Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
رد المکاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
ء
يونس عنه، قال: "صدقا ووفاء، وأداء وأمانة" (٩٩:١٨).
وإذا اختلفت أقوال التابعين فى تفسير الآيات فالراجح منها ما وافق تفسير الصحابة، كما
لا يخفى، ولم يفسره ابن عمر وابن عباس ولا أحد من الصحابة بالإسلام، وإنما فسروه بالحيلة
والحرفة والقوة على الأداء والصلاح والوفاء والأمانة والمال ونحوها.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن قول الحنفية والمالكية بجواز كتابة العبد الكافر الذى لا مال له
ليس لكون شرط الله ملغى عندهم ... ، كما زعم ابن حزم، وحاشاهم من ذلك! وإنما قالوا بذلك
لكون الخير مفسرا عندهم بقوة المال من الحيلة والحرفة ونحوها؛ لكونه هو المنقول عن الصحابة
وصرح مجاهد بأن المراد بالخير المال كائنة وأخلاقهم وأديانهم ما كانت، ولم يرو عن أحد من
السلف أنه نهى عن مكاتبة الكافر، كما قاله ابن حزم لحمله الخير على الإسلام والدين، فافهم فإن
أهل الظاهر لا يفقهون.
هل يستحق المكاتب على مولاه أن يضع عنه شيئا من كتابته؟:
فائدة: قال الجصاص: اختلف أهل العلم فى المكاتب هل يستحق على مولاه أن يضع عنه
شيئا من كتابته؟ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثورى: إن وضع عنه شيئا من
كتابته فهو حسن مندوب إليه، وإن لم يفعل لم يجبر عليه، وقال الشافعي: هو على الوجوب.
وروى عن ابن سيرين(١) فى قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾، قال: "كان يعجبهم أن
يدعوا له طائفة من مكاتبته" ، قال الجصاص: ظاهر قوله: "كان يعجبهم" أنه أراد به الصحابة،
وكذلك قول إبراهيم: "كانوا يكرهون وكانوا يقولون" الظاهر من قول التابعى إذا قال ذلك أنه
أراد به الصحابة، فقول ابن سيرين يدل على أن ذلك كان عند الصحابة على الندب، لا على
الإيجاب؛ لأنه لا يجوز أن يقال فى الإيجاب، وروى يونس عن الحسن، وإبراهيم ﴿وآتوهم من
مال الله الذى آتاكم﴾، قال: "حث عليه مولاه وغيره" (أخرجه الطبرى فى "تفسيره": حدثنى
يعقوب ثنى ابن علية أخبرنى يونس عن الحسن فذكره، قال: وحدثنى يعقوب ثنا هشيم عن مغيرة
عن إبراهيم قال: "أمر مولاه والناس جميعا أن يعينوه")، وهذان إسنادان صحيحان (١٠٢:١٨)،
وروى مسلم ابن أبى مريم عن غلام عثمان بن عفان، قال: " كاتبنى عثمان ولم يحط عنى شيئاً"
(١) أثر ابن سيرين هذا رواه البيهقى فى سننه، واحتج به، ولم يعله ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" بشىء (٢٦٨:٢). (المؤلف)

ج - ١٦
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
٢٤٢
(احتج به ابن حزم على إيجاب المكاتبة إذا سألها العبد، وترك منه قول عثمان لعبده: "والله
لا أعطيك منها شيئاً"، كما تقدم. ولا يجوز أن يكون بعض الأثر حجة، وبعضه ليس بحجة).
قال الجصاص: ويحتمل أن يزيد بقوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾ ما ذكره فى آية
الصدقات من قوله: ﴿وفى الرقاب﴾ وأفاد بذلك دفع الصدقات الواجبات إلى المكاتب وإن كان
مولاه غنيا، ويدل عليه أنه أمر بإعطاءه من مال الله، وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله
الصدقة وصرفه فى وجوه القرب، وأيضا فإن الظاهر من قوله: ﴿من مال الله الذى آتاكم﴾ أنه أراد
مالا هو ملك لمن أمر بإيتائه، وذلك الصدقة الواجبة فى الأموال، وهو الذى قد صح ملكه للمالك،
وأمر بإخراج بعضه، وأما مال المكاتبة فليس بدين صحيح، لكونه على عبده، والمولى لا يثبت له
على عبده دين صحيح،، (وأيضا فإن قوله: ﴿وآتوهم﴾ يأبى حمله على الحط، والوضع. لأن
المأمور به الإيتاء، وهو الإعطاء، والحط لا يسمى إعطاء. والمال الذى آتانا الله هو ما فى أيدينا،
لا الوصف الثابت فى ذمة المكاتبين، فحمله على حط ربع بدل الكتابة حمل بلا دليل).
قال الجصاص: فلو كان الحط واجبا لما احتاج أن يضع عنه (أو يؤتيه شيئا). بل يسقط القدر
المستحق، كمن له على إنسان دين ثم صار للمدين عليه مثله أنه يصير قصاصا. ولو كان كذلك
لحصلت الكتابة مجهولة، (على قول من لم يقدر الإيتاء بالربع ونحوه بل بما شاء المولى). لأن الباقى
بعد الحط مجهول، فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شىء، وذلك غير جائز،
وجملة ذلك أن الإيتاء لو كان فرضا لسقط. ثم لا يخلو من أن يكون ذلك القدر معلوما، أو
مجهولا، فإن كان معلوما فالواجب أن تكون الكتابة بما بقى فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف درهم،
والكتابة أربعة آلاف درهم، وذلك فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لا يصح الإشهاد على الكتابة
بأربعة آلاف درهم، ومع ذلك فلا معنى لذكر شىء لا يثبت، وأيضا فإنه يعتق بأقل مما شرط، وهذا
فاسد؛ لأن أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها، وأيضا فإن الشافعى قال: المكاتب عبد ما
بقى عليه درهم، فالواجب إذا أن لا يسقط شىء، ولو كان الإيتاء مستحقا لسقط، وإن كان الإيتاء
مجهولا، فالواجب أن يسقط ذلك القدر، فتبقى الكتابة على مال مجهول.
فإن قيل: روى عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن، أنه كاتب غلاما له، فترك ربع
كتابته، وقال: إن عليا كان يأمرنا بذلك، ويقول: هو قول الله: ﴿وآتوهم من مال الله الذى
آتاكم﴾، وروى عن مجاهد أنه قال: "تعطيه ربعا من جميع مكاتبته تعجله من مالك". قيل له: هذا

