Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
ج - ١٦
العلاقة الزوجية مانعة من الرجوع فى الهبة
قلت: وهذا هو محمل ما رواه عبد الرزاق عن معمر عنه، قال: رأيت القضاة يقيلون المرأة
فيما وهبت لزوجها. أى إذا كان خلبها وخدعها أو استوهب منها بكره وهوان، وهذا أولى مما قاله
الحافظ فى الجمع بينهما: إن رواية معمر عنه منقولة، ورواية يونس عنه اختياره اهـ. فإن حمل
الروايتين على الاتحاد أولى من حملهما على التضاد. قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى عدم الرجوع
من الجانبين مطلقا اهـ.
وقال الموفق فى "المغنى": فحصل الاتفاق على أن ما وهبه الإنسان لذوى رحمه المحرم غير
ولده لا رجوع فيه. وكذلك ما وهب الزوج لامرأته، والخلاف فيما عدا هؤلاء. فعندنا لا يرجع إلا
الوالد، وعندهم لا يرجع إلا الأجنبى، فأما هبة المرأة لزوجها فعن أحمد لا رجوع لها فيها. وهذا
قول عمر بن عبد العزيز والنخعى وربيعة ومالك والثورى والشافعى وأبى ثور وأصحاب الرأى،
وهو قول عطاء وقتادة، وهو ظاهر كلام الخرقى واختيار أبى بكرة اهـ ملخصا (٢٩٧:٦).
صحة شرط العوض فى الهبة والجواب عن إيراد ابن حزم عليه:
قال: فإن شرط فى الهبة ثوابا معلوما صح، نص علیه أحمد، لأنه تمليك بعوض معلوم فهو
کالبيع، وحكمها حكم البيع فى ضمان الدرك وثبوت الخيار والشفعة. وبهذا قال أصحاب الرأى،
ولأصحاب الشافعى أنه لا يصح، لأنه شرط فى الهبة ما ينافى مقتضاها، ولنا أنه تمليك بعوض
فصح، كما لو قال: ملكتك هذا بدرهم، فإنه لو أطلق التمليك كان هبة، وإذا ذكر العوض صار
- بيعا اهـ (٢٩٩:٦).
وأورد عليه ابن حزم أن البيع لا يجوز بغير ثمن مذکور، ولا بثمن مجهول، وهبة الثواب
لم یذ کر ثوابها، ولا عرف، فھی إن كانت بيعا فهی بيع فاسد حرام خبيث، وإن لم تكن بيعا فقد
بطل حكمهم لها بحكم البيع اهـ (٩: ١٢٠). قلنا: لم نقل بكونها فى حكم البيع إلا إذا
اشترط العوض وكان معلوما. قال فى "البحر": والهبة بشرط العوض هبة ابتداء بيع انتهاء. وأراد
بالعوض العوض المعين إذ فى اشتراط العوض المجهول تكون هبة ابتداء وانتهاء، لبطلان اشتراطه،
کما سیأتی اھـ (٢٩٥:٧).
وأما توحش ابن حزم من كونها هبة ابتداء وبيعا انتهاء، وكون بعض الشروط جائزا فى
الهبة وبعضها باطلا، فمنشأه الظاهرية المحضة، والبعد عن الدراية والفقه. وإلا فلا يخفى على عاقل
أنه عقد قد اشتمل على جهتين، جهة الهبة لفظا، وجهة البيع معنى، وكل ما اشتمل على جهتين

١٢٢
إعلاء السنن
باب امتناع الرجوع فى الهبة بهلاك الموهوب أو موت أحدهما
٥٢٩٦- قال الطحاوى: حدثنا صالح قال: ثنا حجاج بن إبراهيم قال: ثنا يحيى
عن الحجاج عن الحكم عن إبراهيم عن عمر، قال: "من وهب هبة لذى رحم جازت،
ومن وهب هبة لغير ذى رحم فهو أحق بها ما لم يثب منها، أو يستهلكها، أو يموت
أحدهما" (معانى الآثار ٢٤٣:٢).
أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما. لأن إعمال الشبهين ولو بوجه، أولى من إهمال أحدهما، وأن
الشروط التى تخالف مقتضى العقد تكون فاسدة، والهبة لا تبطل بها، ألا ترى أن النبى عَ لَّه أجاز
العمرى وأبطل شرط المعمر؟ بخلاف البيع، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط، كما
تقدم فى البيوع.
لا يجوز للمتصدق الرجوع فى صدقته إجماعا:
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": ولا يجوز للمتصدق الرجوع فى صدقته فى قولهم جميعا.
لأن عمر قال فى حديثه: من وهب هبة على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها.
(قلت: تقدم معناه فى المتن). وأراد عمر أن يشترى صدقته فقال له النبى عّلّه: ((لا تعد فى
صدقتك)). مع عموم أحاديثنا، فاتفق دليلهم ودليلنا، فلذلك اتفق قولهم وقولنا اهـ (٢٩٨:٦).
باب امتناع الرجوع فى الهبة بهلاك الموهوب أو موت أحدهما
أقول: استدل به الطحاوى على الباب، وفيه أن فى سنده الحجاج بن أرطاة، وهو مختلف
فيه، وقد خالف الأعمش فى السند والمتن. أما السند فلأن الأعمش رواه عن إبراهيم عن أسود
عن عمر، وأسقط الحجاج الأسود من البين. وأما المتن فإن الأعمش لم يقل فى روايته: يستهلكها
أو يموت أحدهما.
والجواب عنه أن الحجاج ثقة عندنا، وزيادة الثقة مقبولة، وإسقاط الأسود من البين غير
مضر، لا سيما إذا ثبت الاتصال من رواية الأعمش. ومع ذلك فهو مؤيد بالقياس، فيكون حجة،
لأن تجويز الرجوع بعد هلاك الموهوب إيجاب للضمان على المالك، لأنه هلك على ملكه، وهو
خلاف للأصول المعلومة من الشرع، وبموت الموهوب له ينتقل الملك إلى الوارث، ولا يصح
استرداده منه. لأنه أجنبى عن العقد. وكذ وارث الواهب بعد موته أجنبى عن العقد فلا يستحق الرجوع.

ج - ١٦
١٢٣
باب العمرى
٩٥٩٧- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا ليث عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن
جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((من أعمر رجلا عمرى له
ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهى لمن أعمر ولعقبه))، رواه مسلم.
٥٢٩٨- وحدثنا محمد بن رافع قال: ابن أبى فديك عن ابن أبى ذهب عن ابن
شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن جابر، وهو ابن عبد الله: أن رسول الله عد اله
قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهى له بتلة، لا يجوز للمعطى فيها شرط، ولا ثنيا،
رواه مسلم.
٥٢٩٩- وأخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: ثنا أبى قال: ثنا سعيد قال:
حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن جابر: أن رسول الله عد اله
قضى بالعمرى أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة، ويستثنى إن حدث بك حدث
وبعقبك فهو إلىّ وإلى عقبى أنها لمن أعطيها ولعقبه، أخرجه النسائي (١٤٠:٢).
٥٣٠٠- وحدثنى: محمد بن رافع وإسحاق بن منصور واللفظ لابن رافع قالا: نا
عبد الرزاق قال: أنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير عن جابر قال: أعمرت امرأة بالمدينة
حائطا لها ابنا لها. ثم توفى، وتوفيت بعده، وترك ولدا وله إخوة بنون للمعمرة. فقال
ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا. وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا
إلى طارق مولى عثمان. فدعا جابرا، فشهد على رسول الله عّ لّه بالعمرى لصاحبها.
فقضى بذلك طارق. ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر. فقال
عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق، فإن ذلك الحائط لبنى المعمر حتى اليوم.
باب العمرى
أقول: للعمرى ثلثة أحوال: الأولى أن يهب الرجل للرجل ويعقبه الهبة، ويقول: إن حدث
بك حدث وبعقبك فهو إلى وإلى عقبى، وحكمه مذكور فى رواية أبى سلمة عن جابر، وهو أن
الهبة صحيحة على الإطلاق، وشرط الرجوع إلى الواهب بعد فناء العقب شرط باطل. والثانية: أن
ينهب له حياته، ويشترط الرجوع إليه بعد موته، وحكمه مذكور فى رواية هشام عن أبى الزبير عن
جابر، وهو أن الشرط باطل والهبة صحيحة على الإطلاق. والثالثة: أن يطلق ويقول قد أعمرتك

