Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
التكاثر﴾ ويقول: يقول ابن آدم: مالى مالى. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو
لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)) (المحلى ٩: ١٢١)، وسنده صحيح أيضًا.
المنهال، نا المعتمر بن سليمان التيمى سمعت عيسى بن المسيب يحدث أنه سمع القاسم بن عبد
الرحمن بن مسعود عن أبيه عن جده عبد الله، قال: "الصدقة جائزة قبضت أو لم تقبض" اهـ. ففيه
عيسى بن المسيب ضعفه يحيى والنسائى والدار قطنى وأبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان وأبو داود،
كما فى "الميزان" (٣١٧:٢).
العجب من احتجاج ابن حزم بعيسى بن المسيب:
فالعجب ممن لا يحتج بابن أرطاة وابن لهيعة وابن إسحاق وغيرهم ممن اختلف فيهم أن
يحتج بعيسى بن المسيب. قال: ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن جابر الجعفى عن
القاسم بن عبد الرحمن، قال: كان على ابن أبى طالب وابن مسعود يجيزان الصدقة وإن لم تقبض.
قال: فهذا إسناد كإسناد حديث معاذ، وتلك المتقطعات اهـ (١٢٥:٩).
قلت: كلا، بل لما رواه جابر عن معاذ بن جبل شواهد من قول أبى بكر وعمر وعثمان
وعائشة رضى الله عنهم، وليس لما رواه عن القاسم على وابن مسعود شاهد أصلا، وضعيف له
شاهد، أقوى وأرجح منه إذا لم يكن له شاهد، كما تقرر فى الأصول، ولو سلم، فهو محمول على
الوقف لكثرة إطلاق الصدقة عليه، كما لا يخفى وبه نقول: إن الوقف يتم بقوله: وقفت كذا على
كذا، وإن لم يقبض، أو على صدقة الرجل على ولده الصغير، وذلك بالإعلام يتم، لأنه يصير قابضا.
له كما مر "المبسوط" (١٤٨:١٢).
قال: ومن طريق ابن أبى شيبة، نا وكيع عن همام عن قتادة عن الحسن البصرى عن النضر
ابن مالك، قال: نحلنى أبى نصف داره، فقال أبو بردة: إن سرك أن تحوز ذلك فاقبضه، فإن عمر
قضى فى الإنحال ما قبض منه فهو جائز، وما لم يقبض منه، فهو ميراث، قال: فهذا أنس بأصح
سند لا يرى الحرز شيئا اهـ.
قلت: وأين فيه ذلك؟ فهل قال أنس: إن النحلة تجوز بدون القبض، وغاية ما فيه أنه نحل ابنه
نصف الدار، وهذه قضية فعل لا عموم لها، وتحتمل الوجوه، منها أن يكون وهبه لنظر وهو صبى
لم يبلغ الحلم فظن أن قبضه له كقبضه وظن أبو بردة أنه وهبه له بعد البلوغ، ومنها أن يكون قد
أخر القبض لعذر، ولم تقل بوجوب إمضاء الهبة على الفور، بل للواهب أن يمضيها متى شاء،

٨٢
القبض فى الهبة
ج - ١٦
٥٢٧٠- ومن طريق ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله هو
العزرمى عن عمرو بن شعيب وابن أبى مليكة وعطاء بن أبى رباح قال عمرو: عن سعيد
بن المسیب ثم اتفق سعید وعطاء وابن أبى ملیکة، أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن عباس
وابن عمر رضى الله عنهم، قالوا: لا تجوز صدقة حتى تقبض (المحلى ١٢٢:٩).
والحارث والعزرمى ضعيفان من قبل الحفظ، وكانا صالحين، ولم يتهما بالكذب،
وقال ابن عدى فى الحارث: "هو ممن يكتب حديثه"، وأما العزرمى فقد روى عنه
الأجلة مثل شعبة والثورى وشريك وأبى الأحوص وغيرهم، ولما روياه شواهد.
وبالجملة فلم يثبت عن أنس ما يدل صريحا على خلاف ما ثبت عن أبى بكر وعمر وعثمان رضى
الله عنهم، فقول الجمهور أقوى ما يكون فى هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
قوله: ومن طريق ابن وهب إلخ، دلالته على معنى الباب ظاهرة.
الجواب عن إيراد ابن حزم:
ورده ابن حزم لما فى الحارث والعزرمى من الضعف. وقد عرفت صحة الرواية بذلك عن
أبی بکر وعمر وعثمان رضی الله عنهم، والضعيف إذا تأید بشاهد تقوی وصلح للاحتجاج به،
ويشهد له أيضا ما رواه الطبرانى فى "الأوسط" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ له: ((أيما
رجل نحل ابنه فبان به الابن، فاحتاج الأب فالابن أحق به. إن لم یکن بان به الابن فالأب أحق به»،
وفيه رشد بن كريب ضعيف "مجمع الزوائد" (١٥٣:٤). قلت: هو مختلف فيه، قال ابن عدى:
أحاديثه مقاربة لم أر فيها منكرا جدا، ومع ضعفه يكتب حديث (التهذيب ٢٧٩:٣). ودلالته على
اشتراط القبض لتمام الهبة ولزومها ظاهرة، وإلا لم يكن لقوله: فبان به الابن معنی.
قوله: ومن طريق عبد الرزاق إلى آخر الباب، دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة، وشريح
ومسروق والشعبى من أجلة التابعين الكبار، وهم أعرف الناس بقضايا أبى بكر وعمر وعثمان
وعلى رضى الله عنهم، مسروق من أخص الناس بعبد الله بن مسعود فالظاهر أنهم أخذوا ذلك عن
هؤلاء، وفيه تأييد لما رواه العزرمى وغيره عن الخلفاء وغيرهم من الصحابة، والله تعالى أعلم.
بحث هبة المشاع:
فائدة: فى هبة المشاع: قال فى "المبسوط": إذا وهب الرجل للرجل نصيباً مسمى من دار
غير مقسومة، وسلمه إليه مشاعا، أو سلم إليه جميع الدار لم يجز. وهذا فيما يحتمل القسمة.

٨٣
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
٥٢٧١- ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن جابر الجعفى عن القاسم
وأما ما لا يحتملها تجوز هبته مشاعا اهـ ملخصا (٦٤:١٢ و٦٥)، واحتجوا له بقول أبى بكر
لعائشة رضى الله عنهما: ((فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان ذلك لك))، وفيه دليل على أن الهبة لا
تتم إلا بتمام القبض، لأبا بكر رضى الله عنه أبطل هبة لعدم القبض والحيازة جميعا، والمراد بالحيازة
القسمة والإفراز، لأنه يقال حاز كذا، أى جعله فى حيزه بقبضه وحاز كذا، أى جعله فى حيزه
بالقسمة، ولو حملناه على القبض هنا كان تكرارا لدلالة قوله: جددتيه على القبض، وحمل اللفظ
على ما يستفاد به فائدة جديدة أولى من حمله على التكرار، ولما كان أكثر الروايات بلفظ أن أبا
بكر كان نحل عائشة جداد عشرين وسقا من ماله بالغابة، وظاهره أنه وهبها مشاعا.
هبة المشاع لا تكون باطلة عند الإمام بل متوقفة على القسمة:
قال صاحب المبسوط: فيه دليل على أن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تكون باطلة. لأن
أبا بكر رضى الله عنه باشرها، ولكن لا يحصل الملك إلا بعد القسمة. كما لا يحصل الملك إلا بعد
القبض. ولا نقول: الهبة قبل القبض باطلة(١). قال: وفيه دليل أن التسليم كالتمليك المبتدأ، لأن أبا
بكر رضى الله عنه امتنع من ذلك لمرضه، فإن المريض ممنوع من إيثار بعض ورثته بشىء من ماله
بطريق التبرع. (لا يقال: إيثار الأب بعض ولده بشىء من ماله لا يجوز فى الصحة أيضا. لأنا
نقول: يجوز بالإجماع أن يخص بعضهم لمعنى تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو
كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه. فالظاهر أن أبا بكر رضى الله عنه أنما خصها فى الصحة
بهبة لحاجتها، وعجزها عن الكسب والتسبب فيه، وحظرها عن النكاح بعد النبى معَّ دٍ، مع
اختصاصها بفضلها، و کونها أم المؤمنين زوج رسول الله مێ، وغير ذلك من الفضائل). وفيه دليل
على أن حق الوارث يتعلق بمال المريض مرض الموت اهـ (٥٠:١٢).
وبقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "ما بال أقوام ينحلون أولادهم فإذا مات الآبن قال
الأب: مالی وفى يدى، وإذا مات الأب قال: قد كنت نحلت ابنى كذا وكذا، لا نحل إلا لمن حازه
وقبضه عن أبيه". رواه عبد الرزاق عن عمر عن الزهرى عن عروة، أخبرنى المسور بن مخرمة وعبد
الرحمن ابن عبد القارى أنهما سمعا عمر يقول، فذكره، (المحلى ١٢٢:٩). فقوله: "لا نحل إلا لمن
حازه وقبضه" دليل على أن الهبة لا تصح إلا بتمام القبض وكماله بالتقرير الذى مر ذكره، والقبض
(١) وهذا أولى مما قاله بعض الأحباب: إن هبة المشاع فاسدة. (المؤلف)