٢٤٣
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
يدل على أنهم لم يروا ذلك واجبا، وأنه على وجه الندب، لأنه لو كان واجبا عندهم لسقط بعد
عقد الكتابة هذا القدر، إذا كان المكاتب مستحقا له، ولم يكن المولى يحتاج إلى أن يعطيه شيئا،
ومن ادعى أن مال الكتابة يجب على المكاتب مؤجلا، ويستحق هو على المولى أن يعطيه مقدار
الربع معجلا، فلا يصير قصاصا فعليه البيان، فإن الله تعالى لم يفرق بين الكتابة الحالة والمؤجلة.
وكذلك من روى عنه من السلف الحط لم يفرقوا بين الحالة، والمؤجلة، ولم يفرق أيضا بين
أن يحل مال الكتابة المؤجل، وبين أن لا يحل فيما ذكروا من الحط والإيتاء، فعلمنا أنه لم يرد به
الإيجاب إذا لم يجعله قصاصا إذا كانت حالة أو كانت مؤجلة فحلت، وأوجب الإيتاء فى الحالين.
والإيتاء هو الإعطاء، وما يصير قصاصا لا يطلق فيه الإعطاء ..
ومما يدل من جهة السنة على ما وصفنا ما روى يونس والليث عن الزهرى عن عروة عن
عائشة، قالت: " جاءتنى بريرة، فقالت: يا عائشة! إنى قد كاتبت أهلى على تسع أواق فى كل عام
أوقية، فأعينينى، فقالت لها عائشة: ارجعى إلى أهلك، فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ويكون
ولاءك لى فعلت . وذكر الحديث، فلما أرادت عائشة أن تؤدى عنها كتابتها كلها، وذكرته
لرسول الله عَّه، وترك النكير عليها، ولم يقل: إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها، او أن
يعطيبها المولى شيئا من ماله ثبت أن الحط عن الكتابة على الندب، لا على الإيجاب، لأنه لو كان
واجبا لأنكره النبى معَّه، ولقال لها :: لم تدفعين إليهم ما لا يجب لهم علينها؟ ويدل عليه أيضا ما
روت عائشة، أن جويرية جاءت إلى النبى معَّه تستعينه فى كتابتها، فقال: ((فهل لك فى خير من
ذلك؟)) فقالت: وما هو يا رسول الله؟ فقال: ((أقضى عنك كتابتك وأتزوجك)). قالت: نعم! قال:
((قد فعلت)) (رواه الحاكم، وصححه وحديث بريرة عندهم جميعا بألفاظ مختلفة يؤيد بعضها
بعضا)، ففى هذا الحديث أنه بذل لجويرية أداء جميع كتابتها عنها إلى مولاها، ولو كان الحط
واجبا لكان الذى يقصد إليه رسول الله عَ ليه بالأداء عنها باقى كتابتها، وقد روى عن عمر وعثمان
والزبير، ومن قدمنا قولهم من السلف أنهم لم يكونوا يرون الحط واجبا، ولا يروى عن نظراءهم
خلافه، وما روى عن على فيه فقد بينا أنه يدل على أنه رآه ندبا لا إيجابا اهـ ملخصا (٣٢٤:٣).
فإن قيل: حديث بريرة، وجويرية محمول كلاهما على ما إذا عجز المكاتب نفسه، ورضى
بالبيع، والخصم لا يقول بوجوب الإيتاء إلا إذا مضى على كتابته، ولم يعجز نفسه. قلنا: ولكن ابن
حزم ومن وافقه يقولون بوجوب الإيتاء فى أول عقد الكتابة، سواء عجز نفسه بعد ذلك أو لم

ج - ١٦
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
٢٤٤
يعجز. وأيضا فإن كون حديث جويرية محمولا على التعجيز، وفسخ الكتابة غير مسلم، فإن
النبى مَّ ◌ُلِّ قضى عنها كتابتها ولم يشترها من مولاها، هذا هو سياق حديثها. ولعل الله يحدث بعد
ذلك أمرا. وفى "الجوهر النقى": العجب من الشافعى كيف حمل الأمر فى قوله تعالى:
﴿فكاتبوهم﴾ على الندب، وفى قوله: ﴿وآتوهم﴾ على الوجوب. ثم أنه جعل المخاطبين بذلك
موالى المكاتبين. وليس الأمر كذلك.
قال ابن جرير الطبرى فى "التهذيب": وفى حديث بريرة أيضا الدلالة على صحة قولنا فى
تأويل قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله ﴾ أنه يعنى به أهل الأموال الذين وجبت فى أموالهم
الصدقات. فأمرهم الله تعالى بإعطاء المكاتبين منها ما فرض فيها بقوله تعالى: ﴿وفى الرقاب﴾
ولولا ذلك لم تكن بريرة تسأل عائشة (ولا جويرية رسول الله عَ ليه)، ولا ضرورة لها من إمكان
عجزها عن الكتابة إذا لم تجد سبيلا إلى الأداء، والرجوع إلى ما كانت عليه من وجوب نفقتها على
مواليها، ولكنها لما علمت أن الله تعالى فرض فى أموال أهل الأموال لمن كان يمثل حالها حقا بقوله:
﴿وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾، وبقوله: ﴿وفى الرقاب﴾ تعرضت لطلب ذلك.
وفى ذلك دلالة بينة على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وآتوهم﴾ أهل الأموال، والدلالة على خطأ
من زعم أن قوله: ﴿وآتوهم﴾ يعنى به موالى المكاتبين خاصة دون سائر الناس غيرهم، وأنهم أمروا
أن يضعوا عنهم من كتابتهم، ولو كان كما قالوا لقال: ضعوا عنهم من كتابتهم. ولو كان أمرا .
بإعطاءهم من مال كتابتهم، لقال: من مال الله الذى آتاكم منهم، فإذا لم يكن محصورا على
مواليهم كان معلوما أنه خطاب لذوى الأموال (قلت: وقد تقدم فى كتاب الزكاة من هذا الكتاب
عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ) الآية، قال: "فى أى صنف
وضعته أجزأك"، وإسناده حسن، وروى ابن أبى شيبة عن عمر وحذيفة وسعيد بن جبير وعطاء
والنخعى وأبى العالية وميمون بن مهران مثله بأسانيد حسنة. فلم يكن قوله: ﴿وآتوهم من مال
الله﴾ على الوجوب، بل على الندب فى حق سائر الناس، وإنما جاز لبريرة وجويرية السؤال لأن
العتق والسعى فى تحصيله من ضرورة الإنسان التى لا غنى له عنها، فافهم).
ولو سلمنا أن المراد بذلك الموالى فالأمر محمول على الندب (بدليل ما مر بما لا مزيد عليه)
كما فعل الشافعى فى قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾، وكما فعل هو وغيره فى الأمر بالإشهاد على
البيع والكتابة، وقد تقدم أن عثمان كاتب مملوكا له على مائة ألف، وقال: "والله لا أعطيك منها

٢٤٥
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
درهما". وما ذكره البيهقى فى هذا الباب عن جماعة من الصحابة وغيرهم أنهم وضعوا شيئا من
الكتابة فليس فى شىء منه أنهم كانوا يرون ذلك واجبا عليهم، فيحمل على أنهم فعلوا ذلك على
سبيل الندب والفضل، ويدل على ذلك ما ذكره البيهقى فى آخر الباب عن ابن سيرين، قال: " كان
يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته" اهـ (٢٦٨:٢)، وهو صريح فى الندب، كما مر
تقريره.
قلت: وروى البيهقى عن أبى التياح أنه أتى عليا فقال: "أريد أن أكاتب، قال: أعندك شىء؟
فقال: لا، فجمعهم على بن أبى طالب، فقال: أعينوا أخاكم، فجمعوا له فبقى بقية عن مكاتبته،
فأتى عليا، فسأله عن الفضلة، فقال: اجعلها فى المكاتبين" (كنز العمال ٢٥٦:٥).
وفيه أن المخاطبين بقوله تعالى: ﴿وَآتوهم من مال الله﴾ أهل الأموال دون موالى المكاتبين
خاصة، وأن الأمر فيه ليس على الوجوب، لأن عليا لم يأمر مولى أبى التياح أن يؤتيه، أو يضع عنه
شيئا، بل أدى جميع كتابته، حتى بقى عنها بقية، والله تعالى أعلم.
فاندحض بذلك كله قول ابن حزم: لقد كان أشبه بأمور الدين، وأدخل فى السلامة أن
يقول الحنفيون بقول على فى هذه المسألة، وإن يقولوا مثل هذا لا يقال بالرأى اهـ (٢٤٧:٩).
فقد عرفت أنهم لم ينكروا ما قاله على رضى الله عنه، ولكنهم حملوه على الندب، بدليل
ما ذكرناه بأبسط وجه وأكمله، وأيضا فإ حديث على هذا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن
عطاء بن السائب، وابن جريج لم يسمع من عطاء إلا بعد اختلاطه، كما قاله ابن حزم نفسه
(٢٤٨:٥)، فلا يصلح حجة على الوجوب، فافهم.
إذا أدى المكاتب بدل الكتابة عتق سواء نوى مولاه بالكتابة الحرية أو لم ينو:
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إذا كاتبه على أنجم مدة معلومة صحت الكتابة وعتق
بأداءها سواء نوى بالكتابة الحرية أو لم ينو، وسواء قال: إذا أديت إلى فأنت حر أو لم يقل. وبهذا
قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال الشافعى رحمه الله: لا يعتق حتى يقول: إذا أديت إلى فأنت حر،
وينوى بالكتابة الحرية. لأن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة ويحتمل العتق بالأداء، فلا بد من تمييز
أحدهما عن الآخر، ككنايات العتق. ولنا أن الحرية موجب عقد الكتابة، فتثبت عند تمامه، كسائر
أحكامه. ولأن الكتابة عقد وضع للعتق، فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته، كالتدبير. وما ذكروه
من استعمال الكتابة فى المخارجة إن ثبت فليس بمشهور، فلم يمنع وقوع الحرية به، كسائر الألفاظ

