Indexed OCR Text

Pages 401-420

ج - ١٥
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
٤٠١
اليمين، فقضى شريح عليه، فقال الرجل: أنا أحلف، فقال شريح: قد قضى قضائى. رواه
قال ابن حزم: وبالحكم على الحالف إذا أقام الطالب بينة بعد يمين المطلوب يقول سفيان
الثورى والليث بن سعد وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك: إن عرف
الطالب أن له بينة فاختار تحليف المطلوب فقد سقط حكم بينة ولا يقضى له بها إن جاء بها بعد
ذلك، وأما إن لم يعرف أن له بينة فاختار تحليف المطلوب فحلف ثم وجد بينة فإنه یقضی له بها.
وقد روى عنه أنه قال: إن قال الطالب: إن له بينة بعيدة ولكن أحلفه لى الآن ثم إن حضرت بينتى
أتيت بها فإنه يجاب إلى ذلك ويحلف له المطلوب ثم يقضى له بينة إذا أحضرها، وقد روی نحو
هذا عن شريح. قال ابن حزم: ولا متعلق لأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد بشريح، لأنهم قد
خالفوه فى تحليفه مقيم البينة مع بينة، ومن الباطل أن يكون قول شريح حجة فى موضع وغير حجة
فى موضع. قلنا: لا بدع فى أن يؤخذ من قول الرجل ما وافق السنة ويترك ما خالفها.
وأيضا: فإن الجمهور لم يعتمدوا فى ذلك قول شريح فقط بل عمدتهم فى ذلك قول
النبى معَّ للمدعى: ((بينتك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك)) فحملته على منع الجمع وحملوه على منع
الخلو، وهو الصحيح لتأيده بقول عمر وشريح وعامة العلماء فيجوز للمدعى إقامة البينة بعد يمين
المدعى عليه، لأن البينة هى الأصل فى الحجة لأنها كلام الأجنبى، فأما اليمين فكالخلف عن البينة
لأنها كلام الخصم صير إليها للضرورة، فإذا جاء الأصل انتهى حكم الخلف فكأنه لم يوجد أصلا،
(بدائع ٤٢٩:٦)، وجملته أن المدعى إذا ذكر أن بينته، بعيدة منه أولا يمكنه إحضارها أولا يريد
إقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه أحلف له فإذا حلف ثم أحضر المدعى عليه بينة حكم له،
وبهذا قال شريح والشعبى ومالك والثورى والليث والشافعى وأبو حنيفة وأبو يوسف وإسحاق
(وعامة العلماء).
وحكى عن ابن أبى ليلى(١) وداود أن بينته لا تسمع لأن اليمين حجة المدعى عليه فلا تسمع
بعدها حجة المدعى كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعى. ولنا قول عمر رضى الله عنه:
(١) وهو قول ابن حزم أيضا، ولما أورد عليه أنكم تجوزون للقاضى أن يقضى للمدعى بعلمه بعد يمين المدعى عليه أو بإقراره أجاب،
نعم وكل هذا ليس ببينة لكنه بيقين الحق ويقين الحق فرض إنفاذه اهـ (٣٧٢:٩). قلنا: نسيت ما قدمت يداك فقد جعلت خبر
الواحد والبينة من يقين الحق فى باب عدم جواز القضاء بالقياس والاستحسان والرأى، وأيضا فكيف يكون علم القاضى يقين
الحق والقضاء به مختلف فيه بين العلماء فمنهم من ذهب إلى عدم جواز القضاء بعلمه، كما ذكرته غير مرة، والقضاء بالبينة
لا خلاف فيه فهو أولى بكونه من القضاء بيقين الحق من القضاء بالعلم، فافهم.

٤٠٢
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
إعلاء السنن
ابن أبى شيبة (زيلعى ٢١٩:٢)، وسنده حسن.
البينة الصادقة أحب إلى من اليمين الفاجرة. وظاهر هذه البينة الصدق (لكونه كلام الأجنبى،
وظاهر اليمين الفجور لكونها كلام الخصم يجربها لنفسه مغنما ويدفع عنها مغرما).
وبهذا اندحض قول ابن حزم: إن قولهم: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة صحيح لو
أيقنا أن البينة عادلة عند الله عزوجل وأن يمين الحائف فاجرة بلاشك، وأما إذا لم يوفق فليست
الشهادة أولى من اليمين إذ الصدق فى كليهما ممكن، وكذا الكذب اهـ. فإن الإيقان بكون
أحدهما صادقاً عند الله او كاذبا عنده ليس بواجب، وإنما الواجب الحكم على الظاهر، ولا شك فى
ظهور صدق الشاهدين لكونهما أجنبيين على المدعى والمدعى عليه، وقد علم القاضى بعدالتهما
بالتزكية أو بمعرفته بمالهما، ولا كذلك يمين المدعى عليه، فإن الظاهر كونه متهما فيهما ، فافهم.
لا سيما إذا شهد الشاهدان على الحالف بأنه أقر بخلاف ما حلف عليه فيتبين به أن يمينه كانت
فاجرة لأن كذب المدعى عليه أهون من كذب الشاهدين لما ذكرنا) ويلزم من صدقها فجور اليمين
المتقدمة (فيه خلاف بين محمد وأبى يوسف ذكره فى "البحر" (٢٠٦:٦)، فتكون أولى، ولأن
كل حالة يجب عليه الحق فينها بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين، وما ذكروه لا يصح، لأن
البينة الأصل واليمين بدل عنها، ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها، والبدل يبطل بالقدرة على الأصل
كبطلان التيمم بالقدرة على الماء، ولا يبطل الأصل بالقدرة على البدل.
ويدل على الفرق بينها أنهما حال اجتماعهما وإمكان سماعهما تسمع البينة ويحكم بها
ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنها. "المغنى" (١١٠:١٢)، ولو قال المدعى: لا بينة لى ثم جاء بالبينة
هل يقبل؟ روى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تقبل. وعن محمد: لا تقبل. وجه قول محمد
: أن قوله: لا بينة لى إقرار على نفسه، والإنسان لايتهم فى إقراره على نفسه، فالإتيان بالبينة بعد ذلك
رجوع عما أقر به، فلا يصح. وجه رواية الحسن عن أبى حنيفة أن من الجائز أن تكون له بينة لم
يعلمها المدعى بأن أقر المدعى عليه بين يدى هؤلاء وهو لا يعلم به، ثم علم بعد ذلك بها، فأمكن
التوفيق، فلا يكون الإتيان بالبينة بعد ذلك رجوعا فتقبل (بدائع ٢٢٤:٦).
قلت: يؤيد قول أبى حنيفة ما ذكره الموفق فى "المغنى" بما نصه: ومن ادعى شهادة عدل
فأنكر أن تكون عنده شهادة ثم شهد بها بعد ذلك وقال: كنت أنسيتها. قبلت منه، ولم ترد
شهادته. وبهذا قال الثورى والشافعى وإسحاق، ولا أعلم فيه مخالفا، وذلك لأنه يجوز أن يكون
نسيها، وإذا كان ناسيا لها فلا شهادة عنده، فلا نكذبه مع إمكان صدقه اهـ (١٥٧:١٢).

