Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
باب التخارج
إعلاء السنن
٥٢١٥- ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا هشيم، ثنا داود بن أبى هند عن عطاء
عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا بالخارجة فى الميراث، رواه البيهقى (٥٦:٦)،
وسنده صحيح. قال: أى ابن نجدة.
٥٢١٦- وحدثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه،
قال: صولحت امرأة عبد الرحمن من نصيبها ربع الثمن على ثمانين ألفًا، وهو سند
صحيح أيضًا.
٥٢١٧- وروى عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار:
أن امرأة عبد الرحمن بن عوف أخرجها أهله من ثلث الثمن، بثلاثة وثمانين ألف درهم
(الزیلعی ٢٢٥:٢)، وهذا مرسل.
٥٢١٨- أخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد عن أيوب(١) عن محمد(٢) أن
عبد الرحمن بن عوف توفى، وكان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس، حتى مجلت عنه
أيدى الرجال وترك أربع نسوة فأخرجت منهن امرأة عن ثمنها بثمانين ألفا اهـ، أخرجه
ابن سعد فى "الطبقات" (الزيلعى ٢٢٥:٢)، وسنده صحيح مرسل.
دليل ذلك فى باب طلاق المريض. فليراجع، وأما أحكام التخارج فمحل بسطها كتب الفروع،
وفيما ذكرنا من الآثار كفاية إن شاء الله تعالى.
وأما ما رواه الشعبى عن شريح، كما فى "المحلى" (١٦١:٨)، قال: ((أيما امرأة صولحت عن
ثمنها ولم يبين لها ما ترك زوجها فتلك الريبة كلها)) فمحمول على إخراجها عن نقدين وغيرهما
بأحد النقدين، أو على الكراهة ديانة، لا على بطلان الصلح قضاء، فافهم.
(١) هو السختيانى (المؤلف).
(٢) هو ابن سيرين (المؤلف).

٤٢
ج - ١١
كتاب المضاربة
باب من المضاربة
٥٢١٩٠- قال مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: إنه قال: أخرج عبد الله وعبيد الله
ابنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى جيش إلى العراق، فلما قفلا، مرا على أبى موسى
الأشعرى، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر
أنفعكما به لفعلت.
ثم قال: بلى، ههنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكما،
فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين
فيكون لكما الربح، فقالا: وددنا، نفعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن
يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا، فأربحا فلما رفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب، قال: أكل
الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين
فأسلفكما، أدیا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: " ما ينبغى لك يا
أمير المؤمنين هذا، لو نقض المال أو هلك لضمناه". فقال عمر: "أدياه"، فسكت عبد الله
وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: "يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضا"، فقال
عمر: "قد جعلته قراضا" ، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله
نصف ربح المال. (الموطأ ص ٢٨٥)
٥٢٢٠- وقال مالك: عن علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان بن
عفان أعطاه مالا قراضا يعمل فيه على أن الربح بينهما. (الموطأ ص ٢٨٥)
باب من المضاربة
أقول: الآثار المذكورة تدل على أن المضاربة كانت مستفيضة بين الصحابة من غير نكير.
وقال ابن حزم فى مراتب الإجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب أو السنة حاشا
القراض، فما وجدنا له أصلا منهما ألبتة، ولكنه إجماع صحیح مجرد، والذی نقطع به أنه کان فی
عصره عرّ ◌ُّ فعلم به وأقره، ولو لا ذلك لما جازاهـ "التلخيص الحبير" (ص ٢٥٥). ورواية زيد بن
أسلم عن أبيه، أخرجه البيهقى فى "السنن"، وتعقبه ابن التركمانى فى "الجوهر النقي" (٣٧:٢).

٤٣
باب من المضاربة
إعلاء السنن
٥٢٢١- وعن وكيع وابن أبى زائدة عن عبد الله بن حميد بن عبيد عن أبيه
عن جده: "أن عمر دفع إليه مال يتيم مضاربة"، أخرجه ابن أبى شيبة (التلخيص
الحبير ص ٢٥٤).
٥٢٢٢- وعن قيس بن الربيع عن أبى حصين عن الشعبى عن على فى المضاربة:
"الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه" أخرجه عبد الرزاق (التلخيص
الجبير ص٢٥٥).
٥٢٢٣- وعن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود، "أنه أعطى زيد
بن جليدة مالا مقارضة"، أخرجه الشافعى فى كتاب اختلاف العراقيين، والبيهقى فى
"المعرفة" (التلخيص الحبير ص٢٥٥).
٥٢٢٤- وعن حكيم بن حزام: أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا
مقارضة يضرب له به، "أن تجعل مالى فى كبد رطبة، ولا تحمله فى بحر، ولا تنزل
به فى بطن مسيلى، فإن جعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالى"، أخرجه
"الدار قطنى" (ص ٣١٥).
وقال: ذكر هذا الأثر فى الباب، وجهله قراضا مشكل. وقد قال عبيد الله: لو هلك المال
ضمناه. ولم ينكره عمر، ولا أحد من الصحابة، والمقارض أمين لا ضمان عليه إلا إذا استهلك
وضيع، ذكره صاحب الاستذكار، وقد ذكر البيهقى فى آخر الباب التالى لهذا الباب: أن المزنى
أوله بطیب أنفسهما بذلك وفیه بعد.
وفى اختلاف العلماء للطحاوى: قال أبو حنيفة: من غصب شيئا فربح فيه، ضمنه وتصدق
بالربح. وقال مالك: يطيب له الربح لأنه ضامن للمال. ثم ذكر الطحاوى هذا الأثر. ثم قال:
يحتمل أن عمر عاقبهما بذلك كما شاطر عما له أموالهم، وكما روى أو رفقاء لحاطب سرقوا ناقة
فنحروها، فسأل صاحبها عن ثمنها. فقال: أربعمأة درهم. فقال: أعطه ثمان مأة درهم اهـ. ولكن
هذا التعقب غير صواب، لأن وجه إخراج البيهقى هذا الأثر فى الباب، أنه قال صاحب من
أصحاب عمر لعمر: يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضا، فقال عمر: قد جعلته قراضا.
والحاصل أن المال كان لبيت المال، وأقرضه أبو موسى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمر
نيابة عن عمر، لكونه عاملا له. فلو أجاز عمر تصرف أبى موسى هذا كان المال قرضا عليهما