ج - ١٦
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
٢٤٦
الصريحة، على أن اللفظ المحتمل ينصرف بالقرائن إلى أحد محتمليه. كلفظ التدبير فى معاشه، أو
غير ذلك. وهو صريح فى الحرية، فههنا أولى اهـ (٣٤٩:١٢).
وفى "الجوهر النقى" عن نوادر الفقهاء لابن بنت نعيم: أجمعوا على جوازها وإن لم يذكر
العتق بالأداء، إلا الشافعى، قال: لا يعتق حتى يقول ذلك أو يقول بعد العقد كانت نيته كذلك
حينئذ اهـ (٢٦٦:٢). وقال الجصاص: قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ يقتضى
جوازها من غير شرط الحرية. فدل على أن اللفظ يتضمنها، كلفظ الخلع فى تضمنه للطلاق،
ولفظ البيع للتمليك، والإجارة لتمليك المنافع، والنكاح لتمليلك منافع البضع، ويدل عليه
قوله مرّة: ((أيما عبد كاتب على مائة أوقية، فأداها إلا عشر أواق، فهو رقيق)). فأجاز الكتابة مطلقة
على هذا الوجه من غير شرط حرية فيها، فوجب أن يعتق بالأداء؛ لأن صحة الكتابة تقتضى وقوع
العتق بالأداء اهـ (٣٢٥:٣).
يجوز مقاطعة المكاتب، وأن يوضع عنه شىء بشرط أن يعجل:
فائدة: قال ابن حزم: ولا تجوز مقاطعة المكاتب، ولا أن يوضع عنه شىء بشرط أن يعجل.
لأنهما شرط ليس فى كتاب الله عز وجل (قلت: ومن أين لابن حزم أن يقول ذلك وهو قائل بأنه
يجب على السيد أن يعطى المكاتب مالا معجلا محتجا بقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذى
آتاكم﴾، وهو مطلق فى الإيتاء بشرط التعجيل وبدونه؟ فافهم). قال: وهو بيع ما لم يقبض، وما
لا يدرى أهو فى العالم أم لا؟ (قلت: هذا كلام من حرم الفقه والدراية جملة. لأن بدل الكتابة
بمنزلة الثمن، والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز، كما مر فى كتاب البيوع بدليله).
قال: وقال مالك، وأبو حنيفة: مقاطعة المكاتب جائزة ببعض ما عليه بالعروض، وصح عن
ابن عمر أنه لا تجوز مقاطعته إلا بالعروض. فخالفا ابن عمر، ولا يعلم له فى ذلك مخالف من
الصحابة. وقال الشافعى بقول ابن عمر، ولا حجة إلا فى نص اهـ (٢٤٤:٩).
قلت: فهل عندك نص فى حرمة مقاطعة المكاتب؟ فإن ذكرت قوله معّ له: ((كل شرط ليس
فی کتاب الله فهو باطل)) قلنا: لا نسلم کونه شرطا لیس فی کتاب الله، وقد ذهب إليه عمر وابن
عمر فى العروض، وهما أعرف بكتاب الله منك ومن ألوف أمثالك.
وأما المقاطعة بالدراهم والدنانير: بأن كاتبه على ألف مؤجلة، فصالحه على خمسمائة حالة،
فالقياس أن لا تجوز؛ لأنه اعتياض عن أجل، وهو ليس بمال، والدين مال، ولهذا لا يجوز بين

٢٤٧
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
الجرين، ولا فى مكاتب الغير لكونه ربا، ولكنها تجوز استحسانا، لأن الصلح أمكن جعله فسخا
للكتابة السابقة، وتجديد العقد على خمسمائة حالة. لأن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، وقد صح
عن ابن عباس أنه قال: "لا ربا بين العبد وسيده"، رواه الشافعى فى " مسنده" عن سفيان عن عمرو
ابن دینار عن أبی معبد مولی ابن عباس عنه (ص ٨٤). وقد مر غی کتاب الربا من البیوع، وروی
عبد الرزاق عن عطاء: "أن ابن عباس سئل عن المكاتب يوضع له، ويتعجل منه، فلم ير به بأسا،
و کرهه ابن عمر إلا بالعروض" (كنز العمال ٢٥٦:٥).
فبطل قول ابن حزم: إنه لا یعلم لابن عمر فی ذلك مخالف، وقوله: کرهه ابن عمر، لیس
بنص فى التحريم، فلعله كرهه تورعا، احترازا عن صورة الربا، هو محمل ما رواه عبد الرزاق وابن
أبى شيبة والبيهقى عن القاسم بن محمد: "أن عمر بن الخطاب كان يكره قطاعة المكاتب الذى
يكون عليه الذهب والورق، ثم يقاطعه على ثلاثة، أو أربعة، أو ما كان، ويقول: اجعلوا ذلك فى
العرض على ما شئتم" (كنز العمال ٢٥٥:٥).
وقال الموفق فى "المغنى": لا بأس أن يعجل المكاتب لسيده بعض كتابته، ويضع عنه بعض
كتابته، مثلا إذا كاتبه على ألف فى نجمين إلى سنة، ثم قال: عجل لى خمسمائة منه حتى أضع
عنك الباقى أو حتى أبرئك من الباقى، أو قال: صالحنى منه على خمسمائة معجلة جاز ذلك، وبه
يقول طاوس، والزهرى، والنخعى، وأبو حنيفة، وكرهه الحسن، وابن سيرين، والشعبى. وقال
الشافعى: لا يجوز. لأن هذا بيع ألف بخمسمائة، وهو ربا الجاهلية. ولأن هذا لا يجوز بين
الأجانب، والربا يجرى بين المكاتب وسيده فلم يجز هذا بينهما. ولنا أن مال الكتابة غير مستقر،
ولا هو دين صحيح، بدليل أنه لا يجبر على أدائه، وله أن يمتنع عن أدائه، ولا تصح الكفالة به، وما
يؤديه إلى سيده كسب عبده. وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق، وأوجب فيه التأجيل
مبالغة فى تحصيل العتق، وتخفيفا عن المكاتب، (وأما عندنا فلا يجب التأجيل، كما مر).
فإذا أمكنه التعجيل على وجه يسقط عنه بعض ما عليه كان أبلغ فى تحصيل العتق وأخف
على العبد، ويحصل من السيد إسقاط بعض ماله على عبده لمصلحته، ويفارق سائر الديون بما
ذكرنا، (من أنه دين غير صحيح ولا مستقر)، ويفارق الأجانب من حيث أن هذا عبده، فهو أشبه
بعبده القن، وقولهم: إن الزبا يجرى بينهما فنمنعه على ما ذكر ابن أبى موسى، وإن سلمناه فإنه
مفارق لسائر الربا بما ذكرنااهـ ملخصًا (٤٧٠:١٢).