ج - ١٥
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
٤٠٣
قلت: وكذلك المدعى إذا لم يعلم بالبيئة كان صادقا فى قوله: لا بينة لى ثم علم بها بعد
ذلك، فلا نكذبه مع إمكان صدقه، والفرق بينهما بما ذكره الموفق لا يخلو عن التحكم
والتعسف، والله تعالى أعلم.
لا يستحلف المدعى عليه إلا بعد طلب المدعى يمينه:
فائدة: استدلوا بقوله عَّه للمدعى: ((ألك بينة؟)) قال: لا. قال: ((فلك يمينه)). على أن
القاضى يسأل المدعى البينة أولا، فإن أحضرها قضى بها، وإن عجز عنها لم يستحلف المدعى عليه
إلا إذا طلب المدعى يمينه، لأن اليمين حقه. ألا ترى أنه أضيف إليه بحرف اللام فلا بد من طلبه.
واستدل أبو حنيفة بما فيه من ترتيب اليمين على فقد البينة أن المدعى لو قال: لى بينة حاضرة أى فى
المصر وطلب اليمين لم يستحلف المدعى عليه. وقال أبو يوسف: يستحلف لأن اليمين حقه، فإذا
طالبه به يجيبه،. ولأبى حنيفة أن ثبوت(١) حق المدعى فى اليمين مرتب على العجز عن إقامة البينة
لما روينا، فلا يكون حقه دونه (هدايه مع "الفتح" ٧: ١٦٠).
فائدة: قال: فى "المبسوط": نكول المدعى عليه عن اليمين وجب للقضاء عليه بالمال عندنا
(احتراز عن الحد والقصاص ونحوهما)، ولكن ينبعى للقاضى أن يعرض عليه اليمين ثلاث مرات
ويخبره فى كل مرة أن من رأيه القضاء بالنكول إبلاء لعذره (وهذا على سبيل الندب، فلو قضى
عليه بالنكول بعد العرض مرة جاز لكون النكول إقرار أو بدلا، وليس التكرار بشرط فى شىء
منهما هو الصحيح، والأول أولى)، (هداية).
دليل عرض اليمين على الناكل ثلاثا:
لما ثبت أنه مَّم كان إذا تكلم أعاد ثلاثا، وفى حديث: كان لا يراجع بعد ثلاث رواه أبو
داوو وابن أبى شيبة عن عائشة، قال الشيخ: حديث حسن لغيره (العزيزى ١٤٧:٣)، وقد روى
أحمد من حديث ابن أبى حدرد الأسلمى أن النبى عرّ خلّه قال له: أعطه حقه -أى اليهودى الذى
استعدى عليه رسول الله عّ لّه فى أربعة دراهم- فقال: والذى بعثك بالحق ما أقدر عليها. قال:
أعطه حقه. قال: والذى بعثك بالحق ما أقدر عليها. قال: أعطه حقه، قال: وكان النبى عَّ إذا قال
(١) فلا يرد عليه أن اليمين حجة المدعى عليه فكيف يكون حق المدعى؟ لأنه يقول: إنها تكون حجة المدعى عليه بعد عجز المدعى
عن البينة وطلبه اليمين، فافهم.

