Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
إعلاء السنن
باب قفيز الطحان
٥٣٥٣- عن هشام أبى كليب عن ابن أبى نعم البجلى عن أبى سعيد الخدرى،
قال: نهى عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان، أخرجه الدار قطنى (ص٣٠٨) من طريق
عبيد الله بن موسى عن سفيان عن هشام، وسكت عليه، وقال الذهبى فى "الميزان":
هذا منکر، وراويه (هشام) لا يعرف.
قول أحمد: التعليم أحب إلى من أعمال السلاطين، ومن التجارة بدين:
وهو رواية عن أحمد أيضا. نقل أبو طالب عنه أنه قال: التعليم أحب إلى من أن يتوكل
لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس فى صنيعة، ومن أن يستدين ويتجر، لعله
لا يقدر على الوفاء فيقى الله تعالى بأمانات الناس. التعليم أحب إلى.
(ومعناه أن أخذ الأجر على التعليم وهو مختلف فيه، أولى من أخذ الأجر على عمل
لا يخلو عن ارتكاب ما هو حرام إجماعا. كأعمال السلاطين وأهل الصنيعة. فهو من باب من ابتلى
ببليتين فليختر أهونهما). وممن أجاز أخذ الأجر على تعليم القرآن مالك والشافعى. ورخص فى
أجور المعلمين أبو قلابة، وأبو ثور، وابن المنذر، كما فى "المغنى" (١٤٠:٦).
باب قفيز الطحان
أقول: الحديث احتج به الحنفية والشافعى ومالك والليث على عدم جواز أن تكون الأجرة
بعض المعمول بعد العمل. وطعن فيه المخالفون بالنكارة وجهالة الراوى. والجواب أن النكارة أمر
يختلف باختلاف الاجتهاد، فيمكن أن يكون الحديث منكرا عند بعض دون بعض، وكذا الجهالة
تختلف باختلاف الأشخاص فيمكن أن يكون الراوى مجهولا عند بعض دون بعض فطعن البعض
ليس بحجة على غيره. ومعنى قفيز الطحان عندنا أن يجعل صاحب الطعام للطحان قفيزا مما يطحن
أجرة لطحنه. وقال ابن المبارك: صورته أن يقال للطحان: إطحن بكذا وكذا، وزيادة قفيز من نفسْ
الطحين (نيل الأوطار ١٧٠:٥)، وهو أيضا راجع إلى ما قلنا.
تحقيق حديث النهى عن قفيز الطحان، وتجويد إسناده، وتصحيح متنه:
قال العبد الضعيف: ولم ينفرد به هشام، بل تابعه عطاء بن السائب عند الطحاوى فى
"مشكله". قال: حدثنا سليمان بن شعيب الكيسانى حدثنا أبى حدثنا أبو يوسف عن عطاء بن .
السائب عن ابن أبى نعم عن بعض أصحاب النبى مرّ له عن النبى مُ له: أنه نهى عن عسب التيس،
و کسب الحجام، وقفیز الطحان (٣٠٦:٢). وهذا سند جید.

١٨٢
ج - ١٦
قفيز الطحان
وقال ابن حجر فى "اللسان": ذكره ابن حبان فى "الثقات". وقال فى "الدراية
قال: وحدثنا أحمد بن أبى عمران (وثقه ابن يونس فى "تاريخه". وقال الخطيب: كان
مكينا من العلم، حسن الدراية، وكان أحد الموصوفين بالحفظ) حدثنا الحسن بن عيسى بن
ماسرجس مولى ابن المبارك (هو أبو على النيسابورى من رجال مسلم وأبى داؤد والنسائى ثقة).
قال: وحدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصرى روى عن أبيه وأبى صالح المصرى وسعيد بن أبى
مريم ونعيم وأصبغ بن الفرج وغيرهم (قال ابن أبى حاتم: كتبت عنه وكتب عنه أبی وتكلموا فيه،
وقال ابن يونس: كان عالما بأخبار البدو بموت العلماء، وكان حافظا للحديث أهـ من "التهذيب"
(٢٥٧:١١). روى عنه ابن ماجه وإسحاق بن إبراهيم العذرى وأبو القاسم الطبرانى وغيرهم،
ووهم محشى مشكل الآثار فقال: لم يوجد) حدثنا نعيم بن حماد ثنا ابن المبارك عن سفيان هو
الثورى عن هشام بن كليب عن ابن أبى نعم عن أبى سعيد الخدرى، قال: ((نهى رسول الله عَ له
عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان)) اهـ.
وقد أورده عبد الحق فى "الأحكام" بلفظ: ((نهى النبي عّ لّ). وتعقبه ابن القطان بأنه لم
يجده إلا بلفظ البناء لما لم يسم فاعله. قال: فإن قيل: لعله يعتقد ما يقوله الصحابى مرفوعا. قلنا: إنما
عليه أن ينقل لنا روايته لا رأيه. ولعل من يبلغه يرى غير ما يراه من ذلك. فإنما يقبل فيه نقله لا قوله،
انتهى كلامه (الزيلعى ٢٤٠:٢).
قلت: فقد نقلنا لك روايته من طريقين كلاهما بلفظ: ((نهى رسول الله عَ ليه))، كما تراه.
وقال الحافظ فى "التلخيص": وقع فى سنن البيهقى مصرحا برفعه لكنه لم يسنده اهـ.
قلت: ولكن الطحاوى ذكره مرفوعا مسندا من وجهين. فزال الإشكال وارتفع القيل
والقال. وثبت صحة الحديث لمجيئه من وجهين يشيد أحدهما الآخر، ولله الحمد.
قال الطحاوى: فوجدنا أهل العلم لا يختلفون أن معناه ما كانوا يفعلون فى الجاهلية، وما
يفعله أهل الجهل إلى يومنا هذا من دفع القمح إلى الطحان على أن يطحنه لهم بقفيز من دقيقه الذى
یطحنه منه. فكان ذلك استئجارا من المستأجر بما ليس عنده، إذ كان دقيق قمحه ليس عنده فی
الوقت الذى استأجر. وكان فى ذلك ما قد دل أن الاستئجار لا يكون بما ليس عند المستأجر يوم
يستأجر، كما لا يكون الابتياع بما ليس عند المبتاع يوم يبيع من الأشياء التى ليست عنده، إلا أن
كان كالدراهم وكالدنانير من ذوات الأمثال التى قد تكون عينا فى الذمم اهـ (٣٠٧:١).
وحاصله أنه إذا كان قفيز الدقيق من هذا القمح بعينه، هو الأجر، ولا يقدر عليه المستأجر إلا
بفعل الطحان كان المستأجر عاجزا عن التسليم ألبتة، فلا يجوز الإجارة كذلك كما إذا بيعت عين

