو أيضا ضعيف. قاله الحافظ فى التلخيص، كما صرح به فى "المنيل" (١١٩:٥). وفى اختيار رواية ابن عباس احتياط، لأن من بلغ ثمانى عشرة سنة يبلغ على كلتا الروايتين، بخلاف من بلغ خمس عشرة سنة، لأنه يبلغ على رواية أنس، ولا يبلغ على رواية ابن عباس، فيكون اختيار رواية ابن عباس أحوط، ولما كان بلوغ الأنثى أسرع من بلوغ الرجل نقص من المدة ٣٢٩ إعلاء السنن باب البلوغ بالإنبات ٥٤٣٩- وعن عطية القرظى، قال: "عرضنا على النبى معَّه يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، وكنت ممن لم ينبت، فخلى سبيلى"، رواه المذكورة سنة، وجعل مدة بلوغها سبع عشرة سنة، والله أعلم. ثم اعلم أنه قال فى "الهداية": "وله قوله تعالى: ﴿حتى يبلغ أشده﴾، وأشد الصبى ثمانى عشرة، هكذا قاله ابن عباس، وتابعه القبتى، هذا أقل ما قيل فيه، فيبنى الحكم عليه، للتيقن به" اهـ، وفيه نظر، لأن ما روى عن أنس أقل منه. ثم التيقن فى الأكثر، لاجتماع الأقوال فيه، لا فى الأقل، كما لا يخفى، وعلله فى التبيين بالاحتياط، كما فى "نتائج الأفكار" (٢٠٢:٨)، وفيه أيضا نظر، لأن الاحتياط أيضا فى الأكثر، لعدم الاختلاف، بخلاف الأقل، وإن كان الاحتياط فى الأقل فهو قول أنس، فللتعليل الصحيح هو ما عللنا به، فإن قلت: إنه يرد على ما عللت به أن من فسر الأشد بالعشرين، أو ثلاثة وثلاثين، أو تسعا وثلاثين لينبغى أن يكون قوله أولى من قول ثمانى عشرة بعض ما عللت به. قلنا: كلا؛ لأن النزاع بين أنس وابن عباس فى مبدأ الأشد، فجعلنا قول ابن عباس أولى للاحتياط، بخلاف من فسره بعشرين، أو غيره فإنهم لم يجعلوه مبدأ للأشد، بل جعلوه مصداقا له، وابن عباس لا ينكره، فإنه يقول: "هو من ثمانى عشرة إلى ثلاثين، أو أربعين"، فلا تعارض بين قوله وقولهم، حتی یحتاج إلى الترجيح، فافهم وتدبر. قال العبد الضعيف: وقد فرغنا من الكلام على مسألة الباب فى كتاب الجهاد، فليراجع. باب البلوغ بالإنبات أقول: استدل به من قال: إن الإنبات من علامات البلوغ، واعتذر عنه من لم يقل بكونه علامة له، أن هذا كان للضرورة إذ لم يمكن الاطلاع على الاحتلام، ولا على السن؛ لأن نبات العانة إنما يكون عند البلوغ فى الأغلب، وأجاب عنه بعضهم بأن قتل من أنبت لم يكن لأجل التكليف، بل لدفع ضرره، لكونه مظنة للضرر، كقتل الحية ونحوها، ورده بعضهم بأن القتل لمن كان كذلك ليس إلا لأجل الكفر، لا لدفع الضرر لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، وطلب الإيمان، وإزالة المانع منه فرع التكليف. ويؤيد هذا أن النبى ◌ّ ه كان يغزو إلى البلاد البعيدة كتبوك، ويأمر بغزو أهل الأقطار ٣٣٠ البلوغ بالإنبات ج - ١٦ الخمسة، وصححه الترمذى، وابن حبان، والحاكم (النيل ١١٨:٥ و١١٩) النائية، مع كون الضرر ممن كان كذلك مأمونا، وكون قتال الكفار لكفرهم هو مذهب طائفة من أهل العلم، وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر، والقول بهذه المقالة هو منشأ ذلك التعقب، كذا فى "النيل (١٢١:٥) ولا يخفى عليك أن هذا الجواب والرد ليس بشىء، لأنه إن كان منشأ القتال هو دفع الضرر، كما ذهب إليه أهل الجواب، فضرر الصبيان الموهوم معفو فى باب القتل، لأنه يعد آ نهى عن قتل الصبيان، فلما كان ضرر الصبيان معفوا فقتله المنبتين يدل على أنهم لم يكونوا صبيانا، بل بالغين، وهو المطلوب. وإن كان مبناه هو الكفر، كما هو مذهب أهل الرد، فكفر الصبيان تبعا لآبائهم معفو أيضا فى باب القتل، كما عرفت، فيكون قتل المنبتين دليلا على بلوغهم فانخسف الجواب والرد، وظهر أن ما قلنا فى الجواب هو الحق إن شاء الله تعالى، ولا حاجة إلى تحقيق أن منشأ القتل هل هو دفع الضرر، أم الكفر؟ لأنه لا دخل لهذا التحقيق فيما نحن فيه، لأن دلالة الإنبات على البلوغ ظاهر على كلا التقديرين، كما عرفت. ثم الذى يظهر من سياق كلام الشوكانى أنه مال إلى أن منشأ القتال هو الكفر، وهو خطأ فاحش، لأن الشارع نهى عن قتل النساء والمعاهدين مع كونهم كفارا مكلفين، وعن قتل الصبيان مع كونهم كفارا تبعا لآباءهم، وليس ذلك إلا لأجل عدم الضرر، كما لا يخفى، فافهم. ثم من أفحش ما صدر من الشوكانى فى هذا المبحث أنه قال: وقد أخرج نحو حديث عطية الشيخان من حديث أبى سعيد بلفظ: "فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين، فمن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل فى الذرارى" اهـ (النيل ١١٩:٥). خطأ الشوكانى فى النقل، ونسبته إلى"الصحيحين ما ليس فيهما: لأنه ليس فى "الصحيحين" هذا اللفظ، لا فى حديث أبى سعيد، ولا غيره، قال الحافظ فى "التلخيص" تحت قول الرافعى: إن سعد بن معاذ حكم فى بنى قريظة فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين، فمن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل فى الذرارى، اهـ متفق عليه، دون قصة الإنبات من حديث أبى سعيد اهـ (التلخيص ص٢٤٨)، فصرح الحافظ بأن قوله: "فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين" إلخ، ليس فى "الصحيحين"، وإنما فيهما هو الحكم بقتل المقاتلة، وسبى الذرارى فقط، وهو المطابق لما فى "الصحيحين" على ما تصفحتهما، والله أعلم. ٣٣١ إعلاء السنن باب ملازمة الغريم ٥٤٤٠- حدثنا: أبو على الصفار ثنا عباس بن محمد ثنا أبو عاصم ثنا ثور بن يزيد عن مكحول، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إن لصاحب الحق اليد واللسان))، رواه الدارقطنى فى "سننه"، وهو مرسل. (نصب الراية ٢٥٣:٢) وسكت عليه فى "الدراية"، وأخرجه ابن عدى فى "الكامل" مسندا من حديث أبى عتبة الخولانى.، وفى سنده محمد بن معاوية أحد الساقطين، كذا فى "الدراية والعجب منه أنه رأى فى "التلخيص" قول ابن حجر: "متفق عليه من حديث بى سعيد"، ولم ينظر إلى قوله: "دون قصة الإنبات"، حتى وقع فى هذا الخطأ الفاحش، ونسب إلى الصحيحين ما ليس فيهما، فتنبه له. ثم اعلم أنه قال فى "روح المعانى" (٤: ١٨٢): وشاع عن الإمام الشافعى أنه قد جعل الإنبات دليلا على البلوغ فى المشركين خاصة، وشنع ابن حزم بالضال عليه، والذى ذكره الشافعية أنه إذا أسر مراهق، ولم يعلم أنه بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالبالغين من قتل ومن، وفداء بأسرى منا، أو مال واسترقاق، أو غير بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالصبيان من الرق، يكشف عن سوأته، فإن أنبت فله حكم الرجال، وإلا فلا، وإنما يفعل به ذلك لأنه لا يخبر السلطان بلوغه خوفا من القتل، بخلاف المسلم، فإنه لا يحتاج إلى معرفة بلوغه بذلك، ولا يخفى أن هذا لا يصلح محلا للتشنيع، وغاية ما فيه أنه جعل الإنبات سببا لإجراء أحكام الرجال عليه فى هذه المسألة، لعدم السبيل إلى معرفة البلوغ فيها، وصلاحيته، لأن يكون إمارة فى الجملة لذلك ظاهرة، وأما إن فيه أن الإنبات أحد أدلة البلوغ، مثل الاحتلام والإحبال والخيض والحبل فى الكفار دون المسلمين فلا اهـ. ويظهر منه أن ما قال فى "الشامية" (١٠٠:٥): ((لا اعتبار لغبات العانة، خلافا للشافعى، ورواية عن أبى يوسف)) اهـ، ليس كما ينبغى، فتنبه له، قال العبد الضعيف: وقد مر شىء مما يتعلق بذلك فى كتاب الجهاد، فليراجع. باب ملازمة الغريم أقول: قال فى "الهداية": " ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، بل يلازمونه، ولا يمنعونه من التصرف والسفر؛ لقوله عليه