١٢٤
باب العمری
إعلاء السنن
٥٣٠١- حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبى بكر، قال
إسحاق: أنا، وقال أبو بكر: نا سفيان بن عيينة عن عمرو عن سليمان بن يسار: أن طارقا
قضى بالعمرى للوارث لقول جابر عن رسول الله عّ لّه، رواه مسلم.
٥٣٠٢- وأخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا خالد عن هشام عن أبى الزبير
عن جابر، أن رسول الله عَ ليه قال: ((أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تعمروها. فمن أعمر
شيئا حیاته فهو له حیاته وبعد مماته)، أخرجه النسائی، وأخرجه الطحاوی عن یزید بن
سنان عن وهب بن جرير عن هشام، وفى الباب عن ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة
ومعاوية وزيد بن ثابت وابن الزبير، وفى ما ذكرنا كفاية.
هذا، أو هذا لك عمرى، وحكمه مذكور فى رواية ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر فى قصة
المعمرة ابنا لها حائطا لها، وهو أن الهبة بعد موت الموهوب له ملك للوارث، ولا يرجع إلى
الواهب وورثته.
فظهر منه أن ما روى مسلم عن معمر عن الزهرى عن أبى سلمة عن جابر، أنه قال: إنما
العمرى التى أجاز رسول الله عَّ ل أن يقول: هى لك ولعقبك، فأما إذا قال: هى لك ما عشت فإنها
ترجع إلى صاحبها، ليس بصحيح. لأنه صح عن جابر أنه روى عن رسول الله مرّ له أنه قال: ((من
أعمر شيئا حياته فهو له حياته وبعد مماته)) كما عرفت، فكيف يقول هو: إنما العمرى التى أجاز
رسول الله عَّ طِّ أن يقول: هى لك ولعقبك؟ وكيف يقضى فى قصة المعمرة لابن المعمر؟ مع أنها
لم تقل لابنها: إنها لك ولعقبك بعدك، إذ لو قالت ذلك لم يتصور النزاع، ومنشأ الغلط: أن
الزهرى فهم من قول جابر: إن رسول الله عَّ الله قال: ((من أعمر رجلا عمرى فهى له ولعقبه)) إلخ أن
قوله فيه: ((له ولعقبه)) تفسير للعمرى مطلقا، أو خرج مخرج الشرط للحكم المذكور فى الحديث،
وبناء على هذا الظن روى عن جابر أنه قال: ((إنما العمرى التى أجاز رسول الله عَّ له أن يقول هى
لك ولعقبك». ثم فرع عليه قوله: فأما إذا قال: هی لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. وقد
عرفت أنه خطأ، والحق أنه ليس بتفسير لمطلق العمرى، ولا خرج مخرج الشرط، بل هو لبيان
صورة خاصة للعمرى، والمعنى أنه إن وقع العمرى على هذا الوجه فحكمه كذا، ليس المعنى أنه
ليس هذا الحكم إلا فى هذه الصورة، فتنبه له واحفظه. فإنه نافع جدا ولم أر من تعرض لدفع هذا
الاعتراض بهذا النمط، وأجاب الطحاوى عن قوله فى حديث أبى سلمة: ((له ولعقبه)) بما لا يدفع
الاعتراض، إن شئت الاطلاع عليه فارجع إلى "معانى الآثار" (٢٤٩:٢).

ج - ١٦
باب العمرى
١٢٥
هذا کلامنا من حیث الرواية، وأما من جهة الدراية، فهو أنه لا فرق بين قوله: إن حدث بك
حدث وبعقبك فهو إلى وإلى عقبى، وبين قوله: إذا مت أنت فهو إلى وإلى عقبى، من جهة النظر،
فینبغی أن یکون حکمهما واحدا.
الرد على بعض الأحباب فى تغليطه الزهرى فى الرواية:
قال العبد الضعيف: حاصل كلام بعض الأحباب من جهة الرواية: أن الزهرى روى عن
سلمة عن جابر قوله: "إنما العمرى التى أجاز رسول الله عَّ له أن يقول: هى لك ولعقبك"، بالمعنى
الذی فهمه من كلامه، ولیس هذا(١) لفظ جابر نفسه، ولا يخفى أن هذه دعوی لا بد لها من دلیل،
ومجرد الاحتمال العقلی لا یجدی فی النقل، ولو راجع مشکل الآثار ومختصره لم یبن كلامه على
الاحتمال، ولم ينسب إلى الزهرى ما هوى برئ منه عند الفحول من الرجال.
قال الطحاوى: واحتج الآخرون بما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن أبى سلمة
عن جابر، قال: إنما العمرى التى أجاز رسول الله مَّ لّ إلخ. قال معمر: كان الزهرى يفتى بذلك،
وهذا الحديث عند مخالفيهم من كلام الزهرى، فغلط فيه عبد الرزاق، فجعله عن معمر عن
الزهرى (عن أبى سلمة عن جابر)، واستدلوا على ذلك بأن من هو أحفظ من عبد الرزاق، وهو ابن
المبارك قد رواه عن معمر بخلاف ذلك، فقال فيه: عنه عن الزهرى عن أبى سلمة عن جابر، أخبره
أن رسول الله صَ لّه قضى أنه من أعمر رجلا عمرى فهى الذى أعمرها ولورثته من بعده دل على
ذلك قول قتادة: حدثنى النضر عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة: ((أن رسول الله عَ لَّه قال
العمرى جائزة)).
فقال الزهرى: إنها لا تكون عمرى حتى تجعل له ولعقبه. فقال عطاء: حدثنى جابر أن
رسول الله عَ ◌ّه قال: ((العمرى جائزة)) أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" والنسائى فى " مجتباه"
(١) وأما ابن حزم فقال: إن المسند منه إلى رسول الله صَّة إنما هو إن العمرى التى أجاز رسول الله عنه أن يقول: هى لك ولعقبك.
أما باقى لفظ الخبر فمن كلام جابر، ولا حجة فى أحد دون رسول الله عليه، وقد خالف جابرا ههنا ابن عباس وابن عمر
وغيرهما كما ذكرنا قبل اهـ (١٦٧:٩). وبالجملة فرواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن أبى سلمة عن جابر قد أشكلت
على العلماء قديما وحديثا، لا سيما وقد صح عن جابر أنه قال: من أعمر شيئا فهو له أبدا، كما سيأتى. فالظاهر أن ما رواه عبد
الرزاق عن معمر عن الزهرى هو من قول الزهرى، لا من قول جابر، قد أخطأ عبد الرزاق فى إسناده، والله تعالى أعلم.