١٨٣
قفيز الطحان
إعلاء السنن
بعد إخراج الحديث فى إسناده ضعف وقال مغلطائى: هشام ثقة (نيل الأوطار ١٦٩:٥)
بعين والعين العوض غائبة معدومة ليست حاضرة ولا موجودة عند البيع، فافهم.
الجواب عن إيراد الموفق علينا فى هذا الباب:
قال الموفق فى "المغنى": قال ابن عقيل: "نهى رسول الله عَ لّه عن قفيز الطحان وهو أن
يعطى الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها، وعلة المنع أنه جعل بعض معموله أجرا لعمله
فيصير الطحن مستحقا له عليه". قال الموفق. وهذا الحديث لا نعرفه، ولا يثبت عندنا صحته،
وقياس قول أحمد جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل اهـ (١١٩:٥).
قلت: قد عرفه ابن عقيل والدار قطنى والطحاوى والبيهقى وعبد الحق فى "أحكامه"،
وكفى بهم قدوة، والعارف حجة على من لم يعرف، وأما الصحة فقد أثبتناها، لأنه رواه الطحاوى من
طريق أبى يوسف بسند جيد عن بعض أصحاب النبى مرّ له مرفوعا، وجهالة الصحابى لا تضر إجماعا.
ورواه من طريق ابن المبارك عن أبى سعيد الخدرى، وليس فيه إلا هشام بن كليب متكلم
فیه، وثقه ابن حبان ومغلطائی، ولم يجرحه أحد غيرهما بجرح مفسر، فلا عبرة به، کما مر فى
"المقدمة"، وأيضا فإن القياس يأبى جواز الإجارة بقفيز الطحان للمعنى الذى ذكره ابن عقيل
وللمعنى الذى ذكره الطحاوى.
فروع تشبه قفيز الطحان ذهب أحمد إلى جوازها:
وأما الذى ذكره أحمد من المسائل فمنها ما قاله الموفق فى "المغنى" بما نصه: وإن دفع رجل
دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين، أو ثلاثا، أو كيفما شرطا صح، نص عليه
(أحمد) فى رواية الأثرم وابن أبى حرب وابن سعيد، ونقل عن الأوزاعى ما يدل على هذا، وذكره
ذلك الحسن والنخعى. وقال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى: لا يصح، والربح كله
لرب الدابة، لأن الحمل الذى يستحق به العوض منها، وللعامل أجر مثله، لأن هذا ليس من أقسام
الشركة، إلا أن تكون مضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة فى
الأعيان، وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. قال: ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها
فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير.
(قلنا: فعليك أن تقول بجواز المضاربة بالعروض، فإن كان عين تنمى بالعمل فى الجملة فإن
الرجل إذا دار بعرض من بلد إلى بلد ازداد ثمنه، وهو نماءه، مع أنك لا تقول بجواز ذلك أصلا)،

١٨٤
ج - ١٦
قفيز الطحان
وفى "التلخيص" (٢٥٥:٢): قال المغلطائی: هو ثقة، فینظر فیمن وثقه، ثم و جدته فی
"ثقات ابن حبان" اهـ.
قال: وكالشجر فى المساقاة، والأرض فى المزارعة، وقولهم: إنه ليس من أقسام الشركة، ولا هو
مضاربة. قلنا: نعم! لكنه يشبه المساقاة والمزارعة.
(قلنا: لا يكون ذلك حجة علينا، فإنا لا نقول بجواز المساقاة والمزارعة بالثلث والربع، ومن
قال منا بجوازها فإنما قال بخلاف القياس للنص، ومثله لا يتعدى مورده).
وذكر القاضى فى موضع آخر فيمن استأجر دابة ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله أو ثلثه
جاز، ولا أرى لهذا وجها فإن الإجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض، وتقدير المدة أو العمل، ونم
. يوجد، ولأن هذا عقد غير منصوص عليه، ولا هو فى معنى المنصوص، فهو كسائر العقود
الفاسدة، إلا أن يريد بالإجارة المعاملة على الوجه الذى تقدم. (قلنا: المعاملة المنصوصة ليست إلا فى
الأرض، أو الأشجار، وليس الحيوان منها، ولا فى معناها، ولو سلم فإن المساقاة والمزارعة من باب
الإجارة، والقياس يأبى جوازها، وإنما قال به من قال منا للنص الوارد فيه، فلا يجوز تعديته).
ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به
بأس، وفى رواية: إذا كان على النصف والربع فهو جائز، وبه قال الأوزاعى، وفى رواية عن أحمد
فیمن دفع عبده إلی رجل لیکسب علیه ویکون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز، وإن دفع ثوبه إلى
خياط ليفصله قمصانا يبيعها وله نصف ربحها بحق عمله جاز، نص عليه فى رواية حرب، وإن
دفع غزالا إلی رجل لینسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه جاز، نص عليه (و کذا لو دفع إلى رجل فرسه،
أو بقرته ليعلفه ويربيه بثلث ثمنه أو ربعه إذا صلح للركوب أو اللبن جاز عند أحمد)، ولم يجز
مالك وأبو حنيفة والشافعی شيئا من ذلك، لأنه عوض مجهول، وعمل مجهول.
واحتج أحمد بحديث جابر أن النبى مرّه أعطى خيبر على الشطر. وروى الأثرم عن ابن
سيرين والنخعى والزهرى وأيوب ويعلى بن حكيم أنهم أجازوا ذلك. وقال ابن المنذر: كره ذلك
كله الحسن، وقال أبو ثور وأصحاب الرأى: هذا كله فاسد، واختاره ابن المنذر وابن عقيل، وقالوا:
لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد، ولصاحب الشبكة
أجر مثلها، وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على نصفين اهـ (١١٨:٥).
قلت: وقد مر الجواب عن احتجاجهم بقصة خيبر، وهى محمولة عند أبى حنيفة رحمه الله
على خراج المقاسمة، لا على المزارعة بالنصف، لأن المزارعة لا تصح عند القائلين بجوازها إلا لمدة

١٨٥
قفيز الطحان
إعلاء السنن
معلومة، ولم يذكر النبى معَّ لأهل خيبر مدة، بل قال: ((نقركم فيها ما شئنا))، وأيضا فإن المعاملة
مع أهل الخير لم تجدد بعد وفاة النبى عليه، ومن ادعى فعليه البيان، والمزارعة تبطل بموت أحد
المتعاقدين، فافهم.
الروايات عن التابعين احتج بها أحمد:
وأما الروايات عن التابعين، فإبراهيم النخعى كره ذلك كله، كما قاله ابن حزم فى "المحلى"،
خلاف ما ذکره الموفق عنه، وروی من طريق ابن أبى شيبة نا محمد بن أبی عدی عن ابن عون،
سألت محمد ابن سيرين عن دفع الثوب(١) إلى النساج بالثلث ودرهم، أو بالربع، أو بما تراضيا
علیه؟ قال: لا أعلم به بأسا.
(قلت: إن كان دفعه بثلث الغزل، أو ربعه فلا بأس به عندنا أيضا، فإن ثلث الغزل، أو ربعه
موجود وقت الإجارة، وإن كان دفعه ثلث المنسوج أو ربعه فلا يجوز، لما ذكرنا فى قفيز الطحان،
فلنا أن نحمل قول ابن سيرين على الأول، دون الثانى، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال)، ومن
طريق عبد الرزاق عن سفيان، قال: أجازالحكم إجارة الراعى للغنم بثلثها أو ربعها، وهو قول ابن
أبى ليلى، وروى عن الحسن أيضا. (قلت: روى عنه خلافه أيضا، والظاهر أنه أجازها بثلث الغنم
الموجودة عند العقد، لا بثلث ما هو موجود وما سيولد من بعد).
نا ابن أبى شيبة نا ابن علية عن ليث عن عطاء مثل قول ابن سيرين. نا ابن أبى شيبة نا عبد
الأعلى عن معمر عن الزهرى مثل قول ابن سيرين وعطاء. نا ابن أبى شيبة نا عبد الرحمن بن
مهدى عن حماد بن زيد، قال: سألت أيوب السختياني ويعلى بن حكيم عن الرجل يدفع الثوب
إلى النساج بالثلث والربع؟ فلم يريا به بأسا. نا ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب عن أبى هلال عن
قتادة، قال: لا بأس أن يدفع إلى النساج بالثلث والربع اهـ من "المحلى" (١٩٩:٨).
قلت: وفيه ما ذكرنا فى قول ابن سيرين من الاحتمال، وإن سلمنا أنهم أجازوا دفع الغزل
إلى النساج بثلث المنسوج أو ربعه، فلعلهم لم يبلغهم النهى عن قفيز الطحان، فلا حجة فيما قالوا،
لا سيما وقد خالفهم النخعى والحسن وأبو حنيفة ومالك والشافعى وأصحابهم، واحتجوا بما ثبت
عن النبى معَّه أنه نهى عن قفيز الطحان، وكفى به حجة وقدوة، والله المستعان.
(١) أى الغزل. (المؤلف)