٤٠٤
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
إعلاء السنن
ثلاثا لم يراجع الحديث. قال فى "مجمع الزوائد": وجاله ثقات إلا أن محمد بن أبى يحبى لم أجد
له رواية عن الصحابة فيكون مرسلا صحيحا كذا فى "النيل" (٥٣٠:٨)، واستدل به ابن تيمية فى
المنتقى على أن الحاكم يكرر(١) على الناكل وغيره ثلاثا، وعند الشافعى يرد اليمين على المدعى، فإن
حلف أخذ المال وإن أبى انقطعت المنازعة بينهما، وحجته فى منع القضاء بالنكول أنه سكوت فى
نفسه فلا يكون حجة القضاء عليه لأنه محتمل قد يكون للتورع عن اليمين الكاذبة وقد يكون
للترفع عن اليمين الصادقة كما فعله عثمان رضى الله عنه وقال: خشيت أن يوافق قدر يمينى، فيقال:
أصيب بيمينه. (وقد أجبنا حجته فى رد اليمين على المدعى فى الباب السابق).
الجواب عن الحجة العقلية للشافعى
فی رد الیمین علی المدعى بعد نكول المدعى عليه:
ولا عبرة للاحتمال فى النكول لأن الشرع ألزمه التورع عن اليمين الكاذبة دون الترفع عن
الصادقة (ألا ترى أن عمر حلف حين قضى زيد عليه باليمين وقد مر) فيترجح هذا الجانب فى
نكوله، ولأنه لا يتمكن من الترفع عن اليمين إلا ببذل المال، فإنه إنما يترفع ملتزما الضرر على نفسه
لا ملحقا الضرر بالغير بمنع الحق. وأما قوله: إن اليمين فى جانب المدعى عليه فى الابتداء لكون
الظاهر شاهدا له بنكوله صار الظاهر شاهدا للمدعى، فيعود اليمين إلى جانبه اهـ فلا يكون ذلك
إلا بترجح جانب الصدق فى دعوى المدعى، وذلك موجب للقضاء.
ثم اليمين مشروعة للنفى لا الإثبات وحاجة المدعى إلى الإثبات فلا تكون اليمين حجة له.
ولنا فى المسألة حديث عمر رضى الله عنه فإنه قضى على الزوج بالطلاق فى قوله: حبلك على
غاربك عند نكوله عن اليمين على إرادة الطلاق، وقضى شريح بالنكول بين يدى على فقال له:
قالون. وهى بالعربية: أصبت. وقضى أبو موسى الأشعرى بصحة الرجعة عند نكولها عن اليمين
على أنها كانت بعد حل الصلاة اهـ (٣٤:١٧).
قال العبد الضعيف: وتتبعت هذه الآثار فى مظانها فلم أقف لها على أثر، ولعلى أطلع عليه
فى أصل محمد إذا تبع وشاع، وما ذلك على الله بعزيز. وقد روى مالك فى الموطأ أنه بلغه أنه
:(١) وبهذا اندحض قول ابن حزم: لا حجة لهم فى ترديد دعائه إلى اليمين ثلاث مرات ولا صحح ذلك قرآن ولا سنة ولا رواية
سقيمة إلخ (٣٧٣:٩)، فقد أثبتنا ذلك بالسنة ولم نقل بوجوبه، وإنما هو أمر ندب، كما مر.

ج - ١٥
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
٤٠٥
كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق أن رجلا قال لامرأته: حبلك على غاربك. فكتب عمر بن
الخطاب إلى عامله أن مره أن يوافينى بمكة الموسم، فبينما عمر يطوف بالبيت إذ لقيه الرجل فسلم
عليه(١) فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذى أمرت أن أجلب عليك. قال عمر: أسألك برب
هذا البيت ما أردت بقولك: حبلك على غاربك؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! لو استحلفتنى فى
غير هذا الموضع ما صدقتك، أردت بذلك الفراق. فقال عمر بن الخطاب: هو ما أردت اهـ
(ص٢٠٠). وليس فيه القضاء بالنكول بل فيه القضاء بإقرار المدعى عليه. والأثر وصله البيهقى فى
،"
سننه (٣٤٣:٧).
وقال الطحاوى فى مشكل الآثار: على الحاكم أن لا يحول بين المدعى والمدعى عليه حتى
يعينه على الذى يدعى عليه، يحلفه، وإذا حلفه خلى بين المطلوب وبين ذلك الشىء، وإن نكل
يستحقه المقضى له على المقضى عليه بذلك. وهو قول أبى حنيفة والثورى ومن تبعهما. وقال
بعض: يحلف المدعى ثم يقضى به عليه وكان قبل النكول لا يستحقه بحلفه وإنما استحقه بذلك
بعد نكول المدعى عليه عن اليمين، فقد أجمعوا على أن النكول حجة للمدعى على المدعى عليه،
وإذا ثبت كونه حجة كان من المعقول أن لا يسئل معها حجة أخرى كما لا يسئل مع الإقرار
والبينة، فالحق أن يقضى بالنكول الذى هو حجة ولا يكلف إقامة حجة أخرى سواها اهـ ملخصا
من "المختصر" (٢٣٦:١).
بینة الخارج أولی من بینة ذی الید:
فائدة: احتج أصحابنا بقوله عّ لّه: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه))، على أن
بينة الخارج أولى من بينة ذى اليد، لأنه معَ ◌ّ جعل البينة حجة المدعى واليمين حجة المدعى عليه،
فلو أقاما البينة لا تقبل بینة ذی الید، لأنها جعلت حجة للمدعی وذو الید ليس بمدع بل هو مدعى
عليه، فلا تكون البينة حجة له، فالتحقت بينة بالعدم فخلت بينة المدعى عن المعارض فيعمل بها
"بدائع" (٢٢٥:٦)، وفيه تفصيل وخلاف ذكره الموفق فى "المغنى" (١٦٧:١٢)، وسيأتى فى بابه
إن شاء الله تعالى.
(١) فيه جواز الكلام فى الطواف.

٤٠٦
إعلاء السنن
باب كيفية الاستحلاف
٥١٢٦- عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عَ له: ((من كان حالفاً
باب كيفية الاستحلاف
قوله: عن ابن عمر إلخ. قال العبد الضعيف: لا خلاف فى أن الاستحلاف بغير الله غير
مشروع لقوله عية: (من كان حالفا فليحلف بالله))، وللنهى عن الحلف بغير الله، قال فى
"الهداية": واليمين بالله دون غيره، وقد يؤكد بذكر أوصافه وهو التغليظ، والقاضى بالخيار إن شاء
غلظ، أو لم يغلظ ولا يستحلف بالطلاق ولا العتاق لما روينا، ويستحلف اليهودى: بالله الذى أنزل
التوراة على موسى عليه السلام والنصرانى: بالله الذى أنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام،
ولا يحلفون فى بيوت عبادتهم، ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ولا مكان اهـ.
وفى المبسوط مثله (١١٨:١٦) وزاد: والشافعى رحمه الله يقول: فى المال العظيم يستحلف
بمكة عند البيت وبالمدينة بين الروضة والمنبر، وفى بيت المقدس عند الصخرة، وفى سائر البلاد فى
الجوامع اهـ. وقال الحافظ فى "الفتح" فى (باب يحلف المدعى عليه حيث وجبت عليه اليمين،
ولا يصرف من موضع إلى غيره) أى وجوبا وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى
وجوب التغليظ، ففى المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام وبغيرها بالمسجد الجامع، واتفقوا على أن
ذلك فى الدماء والمال الكثير لا فى القليل، واختلفوا فى حد القليل والكثير فى ذلك اهـ (٢٠٩:٥).
وافق البخارى الحنفية فى مسألة الاستحلاف أيضا:
هذا مما وافق البخارى فيه الحنفية وترك مرافقة الشافعية كمثل فعله فى مسألة القضاء
بالشاهد واليمين وليته كان كما قال القائل:
أقلی اللوم عاذل والعتابن
وقولى إن أصبت لقد أصابن
قال العينى: وقال ابن عبد البرك جملة مذهب مالك فى هذا أن اليمين لا تكون عند المنبر من
کل جامع ولا فی الجامع حیث کان إلا فی ربع دینار فصاعدا، وفی ما دون ذلك حلف فى مجلس
الحاكم، أو حيث شاء من المواضع، وليس عليه التوجه إلى القبلة قال: ولا يعرف ملك منبرا إلا منبر
المدينة فقط، قال: ومن أبى أن يحلف عنده، فهو كالناكل عن اليمين قال: وذهب الشافعى إلى نحو
قول مالك إلا أن الشافعى لا يرى اليمين عند المنبر بالمدينة ولا بين الركن والمقام بمكة إلا فى عشرين.
دينارا فصاعدا. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب الاستحلاف عند منبر النبى معَ لّه على أحد،

ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤٠٧
فليحلف بالله وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: لا تحلفوا بآبائكم)). أخرجه الشيخان
(زيلعى ٦٧:٢).
ولا بين الركن والمقام على أحد فى قليل الأشياء، ولا كثيرها، ولا فى الدماء، ولا غيرها، لكن
الحكام يحلفون من وجب عليه اليمين فى مجالسهم اهـ (٣٧٩:٦).
قلت: وقد توهم بعضهم من قول صاحب "الهداية" فى حق المسلم: وقد يوكد بذكر
أوصافه وهو التغليظ، وقوله: ويستحلف اليهودى والنصرانى بما ذكره فى حق الذمى أن مفهومه
أن تغليظه بالأوصاف على الذمى واجب وليس كذلك فقد صرح صاحب البدائع أن الحالف إن
كان كافرا فإنه يحلف بالله عزوجل أيضا ذميا كان أو مشركا لأنهم لا ينكرون الصانع ويعتقدون
حرمة الآلة، إلا الدهرية والزنادقة وأهل الإباسة، وهؤلاء لم يتجاسروا على إظهار نحلتهم فى عصر
من الأعصار إلى يومنا هذا ونرجوا (١) من فضل الله عز وجل على أمة حبيبه عّ لّ أن لا يقدرهم على
إظهار ما انتحلوه إلى انقضاء الدنيا، وإن رأى القاضى ما يكون تغيظا فى دينه فعل اهـ (٢٦٨:٦).
وإذا تحقق أن التغليظ غير واجب عندنا لا على المسلم ولا على الذمى ثبت أنه لا يقضى على
أحد بالنكول إذا حلف بالله ونكل عن التغليظ كما وقع التصريح به فى "الدر" فى حق المسلم.
وقال فى البحر: فإن قلت: إذا حلف الكافر بالله فقط ونكل عما ذكر (من التغليظ) هل
يكفيه أم لا؟ قلت: لم أره صريحا وظاهر قولهم أنه يغلظ به أنه ليس بشرط. (قلت: قد صرح
صاحب "البدائع" بهذا الظاهر) وأنه من باب التغليظ فيكتفى بالله ولا يقضى عليه بالنكول عن
الوصف المذكور اهـ (٢١٤:٦).
وذكر الموفق فى "المغنى" عن ابن المنذر أنه قال: لا أعلم حجة توجب أن يستحلف (الذمى)
فى مكان بعينه ولا بيمين غير الذى يستحلف بها المسلمون، وعلى كل حال فلا خلاف بين أهل
العلم فى أن التغليظ بالزمان والمكان والألفاظ غير واجب إلا أن ابن الصباغ ذكر أن فى وجوب
التغليظ بالمكان قولين للشافعى(وكذا ذكر ابن عبد البر عن مالك أن من أبى أن يحلف عند المنبر
(١) والأسف كل الأسف أنهم تجاسروا على ذلك فى زماننا هذا وهو زمان حربة الشياطين من عبودية رب العالمين فترى
الاشتراكيين من الروسية قد تجاسروا بإنكار الصانع الحكيم وكذا دهرية اليابان واتبعتهم ذرية من هنود هندستان لا سيما
قائدهم ورئيس لجنتهم السياسية فإنهما أعدما المذاهب والمذهبية رأسا ورافع لواء الدهرية جهارا، وغاية الأسف على طائفة من
علماء هذا الزمان حيث دخلوا فى هذه اللجنة الاشتراكية السياسة الدهرية وأذعنو لرياسة هذا الدهرى اللعين وجاهروا
بتعظيمه وتفخيم أمره وشأنه تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا.