١٢٦
باب العمرى
إعلاء السنن
مفصلا. ولفظ النسائى: أخبرنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام ثنى أبى عن قتادة قال: سألنى
سليمان بن هشام عن العمرى، فقلت: حدث محمد بن سيرين عن شريح قال: قضى نبى الله عَ ليه
أن العمرى جائزة، قال قتادة: وقلت: حدثنى النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة أن
نبى الله عَّه قال: ((العمرى جائزة)). قال قتادة: وقلت: كان الحسن يقول: العمرى جائزة.
قال قتادة: فقال الزهرى: إنما العمرى إذا أعمر وعقه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده
كان للذى يجعل شرطه. قال قتادة: فسئل عطاء بن أبى رباح، فقال: حدثنى جابر بن عبد الله أن
رسول الله عَّ قال: ((العمرى جائزة)). قال قتادة: فقال الزهرى: كان الخلفاء لا يقضون بهذا. قال
عطاء: قضی بها عبد الملك بن مروان اهـ (١٤:٢). وهذا سند صحیح، فلو كان عند الزهرى عن
جابر ما أسنده عبد الرزاق عنه، لذكره فى حجته، ولم يقتصر على ما قاله برأيه).
قال الطحاوى: ففى سكوت الزهرى عن الرد عليه دليل على أن العقب ليس فى حديث
جابر من حديث أبى سلمة، كما ليس هو فى حديث جابر من حديث عطاء، وقد جاء مفسرا من
رواية أبى الزبير المكى عن جابر، قال: قال رسول الله عَ له: ((من أعمر عمرى حياته فهى له
وبعد وفاته)). فعلم أن العمرى المروية عن النبى معَّ له ليس فيها لعقب المعمر ذكر، وأنها تجرى
بخلاف ما اشترطه المعمر فيها، وأن شرطه فيها كلا شرط، وقد دل على ذلك حديث ابن عمر
أيضا فى الرقبى والعمرى، وأن ابن عمر أفتى بذلك لما سأله رجل وهب ناقة لرجل حياته، فنتجت.
قال: هى له وأولادها، قال: فسألته بعد ذلك، فقال: هى له حيا ميتا. لأنهم أجمعوا أنه إذا جعلها له
ولعقبه فمات المجعول له عن زوجة، أنها ترث منهما، وتباع فی دینه، وتنفذ فيها وصاياه، و کل
ذلك دل على أن الشرط غير معتبر، إذ لو اعتبر لم تخرج عنه إلى غيره، وفى خروجها عنه إلى غيره
عقبا کان أو غیر عقب دلیل علی أنها تخرج عنه فى الأحوال كلها. وقد روی حدیث العمری عن
رسول الله عَّ غير واحد من الصحابة، كمعاوية وزيد بن ثابت وأبى هريرة وسمرة اهـ من
"المعتصر" (٢٥٨:١).
.. أى ولم يقل أحد منهم ما قاله الزهرى، ولم يروه أحد من أصحاب جابر عنه، ولا أحد من
أصحاب أبى سلمة عنه عن جابر، ولا من أصحاب الزهرى عن أبى سلمة عنه، ولا من أصحاب
معمر، غير عبد الرزاق، فإنه هوى الذى أسند قول الزهرى عنه عن أبى سلمة عن جابر، وغيره
يرويه عن الزهرى ممن قوله: لا يعتداه، وهو الصواب.

ج - ١٦
باب العمرى
١٢٧
قلت: ونظيره ما رواه مسلم من طريق مالك عن الزهرى عن أبى سلمة عن جابر مرفوعا:
((أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذى أعطيبها، لا ترجع إلى الذى أعطاها، لأنه أعطى عطاء
وقعت فيه المواريث)). وله نحوه من طريق ابن جريج عن الزهرى. (وظاهره أن التعليل من كلام
النبى معَّهِ). وله من طريق الليث عنه، فقد قطع حقه فيها وهى لمن أعمر ولعقبه، ولم يذكر التعليل
الذى فى آخره، وبين من طريق ابن أبى ذئب عن الزهرى أن التعليل من قول أبى سلمة. قال الحافظ
فى "الفتح": وقد أوضحته فى "كتب المدرج" اهـ (١٧٦:٥).
إذا قال: دارى لك عمرى سكنى، لم يكن هبة بل عارية:
هذا هو حکم العمری، وأما إذا قال: داری لك سکنی، أو داری لك عمری سکنی، كان
عارية لا هبة. لأن معناه: سكناها لك مدة عمرك، صرح به فى عارية الهداية، ويؤيده ما رواه ابن
حزم فى المحلى: روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم أنا المغيرة ابن مقسم، قال: سألت
إبراهيم النخعى عمن أسكن آخر دارا حياته فمات المسكن والمسكن؟ قال: ترجع إلى ورثة المسكن،
فقلت: أليس يقال: من ملك شيئا حياته فهو لورثته من بعده؟ فقال إبراهيم: إنما ذلك فى العمرى.
وأما السكنی، والغلة، والخدمة، فإنها ترجع إلى صاحبها، وهو قول سفيان الثوری والحسن بن حی
والأوزاعى ووكيع اهـ (١٦٥:٩).
واحتج من ذهب مذهب مالك فى العمرى بقوله عَّ له: ((المسلمون عند شروطهم)).
والجواب: أن هذا إذا كان شرطا مباحا اعتبره الشرع، وشرط العمرى أبطله النبى عّ لّه، كما هو
نص الأحاديث التى ذكرناها فى المتن، وبما روى ابن وهب، بلغنى عن عبد الرحمن بن القاسم بن
محمد بن أبى بكر الصديق: أن عائشة أم المؤمنين كانت تعمر بنى أخيها حياتهم، فإذا انقرض
أحدهم قبضت مسكنه، فورثنا نحن ذلك كله اليوم عنها (المحلى ١٦٥:٩).
والجواب: أنه مرسل، ولو صح ذلك عنها لكان قد خالفها ابن عباس وابن عمر وجابر وزيد
ابن ثابت وعلى بن أبى طالب على ما أورد ابن حزم عنهم، وسيأتى، ويحتمل أنها كانت تقول:
دارى لكم عمرى سكنى، وليس هذا بعمرى حقيقة، بل عارية، كما مر آنفا، ولم يذكر ابن وهب:
لفظ عائشة رضى الله عنها. وإنما قال: إنها كانت تعمر بنى أخيها. وهذا مجمل، فإن الإعمار قد
يكون مطلقا، وقد يكون مقيدا بالسكنى، فلا حجة فيه أصلا، ونظيره ما ذكره البيهقى أن الذى
روى أن حفصة أسكنت دارها ابنة زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما ماتت ابنة زيد، قبض ابن عمر