١٨٦
ج - ١٦
باب إجارة الأرض سنتین
٥٣٥٤- حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه،
أن أسيد بن حضير توفى وعليه ستة آلاف درهم دين، فدعا عمر بن الخطاب رضى الله
عنه غرماءه، فقبلهم أرضه سنتين، أخرجه الحرب الكرمانى (زاد المعاد ٢: ٤٥٥).
حديث آخر فى تأييد حديث النهى عن قفيز الطحان:
ومما يؤيد حديث النهى عن قفيز الطحان ما أخرجه البيهقى من طريق يزيد بن أبى حبيب
عن ربيعة بن نفيط عن مالك بن هدم يعنى عن عوف بن مالك، قال: غزونا وعلينا عمرو بن
العاص، وفينا عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فأصابتنا مخمصة شديدة، فانطلقت ألتمس
المعيشة، فألفيت قوما يريدون ينحرون جزورا لهم.
فقلت: إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها، وأعطونى منها ففعلت، فأعطونى منها شيئا،
فصنعته، ثم أتيت عمر بن الخطاب، فسألنى من أين(١) هو؟ فأخبرته فقال: أسمعك(٢) قد تعجلت
أجرك، وأبى أن يأكله، ثم أتيت أبا عبيدة، فأخبرته. فقال لى مثلها، وأبى أن يأكله، فلما رأيت ذلك
تركتها. قال: ثم أبردونى فى فتح لنا، فقدمت على رسول الله عَ بّه، فقال: ((صاحب الجزور))
ولم يرد على شيئا، وفى لفظ له: لم يزدنى على ذلك اهـ (١٢٠:٦).
فالظاهر أنهم كرهوه لكونه فى معنى قفيز الطحان، فإن قيل: بل كرهوه لكون الأجرة
مجهولة. قلنا: ولكنها قد ارتفعت فى مجلس العقد حين أعطوه شيئا قد رضى به، فافهم.
باب إجارة الأرض سنتین
حكم إجارة الشاة لشرب اللبن:
أقول: احتج ابن القيم لهذا الأثر على جواز إجارة الشاة لشرب اللبن. وقال: أجار عمر أرض
أسيد بن حضير سنتين وفيها الشجر، والنخل، وحدائق المدينة الغالب عليها النخل، والأرض
البيضاء فيها قليل، فهذا إجارة أشجر لأخذ ثمرها، ومثله إجارة الشاة لشرب اللبن، ومن ادعى أن
ذلك خلاف الإجماع فمن عدم علمه، بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب. فإن عمر رضى
(١) خاف أن يكون ميتة استحلها للاضطرار الذى أصابه فى مخمصة. (المؤلف)
(٢) أى أسمعك تحكى أمرا كان لا يجوز لك فعله، ومن ارتكب المعصية وهو غاز فى سبيل الله فلا أجر له فى الآخرة، وإنما تعجل
أجره فى الدنيا. (المؤلف)

١٨٧
إجارة الأرض سنتين
إعلاء السنن
الله عنه فعل ذلك بالمدينة النبوية بمشهد المهاجرين والأنصار، وهى قصة فى مظنة الاشتهار، ولا
يقائلها أحد بالإنكار، بل تلقاها الصحابة بالتسليم والإقرار، وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وإن
فعله عمر رضى الله عنه كما أنكر عليه عمران بن حصين وغيره شان متعة الحج، ولم ينكر أحد
هذه الوقعة اهـ (زاد المعاد ٢: ٤٥٥ بأدنى تغيير).
والجواب عنه أنه ليس فى الرواية أن الأرض كانت فيها نخيل وأشجار، ولا أنها كانت
أرض المدينة، ولا أنه أجار الأرض مع الأشجار، بل هذا كله مجرد رأى، فالاستدلال ليس بالرواية،
بل بمجرد الظن والتخمين.
واحتج أيضا لهذا المطلب بإجارة الأرض، وقال: مستأجر الأرض ليس له مقصود فى غير
عين المقل، ولعمل وسيلة مقصوده لغيرها ليس له فيه منفعة، بل هو تعب ومشقة، وإنما مقصوده هو
ما يحدثه الله من الحب بسقيه وعمله، وهكذا مستأجر الشاة للبنها سواء، مقصوده ما يحدثه الله
من لبنها بعلفها وحفظها والقيام عليها، فلا فرق بينهما البتة إلا ما لا تناط به الأحكام من الفروق
الملغاة (زاد المعاد ٤٥٥:٢).
والجواب عنه: أن المعقود عليه فى إجارة الأرض ليس هو الغلة والحبوب، لأن المعقود عليه
يجب أن يكون ملكا للمؤجر، والغلة ملك للمستأجر، دون المؤجر، لأنه نماء ملکه، وهو البزر، بل
المعقود عليه هو منفعة الأرض التى هى مملوكة للمؤجر. بخلاف إجارة الشاة فإن المقصود فينها ليس
إلا اللبن، وهو العين لا المنفعة، فافترقا بفرق تناط به الأحكام، واندفع دعوى عدم الفرق.
واحتج أيضا بإجارة الظئر، وقال: إن الله سبحانه نص فى كتابه على إجارة الظئر، وسمى ما
تأخذه أجرا، وليس فى القرآن إجارة منصوص عليها فى شريعتنا إلا إجارة الظهر بقوله: ﴿فإن
أرضعن لكم فاتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف﴾، ولا شك أن المقصود بالعقد فيها إنما هو
اللبن، دون وضع الطفل فى حجرها بذاتها، لو أرضعت الطفل وهو فى حجر غيرها، أو فى مهده
لاستحقت الأجرة، ولا إنقام الثدى، إذ لو کان کذلك لاستوجر له کل امرأة لها ثدی ولو لم يكن
لها لبن. فدل ذلك على جواز إجارة الشاة للبن اهـ (زاد المعاد ٢: ٤٥٤) ملخصا.
والجواب عنه: أنا لا نسلم أن المعقود عليه فى إجارة الظئر هو اللبن، بل المقصود فيها هو فعل
الظئر، أعنى الإرضاع، والقيام بحوائج الطفل، واللبن تابع، كما فى إجارة الصباغ للصبغ، والخراز