ج - ١٦
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
٢٤٨٠
إذا عجل المكاتب بدل الكتابة قبل حلول الأجل لزم المولى قبوله:
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إذا عجل المكاتب الكتابة قبل محلها فالمنصوص عن أحمد
أنه يلزم قبولها، ويعتق المكاتب، وذكر أبو بكر فيه رواية أخرى أنه لا يلزم قبول المال إلا عند نجومه؛
لأن بقاء المكاتب فى هذه المدة فى ملكه حق له، ولم يرض بزواله فلم يزل، كما لو علق عتقه على
شرط لم يعتق قبله والصحيح فى المذهب الأول، وهو مذهب الشافعى، إلا أن القاضى قال: أطلق
أحمد والخرقى هذا القول، وهو مقيد بما لا ضرر فى قبضه. لأنه لا يلزم الإنسان التزام ضرر لم
يقتضه العقد، ولا رضى بالتزامه، وأما ما لا ضرر فى قبضه فإذا عجله لزم السيد أخذه، لما روى
الأثرم بإسناده عن أبى بكر بن حزم "أن رجلا أتى عمر رضى الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! إنى
كاتبت على كذا وكذا، وإنى أيسرت بالمال فأتيته به، فزعم أنه لا يأخذها إلا نجوما، فقال عمر
رضى الله عنه: باين، فأخذ هذا المال، فأدخله فى بيت المال، وأدى إليه نجوما فى كل عام، وقد عتق
هذا فلما رأى ذلك سيده أخذ المال"، وعن عثمان بنحو هذا، ورواه سعيد بن منصور فى "سننه"
عن عمر وعثمان جميعا، قال: حدثنا هشيم عن ابن عوف عن محمد بن سيرين: "أن عثمان قضی
بذلك"، ولأن الأجل حق لمن عليه الدين، فإذا قدمه فقد رضى بإسقاط حقه، فسقط كسائر
الحقوق.
ولا يصح القياس على العتق المعلق بشرط، لأنه صفة مجردة لا يعتق إلا بوجودها، والكتابة
عقد معاوضة يبرأ فيها بأداء العوض، ألا ترى أنه لو أبرأه من العوض فى المكاتبة عتق، ولو أبرأه من
المال فى الصفة المجردة لم يعتق؟ والأولى إن شاء الله ما قاله القاضى، إن ما كان فى قبضه ضرر لم
يلزمه قبضه، ولم يعتق ببذله. لما ذكره من الضرر الذى لم يقتضه العقد، وخبر عمر رضى الله عنه
لا دلالة فيه على وجوب قبض ما فيه ضرر، ولأن أصحابنا قالوا: لو لقيه فى بلد آخر فدفع إليه نجوم
الكتابة أو بعضها فامتنع من أخذها لضرر فيه من خوف أو مؤنة حمل لم يلزمه قبوله؛ لما عليه من
الضرر فيه، وإن لم يكن فيه ضرر لزمه قبضه، كذا ههنا اهـ ملخصا (٢: ٣٦٠ و ٣٦١).
وذكر ابن حزم فى "المحلى" قول مالك كقول أحمد بعينه أن المولى يجبر على قبض ذلك،
وتعجيل العتق للمكاتب، قال: وقال الشافعى: إن كانت الكتابة دراهم أو دنانير أجبر السيد على
قبولها، وإن كانت عروضا لم يجبر اهـ (٢٤٥:٩).
قال العبد الضعيف: وقياس قولنا هو ما قاله أحمد رحمه الله، ومالك والشافعى؛ لما ذكرنا
فى جواز الكتابة حالة ومؤجلة، أن الأجل فى الكتابة حق العبد دون السید، فإذا قدمه فقد رضی

٢٤٩
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
'ے
بإسقاط حقه فسقط، ثم رأيت صاحب "الفتاوى الهندية" قد صرح به حيث قال: "وإذا كاتبه
على ألف مؤجل فإن أداه قبل حلول الأجل يجبر المولى على القبول، وإذا كاتبه على أن يخدمه ولم
يذكر المدة لم يجبر"، هكذا فى " خزانة المفتين" (١٥:٦) اهـ، ولكن ينبغى تقيده بما ذكره القاضى
من أن لا يكون فى قبضه ضرر؛ لأنه لا يلزم الإنسان التزام ضرر لم يقتضه العقد، ولا رضى
بالتزامه، والله تعالى أعلم.
وروى ابن حزم من طريق معاذ العنبرى نا على بن سويد بن منجوف نا أنس ابن سيرين عن
أبيه، قال: " كاتبنى أنس بن مالك على عشرين ألفا، فكنت فى مفتح تستر، فاشتريت رثة، فربحت
فيها، فأتيت أنسا بجميع مكاتبتى، فأبى أن يقبلها إلا نجوما، فأتيت عمر، فذكرت ذلك له، فقال:
أراد أنس الميراث، وكتب إلى أنس أن اقبلها، فقبلها". قال ابن حزم: وهذا أحسن ما روى فيه عن
عمر، وسائرها منقطع.
(قلت: ولكن هذا ليس بمنقطع، فإن سيرين قد أدرك عمر، وأنا جميعا، وفيه أن عمر لم يأمر
أنسا بأن يؤتيه من مال الكتابة، أو من عند نفسه شيئا، أو یحطه عنه، فالذی روی عنه فى ذلك
محمول على الندب دون الوجوب، قال: ومن طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى
حبيب عن ابن شهاب عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: "أن أباه كاتب عبدا له،
فلما فرغ من كتابته أتاه العبد بماله كله، فأبى الحارث أن يأخذه، وقال: لى شرطى فرفع ذلك إلى
عثمان فقال له عثمان: هلم المال، فاجعله فى بيت المال، فنعطيه منه فى كل حل ما يحل، فأعتق
العبد" اهـ (٢٤٥:٩)، قلت: وهذا سند حسن.
وفى "كنز العمال" عن أبى سعيد المقبرى، قال: "كاتبنى مولاتى على أربعين ألف درهم،
فأديت إليها عامة ذلك، ثم حملت ما بقى إليها، فقلت: هذا مالك، فاقبضيه، قالت: لا حتى آخذه
منك شهرا بشهر وسنة بسنة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: ادفعه إلى بيت
المال، ثم بعث إليها فقال: هنا مالك فى بيت المال، وقد عتق أبو سعد، فإن شئت فخذى شهرا
بشهر وسنة بسنة، فأرسلت، فأخذته"، رواه ابن سعد، والبيهقى وحسنه (٢٥٦:٥)، وتعقبه ابن
التركمانى فى "الجوهر النقى"، فى باب تعجيل الكتابة: ذكر (البيهقى) فيه من طريق يحيى بن
بكر حدثنى عبد الله بن عبد العزيز الليثى عن سعيد المقبرى عن أبيه إلى آخره، ثم قال: قال أبو بكر
النيسابورى، وهو أحد رواته: هذا حديث حسن.

٢٥٠
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
ج - ١٦
قلت: سكت عنه البيهقى، وكيف يكون حسنا؟ والليثى المذكور فيه ذكره الذهبى فى
" كتاب الضعفاء" له، وقال: ضعفوه (٢٦٩:٢) ..
قلت: نعم، ولكن الليثى من أهل المدينة، وقال محمد بن يحيى: سألت سعيد بن منصور
عنه، فقال: كان مالك يرضاه، وكان ثقة، كما فى "التهذيب" (٣٠٢:٥)، ومالك أعرف بأهل
المدينة من غيره، والله تعالى أعلم، ودلالة الأثر على ما دل عليه ما قبله ظاهرة.
الجواب عن إيراد ابن حزم علينا فى هذا الباب:
وقال ابن حزم: إذا كانت الكتابة نجمين فصاعدا، أو إلى أجل فأراد العبد تعجيلها كلها، أو،
بعضها قبل أجله لم يلزم السيد قبول ذلك، ولا عتق العبد، وهى إلى أجلها. وكل نجم منها إلى
أجله، بقول الله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، وليت شعرى أين من خالفنا عن احتجاجهم بـ ((المسلمون
عند شروطهم))؟ اهـ (٢٤٥:٩).
قلت: وأين ذهبوا عنه؟ فإن تقديم الدين على أجله، وتعجيله ليس من مخالفة الشرط فى
شىء، بل هو من حسن القضاء، ألا ترى لو كان على رجل دين مؤجل إلى عشر سنين فأداه فى
عشرة أيام، هل لا يجبر الدائن على قبوله منه، ولا يعد ذلك فى محاسنه؟ فكذا ههنا، وهل تقول:
قد يكون للدائن غرض فى تأجيل الدراهم والدنانير، ومنفعة ظاهرة من خوف لحقه، أو رجاء
ارتفاع لدينه منهما؟ كلا! بل يجبر الدائن على القبول إذا أدى المديون دينه من جنس ما كان عليه
وأتاه به حيث لا ضرر عليه فى قبضه منه، ولا خوف ولا مؤنة حمل، لما ذكرنا أن الأجل حق لمن
عليه الدين. فإذا قدمه فقد رضى بإسقاط حقه، فسقط، ولا حق فيه للمولى، ولا للدائن، وإذا لم
يكن ذلك خلاف قوله عَّةٍ: ((المسلمون عند شروطهم))، فليس بخلاف قوله تعالى: ﴿أوفوا
بالعقود﴾ أيضا، فإنّ إيفاء العقد فى الدين المؤجل أن لا يؤخر عن أجله، وأما تقديمه على الأجل فهو
من إيفاء العقد بزيادة، كما لا يخفى، وإلى ذلك ذهب عمر وعثمان، وهما أجل من أنس والحارث
ابن هشام، والله تعالى أعلم.
جواز تعجيز المكاتب بالرضاء من غير حضور سلطان.
وبعد ذلك فلنرجع إلى مسألة الباب، وجملته أن الكتابة عقد لازم لا يملك السيد فسخها.
قبل عجز المكاتب (من غير رضاه)، بغير خلاف نعلمه. قاله الموفق فى "المغنى"، وليس له مطالبة