٤٤
ج - ١٦
كتاب العارية
باب مشروعية العارية
٥٢٢٥- عن أنس قال: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبى عَِّ فرسا من أبى
طلحة، يقال له: "المندوب" فركبه، فلما رجع، قال: ((ما رأينا من شىء، وإن وجدناه
بحرا))، أخرجه البخارى.
٥٢٢٦- وعن أيمن قال: دخلت على عائشة، وعليها درع قطر، فقالت: ارفع
بصرك إلی جاریتی، أنظر إليها، فإنها تزهی أن تلبسه فى البيت، وقد کان لی منهن درع
على عهد رسول الله عَ ليه، فما كانت امرأة تقين بالمدينة إلا أرسلت إلى تستعيره،
أخرجه البخارى.
والربح كله ملكا لهما، ولكن لم يجزه عمر، فبقى المال ملكا لبيت المال، وصار الربح لبيت المال.
فلما استشفع رجل من أصحابه أن يجعله قراضا، جعله قراضا فصار المال لبيت المال والربح
مشتركا. هذا هو حقيقة اجتهاد عمر فى المسألة، ولا يتمشى فيه تأويل المزنى، ولا تأويل الطحاوى
لأن عمر نص على جهله قراضا بقوله: قد جعله قراضا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: ولكن فيه انقلاب العقد من القرض إلى المضاربة بعد ربح المديون،
وعمله فى الدين وتجارته فيه، وما هكذا تكون المضاربة. فإنها عقد على الشركة بمال من أحد
الجانبين، والعقد على الشركة إنما يكون قبل العمل لا بعده. فلا بد من التأويل، نعم! ثبت بقول
عمر: جعلته قراضا، جواز عقد المضاربة، وأنه يكون على الشركة بمال من أحد الجانبين والربح
بينهما، والأحسن فى التأويل أن يقال: إن المال كان دينا فى الأصل لا قراضا. بدليل قول عبيد الله:
لو هلك المال لضمناه. ومعنى قول رجل من جلساء عمر: لو جعلته قراضا، أى لو عاملتهما
كمعاملة رب المال مع المضارب. فقال عمر: جعلته قراضا، أى رضيت لكما بما يرضى به أرباب
الأموال للمضاربين، وهو التشريك فى الربح على النصف. لا أنه جعل الدين مضاربة، فإن ذلك
لا يكون، فافهم. وقد تقدم بسط الكلام فى أحكام المضاربة فى كتاب الشركة، فليراجع، فإن
بعض الأحباب لم يشف منها الغليل.
باب مشروعية العارية
أقول: الحديثان نصان فى الباب. قال العبد الضعيف: العارية إباحة الانتفاع بعين من أعيان

٤٥
مشروعية العارية
إعلاء السنن
٥٢٢٧- عن ابن مسعود، قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله عَّ له عارية
الدلو، والقدر، والفأس، والميزان، وما تتعاطون بينكم، أخرجه أبو داود والنسائى وسعيد
ابن منصور وابن أبى شيبة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم، والطبرانى فى
"الأوسط" وابن مردوي، والبيهقى فى "سننه" من طرق عنه (الدر المنثور ٤٠٠:٦)،
وفى "مجمع الزوائد" (١٤٣:٧): ورجال الطبرانى رجال الصحيح اهـ.
قلت: رواه أبو داود، غير قوله: "الفأس"، ورجال ابن أبى شيبة رجال الصحيح
أيضًا، فإنه رواه من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمى عن الحارث بن
سويد عن مسعود، كما فى "المحلى" (١٦٨:٩).
٥٢٢٨- ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن جابر(١) صبح، حدثتنى أم
شراحيل، قالت: قالت لى أم عطية: اذهبى إلى فلانة فاقرئيها السلام. وقولى لها: إن أم
عطية توصيك بتقوى الله عز وجل ولا تمنعى الماعون. قالت: فقلت: ما الماعون؟ فقالت:
بى هبلت هى المهنة يتعاطاها الناس بينهم، أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٦٨:٩)،
وسنده حسن، غير أنى لم أقف لأم شراحيل على ترجمة، وليس فى النساء من اتهمت
أو تركت.
المال، مشتقة من عار الشىء، إذا ذهب وجاء. ومنه قيل للبطال "عيار" لتردده فى بطالته، والعرب
تقول: أعاره وعاره مثل أطاعه وطاعه، والأصل فيها الكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول
الله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ روى عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: "العوارى" وفسرها
ابن مسعود فقال: "القدر والميزان والدلو". وأما السنة فما روى عن النبى معَّ اللّه، أنه قال فى خطبة
حجة الوداع: ((العارية مؤداة والزعيم غارم)) أخرجه أبو داود، وحسنه. الترمذى وصححه ابن حبان
(فتح البارى ١٧٨:٥). وروى الأربعة، وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة رفعه ((على
الید ما أخذت حتی تؤدیه» فتح البارى أيضا.
وقال الموفق فى "المغنى" (٣٥٤:٥): أجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها. ولأنه
لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع. ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعاً.
(١) صدوق من السابعة (المؤلف).

٤٦
ج - ١٦
مشروعية العارية
٥٢٢٩- ومن طريق يحيى بن سعيد أيضًا وعبد الرحمن بن مهدى، قال ابن
مهدى: عن سفيان الثورى وقال يحيى: عن شعبة، ثم اتفقا عن أبى إسحاق السبيعى عن
سعيد(١) بن عياض عن أصحاب رسول الله عّ لّه قالوا: الماعون منع القدر والفأس والدلو
(المحلى ١٦٨:٩) أيضًا، وهذا سند صحيح.
٥٢٣٠- ومن طريق ابن علية وسفيان الثورى كلاهما عن ابن أبى نجيح عن
مجاهد عن ابن عباس فى تفسير الماعون المذكور فى الآية، قال ابن علية فى رواية:
متاع البيت"، وقال سفيان: "هى العارية"، والمعنى واحد (المحلى ١٦٨:٩) أيضًا.
وفى "الدر المنثور" (٤٠١:٦): أخرج آدم وسعيد بن منصور وابن جرير وابن
المنذر والطبرانى والحاكم وصححه، والبيهقى والضياء فى "المختارة" من طرق عن ابن
عباس فى قوله: ﴿ويمنعون الماعون﴾، قال: "عارية متاع البيت" اهـ، وفى " مجمع
الزوائد" (١٤٣:٧): رواه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح اهـ.
قال ابن حزم: ورويناه أيضًا عن على بن أبى طالب من طريق ابن أبى شيبة عن ابن
علية عن ليث عن أبى إسحاق، وهؤلاء كلهم حجة فى اللغة (المحلى ١٦٨:٩).
إذا ثبت هذا، فإن العارية مندوب إليها. وليست واجبة فى قول أكثر أهل العلم. وقيل: هى
واجبة للآية، قال ابن حزم فى "المحلى": ومن سألها محتاجا ففرض عليه إعارته إياه إذا أوثق بوفاءه،
(١٦٨:٩). ولما روى أبو هريرة: أن النبى ◌ّ له قال: ((ما من صاحب إبل لا يؤدى حقها)) الحديث.
قيل: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: ((إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها يوم وردها)) فذم الله
تعالى مانع العارية، وتوعده رسول الله عَّ ه بما ذكر فى الخبر.
ولنا قول النبى معَّ ه: ((إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك)). رواه ابن المنذر وابن
ماجة من طريق دراج أبى السمح عن ابن حجيرة عن أبى هريرة رفعه، وسنده حسن. فإن دراجا
مختلف فیه). وروى عن النبى مێ، أنه قال: ((لیس فى المال حق سوى الزكاة))، رواه ابن ماجة من
طريق شريك عن أبى حمزة عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس مرفوعا (ص ١٢٩)، وسنده حسن.
وفى حديث الأعرابى الذى سأل فيه رسول الله ◌َّةٍ: ما ذا فرض الله على من الصدقة؟ قال:
((الزكوة. فقال: هل على غيرها؟ قال: ((لا، إلا تطوع شيئا)) (متفق عليه)، أو كما قال.
(١) وفى "التقريب" (ص ٣٨)؛ سعيد بن عياض، بدون الياء، الثمالى الكوفى صدوق من الثانية.