ج - ١٦
إجارة الأرض سنتين
١٨٨
للخرز، والخياط للخياطة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾؛ لأن
معناه إن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن على الإرضاع، فالآية حجة لنا لا لكم.
ثم ادعى ابن القيم التناقص بين قولى الحنفية: إن إجارة الظئر على خلاف القياس، وقولهم:
إنها منعقدة على فعل الظئر على خلاف القياس، ويدعى أن هذا هو القياس الصحيح.
والجواب عنه: أنه لا تناقض بين القولين، لأن للحنفية فيها مسلكين. فقال بعضهم: إنها
معقودة على اللبن، وقال بعضهم: إنها معقودة على فعل المرأة، فقال الأولون: إنها خلاف القياس،
وقال الآخرون: إنها موافق للقياس، فلا تناقض عند اختلاف القائلين، ومبنى القولين.
وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: استحقاق لبن المرأة بعقد الإجارة دليل على أنه لا
يجوز بيعه، وجواز بيع لبن الأنعام دليل على أنه لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة، واحتج بها
شمس الأئمة السرخسى على أن المعقود عليه فى إجارة الظئر هو اللبن، ووجه الاحتجاج به أن
معناه أن الإجارة تنعقد على المنافع دون العين، والبيع ينعقد على العين دون المنافع فجواز بيع لبن
الأنعام يدل على أنه عين، فلا يجوز عقد الإجارة عليه. وجواز عقد الإجارة على لبن المرأة يدل على
أنه منفعة، فلا يجوز بيعه، ولما كان لبن المرأة منفعة يكون هو المقصود عليه، وتبعه صاحب
"النهاية" والعينى، ورواه صاحب "الهداية" وصاحب "نتائج الأفكار" وغيره، وقالوا: هو مخالف
لظاهر الرواية، ومخالف للأصول، والحق هو ما قال هؤلاء الأعلام، لأنه لا فرق بين لبن المرأة ولبن
الأنعام، فإن كان أحدهما منفعة فالآخر مثله، وإن كان عينا فالآخر كذلك، فجعل أحدهما منفعة
والآخر عينا تحكم، وورود الإجارة على لبن المرأة مقصودا غير مسلم، وتبعا غير مفيد، كما مر.
وعدم ورود البيع على لبن المرأة ليس لأنه منفعة ترد عليها الإجارة، بل شرف الآدمية وعدم
الضرورة، فلا حجة لهم فى رواية ابن سماعة فتدبر، والله أعلم.
الرد على ابن تيمية وابن القيم فى إنكارهما اختصاص الإجارة بالمنافع دون الأعيان:
قال العبد الضعيف: وقد أغرب ابن القيم وابن تيمية حيث أنكرا كون مورد عقد الإجارة
منفعة، وقالا: هذا غير مسلم ولا ثابت بالدليل (زاد المعاد ٤٥٤:٢).
ولا يخفى أن حدود الألفاظ المستعملة فى الشرع هى المعانى المستعملة فى اللغة،
ولم يتصرف الشرع فيها إلا يسيرا، والإجارة لا تستعمل لغة إلا على بيع المنافع دون الأعيان، فمن
ادعى عمومها لبيع الأعيان شرعا فعليه البيان.

١٨٩
إجارة الأرض سنتين
إعلاء السنن
وقد اعترف ابن القيم ببطلان إجارة الشاة لللبن عند الجمهور، ولم يقل بجوازها أحد قبل
ابن تيمية فيما نعلم، وعللوا عدم الجواز بأن مورد عقد الإجارة، إنما هو المنافع دون الأعيان، وفيه
دليل على أن استعمالها فى بيع الأعيان لم يعرفه أحد قبل ابن تيمية أصلا، فهل قوله بتعميم موردها
إلا من القياس فى اللغة؟ وأيضا فقد اتفقوا على الفرق بين البيع والتجارة استعمالا ومعني، وليس إلا
أن مورد البيع هو الأعيان، ومورد الإجارة المنافع، وإنكار ذلك مكابرة للعيان، لا يجترئ عليها إلا
ظاهرى قد جيل على الشذوذ من بين الأمة بإحداث أقوال أكثرها مخترع لم يسبق إليه أحد قبله.
قال الموفق فى "المغنى": ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها ونسلها وصوفها وشعرها، أو
نصفه، أو جميعه لم يجز، نص عليه أحمد فى رواية جعفر بن محمد، لأن الأجر غير معلوم، ولا
يصح عوضا فى البيع.
وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها
ويتحفظها وما ولدت من ولد بينهما؟ فقال: أكره ذلك، وبه قال أبو أيوب، وأبو خيثمة، ولا أعلم
فيه مخالفا، وذلك لأن العوض مجهول، ولا يدرى أيوجد أم لا؟ والأصل عدمه، ولا يصلح أن
یکون ثمنا، فإن قيل: قد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها.
قلنا: إنما جاز ذلك تشبيها بالمضاربة، لأنها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من النماء.
وفى مسألتنا لا يمكن ذلك لأن النماء الحاصل فى الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها، فلم يمكن
إلحاقه بذلك، وإن استأجره على رعايتها مدة معلومة بنصفها أو جزء معلوم منها أى من الشاة
الموجودة صح، لأن العمل والأجر والمدة معلوم اهـ (١٣:٦).
وقال ابن حزم فى "المحلى": لا يجوز استئجار شاة، أو بقرة، أو ناقة، أو غير ذلك لا واحدة
ولا أكثر للحلب أصلا، لأن الإجارة إنما هى فى المنافع خاصة(١) لا فى تملك الأعيان، وهذا تملك اللبن،
وهو عين قائمة، فهو بيع لا إجارة، وبيع ما لم يرقط، ولا تعرف صفته باطل، وهو قول أبى حنيفة
والشافعى، ولم يجز مالك إجارة الشاة، ولا الشاتين للحلب، وأجاز إجارة القطيع من ذوات اللبن
للحلب، وأجاز استئجار البقرة للحرث واشتراط لبنها قال: وهذا كله خطاء وتناقض، لأنه فرق بين
القليل والكثير بلا برهان أصلا، ثم لم يأت بحد بين ما حرم وحلل وهذا كما ترى اهـ (١٨٩:٨).
(١) وبالجملة فإن اختصاص الإجارة بالمنافع فما قد أجمع عليه الفقهاء وأهل الظاهر كلهم، فابن تيمية وابن القيم محجوجان
بإجماع من تقدمهما. (المؤلف)

١٩٠
ج - ١٦
باب النہی عن مهر البغی و حلوان الکاهن
٥٣٥٥- عن أبى مسعود عقبة بن عمرو، قال: ((نهى رسول الله عَ لّه عن ثمن
الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن))، رواه الجماعة (النيل ٥:٣).
باب النهی عن مهر البغی و حلوان الکاهن
أقول: قد تقدم البحث عن ثمن الكلب فى البيوع، وقد عرفت أنه منسوخ، وأما حلوان
الكاهن فمحرم بالإجماع، وكذا مهر البغى، إلا أنهم اختلفوا فى بعض تفاصيله، فقال الشافعى
وأكثر أصحاب أحمد: إذا زنى رجل بأمة رجل مكرهة، أو مطاوعة يجب الضمان لسيدها، ورده
فى "زاد المعاد": بأن الإماء داخلة فى النص دخولا أوليا، لأنها هى اللاتى كن يعرفن بالبغاء، وفيهن
وفى ساداتهن أنزل الله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾، فكيف يجوز أن
تخرج الإماء عن نص أردن به قطعا ويحمل على غير هن؟ (زاد المعاد ٤٣٧:٢). ولهم أن يقولوا:
إنا لا نخرج الإماء عن النص ولكنا نقول: إن مهر البغى ما يؤخذ على الزنا برضاء سيدها، وما
يؤخذ على الزنا بغير رضاءه فليس هو بمهر البغى، بل هو ضمان العدوان.
والجواب عنه: أن ضمان العدوان إنما تجب إذا أتلف شيئا متقوما، ومنافع البضع ليست
بمتقومة فى الزنا، بل هى متقومة فى النكاح وشبهه، ولأحمد فى الحرة المكرهة أربع روايات:
الأولى: أن لها المهر بكرا كانت أو ثييا، وطئت فى قبلها أو دبرها.
والثانية: أنه يجب لها المهر إن كانت بكرا، وإن كانت ثييا فلا. والثالثة: أنها إن كانت ذات
محرم فلا مهر لها، وإن كانت أجنبية فلها المهر.
والرابعة: أن لها المهر إن كانت أجنبية، أو ذات محرم لا تحرم بنتها، كالعمة والخالة، وإن
كانت ذات محرم تحرم بنتها، كالأم والأخت والبنت فلا، كذا فى "زاد المعاد" (٤٣٦:٢). والكل
ليس بشىء، لأن الإكراه لا يخرج الفعل عن كونه زنا، بل غايته أنه يؤثر فى سقوط الإثم والحد عن
المكرهة، لكونها مضطرة غير مختارة فى فعل الزنا، فلا يجعلها الإكراه مستحقة للأجر، ولا
لضمان العدوان، لأن الزنا ليس فيه أجر ولا ضمان، لأن منافع البضع غير متقومة فيه، كما عرفت.
فائدة فى تحقيق مذهب أبى حنيفة فى استئجار المرأة للزنا:
فائدة نافعة: قال فى "فتح القدير": ومن شبهة العقد ما إذا استأجرها ليزنى بها ففعل لا حد
عليه، ويعزر، وقالا هما والشافعى، وأحمد: يحد لأن الإجارة لا يستباح بها البضع. فصار كما لو