٢٥١
رد الکاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
المكاتب قبل حلول النجم لأنه إنما ثبت فى العقد مؤجلا (إذا لم تكن الكتابة حالة)، وإذا حل النجم
(أو كانت الكتابة حالة) فللسيد مطالبته بما حل من نجومه. لأنه دين له حل، فأشبه دينه على
الأجنبى. وله الصبر عليه، وتأخيره به، سواء كان قادرا على الأداء، أو عجزا عنه، لأنه حق له سمح
بتأخيره، أشبه دينه على الأجنبى، فإن اختار الصبر عليه لم يملك العبد الفسخ، بغير خلاف نعلمه،
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المكانب إذا حل عليه نجم، أو
نجمان، أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته، وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما ثابتين
على العقد الأول، فإن أجله به، ثم بدا له الرجوع فله ذلك، لأن الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل
کالقرض، وإن حل علیه نجمان فعجز عنهما فاختار السید فسخ کتابته، ورده إلی الرق، فله ذلك
بغير حضور حاكم ولا سلطان، ولا تلزمه الاستنابة، فعل ذلك (أى الفسخ بغير حضور حاكم)
عمر، وهو قول شريح والنخعى وأبى حنيفة والشافعى، وقال ابن أبى ليلى: لا يكون عجزه إلا عند
قاض، وحكى نحو هذا عن مالك، وقال الحسن: إذا عجز استوفى بعد العجز سنتين، وقال
الأوزاعى: شهرین ونحو ذلك.
ولنا ما روى سعيد بإسناده عن ابن عمر: "أنه كاتب غلاما له على ألف دينار، فأدى إليه
تسعمائة دينار وعجز عن مائة دينار فرده إلى الرق". ويإسناده عن عطية العوفى عن ابن عمر، "أنه
كاتب عبده على عشرين ألفا. فأدى عشرة آلاف، ثم أتاه فقال: إنى قد طفت اللعراق والحجاز
فردنى فى الرق فرده"، وروى عنه: "أنه كاتب عبدا له على ثلاثين ألفا، فقال له: أنا عاجز. فقال
له: امح کتابتك، فقال: امح أنت" (أی فرده فی الرق من غیر حضور حاکم، ولا سلطان)، وروی
سعيد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله عَ ليه خطب، فقال: ((أيما رجل
کاتب غلامه علی مائة أوقية فعجز عن عشر أواق فهو رقيق)) (وقد تقدم أن الترمذى حسنه)،
وقوله: ((فهو رقيق)) يدل على عوده فى الرق من غير حضور حاكم، ولا سلطان إلا إذا لم يرض
العبد بذلك، ولم يعجز نفسه مع حلول النجم وعدم الأداء فلا بد من القضاء بالفسخ، لأنه عقد
لازم من جانب المولى تام ليس فيه خيار شرط، وكل ما كان كذلك ففسخه يحتاج إلى الرضا، أو
القضاء كالرد بالعيب بعد القبض، وفيه رواية أخرى أن الفسخ يصح بلا قضاء، ووجهها أن هذا
عيب تمكن فى أحد العوضين قبل تمام العقد؛ لأن تمام الكتابة بالأداء، وتمام العقد بوقوع الفراغ
فأشبه بما لو وجد المشترى معيبا قبل القبض، وهناك ينفرد المشترى بالفسخ بلا قضاء، فكذا ههنا،

٢٥٢
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
ج - ١٦
كما فى "العناية" (١٤٣:٨)، ولأنه فسخ عقد مجمع عليه، فلم يفتقر إلى الحاكم، كفسخ المعتقة
تحت العبد.
دليل لزوم الكتابة من جهة المولى وعدم لزومها من جهة العبد:
فإن قيل: فلم كانت الكتابة لازمة من جهة السيد غير لازمة من جهة العبد؟ قلنا: هى لازمة
من جهة الطرفين ولا يملك العبد فسخها، وإنما له أن يعجز نفسه ويمتنع من الكسب، وإنما كان له
ذلك لأن الكتابة لحظ العبد دون سيده، والعقد إنما يكون لازما لمن ألزم نفسه حظ غيره، وصاحب
الحظ بالخيار فيه، كمن ضمن لغيره شيئا، أو كفل له، أو رهن عنده رهنا.
جواز تعجيز المكاتب بحول نجم واحد وعجزه عن أداءه:
فأما إن حل نجم واحد فعجز عن أدائه، فعن أحمد أنه ليس للسيد الفسخ حتى يحل نجمان
قبل أداءهما، قال القاضى: وهو ظاهر كلام أصحابنا، وروى ذلك عن على رضى الله عنه. وهو
قول الحكم، وابن أبى ليلى، وأبى يوسف، والحسن بن صالح، والرواية الثانية: أنه إذا عجز عن نجم
واحد فلسيده فسخ الكتابة، وهو قول الحارث العكلى، وأبى حنيفة والشافعي، لأن السيد دخل
على أن يسلم له مال الكتابة على الوجه الذى كاتبه عليه، ويدفع إليه المال فى نجومه، فإذا لم يسلم
له ذلك لم يلزمه عبقة.
قال الموفق: ولنا ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال: "لا يرد المكاتب فى الرق حتى
يتوالى عليه نجمان"، ولأن ما بين النجمين محل لأداء الأول فلا يتحقق العجز عنه حتى يفوت
محله بحلول الثانى اهـ (٤١٨:١٢).
الجواب عن حجة الجمهور فى هذا الباب:
قلت: المحفوظ عن على قوله: "إذا تتابع نجمان فلم يؤد نجومه رد فى الرق" هكذا رواه ابن
أبى شيبة، والبيهقى والحاكم، كما فى "كنز العمال" (٢٥٦:٥)، وأما اللفظ الذى ذكره الموفق
فلم نجد له أثرا.
قال ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق الحجاج بن أرطاة عن حصين بن عبد الرحمن
عن الشعبى، أن عليا قال: "إذا عجز المكاتب فأدخل نجما فى نجم رد فى الرق"، والاستدلال به
على عدم رده فى الرد إذا عجز عن نجم واحد استدلال بمفهوم الشرط، وهو ليس بناهض، لأنه يفيد