٨٤
ج - ١٦
القبض فى الهبة
ابن عبد الرحمن، " كان معاذ بن جبل لا يجيز الصدقة حتى تقبض"، ورويناه من طريق
مع الشيوع ثابت من وجه دون وجه، لأن القبض أن يصير الشىء فى حيض القابض، والمشاع فى
حيزه من وجه، وفى حيز شريكه من وجه، فلا يتم القبض إلا بأن يقبضه محوزا مفرزا لا مشاعا.
وأيضا فإن شرط القبض منصوص عليه فى الهبة، فيراعى وجوده على وجه أكمل، كشرط استقبال
القبلة فى الصلاة لما كان منصوصا عليه يشترط ذلك فيه، حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته،
والحطيم من البيت من وجه دون وجه، وهذا لأن الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتا مطلقا.
وبدون الإطلاق لا يثبت الكمال "المبسوط" (٦٥:١٢). وهذا بخلاف ما لا يحتمل القسمة
كالعبد والرحا ونحوهما. فإن كمال قبضه بالمهاياة بين الشريكين عرفا، فلا يعد قبضه بالقسمة
قبضا كاملا بل مفسدا ناقصا، كما لا يخفى.
ويدل على اشتراط كمال القبض قوله عَّ له: ((أيما رجل نحل ابنه نحلا فبان به الابن، فالابن
أحق به، وإن لم يكن بان به الابن، فالأب أحق به))، رواه الطبرانى فى "الأوسط" عن عباس،
وسنده حسن كما مر، ولا يخفى أن البينونة بالموهوب لا تتصور إلا إذا كان محوزا مفرزا، وهو
يحتمل القسمة، وهو القياس فى المشاع الذى لا يقسم إلا أن هناك ضرورة، لأن الواهب يحتاج
إلى هبة بعضه، ولا حكم للهبة بدون القبض، والشياع مانع من القبض الممكن للتصرف، ولا سبيل
إلى إزالة المانع بالقسمة، لعدم احتمال القسمة. فمست الحاجة إلى الجواز، وإقامة صورة التخلية
مقام القبض الممكن من التصرف، ولا ضرورة هنا، لأن المحل محتمل للقسمة، فيمكن إزالة المانع
من القبض الممكن بالقسمة (البدائع ١٢:٦).
الجواب عن حجة الخصم فى جواز هبة المشاع:
واحتج الشافعى رحمه الله ومن وافقه بما رواه ابن أبى شيبة، نا وكيع نا شريك عن إبراهيم
ابن المهاجر عن قيس بن أبى حازم، قال: أتى رجل رسول الله عَ لّه بكبة شعر من الغنيمة، فقال:
يا رسول الله! هبها لى، فإنا أهل بيت نعالج الشعر، فقال عليه الصلاة والسلام: ((نصيبى منها لك))،
قال ابن حزم: وهم أى الحنفية يحتجون بالمرسل، وبرواية شريك وإبراهيم بن المهاجر، فما صرفهم
عن هذا الخبر؟ (٢٥١:٩).
قلت: ولكنك لا تحتج بالمرسل ولا بهؤلاء، فأى حجة لك فى هذا الأثر؟ والحديث أخرجه
أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، قال: ((كان رسول الله عَ ◌ّه إذا أصاب

٨٥
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
وكيع عن سفيان بإسناده وزاد فيه: "إلا الصبى بين أبويه"، وفيه جابر الجعفى مختلف
فیه، والقاسم لم يسمع من معاذ.
غنيمة أمر بلالا، فنادى فى الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك
بزمام من شعر. فقال: يا رسول الله! هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة. فقال: ((أسمعت بلالا ينادى
ثلاثا؟)) قال: نعم، قال: ((وما منعك أن تجىء به؟)) فاعتذر إليه، فقال: ((كن أنت تجىء به يوم
القيامة فلن أقبله عنك)) مع "العون" (٣: ٢١). وكتب يزيد بن معاوية إلى أهل البصرة: "سلام
عليكم، أما بعد فإن رجلا سأل رسول الله عرّ له زمامًا من شعر من مغنم. فقال رسول الله عد له:
(سألتنى زماما من نار لم يكن لك أن تسألنى، ولم يكن لى أن أعطيه))، رواه أبى داود فى
"المراسيل" (الترغيب ص ٢٣٨).
وهذه كانت عادته مّ أنه كان لا يعطى أحدا شيئا من الغنيمة قبل أن تقسم. روى أحمد
عن عبادة بن الصامت أنه أخبر معاوية حين سأله عن الرجل الذى سأل رسول الله عَ ◌ّه عقالا قبل
أن يقسم، فقال النبى مرّ له: ((أتركه حتى يقسم أو نقسم. ثم إن شئت أعطيناك عقالا، وإن شئت
أعطيناك مرارا)) وفيه راو لم يسم (مجمع الزوائد ٣٣٨:٥) قلت: وله شواهد فهو صالح للاعتضاد.
وكل ذلك خلاف ما رواه إبراهيم بن المهاجر عن قيس بن أبى حازم مرسلا، أنه عَ لّه قال
فى كبة الشعر: ((نصیبی منها لك))، فلعله وهم فيه، والصحيح ما رواه أبو داود ابن حبان عن عبد
الله بن عمرو متصلا بسند رجاله ثقات، ولو سلم فإنما قال ذلك رسول الله عَ ظله على وجه المبالغة
فى النهى عن الغلول، أى لا أملك إلا نصيبى فكيف أطيب لك هذه الكبة من الغنيمة، ألا ترى أنه
ليس لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة، لأنه لا يدرى أين يقع نصيبه؟ أو كان ذلك مما
لا يحتمل القسمة، فالكبة من الشعر إذا قسمت على جند عظيم لا يصيب كل واحد منهم ما ينتفع
به (المبسوط ٦٦:١٢)، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده فى هذه القصة: فقام رجل فى يده كبة من الشعر فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة لى
فقال عَّهِ: ((ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لك)). فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا إرب لی فيها،
ونبذها، اهـ (١٥:٣). فهذا صريح فى أن الرجل لم يفهم من قوله هذا إرادة الهبة له مشاعا، بل فهم
المبالغة فى النهى عن أخذ شىء من الغنيمة قبل القسمة، والله تعالى أعلم.
وبما روى البخارى تعليقا عن أسماء بنت أبى بكر الصديق أنها قالت للقاسم بن محمد بن
أبى بكر ولعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر: "إنى ورثت عن أختى عائشة رضى الله