١٩١
النهى عن مهر البغى وحلوان الكاهن
إعلاء السنن
استأجرها للطبخ ونحوه من الأعمال ثم زنى بها، فإنه يحد اتفاقا، وله أن المستوفى بالزنا المنفعة
وهى المعقود عليه فى الإجارة، لكنه فى حكم العين، فبالنظر إلى الحقيقة تكون محلا بعقد الإجارة،
فأورث شبهة، بخلاف الاستئجار للطبخ ونحوه، لأن العقد لم يضف إلى المستوفى بالوطئ، أو
العقد المضاف إلى محل يورث الشبهة فيه، لا فى محل آخر.
وفى "الكافى": لو قال: أمهرتك كذا لأزنى بك لم يجب الحد، وهكذا لو قال:
استأجرتك، أو خذى هذه الدراهم لأطأك، والحق فى هذا كله وجوب الحد، إذ المذكور معنى
يعارضه كتاب الله قال الله تعالى: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا﴾، فالمعنى الذى يفيد أن فعل الزنا مع
قوله: "أزنى بك" لا يحد معه، للفظ المهر معارض له اهـ (فتح القدير ٤٢:٥).
الرد على بعض الأحباب فى تخطئة ابن الهمام:
قال بعض الأحباب: هذا كله ناشئ من عدم فهم مراد الإمام وتحقيق مذهبه على وجه
ينكشف عنه غواشى الأوهام أن استئجار المرأة للزنا حقيقة نكاح المتعة التى كان حلالا فى أول
الإسلام ثم نسخ، لأن معنى قوله: "استأجرتك بكذا لأزنى بك" أنى أمهرتك كذا لأستمتع بك،
والتعبير لأجل علمه بأنه حرام، أو لجهله بأنه متعة، ولا شك أن نكاح المتعة وإن كان حراما
بالإجماع ولكنه مما يدرأ به الحد بالاتفاق.
قال العبد الضعيف: ولا يخفى ما فيه، فإنه لم يثبت بنقل، ولا لغة، ولا أثر أنهم كانوا
لا يفرقون بين المتعة والزنا، أو أن نكاح المتعة کان ینعقد بلفظ الزنا فی زمان. کلا! فإن حرمة الزنا
كانت مركوزة فى قلوب، وقبحه معروفا بين الناس فى الجاهلية والإسلام جميعا، لم يستحله ولم
يستحسنه أحد قط، ولم يزالوا يفرقون بين النكاح والسفاح فى كل قرن وجيل. فكيف يصح أن
يقال: إن معنى قوله: "استأجرتك بكذا لأزنى بك" أنى أمهرتك كذا لأستمتع بك؟ وهل لأحد أن
يدعى أن أحدا من أهل الجاهلية قبل الإسلام عقد نكاح المتعة بلفظ الزنا قط؟ لا أظن أن يجترئ
على ذلك إلا من كان لا يبالى الادعاء بما شاء، متى شاء من غير دليل ولا برهان.
وإذا عرفت ذلك فالحق ما قدمنا فى كتاب الحدود أن أبا حنيفة لم يدرأ الحد عمن استأجر
امرأة للزنا صريحا، وإنما درأه إذا استأجرها بقوله: أعطيك كذا لتعطينى نفسى أو أمهرتك كذا
لتمكننى من نفسك، أو استأجرتك بكذا لأطأك ونحوه، بدليل ما ثبت عن عمر رضى الله عنه،: أن
امرأة جاءت إليه، فقالت: يا أمير المؤمنين! أقبلت أسوق غنما لى فلقينى رجل فخض لى خضة من

١٩٢
النهى عن مهر البغى وحلوان الكاهن
ج - ١٦
تمر، ثم خض لى، ثم خض لى، ثم أصابنى. فقال عمر: ويشير بيده مهر مهر مهر، ثم تركها. وفى
رواية: أن امرأة أصابها الجوع، فأتت راعيا فسألته الطعام، فأبى عليها حتى تعطيه نفسها، قالت:
فحتى لى ثلاث حثيات، فذكره نحوه (المحلى ٢٥٠:١١). فهذا يمكن أن يشبه المتعة، ويدرأ فيه
الحد، لا فيما إذا قال: استأجرتك لأزنى بك، فإنه لا يحتمل المتعة أبدا، ولا كرامة، فافهم.
فإن الحق لا يتجاوز عما قاله ابن الهمام، ولم يفهم بعض الأحباب مراد الإمام، واستولى
على عقله ظلمات الأوهام، والحمد لله الملك العلام على ما علم، وفهم، وهدى سبل السلام.
وأما قوله: ((نهى عن ثمن الكلب))، فمحمول على غير المأذون فى اتخاذه، وأما كلب الصيد
والماشية ونحوها فيجوز بيعه وأكل ثمنه، لأنه حيوان منتفع به حراسة واصطيادا، وقد ثبت عن
عثمان أنه قضى فى كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما، وفى كلب ماشية بكبش، كما سيأتى فى
باب الديات إن شاء الله تعالى، وأما مهر البغى وهو ما تأخذه الزانية فى مقابلة الزنا بها فحكم
رسول الله عَّيٍ أن ذلك خبيث على أى وجه كان، حرة كانت أو أمة.
إنما كان البغاء على عهدهم فى الإماء دون الحرائر:
ولا سيما فإن البغاء إنما كان على عهدهم فى الإماء دون الحرائر، ولهذا قالت هند بنت عتبة
وقت البيعة: أو تزنى الحرة؟ ولا نزاع بين الفقهاء فى أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلا من
نفسها فزنى بها أنه لامهر لها، واختلفوا فى الحرة المكرهة، وفى الأمة المطاوعة، والصواب المقطوع
به أنه لا مهر لهما، لا سيما الأمة المطاوعة، لأن هذه هى البغى التى نهى رسول الله عَ ليه عن
مهرها، وأخبر أنه خبيث، فإن الإماء هن اللاتى كن يعرفن بالبغاء، وفيهن وفى ساداتهن أنزل الله
تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تخصنا﴾، فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نص
أردن به قطعا؟ والشرع إنما جعل فى مقابلة الوطئ عوضا إذا استوفى بعقد مشروع، أو بشبهة عقد،
ولم يجعل له عوضا إذا استوفى بزنا محض لا شبهة فيه، ولم يعرف فى الإسلام قط أن زانيا قضى
عليه بالمهر للمزنى بها، ولا ريب أن المسلمين يرون هذا قبيحا، فهو عند الله عز وجل قبيح.
تحقيق مهر البغى وتأويل قول الإمام: ما أخذته الزانية بعقد الإجارة فهو حلال:
واعلم أن مهر البغى إنما هو ما تأخذه الزانية فى مقابلة الزنا بها من غير إجارة ولا استئجار
إلى وقت معلوم، بل كما فرغا من الزنا وارتكاب الخنا، ولا يبقى للزانى بعد ذلك حق فى القيام