٤٠٨
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
بالمدينة، فهو كالناكل عن اليمين)، وخالفه ابن العاص فقال: لا خلاف بين أهل العلم فى أن
القاضى حيث استحلف المدعى عليه فى عمله وبلد قضاءه جاز، وإنما التغليظ بالمكان فيه اختيار،
فیکون التغليظ عند من رآه اختيارا واستحسانا.
قال ابن المنذر: ولم نجد أحدا يوجب اليمين بالمصحف وقال الشافعى: رأيتهم يؤكدون
بالمصحف. ورأيت ابن مازن (هو مطرف)، وهو قاض بصنعاء يغلظ اليمين بالمصحف. قال
أصحابه (أى أصحاب الشافعى): فيغلظ عليه بإحضار المصحف لأنه يشتمل على كلام الله تعالى
وأسماءه، وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله عَّ فى اليمين (أى لو كان على سبيل الوجوب
والتحتم)، فعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل(١) ولا حجة يستند إليها ولا يترك
فعل رسول الله مرّ له وأصحابه لفعل ابن مازن ولا غيره اهـ (١١٨:١٢).
قلت: قد اعترف الموفق ههنا الزيادة على النص نسخ له لأنه حمل الزيادة على المامور تركا،
ولم يقل كما قال فى (باب القضاء بالشاهد واليمين) إن قولهم الزيادة فى النص نسخ له غير
صحيح لأن النسخ الرفع، والزيادة فى الشىء تقرير له لا رفع اهـ (١٢:١١)، وكفى بالحق أن تذعن
له الضمائر، وتعترف به القلوب، وإن أنكرته الألسنة، وشقت عليه الجيوب.
حسبى بقلبك شاهدا لى فى الهوى والقلب أعدل شاهد يستشهد
الرد على بعض الأحباب فى قوله: إن كلام الحنيفة غير منقع فى الباب:
وبعد ذلك كله فقول بعض الأحباب: إن كلام الحنفية غير منقع فى هذا الباب رد عليه
لكونه بعيدا عن الصواب، بناءه على عدم مراجعته كتب الأصحاب، وأما قول صاحب "البحر":
ظاهر ما فى الهداية أن المنقى وجوب التغليظ بهما فيدل على مشروعيته (وجوازه) وإن لم يجب،
وظاهر ما فى الكتاب عدم المشروعية، وظاهر قوله فى الكافى لأن التغليظ بالزمان تأخير حق
المدعى فى اليمين إلى ذلك الزمان أنه غير مشروع، ولذا قال الشارح: فلا يشرع. وظاهر ما فى
المحيط أن التغليظ به ليس بحسن عندنا أصلا فيفيد الإباحة. ولكن ذكر بعده أنه لا يجوز التغليظ
بالمكان اهـ (٢١٣:٦)، فلا يفيد كون المسألة غير منقح فى المذهب، لأن بناء ذلك كله على ما
(١) لقائل أن يقول أنه من جنس التغليظ بالأوصاف لاشتمال المصحف على كلام الله وهو صفة له لا سيما على مذهب أحمد من
أنكار لمسألة اللفظ، والتغليظ بالأوصاف ثابت بالحديث فكذا هذا، فافهم.

ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤٠٩
٥١٢٧٠- وعنه عن النبى عَ لّم قال: ((من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله
فليرض، ومن لم يرض فليس من الله)) رواه ابن ماجه، قال فى "النيل": رجال إسناده
رجال الصحيح غير محمد بن إسماعيل بن سمرة وهو ثقة (٥٧٩:٨).
٥١٢٨- وعن البراء بن عازب أن رسول الله عَّ له دعا رجلا من علماء اليهود
فقال له: نشدتك بالله الذى أنزل التوراة على موسى أ هكذا تجدون حد الزانى فى
ذكره صاحب "المبسوط" أن فيه الزيادة على النصوص الظاهرة وهى تعدل النسخ عندنا، وفيه
أيضا بعض الحرج على القاضى اهـ (١١٩:١٦).
ولا يخفى أن الزيادة لا تلزم على القول بوجوب هذا التغليظ، لا على القول بجوازه، وإلا
لم يجز التغليظ بالصفات أيضا، وكذا ما فيه من بعض الحرج على القاضى أر من تأخير حق المدعى
فى اليمين إن هو على القول بالوجوب دون الجواز إذا رضى القاضى بحرجه، والمدعى(١) بتأخير
حقه لمصلحة نفسه، فالحق ما فى "الهداية" أن المنفى وجوب التغليظ بهما دون مشروعيته، ومعنى
قول المحيط: إنه لا يجوز التغليظ بالمكان أى إذا كان على سبيل الإيجاب والإلزام، وبهذا تجتمع
الآثار الواردة فى الباب، وإلا تعسر الجمع بينها وتعذرت وأشكلت على أولى الألباب، وعهدنا
بالحنفية أنهم لا يردون شيئا من صحيح الآثار، ويجمعون بين النصوص المشهورة والآحاد من
الأخبار جمعا يتحير له جماعة الأخيار من أهل الآثار والأنظار، ويعترفون بأن الحنفية من أولى الأيد
والأبصار الذين أخلصهم الله بخالصة ذكرى الدار فافهم ولا تكن من الغافلين.
قوله: وعنه عن النبى ◌ّظلّه إلخ. استدل به الشوكانى فى "النيل" (٥٨١:٨) على عدم جواز
التغليظ مطلقا لا بالصفة ولا بالمكان ولا بالزمان لقوله عّ لّهِ: ((من لم يرض فليس من الله))، وفيه
الأمر بالرضا لمن حلف بالله ووعيد لمن لم يرض، وهو استدلال فاسد لكون الحديث مسوقا لنفى
الحلف بغير الله، والمعنى أن من لم يرض بالحلف بالله وطلب الحلف بغير الله فليس من الله وليس فيه
نفى للتعليظ، لأنه من الحلف بالله مؤكدا، نعم! لو استدل به على تحريم الاستحلاف بالطلاق
والعتاق الذى أحدثه القضاء لكان أشبه.
قوله: عن البراء بن عازب. وقوله: عن الزهرى إلخ. فيه دليل جواز التغليظ على أهل الذمة
(١) وأما إذا لم يرض بتأخير حقه وطلب اليمين عاجلا فإنه يجاب إلى ذلك ولا يجير على التأخير كما إذا نكل المدعى عليه عن
الحلف بمكان معين أو زمان معين فإنه لا يجبر على ذلك أيضا كما تقدمت الإشارة إليه، وسيأتى التصريح به إن شاء الله تعالى.