٨٦
ج - ١٦
القبض فى الهبة
٥٢٧٢- ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا مجالد عن الشعبى: "أن
عنها مالا بالغابة، وقد أعطانى معاوية بها مأة ألف، فهو لكما". قال ابن حزم بعد ما صحح الأثر:
فهذه هبة تعيين مكثرين مشاعة، اهـ (١٥١:٩). ولا حجة له فيه لأن المال الذى كان بالغابة يحتمل
أن يكون مما يقسم، ويحتمل أن يكون مما لا يقسم وعلى كلا التقديرين لا يرد علينا. لأنه إن كان
مما لا يقسم فلا نزاع، لأننا نجوزه وإن كان مما يقسم فالعبرة للشيوع عند القبض لا وقت العقد.
حتى لو وهب مشاعا وسلم مقسوما يجوز (العينى فى شرح البخارى ٢٩٠:٦). فلا حجة فيه
للخصم ما لم يثبت أن أسماء سلمته إليهما مشاعا، ودونه خرط القتاد، فمعنى قولها "هو لكما"
أى جعلته لكما، فاقسماه بينكما على السوية واقبضاه مقسوما.
قال ابن حزم: وصدقات الصحابة على بنييهم وبنى بنيهم بغلة أوقافهم أشهر من الشمس
صدقة أو هبة بمشاع اهـ. قلنا: ولكن الموقوف لم يكن مشاعا بل عقارا معلومة أو أرضا متعينة،
وهذا هو شرط صحة الوقت لا كون غلته مقسومة. كيف؟ والغلة تكون معدومة عند الوقف،
والهبة والتصدق بالمعدوم باطل اتفاقا، فالموقوف إنما هو العقار والعرض، وهى غير مشاعة، فافهم.
وأيضا فالوقف شبيه الوصية عندنا وشتان بين الهبة والوصية، فإن الهبة تمليك بلا عوض فى الحال،
والوصية فى المآل، ولكل منهما أحكام مختلفة، فلا يصح قياس إحداهما على الأخرى.
الجواب عن احتجاج الخصم بقصة سبى هوازن على جواز هبة المشاع:
وبما ورد فى قصة وفد هوازن من قوله مّ له: ((ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم)) قال
البخارى: وقد وهب النبى معَّه وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم وهو غير مقسوم "فتح البارى"
(١٦٦:٥). قلنا: إن كان المراد أنهم وهبوا قبل القسمة السبى بينهم، فليس هذا من الهبة فى شىء،
لأن ملك الغانمين لا يثبت فى الغنيمة قبل قسمتها وإنما يثبت لهم الاستحقاق فقط. ولهذا لم يجز
بيعها قبل القسمة، كما تقدم فى باب بيع المغانم من الجهاد، إنما هو رد سبيهم إليهم على وجه المن،
ورد الشىء لصاحبه لا يسمى هبة، وإن كان المراد أنهم وهبوا الجملة للجملة، أى جملة السبى
الجملة القوم من غير أن يفرز نصيب كل واحد من الموهوب لهم على حدة، فالجواب أن الوفد
کانوا و کلاء للقوم، فوهب کل واحد من المسلمین ما كان عنده من السبی لمن هو له، وسلمه إلى
الوفد لكونهم وكلاء، وليس هذا من هبة المشاع فى شىء بل هو هبة محوز مفرز لرجل معلوم،
وغاية ما فيه أنهم لم يسلموا الموهوب إلى الموهوب له بل سلموه إلى وكيله. وهذا لا يستلزم

٨٧
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
شريحا ومسروقا كانا لا يجيزان صدقة إلا مقبوضة، وكان الشعبى يقضى بذلك".
الشيوع، كما لا يخفى، وإنما الشيوع أن يوهب جزء شائع من المجموع، كالنصف والثلث
والربع ونحوه، ولم یکن هبة النبی مێے وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم كذلك، بل رد كل
واحد منهم ما أصابه من السبى، وهو معلوم متعين إلى من هو له، وهو معلوم أيضا، ولكنه لم
يحضر مجلس الرد وحضره و کیله، فكان ماذا؟ وقد صرح الحافظ فى "الفتح": بأن وفد هوازن
إنما أتوا بعد ما قسم النبى معَّ ◌ُّ السبى والأموال بين المسلمين، ذكره عن موسى بن عقبة وابن
إسحاق والواقدی (٢٦:٨ و ٢٧).
قال: وورى مسلم من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعا حدثه أن
عبد الله بن عمر حدثه: أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله مَّ له وهو بالجعرانة بعد أن رجع من
الطائف فقال: يا رسول الله! إنى نذرت فى الجاهلية أن اعتكف يوما فى المسجد الحرام فكيف
ترى؟ قال: ((اذهب فاعتكف يوما، وكان رسول الله عَّ اللّه أعطاه جارية من الخمس فلما أعتق رسول
الله عَّ ◌ُلِّ سبايا الناس قال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها)). وفى المغازى لابن
إسحاق عن أبى وجرة يزيد بن عبيد السعدى، أن رسول الله م ◌ُله أعطى من سبى هوازن على بن
أبى طالب جارية يقال لها ريطة بنت حبان بن عمير. وأعطى عثمان جارية يقال لها زينب بنت
خناس وأعطى عمر قلابة، فوهبها لابنه، قال ابن إسحاق فحدثنى نافع عن ابن عمر، قال: بعثت
جاريتى إلى أخوالى فى بنى جمح ليصلحوا لى منها، فإذا الناس يشتدون. قلت: ما شانكم؟ قالوا:
رد علينا رسول الله عَ ليه نساءنا وأبناءنا. فقلت: دونكم صاحبتكم فهى فى بنى جمح، فانطلقوا
فأخذوها، اهـ (٢٨:٨ و٢٩).
فهل هذا هبة السبى وهو غير مقسوم؟ كلا! بل هو هبة محوز مفرز معلوم، لو سلمنا أن الرد
كان بطريق هبة. والحق أنه كان بطريق المن وحقيقته الإطلاق ورفع الملك كالإقالة فى البيع، كما
قال رسول الله عَّ لأهل مكة يوم الفتح: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)). والأسير إذا أطلقه الإمام بطريق
المن لا يكون موهوبا لأحد ولا مملوكا له، بل يبقى حرا كما كان، وإنما من رسول الله عَ لّه على
هؤلاء السبى لإسلام آباءهم وأزواجهم، دل على ذلك قوله مرّ له: ((هؤلاء قد جاءوا مسلمين أو
تائبين فردوا عليهم سبيهم))، ولا بأس بالمن على الأسير إذا أسلم قومه، لزوال المانع، وهو خشية
عودته حربا علينا، كما مر فى كتاب الجهاد بالجملة، فإنه عدّ له كان قد ندب أصحابه إلى المن على
هؤلاء أو أخذ الفداء، فرضوا بالمن، وليس هذا من الهبة فى شىء، وإلا لزم كون النساء المردودات