١٩٣
النهى عن مهر البغى وحلوان الكاهن
إعلاء السنن
عندها ولا فى الاستمتاع بها هذا هو مهر البغى وفى حكمه ما إذا استأجرها ليزنى بها. فقد علمت
أن الاستئجار للزنا موجب للحد وما كان موجبا للحد لا يكون موجبا للعوض والأجرة أصلا.
وأما إذا استأجر امرأة ليستمتع بها ويتمكن منها إلى أجل معلوم بأجر معلوم فزنا بها فى تلك
المدة فما تأخذه المرأة من الأجرة ليس من مهر البغى، ولا من كسب الزنا، بل هو أجرة الخدمة ومهر
المتعة، وقد زل ههنا أقدام وتحيرت أفهام، حيث نسبوا إلى أبى حنيفة الإمام أنه قال فى من قال
لامرأة: استأجرتك بكذا لأزنى بك، إنه لا حد عليه وقال: إن ما أخذته الزانية إن كان بعقد الإجارة
(وحملوه على الإجارة والاستئجار للزنا) فحلال؛ لأن أجر المثل طيب، وإن كان السبب حراما،
وقالا: هو حرام، وإن كان بغير عقد فحرام اتفاقا، ولم يقل أبو حنيفة ذلك قط. وإنما قال(١) ما قال
عمر رضى الله عنه، كما تقدم.
وليس محله الاستئجار على صريح الزنا، بل محله ما إذا استأجرها بلفظ الاستمتاع،
أو التمكين، ونحوها من الألفاظ التى كانت تستعمل فى نكاح المتعة من الأمهار، أو الاستئجار إلى
أجل، ولم يكن فيه لفظ الزنا قط، فهذه إجارة فاسدة، لكونها قد آجرت نفسها لمتعة قد نسخها الله
تعالى، وليس هذا من مهر البغى، لكون المتعة غير الزنا لغة، كما هو ظاهر، وشرعا فى بعض
الأحكام، فإن الزنا موجب للحد، والمتعة لا توجبه.
قال الموفق فى"المغنى": ولا يجب الحد بالوطئ فى نكاح مختلف فيه، كنكاح المتعة،
والشغار، والتحليل، والنكاح بلا ولى ولا شهود. وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع
كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهة اهـ (١٥٥:١٠).
ولا شبهة إذا صرحا بالزنا. فليس معنى قول الإمام إلا أنه إذا استأجر امرأة للاستمتاع بها،
أو للتمكن منها، فلا حد عليه، ولا عليها. ويحل لها ما أخذته من الأجرة. لأن نكاح المتعة
والاستئجار للاستمتاع وإن كان فاسدا منسوخا، ولكن الأجر طيب للمرأة، وإن كان السبب
حراما. وأما إذا زنى بها من غير عقد، وأعطاها شيئا فهو حرام لها اتفاقا. وإذا استأجرها للخبز،
والطبخ دون الاستمتاع والتمكن مننها، ثم زنى بها فالأجرة حلال للمرأة اتفاقا. ويجب عليهما
الحد إجماعا، لأن الاستئجار للخبز، والطبخ، ونحوهما من الخدمة ليس من معنى المتعة فى شىء.
(١) بدليل قول ابن حزم بعد ما ذكر أثر عمر رضى الله عنه: قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة (المؤلف)

ج - ١٦
النهى عن مهر البغى وحلوان الكاهن
١٩٤
فما ذكره الموفق فى المغنى": إذا استأجر امرأة لعمل شىء ..... فزنى بها، أو استأجرها
ليزنى بها وفعل ذلك، أو زنى بامرأة ثم تزوجها أو اشتراها، فعليهما الحد، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا حد عليهما فى هذه المواضع اهـ (١٩٤:١٠)، ليس بصحيح،
فالمستأجرة للخدمة يجب الحد بزناها عندنا من غير خلاف، كما فى "الدر" و"فتح القدير"
وغيرهما، وإنما الخلاف فيمن إستأجرها للاستمتاع بها كما مر، ولو استأجرها للزنا صريحا فهذا
وما أعطاها بالزنا من غير عقد سواء، وحاشا أبا حنيفة أن يقول بنفى الحد عمن فعل ذلك، أو بحل
الأجر للمرأة فى مثل ذلك، فافهم.
وأما تشنيع أهل الطاهر على أبى حنيفة لأجل هذه المسألة فباطل وبعيد من الإنصاف، أما
أولا: فلما ذكرنا من تأويل ما نسبوه إليه، وقد نبه ابن الهمام عليه، ولا بعد فيه؛ لأن المتعة بعد ما
نسخت التحقت بالزنا فى أكثر الأحكام، فلم يفرق الرواة بينهما، وذكروا أحدهما مكان الآخر،
ولم يتنبهو الدقيقة بنى عليها الإمام سقوط الحد وخل الأجر فى استئجار المرأة للاستمتاع بها، وأما
ثانيا: فإن زعيمهم العلامة ابن القيم قائل بحل كسب الزانية لها مطلقا إذا كانت محتاجة إليه،
وهذا نصه.
قول ابن القيم فى حل كسب الزانية لها.
فإن قيل: فما تقولون فى كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت، هل يجب عليها رد ما قبضته إلى
أربابه، أم يطيب لها، أم تصدق به؟ قلنا: هذا يبتنى على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهى أن
من قبض ما ليس له قبضه شرعا، ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضا
صاحبه، ولا استوفى عوضه رد عليه. فإن تعذر رده عليه قضى به دينا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك
رد إلى ورتته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه. كما ثبت عن الصحابة رضى الله عنهم، وإن كان
برضا الدافع وقد استوفى عوصه المحرم، كمن عاوض على حمر، أو خنزير، أو على زنا، أو فاحشة
فهذا لا يجب فيه رد العوض على الدافع. لأنه أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز
أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن فى ذلك إعانة له على الإثم والعدوان إذا علم أنه ينال غرضه
ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين
الظلم، والفاحشة، والعذر، ومن أقبح القبيح أن يستوفى عوضه من المزنى بها ثم يرجع فيما أعطاها

١٩٥
إعلاء السنن
باب ضمان الأجير المشترك
٥٣٥٦- قال محمد بن الحسن فى "كتاب الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن حماد
عن إبراهيم، أن شريحا لم يضمن أجيرا قط.
٥٣٥٧- وأخبرنا أبو حنيفة عن بشر أو بشير شك محمد عن أبى جعفر محمد
ابن على: أن على بن أبى طالب كان لا يضمن القصار، ولا الصائغ، ولا الحائك، قال
محمد: وهو قول أبى حنيفة لا يضمن الأجير المشترك، إلا ما جنت يده (ص١١٣)
٥٣٥٨- قال ابن حزم: روينا من طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان عن
إبراهيم النخعى، قال: لا يضمن الصائغ، ولا القصار، أو قال: الخياط وأشباهه.
٥٣٥٩- ومن طريق حماد بن سلمة أنا جبلة بن عطية عن يزيد بن عبد الله بن
موهب قال فى حمال استؤجر لحمل قلة عسل فانكسرت، قال: لا ضمان عليه.
قهرا، وقبح هذا مستقر فى خطر (١) جميع العقلاء، فلا تأتى به شريعة، ولكن لا يطيب للقابض
أكله، بل هو خبيث، كما حكم عليه رسول الله عَظُه، ولكن خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ
منه، فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ بقدر حاجته
ويتصدق بالباقى، فهذا حكم كل كسب خبيث لحبث عوضه عينا كان أو منفعة.
ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع، فإن النبى ◌ّ ◌ّ حكم بخبث كسب
الحجام ولا يجب رده على الدافع اهـ (٤٣٨:٢).
وبالجملة: فليس كسب الزانية عنده إلا ككسب الحجام، وثبوت ملك الزانية فيه كثبوت
ملك الحجام فی کسبه، وغفل رحمه الله عن كون كسب الحجام یقضى له به شرعا، وكسب
الزانية لا يقضى لها به أصلا، كما مر، فافترقا.
باب ضمان الأجير المشترك
أقول: روى البيهقى عن على، أنه كان يضمن الصباغ والصائغ، وقال: لا يصلح للناس إلا
ذلك. رواه من طريق إبراهيم بن أبى يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على، ومن طريق
خلاس عن على، ومن طريق جابر الجعفى عن الشعبى عن على (نصب الراية ٢: ٢٤٠). وأخرج
(١) قلت: وهل هذا إلا جعل العقل حاكما على الشرع؟ فانظر من هو من أهل القياس والرأى؟ (المؤلف)