السلام: ((لصاحب الحق يد ولسان، أراد باليد الملازمة وباللسان التقاضى" اهـ (الهداية ٢: ٣٤٤). ج - ١١ ملازمة الغريم ٣٣٢ ٥٤٤١- وأخرج الشيخان عن أبى هريرة، قال: أتى النبى معَّ له رجل يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: "دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً"، كذا فى "الزيلعي" (٢٥٣:٢). وقال فى "العناية": "وجه التمسك أن الحديث مطلق فى حق الزمان الذى يكون بعد الإطلاق عن الحبس وقبله" اهـ، ومثله فى "الكفاية". أقول: فى دلالة اليد على الملازمة المذكورة كلام، لأنه إن كان المراد من اليد الضرب، ومن اللسان السب والإغلاظ فعدم دلالته على الملازمة ظاهر، وإن كان المراد من اليد هو القبض فدلالتها عليها أيضا غير ظاهرة، لأن الملازمة المذكورة ليس من القبض فى شىء، بل هو حبس الغريم نفسه على المديون. والجواب أن المراد منه القبض، وحبس الغريم نفسه على المديون تسلط عليه والتسلط على الشىء قبض عليه غاية ما فى الباب أنه أضعف فرد من أفراده ومقصودنا هو الأولى للتيقن، لا الأعلى لاحتمال العدم. وما قال صاحب "الكفاية" و"العناية" فى وجه الدلالة فيه نظر، لأن الحديث غير متعرض للزمان أصلا، فهو ساكت عنه، وليس بمطلق فيه ومن الخطأ الذى وقع فيه كثير من أهل العلم أنهم لا يميزون بين الساكت عن الشىء والمطلق فيه، كما وقع لأهل الحديث أنهم استدلوا بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ على وجوب الجمعة فى القرى والصحارى، وقالوا: إنه مطلق فى المكان، وهذا خطأ منهم، لأنه ساكت عن المكان، وليس بمطلق فيه، ومثل هذا كثير كما لا يخفى على من تصفح كلمات القوم، والوجه الصحيح أن يقال: إن منشأ اليد واللسان هو كونه صاحب الحق، وهذه العلة موجودة مشتركة بين الحالين قبل الحبس وبعده فيكون الحكم أيضا مشتر كا، والله أعلم. فإن قلت: ملازمة الغريم المفلس معارض لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. قلنا: كلا! لأن الغريم لا يلازم إلا من يظنه غير مفلس، أو مفلسا غير قاصد للأداء، أو قاصدا للأداء بالمطل، والمستحق للنظرة بالآية هو المفلس القاصد للأداء الغير المماطل، فلا تعارض. قال العبد الضعيف: وأيضا فإن المراد بـ((ذو عسرة)) الذى قد تحققت عسرته، ولا تتحقق إلا بالتضييق عليه، فإنه مما لا سبيل إلى معرفته بالشهادة لكون الشهادة عليه شهادة على النفى، ولو کان کل من يدعى العسرة ذا عسرة يجب نظرته لادعى كل مديون عسرته وضاعت أموال الناس، فافهم. إعلاء السنن ٣٣٣ کتاب الغصب باب رد عین المغصوب إذا کان قائما ٥٤٤٢- عن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده يزيد أبى السائب قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فلیردها عليه))، أخرجه أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن غريب. وقد قدمنا فى باب حبس المديون من كتاب القضاء حديث هرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده، قال: أتيت النبى معَّه بغريم لى، فقال لى ((ألزمه)) ثم قال لى: ((يا أخا بنى تميم! ما تريد أن تفعل بأسيرك؟)) رواه أبو داود وسكت عنه، ورواه البيهقى فى "سننه"، وفى لفظ له: ثم لقيه بعد ذلك فقال: ((ما فعل أسيرك يا بنى العنبر؟)) (٥٣:٦). وهو صريح فى أن للغريم ملازمة المديون، وأن الملازمة كالحبس والأسر، واحتج من أنكر الملازمة بحديث أبى سعيد، قال: أصيب رجل فى عهد رسول الله عَظيم فى ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله عَ ليه: ((تصدقوا عليه))، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله : ((خذوا ما وجدتم ولیس لكم إلا ذلك))، رواه مسلم