٨٨
ج - ١٦
القبض فى الهبة
٥٢٧٣- قال: هشيم وأخبرنى مطرف هو ابن ظريف عن الشعبى قال: الواهب
إليهم إماء لهم لا أزواجا، ولم يقل به أحد، والعجب من البخارى وابن حزم وغيرهما من العلماء
كيف خفى ذلك عليهم وهو أظهر من الشمس؟ والله يهدى من يشاء على صراط مستقيم.
وقد احتج محمد رحمه الله فى "السير الكبير" بقصة سبى هوازن على اعتبار رضاء
المسلمين فى المفاداة، بقوله معد له: ((هؤلاء قوم قد جاءوا مسلمين فردوا عليهم سبيهم ومن أبى ذلك
فله علينا مكان كل رأس ستة فرائض، نعطيه من أول غنيمة نصيبها))(١) "شرح السير" (٣٣٩:٣).
قال: ألا ترى أنه طلب رضاءهم، ومن أبى التزم له عوضا، حتى ردهم على قومهم اهـ. وفيه دلالة
على أن الرد إليهم كان على وجه المن دون الهبة ولا الإعتاق.
الفرق بين المن والهبة والإعتاق والمفاداة والبيع:
والفرق أن فى المن امتناعا من التملك إن لم يكن ثبت الملك للغانمين، أو فسخا للملك، ورفعا.
له إن كان ثبت بالقسمة، بخلاف الهبة، فإن فيه إثباتا لملك الغير برفع ملك نفسه بخلاف الإعتاق،
فإن فيه إزالة الملك بعد ثبوته، لا رفعه من الأصل، وبهذا ظهر الفرق بين المفاداة والبيع. فإن البيع
معاوضة المال بالمال تمليكا، وتملكا بالتراضى، بخلاف المفاداة، فلا يشترط فيه تمليك ولا تملك،
وإنما هو تخليص واستخلاص، لأن المفاداة قد تقع بما ليس بمال كالحر، وقد يكون بمال، والذى
يفدى لا يملك من يفديه، ألا ترى أن عباسا فأدى عقيلا فى البدر ولم يملكه، والمشركون فأدوا
أنفسهم، ولم يكن ذلك إعتاقا بالمال، بل امتناعا من التملك وردا لأنفسهم كما كانوا من قبل، قاله
بعض الأحباب، وقد أحسن وأجاد وأصاب.
الجواب عن احتجاج البخارى لهبة المشاع بحديث سهل بن سعد:
واحتج البخارى على صحة هبة المشاع بحديث سهل بن سعد: أن النبى معَّ لآ أتى بشراب
فشرب، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: ((أتأذن لى أن أعطى هؤلاء؟))، فقال
الغلام: لا أوثر بنصيبى منك أحدا، فتله فى يده. قال الحافظ فى "الفتح": وقد اعترض الإسماعيلى
بأنه ليس فى حديث سهل ما ترجم به وإنما هو من طريق الإرفاق، وأطال فى ذلك، والحق كما قال
(١) رواه البخارى ومسلم نحوه إلا قوله: ومن أبى ذلك فله علينا إلخ، فأخرجه ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
كما فى "الفتح البارى" (٢٧:٨).

٨٩
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
أحق بهبته ما كانت فى يده، فإذا أمضاها فقبضت فهى للموهوب له، ذكر الآثار كلها
ابن بطال: إنه عّ سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعا غير متميز، فدل
على صحة هبة المشاع اهـ (١٦٦:٥).
قلنا: لم يستأذنه النبى معَِّ فى هبة نصيبه من المشروب، لأنه لا يكون له نصيب فيه إلا بعد
الإعطاء، وقد وقع الاستئذان قبله، وإنما استأذنه فى أن يترك نوبته للأشياخ، ويسقط حقه فى
الأولية، فامتنع منه الغلام، وليس ذلك منه الهبة فى شىء، فإن الهبة تمليك المال بلا عوض، والنوبة
الأولية ليست من الأموال، وتركها من جنس الإسقاط لا من جنس التمليك، كما لا يخفى، فغاية
ما يدل عليه الحديث أن للرجل أن يعطى نوبته لغيره، ولا نزاع فيه، فإن للمرأة أن تهب يومها من
الزوج لضرتها، ولا دلالة فيه على هبة المشاع أصلا، والعجب من العينى أنه لم يتنبه لهذا المعنى،
وأجاب بأن غير المقسوم غير متميز، ولا يتصور فيه القبض أصلا، ومن شرط صحة الهبة الشرعية
القبض (عمدة القارى ٢٩٢:٦)، ولا يخفى ما فيه، لأن الخصم لا يسلم اشتراط القبض لصحة
الهبة، وإن سلم فلا يسلم كون الشيوع مانعا من القبض، فالحق ما قلنا -إن شاء الله تعالى-
وقد حام بعض الأحباب حوله، فعجز أن يدركه ويناله.
الجواب عن احتجاج ابن حزم على هبة المشاع بحديث جابر وأبى موسى:
واحتج ابن حزم على صحة هبة المشاع بما رواه مسلم من حديث جابر رضى الله عنه، قال:
بعثنا رسول الله عَّه وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عير القريش، وزودنا جرابا من تمر، لم يجد لنا
غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فهذه عطية تمر مشاعة اهـ (١٥١:٩).
قلت: كلا! بل هو من باب التوكيل فى الهبة، فإنه مرّ ◌ُلّ أعطى أبا عبيدة الجراب وو كله فى
هبته للقوم برأيه، فكان أبو عبيدة يهب لهم ما فيه بالقسمة، ولكن أهل الظاهر لا يفقهون، وأيضا
فالعبرة فى الشيوع وقت القبض لا وقت العقد حتى لو وهب مشاعا وسلم مقسوما جاز، كما مر.
فلو سلمنا أنه معَّه وهبهم مشاعا، فلا نسلم أنه سمله إليهم مشاعا بل مقسوما، وقد مر أن هبة
المشاع جائزة عندنا، ولكنها لا تتم بدون القسمة، فافهم.
وهذا هو الجواب عن احتجاجه بما رواه مسلم عن أبى موسى الأشعرى أتيت النبى معَّ له فى
نفر من الأشعريين نستحمله فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى اهـ نقول: أمر لهم بثلاث ذود مشاعة
وسلمها إليهم مقسومة يدل على ذلك اختلاف الروايات فى عدد الإبل التى أعطاها إياهم،

٩٠
القبض فى الهبة
ج - ١٦
ابن حزم فى "المحلى" (١٢٢:٩)، وأسانيدها صحاح، إلا ما فيه جابر الجعفى فحسن.
فقد وقع فى "باب المغازى للبخارى" أنه أمر لهم بخمس ذود، وفى رواية له ستة أبعرة، كما فى
"فتح البارى" (٥٢٣:١١)، فالظاهر أنه أمرلهم أولا بثلث ذود لثلاثة منهم، ثم أتى بغنيمة، فأمر
لرجلين منهم باثنين آخرين، ثم زادهم سادسا، فأعطى كل واحد منهم واحدًا واحدًا.
الرد على ابن حزم فى البحث العقلى منه:
قال ابن حزم: وما نعلم لهم شغبا إلا أن قالوا: قبض المشاع لا يمكن، فقلنا لهم: كذبتم بل
هو ممكن اهـ (ص ١٥٠).
قلت: ومن قال منا: إن قبض المشاع لا يمكن؟ وإنما قلنا: إنه لا يتم، ويشترط فى الهبة كمال
القبض، وهو بالقسمة والإفراز فيما يحتمل القسمة وإنكاره مكابرة، قال: وهبك أنه غير ممكن،
فلم أجزتم بيعه؟ والبيع عند كم يحتاج فيه إلى القبض اهـ. قلنا: لا بل يصح البيع عندنا بالإيجاب
والقبول، ولا يتوقف ثبوت الملك فيه على القبض، ولكن ابن حزم ينسب إلينا ما لم نقل به، وينقل
من مذهبنا ما شاء من غير تحرير، ولا وقوف على مدركه، وهذه جرأة وعدم إنصاف.
قال: ولم أجزتم إصداقه؟ والصداق واجب فيه الإقباض، قال الله تعالى: ﴿وآتوا النساء
صدقاتهن نحلة﴾ ولم أجزتم الوصية به؟ ولم أجزتم إجارة المشاع من الشريك ومنعتم الرهن فيه من
الشريك؟ (١٥٠:٩). قلنا: ومن أخبرك أنا نقول بوجوب الإقباض فى الصداق؟ كيف وقد عقبه
تعالى بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه
(أحكام القرآن (٥٧:٢ للجصاص). وأيضا، فإن صحة التسمية بالمهر المشاع لا تستلزم براءة الزوج
قبل تسليمة إليها مقسوما. وأما الوصية فلا يشترط لصحتها القبض كيف وهى تمليك فى الحال
فتصح بالمشاع، وإنما صحت إجازة المشاع من الشريك لكونها كالبيع لا يشترط لها القبض، وتتم
بالإيجاب والقبول. وإنما منعنا رهن المشاع من الشريك لكون الرهن وثيقة.
وفى ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو الوثيقة، فلزم أن لا يصح رهن المشاع. لأن
المعنى الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن للعقد وهو الشركة التى يستحق بها رفع
القبض للمهاياة أو القسمة، فلم يجز أن يصح مع وجود ما يبطله، ألا ترى أنه متى استحق ذلك
القبض للمهاياة عاد إلى يد الشريك، فقد بطل معنى الوثيقة، وكان بمنزلة الرهن الذى لم يقبض
(أحكام القرآن ٥٢٤:١) أيضا.