٤٧
مشروعية العارية
إعلاء السنن
٥٢٣١- وفى "الدر المنثور" (٤٠٠:٦): أخرج ابن قانع عن على بن أبى طالب
رضى الله عنه سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام
ويرد عليه ما هو خير منه. ولا يمنع الماعون)). قلت: يا رسول الله! ما الماعون؟ قال:
(الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك))، وأخرجه ابن أبى حاتم وابن مردويه عن قرة بن
دعموص النميرى مرفوعًا، والبأوردى عن الحارث بن شريح مرفوعًا نحوه، وفسر
الحديد بقدر النحاس، وحديد الفأس الذى يمتهنون به، والحجر بالقدر من الحجارة اهـ.
والآية قال عكرمة فى تفسيرها: إذا جمع ثلاثتها فله الويل: إذا سها عن الصلاة، ورأى،
ومنع الماعون، رواه الفريابى وابن المنذر والبيهقى عنه: أنه سئل عن الماعون، فقال: ((هى العارية
فقيل فمن يمنع متاع بيته فله الويل قال لا ولكن إذا جمعهن ثلاثتهن فله الويل)) الحديث (الدر المنثور
٤٠١:٦). وقال ابن حزم فى "المحلى" بعد ما ذكر الآثار فى تفسير الماعون بالعارية: وهو قول
عكرمة وإبراهيم وغيرهما. وما نعلم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم خلافا لهذا.
فإن قيل: قد روى عن على رضى الله عنه أنها الزكاة. قلنا: نعم! ولم يقل: ليست العارية.
ثم قد جاء عنه، أنبها العارية فوجب جمع قوليه، وأخرج ابن أبى حاتم عن عكرمة قال: ((رأس
الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة))، كما فى "الدر المنثور". فإن قيل: قد روى عن
ابن عباس: لم يأت أهلها (أى مصداق هذه الآية) بعد من طريق ليث عن مجاهد. قلنا: نعم، وهذا
غير مخالف لما صح عنه من طريق مجاهد، لأن معنى قوله: لم يأت أهلها بعد، أى أن الناس اليوم
يتباذلون ولا يمنعون، وسيأتى زمان يمنعونه. ولا يحتمل ألبتة قول ابن عباس إلا هذا الوجه، وبالله
التوفيق اهـ (١٦٩:٩).
وفي "أحكام القرآن" للجصاص بعد ذكر الاختلاف فى تفسير الماعون، ما نصه: قال
أبوبكر: يجوز أن يكون جميع ما روى فيه مراد لأن عارية هذه الآلات قد تكون واجبة فى حال
الضرورة إليها (إذا خيف على المستعير الضرر فى النفس أو المال لو منع منها، كما إذا كان عطشان
يخاف عليه لو منع الماء أو الدلو، أو جائعا يخاف عليه لو منع القدر والفأس ونحوهما، أو حمل
عليه سبع يخاف عليه منه لو منع العصا والحربة ونحوها). ومانعها مذموم، مستحق للذم .
وقد يمنعها المانع لغير ضرورة ، فينبئ ذلك عن لؤم ومجانبة أخلاق المسلمين. وقال النبى عليه:
(بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) اهـ (٤٧٥:٣).
وفى "البحر": ومن محاسنها (أى العارية) النيابة عن الله تعالى فى إجابة المضطر. لأنها

٤٨
ج - ١٦
باب أن العارية مؤداة
٥٢٣٢- عن الحسن عن سمرة عن النبى عّ لّه قال: ((على اليد ما أخذت حتى
تؤديه)). رواه الخمسة إلا النسائى. زاد أبو داود والترمذى: قال قتادة: ثم نسى الحسن
فقال: هو أمينك لا ضمان عليه، أخرجه فى "المنتقى" (نيل الأوطار ١٧٦:٥).
لا تكون إلا لمحتاج كالقرض. فلذا كانت الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشرة اهـ (٢٧٩:٦).
وأخرج البخارى عن أبى هريرة: ((أن رسول الله عَ لَّه قال: ((نعم المنيحة اللقحة الصفى منحة.
والشاة الصفى تغدو بإناء وتروح بإناء)». وفى لفظ له "نعم الصدقة" اهـ. قال الحافظ
فى "الفتح": والمراد بها فى أحاديث الباب هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنبها، ثم ترد هى
لصاحبها اهـ (١٧٩:٥)، والله تعالى أعلم.
باب أن العارية مؤداة
أقول: الأحاديث يقوى بعضها بعضا، وهى صريحة فى الباب. واستدل قوم بحديث سمرة
أن العارية مضمونة وليس فيه ما يدل عليه لأن الحديث إنما يدل على وجوب تأدية عين ما أخذ.
وقال ابن القطان: وهذا يمكن الاستدلال به لإغرام القيم فى المتلفات من العوارى. وقال: وقد رواه
ابن أبى شيبة عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة پاسناده فقال فیه:(حتی یؤدیه))، فهو
زيادة الهاء موجب لرد العين بحسب ما كانت قائمة، كقوله: ((العارية مؤداة)). ذكر ذلك البزار
انتهى كلامه (الزیلعی ٢٩٩:٢) .
وقال فى ضوء النهار: إن الحديث إنما يدل على وجوب تأدية غير التالف، والضمان عبارة
عن غرامة التالف اهـ (النيل ١٧٦:٥) وأورد عليه الشوكانى بأن تقدير التأدية غير صحيح. لأنه قال
فى آخره: ((حتى توديه)). والشىء لا يكون غاية لنفسه، فينبغى أن يقدر الضمان، أو الحفظ.
وهذا كلام فاسد لأن قوله: ((حتى تؤديه)) غاية لوجوب التأدية المستفاد من قوله "على"،
لا لنفس التأدیة. والمعنى أن ذمة الآخذ مشتغلة بأداء ما اخذ إلی أن یودیه فلما أدی برئ ذمته.
فلا يلزم كون الشئ غاية لنفسه، وتقدير الضمان غير صحيح، لأنه لا ضمان مع بقاء العين،
والكلام فيه، ولا تقدير الحفظ لأن الكلام مسوق الإيجاب التأدية لا لإيجاب الحفظ، كما لا يخفى
على من له ذوق صحيح ومعرفة بأساليب الكلام.
ولما كان معنى الحديث وجوب تأدية عين ما أخذ لا يكون لقول قتادة: ثم نسى الحسن
معنى، لأنه لا معارضة بين الحديث وبين ما قال الحسن، حتى ينسب النسيان إليه وظهر منه أيضا