ج - ١٦
ضمان الأجير المشترك
١٩٦
٥٣٦٠- ومن طريق ابن أبى شيبة نا أزهر السمان عن عبد الله بن عون عن محمد
:
ابن سيرين: أنه كان لا يضمن الأجير إلا من تضييع.
٥٣٦١- ومن طريق ابن أبى شيبة عن إسماعيل بن سالم عن الشعبى، قال: ليس
على أجير المشاهرة ضمان.
٥٣٦٢- ومن طريقه نا وكيع نا سفيان الثورى عن مطرف بن طريف عن
الشعبى، قال: لا يضمن القصار إلا ما جنت يده.
عبد الرزاق عن بكير بن عبد الله بن الأشج: أن عمر بن الخطاب ضمن الصباغ الذين انتصبوا للناس
فى أعمالهم ما أهلكوا فى أيديهم (كنز العمال ١٩١٠٢). والجواب عنه: أن هذا كان سياسة منهما
رضى الله عنهما، حفظا لأموال الناس، والحكم الأصلى هو ما ذهب إليه شريح، وعلى فى رواية
بشر أو بشير عن أبى جعفر محمد بن على، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وحاصل ما قاله بعض الأحباب أن عمر وعليا كانا يريان الغرامة بالمال
سياسة، وهو أيضا خلاف مذهب أبى حنيفة رحمه الله، فلا فائدة فى مثل هذا الجواب، وروى
البيهقى فى "سننه" من طريق الربيع بن سليمان عن الشافعى، قال: قد ذهب إلى تضمين القصار
شريح، فضمن قصارا احترق بيته. فقال: تضمننى وقد احترق بيتى؟ فقال شريح: أرأيت لو احترق
بيته كنت تترك له أجرك؟ أخبرنا بهذا عنه ابن عيينة.
قال الشافعى: وقد روى من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله أن على بن أبى طالب ضمن
الغسال والصباغ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. قال: ويروى عن عمر تضمين بعض الصناع من
وجه أضعف من هذا، ولم نعلم واحدا منهما يثبت.
قال: وقد روى عن على من وجه آخر: أنه كان لا يضمن أحدا من الأجراء من وجه لا يثبت
مثله، وثابت عن عطاء أنه قال: لا ضمان على صانع، ولا على أجير اهـ (١٢٢:٦).
وحاصل كلام الشافعى أنه لم يثبت عن الصحابة فى هذا الباب شىء، لا التضمين،
ولا عدمه، وإنما ثبت عن التابعين، فعن شريح أنه ضمن قصارا، وعن عطاء لا ضمان على صانع،
ولا أجير، فاختار الشافعى قول شريح، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد منا، واختار أبو حنيفة قول.
عطاء، وأيضا فلا نسلم ضعف ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن على، وما رواه قتادة عن
خلاص بن عمرو عنه، فلا علة للأول غير الإرسال، وليس هو بعلة عندنا.
ورواية خلاس عن على صحيحة عندنا، وهو قول ابن حزم أيضا، كما مر فى كتاب الجهاد،

١٩٧
ضمان الأجير المشترك
إعلاء السنن
٥٣٦٣- ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثورى عن مطرف عنه،
قال: يضمن الصانع ما أعنت بيده، ولا يضمن ما سوى ذلك.
٥٣٦٤- ومن طريق ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين
عن شريح: أنه كان لا يضمن الملاح غرقا ولا حرقا.
٥٣٦٥- ومن طريق ابن أبى شيبة، نا عبد الأعلى عن يونس بن عبيد عن الحسن
البصرى، قال: إذا أفسد القصار فهو ضامن، وكان لا يضمنه غرقا، ولا حرقا، ولا عدوا
مكابرا.
٥٣٦٦- ومن طريق سعيد بن منصور عن مسلم بن خالد عن ابن أبى نجيح
عن طاوس، أنه لم يضمن القصار، وهو قول قتادة وابن شبرمة، وحماد بن أبى
سليمان، وهو قول أبى حنيفة والشافعى وزفر وأبى ثور وأحمد وإسحاق والمزنى اهـ من
"المحلى" (٢٠٢:٨).
ولكن الحق أنه لا حجة لأحد فى شىء من هذه الآثار، لكونها كلها قضايا عين يحتمل الوجوه. فما
فيه أن فلانا ضمن القصار والصباغ، يحتمل أن يكون ضمنه ما جنت يداه، ولا نزاع فيه، وما فيه
أن فلانا لم يضمنهما، يحتمل أن يكون لم يضمنهما من شىء غالب، كالحريق الغالب، والعدو
المكابر، وهذا مما لا نزاع فيه أيضا، ولو أجرينا الآثار على إطلاقها لانعكست حجة على من يحتج
بها، لكونه لا يقول بالإطلاق فى التضمين، ولا فى ضده، فافهم.
وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الجواب عن أثرى عمر وعلى رضى الله عنهما فى تضمين
الصباغ والصائغ بما ذكره بعض الأحباب من حملهما على السياسة، بل لنا أن نقول: لعلهما
ضمناهما لما جنت أيديهما، يؤيد ذلك لفظ عبد الرزاق: أن عمر بن الخطاب ضمن الصباغ الذين
انتصبوا للناس فى أعمالهم ما أهلكوا فى أيديهم، ولا نزاع فى ضمان الإهلاك والإتلاف، وإنما
النزاع فى ضمان ما تلف عندهم من غير تعد منهم. وبالجملة: فالمسألة قياسية، ولا يخفى على
الفقيه قوة دليل أبى حنيفة رحمه الله فى هذا الباب إذا راجع الهداية وشروحها.
قال الموفق فى "المغنى" (١٠٥:٦): إن الأجير على ضربين، خاص ومشترك، فالخاص هو
الذى يقع عليه العقد فى مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه فى جميعها، كرجل استؤجر لخدمة،
أو عمل فى بناء يوما، أو شهرا، سمى خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه فى تلك المدة، دون سائر