١٢٨
باب العمری
إعلاء السنن
المسكن، ورأى أنه له، ورد فى العارية دون العمرى، واستدل به أبو عمر فى التمهيد على أن
مذهب ابن عمر فى العمرى خلاف مذهبه فى الإسكان. وقال فى التمهيد: جماعة أهل الفتوى
على الفرق بين العمرى والسكنى اهـ من "الجوهر النقى" (٤١:٢). ولكن بعض الرواة رواه بلفظ:
أعمرت، مکان قوله: اسکنت، ولذلك احتاج البیهقی إلی تأويله بأنه لم یرو فى العمرى، ولو سلم
فهو خلاف كل ما صح عن رسول الله مرّ وعن الصحابة وجمهور العلماء ومرسلات كثيرة.
قال ابن حزم: روينا من طريق وكيع نا شريك عن عبد الله بن محمد بن الحنفية عن أبيه،
قال: قال على بن أبى طالب: العمرى بتات، ومن خير فقد طلق. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر
عن عمرو بن دينار عن طاوس عن حجز الدرى عن زيد بن ثابت قال: العمرى للوارث، ومن
طريق معمر عن أيوب السختيانى عن نافع، سأل رجل ابن عمر عمن أعطى ابنا له بعيرا حياته. فقال
ابن عمر: هو له حياته وموته. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن أبى الزبير عن طاوس
عن ابن عباس قال: من أعمر شيئا فهو له. وصح أيضا عن جابر بن عبد الله: من أعمر شيئا فهو له
أبدا، وعن شريح وقتادة وعطاء بن أبى رباح ومجاهد وطاوس وإبراهيم النخعى اهـ (١٦٥:٩).
وقال الموفق فى "المغنى": إن العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن عبد الله
وابن عمر وابن عباس ( وزيد بن ثابت ) وشريح ومجاهد وطاؤس والثورى والشافعى وأصحاب
الرأى ، وروى ذالك عن على. وقال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع ، لا تملك بها رقبة
المعمر بحال، ويكون للمعمر السكنى ، فإذا مات عادت إلى المعمر ، واحتجا بما روى يحيى بن
سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم ، قال : سمعت مكحولا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى:
ما يقول الناس فيها ؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم فى أموالهم وما أعطوا،
وقال إبراهيم بن إسحاق الحربى عن ابن الأعرابى: لم يختلف العرب فى العمرى والرقبى والإفقار
والإخبال والمنحة والعربية والعارية والسكنى والإطراق أنها على ملك ربابها ، ومنافعها لمن جعلت
له، ولأن التمليك لا يتأقت ، كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت حمل قوله على تمليك المنافع،
لأنه يصح توقيته.
ولنا ما روى جابر، فذكر ما ذكرناه فى المتن من الآثار. ثم قال: وقد روى مالك حدیث
العمری فی "موطائه"، وهو صحیح. رواه جابر وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت
وأبو هريرة، وقول القاسم لا يقبل فى مخالفة من سمينا من الصحابة والتابعين، فكيف يقبل فى
جـ
فا
8
F

١٢٩
ج - ١٦
باب الرقبی
٥٣٠٣- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا خالد عن داود بن أبی هند عن
أبى الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله عَ له: ((الرقبى لمن أرقبها)) أخرجه النسائي،
وأخرج نحوه عن زيد بن ثابت وابن عمر مرفوعا.
٥٣٠٤- وأخبرنا أحمد بن سليمان قال: ثنا يعلى قال: ثنا سفيان عن أبى الزبير
عن طاوس عن ابن عباس قال: لا يحل الرقبى، ولا العمرى، فمن أعمر شيئا فهو له،
ومن أرقب شيئا فهو له (النسائى).
مخالفة قول سيد المرسلين؟ ولا يصح أن يدعى إجماع أهل المدينة، لكثرة من قال بها منهم، وقضى
بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك بن مروان اهـ (٣٠٦:٦) (رواه مسلم).
وقول ابن الأعرابى: "إنها عند العرب تمليك المنافع" لا يضرنا، فإن تمليك المنافع قد تكون
بتمليك الرقبة، وقد تكرن بدونها، والظاهر من الأحاديث النبوية أنه ما كان مقصود العرب
بالعمرى إلا تمليك الرقبة بالشرط المذكور فجاء الشرع بمراغمتهم، فصحح العقد على لغة الهبة
المحمودة، وأبطل الشرط المضاد لذلك، كما أبطل شرط الولاء لمن باع عبدا فى قصة بريرة، لكونه
مؤديا إلى توقيت التمليك، فأبطل الشرع توقيتبها وجعلها تمليكا مطلقا، فافهم.
باب الرقبی
أقول: النصوص المذكورة صریحة فی أن الرقبی جائزة کالعمری، وهو مذهب أبی یوسف،
وروى عن أبى حنيفة أن الرقبى باطلة، فإن كان معناه أن الهبة صحيحة ونافذة على الإطلاق،
وشرط الرجوع إلى الواهب، أو إلى وارثه بعد موت الموهوب له باطل، فلا كلام، وإن كان معناه
أن الرقبى باطلة، والهبة ليست بصحيحة، فمحمله أن يكون ملك الموهوب له فيها معلقا بموت
الواهب، وحينئذ لايعارض حكم البطلان حكم الجواز المذكور فى الروايات، لأن الحكم المذكور
فى الروايات إنما هو إذا كان ملك الموهوب له منجزا، لكن يشترط فيه الرجوع إلى الواهب بعد
موت الموهوب لهِ، وحكم البطلان فى قول أبى حنيفة إذا كان ملك الموهوب له معلقا بموت
الواهب قبله، فلا تعارض.
قال مجاهد: العمرى أن يقول الرجل للرجل: هو لك ما عشت، فإذا قال ذلك فهو له
ولورثته، والرقبى هو أن يقول الإنسان: هو للآخر منى منك، أخرجه أبو داود فى "سننه"

١٣٠
باب الرقبې
إعلاء السنن
٥٣٠٥- وأخبرنا أحمد بن سليمان، قال: أخبرنا عبيد الله عن إسرائيل عن عبد
الكريم عن عطاء، قال: نهى رسول الله عَ ليه عن العمرى والرقبى. قلت: ما الرقبى؟ قال:
يقول الرجل للرجل: هى لك حياتك، فإن فعلتم، فهو جائزة (النسائى).
٥٣٠٦- وأخبرنا محمد بن حاتم، قال: أخبرنا حبان قال: أخبرنا عبد الله عن عبد
الملك بن أبى سليمان عن عطاء، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من أعطى شيئا حياته فهو
له حیاته وموته». (النسائی)
(٣٢٠:٣). وكذا قال عبد الله بن عمر: والرقبى أن تقول: هى الآخر منى ومنك، رواه الطبرانى فى
"الأوسط"، وفيه راو اختلف فيه، وثقه ابن معين فى رواية كما فى "مجمع الزوائد" (١٥٧:٤).
ولا يخفى أن الرقبى بهذا المعنى باطل، لأن فيه تعليق الملك على الخطر، هذا هو قول أبى
حنيفة ومحمد، وما قال عطاء هو قول أبى يوسف فالنزاع لفظى، راجع إلى تفسير الرقبى.
قال العبد الضعيف: قال الطحاوى فى "مشكله": المسألة مختلف فيها، فقال أبو حنيفة
ومحمد بن الحسن: هى أى الرقبى قول الرجل للرجل: قد جعلت دارى هذه رقبى لك، إن متَ
قيلى فهى لى، وإن متُ قبلك فهى لك، وهى كالعارية عندهما، وذكر عبد الرحمن بن القاسم
جوابا لأسد لما سأله عن قول مالك: أن مالكا يعرفها ففسرها بالتفسير المذكور. فقال: لا خير فيها،
والذى ذكرناه عنهما وعن مالك ليس بصحيح عندنا، لأنه كان ينبغى لهم أن يجروها مجرى
الوصية للمرقب، لأن الوصية كذلك تكون، وقد حكى القاضى أبو الوليد أن مذهب مالك
وأصحابه أنها معتبرة من الثلث. وفى "المدونة" على خلاف هذا التفسير، لذلك قال: لا خير فيها،
وقالت طائفة منهم الثورى وأبو يوسف والشافعى: هى أن يقول: قد ملكتك دارى هذه على أن
نتراقب فيها، فإن متَ قبلى رجعت إلىّ، وإن متُ قبلك سلمت لك، فيكون التراقب حينئذ فى
الرجوع إلى صاحبها، لا فى نفس التمليك، فتكون للمرقب غير راجعة إلى المرقب فى حال، وهذا
أولى القولين عندنا اهـ من "المعتصر" (٢٥٧:١).
تفسير الرقبى على قول الإمام والرد على من رجح قول أبى يوسف فى الباب:
قلت: وهو قول أبى حنيفة ومحمد لو كان تفسير الرقبى ما ذكره هؤلاء، ولو كان معناه أن
هذه الدار لآخرهما موتا لكان باطلا اتفاقا، لأن الرقبى تمنع ثبوت التمليك ابتداء على تفسيرهما
إياها، وبهذا اندحض ما قال صاحب غاية البيان فى هذا المقام: إن عندى قول أبى يوسف أصح إذ