٤٩
باب أن العارية مؤداة
إعلاء السنن
٥٢٣٣- وعن أبى أمامة، أنه سمع النبى عّ لّه يقول فى حجة الوداع: ((العارية
مؤداة)). أخرجه أبو داود، وحسنه الترمذى، وصححه ابن حبان (النيل ١٧٦:٥)،
وأخرجه أيضًا الطبرانى فى سند الشاميين من حديث أنس بن مالك (الزيلعى ١٩٧:٢)،
وأخرجه أيضًا البزار فى "مسنده" عن ابن عمر (الزيلعى ٢٢٨:٢).
سقوط ما قال الشوكانى: أما مخالفة رأى الحسن لروايته، فقد تقرر فى الأصول أن العمل بالرواية
لا بالرأى اهـ (النيل ١٧٧:٥). ووجه السقوط أنه لا مخالفة بين الرأى والرواية. والعجب منهم
أنهم يعترفون بأن العبرة للرواية دون الرأى، ومع ذلك هم يحتجون برأى ابن عمر فى خيار المجلس،
ويقولون: الراوى أعلم بما رواه. ثم يحالفونه ههنا، ويقولون: إنما العبرة للرواية لا للرأى،
ولا يقولون: إن الراوى أعرف بما رواه فتدبر. قال العبد الضعيف: ولا يخفى ما فى جواب بعض
الأحباب من الوهن، لأن لفظة "على" إنما تدل على الوجوب فقط. وأما أن وجوب أى شئ مراد
ههنا؟ ففيه النزاع. فقال بعضهم: وجود التأدية هو المراد. ورده الشوكانى: بأنه يستلزم كون الشىء
غاية لنفسه، فيكون المعنى، يجب على اليد تأدية ما أخذت حتى تؤديه، ولا معنى لوجوب التأدية
إلى التأدية. وهو ظاهر لكل من له ذوق سليم ومعرفة باللسان، ولو قال بعض الأحباب: إنا لا نقول
بتقدير التأدية، بل نقول: معناه يلزم اليد ما أخذته حتى تؤديه، أى تكون الذمة مشتغلة بها إلى غاية
الأداء، لكان أحسن وأولى، ولا دلالة فيه على وجوب الضمان.
وفى "الجوهر النقى": ثم ذكر البيهقى عن الحسن عن سمرة عنه عليه السلام: ((على اليد ما
أخذت حتى تؤديه)). ثم إن الحسن نسى حديثه فقال: هو أمينك لا ضمان عليه. قلت: لم يسمع
الحسن من سمرة هذا الحديث (أى عند البيهقى ومن وافقه، لأنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة
عندهم. وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور والحديث صححه الحاكم لثبوت سماعه منه
عنده، وهو قول الجمهور، كما تقدم). وأيضا الأداء فرض ولا يلزم منه الضمان ولو لزم من هذا
اللفظ الضمان للزم البيهقى أن يضمن الرهون والودائع، لأنها مما قبضت اليد، وإذا لم يدل الحديث
على الضمان فلم يخالفه الحسن فى قوله: لا ضمان عليه، ولم ينسه أيضا اهـ (٦: ٩٠).
والحاصل أن قوله مّ له: ((على اليد ما أخذت)) إنما يفيد اشتغال الذمة بعين ما أخذ لا بعوضه.
ولا يلزم من وجوب رد العين حال قيامها، وجوب رد المثل أو القيمة حال هلاكها، وقولهم: قيمتها
معناها ممنوع. لأن القيمة هى الدراهم والدنانير، وهى عين أخرى لها صورة ومعنى غير العين
الأولی، فالعجز عن رد أحد العینین، لم يوجب رد العین الأخرى. وفى باب الغصب لا يجب عليه

ج - ١٦
باب أن العارية مؤداة
٥٠
٥٢٣٤- وعن عطاء بن أبى رباح، قال: أسلم قوم وفى أيديهم عوارى
المشركين، فقالوا: قد أحرز لنا الإسلام ما بأيدينا من عوارى المشركين، فبلغ ذلك
رسول الله عَّ له فقال: ((إن الإسلام لا يحرز لكم ما ليس لكم، العارية مؤداة))، فأدى
ضمان القيمة بهذا الطريق، بل بطريق آخر، وهو إتلاف المغصوب معنى، كما علم فى بابه، وهنا لم
يوجد حتى لو وجد يجب الضمان، كذا فى "البدائع" (٢١٧:٦).
وقال الحافظ فى "الفتح": حكم العارية إذا تلفت فى يد المستعين أن يضمنها، إلا فيما إذا
كان ذلك من الوجه الماذون فيه. هذا قول الجمهور، وعن المالكية والحنفية إن لم يتعد لم يضمن.
وفى الباب عدة أحاديث، ليس فيها شىء على شرط البخارى أشهرها حديث أبى أمامة، أنه سمع
النبى معَّ فى حجة الوداع يقول: ((العارية مؤداة والزعيم غارم)). أخرجه أبو داود، وحسنه
الترمذى، وصححه ابن حبان. قلت: فى الاستدلال به نظر، وليس فيه دلالة على التضمين لأن الله
تعالى قال: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وإذا تلفت الأمانة لم يلزم ردها، نعم،
روی الأربعة، وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة رفعه ((علی الید ما أخذت حتى
نؤديه)). وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، فإن ثبت ففيه حجة لقول الجمهور اهـ (١٧٨:٥).
قال العبد الضعيف: ولا حجة لهم فيه كما تقدم، فإنه ليس فيه إلا الأداء، وهكذا نقول، والأداء
غير الضمان فى اللغة والحكم، وليس فيه أنها مضمونة أصلا فبطل تعلقهم به.
وقال الموفق فى "المغنى" (٣٥٥:٥): ويجب رد العارية إن كانت باقية، بغير خلاف (قلت:
وهو معنى قوله عَّ: ((على اليد ما أخذت))) ويجب ضمانها إن كانت تالفة، تعدى فيها المستعير
أولم يتعد. روى ذلك عن ابن عباس وأبى هريرة، وإليه ذهب عطاء والشافعى وإسحاق. وقال
الحسن والنخعى والشعبى وعمر بن عبد العزيز والثورى وأبو حنيفة ومالك والأوزاعى وابن شبرمة:
هى أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدى، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبى عَ لّه
قال: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان)). ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة. قالوا:
وقول النبى معَّ ◌ُله: ((العارية مؤادة)) يدل على أنها أمانة لقول الله تعالى: ﴿إن الله يأمر كم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها﴾ قال: ولنا قول النبى معَ له فى حديث صفوان: ((بل عارية مضمونة)). وروى
الحسن عن سمرة عن النبى معَّ له، أنه قال: ((على اليد ما أخذت)) الحديث، رواه أبو داود والترمذى،
وقال: حديث حسن غريب (قلت: قدم تقدم الجواب عن حديث سمرة، وسيأتى الكلام فى
حديث صفوان فى الباب الآتى). قال: ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه، من غير

٥١
باب أن العارية مؤداة
إعلاء السنن
القوم ما بأيديهم من العوارى، أخرجه الدار قطنى والبيهقى، وقال الدارقطنى: هذا
مرسل ولا يقوم به حجة (الزيلعى ص ٢٢٨)، قلت: المرسل حجة عندنا، ومع ذلك
قد تأيد بمسانید.
استحقاق ولا إذن فى الإتلاف.
قلنا: خروج عن المبحث، فإن الكلام فى التلف دون الإتلاف، لكونه من التعدى، والمتعدى
ضامن إجماعا.
وأما قوله: إنه أخذ ملك غير لنفع نفسه إلخ. فنقول: لم يوجد من المستعير سبب وجوب
الضمان، لأن الضمان لا يجب على المرأ بدون فعله، وفعله الموجود منه ظاهرا هو العقد والقبض،
وكل واحد منهما لا يصلح سببا لوجوب الضمان. أما العقد فلأنه عقد تبرع بالمنفعة تمليكا، أو
إباحة على اختلاف الأصلين. وأما القبض فلوجهين، أحدهما أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح
سببا لوجوب الضمانٍ، فبالإذن أولى. لأن قبض مال الغير بغير إذنه هو إثبات اليد على مال الغير
وحفظه وصيانته عن الهلاك، وهذا إحسان فى حق المالك. وما على المحسنين من سبيل، فمع الإذن
أولى. والثانى أن القبض المأذون فيه لا يكون تعديا، لأنه لا يفوت يد المالك، ولا ضمان إلا على
المتعدى. قال تعالى: ﴿ولا عدوان إلا على الظالمين﴾ بخلاف قبض الغصب، فإنه غير مأذون فيه،
ويفوت يد المالك (البدائع ٢١٧:٦). قال: فكان مضمونا كالغاصب، (قلنا: قياس مع الفارق كما
ذكرناه آنفا) والمأخوذ على سوم الشراء، (قلنا: المقبوض على وجه السوم غير مضمون بالقبض، بل
بالعقد بطريق التعاطى بشرط الخيار الثابت دلالة، كما علم فى بابه).
قال: وحديثهم يرويه عمرو بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان عن عمرو بن شعيب،
وعمرو وعبيدة ضعيفان، قاله الدارقطنى اهـ. قلنا: الجرح المبهم لا يقبل إلا بتبين السبب، وعبيدة
هذا لم يضعفه أحد من أهل هذا الشان فيما علمت، ولا ذكر له فى كتاب ابن عدى أصلا، وذكره
البخارى فى تاريخه ولم يذكر فيه جرحا. (وعادته ذكر الجرح والمجروحين) وعمرو بن عبد الجبار
أيضا لم يضعفه أحد فيما علمت، وذكره ابن عدى ولم يزد على قوله: له مناكير، "الجوهر النقي"
(٩١:٦). أى وهذا لا يوجب الضعف، لأن المنكر قد يطلق فى كلام المتقدمين على مطلق التفرد،
ولیس من الجرح فی شیء.
قلت: ولكن عبيدة بن حسان ذكره الذهبى فى "الميزان"، فقال: قال أبو حاتم: منكر
الحديث. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات، روى عنه خالد بن حبان الرقى وابن أخيه
عمرو بن عبد الجبار بن حسان. وقال الدارقطنى: ضعيف (١٧٥:٢).
7