فى "صحيحه"، ولا حجة لهم فيه، فإن الرجل كان قد تحققت عسرته عند رسول الله عَّ ◌ُلِّ ألا ترى أنه أمر الناس بالتصدق عليه، ومعنى قوله: ((ليس لكم إلا ذلك)) أى ليس لكم الآن إلا ذلك، وعليكم النظرة إلى الميسرة، نعم! فيه دليل على أنه ليس كصاحب الحق، مؤاجرة الحر فى دينه، وإلا لم يكن لقول رسول الله م ◌ُله: ((ليس لكم إلا ذلك)) معنى، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾. وأما قول ابن حزم: "إن ذلك لا يمنع استئجاره، بل يوجب استئجاره، لأن الميسرة لا تكون إلا بأحد وجهين بسعى أو بلا سعى، فنحن نجبره على ابتغاء فضل الله الذى أمره بابتغاءه" اهـ (١٧٣:٨)، ففيه أن ابتغاء فضل الله غير منحصر فى المؤاجرة، ومن ادعى فعليه البيان. وأما من أفلس من حى أو ميت فوجد إنسان سلعته التى باعها عنده بعينها فقد تقدم بيانه فى أبواب البيوع، وبينا أنه أسوة للغرماء، وليس هو بأولى من الغرماء، وذكرنا حجة الحنفية فى ذلك، فليراجع. باب رد عين المغصوب إذا كان قائما أقول: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة، قال العبد الضعيف: الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حق لغة. وفى الشريعة: هو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده، ج - ١٦ رد عين المغصوب إذا كان قائما ٣٣٤ ٥٤٤٣- وعن ابن عمر، قال: غلبت زيد بن ثابت عيناه ليلة الخندق، فجاء عمارة ابن حزم، فأخذ سلاحه فقال له رسول الله عَ ليه: ((يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك))، ثم قال عَ له: ((من له علم بسلاح هذا الغلام؟)) فقال عمارة: "أنا أخذته"، أو يقصرها مجاهرة، كذا فى "الهداية وشرحها لقاضى زاده" (٢٤٤:٨) وهو محرم بالكتاب والسنة، والإجماع، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ونحوه من الآيات، وقال النبى معَ ◌ّه فى خطبته يوم النحر: ((إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا))، رواه مسلم وغيره وأجمع المسلمون على تحريم الغصب فى الجملة، وإنما اختلفوا فى فروع منه، إذا ثبت هذا فمن غصب شيئا لزمه رده ما كان باقيا بغير خلاف نعلمه، لقول النبى معّ له: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) (مر تخريجه فى باب العارية)، ولأن حق المغصوب منه متعلق بعين ماله وماليته، ولا يتحقق ذلك إلا برده، فإن تلف فى يده لزمه بدله، لقول الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، ولأنه لما تعذر رد العين وجب رد ما يقوم مقامها فى المالية، ثم ينظر، فإن كان مما تتماثل أجزاءه، وتتفاوت صفاته وجب مثله. لأن المثل أقرب إليه من القيمة، وهو مماثل له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى، والقيمة مماثلة من طريق الاجتهاد، فكان ما طريقه المشاهدة مقدما، كما يقدم النص على القياس، وإن كان غير متقارب الصفات، وهو ما عدا المكيل والموزون وجبت فيمته فى قول الجماعة. وحكى عن العنبرى يجب فى كل شىء مثله، لما روت جسرة بنت وحاجة عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت: ما رأيت صانعا مثل حفصة، صنعت طعاما، فبعثت به إلى النبى من ده. فأخذنى الإفكل (أى الغيرة)، فكسرت الإناء فقلت: يا رسول الله! ما كفارة ما صنعت؟ فقال: ((إناء مثل الإناء، وطعام مثل الطعام))، رواه أبو داود، وعن أنس: "أن إحدى نساء النبى عدّ ل كسرت قصعة الأخرى، فدفع النبى معَّ ◌ُلِّ قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة، وحبس المكسورة فى بيته"، رواه أبو داود مطولا، ورواه الترمذى نحوه، وقال: حديث حسن صحيح. ولنا ما روى عبد الله بن عمر أن النبى معَّه قال: ((من أعتق شركا له فى عبد قوم عليه قيمة العدل)). متفق عليه، فأمر بالتقويم فى حصة الشريك، لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل، ولأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاءها، وتتباين صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها، فكانت أولى، والخبر محمول على أنه جوز ذلك بالتراضى، وقد علم أنها ترضى بذلك اهـ من "المغنى" (٢٧٦:٥)، ويحتمل أن يكون عند الكاسرة إناء مثل إناء صاحبة المكسور؛ لأن الأوانى قد تتماثل، وكذا ٣٣٥ رد عین المغصوب إذا كان قائما إعلاء السنن قال: "فرده" ((ثم نهى رسول الله عَ ◌ّه أن يروع المؤمن وأن يؤخذ متاعه لاعبا أو جادا))، أخرجه الحاكم، وفى إسناده الواقدى (الدراية ص ٣١٤). قلت: الواقدى مختلف فى الاحتجاج به، والاختلاف غير مضر، ثم هو شاهد لرواية يزيد. الطعام، والله تعالى أعلم. وذهب ابن حزم وأهل الظاهر إلى ما قاله العنبرى، وردوا على الجمهور احتجاجهم بحديث ابن عمر فى من أعتق شركا له فى عبد، وبأن المعتق نصيبه من عبد بينه وبين آخر لم يستهلك شيئا، ولا غصب شيئا، ولا تعدى أصلا، بل أعتق حصته التى أباح الله له عتقها، وإنما هو حكم من الله تعالى أنفذه، لا لتعد من المعتق أصلا، وأيضا يلزمهم أن يوجبوا ذلك عليه معسراً كان أو موسرا، كما يفعلون فى كل مستهلك، وهم لا يفعلون هذا اه، ملخصاً من "المحلى" (١٤٠:٨). الجواب عن إیراد ابن حزم على من احتج بحديث المعتق شركا له عبد على الضمان بالقيمة: والجواب أن المعتق نصيبه وإن لم يكن غاصبا، ولكنه أفسد نصیب صاحبه، حيث لا يجوز له على الرق، بل يجب عليه أن يعتق نصيبه منه بالتعويض من صاحبه، أو بالاستسعاء من العبد، ومن أفسد شيئا لغيره فحكمه حكم الغاصب المتلف، وليس من لازم ضمان الإتلاف كون المتلف آثما شرعا، فمن جرح إنسانا خطأ، فعليه الضمان إجماعا، وأما أنه يلزمهم أن يوجبوا ذلك عليه معسرا كان أو موسرا، فنعم! هذا هو مقتضى القياس، ولكنهم تركوه بالنص الوارد بالاستسعاء، وقد ذ کرناه فی باب العتق. وأما ما روى عن عثمان وابن مسعود: "أنهما قضیا علی من استهلك فصلانا بفصلان مثلها"، كما فى "المحلى" (١٤١:٨). فالجواب أن الحيوان كان أسهل عليهم، لأنه كان غالب أموالهم، فلعلهما رضيا بذلك، وهذا هو الجواب عما رواه ابن حزم عن على وزيد بن ثابت بنحوه، وقد ذكرنا دليل قيام القيمة مقام العين فى كتاب الزكاة، فليراجع. ويؤيد ما ذكرنا من الجواب أن عمر وعثمان قضيا فى ولد المغرور بالملة، وقضى على برد الجارية إلى سيدها، وأن يقوم ولدها، فيغرم الذى باعها بما غر وهان، كما فى "المحلى" (١٣٨:٨) أيضًا، فقضاءهما بالملة فى كل رأس برأسين من الإبل إنما كان لكون الحيوان أسهل عليهم؛ ج - ١٦ ٣٣٦ باب الفرس والبناء فى أرض الغير ٥٤٤٤- عن النبى عَّ أنه قال: ((ليس لعرق ظالم حق))، رواه مالك فى "الموطأ" عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا، وكذا رواه يحيى بن سعيد وعبد الله بن إدريس لأنه كان غالب أموالهم. وقضاء على بغرم القيمة كان على الأصل فى ضمان المتلف من ذوات القيم، وهذا أولى من حمل الآثار على التضاد، كما فعله ابن حزم، والله تعالى أعلم. وفى "الجوهر النقى": ذكر صاحب "الاستذكار"(١) أن مالكا، وأصحابه، والكوفيين ذهبوا إلى الحديث الأول، وهو حديث التقويم على من أعتق شركا له فى عبد، وقالوا: من أفسد حيوانا أو عروضا لا يكال ولا يوزن فعليه القيمة، وذهب الشافعى وأصحابه إلى أنه لا يقضى بالقيمة فى شىء من ذلك إلا عند عدم المثل، واحتجوا بحديث القصعة، وكلام البيهقى مخالف لما حكاه صاحب "الاستذكار" عن الشافعى، وموافق لمذهب خصومه. (قلت: ولكن