ج - ١٦
باب الرقبی
١٣١
غاية ما فى الباب أن يقال: الشرط فاسد، ولا يلزم من فساد الشرط فساد الهبة، لأن الهبة لا تبطل
بالشروط الفاسدة، كما فى العمرى انتهى. أقول: فيه نظر، لأن الهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة إذا
لم يمنع الشرط ثبوت التمليك ابتداء، وأما إذا منع ذلك فلا مجال لصحة الهبة به، ضرورة امتناع
تحقق الهبة دون تحقق التمليك، وفيما نحن فيه يمنع الرقبى ثبوت التمليك ابتداء. يؤيد هذا ما ذكره
صاحب "الكافی" حیث قال: وصح العمری للمعمر له حال حياته ولورثته من بعده، ولو قال:
دارى لك رقبى أو حبيس، فهو باطل عند محمد وأبى حنيفة خلافا لأبى يوسف، والأصل أن
الشرط فى الهبة إذا كان يمنع ثبوت الملك للحال يمنع صحة الهبة، وإن كان لا يمنع ذلك صح الهبة،
ويبطل الشرط، ثم تفسير العمری أن یقول: جعلت هذه الدار لك عمرك، فإذا مت فھی رد على،
فيصح الهبة، لأن هذا الشرط لا يمنع أصل التمليك، وتفسير الرقبى أن يقول: هذه الدار لآخرنا موتا
وهى المراقبة، فهى باطلة، لأن هذا الشرط يمنع ثبوت الملك للحال اهـ ملخصا من "تكملة فتح
القدير" (٥١٦:٧).
وفى "المغنى": وقال الحسن ومالك وأبو حنيفة: الرقبى باطلة؛ لما روى أن النبى عَّ أجاز
العمرى وأبطل الرقبى، ولأن معناها أنها للآخر منا موتا، وهذا تمليك معلق بخطر، ولا يجوز تعليق
التمليك بالخطر، ولنا ما روينا من الأخبار، وحديثهم لا نعرفه، ولا نسلم أن معناها ما ذکروه، بل
معناها أنها لك حياتك، فإن مت رجعت إلى فتكون كالعمرى سواء اهـ (٣١٢:٦). قلنا: أما
الأخبار التى رويتموها فلا ننكر أن الرقبى قد تستعمل بمعنى العمرى، فإذا كان كذلك، وقامت
قرينة على إرادة معنى التمليك للحال، فلا شك أن حكمهما سواء، وإنما النزاع فيما إذا لم تقم
قرينة. وقال: أرقبتك هذه الدار، أو جعلت دارى لك رقبى فهو يحتمل أن يكون المراد هو للآخر
منى ومنك كما قاله مجاهد وغيره، فلا يكون تمليكا بالشك، بل عارية، لأنها أدنى ما يحتمله
اللفظ، فيحمل على المتيقن، فافهم.
حکی ابن حزم قول أبى حنيفة فى الرقبی کقول الجمهور:
وأما ابن حزم فلم يذكر خلاف أبى حنيفة فى الباب، بل جعل قوله كقول الجمهور. ونصه:
العمری والرقبی هبة صحیحة تامة يملكها المعمر والمرقب، کسائر ماله، يبيعها إن شاء، وتورث عنه،
ولا ترجع إلى المعمر وإلى ورثته، سواء اشترط أن ترجع إليه أو لم يشترط، وشرطه لذلك ليس
بشىء. والعمرى أن يقول: هذه الدار، أو هذه الأرض، أو هذا الشىء عمرى لك، أو قد أعمرتك

١٣٢
إعلاء السنن
باب مكافأة الهدية
٥٣٠٧- حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى
الله عنها، قالت: كان رسول الله عَّ طلم يقبل الهدية ويثيب عليها. لم يذكر وكيع
ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة (البخارى). قلت: عيسى ثقة، وزيادة الثقة
مقبولة، ولهذا أخرجه البخارى فى "الصحيح". وقوله: "لم يذكر وكيع ومحاضر عن
هشام عن أبيه عن عائشة" ليس للقدح فى الحديث المسند، بل للتنبيه على أنه روى
مرسلا أيضًا، ولم يتنبه له الشوكانى، فقال: وقد أعل حديث عائشة المذكور بالإرسال.
قال البخارى: لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة، وفيه إشارة
إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، وقال الترمذى والبزار: لا نعرفه إلا من
حدیث عیسی بن يونس، وقال أبو داود: تفرد بوصله عیسی بن یونس وهو عند الناس
مرسل اهـ (النيل ٢٤٠:٥)، فتنبه له.
إياها وهى لك عمرك. أو قال: حياتك، أو قال: رقبى لك، أو قد أرقبتكها. كل ذلك سواء، وهو
قول أبى حنيفة والشافعى وأحمد وأصحابهم، وبعض أصحابنا، وهو قول طائفة من السلف، فذكر
الآثار ومنها عن ابن عباس بسند صحيح قال: العمرى والرقبى سواء. وعن على بن أبى طالب
نحوه (١٦٤:٩).
باب مكافأة الهدية
أقول: المكافاة مستحبة عندنا، وليست بواجبة، واحتج بعض المالكية وغيرهم بهذا الحديث
على أنها واجبة، لأن النبى معَّه واظب عليها، وهو استدلال فاسد لأنه لا دليل فيه على المواظبة،
ولو دل الحديث على المواظبة على الثواب، لدل على المواظبة على قبول الهدية بالأولى، والمواظبة
على قبول الهدية منتفية. لأنه ثبت أنه رد بعض الهدايا لعذر من الأعذار، فلما لم يثبت المواظبة على
قبول الهدية. فكيف يثبت المواظبة على الثواب؟ فدعوى المواظبة باطلة، وقد قبل عدّ له هدايا الملوك
من الكفار، كالمقوقس وهرقل وكسرى وغيرهم، ولم يثبت أنه أثابهم، ولو سلم فالمواظبة على
الإثابة لا يدل على الوجوب، لأنه يمكن أن يكون منشأ هذه المواظبة المرؤة والإحسان، دون
الوجوب، فكان من جنس المواظبة على العادات، وهى لا تدل على الوجوب اتفاقا ..
وقال الشوكانى تبعا لابن حجر: ذهبت الحنفية والشافعى فى الجديد أن الهبة للثواب باطلة،