٥٢
ج - ١٦
باب العارية المضمونة وغير المضمونة
٥٢٣٥- حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية
بن صفوان بن أمية عن أبيه، أن رسول الله عّ لّه استعار منه يوم حنين أدراعا، فقال:
أغصبا يا محمد؟ فقال: ((بل عارية مضمونة)). قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول
الله ◌َ ◌ّه أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله عّ بله فى الإسلام أرغب، أخرجه
أحمد (المسند ٤٠١:٣).
فعلم بذلك أن الدارقطنى لم ينفرد بتضعيفه بل له سلف فى ذلك، فالأثر لا يصح(١) مرفوعا،
وإنما هو قول شريح رويناه من طريق عبد الرزاق، سمعت هشام بن حسان يذكر عن محمد بن
سيرين عن شريح هذا القول (المحلى ٩: ١٧٠). رواه البيهقى من طريق حماد بن سلمة عن أيوب
وقتادة وحبيب ويونس عن ابن سيرين، أن شريحا قال: ليس على المستودع غير المغل ضمان ولا
غلی المستعیر، كما سيأتى. فلا يصح القول بوجوبه إلا بدلیل، ولا دليل عند الجمهور، و کل ما
احتجوا به لا ينتهض للاحتجاج به، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فانتظر.
قال الموفق. ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والأجزاء اهـ. قلنا: فيحتمل أن يكون عّ لّه أراد
بقوله فى حديث صفوان: (بل عارية مضمونة)) ضمان الرد، وبه نقول فلا يحمل على ضمان الغير
مع الاحتمال يؤيد ما قلنا ما روى عن رسول الله عَّه فى هذه القصة، أنه قال: ((بل عارية مؤداة))
قال: وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه السوم (٣٥٦:٥) قلت: كلا! فإن المقبوض على وجه
السوم ليس بمضمون بالقبض، بل بالعقد بالطريق التعاطى بشرط الخيار الثابت دلالة، كما مر.
باب العارية المضمونة والعارية المؤداة
أقول: الأحاديث تدل على أن للمستعير أن يلتزم ضمان العارية تبرعا. وهذا الالتزام إنما
يكون بحسب الديانة لا القضاء. لأن هذا وعد بالضمان، ويجب إيفاء الوعد ديانة لا قضاء،. وهذا
لا يخالف مذهب أبى حنيفة، لأنه إنما يبطل شرط الضمان قضاء لا ديانة، وهذا التفصيل وإن
لم نجد فى كتب المذهب إلا أنه يجب حمل كلامهم عليه بالنظر إلى الأدلة، لأن الأحاديث تدل على
(١) ورواه ابن ماجة من طريق المثنى . الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ (من أودع وديعة فلا ضمان
- عليه) (ص١٧٥). فالحديث هذا وذكر العارية فيه من بلايا عبيدة بن حسان. اللهم إلا أن يقال: إن روايته تأيدت بقول شريح
بنحوها، والضعيف إذا تأيد بقول صحابى أو فتيا عالم تقوى، والله تعالى أعلم.

٥٣
العارية المضمونة وغير المضمونة
إعلاء السنن
٥٢٣٦- وأخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق، حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة
عن عبد الرحمن بن جابر عن جابر بن عبد الله، أن النبى عّ لّه لما أراد المسير إلى حنين
بعث إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعا، مائة درع وما يصلحها من عدتها فقال: أغصبا
يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك (الزيلعى ٢٢٧:٢). قال الحاكم:
صحيح الإسناد.
جواز التزام الضمان، ثم هو تبرع من المستعير كما أن الإعارة تبرع من المعير والشرع لا يمنع التبرع
وقد يحتاج إليه، لأن المعير قد لا يرضى بالإعارة لخوف الهلاك وعدم الضمان، ويتضرر به الناس.
وقال فى "الدر المختار": وشرط الضمان باطل كشرط عدمه فى الرهن خلافا للجوهرة،
وقال فى "رد المحتار": قوله: خوفا للجوهرة، حيث حزم فيها بصيرورتها مضمونه بشرط
الضمان. ولم يقل: فى رواية، مع أن فيها روايتين. كما يؤخذ من عبارة الزيلعى أهـ (٥٢٥:٤).
ويظهر منه أن فى وجوب الضمان بالشرط روايتين فى المذهب، جزم بإحداهما فى الجوهرة
والأخرى فى غيرها. يمكن التطبيق بين الروايتين بما قلنا: إن الوجوب بالنظر إلى الديانة وعدم
الوجوب بالنظر إلى القضاء.
ثم اعلم أن ما قال فى "رد المحتار": إن صاحب الجوهرة جزم بصيرورتها مضمونة بشرط
الضمان ولم يقل: فى رواية، مع أن فيها روايتين كما يؤخذ من عبارة الزيلعي، فيه نظر، لأن
صاحب الجوهرة قال: إن شرط فيها الضمان كانت مضمونة بالشرط، بقوله عليه السلام لصفوان
ابن أمية حين استعار منه أدرعا قال له صفوان: أغصبا تأخذ يا محمد؟ فقال: ((بل عارية مضمونة
نأخذها بشرط الضمان)) وفى "الينابيع": أعرفى دابتك أو ثوبك، فإن ضاع فإنا ضامن له فالشرط
لغو لا يضمن، انتهى (الجوهرة ٤١:٢). وهذا يدل على أنه لم يكتف برواية واحدة بل ذكر الرواية
الأخرى أيضا، وعبارة رد المحتار يدل على أنه لم يتعرض للرواية الثانية أصلا، وهو خلاف الواقع،
فكان الأولى أن يقول: كما يؤخذ من الجوهرة نفسها، لأنه جزم أولا بالضمان، ثم نقل عن الينابيع
خلافا، فتدبر.
فائدة: قال العظيم آبادى فى "التعليق المغنى": وأعلى ابن حزم وابن القطان طرق حديث
صفوان بن أمية، وقال ابن حزم: أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية (الدار قطنى ص٣٠٦). أقول:
أما ابن القطان فأعله بشريك، وهو مردود، بأن شريك لم يتفرد به بل تابعه عليه قيس بن الربيع عند
"الدار قطنى" (ص ٣٠٥). ولكن زاد فى الإسناد ابن أبى مليكة، فرواه عن عبد العزيز عن ابن أبى