البيهقى أعرف بمذهب إمامه من صاحب "الاستذكار"، ولعله ظن ما روى عن العنبرى قولا للشافعى، لكونه من أصحابه)، ثم ذكر البيهقى حديث القصعة من وجه آخر، وفيه فليت عن جسرة. فقال: فيهما نظر. قلت: جسرة تابعیة ثقة، کذا قال أحمد العجلی، وفلیت ویقال له: أفلت، قال فیه ابن حنبل: ما أرى به بأسا، وقال الدارقطنى: كوفى صالح (٣٣:٢). قلت: وحديث القصعة أخرجها البخارى، واستوعب الحافظ طرقها فى "فتح البارى" (٨٩:٥ و٩٠). وذكر الاختلاف فى اسم المرسلة، فقيل: زينب، وقيل: أم سلمة، وقيل حفصة، وقيل: صفية، وفى اسم الكاسرة، فقيل: عائشة، وقيل: خادمها، والحق تعدد القصة، والتى أبهمت فى حديث البخارى هى زينب، لمجىء الحديث من مخرجه، وهو حميد عن أنس، وما عدا ذلك فقصص أخرى والله تعالى أعلم. باب الغرس والبناء فى أرض الغير أقول: استدل أبو حنيفة بالحديث على أن الغارس والبانى فى أرض الغير لا يستحق القرار، بل للمالك أن يجبره على القلع، وهذا ظاهر جدا، والله أعلم. (١) وأغرب ابن بطال، حيث قال: احتج به أى بحديث القصعة الشافعى والكوفيون فيمن استهلك عروضا أو حيوانا فعليه مثله، ولا يقضى بالقيمة إلا عند عدم المثل، كما فى "فتح البارى" (٩٠:٥)، فعزى إلى الكوفيين ما عزاه ابن عبد البر إلى الشافعى وحده، والصحيح فى تنقيح المذاهب ما ذكره الموفق فى "المغنى"، والله تعالى أعلم. ٣٣٧ الغرس والبناء فى أرض الغير إعلاء السنن ويحيى بن سعيد الأموى عن هشام عن عروة مرسلا. ورواه الثورى عن هشام عن عروة عمن لا يتهم، وتابعه جرير بن عبد الحميد، ورواه زمعة بن صالح عن الزهرى عن هشام عن عروة عن عائشة، وزمعة ضعيف، ورواه رواد بن الجراح عن نافع بن عمر عن ابن أبى مليكة عن عروة عن عائشة، ورواد ضعيف، ورواه مسلم بن خالد الزنجى عن هشام عن عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلم متكلم فيه، ورواه عبد الوهاب التقى عن أيوب عن هشام عن عروة عن سعيد بن زيد، وحسنه الترمذى، ورواه الطبرانى بإسناد رجاله ثقات عن عبادة بن الصامت إلا أن فيه انقطاعا، ورواه أيضًا عن عمرو بن عوف، إلا أن فيه كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عون وهو شديد الضعف (نصب الراية ٢: ٢٥٥ والدراية ص ٣١٥) ملخصا. قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: إنه إذا غرس فى أرض غيره بغير إذنه، أو بنى فيها فطلب صاحب الأرض قلع غراسه، أو بنائه لزم الغاصب ذلك، ولا نعلم فيه خلافا لما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبى معَّ ◌ُلّ قال: ((ليس لعرق ظالم حق))، رواه أبو داود، والترمذى وقال: حديث حسن. ولأنه شغل ملك غيره بملکه الذی لا حرمة له فی نفسه بغیر إذنه، فلزمه تفريغه، وإن اتفقا على تعويضه عنه بالقيمة أو غيرها جاز. لأن الحق لهما فجاز ما اتفقا عليه اهـ ملخصا (٥: ٣٨٠). قلت: وروى يحيى بن آدم فى "الخراج" له: حدثنا أبو حماد عن سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد، قال: غرس قوم نخلا فى أرض قوم براح، فاختصموا إلى عمر بن . الخطاب رضى الله عنه. فقال لأهل الأرض: "أعطوهم قيمة النخل، وخذوا النخل، فإن أبيتم دفع عليكم أصحاب النخل قيمة الأرض براحا" (ص: ٩٥)، وحمله على المصالحة مخالف للسياق، كما لا يخفى. وتأويله أن أصحاب النخل لما جعلوا الأرض البراح بستانا وحديقة فهذا نظير ما لو غصب ثوبا فصبغه أحمر فصاحبه بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض، وسلمه للغاصب، وإن شاء أخذه أحمر، وغرم ما زاد الصبغ، هذا هو الظاهر من سياق الأثر، لأن عمر خير أصحاب الأرض بين أمرين، ولم يخيرهم فى إجبار الغاصب على القلع، ولو كان وجه