٢٥٣
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
الوجود فقط، قال فى "البدائع": وأما احتجاجه بقول على رضى الله عنه فغير سديد، لأنه احتجاج
بالمسكوت عنه، لأن فيه أنه إذا توالى عليه نجمان يرد إلى الرق، وليس فيه أنه إذا كسر نجما واحدا
ماذا حكمه؟ (١٤١:٤).
وأجاب عنه فخر الإسلام بأنه معلق بشرطين والمعلق بشرطين لا ينزل عند أحدهما، كما لو
قال: إن دخلت هذين الدارين فأنت طالق، وهذا أمر لا يعرف قياسا، فصار المروى عنه كالمروى
عن النبى معَ له "العناية والكفاية" (١٤١:٨ و ١٤٢).
والجواب أن الآثار عن على متعارضة مختلفة، فروى عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن
طارق بن عبد الرحمن عن الشعبى، أن على بن أبى طالب قال فى المكاتب يعجز: "إنه يعتق
بالحساب" يعنى بحساب ما أدى، كما فى "المحلى" (٢٤١:٩)، وهذا أقوى من رواية الحجاج عن
حصين بن عبد الرحمن عن الشعبى، لأن الحجاج متكلم فيه، وروى حماد ابن سلمة، وابن أبى
عروبة كلاهما عن قتادة عن خلاس بن عمر وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: "إذا عجز
المكاتب استسعى حولين"، زاد ابن أبى عروبة: "فإن أدى وإلا رد فى الرق"، وبهذا يقول الحسن
البصرى، وعطاء بن أبى رباح، وصح عن على أنه قال: "إذا أدى النصف فلا رق عليه، وهو
غريم". كما فى "المحلى" (٢٤٢:٩) أيضا.
والآثار إذا تعارضت، ولم يمكن الجمع بينها تساقطت، فرجعنا إلى ما رواه عبد الرزاق نا ابن
جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فى المكاتب يؤدى صدرا من كتابته ثم
يعجز، قال: "يرد عبدا، سيده أحق بالشرط الذى شرط"، قال ابن جريج: وأخبرنى إسماعيل بن
أمية أن نافعا أخبره: "أن ابن عمر فعل ذلك يعنى أنه رد مكاتبا له فى الرق إذ عجز بعد أن أدى
نصف كتابته"، كذا فى "المحلى" أيضا.
قال ابن حزم: ولم يقل جابر، ولا ابن عمر بالتلوم، هل أرقه ابن عمر ساعة ذكر أنه عجز؟
قال: وروينا عن أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه: "أنه كاتب أفلح، ثم بدا له، فسأله إبطال
الكتابة دون أن يعجز فأجابه إلى ذلك فرده عبدا. ثم أعتقه بتلا"، وقد ذكر ذلك مخرمة بن بكير
عن أبيه: "أنه لا بأس به"، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعى وأبو سليمان، وقال هؤلاء: تعجيز
المكاتب جائز بينه وبين سيده، دون السلطان، إلا أن لمالك قولا إنه لا يجوز التعجيز إلا بحكم
السلطان اهـ (٢٤١:٩)، وحملنا الروايات عن على كلها على الندب، وبه نقول إن المكاتب إذا

ج - ١٦
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
٤٠٠
٢٥٤
كسر نجما يندب مولاه إلى أن لا يرده إلى الرق ما لم يتوالى عليه نجمان، رفقا به ونظرا له (البدائع
٤: ١٤١)، ويستحب أن يستسعيه حولين بعد العجز، فإن أدى، وإلا رد فى الرق، وينبغى أن
لا يرده فى الرق إذا أدى النصف ما لم يعجز نفسه وإن كسر النجوم، ولا يجب عليه ذلك، لما تقدم
من قوله عَّ: ((المكاتب عبد ما بقى عليه درهم))، وروى ابن أبى شيبة نحوه عن عمر وابنه وعلى
وزيد بن ثابت وعائشة ((أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم)) (الزيلعى ٢٤٢:٢) ...
وبالجملة فالراجح فى هذا الباب عندنا قول جابر وابن عمر، لعدم اختلاف الروايات عنهما،
بخلاف غيرهما من الصحابة ممن روى عنه شىء فى ذلك، فقد اختلف عليه اختلافا لا يتيسر رفعه
إلا بما ذكرنا من حمل بعض الأقوال على الندب، فافهم، والله يتولى هداك.
حل عقدة الإشكال الذى ذكره صاحب نتائج الأفكار فى هذا المقام:
وبهذا الذى قلنا فى وجه ترجيح قول جابر وابن عمر انحلت عقدة الإشكال الذى ذكره
صاحب "الأفكار" فى شرح قول "الهداية": والآثار متعارضة. فإن المروى عن ابن عمر رضى الله
عنهما (١): "أن مكاتبته له عجزت عن أداء نجم واحد فردها"، فسقط الاحتجاج بها بما نصه: لأن
الآثار إذا تعارضت وجهل التاريخ سقطت، فيصار إلى ما بعدها من الحجة فيبقى ما قالاه (أى أبو
حنيفة ومحمد) من الدليل بأن سبب الفسخ قد تحقق وهو العجز إلخ، سالما عن المعارض فيثبت
الفسخ به.
أقول: ههنا إشكال، لأن ما قالاه من الدليل المعقول راجع إلى القياس. وقد تقرر فى
الأصول أن القياس لا يجرى فى المقادير، وما نحن فيه من قبيل المقادير، كما أفصح عنه کثیر من
الشراح حيث قالوا: وما رويناه من حديث ابن عمر كالمروى عن النبى معَ ◌ِّ، لأن ما يقوله
الصحابى من المقادير يحمل على السماع، لأنه لا يدركه القياس اهـ، فإذا تعارضت الآثار فيما
نحن فيه تساقطت، كما قالوا، ولم يصح القياس فى المقادير. كما تقرر فى الأصول والفروع،
فكيف ينتهض ما قالا من الدليل المعقول الذى مرجعه إلى القياس حجة لهما فى إثبات ما ذهبا
إليه؟ فليتأمل (١٤٣:٨).
وحاصل الحل أن لا تعارض فى الروايات عن جابر وابن عمر، فلا تساقط، وأما ما روى عن
(١) غريب بهذ اللفظ، قاله الزيلعى. (المؤلف)
.

٢٥٥
رد المكاتب إلى الرق إذا عجز
إعلاء السنن
على فى هذه المسألة فلا يصلح معارضا لها، لاختلاف الروايات عنه فى هذا الباب جدا، كما
ذكرنا. فبقى قول جابر وابن عمر سالما عن المعارض. وأيضا فإن فى حديث على رضى الله عنه بيانا
أن حق الفسخ يثبت للمولى بكسر نجمين، وليس فيه نفى حق الفسخ عند کسر نجم واحد بل هو
مسكوت عنه فيكون موقوفا إلى قيام الدليل. وهو ما روينا عن جابر وابن عمر رضى الله عنهما. أو
نقول: إذا اختلف الصحابة فى مسألة على أقوال فللمجتهد أن يميل إلى أيها شاء، ويحمل سائرها
على محمل حسن. فرجح أبو حنيفة ومحمد قول جابر وابن عمر بدليل الترجيح الذى مر ذكره،
وحملا أقوال على رضى الله عنه على الندب، والله تعالى أعلم.
إذا حل النجم وماله حاضر أو غائب استوفى يومين أو ثلاثة، لا يزاد على ذلك:
قال الموفق فى "المغنى": وإذا حل النجم وماله حاضر عنده طولب بأدائه، ولم يجز الفسخ
قبل الطلب، فإن طلب منه فذكر أنه غائب عن المجلس فى ناحية من نواحى البلد أو قريب منه على
مسافة لا تقصر فيها الصلاة يمكن إحضاره قريبا لم يجز فسخ الكتابة، وأمهل بقدر ما يأتى به إذا
طلب الإمهال، لأن هذا يسير لا ضرر فيه، وإن كان معه مال من غير جنس مال الكتابة فطلب
الإمهال ليبيعه بجنس مال الكتابة أمهل، وإن كان المال غائبا أكثر من مسافة القصر لم يلزم
الإمهال، وهذا قول الشافعى، وقال أبو حنيفة: إن كان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه استوفى
يومين وثلاثة، لا أزيده على ذلك، لأن الثلاثة آخر حد القلة والقرب، لما بيناه فيما مضى، وما زاد
عليها فى حد الكثرة، قال: وهذا كله قريب بعضه من بعض اهـ (٤١٨:١٢).
الجواب عن إيراد ابن حزم على حد التلوم بثلاثة أيام:
وأورد عليه ابن حزم فى "المحلى" أن لا نعلم بشىء من هذه الأقوال حجة، وأعجبها قول من
حد التلوم بثلاثة أيام، أو بشهرين، ومن جعل ذلك إلى السلطان، ثم نقول لجميعهم: لا تخلو
الكتابة من أن تكون دينا لازما أو تكون عتقا بصفة لا دينًا ولا سبيل إلى ثالث أصلا، لا فى الديانة،
ولا فى المعقول، فإن كان عتقا بصفة فالواجب أنه ساعة يحل الأجل فلا يؤديه فلم يأت بالصفة التى
لا عتقَ له إلا بها فقد بطل عقده، ولا عتق له. ولا يجوز التلوم عليه طرفة عين، كمن قال لغلامه:
إن قدم أبى يوم كذا فأنت حر فقدم أبوه بعد غروب الشمس، فلا عتق له، وهذا قول أصحابنا،
وهو قول جابر وابن عمر، أو يكون دينا واجبا فلا سبيل إلى إبطاله. كما روينا عن جابر بن زيد