٤١٠
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
كتابكم؟ فقال: اللهم لا. أخرجه مسلم فى حديث (زيلعى ٢٢٠:٢)، والبخارى أيضًا
(المحلى ٣٨٧:٩)، وعن أبى هريرة نحوه.
٥١٢٩- وعن الزهرى عن رجل من مزينة عن أبى هريرة قال: قال النبى عدّه
فى اليمين لمن أراد الاختصار ومن أراد الزيادة فيه قال كما رواه أبو داود عن عكرمة مرسلا أن
النبى معَّ قال له -يعنى ابن صوريا -: أذكر كم بالله الذى نجاكم من آل فرعون وقطعكم البحر
وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى وأنزل التوراة على موسى أتجدون فى كتابكم
الرجم؟ قال: ذكرتنى بعظيم، ولا يسعنى أن أكذبك. قال الشوكانى فى "النيل": هو مرسل.
وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى وجال إسناده رجال الصحيح اهـ (٥٧٩:٨).
وفيه أيضا: وقد روى ابن رسلان أنهم لم يختلفوا فى جواز التغليظ على الذمى، فإن صح
الإجماع فذلك عند من يقول بحجيته، وإن لم يصح فغاية ما يجوز التغليظ به هو ما ورد فى
حديث الباب وما يشابهه من التغليظ باللفظ، وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل
الذمة مثل أن يطلب منه أن يحلف فى الكنائس أو نحوها فلا دليل على ذلك اهـ (٥٨٢:٨).
قلت: إن أراد به نفى الطلب على وجه الإلزام فصحيح، وإن أراد نفى الطلب مطلقا ففيه
:
كلام لكونه ثابتا عن كعب بن سور وهو معدود فى الصحابة ولاه عمر قضاء البصرة لخبر عجيب
مشهور جرى له مع امرأة شكت زوجها إلى عمر، وله طرق كما فى "الإصابة" (٣٢٢:٥).
روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق وكيع عن سفيان الثورى عن عبد الله بن أبى السفر
عن الشعبى عن شريح قال: يستحلف أهل الكتاب بالله حيث يكرهون، وبه إلى سفيان عن أيوب
السختيانى عن ابن سيرين أن كعب بن سور أدخل يهوديا الكنيسة ووضع التوراة على رأسه
واستحلفه بالله، ومن طريق عند الرزاق عن سفيان الثورى عن أيوب عن ابن سيرين أن كعب بن
سور كان يحلف أهل الكتاب يعنى النصارى يضع الإنجيل على رأسه ثم يأتى به المذبح فيحلفه
بالله. ومن طريق أبى عبيد نا محمد بن عبيد عن إسحاق بن أبى ميسرة قال: اختصم إلى الشعبى
مسلم ونصرانى، فقال النصرانى: أحلف بالله. فقال له الشعبى: لا یا خبیث! قد فرطت فى الله .
ولكن اذهب إلى البيعة فاستحلفه بما يستحلف به مثله.
وقد روى أن عمر بن عبد العزيز أحلف عمال سليمان عند الصخرة فى بيت المقدس، ومن
طريق عبد الرزاق عن إسرائيل عن سماك بن حرب عن الشعبى أن أبا موسى الأشعرى أحلف
بهوديا بالله تعالى، فقال الشعبى: لو أدخله الكنيسة اهـ (٣٨٤:٩). وفيه أن أبا موسى لم يدخله

ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤١١
لليهود: أنشدكم بالله الذى أنزل التوراة على موسى ما تجدون فى التوراة على من زنى؟
رواه أبو داود وفيه انقطاع (زيلعى ٢٢٠:٢).
الكنيسة. قال ابن حزم: فهذا عن شريح والشعبى استحلاف الكفار حيث يعظمون، وكذلك
كعب بن سور وزاد وضع التوراة على رأس اليهودى والإنجيل على رأس النصرانى، وعن عمر بن
عبد العزيز استحلاف العمال عند صخرة بيت المقدس، وعن ابن عمر وعلى وزيد بن ثابت وأبى
موسى الأشعرى الاستحلاف بالله حيث كان من مجلس الحاكم وهو عن ابن عمر وزيد فى غاية
/ الصحة، كذلك عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود ثم روى من طريق أبى عبيد عن مروان بن
معاوية الفرازى عن يحيى بن ميسرة عن عمرو بن مرة قال: كنت مع عبيدة بن عبد الله بن مسعود
هو قاضى فاختصم إليه مسلم ونصرانى فقضى باليمين على النصرانى فقال له المسلم: استحلفه لی
، فى البيعة، فقال له أبو عبيدة: استحلفه بالله وخل سبيله. ونحوه عن عطاء اهـ (٣٨٥:٩).
وأما ما ذكره علماءنا: ولا يحلفون فى بيوت عباداتهم لأن القاضى لا يحضرها بل هو
ممنوع عن ذلك كما فى "الهداية". ولو قال: المسلم لا يحضرها لكان أولى لما فى التتار خانية: يكره
للمسلم الدخول فى البيعة والكنيسة وإنما يكره من حيث أنه مجمع الشياطين لا من حيث إنه ليس
له حق الدخول، والظاهر أنها تحريمة لأنها المرادة عند إطلاقهم، وقد أفتيت بتعزبر مسلم لازم
الكنيسة مع اليهود (بحر ٢١٤:٦)، فمحمول على ما إذا لم تكن حاجة إلى دخولها، وأما عند
الحاجة بأن يكون المدعى عليه قليل المبالاة باليمين بالله تعالى فلا بأس بدخول الكنيسة والبيعة
الإحلافه فيها، ألا ترى أن عمر رضى الله عنه شرط على أهل الذمة من نصار الشام أن لا يمنعوا
كنائسهم من المسلمين وأن ينزلوها فى الليل والنهار وأن يوسعوا أبوابها للمارة وابن السبيل كما
ذكرنا فى شروط أهل الذمة من كتاب الجهاد، وشروط عمر هذه مجمع عليها لا يعرف لها
مخالف من الأئمة، فلو كان دخول الكنائس والبيع محظورا عنه مطلقا لم يكن لهذا الشرط معنى.
وأما أن فى إحلافه فيها تعظيما لها والمسلم ممنوع من تعظيم الكنائس والبيع ففيه أن القاضى
لا يستحلف أهل الكتاب فى بيعهم وكنائسهم لعظمتها فى قلبه بل لعظمتها فى قلوبهم، ولا أثر
فيها لفعل القاضى، فإنها معظمة عندهم قبل التحليف وبعده، وإنما يستحلفهم فيها لاستجلاب
الصدق، فإنهم لا يكذبون فى معابدهم، ويمتنعون من الكذب فى اليمين هناك غالبا.
وبالجملة فلا يجب تغليظ اليمين على الذمى لا بالصفات ولا بالمكان ولا بالزمان، ولو رآه
القاضى جاز له أن يغلظ بما شاء، وأما ابن حزم فقد أنكر التغليظ مطلقا سواء كان بالصفات،