القضاء إضرار القلع بالأرض لكانوا بالخيار فى، جبار أصحاب النخل على القلع والتزام الضرر، فلعل عمر رأى أن صنعة ج - ١٦ ٣٣٨ باب الزرع فى الأرض المغصوبة ٥٤٤٥- عن رافع بن خديج، أن النبى مَّ ◌ُلّه قال: ((من زرع فى أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شىء، وله نفقته»، رواه الخمسة إلا النسائى، وقال البخارى: أصحاب النخل متقومة فلا بد من رعاية الجانبين، والخيرة لصاحب الأرض، لكونه صاحب الأصل، وعلى هذا فقول أصحابنا فى غصب الثوب وصبغه أحمر ليس مبنيا على القياس، بل لهم سلف فى ذلك من عمر رضى الله عنه. فإن قيل: إن غصب الأرض لا يصح عند أبى حنيفة وأبى يوسف. قلنا: ولذلك لم يقض عمر على أصحاب النخل بأجرة الأرض إلى وقت التسليم، كما ذهب إليه من قال بتصور الغصب فى الأرض، ذكره الموفق فى "المغنى" (٣٧٨:٥)، ويحتمل أن لا يكون الحديث من باب الغصب، بل من باب الاستحقاق. وإذا غرس رجل أرضا اشتراها، ثم استحقت الأرض لم يؤمر الغارس بالقلع. لأنه غرسها وهو يظن أنها أرضه، بل يخير صاحب الأرض بين أخذ الأرض مع الغراس ويدفع إلى الغارس قيمته، وبين أن يدفع إليه صاحب الغراس قيمة الأرض براحا، قال يحيى بن آدم: حدثنا ابن علية عن خالد الحذاء عن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب إليه فى رجل اشترى دارا فبناها ثم جاء رجل فاستحقها، فكتب إليه أن تقوم العرصة والبناء، فإن شاء صاحب العرصة أخذ البناء، وإن شاء أخذ قيمة العرصة (ص ٩٥)، أى ويرجع صاحب البناء بقيمة العرصة على البائع. وفى "الدر" عن : "المنية": شرى دارا وبنى فيها، فاستحقت (الدار وحدها) رجع بالثمن، وقيمة البناء مبنيا على البائع إذا سلم النقض إليه يوم تسليمه اهـ (٤: ٣١٠). فالمستحق عليه لا يؤمر بنقض البناء، ولا بقلع الغراس، بل يدفع إليه قيمة البناء مبنيا، والغراس قائما، لكونه ليس بغاصب. وأما البائع فغاصب، فلا يرجع على المستحق إلا بالنقض وبالغراس مقلوعا؛ لما روى يحيى بن آدم، حدثنا قيس عن جابر هو الجعفى عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله: من اقتحم على قوم فبنى فى أرضهم بغير إذنهم فله نقضه، وإن أذنوا له فى البناءخله قيمة بنائه اهـ (ص ٩٩). باب الزرع فی أرض الغصب أقول: ينبغى أن يحمل الحديث على حكم المصالحة، ويقال: إنه مرّ قضى بهذا الحكم على وجه المصالحة، لكونه أنفع للفريقين، وإلا فحكم القضاء أنه إن أدرك الزرع فهو للغاصب، وعليه ٣٣٩ الزرع فى الأرض المغصوبة إعلاء السنن "هو حديث حسن". وضعفه الخطابى. ونقل عن البخارى تضعيفه، وهو خلاف ما نقل الترمذى عن البخارى من تحسينه، وضعفه أيضًا البيهقى، وهو من طريق عطاء بن أبى رباح عن رافع. ضمان نقصان الأرض، وإن لم يدرك فإن نبت فللمالك أن يأمر الغاصب بالقلع، فإن قلع فبنها، وإلا فله أن يقلع، وإن لم ينبت فللمالك أن ينتظر حتى ينبت، ويأمر الغاصب بالقلع، وأن يملك البذر بأداء القيمة، بأن يقوم الأرض غير مبذورة، وميذرة بيذر مستحق للقلع، فيؤدى إليه فضل ما بينهما، كذا فى "تكملة البحر الرائق" (ص ١١١). وقال فى "بذل المجهود": سمعت من شيخى رضى الله عنه معنى قوله: ((ليس لصاحب الزرع شىء» أنه لا يحل له من الزرع شىء. لأنه حصل له بطريق غصب الأرض (بذل المجهود ٤: ٢٦٠)، وهو لا يناسب ألفاظ الحديث، وحمله الخطابى على العقوبة للغاصب كما فى "بذل المجهود"، وذهب الشوكانى وابن رسلان إلى ظاهر الحديث، ونقل ابن المنذر عن أحمد أنه قال: زاد أبو إسحاق فى روايته: ((زرع بغير إذنهم). وليس غيره يذكر هذا الحرف (النيل ٢٠٠:٥)، فإن كان هذا وهما من أبى إسحاق فالحديث ليس من باب الغصب، بل من باب المزارعة، وهو أشبه عندی، والله أعلم. وقد روى ابن أبى شيبة، فقال: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبى جعفر الحظمى، قال: بعثنی عمى وغلاما له إلى أبى سعيد بن المسيب، فقال: ما تقول فى المزارعة؟ فقال: ابن عمر كان لا يرى بأسا، حتى حدث أن رسول الله عَ لّه أتى بنى حارثة، فرأى زرعا فى أرض ظهير، فقالوا: إنه ليس لظهير قال: أليس الأرض أرض ظهير؟ قالوا: بلى! ولكنه زارع فلانا قال: فردوا عليه نفقته، وخذوا زرعكم، قال رافع: فأخذنا زرعنا، ورددنا عليه نفقته، وذكر أن أبا حنيفة قال: يقلع زرعه اهـ. أقول: المقصود من هذا الكلام الطعن على أبى حنيفة بمخالفة الحديث، والجواب أن أبا حنيفة لم يخالف الحديث، لأنه حمل هذا القضاء على المصالحة، نعم! خالفه ابن أبى شيبة نفسه، لأنه الحديث نص فى عدم إجازه المزارعة، وأبو حنيفة يقول به، ولكن ابن أبى شيبة لا يقول به، بل يرد على أبى حنيفة فى ذهابه إلى الكراهة محتجا بما روى عنه فى معاملة خيبر، وبغيره. فإن قال: : إنا لا نخالفه، بل نؤوله. قلنا: فكذلك أبو حنيفة يؤول قضاءه، فكيف يجوز الطعن عليه؟ فظهر أن المخالفين يتعنتون فى طعن الإمام تعنتا شنيعا، عفا الله عنهم .. ج - ١٦ الزرع فى الأرض المغصوبة ٣٤٠ قال أبو زرعة: "لم يسمع عطاء عن رافع، وكان موسى بن هارون يضعف هذا الحديث، ويقول: لم يروه غير شريك، ولا رواه عن عطاء غير أبى إسحاق، ولكن تابعه قيس بن الربيع، وهو سىء الحفظ" (النيل ٢٠٠:٥). قال العبد الضعيف: وحديث المتن أخرجه البيهقى فى باب المزارعة من السنن، وكذا يحبى ابن آدم فى "الخراج". وقال: ذكرته لحفص بن غياث، فقال: هذا عندنا ليس له من فضل الزرع شىء، وله نفقته قلت: فلمن الفضل؟ قال: يتصدق به، ثم قال: على هذا كان عندنا، اهـ (ص٩٥). وحاصله أن قوله مرّ له: ((وله نفقته)) بمنزلة الاستثناء، والمعنى فمن زرع فى أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شىء، إلا نفقته، ويجب عليه التصدق بما فضل عن النفقة؛ لكونه ربح زرع خبیث، وهذا راجع إلى ما ذکره سیدی الخلیل عن شیخه، فلله دره من فقیه! قد أول الحديث على ما أوله حفص بن غياث الإمام المجتهد، وحكاه عن فقهاء بلده، وعلى هذا فليس الحديث من باب القضاء، ولا من باب المصالحة، وإنما هو من باب الإفتاء، وبه نقول. قال فى "الهداية": وإذا انتقص الأرض بالزراعة يغرم النقصان؛ لأنه أتلف البعض، فيأخذ رأس ماله، ويتصدق بالفضل، وقال أبو يوسف: لا يتصدق بالفضل اهـ. الرد على محشى "الخراج" فى قوله: إن عطاء فى حديث رافع هو عطاء بن صهيب: وقال محشى "الخراج" فى حديث عطاء عن رافع بن خديج ما نصه: ويظهر من كلام الخطابى وغيره أنهم يضعفون الحديث، بأن عطاء لم يسمع من رافع، وأنهم ظنوا أنه عطاء بن أبى رباح. والذى يترجح لدى أنه عطاء بن صهيب أبو النجاشى الأنصارى مولی رافع، وقد صحبه ست سنين. ولم أجد فيما وقع إلى من رواياته التصريح بأنه ابن أبى رباح، إلا فى "نصب الراية" (٢: ٢٥٥) نقلا عن الأموال لأبى عبيد، ولعله ظن من الزيلعى أيضا، وإلا فكيف حسنه البخارى والترمذى لو كان عندهما من رواية ابن أبى رباح، وهى منقطعة غير موصولة؟ وقد عهدنا فى رواة الحديث أنهم لا ينسبون الراوى فى أكثر أحوالهم إذا كان يمت إلى من يروى عنه بسبب، كما يطلقون نافعا عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عباس اهـ (ص ٩٤). قلت: وكيف يكون عطاء هذا هو ابن صهيب؟ وأبو إسحاق لم يرو عن عطاء بن صهيب شيئا فيما علمنا، ولم يذكره الحافظ فى "التهذيب" فيمن روى عن ابن صهيب، وقال البيهقى فى "السنن": قال الشافعى فى "كتاب البويطى": "الحديث منقطع. لأنه لم يلق عطاء رافعا"، ثم روى