٢٥٦
ج - ١٦
باب موت المکاتب عن وفاء
٥٣٩٠- قال عبد الرزاق: أنا معمر عن قتادة عن معبد الجهنى، قال: سألنى عبد
الملك بن مروان من المكاتب يموت وله ولد أحرار، وله مال أكثر مما بقى.
فقلت: قضى فيها عمر بن الخطاب، ومعاوية بقضائين، وقضاء معاوية فيها أحب
إلى من قضاء عمر، قال: ولم؟
(قال: ((إذا عجز المكاتب استسعى)))، فإذ هى كذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة
فنظرة﴾، وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعقود﴾، فوجب الوفاء بعقد الكتابة. وأنه لا يجوز الرجوع فيها
بالقول أصلا ووجبت النظرة إلى الميسرة، ولا بد اهـ (٢٤٢:٩).
قلنا: قد بقى شق ثالث، وهو أن يكون الكتابة دينا غير صحيح، ولا يكون دينا مطلقا. ألا
ترى أنه يسقط يعجز المكاتب، وتعجيزه نفسه، وبموته عن غير وفاء اتفاقا. وليس للمولى أن يجبره
على الاكتساب والأداء، بخلاف الدين الصحيح المطلق، فإنه لا يسقط بعجز المديون ونحوه. وهو
محل النظرة فى قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، وإذا كان كذلك فعجز
المكاتب سبب لفسخ العقد، فإذا حل نجم ولم يؤد فقد تحقق سبب الفسخ، لأن من عجز عن أداء
نجم، فهو عن أداء النجمين والنجوم أعجز فى الغالب فينفسخ إذا لم يكن المولى راضياً بدونه،
وأما التلوم يومين، أو ثلاثة فلا بد منه، لإمكان الأداء عرفا، والمعروف كالمشروط، فلم يكن تأخيرا،
ولا كذلك التلوم شهرا، أو شهرين فإنه يعد من التأخير عرفا، فافهم، والله يتولى هداك.
باب موت المکاتب عن وفاء
قوله: "قال عبد الرزاق" إلخ: قال العبد الضعيف: وقضاء معاوية هو قضاء على بن أبى
طالب، وابن مسعود رضى الله عنهما، كما فى "المحلى" من طريق عبد الرزاق وحماد بن سلمة،
قال حماد: أنا سماك بن حرب عن قابوس بن مخارق بن سليم عن أبيه، وقال عبد الرزاق: عن ابن
جريج عن عطاء، ثم اتفقا عن على فى مكاتب مات، وله ولد أحرار، قال: "يؤدى مما ترك ما بقى
من كتابته ويصير ما بقى ميراثا لولده"، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة والمعتمر بن
سليمان كلاهما عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: " كان ابن مسعود يقول فى المكاتب
إذا مات وترك مالا: أدی عنه بقية کتابته وما فضل رد إلی ولده إن كان له ولد أحرار"، وبه كان
يقضى شريح، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن معبد الجهنى عن معاوية مثله، وبه

٢٥٧
موت المکاتب عن وفاء
إعلاء السنن
قلت: لأن داود كان خيرا من سليمان ففهمها سليمان، قضى عمر أن ماله كله
لسيده، وقضى معاوية أن سيده يعطى بقية كتابته، ثم ما بقى فهو لولده الأحرار، كذا
فى "الجوهر النقى".
قلت: اختار أبو حنيفة مذهب معاوية الذى رجحه معبد الجهنى، وحجة عمر أن
عتق المكاتب مشروط بأداء كل بدل الكتابة، ولم يوجد هذا الشرط فلا يعتق.
والجواب عنه أن كون العتق مشروطا بأداء الكل مسلم، ولكنه لا يشترط فيه أن
یؤدی بنفسه، بل لو أدی بنائبه كفى، فلما مات عن وفاء، فكأنه سلم إلى ورثته مال
مولاه، وقال لهم: أدوه إليه، فصار حرا بهذا التسليم والوصية الحكمية، ويجزئ هذا
الأداء الحكمى عن الأداء الحقيقى، لأنه ليس فى قدرته عند الموت إلا هذا، وهو محتاج
إلى الحرية، فيكتفى به استحسانا، والله أعلم.
يقول معبد، وهو قول الحسن البصرى، وابن سيرين، والنخعى، والشعبى: "أن ذلك لورثته بعد أداء
كتابته"، وهو قول عمرو بن دينار، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: "إذا كان
للمكاتب أولاد معه فى كتابته، وأولاد ليسوا معه فى كتابته فإنه يؤدى ما بقى من كتابته، ثم يقسم
ولده جميعا ما بقى من ماله على فرائضهم"، وهو قول سفيان الثورى والحسن بن حى وأبى حنيفة
وإسحاق بن راهويه اهـ (٢٣٨:٩).
وروى أبو يوسف فى "الآثار" عن أبى حنيفة عن إبراهيم عن على وعبد الله بن مسعود
وشريح رضى الله عنهم، أنهم قالوا فى المكاتب يموت ويترك وفاء: ((يؤدى بقية مكاتبته، وما بقى
فهو ميراث لورثته))، وأخرجه محمد أيضا فى "آثاره" عنه، ثم قال: وبه نأخذ وهو قول أبى حنيفة
اهـ (ص ١٩٠)، وروى أبو يوسف أيضا عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: قول(١) على
وابن مسعود وشريح رضى الله عنهم فى المكاتب إذا مات، أحب إلى من قول زيد. وقول زيد(٢)
فى الحياة أحب إلى من قولهم اهـ.
وأورد عليه ابن حزم أن قول أبى حنيفة خطأ ظاهر (قلنا: قول أبى حنيفة هو قول علی وابن
مسعود ومعاوية وشريح وإبراهيم والحسن وابن سيرين وغيرهم، ومن خطأ هؤلاء فهو بالتخطئة
(١) وهو أنه يؤدی مکاتبته وما بقى يكون لورثته. (المؤلف)
(٢) وهو أنه عبد ما بقى عليه درهم. (المؤلف)

٢٥٨
ج - ١٦
باب بيع المكاتب برضاه
٥٣٩١- عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخلت بريرة وهى مكاتبة، فقالت:
اشترينى فأعتقينى، قالت: نعم! قالت: لا يبيعونى حتى يشترطوا ولائى، فقالت: لا حجة
أولى وأليق) قال: لأنهم مقرون بأن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم فإذا هو كذلك فإنما مات عبدا،
وإذا مات عبدا فلا يمكن أن تقع الحرية على ميت بعد موته فظهر فساد قولهم جملة اهـ (٢٤٠:٩).
قلنا: إذا مات وترك وفاء فحكمه موقوف مراعی، فإن أدیت الكتابة حكمنا بأنه كان حرا
قبل الموت بلا فصل، كما أن الميت لا يصح منه إيقاع عتق بعد الموت. ثم إذا مات المولى فأدى
المكاتب الكتابة حكمنا بعتق موقع من جهة الميت، ويكون الولاء له، وليس يمتنع فى الأصول نظائر
ذلك من كون الشىء مراعى على معنى متى وجد حكم بوقوعه بحال متقدمة. مثل من جرح
رجلا فيكون حكم جراحته مراعى فلو مات الجارح ثم مات المجروح من الجراحة حكمنا بأنه كان
قاتلا يوم الجراحة مع استحالة وقوع القتل منه بعد موته، وكما أن رجلا مات وترك حملا فوضعته
بعد موته لأقل من سنتين ورثه وإن کان معلوما أنه کان نطفة وقت موته، ولم یکن ولدا. ولو أن
رجلا مات وترك ابنين وألف درهم، وعليه دين ألف درهم أنهما لا يرثانه. فإن مات أحد الابنين
عن ابن ثم أبرأ الغريم من الدين أخذ ابن الميت منها حصته ميراثا عن أبيه، ومعلوم أن الابن لم يكن
مالكا له يوم الموت، ولكنه جعل فى حكم الملك لتقدم سببه. كذلك المكاتب يحكم بعتقه عند
الأداء قبل الموت بلا فصل؛ لتقدم سببه. ألا ترى أن المقتول خطأ لا تجب ديته إلا بعد الموت، وهو لا
يملك بعد الموت شيئا؟ فجعلت الدية فى حكم ما هو مالكه فى كونها ميراثا لورثته، ويقضى منها
دینه، وتنفذ منها وصاياه، فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون.
قال ابن حزم: ولا يختلفون فيمن قال لعبده: أنت حر إذا زالت الشمس من يومنا هذا،
فمات العبد قبل زوال الشمس بدقيقة، إنه مات عبدا، ولا ترثه ورثته، وماله كله لسيده اهـ.
قلنا: لا نسلم أن الكتابة من تعليق العتق بشرط الأداء من كل وجه، بل هو عقد معاوضة
بشرط، ولا يشترط فى المعاوضات أداء العاقد بنفسه، بل لو أدى بنائبه لكفى وههنا كذلك. فإن
أداء الوارث عنه كأدائه بنفسه كما تقدم، والله تعالى أعلم.
باب بيع المكاتب برضاه
أقول: الحديث نص فى الباب، وقال فى "النيل": تأول الشافعى حديث بريرة على أنها