١٩٨
ضمان الأجير المشترك
ج - ١٦
٥٣٦٧- قال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق عن بعض أصحابه عن الليث
بن سعد عن طلحة بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج: أن عمر بن الخطاب ضمن
الصانع يعنى من عمل بيده (وفيه بعض أصحاب عبد الرزاق مجهول).
٥٣٦٨ - قال: وصح من طريق ابن أبى شيبة نا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن
محمد عن أبيه، أن علينا كان يضمن القصار والصواغ. وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك.
٥٣٦٩- ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس بن عمرو، قال: كان
على بن أبى طالب يضمن الأجير.
٥٣٧٠- وروى عنه: أنه ضمن نجارا.
٥٣٧١- وصح عن شريح تضمين الأجير والقصار.
٥٣٧٢- وعن إبراهيم(١) أيضًا تضمين الصناع، وكذلك عن عبد الله بن عتبة بن
مسعود.
٥٣٧٣- وعن مكحول أنه كان يضمن كل أجير.
٥٣٧٤- وقالت طائفة: يضمن كل من أخذ أجرا، روى ذلك عن على وعن عبد
الرحمن بن يزيد وغيرهما، الكل من "المحلى" (٢٢:٨) لابن حزم.
الناس، والمشترك الذى يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب، وبناء حائط، وحمل شىء
إلى مكان معين، أو على عمل فى مدة لا يستحق جميع نفعه فيها، كالكحال، والطبيب، سمى
مشتر كا لأنه يتقبل أعمالا لاثنین، وثلاثة، وأكثر فى وقت واحد، ویعمل لهم فيشتر كون فى
منفعته، واستحقاقها، فسمى مشتر كا لاشتراكهم فى منفعته، فالأجير المشترك هو الصانع، وهو
ضامن لما جنت يده، فالحائك إذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد، نص أحمد على هذه المسألة،
والقصار ضامن لما يتخرق من دقه، أو مده أو عصره، أو بسطه، والطباخ ضامن لما أفسد من
طبيخه، والخباز ضامن لما أفسد من خبزه، والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه، أو تلف
من عثرته، والجمال يضمن ما تلف بقوده، وسوقه، وانقطاع حبله الذى يشد به حمله، والملاح
يضمن ما تلف من يده، أو حذفه، أو ما يعالج به السفينة، روى ذلك عن عمر وعلى وعبد الله بن
(١) رواه البيهقى من طريق الأعمش عنه: أنه سئل عن القصار، فقال: يضمن. قال الأعمش: فبلغنى عن حماد: أنه یروى عن
إبراهيم، أنه قال: لا يضمن، قال: فلقيته الحديث (١٢٢:٦). (المؤلف)

١٩٩
ضمان الأجير المشترك
إعلاء السنن
عبتة وشريح والحسن والحكم، وهو قول أبى حنيفة، ومالك، وأحد قولى الشافعى، وقال فى
الآخر: لا یضمن ما لم يتعد.
قال الربيع: هذا مذهب الشافعی وإن لم یبح به، وروی ذلك عن طاوس وعطاء وزفر، لأنها
عين مقبوضة بعقد الإجارة فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة. ولنا ما روى جعفر بن محمد عن
أبيه عن على: أنه كان يضمن الصباغ والصواغ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك، ولأن عمل الأجير
المشترك مضمون عليه فما تولد منه يجب أن يكون مضمونا (١٠٦:٦).
واختلفت الرواية عن أحمد فى الأجير المشترك إذا تلف العين من حرزه من غير تعد منه، ولا
تفريط، فروى عنه لا يضمن، نص عليه فى رواية ابن منصور، وهو قول طاوس وعطاء وأبى حنيفة
وزفر وقول الشافعی، وروى عن أحمد إن كان هلاكه بما استطاع (دفعه) ضمنه، وإن كان غرقا أو
عدوا غالبا فلا ضمان، ونحو هذا قال أبو يوسف، ومحمد، والصحيح فى المذهب الأول. وقال
مالك، وابن أبى ليلى: يضمن بكل حال، لقول النبى عدّ له: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)).
(قلنا: فهل تقولون بضمان الوديعة والعارية فإنها مما أخذته اليد أيضا)؟ ولنا أنها عين مقبوضة
بعقد الإجارة لم يتلفها بفعله فلم يضمنها، كالعين المستأجرة اهـ (١١٦:٦).
قال: فأما الأجير الخاص فلا ضمان عليه ما لم يتعد، وهذا مذهب مالك، وأبى حنيفة،
وأصحابه، وظاهر مذهب الشافعى، وله قول آخر أن جمیع الأجراء یضمنون، وروی فی مسنده
عن على رضى الله عنه: أنه كان يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا.
ولنا أن عمله غير مضمون عليه فلم يضمن ما تلف به، كالقصاص، وقطع يد السارق،
وخبر على كرم الله وجهه مرسل، والصحيح فيه أنه يضمن الصباغ والصواغ، وإن روى مطلقا
حمل على هذا، فإن المطلق يحمل على المقيد اهـ (١٠٩:٦)
وفى "رد المحتار": إعلم أن الهلاك إما بفعل الأجير (المشترك) أو لا، والأول: إما بالتعدى أو
لا، والثانى: إما أن يمكن الاحتراز عنه أو لا.
ففى الأول بقسميه: يضمن اتفاقا، وفى ثانى الثانى: لا يضمن اتفاقا، وفى أوله: لا يضمن
عند الإمام مطلقا، ويضمن عندهما مطلقا.
وأفتى المتأخرون بالصلح على نصف القيمة مطلقا. وقيل: إن مصلحا لا يضمن، وإن غير
مصلح ضمن، وإن مستورا فالصلح، قال فى "الخيرية": فهذه أربعة أقوال كلها مصححة مفتى

ج - ١٦
٢٠٠
باب متى يستحق الأجير أجره؟
٥٣٧٥- عن أبى هريرة، عن النبى عّ لّه قال: ((قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم))،
وذكر فيهم رجلا استأجر أجيرا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره، أخرجه البخارى،
وقد تقدم.
وقال بعضهم: قول أبى حنيفة قول عطاء وطاوس، وهما من كبار التابعين، وقولهما قول عمر
وعلى، وبه يفتى احتشاما لعمر وعلى، وصيانة لأموال الناس. وفى "الخانية" و"المحيط" والتتمة:
الفتوى على قوله، فقد اختلف الإفتاء، وسمعت ما فى "الخيرية" وفى "المحيط": الخلاف فيما إذا
كانت الإجارة صحيحة، فلو فاسدة لا يضمن اتفاقا اهـ ملخصا (٦١:٥).
باب متى يستحق الأجير أجره؟
قوله: "عن أبى هريرة" إلى آخر الباب، قال العبد الضعيف: فى هذه الآثار ما يوضح أن
الأجير إنما يعطى أجره على عمله بعد فراغه منه، وقد أفرد صاحب "الهداية" باب الأجر متى
يستحق لما يتعلق به كثير من المسائل، يبتنى عليه جملة من الأحكام، والأحاديث التى أودعناها فى
المتن نص فيما ذهبنا إليه فى هذا الباب.
قال فى "الهداية": الأجرة لا تجب بالعقد، وتستحق بإحدى معان ثلاثة، إما بشرط
التعجيل، أو بالتعجيل من غير شرط، أو باستيفاء المعقود عليه. قال الشافعى رحمه الله: تملك بنفس
العقد، لأن المنافع المعدومة صارت موجودة حكما، ضرورة لتصحيح العقد. فثبت الحكم فيما
يقابله من البدل، ولنا أن العقد ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المنافع على ما بينا، والعقد
معاوضة، ومن قضيتها المساواة، فمن ضرورة التراخى فى جانب المنفعة التراخى فى البدل الآخر،
وإذا استوفى المنفعة يثبت الملك فى الأجرة لتحقق التسوية، وكذا إذا شرط التعجيل، أو عجل من
غير شرط، لأن المساواة يثبت حقا له، قد أبطله اهـ (٢٧٨:٣).
وذكر الموفق فى "المغنى" فى حجة مالك، وأبى حنيفة قول الله تعالى: ﴿وإن أرضعن لكم
فآتوهن أجورهن﴾، والأولين من أحاديث الباب، ثم أجاب عن كل ذلك بأنه يحتمل الإبتاء عند
الشروع فى الرضاع، أو تسليم نفسها، كما قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من
الشيطان الرجيم﴾ أى إذا أردت القراءة، وبأن هذا تمسك بدليل الخطاب، وهم لا يقولون به،
کذلك الحدیث بیان أن الأمر بالإيتاء فى وقت لا يمنع وجوبه قبله، کقوله: ﴿فما استمتعتم به منهن
فآتوهن أجورهن﴾، والصداق يجب قبل الاستمتاع. جواب آخر أن الآية والأخبار إنما وردت فيمن