٩١
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
قال: وأقرب ذلك لم أجزتم هبة المشاع فيما لا ينقسم والعلة واحدة؟ اهـ، قلت: كلا! فإن
العلة نقصان القبض فى المشاع. وإنما يكون ناقصا إذا احتمل القسمة وإلا فلا كما أشرنا إليه سابقا.
ثم أورد علينا أن هبة أبى بكر رضى الله عنه لعائشة رضى الله عنها جذاذ عشرين وسقا من
ماله بالغابة مخالف لقولهم جهارا، لأنه نحلها وأمضى لها ذلك المقدار وهو مجهول القدر والعدد
والعين فى مشاع فرأياه معا بحضرة الصحابة جائزا، ولا مخالف لهما منهم ولم يبطله أبو بكر
رضى الله عنه لذلك، وإنما أبطله بنص قوله: "لأنها لم تحزه" فقط ولو جددته وحازته لكان نافذا،
فعاد حجة عليهم اهـ.
قلت: كلا! فإنا لا نقول: بأن هبة المشاع باطلة، وإنما نقول: إنها لا توجب الملك ما لم
يسلمه إلى الموهوب له مقسوما، وهذا هو معنى أثر الصديق بعينه، لأنه أبطله بنص قوله: "إنها لم
تحزه"، والحيازة جعل الشىء فى حيزه وقبضته، ولا تتأتى إلا بالقسمة فيما يحتملها، فانظر من هو
المموه؟ وقد صدق رسول الله عّ له: ((الحياء من الإيمان)) فسقط كل ما احتجت به وأوردته علينا،
ولله الحمد وله الثناء الحسن.
الجواب عن احتجاج الموفق لهبة المشاع:
واحتج الموفق فى "المغنى" بما روى عمرو بن سلمة الضمرى، قال: خرجنا مع رسول
الله عَِّ حتى أتينا الروحاء. فرأينا حمار وحش معقورا، فأردنا أخذه فقال رسول الله عَّ له ((دعوه
فإنه يوشك أن يجىء صاحبه)) فجاء رجل من بهز، وهو الذى عقره، فقال: يا رسول الله! شانكم
والحمار، فأمر رسول الله عَّ أبا بكر أن يقسمه بين الناس، رواه الإمام أحمد والنسائى (٦٥٤:٦).
قلنا: لا يرد ذلك علينا أصلا، لأن الظاهر أنه أهدى الحمار لرسول الله عَ ليه، ووهبه رسول
الله عَّ ◌ُلّه للقوم مقسوما لا مشاعا. أو كان الرجل أباحه(١) للقوم، وشتان بين الهبة والإباحة.
الفرق بين الهبة والإباحة:
فإن الهبة تمليك، والإباحة إذن وتمكين. ولذا لا يكفى فى الزكاة الإطعام إلا بطريق التمليك
والهبة، دون الإباحة، فلو أطعم الفقير عنده ناويا الزكاة لا تكفى (رد المحتار ١٠٠:٢). ويجوز
(١) ثم رأيت صاحب الجوهر النقى قد قال بمثل ما قلته، فلله الحمد على الموافقة ونصه: وحديث البهزى كان على وجه الإباحة ولا
يؤثر فيها الشيوع والقسمة فيها بأن تفرد لكل ما يأكله على ملك المبيح، والممتنع هو القسمة على وجه التمليك اهـ (٤١:٢).

٩٢
القبض فى الهبة
ج - ١٦
إباحة المشاع عندنا، وكذا الإباحة مجهول من قوم معلومين، قال فى "الخلاصة": رجل قال
لآخر: أدخل كرمى وخذ من العنب، فله أن يأخذ قدر ما يشبع به إنسان واحد، رجل
قال: أذنت للناس فى تمر نخلى، ومن أخذ شيئا فهو له فبلغ الناس، وأخذوا من ذلك شيئا كان
لهم ذلك (٤: ٤٠٥).
وعليه يحمل(١) ما رواه البخارى عن أنس، قال: ((أتى النبى مُّ لّه بمال من البحرين فقال:
انثروه فى المسجد، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله! أعطنى، فإن فاديت نفسى وعقيلا. قال:
خذ، فحثى فى ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه، إلى، قال: لا، قال: ارفعه
أنت على، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يرفعه، الحديث، فكان قوله: "خذ" إباحة لا هبة،
فلم يضرها الشيوع ولا الجهالة، على أن المال المذكور فى الحديث لم يكن للنبى مدير، حتى يكون
الدفع منه إلى العباس من باب الهبة، بل هو من مال الخراج أو الجزية كما عرفت، والنبى عَ لّه إنما
تولى قسمته بين مصارفه، فافهم، والله تعالى أعلم.
وأما قول ابن حزم: إن قول أبى حنيفة: إن قبضها الموهوب له أو المتصدق عليه بغير إذن
الواهب أو المتصدق فليس قبضا، فلا يعرف عن أحد قبله. وهو مخالف للرواية عن عمر وعثمان
فى ذلك لأنهما رضى الله عنهما لم يقولا: حتى يقبض بإذنه لكن قالا: حتى يقبض اهـ (١٢٦:١).
فمنشأه الغفلة عن مذهب أبى حنيفة رحمه الله. فإنه إنما يقول بذلك إذا قبضها بعد المجلس، وأما فى
المجلس فلا حاجة إلى الإذن بالقبض صريحا. لأن قوله: وهبت لك هذا إذن به دلالة، لتسليطه عليه
بها، فلو وهب من رجل ثوبا فقال: قبضته صار قابضا عند أبى حنيفة، ولو لم يقبضه باليد جعل
تمكنه من القبض كالقبض، كالتخلية فى البيع (البحر ٢٨٦:٧).
وأما بعد المجلس فلا بد من الإذن بالقبض صريحا، لكون الهبة عقدا ركنها الإيجاب
والقبول، وشرط تمامها القبض. فلا بد من القبض فى المجلس، كما لا بد من القبول فى مجلس
الإيجاب فإذا لم يقبض فى المجلس لا قولا ولا فعلا لم تتم الهبة، ولم يبق من الواهب تسليط عليه
دلالة، فلا بد من التسليط ثانيا، فافهم.
(١) وعليه يحمل ما رواه الشيخان عن أنس: إن رسول الله عَّ له قال له دحية يوم خبير: أعطنى جارية من السبى. قال: ((اذهب فخذ
جارية))، فأخذ صفية بنت حيى الحديث. وإنما ارتجعها رسول الله مَّةٍ منه لكونه أراد جارية تصلح له. ولم تكن صفية تصلح
له، ولم تكن تصلح إلا للنبى مرّه فوقع أخذه فى غير المحل فارتجعها، وأعطاه جارية غيرها.