٤١٢
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
أو بالمكان أو بالزمان، وسواء كان على المسلم أو على الذمي، وأجاب عن أحاديث الباب، وفيها .
قوله ◌َ ◌ّهِ: أنشدك بالله الذى أنزل التوراة على موسى إلخ. أن هذا لم يكن فى خصومة وإنما كان
فى مناشدة ونحن لا نمنع المناشد أن ينشد بما شاء من تعظيم الله عز وجل، وليس فيها أن رسول
الله عَّ أمر أن يحلف هكذا اهـ (٣٨٧:٩). وهذا كما ترى جمود على الظاهر، فإن المنا شدة
هو التحليف والاستحلاف، ومعنى قول: أنشدك بالله الذى أنزل التوراة أى أطلب منك الحلف
هكذا (قاموس ٢١٢:١).
وإذا ثبت منه الاستحلاف هكذا دل على جوازه مطلقا سواء كان فى خصومة، أو فی
غيرها، لأنه لا دليل على تخصيصه بموضع دون موضع، ومن ادعى فعليه البيان. والعجب ممن يذم
القياس ويقول دهره: القياس كله باطل أن يخص الحديث برأيه من غير دليل، وإذا جاز تغليظ
اليمين فى المناشدة لاستجلاب الصدق فلأن يجوز ذلك فى الخصومة أولى لشدة الحاجة فيها إلى
استجلاب الصدق صيانة لحق المدعى، كما لا يخفي.
وأيضا فقوله: إن ذلك لم يكن فى خصومة غفلة عن طريق الحديث، فإن فى بعضها أن
اليهود جاءوا إلى رسول الله عَ ◌ّه فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله عد له:
((ما تجدون فى التوراة فى شأن الزنا))؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم،
إن فيها الرجم، فلما اختلفوا فى حكم التوراة قال: ((إیتونى بأعلمكم)). فأتى بفتى شاب وهو عبد
الله بن صوريا فنشده رسول الله عَّ بما مر ذكره، فهل كان ذلك إلا فى خصومة؟ وهل أنشده بما
أنشد إلا لاستبانة وجه القضاء فيما ترافعوا وتحاكموا إليه؟ فقول ابن حزم: فكان من ألزم ذلك فى
التحليف شارعا ما لم يأذن به الله تعالى، رد عليه بل من ادعى خصوصه بالمناشدة فى غير الخصومة
مخصص بأريه ما لم ينص الله ورسوله على خصوصه، فافهم.
الجواب عن قول ابن حزم: إن أبا حنيفة زاد فى أسماء الله الطالب الغالب:
وأما قوله: إن أبا حنيفة قال: يستحلف المسلم بالله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة
الرحمن الرحيم الطالب الغالب الذى يعلم من السر ما يعلم من العلانية، وهو قول الشافعى إلا أنه
لم يذكر الطالب الغالب، فلا ندرى من أين أخذاه ولا متعلق لهم فيه لا بقرآن، ولا بسنة صحيحة
ولا سقيمة ، ولا بقول أحد قبل أبى حنيفة، ثم أغرب شىء زيادة أبى حنيفة فى أسماء الله تعالی:
الطالب الغالب، فما ندری من أین وقع علیه؟ ومن کثر كلامه بما لم يؤمر به، ولا ندب إلیہ کثر

ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤١٣
خطأه ونعوذ بالله من الضلال اهـ، ملخصا (٣٨٦:٩).
ففيه أنه قد علم المحفوظون من أمة محمد عّ لّ أن أبا حنيفة كان كثير الصمت قليل الكلام
دائم الفكرة متواصل الأحزان، ولم يكن يسرد الحديث كسردكم له يا هؤلاء! ولم يكن يسب أهل
العلم ولا يشم حامله كمثل سبكم وشتمكم إياه يا أعداء العلماء والفقهاء! وبعد ذلك فثبت الجدار
أولا فانقش وأرنا نص أبى حنيفة أنه أين قال ما قلته؟ وفى أى كتاب زاد: الطالب الغالب كما
ذكرته؟ فهذه كتب أصحابه من "المبسوط والهداية والبدائع والدر والبحر" وغيرها كلها خالية من
الزيادة التى عزوتها إليه رحمه الله لم نر لها فيها أثرا ولا عينا وهم أعرف الناس بنصوصه ومذهبه،
فانظر من هو كثير الكلام كثير الخطاء؟ ولو سلم فإن أبا حنيفة لم يزد فى صفات الله إلا ما نطق به
القرآن والسنة قال الله تعالى: ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ومن هنا ذكره
الحافظ فى أسماء الله الحسنى التى تتبعها من الكتاب العزيز، كما فى "التلخيص" (٣٩٨:٢).
وقال تعالى - أى الغالب -: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾، وهو بمعنى الطالب سواء. وأيضا: فإن
ابن حزم منازع فى دعوى حصره أسماء الله تعالى فى العدد (١) المذكور أى التسعة والتسعين.
ويدل على صحة ما خالفه حديث ابن مسعود فى الدعاء الذى فيه: أسألك بكل اسم سميت به
نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى الغيب عندك.
وقد صححه ابن حبان وغيره (وفيه دليل على أن الله أسماء قد علمها أحدا من خلقه نبيا كان،
أو وليا، محدثا كان، أو ففيها، إماما كان، أو مأموما، فافهم)، ويدل على عدم الحصر أيضا
اختلاف الأحاديث الواردة فى سردها وثبوت أسماء غير ما ذكرته فى الأحاديث الصحيحة، فقد
ورد فى دعاء النبى معَّ ◌ُله: يا حنان يا منان. وليس شىء من الأحاديث التى وردت فى سرد الأسماء،
ولا فى القرآن. كذا فى "التلخيص" ملخصا (٣٩٨،٣٩٧:٢).
الرد على ابن حزم فى قوله: إن تحليف النصرانى بالله الذى أنزل الإنجيل
على عيسى جهل محض فإنهم لا يقرون بكونه منزلا من الله على عيسى:
قال ابن حزم: وأما قوله وقول الشافعى أن يحلف تصرانى بالله الذى أنزل الإنجيل على
(١) والحديث محتمل أن يكون المراد به أن الأسماء التى يدخل العبد بإحصاءها الجنة هى تسعة وتسعون وليس معناه أن ليس لله
اسم سواها.