٥٤
ج = ١٦
العارية المضمونة وغير المضمونة
٥٢٣٧- وأخرج الحاكم من طريق خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن عكرمة
عن ابن عباس أن رسول الله عَ لّه استعار من صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فى غزوة
حنين، فقال: يا رسول الله! أعارية مؤداة؟ قال: ((نعم، عارية مؤداة)) (المستدرك (٤٧:٢)،
وصححه على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى.
مليكة عن أمية عن أبيه صفوان، وله شاهد أيضا من رواية جابر كما ذكرناه فى المتن، وأما ابن حزم
فلا أدرى بأى شىء أعله، ويمكن أن يكون أعله بالاضطراب فى السند والمتن.
أما الاضطراب فى السند، فلأن عبد العزيز قد يرويه عن أمية كما رواه عنه شريك. وقد
يرويه عن ابن أبى مليكة عن أمية كما يرويه عنه قيس، وقد يرويه عن عطاء عن أناس من آل عبد الله
بن صفوان كما رواه عنه جرير. وقد يرويه عن عطاء عن ناس من آل صفوان كما يرويه عنه أبو
الأحوص. وقد يرويه عن ابن مليكة عن عبد الرحمن بن صفوان كما رواه عنه إسرائيل.
وأما الاضطراب فى المتن، فلأنه قد يروى "عارية مضمونة" وأخرى "عارية مؤداة" أما
العارية المضمونة، فرواه شريك وقيس عن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق عن عاصم عن عبد
الرحمن من جابر عن أبيه. وأما العارية المؤداة، فرواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند فيه
حجاج عند الدار قطنى وابن عياش عند الدارقطنى والحاكم وجرير عن عبد العزيز. ومثل هذا
الاضطراب موجود فى رواية يعلى بن أمية أيضا، فإن هما ما قد يرويه "أنه قال: قلت: أعارية
مضمونة أو عارية مؤداة"؟ فقال: بل عارية مؤداة. وقد يرويه أنه قال: قلت: والعارية مؤداة؟ قال:
نعم، والروايتان عند الدارقطنى، فلا يصح فيه أيضا، أن يقال: أنه أحسن ما فى الباب إلا أن يقال:
إنه قال: إنه أحسن، لأنه سالم عن جرح السند من ضعف الرواة والجهالة والاضطراب، والله أعلم.
الرد على بعض الأحباب فى دعواه الاضطراب
فى حديث يعلى بن أمية، وهو أحسن شىء فى الباب:
قال العبد الضعيف: قد تقدم أن بعض الأحباب لم يحفظ من علم الحديث إلا الاضطراب.
ونسى أن مجرد الاختلاف ليس من الاضطراب فى شىء، إذا أمكن الجمع والتوفيق، والعجب أنه
ادعى الاضطراب فى حديث يعلى بن أمية أيضا، لمجرد أنه قال مرة: "أعارية مضمونة أو عارية
مؤداة"؟ فقال: بل عارية مؤداة، وأخرى: قلت: والعارية مؤداة قال: نعم، ولا يخفى أنهما متحدان
معنى، وليس إلا أنه اختصر اللفظ مرة وطوله أخرى فإن كان هذا هو الاضطراب، لم يسلم لنا

٥٥
العارية المضمونة وغير المضمونة
إعلاء السنن
٥٢٣٨- وأخرج أبو داود من طريق جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من
آل عبد الله بن صفوان: أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((يا صفوان! هل عندك من سلاح؟))
قال: عارية أم غصبا؟ قال: ((لا، بل عارية)). فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا،
وغزا رسول الله عَ ◌ّ حنينا، فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان، ففقد منها
درعا، فقال النبى عَّ لصفوان: ((إنا فقدنا من أدراعك أدراعا، فهل نَغرم له؟ قال: لا، يا
رسول الله! لأن فى قلبى اليوم ما لم يكن يومئذ)) (أبو داود ١٤٥:٢).
حديث رواه البخارى فى "صحيحه" من الاضطراب البتة لما عرف من عادته أنه يسوق الحديث
بأتم سياق مرة، وأخصره أخرى، والحديث أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٧٣:٩) من طريق
النسائى، أنا إبراهيم بن المستمر نا حبان بن هلال نا همام بن يحيى نا قتادة عن عطاء بن أبى رباح
عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه، قال: قال لى رسول الله عَّهِ: ((إذا أتتك رسلى فاعطهم
ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا)). فقلت: يا رسول الله! أ عارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ قال: ((بل عارية
مؤداة)).
قال ابن حزم: فهذا حديث حسن ليس فى شىء مما روى فى العارية خبر يصح غيره. وأما ما
سواه فلا يساوى الاشتغال به. وقد فرق فيه بين الضمان والاداء وأوجب فى العارية الأداء فقط
دون الضمان، فبطل كل ما تعلقوا به من النصوص اه، قال عبد الحق فى "أحكامه": حدیث یعلی
ابن أمية أصح من حديث صفوان بن أمية (الزيلعى ٢٢٨:٢).
أعل ابن حزم حديث صفوان فى إعارة الدرع بجميع طرقه:
وأعل ابن حزم حديث صفوان بجميع طرقه، بالإرسال مرة وبضعف الرواة أخرى. فأخرجه
من طريق شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية، وقال: شريك مدلس
للمنكرات إلى الثقات، قد روى البلايا والكذب الذى لا يشك فيه. ثم أخرجه من طريق الحارث
ابن أبى أسامة، نا يحيى بن أبى بكير نا نافع عن صفوان بن أمية. وقال: الحارث متروك، ويحيى بن
أبى بكير لم يدرك نافعا. ومن طريق ابن وهب عن أنس بن عياض عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن
صفوان بن أمية أعار رسول الله عَّه، الحديث. وأعله بالانقطاع، لأن محمد بن على لم يدرك
صفوان ولا ولد إلا بعد موته بدهر، ومن طريق مسدد، نا أبو الأحوص نا عبد العزيز بن رفيع عن
عطاء بن أبى رباح عن ناس من آل صفوان بن أمية، قال: وهذا عن ناس لم يسموا، ومن طريق