٩٣
إعلاء السنن
باب جواز تفضيل بعض الأولاد على البعض فى العطية
٥٢٧٤- قال الطحاوى: حدثنا يونس قال: ثنا سفيان عن عمرو قال: أخبرنى
صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن عبد الرحمن فضل بنى أم كلثوم بنجل
قسمه بین ولده (معانى الآثار ٢٤٥:٢).
باب جواز تفصيل بعض الأولاد على البعض فى العطية
أقول: الآثار المذكورة تدل على أن الصحابة فضلوا بعض أولادهم على بعض فى العطية،
وهو يدل على جوازه. وقال ابن حجر: أجاب عروة عن قصة عائشة رضى الله عنها بأن إخوتها
کانوا راضین بذلك، ویجاب بمثل ذلك عن قصة عمر (فتح البارى ١٥٩:٥).
والجواب عنه أن جواب عروة ليس بكاف لدفع الاحتجاج، لأن إخوتها إن كانوا راضین
فذو بطن ابنة خارجة لم يكن راضيا، وهو من أهل الاستحقاق، كما لا يخفى، ولو سلم فما الدليل
على أنه لو لم يكونوا راضين لم يفعل أبو بكر ذلك، ولما كان جائزا. وبالجملة تأثير رضاء الإخوة
فى جواز هذا الفعل دعوى لا بد لها من دليل. وبهذا خرج الجواب عما أجاب به عن قصة عمر.
ويقال: إن رضا الإخوة فى قصة عائشة ثبت من رواية عروة. فما الدليل على رضا إخوة عاصم؟
ولو ثبت فما الدليل على تأثير رضاهم فى جواز هذا الفعل؟ ومجرد الاحتمال لا يكتفى للمدعى،
فتدبر.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": لا خلاف بين أهل العلم فى استحباب التسوية
بين الأولاد وكراهة التفضيل. قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى فى القبل. وذهب
أحمد إلى وجوب التسوية بينهم إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن خص بعضهم
بعطية، أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين، إما رد ما فضل به البعض، وإما
إتمام نصيب الآخر. قال طاوس: لا يجوز ذلك، ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك. وروى
معناه عن مجاهد وعروة، وكان الحسن يكرهه، ويجيزه فى القضاء.
وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثورى والشافعى وأصحاب الرأى: ذلك جائز، وروى
معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح، لأن أبا بكر رضى الله عنه نحل عائشة
ابنته جداد عشرين وسقا دون سائر ولده. (وكذا نحل عمر عاصما ابنه دون سائر ولده، وكذا عبد
الرحمن بن عوف نحل بنى أم كلثوم، وفضلهم على سائر ولده، كما فى المتن، وروينا من طريق
ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن الأشجع عن نافع عن ابن عمر قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض

٩٤
جواز تفضيل بعض الأولاد على البعض فى العطية
ج - ١٦
٥٢٧٥- وأن عمر نحل ابنه عاصما دون سائر ولده، ذكره الطحاوى وغيره (فتح
البارى ١٥٩:٥).
ولده دون بعض. قال بكير: وحدثنى القاسم بن عبد الرحمن الأنصارى أنه كان مع ابن عمر إذا
اشترى أرضا من رجل من الأنصار ثم قال له ابن عمر: هذه الأرض لابنى واقد، فإنه مسكين، نحله
إياها دون ولده، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (١٤٤:٩). وسنده حسن، وإعلال ابن حزم إياه بابن
لهيعة باطل، فقد مر غير مرة أنه حسن الحديث احتجت الأئمة بحديثه.
وأما قوله: "ليس فيها أنه لم ينحل الآخرين قبل وبعد بمثل ذلك"، ففيه أن قوله: "قطع
ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض" وقوله: " نحله إياها دون ولده" صريح فى أنه لم
ينحل الآخرين بمثله، وكل ما أبديته من الاحتمال غير ناشئ من دليل، ومثله لا يضر الاستدلال،
فإن القطعيات أيضا لا تخلو من مثل هذا الاحتمل البعيد الغير الناشى عن دليل، فافهم.
قال الموفق: واحتج الشافعى بقول النبى معَّه فى حديث النعمان بن بشير: أشهد على هذا
غيرى. فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها، ولأنها عطية تلزم بموت الأب (اتفاقا)، فكانت جائزة،
کما لو سوی بینهم.
الجواب عن احتجاج الموفق لوجوب التسوية بين الأولاد بحديث النعمان:
قال: ولنا ما روى النعمان بن بشير، فذكر حديث المتن الذى أودعناه فى متن الباب الآتى.
قال: وفى لفظ قال: "فاردده"، وفى لفظ قال: "فارجعه"، وفى لفظ: "لا تشهدنى على جور"،
وفى لفظ: "فأشهد على هذا غيرى"، وفى لفظ: "سو بينهم". وهو حديث صحيح متفق عليه،
وهو دليل التحريم، لأنه سماه جورا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام. (قلت:
وقد يطلق على المكروه من باب ظلم دون ظلم). قال: والأمر يقتضى الوجوب. (قلنا: فليكن الأمر
فى قوله: "أشهد على هذا غيرى" للوجوب أيضا. فالذى صرفه عنه هو الذى صرف قوله: "سووا
بين أولادكم" عن الوجوب). قال: ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطعية
الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها اهـ.
(قلنا: هذا إذا كان قصد الإضرار لهم، وإلا فلا. وأيضا، فأوجبوا التسوية بين سائر الأقارب
من الإخوة والأخوات وأولاد البنين والبنات، ولم يقل بذلك أحد، مع أن التفضيل بينهم يورث
الوحشة والعداوة أيضا كما فى الأولاد، وأيضا فلو كانت العلة هذه فقولوا بجواز التفضيل بينهم
سرا، حتى لا يطلع عليه غير الموهوب له، ولا كذلك تزويج المرأة على عمتها، أو خالتها.

٩٥
جواز تفضيل بعض الأولاد على البعض فى العطية
إعلاء السنن
٥٢٧٦- عن أبى بكر أنه وهب عائشة رضى الله عنها جاد عشرين وسقا، أخرجه
مالك، وقد مر.
فإن المنافسة بين الضرائر مما لا بد منها عادة، وأمر النكاح مبنى على الاشتهار والإعلان).
قال: وقول أبى بكر لا يعارض قول النبى معَّ له ولا يحتج به معه. (قلنا: لم نجعله معارضا له
ولم نحتج به معه، بل جعلناه مفسراً لقول النبى مرّ له، فإنه أعرف منا ومنك بقضية النعمان بن بشير
ونحوها. فلو كان قوله مرّ ◌ُالله فيها: ((سووا بين أولادكم)) للوجوب لم يفضل بعض ولده على
الآخرين، وكذا عمرو بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهم من أجلة الصحابة، ولا يجوز أن تخفى
هذه السنة على كل هؤلاء ويعرفها النعمان وحده. فعرفنا بذلك أن قوله عّ لّر محمول على الندب
دون الوجوب). قال: ويحتمل أن أبا بكر رضى الله عنه خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن
الكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله عَ لآه، وغير
ذلك من فضائلها، ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل
غيرها فأدر که الموت قبل ذلك.
(قلنا: احتمال غير ناشئ من دليل، ومثله لا يضر الاستدلال). قال: ويتعين حمل حديثه على
أحد هذه الوجوه، لأن حمله على مثل محل النزاع منهى عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من
حال أبى بكر اجتناب المكروهات.
(قلنا: ترتفع الكراهة إذا كان القصد بين الجواز)، قال: وقول النبى عَّ ◌ُله: ((فاشهد على هذا
غيرى)). ليس بأمر، وإنما هو تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهى اهـ (٢٦٤:٦). قلنا: نعم!
ولكن التهديد بمثل ذلك يدل على الكراهة دو التحريم، كما لا يخفى.
وأيضا فالخصم لا يقول بوجوب التسوية فى جميع الأحوال، ويقول بجواز التفضيل إذا
كان لمعنى يقتضيه مثل اختصاص واحد من الأولاد بحاجة، أو زمانة، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله
بالعلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يستعين
بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، واحتج على ذلك بحديث أبى بكر هذا. وقال فى حديث
بشير: إنها قضية فى عين لا عموم لها، كما فى "المغنى" (٢٦٥:٦) أيضا. مع أن قول النبى مد ظله:
((سووا بين أولادكم)) مطلق فى جميع الأحوال، وعام للأولاد كلهم، سواء كانوا مساوين،
أو متفاضلين فى الحاجة وغيرها. فالعجب أن یجوز له تخصيص قول النبى م لآل وتقييده بحديث
أبى بكر، ولا يجوز لنا تأويل ما فيه من الأمر على معنى الندب دون الوجوب بهذا الحديث بعينه؟