ج - ١٦
١٣٣
باب تصرف المرأة فى مالها بدون إذن الزوج
٥٣٠٨- حدثنا یحیی بن بکیر عن اللیث عن یزید عن بکیر عن کریب مولی ابن
عباس، أن ميمونة بنت الحارث رضى الله عنها أخبرته أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن
النبى عَّةٍ، فلما كان يومها الذى يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله! إنى
أعتقت وليدتى، قال: أو فعلت؟ قالت: نعم! قال: ((أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان
أعظم لأجرك))، رواه البخاری.
لا تنعقد. لأنها بيع مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع (النيل ٢٤١:٥). ولم أر هذا فى كلام
الحنفية، وقال فى "الدر المختار": وقيد العوض بكونه معينا لأنه لو كان مجهولا بطل اشتراطه
فيكون هبة ابتداء وانتهاء، اهـ (٥٤٣:٤). وهذا يدل على أن جهالة العوض مو جبة لسقوطه،
وليست بمبطلة الهبة.
قال العبد الضعيف: هذا إذا كان شرط العوض مذكورا فى الهبة. وأما إذا لم يكن مذكوراً،
بل وهب هبة مطلقة بنية الثواب فهى صحيحة عندنا من غير تردد. وللواهب الرجوع فى هبته ما
لم يثبت منها. كما مر بما لا مزيد عليه. وأما قوله معرّ له: ((تهادا تحابوا)) فلودل على وجوب الثواب
لدل على وجوب الإهداء ابتداء، ولا قائل به. نعم! فيه دلالة على جواز الإهداء بنية الثواب لأن
التهادی لا یکون إلا من الجانبین، فافهم.
باب تصرف المرأة فى مالها بلا إذن زوجها
أقول: دل الحديث على أن تصرف المرأة فى مالها بدون إذن زوجها جائرة. وهو مذهب أبى
حنيفة والجمهور. ولكن منهم من خصص الحكم بما إذا كانت المرأة رشيدة غير سفيهة، وأما إذا
كانت سفيهة فلا يجوز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾.
والجواب عنه أن الخطاب فيه للأولياء، والزوج ليس من أولياء المرأة، فلا يكون له حق المنع.
وقال مالك: لا يجوز تصرفها فى أزيد من الثلث. وقال طاوس: لا يجوز مطلقا، واحتج له بحديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: لا يجوز عطية امرأة فى مالها إلا بإذن زوجها. أخرجه
أبو داود والنسائى. والجواب عنه أن عدم الجواز فيه ليس بمعنى عدم الصحة والبطلان أو الحرمة، بل
بمعنى عدم الابتغاء والأولوية، والقرينة عليه أدلة الجواز والصحة.
فإن قلت: إذا كان الزوج أجنبيا عن مالها وعن نفسها فى غیر ما يتعلق بالنكاح، فما الوجه

١٣٤
تصرف المرأة فى مالها بدون إذن الزوج
إعلاء السنن
فى عدم الابتغاء والأولوية؟ قلنا: العلة فيه أنه يمكن أن يكون فى العطية ضررا للمرأة أو الزوج،
فتدب الشارع المرأة أن تستشير فيها الزوج، للاحتراز عن ذلك الضرر الذى يمكن أن يعود إليها أو
إلى زوجها، وأيضا فيه ترغيب إلى إطاعة الزوج واسترضائه، والاجتناب عن مساءته كما لا يخفى،
بالجملة ليس فى الحديث إبطال لتصرفها بدون إذن الزوج ولا تحريم له، وإنما فيه ترغيب فى
الاستشارة فقط، والله أعلم.
الرد على ابن حزم:
قال العبد الضعيف: وبهذا التقرير اندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى": والعجب من قلة
الحياء فى احتجاجهم بهذا الخبر (فى رجوع الواهب)، وصارت رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده حجة، وهم يروون الرواية التی لیست عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أحسن منها،
فذكر حديثه مرفوعا: ((لا يجوز لامرأة أمر فى مالها إذا ملك زوجها عصمتها))، وغير هذا كثير
جدا لم يردوه إلا بأنه صحيفة. فأى دين يبقى مع هذا؟ اهـ ملخصا (١٣٢:٩).
فقد عرفت أنا لم نرده بأنه صحيفة، ولا بأنه ضعيف لا يصلح حجة، وإنما حملناه على
محمل حسن للجمع بين الروايات، وليس هذا من التلبيس فى شىء، فإن الجمع بين مختلف
الحديث لم يزل من دأب العلماء قديما وحديثا، لم يسلم منه ابن حزم أيضا، مع كثرة رده
للأحاديث بالطعن فى رواتها والقدح فى أسانيدها بالإرسال مرة والإعضال أخرى.
قال الطحاوى: فى حديث ابن عباس وجابر وحكيم بن حزام فى أمره عّ لّه النساء
بالصدقات، وفى حديث ميمونة المذكور فى المتن: فلو كان أمر المرأة لا يجوز فى مالها بغير إذن
زوجها لم يقبل الصدقات منهن، وانتظر رأى أزواجهن ولرد رسول الله ◌ّله عتاقها، وصرف
الجارية إلى الذى هو أفضل من العتاق، فكيف يجوز لأحد أن يترك آيتين(١) من كتاب الله عز وجل
وسننا ثابتة عن رسول الله عڅآ متفق علی صحة مجيئها إلى حدیث شاذ (فرد ليس له شاهد،
ولا متابع) لا يثبت مثله؟ (لاختلاف المحدثين فى الاحتجاج بروايته). ثم النظر بعد ذلك يدل على ما
ذكرنا، وذلك أنا رأيناهم لا يختلفون فى المرأة فى وصاياها من ثلث مالها أنها جائزة من ثلثها،
كوصايا الرجال، ولم يكن لزوجها عليها فى ذلك سبيل ولا أمر. وبذلك نطق الكتاب العزيز قال
(١) أراد بهما قوله عز وجل: ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا﴾ وقوله: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح).

ج - ١٦
تصرف المرأة فى مالها بدون إذن الزوج
١٣٥
الله عز وجل: ﴿من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ فإذا كانت وصاياهن فى ثلث مالها جائزة بعد
وفاتها فأفعالها فى مالها (١) فى حياتها أجوز من ذلك، فبهذا نأخذ، وهو قول أبى حنيفة وأبى
يوسف ومحمد رحمهم الله أجمعين اهـ (٤٠٤:٢).
الجواب عن حجة مالك فى الباب:
واحتج مالك بما رواه ابن أبى شيبة، نا وكيع عن إسماعيل بن خالد وزكريا ابن أبى زائدة
كلاهما عن الشعبى عن شريح، قال: عهد إلى عمر بن الخطاب أن لا أجيز عطية جارية حتى تلد
ولدا أو تحول فى بيتها حولا. ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا إسماعيل بن أبى خالد نا
الشعبى، قال: قال شريح: أمرنى عمر بن الخطاب أن لا أجيز لجارية مملكة عطية حتى تحيل فى بيت
زوجها حولا، أو تلد ولدا ومن طريق مجالد عن الشعبی قال: قرأت كتاب عمر إلی شريح بذلك،
وذلك أن جارية من قريش، قال لها أخوها وهى مملكة: تصدقى على بميراثك من أبيك ففعلت، ثم
طلبت ميراثها فرده عليها، ومن طريق داود بن أبى هند عن خلاس بن عمرو، قال: وكتب عمر بن
الخطاب: "لا تجيزوا نحل امرأة بكر حتى تحيل حولا فى بيت زوجها، أو تُلد ولدا". ومثله عن
محمد بن سيرين عند ابن أبى شيبة وحماد بن سلمة اهـ (٣١٠:٩).
قلنا: محمله على أن الجارية المملكة لا تنحل ولا تهب برضاها، بل بكره أو هوان. ويحتمل
أن يكون المراد بالجارية من لم تبلغ الحلم فإنه يقال للبالغة المرأة، وأكثر ما يطلق الجارية على من لم
تبلغ، يؤيد ذلك ما رواه ابن أبى شيبة نا عهيد الله بن عثمان بن الأسود عن عطاء ومجاهد قالا
جميعا: لليتيمة خناقان لا يجوز لها شىء فى مالها حتى تلد ولدا أو تمضى عليها سنة فى بيت
زوجها، وهو قول قتادة والشعبى اهـ من "المحلى" (٣١٠:٩). ولا يتم بعد احتلام أو حيض،
والظاهر من عوائد العرب أنهم كانوا يزوجون بناتهم قبل بلوغهن المحيض والمراهقة تحيض غالبا
ببقاءها سنة عند زوجها. وإذا ولدت فلا يبقى فى بلوغها شك، يوضح ذلك قول إبراهيم: إذا
ولدت الجارية أو ولد مثلها جازت هبتها، رواه ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن المغيرة عنه،
فقوله: أو ولد مثلها، دليل على ما قلنا، أى إذا بلغت المحيض. والله تعالى أعلم. وأيضا فلا دلالة فيه
(١) وللخصم أن يقول: إن المانع فى الحياة قيام عصمة الزوج وهى تنقطع بالوفاة فافترقا. والجواب أن عقد الوصية يكون فى الحياة
. ولا يكون بعد الوفاة إلا نفاذها، فينبغى أن تجوز وصية المرأة فى مالها إلا بإذن الزوج ولا قائل به. (المؤلف)