ج - ١٦
العارية المضمونة وغير المضمونة
٥٦
٥٢٣٩- وأخرج عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن بعض بنى صفوان عن صفوان، أن
رسول الله عّ لّه استعار منه عاريتين: إحداهما بضمان، والأخرى بغير ضمان
(الزيلعي ٢٢٨:٢).
إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبى مليكة عن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول
الله عَ لّهِ.
وقال: إسرائيل ضعيف. ثم ليس فى قوله مّ له: ((إن شئت غرمناها لك))، لو صح بيان
بوجوب غرمها، ومن طريق ابن وهب عن ابن جريج ويونس وعبيد الله بن عمر قال: ابن جريج
عن عطاء ويونس عن ربيعة وابن عمر عن الزهرى فذكر دروع صفوان وأن النبى مع به قال: ((بل
طوعا وهى علينا ضامنة))، وأعله بالإرسال.
ثم أخرجه من طريق ابن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع عن إياس
بن عبد الله بن صفوان أن رسول الله عَّ ◌ُلّه فذكر الحديث. وفيه: فقال له أى لصفوان رسول الله
عَّ ◌ُله: ((إنا فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك؟)). فقال: لا يا رسول الله! إن فى قلبى اليوم ما لم
يكن. وقال: هذا مرسل كتلك، وهو يبين أنها غير مضمونة فى الحكم (١٧١:٩ و١٧٢).
تصحيح حديث صفوان فى العارية والجواب عن إشكال وارد فيه:
والحق أن الحديث فى استعارته ◌ٍّ من صفوان صحيح أيضا، لا سيما، وقد أخرجه الحاكم
من طريق ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن جابر بن عبد الله
وصححه. ومن طريق إسحاق بن عبد الواحد القرشى عن خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن
عكرمة عن ابن عباس وصححه على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى، وإسحاق بن عبد الواحد
كثير الحديث. رجال فيه كتب وصنف وكتب عنه الناس. وقال الخطيب: لا بأس به. وذكره ابن
حبان فى "الثقات"، وتكلم فيه آخرون، كما فى "التهذيب" (٢٤٢:١). فحاله كحال ابن إسحاق
ونظرائه. وقد عرفت أن له طرقا عديدة، مرسلة وموصولة، يقوى بعضها بعضا. فلا بد من القول
بأن له أصلا، فيقال: إن رسول الله عَ ◌ّه كان قد استعار من صفوان بن أمية دروعا، ومن أخيه يعلى
بن أمية دروعا.
نعم، بقی فی حدیث صفوان إشكال، وهو أنه قال مرة بل عارية مضمونة، وأخرى بل
عارية مؤداة. والروايتان عند أبى دواد والنسائى والحاكم كلاهما فى عارية صفوان.

٥٧
العارية المضمونة وغير المضمونة
إعلاء السنن
٥٢٤٠- وأخرج أبو داود عن صفوان بن يعلى عن أبيه، قال: قال لى رسول
الله ◌َ له: ((إذا أتتك رسلى فأعطهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا)) قال: قلت: يا رسول الله!
قال صاحب "التنقيح" بعد ذكره الروايتين: وهذا دليل على أن العارية منقسمة إلى مؤداة
ومضمونة. قال: ويرجع ذلك إلى المعير. فإن شرط الضمان كانت مضمونة، وإلا فهى أمانة. قال:
وهو مذهب أحمد. (وهو رواية عن أبى حنيفة، كما سنذكره) وعن أحمد أنها مضمونة بكل
حال، وقال أبو حنيفة: لا يضمن إلا إذا فرط فيها، وقال الزيلعى: بل هما واقعتان يدل عليه ما رواه
عبد الرزاق فى البيوع: أخبرنا معمر عن بعض بنى صفوان عن صفوان، أن النبى معَّ لّ استعار منه
عاریتین، إحداهما بضمان والأخری بغیر ضمان، انتهی (٢٢٨:٢). وهذا وإن کان فیه راو لم يسم
فإنه يصلح للجمع بين الروايات ورفع الاضطراب عنها کما لا يخفى.
إذا ثبت هذا، فالظاهر أنه عّ لِّ استعار منه بضمان حين عرف بعدم دخول الإيمان فى قلبه،
واستعار منه بغير ضمان حين عرف بدخول الإيمان فى قلبه، والظاهر من عادته ◌ّ ◌ّ أنه كان لا
يستعير من الكفار شيئا إلا يضمان، يدل عليه ما رواه أبو عبيد فى الأموال من كتاب العهد الذى
کتبه رسول الله مێ لأهل نجران حین صالحهم، قال: حدثنی أیوب الدمشقی ثنی سعدان بن أبی
يحبى عن عبيد الله بن أبى حميد عن أبى المليح الذهلى، فذكر نسخة طويلة، وفيها: وعلى أهل
نجران مقری رسلی عشرين ليلة فما دونها. وعلیهم عارية ثلاثین فرسا وثلاثین بعیرا وثلاثين درعا
إذا کان کید بالیمن ذو معذرة. وما هلك مما أعاروا رسلی فهو ضامن علی رسلی حتی یؤدوه
إليهم، الحديث. قال: وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن
الزبير نحو هذه النسخة اهـ (ص١٨٨ و ١٨٩) قلت: الأول مرسل ضعيف والثانی مرسل صحيح،
ورواه سعيد بن منصور، نا سفيان عن عمرو بن دينار: شرط رسول الله عَّ ◌ُّه على أهل نجران عارية
ثلاثين فرسا وثلاثين درعا وثلاثين رمحا. فإن ضاع منها شىء فهو ضامن على رسله. شهد المغيرة
بن شعبة وأبو سفيان بن حرب والأقرع بن حابس. كذا فى "المحلى" (١٧٢:٩).
قال ابن حزم: هذا منقطع لم يدرك عمر ومن هؤلاء أحدا. قلت: نعم! ولكن المرسل إذا
تعدد مخرجه فهو حجة عند الكل. كما مر فى المقدمة، وفيه أيضا عن يحيى بن سعيد قيل له:
مرسلات مجاهد أحب إلى اهـ. وبعد ذلك، فلا حجة لأحد فى حديث صفوان على إيجاب
ضمان العارية مطلقا، وغاية ما فيه أنه عرّ لم يستعر من الكفار المسالمين شيئا إلا بالضمان؛ لأنه
كان لا يقبل زبد المشركين وكان يكره أن تكون لفاجر عنده نعمة لم يكافئه بها. وهذا لا نزاع فيه

٥٨
العارية المضمونة وغير المضمونة
ج - ١٦
أ عارية مضمومة أو عارية مؤداة؟ قال: ((بل مؤداة)) (أبو داود ١٤٦:٢).
فإنه من كرم الأخلاق، وينبغى للمسلم أن يضمن عوارى الكفار إذا ضاعت عنده، کیلا يتهموه
بالخيانة لا سيما إذا لم يرضوا بالإعارة إلا بالضمان وإنما النزاع فى وجوبه قضا، ولا دلالة فيه على
ذلك أصلا.
قال فى "الجوهر النقى": ذكر البيهقى قوله عليه السلام: ((بل عارية مضمونة)) من وجوه:
فى الأول: ابن إسحاق، وفى الثانى: شريك، وفيهما كلام، وأخرج الثانى أبو داود، وقال: هذه
رواية يزيد ببغداد، وروايته بواسطة على غير هذا. وفى الثالث: قيس بن الربيع ضعفه البيهقى، وفى
الرابع: مجهول ولفظه ((إن شئت غرمناها لك)).
وهذا يدل على أنها غير مضمونة، إذ لو كانت مضمونة لغرم عليه السلام ما ضاع منها
بدون أن يرد المشيئة إليه، وفى "الإشراف" لابن المنذر: وفى بعض الأخبار أنه عليه السلام قال
لصفوان: ((إن شئت غزمناها لك)) وفى هذا دليل على أنها ليست بمضمونة (ولو كانت(١) كالقرض
كما قاله من أوجب ضمانها، لم يكن لقوله: إن شئت غرمناها لك معنى، فإن القرض مضمونة
إجماعا، ولم يثبت قط أنه مَ ◌ّه قال لمن له عليه دين معلوم: (إن شئت غرمناه لك))، بل كان يقضيه
له شاء أو أبى، فافهم).
قال: ولا أعلم مع من رأى تضمينها حجة توجب ذلك، انتهى، كلامه. وأيضا لو كانت
مضمونة لغنى عليه السلام عن ذكر الضمان، ولقال: ((وهل تكون العارية إلا مضمونة))؟.
ثم کثر البیہقی وجوه الحدیث ثم قال: بعض هذه الأخبار وإن کان مرسلا فإنه يقوى
بشواهد هذه والموصولة قبله. قلت: هذا الحديث اضطرب سندا ومتنا، وجميع وجوهه لا يخلو عن
نظر. ولهذا قال صاحب التمهيد: الاضطراب فيه كثير، ولا حجة فيه عندى فى تضمين العارية.
(١) وبهذا ظهر الجواب عن دليل القياس الذى احتج به الخصم حيث قال: وجدنا كل ما يقبضه بعض الناس من بعض الناس من
بعض الأموال على ثلثة أقسام، أحدها قسم منفعته للدافع دون المدفوع إليه، كالوديعة والوكالة، فهذا غير مضمونة، وثانيها
قسم منفعته للدافع والمدفوع إليه معا كالقراض. وقد اتفقنا على أنه غير مضمونة، فوجب أن یکون الرهن و کل ما فى الباب
كذلك، وثالثها ما منفعته للمدفوع إليه دون الدافع، كالقرض وقد صح الإجماع على أنه مضمون، فوجب أن تكون العارية
وكل ما فى هذا الباب كذلك، "المحلى" (١٧٣:٩). والجواب أن العارية تفارق القرض، لكون المستقرض يملك ما استقرضه
بعوض ولا يملك المستعير ما استعاره، ولنا أن نعارض هذا القياس بالصدقة، ونقول: إن العارية نصدق بالمنفعة فلا ضمان.
ويؤيده إطلاق المنيحة على العارية، وهى العطية. (المؤلف)