٩٦
جواز تفضيل بعض الأولاد على البعض فى العطية
ج - ١٦
فمن أين له أن يرده علينا بأن قول أبى بكر لا يعارض قول النبى عَّيّةٍ ولا يحتج به معه؟ فافهم.
الرد على ابن حزم فى إعماله القياس فى هذا الباب:
وقال ابن حزم: وإنما هذا أى وجوب التسوية فى التطوع، وأما فى النفقات الواجبات فلا،
وكذلك الكسوة الواجبة، لكن ينفق على كل امرئ منهم بحسب حاجته، وينفق على الفقير منهم
دون الغنى، ولا يلزمه ما ذكرنا من التسوية فى ولد الولد إلخ (١٤٢:٩).
قلنا: هذا كله قیاس، والقیاس باطل عنده، فأين فى الحديث الذى احتج به، وهو حديث
النعمان بن بشير، أن ذلك فى التطوع ولیس فى النفقات الواجبات؟ وأین فیه أنه فى الولد دون ولد
الولد؟ فإن قوله عَّله: ((سووا بين أولادكم) يعم الأولاد جميعا، وولد الولد أولاد أيضا. قال فإن
كان له ولد فأعطاهم، ثم ولد له ولد، فعليه أن يعطيه كما أعطاهم، أو يشركه فيما أعطاهم، وإن
تغيرت عين العطية ما لم يمت أحدهم فيصير ماله لغيره، فعلى الأب أن يعطى هذا الولد كما أعطى
غيره، فإن لم يفعل أعطى مما ترك أبوه من رأس ماله مثل ذلك اهـ. قلنا: وهذا قياس أيضا، فليس فى
حديث النعمان أن على الأب أن يشترك المولود بعد الهبة فيما أعطى غيره من الأولاد قبل ولادته،
وغاية ما فيه أن يسوى بين الأولاد الموجودين وقت الهبة، ولا بفضل بعضهم على بعض، ولا أثر
فيه للإشراك ألبتة، فمن أين له أن يزيد فى الحديث ما ليس فيه؟
الجواب عن احتجاج ابن حزم بأثر سعد بن عبادة:
فإن قال: روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين : أن
سعد بن عبادة قسم ما له بين بنيه فى حياته فولد له بعد ما مات، فلقى عمر أبا بكر، فقال له: ما
تمت الليلة من أجل ابن سعد، هذا المولود لم يترك له شىء، فقال أبو بكر: وأنا والله، فانطلق بنا إلى
قيس بن سعد نكلمه فى أخيه، فأتيناه، فكلمناه. فقال قيس: أما شىء أمضاه سعد فلا أرده أبدا،
ولكن أشهد كما أن نصيبى له، اهـ. قلنا: هذا مرسل، فإن ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، ولا
أبا بكر، ولا عمر، ولم يثبت سماعه من قيس، وإن كان قد أدرك زمانه. ولا حجة فى المرسل عند
ابن حزم، ولو صح فأين فيه وجوب إشتراك المولود بعد الهبة، وغاية ما فيه أن أبا بكر وعمر كلما
قیسا فى أخيه، وليس ذلك إلا مجرد شفاعة له. كيف وقد قال قيس: أما شىء أمضاه سعد فلا أرده
أبدا. وهو يدل على صحة ما أمضاه، وأن رده غير واجب، وأقره على ذلك أبو بكر وعمر.

٩٧
جواز تفضيل بعض الأولاد على البعض فى العطية
إعلاء السنن
وأما قوله: ولكن أشهد كما أن نصيبى له، فهبة مستأنفة من قيس تبرعا لا دليل على وجوبه
علیه، وليس هذا من الإشراك فى ما تر که أبوه، كما لا يخفى.
وأما احتجاجه بقول أبى بكر لعائشة أم المؤمنين: یا بنية! إنی نحلتك نحلا من خیبر، وإنى
أخاف أن أكون آثرتك علی ولدى، وإنك لم تکونی احتزتیه فردیه علی ولدی. الحديث. فساقط،
لأن قوله: وإنك لم تكونى احتزتيه، يدل على أنها لوجددته وحازته لكان ما فعله نافذا، كما
اعترف بذلك ابن حزم نفسه فى "المحلى" (٩: ١٥٠). فعاد ذلك حجة عليه، وإنما أبطله أبو بكر
بنص قوله إنها لم تجزه، فلو حازته لنفذت الهبة، فثبت أن إيثار بعض الولد على بعض لا يخلو من
كراهة، ولو فعل وسلم الموهوب للموهوب له تمت الهبة، ولم تكن مفسوخة مردودة، وبه نقول
خلافا لابن حزم ومن وفقه، فافهم.
وأما ما رواه من طريق مؤمل بن هشام نا إسماعيل بن أبراهيم هو ابن علیه عن بهز بن حكيم
عن أبيه عن جده: أنه كان له بنون لعلات أصاغر ولده، وكان له مال كثير، فجعله بنى علة واحدة.
فخرج ابنه معاوية، حتى قدم على عثمان بن عفان، فأخبره بذلك، فخير عثمان الشيخ بين أن يرد
إلیه ماله وبین أن یوزعه بينهم، فارتد ماله فلما مات تر که الأکابر لإخوتهم، اهـ.
الرد على ابن حزم فى احتجاجه بحدیث بهز بن حکیم وهو ضعيف عنده:
ففیه ابن حزم قد ضعف حدیث بهز بن حکیم عن أبيه عن جده، فی باب حبس المدیون من
"المحلى" (١٦٩:٨). وقال: ومن هذه الطريق بعينها فيمن منع الزكاة إنا آخذوها وشطر ماله غرمة
من غرمات ربنا. وقال: فإن احتجوا به فى الحبس فى التهمة فليأخذوا برواية هذه، وإلا فالقوم
متلاعبون بالدين اهـ. فلينظر من هو المتلاعب؟ وإنما يتم له الاحتجاج بأثر عثمان هذا، لو ثبت أن
الذين جعل لهم حيدة ماله من بينه كانوا صغارا غير محتلمين، أو كبارا قد سلم إليهم ما وهبه لهم،
و کان مقسوما غیر مشاع. ولا يدل على ذلك قوله: فارتد ماله. لكونه محتملا لرد الهبة دون رد
العين، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، ويحتمل أن يكون هذه الهبة منه فى المرض قد خاف منه
عثمان على نفسه، لأنه كان من المعمرين مات وهو عم ألف رجل وامرأة، كما فى "الإصابة"،
فأمره برد الهبة لكونها كالوصية للوارث، فلما برأ من مرضه ذلك تمت هبته الأولى، ولذا تركه
الأكابر لإخوتهم بعد موته، وإذا جاء الاحتمال بطل الإستدلال.
ثم أخرج عن مجاهد، قال: من نحل ولدا له نحلا دون بنيه فمات فهو ميراث، اهـ. قلنا:

٩٨
ج - ١٦
باب استحباب التسوية بين الأولاد فى العطاء
٥٢٧٧- عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول: أعطانى
أبى عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله عَّ له، فأتى رسول
محمول على هبة المريض، وهو ميراث إجماعا، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن
عروة بن الزبير، قال: يرد من حيف الناحل الحى ما يرد من حيف الميت من وصية، اهـ. قلنا:
محمول على هبة الحى الذى هو فى حكم الميت، كما تقدم، ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج
أنا ابن طاوس عن أبيه، قال فى الولد: لا يفضل أحد على أحد بشعرة، النحل باطل، اعدل بينهم
كبارا وأبنهم به. قال ابن جريج: قلت له: هلك بعض نحلهم ثم مات أبوهم. قال: للذى نحله مثله
من مال أبيه. قلنا: هو حجة عليك لا لك، كما لا يخفى، ومن طريق عبد الرزاق عن زهير بز
نافع، قال: سألت عطاء بن أبى رباح، فقلت: أردت أن أفضل بعض ولدى فى نحل أنحله. فقال:
لا، وأبى إباء شديدا وقال: سو بينهم اهـ. قلنا: وبه نقول، وأين فيه أنه إن فعل ذلك لم ينفذ؟
وسيأتى الجواب عن حديث النعمان بن بشير فى الباب الآتى، إن شاء الله تعالى.
باب استحباب التسوية بين الأولاد فى العطية
وكراهة تفضيل البعض من غير ضرورة
أقول: ذهب الجمهور إلى أن التسوية بين الأولاد فى العطايا مستحبة، فإن فضل بعضا صح
وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية، ومنهم من أوجب التسوية، واحتج بأن قطع الرحم والعقوق
محرمان، والتفضيل مود إليهما، فيكون محرما، فيكون التسوية واجبا، والجواب عنه أن التفضيل
ليس بمود إليهما إذا لم يطلع عليه أحد غير الموهوب له. وإن سلم فلم أجزتموه بين سائر الأقارب
غير الأولاد؟ وقطع الرحم محرم مطلقا، الأولاد وغيرهم فيه سواء، كما مر. واحتجوا أيضا
بأنه مّ امتنع من الشهادة عليه، وقال: إنى لا أشهد على الجور. أو لا أشهد إلا على الحق. كما
وقع فى روايات الصحاح.
والجواب أن الجور هو الميل عن القصد والاعتدال، ولا شك أن القصد والاعتدال هو
التسوية، فيكون عدم التسوية جورا ميلا ولكن لا يلزم منه أن يكون حراما، لأنه مبنى على وجوب
التسوية، وهو ممنوع. فلا يصح الاستدلال بتسميته جورا، وأيضا فقد اختلف المحدثون فى هذا
الحرف. فقال بعضهم: هذا جور وقال بعضهم: هذا تلجئة، كما قاله أبو داود فى سنة (٣١٦:٣).