١٣٦
تصرف المرأة فى مالها بدون إذن الزوج
إعلاء السنن
على ما قاله مالك من عدم جواز تصرفها فى أزيد من الثلث، لأن عمرو من ذكرنا معه أبطلوا فعل
الجارية جملة قبل أن تلد، أو تبقى فى بيت زوجها سنة، ثم أجازه بعد ذلك جملة، ولم يجعل
للزوج فى شىء من مالها مدخلا، ولا حد ثلثا من أقل ولا أكثر.
وأما ما روى عن أنس بن مالك: أنه لا يجوز لذات زوج عطية فى شىء من مالها إلا بإذن
زوجها، وعن أبى هريرة قال: لا يحل للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها إلا بإذنه، وأن صفية بنت
أبى عبيد كانت لا تعتق ولها ستون سنة إلا بإذن ابن عمر، فليس فيه دليل على أنه كان لا یری لها
ذلك جائزا دون إذنه، لكنه على حسن الصحبة فقط.
رؤيا عجيبة صادقة:
قال ابن حزم: وروينا. من طريق حماد بن سلمة أنا يونس بن عبيد عن محمد ابن سيرين: أن
امرأة رأت فيما يرى النائم أنبها تموت إلى ثلاثة أيام، فأقبلت على ما بقى من القرآن عليها فتعلمته،
وشذبت مالها (أى فرقته) وهى صحيحة لما كان يوم الثالث دخلت على جاراتها، فجعلت تقول:
يا فلانة! استودعك الله، واقرأ عليك السلام، فجعلن يقلن لها: لا تموتين اليوم، لا تموتين
اليوم، إن شاء الله، فماتت. فسأل زوجها أبا موسى الأشعرى عن ذلك فقال له أبو موسى: أى امرأة
كانت امرأتك؟ فقال: ما أعلم أحدا كان أحرى منها أن تدخل الجنة إلا الشهيد، ولكنها فعلت
ما فعلت، وهى صحيحة، فقال أبو موسى: هى كما تقول فعلت ما فعلت، وهى صحيحة،
فلم يرده أبو موسى.
ومن طريق حماد بن سلمة عن عدى الكندى، قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن
المرأة تعطى من مالها بغير إذن زوجها، فكتب: أما هى سفيهة أو مضارة فلا يجوز لها، وأما هى
غير سفيهة ولا مضارة فيجوز، وعن ربيعة قال: لا يحال بين المرأة وبين أن تأتى القصد فى مالها فى
حفظ روح، أو صلة رحم، أو فى مواضع المعروف، إذا لم يجز للمرأة أن تعطى من مالها شيئا كان
خيرا لها أن لا تنكح، وأنها إذا تكون بمنزلة الأمة، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى،
قال: إذا أعطت المرأة من مالها فى غير سفه ولا ضرار جازت عطيتها وإن كره زوجها. ومن طريق
حماد بن سلمة عن قيس هو ابن سعد، قال: قال عطاء بن أبى رباح: تجوز عطية المرأة فى مالها.
وأما ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: جعل عمر بن عبد العزيز إذا قالت: أريد أن
أصل ما أمر الله به وقال زوجها: هى تضارنى فأجاز لها الثلث فى حياتها (المحلى ٣١٢:٨).

ج - ١٦
تصرف المرأة فى مالها بدون إذن الزوج
١٣٧
فمحمول على المريضة إذا وهبت فى مرضها فإنها لا تكون مضارة لزوجها إلا كذلك،
لتعلق حقه بمالها فى المرض، وأما وهى صحيحة فلا، كما سيأتى فى هبة المريض من باب الوصية،
إن شاء الله تعالى.
الجواب عن حجة أخرى للمالكية:
واحتجت المالكية أيضا بأن قالوا: صح عن النبى معَّ له: (( تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها
ودينها)) قالوا: فإذا نكحها لمالها فله فى مالها متعلق اهـ.
قلنا: وأين فيه الثلث الذى حددتموه؟ ولو صح لكان موجبا للمنع من قليل مالها وكثيره،
وأيضا فليس فيه التغبيط بذلك، ولا الحض عليه، بل فيه الزجر عن أن تنكح لغير الدين. لقوله
عليه السلام فى هذا الخبر نفسه: (فاظفر بذات الدين)) فقصر أمره على ذات الدين، فصار من
نكح لمالها غير محمود فى نيته. وهب أنه مباح مستحب. فأى دليل فيه على أنها ممنوعة من مالها
بكونه أحد الطماعین فی مال لا يحل له منه شىء إلا ما یحل من مال جاره، وهو ما طابت له به
نفسها ولا مزيد؟ وبما رواه الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة: قيل لرسول
الله ◌َّهِ: أى نساء خير؟ قال: ((الذى تسره إذا نظر، وتطعه إذا أمر، ولا تخالفه فى نفسها ومالها بما
یکره» (المحلی ٣١٥:٨).
والجواب أن يحيى بن بكير رواه عن الليث وهو أوثق الناس فيه، عن ابن عجلان عن سعيد
المقبرى عن أبى هريرة عن النبى معَّهِ، فقال فيه: ((ولا تخالفه فى نفسها وماله بما يكره)). وهكذا
رواه النسائى بلفظ: وتخفظه فى نفسها وماله، ثم لو صح "ومالها" دون معارض، لما كان لهم فى
تلك الرواية متعلق، لأن هذا اللفظ إنما فيه الندب فقط، دون الإيجاب.
وقد روى الشيخان من حديث أم عطية وأبی سعید وابن عباس: أن رسول الله ے ◌ّ كان
يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، وكان يقول: ((تصدقوا تصدقوا)، وكان أكثر من يتصدق النساء.
فهذا أمر النبى معَِّ النساء بالصدقة عموما، نعم. وجاء ((ولو من حليكن)، وفيهن العواتق
المخدرات ذوات الآباء وذوات الأزواج. فما خص منهن بعضا دون بعض، وفيهن المقلة والغنية. فما
خص مقدار دون مقدار، وهذا آخر فعله عليه السلام وبحضرة جميع الصحابة وآثار ثابتة،
ولله الحمد.