٥٩
العارية المضمونة وغير المضمونة
إعلاء السنن
انتهى كلامه (قلت: قد أشرنا إلى رفع الاضطراب من المتن، وهو من طريق جابر وابن عباس عند
الحاكم سالم من الاختلاف، وإذا صح للحديث طريق واحد وسلم من شوائب الطعن تعين المصير
إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين، قاله "الزيلعى" (٣٥:١). وفى "الجوهر النقى": وإذا أقام ثقة إسنادا
اعتمد، ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا الاختلاف اهـ
(١: ٤٠). وقد عرفت أن الاضطراب إنما هو فى طريق عبد العزيز بن رفيع، ولا أثر له فى طريق ابن
إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن جابر بن عبد الله، ولا فى طريق
خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، كما لا يخفى). قال: ثم على تقدير صحة قوله: مضمونة،
المراد مردودة أى مضمونة الرد عليك، بدليل قوله: حتى نوديها إليك. ويحتمل أن يريد اشتراط
الضمان والعارية بشرط الضمان مضمونة فى رواية للحنفية اهـ (٩٠:٦).
يملك المستعير أن يعير غيره:
فائدة: حديث استعارته عّ لّ أدرعا من صفوان ومن يعلى بن أمية يدل على أن للمستعير أن
يعيرها غيره، لأنه عرِّ كان هو المستعير، ثم أعارها من لم يكن له درع من المسلمين. فإن قيل:
کان ذلك معلوما لصفوان وأخیه أنه ماێ استعارها لغيره لا نفسه، فلم يكن فيه دليل لجواز إعارة
المستعير غيره مطلقا، قلنا: ولكنه عَ ظُلّه لم يقل لهما: إنى استعيرها لغيرى، ولو لم يملك المستعير أن
يعير غيره لصرح بذلك، ولم يكتف بعلمهما، كما هو الظاهر من عادته عدّ فى المعاملات، ومن
ادعى غير ذلك فعليه البيان، وأصرح من ذلك ما رواه البخارى عن أنس بن مالك أن أمه أم سليم،
كانت أعطت رسول الله عَّ عذاقا. قال: وكان الرجل يجعل للنبى عَّ النخلات، فأعطاهن
النبى عّ لّ أم ايمن مولاته.
فلما فرغ من قتل أهل خيبر فانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التى
كانوا منحوهم من ثمارهم، فرد النبى معَ ◌ّه إلى أمه عذاقها. وفى رواية له: أن أهلى أمرونى أن أسأل
النبى ◌َّ الذى كانوا أعطوه وكان قد أعاطاه أم أيمن فجعلت الثوب فى عنقى تقول: لا نعطيكم
وقد أعطانيه، قال: والنبى مَّ يقول: لك كذا، حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو كما قال، فتح البارى
(٥: ١٨٠). ولا يخفى أن عذاق أم سليم كانت منيحة عارية للنبى عرّ له ولم تكن هبة، وإلا لم
تستردها منه، فأعارها النبى عّ لّه أم أيمن، ولم يثبت فى طريق ما، ولو ضعيفة أن ذلك كان بإذن أم
سليم فثبت أن المستعير يملك أن يعير غيره إذا لم يشترط المعير انتفاعه بنفسه، والله تعالى أعلم.

٦٠
العارية المضمونة وغير المضمونة
ج - ١٦
٥٢٤١- نا وكيع: عن على بن صالح بن حى عن عبد الأعلى عن محمد ابن
الحنفية عن على بن أبى طالب، قال: العارية ليست بيعا ولا مضمونة، إنما هو معروف،
إلا أن يخالف فيضمن، رواه ابن أبى شيبة (المحلى ٩: ١٧٣)، قال ابن حزم: وهذا
صحیح عن على.
٥٢٤٢- نا: قيس بن الربيع عن الحجاج بن أرطاة عن هلال الوزان عن عبد الله
بن عكيم، قال عمر بن الخطاب: العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى،
رواه عبد الرزاق (المحلى ١٧٣:٩) أيضا، قال ابن حزم(١): وهو قول إبراهيم النخعى
وعمر بن عبد العزيز والزهرى وغيرهم اهـ. قلت: سند عبد الرزاق حسن فإن قيسا
والحجاج كلامهما مختلف فيهما، والباقون ثقات.
٥٢٤٣- عن شريح أنه قال: ليس على المستودع غير المغل ضمان، ولا على
قوله: نا وكيع إلخ. قال العبد الضعيف: قوله: "العارية ليست بيعا" ينفى شبهها بالمقبوض
على سوم الشراء، كما نبهنا على ذلك فيما مضى. ودلالته على كون العارية غير مضمونة ظاهرة،
وكذا دلالة أثر عمر بعده.
قوله: عن شريح إلخ. قال العبد الضعيف: حمل المالكية قوله: المغل، على المتهم. فقالوا: أما
ما غيب عليه كالحلى والثياب نحو ذلك، فيضمن جملة، وأما ما ظهر كالحيوان ونحوه، فلا ضمان
فيه ما لم يتعد. قالوا: يتهم المستعير فيما غاب، قلنا: ليس بالتهمة تستحل أموال الناس، ويلزمكم أن
تضمنوا الوديعة أيضا بهذه التهمة (المحلى ١٦٩:٩). وسيتم بقائلين به فالأولى حمل المغل فى قول
شريح على الخائن المتعدى، لأنه نفى الضمان عن غير المغل فى الوديعة والعارية سواء، وبالإجماع
لا يضمن المستودع ما لم بتعد فكذلك المستعير وهو قول على وعمر رضى الله عنهما.
الجواب عما احتج به الخصم على تضمين العارية:
واحتج من قال بتضمين العارية بما رواه عبد الرزاق: نا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن
مليكة وعبد الرحمن بن السائب، قال ابن أبى مليكة: عن ابن عباس، وقال ابن السائب: عن أبى
هريرة، قالا جميعا: العارية تغرم (المحلى ١٧٠:٩). قلت: لا حجة لهم فيه، لأنا نقول بغرامة العارية
(١) والعجب من ابن حزم: أنه يحتج بقيس والحجاج إذا وافق الأثر غرضه، ويطرحهما إذا خالفه.