٢٥٩
بیع المكاتب برضاه
إعلاء السنن
لى بذلك فسمع بذلك النبى عدّة، أو بلغه، ـ ذلك لعائشة، فذكرت عائشة ما قالت لها،
فقال: "اشتريها فأعتقيها، ودعيهم يشترطوا ما شاءوا"، فاشترتها عائشة، فأعتقتها،
واشترط أهلها الولاء، فقال النبى عَّ له: ((الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط))،
رواه البخارى.
كانت قد عجزت، وكان بيعها فسخا لكتابتها، وهذا التأويل يحتاج إلى دليل اهـ (النيل ٣٦٥:٩).
أقول: الدليل موجود فى نفس الحديث، لأن قول بريرة لعائشة رضى الله عنها: "اشترينى" يدل
صريحا على عجزها، لأنه ليس معنى تعجيز المكاتبة نفسها إلا الامتناع عن أداء الكتابة، فلما طلبت
بريرة من عائشة الإعانة فى أداء بدل الكتابة وامتنعت منه، ثم طلبت منها الشراء فرضیت به، دل
ذلك على أنها امتنعت من أداء الكتابة ورضيت بعودها فى الرق طمعا فى العتق سريعا، فأى دليل
أولی منه؟
وبهذا ظهر أن ما قال ابن القيم فى "زاد المعاد" (٢٢٨:٢): إن بريرة لم تقل: عجزت،
ولا قالت لها عائشة: أعجزت؟ ولا اعترف أهلها بعجزها، ولا حكم رسول الله عدّ لله بعجزها،
ولا وصفها به، ولا أخبر عنها البتة، ولم يحل عليها نجم لم توده، فمن أين لكم العجز الذى
تعجزون عن إثباته؟ اهـ ملخصا، كلام لا معنى له، لأن معنى العجز عند قائليه ليس إلا الامتناع من
أداء الكتابة. وقولها لعائشة: "اشترينى"، والسعى فى شراءها لا شك أنه امتناع عن أداء الكتابة،
وهو العجز، فلا حاجة إلى قولها: عجزت، إلى غير ذلك، وإن لم يسموه عجزا. فلا خلاف أن هذا
البيع كان برضا المكاتبة، ولا خلاف فيه سواء سموه عجزا أم لا، وإنما الخلاف فى البيع على
خلاف رضا المكاتب. ولا دليل فى الحديث عليه فالحديث بمعزل عن محل الخلاف.
وقال ابن القيم أيضا: إن المكاتب يعتق على مشتريه بنفس الشراء من غير إنشاء العتق كشراء
القريب. وهو أيضا كلام فاسد. لأن هذا الشراء إما شراء للعبد بعد انفساخ عقد الكتابة، أو شراء
للعبد لوصف الكتابة، وعلى كل تقدير لا معنى لعتقه بمجرد الشراء، أما على الأول فظاهر، وأما
على الثانى فلأنه ينبغى أن يكون العبد مكاتبا على المشترى، كما كان مكاتبا على البائع، فلا ينبغى
أن يعتق إلا بأداء الكتابة إلى المشترى، كما كان لا يعتق على البائع إلا به، فلا معنى للعتق بمجرد
الشراء، بل القول بالعتق بمجرد الشراء لا يصح، لأن المشترى ليس بمشتر حقيقة، بل هو مؤد لبدل
الكتابة عن المكاتب، ولكن حينئذ لا يصح القول بالولاء للمشترى، لأنه ليس بمعتق له، بل المعتق
هو المولى، فظهر أنه لا وجه لصحة هذا الكلام، والله أعلم.

ج - ١٦
بیع المکاتب برضاه
٢٦٠
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: يجوز بيع المكاتب، وهذا قول عطاء
والنخعى والليث وابن المنذر، وهو قديم قولى الشافعى، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى
أنه لا يجوز بيعه، وهو قول مالك، وأصحاب الرأى، والجديد من قول الشافعى، لأنه عقد يمنع
استحقاق كسبه فيمنع بيعه، وقال الزهرى وأبو الزناد: يجوز بيعه برضاه، ولا يجوز إذا لم يرض.
وحكى ذلك عن أبى يوسف(١)، لأن بريرة إنما بيعت برضاها وطلبها، ولأن لسيده استيفاء منافعه
برضاه، ولا يجوز بغير رضاه، كذلك بيعه.
الجواب عن احتجاج الخصم بحديث بريرة على جواز بيع المكاتب مطلقا:
قال: ولنا ما روى عروة عن عائشة أنها قالت: "جاءت بريرة إلى، فقالت: يا عائشة! إنى
كاتبت أهلى على تسع أواق فى كل عام أوقية، فأعينينى، ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت
لها عائشة ونفست فيها: ارجعى إلى أهلك، إن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا فعلت. فذهبت بريرة
إلى أهلها، فعرضت عليهم ذلك" الحديث.
قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبى مګ وهی مكاتبة، ولم ينكر ذلك، ففى ذلك أبين
البيان أن بيعه جائز، ولا أعلم خبرا يعارضه، ولا أعلم فى شىء من الأخبار دليلا على عجزها.
وتأوله الشافعى على أنها كانت قد عجزت، وكان بيعها فسخا لكتابتها، وهذا التأويل بعيد
يحتاج إلى دليل فى غاية القوة، وليس فى الخبر ما يدل عليه بل قولها: "أعينينى على كتابتى" دلالة
على بقائها على الكتابة اهـ (٤٤٥:١٢).
قلنا: لو تأمل ابن المنذر فى سياق الحديث الذى أودعناه فى المتن لعلم أن بريرة طلبت أولا
إعانتها على كتابتها، فلما أنكرت عائشة ذلك وأحبت شرائها قالت: (اشترینی فأعتقینی))، وهو
دليل تعجيزها نفسها من أداء الكتابة، كما تقدم بيانه، ولا بد من ذلك للجمع بين الأحاديث
الصحيحة، وليس مدار العجز على قولها: عجزت، بل كل ما يدل على الامتناع من أداء الكتابة
(١) قال الطحاوى: ولا يقال: كيف قيل لعائشة: ابتاعى وأعتقى، وبيع المكاتب لا يجوز؟ لأن المنع من بيع المكاتب لحقه، فإذا أذن
المكاتب جاز بيعه، وصار تعجيزا، أو فسخا للكتابة، كبيع العبد المرهون، أو المستأجر بإذن من له الرهن والإجارة، وقد أجاز
أبو يوسف بيع المكاتب بإذنه قبل عجزه خلافا لمحمد؛ لأن رسول الله من له أجاز بيع بريزة لما ذكرناه من "المعتصر"
(٢٨٤:١)، فاعلم ذلك، والله يتولى هداك. (المؤلف)