٩٩
استحباب التسوية بين الأولاد فى العطية
إعلاء السنن
الله عَ ليه، فقال: إنى أعطيت ابنى من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتنى أن أشهدك
والتلجئة الإلجاء أى الإكراه، والمعنى أن هذا أمر قد الجأتك إليه امرأتك أن تأتى بأمر باطنه
خلاف ظاهره، وحملتك على أن تفعل شيئا تكره، وعلى هذا فالمراد بالجور جور المرأة، لا جور
الواهب، ويؤيده ما سيأتى من أن امرأته طلبت منه ذلك، وأنه التواه سنة أو سنتين، وإنما وهب حين
أبت أن تربى ولده إلا بذلك، فلا حجة للخصم فى أنه بآ جعله جورا.
وأما الاستدلال بامتناع رسول الله مَ ◌ّه عن الشهادة عليه فغير صحيح أيضا، لأنه مبنى على
حرمة ما امتنع رسول الله عّ لّه من الشهادة عليه، وهو ممنوع، فإن له أن يمتنع من الشهادة على
المكروه أيضا، وأما الاستدلال بقوله عّ لّه: ((لا أشهد إلا على الحق) فغير صحيح أيضا، لأن المراد
من الحق هو ما يكون حقا من كل الوجوه، والمكروه ليس كذلك، فلا يكون حقا لهذا المعنى.
واحتجوا أيضا بأنه مَِّ قال: ((اعدلوا بين أولادكم)) أو قال: ((سووا بينهم))، والأمر
للوجوب، والجواب أن كون الأمر للوجوب ليس على الإطلاق، بل إذا لم يكن قرينة خلافه، وههنا
قرينة على خلافه، وهى أنه قال مَّهِ: ((اعدلوا بين أولادكم فى النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم
فى البر)»، هكذا فى رواية لمسلم، كما فى "الفتح" (١٥٧:٥).
وهو يدل أن الأمر للاستحباب دون الوجوب، لأن التسوية فى البر ليست بواجبة على
الأولاد بل مندوب إليها بشرط القدرة، فلا يكون التسوية فى العطية واجبة على الآباء، بل تكون
مندوبا إليها، وأيضا قد ثبت عن الصحابة تفضيل بعض الأولاد على بعض، كما مر، وسيأتى فهذه
قرائن تدل على أن الأمر للاستحباب دون الوجوب.
قال العبد الضعيف: واحتجوا أيضا بقوله مَّ له: ((فارجعه))، كما ورد فى رواية للبخارى،
والجواب: أن الأمر لرفع الكراهة لا لرفع الحرمة، فيكون أمر ندب لا وجوب. فإن قيل: كيف جاز
له الارتجاع من ذى رحم محرم وأنتم لا تقولون به؟ قلنا: يجوز عند الحاجة والظاهر من حال بشير
بن سعد والد النعمان أنه كان قد وهب هذه الهبة بطلب امرأته بنت رواحة وإلحاحها من غير رضاه
به يدل على ذلك ما فى رواية مسلم والنسائى: سألت أمى أبى بعض الموهبة لى من ماله، فالتوى بها
سنة أى مطلها. وفى رواية ابن حبان من هذا الوجه بعد حولين قال: ثم بدا له فوهبها لى. "فتح
البارى" (١٥٦:٥).
وفى رواية أبى حريز عند ابن حبان والطبرانى عن الشعبى أن النعمان بن بشير خطيب
بالكوفة، فقال: إن والدى بشير بن سعد أتى النبى معَّه، فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام،

ج - ١٦
استحباب التسوية بين الأولاد فى العطية
١٠٠
يا رسول الله! قال: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا)) قال: لا، قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين
وإنى سميته النعمان، وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هولى اهـ من"فتح
البارى".
أيضا وفيه دلالة على أن بشيرا لم يهب برضاه بل لما ألحت عليه المرأة به وكان محتاجا إلى
الرجوع فى هذه الهبة للإنفاق على نفسه وأهله وولده، وأيضا يجوز للأب عندنا أن يرجع فيما
وهب لابنه الصغیر بنية أن یعوضه عنه مثله إذا وجد غنی یسوى به بينه وبين إخوته، لكونه کشراء
الأب مال الصغير لنفسه، وهو جائز فافهم.
وأجاب ابن التركمانى عن حديث النعمان هذا بأنه قد اضطرب متنه اضطرابا شديدا،
وأخرجه مسلم من حديث جابر قالت امرأة بشير: أنحل ابنى غلامك، فأتى رسول الله عَ لّه، فقال:
إن ابنة فلان سألتنى أن أنحل أبنها غلامى، الحديث. ففيه أنه شاور النبى مَ لآم قبل الهبة، فدله على
ما هو الأولى به. قال الطحاوى: حديث جابر أولى من حديث النعمان، لأن جابرا أحفظ له
وأضبط، لأن النعمان كان صغيرا، اهـ (٤٢:٢).
الجواب عن إيراد بعض الأحباب على صاحب الجوهر النقى
وأورد عليه بعض الأحباب إن الروايات وإن اختلفت ألفاظها لكنها متحدة المعنى، وأن
جابرا لم ينف الهبة، نعم! اختصر الرواية، فلم يذكر الهبة، فلا تعارض اهـ. قلت: لو راجع طرق
الحديث لم يقل ما قال، فإن الطحاوى روى من طريق أبى اليمان شيخ البخارى حدثنا شعيب عن
الزهرى ثنى حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان: أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: نحلنى
أبى غلاما، ثم مشى بى حتى إذا أدخلنى على رسول الله عَ ليه. فقال: يا رسول الله! إنى نحلت ابنى
غلاما، فإن أذنت أن أجيزه له أجرت. ثم ذكر الحديث فهذا ينادى بأعلى صوته أن بشيرا كا أراد
أن ينحل ابنه غلاما، ولكنه لم يجزه، حتى استشار النبى ◌ٍّ فى ذلك، فلم يأذن له به، فتركه،
(العمدة للعينى، ٢٧٥:٦). وهذا هو مفهوم حديث جابر أنه جاء النبى عَ لم يستشيره قبل إنفاذ
الهبة، وهذا خلاف جميع ما روى عن النعمان أنه نحله قبل أن يجىء به إلى النبى معَ له، فيحمل
على إرادة النحل، رفعا للتعارض.
وأيضا فقد اختلفت الروايات فى هذه العطية، ففى بعضها أنه نحله غلاما، وفى بعضها أنها
كانت حديقة، واختلفت فى وقت الهبة، ففى رواية عند ابن حبان والطبرانى أنه وهب حين نفست
امرأته بالنعمان، وفى بعضها عند مسلم والنسائى أنه التوى بها سنة، وفى رواية ابن حبان حولين،