١٣٨
إعلاء السنن
باب عدم الإنفاق المرأة من مال زوجها بدون إذنه
٥٣٠٩- عن ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم سمعت أبا أمامة قال: سمعت
رسول الله عَ ليه: ((لا تنفق المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها))، قيل: يا رسول الله عّ لّه!
ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا، أخرجه أبو داود وسكت عليه.
باب عدم إنفاق المرأة من مال زوجها بدون إذنه
أقول: معنى قوله: "من بيتها" عندنا من مال زوجها، لأنها مطلقة فى مال نفسها بالملك،
وأهلية الصرف، وعدم ولاية الزوج عليها فى غير ما يرجع إلى النكاح، وما روى البخارى عن أبى
هريرة عن النبى ◌ّ أنه قال: ((إذا أنفقت امرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره))
فمحمول على عدم الإذن الصريح، لا الأعم من الصريح والدلالة، وفيه حث للمرأة على ترك
البخل إذا كانت تعلم من زوجها الرضاء بما أنفقت. ولذا قال فى حديث عائشة: ((إذا أنفقت المرأة
من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها بما كسب)). أخرجه البخارى
أيضا، لأن قوله: "غير مفسدة" يدل على أنه لا بد فيه من إذن الزوج ولو دلالة، لأنه معلوم من
العادة أن الزوج لا ينكر على المرأة ما أنفقت غير مفسدة، وينكر على خلافها. وعليه يحمل ما
روى عن أسماء بنت أبى بكر أنها قالت: يا رسول الله! ليس لى شىء إلا ما أدخل على الزبير.
فهل على جناح أن أرضخ مما يدخل على؟ فقال: ((ارضخى ما استطعت ولا توعى فيوعى الله
علیك)) متفق عليه.
وفى لفظ: أنها سألت النبى مُّ أن الزبير رجل شديد، ويأتينى المسكين فأتصدق عليه من
بيته بغير إذن، فقال رسول الله عَ ليه: ((إرضخى ولا توعى فيوعى الله عليك)). رواه أحمد (النيل
٢٥٤:٥). لأنه معرّه كان يعلم من عادة ذلك الزمان عموما، ومن عادة الزبير خصوصا أن الزبير
لا يمنعها من مثل ذلك الإنفاق، فأفتاها به حثا لها على الإنفاق وترك البخل، مع كونها مأذونة فى
الإنفاق من جهة زوجها، ولهذا قال: لا توعى فيوعى الله عليك، وحديث ابن عمر صريح فى ما
قلنا، فتأمل.
الرد على ابن حزم فى قوله: إن للمرأة حقا أن تتصدق من مال زوجها أحب أو كره:
قال العبد الضعيف. وأغرب ابن حزم حيث قال: وللمرأة حق زائد وهو أن لها أن تتصدق
من مال زوجها أحب أم كره، وبغير إذنه غير مفسدة، وهى مأجورة بذلك، ولا يجوز له أن

ج - ١٦
عدم إنفاق المرأة من مال زوجها بدون إذنه
١٣٩
٥٣١٠- عن ابن عمر عن النبى عّ لّه أن امرأة أتت فقالت: ما حق الرجل على
امرأته؟ فقال: ((ولا تمنعها نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا يعطى عن بيته شيئا إلا
بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر)). الحديث أخرجه أبو داود الطيالسى
عن جریر عن لیث عن عطاء عن ابن عمر (مسند الطیالسی ص ٢٦٣)، وسنده حسن.
يتصدق من مالها بشىء أصلا إلا بإذنها، واحتج بما رواه الشيخان من طريق همام عن أبى هريرة:
((إذ أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فإن نصف أجره له)). غفل عن حديث عائشة أم
المؤمنين عن النبى معَّه قال: ((إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها (وفى لفظ: من طعام زوجها) غير
مفسدة كان لها أجرها، ولزوجها بما كسب، وللخازن مثل ذلك)). رواه الشيخان، فهل يقول ابن
حزم وللخازن حقا فى مال رب البيت يتصدق منه بغير إذنه؟ كلا! لن يقول بذلك أبدا، ولم يقل به
أحد من فقهاء الأمصار، فكذلك المرأة لا يجوز لها أن يتصدق بشىء من ماله إلا بإذنه صريحا أو
دلالة، وأما بغير إذنه لا سیما وهی تعلم بکراهته لذلك فلا.
قال ابن العربى: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها. فمنهم من أجازه،
لكن فى الشىء اليسير الذى لا يؤبأ به، ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن
الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخارى، ولذلك قيد الترجمة بالأمر به، ويحتمل أن
يكون بذلك محمولا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة
المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال فى مصالحه. (سماه بعض الرواة صدقة، لأن
كل معروف صدقة). وليس ذلك بأن يفتاتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم
من فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق فى مال الزوج، والنظر فى بيتها، فجاز لها أن
تتصدق، بخلاف الخادم، فليس له تصرف فى متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه، وهو متعقب بأن
المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت من فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت
المسألة كما كانت، والله تعالى أعلم اهـ من "فتح البارى" (٢٩٣:٣).
قلت: فلنا أن نحمل حديث أبى هريرة وعائشة على ما إذا استوفت المرأة حقها، فتخصصت
به وتصدقت منه، من غير أمر الزوج، فله نصف أجره بما كسب. وأما إذا لم تستوف حقها ولم
تتخصص به فلا يجوز لها أن يتصدق من غير حقها بغير إذنه، بدليل ما ذكرنا من الآثار فى المتن،
والأولى أن يحمل حديث أبى هريرة وعائشة رضى الله عنهما على العادة، أى إذا تصدقت المرأة أو
الخادم بما جرت العادة بالإذن بمثله، بدليل ما رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن مورق العجلى، أن

١٤٠
إعلاء السنن
باب جواز هبة الدین ممن علیه الدین
٥٣١١- قال البخارى: وقال شعبة عن الحكم: هو جائز.
رسول الله عَّه سألته امرأة: ((ما يحل للنساء من أموال أزواجهن))؟ قال: الرطب تأكلينه وتهدينه)).
ومن طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن زياد عن النبى ◌ّه مثله، إلا أنه قال: "الرطب"
بفتح الراء وإسكان الطاء (هو ضد اليابس).
وفى الأول بضم الراء وفتح الطاء (وهو الجنى من ثمر النخل) ومن طريق ابن عباس أن امرأة
قالت له: آخذ من مال زوجى فأتصدق به؟ قال: الخبز والتمر، قالت: فدراهمه؟ قال: أتحبين أن(١)
يتصدق عليك؟ قالت: لا، قال: فلا تأخذى دراهمه إلا بإذنه أو نحو هذا (المحلى ٣١٩:٨)، وهذا
هو قولنا معشر الحنفية.
قال محمد فى "الموطأ": أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: المملوك وماله لسيده لا يصلح
للمملوك أن ينفق من ماله شيئا بغير إذن سيده إلا أن يأكل، أو يكتسى، أو ينفق بالمعروف. قال
محمد: وبهذا نأخذ. وهو قول أبى حنيفة، إلا أنه يرخص له (٢) فى الطعام الذى يؤكل أن يطعم منه،
وفى عارية الدابة ونحوها. فأما هبة دراهم أو دينار أو كسوة ثوب فلا وهو قول أبى حنيفة رحمه
الله اهـ(ص٤٠٢). وإذا رخص للمملوك فى ذلك فالمرأة أولى به منه فى مال زوجها كما لا يخفى.
وأما ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال نا يزيد بن زريع نا يونس بن عبيد عن
الحسن، قال رجل لرسول الله عَّ له: صاحبتى تتصدق من مالى، وتطعم من طعامى. قال: ((أنتما
شريكان)) (أى فى الأجر)، قال: أرأيت إن نهيتها عن ذلك؟ قال: لها ما نوت ولك ما بخلت.
فلا حجة له فيه؛ لأنه محمول عندنا على أنها كانت تتصدق بما جرى العرف بالإذن فى
مثله، وأما قوله: لها ما نوت، ولك ما بخلت، فلا يدل على جواز تصدقها من ماله بعد نهيه عنه،
بل المراد أنك لو نبهيتها فانتهيت يكون لها أجر النية وإن حرمت أجر العمل. ويكون عليك وزر
البخل، فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون ..
باب جواز هبة الدین ممن علیه الدین
قوله: قال البخارى إلى آخره. قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن من كان عليه دين
(١) أى أترضى بأن يتصدق زوجك بدراهمك بغير إذنك؟ قالت: لا، والمعنى لا تتصدقى بغير إذنه إلا بما ترضى أن يتصدق به من
مالك بغير إذنك، وهذا هو المصير إلى العادة، كما قلنا. (المؤلف)
(٢) دليل الترخيص ما ورد فى الصحيح أنه مر للر قبل هدية سلمان وهو عبد، وما ورد أنه كان يجيب الداعى ولو عبدا.