٤١٤
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
عيسى فعجب، ولا ندرى من أين أخذه؟ فما فى الأمر لهم بهذه اليمين قرآن ولا سنة صحيحة،
ولا سقيمه ولا قول صاحب أصلا اهـ. قلنا: كفى بالمرء إذا لم يعلم شيئا أن يكله إلى عالمه، فإن
تحليفه ◌َ طِّ اليهود بالله الذى أنزل التوراة على موسى يدل على تحليف النصرانى بما ذكراه لا ينكره
إلا من جبل على الجمود على الظاهرية المحضة. قال: وأعجب شىء جهل من يحلفهم بهذا وهم لا
يعرفونه ولا يقرون به ولا قال نصرانى قط: إن الله أنزل الإنجيل على عيسى وإنما الإنجيل عند جميع
النصارى أربعة تواريخ ألف أحدها: متى. والآخر: يوحنا، وهما عندهم حواريان.
والثالث: ماركش. والرابع: لوقا. وهما تلميذان لبعض الحواريين عند كل نصرانى على ظهر
الأرض، ولا يختلفون أن تأليفها كان على سنين من رفع عيسى عليه السلام اهـ (٣٨٧:٩).
قلت: وأعجب من ذلك كله جهلك بكتاب الله تعالى وقوله: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما
أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، فهل ترى قد خاطب الله بذلك
قوما لم يقروا قط بإن الله أنزل الإنجيل على عيسى؟ أو أمرهم بالحكم بهذا الإنجيل الذى ألفه
الحواريون بعد عيسى ولم ينزله الله عليهم من السماء. وأغرب من ذلك جهلك بقوله تعالى:
﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون
الكتاب﴾، وقوله تعالى: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من
فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾، فهل تراه قد أمرهم بإقامة هذه الأناجيل التى ألفها الحواريون؟ وهل
تراه قد خاطب بذلك أقواما لم يقروا قط بأن الله أنزل الإنجيل على عيسى؟ وما أغفلك عن قوله
تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل﴾،
وعن قول سلمان الفارسى رضى الله عنه فى قصة إسلامه ولقائه بالموصل قسا من النصارى أنه حمد
الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسل الله من رسله وأنبياءه حتى ذكر عيسى ابن مريم، ثم وعظهم،
وقال: اتقوا الله وألزموا ما جاء به عيسى ولا تخالفوه فيخالف بكم. أخرجه الحاكم والبيهقى.
وعن قول عائشة: إن النبى معَّ مكتوب فى الإنجيل: لا فظ ولا غلظ، ولا سخاب فى
الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح. أخرجه ابن سعد والبيهقى وأبو نعيم
والحاكم وصححه. وعن قول ابن عباس قال: قدم الجارود بن عبد الله فأسلم وقال: والذى بعثك
بالحق لقد وجدت وصفك فى الإنجيل ولقد بشر بك ابن البتول. أخرجه البيهقى.
وعن قول عداس وورقة بن نوفل لخديجة قال أحدهما: قدوس قدوس: ما شان جبر ئيل

ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤١٥
٥١٣٠- وعن أبى هريرة عن النبى عَّ ◌ُّه قال: ((لا يحلف عند هذا المنبر عبد
ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا أوجب الله له النار)) رواه أحمد وابن
ماجة والحاكم فى "المستدرك" (نيل الأوطار ٥٧٩:٨)، وسكت عليه فى "النيل".
٥١٣١- وعن أبى هريرة عن النبى عَّ ◌ُله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم
يذكر بهذه الأرض التى أهلها أهل الأوثان فقالت: أخبر نى بعلمك فيه. فقال: إنه أمين الله بينه وبين
النبيين وهو صاحب موسى وعيسى. قال الآخر: لعل صاحبك النبى الذى ينتظر أهل الكتاب
يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل. أخرجه البيهقى وأبو نعيم. وعن حديث الفلتان بن
عاصم، قال: كنا مع النبى معَّه فجاء رجل فقال له النبى عّ لّهِ: أتقرأ التوراة؟ قال: نعم، قال:
والإنجيل؟ قال: نعم. فناشده: هل تجدنى فى التوراة والإنجيل؟ قال: نجد نعتا مثل نعتك. الحديث
أخرجه الطبرانى والبيهقى وأبو نعيم وابن عساكر.
فهل تراه عّ لّه ناشده الإنجيل وضعه الحواريون ولم يقر أحد من النصارى بكونه منزلا من
الله على عيسى بن مريم، ولو أردنا ذكر كل ما ورد فى هذا الباب لطال الكتاب ومن أراد البسط
فى ذلك فليراجع الخصائص الكبرى للسيوطى ودلائل النبوة للبيهقى ولأبى نعيم. ومن أين لابن
حزم إن لم يجد فى نصارى أندلس من يقول أو يعرف أو يقر بأن الله أنزل الإنجيل على عيسى أن
يجهل من وجد من يقول به ويعرفه ويقر به، وهل هذا إلا تحكم بالباطل وتجهيل من هو فوقه فى
العلم والمعرفة درجات بغير علم ولا برهان مع اعترافه بأن كعب بن سور كان يحلف النصارى
ويضع الإنجيل على رؤوسهم فهل تراه كان يضع على رؤوسهم ما لم يقروا بكونه كتابا من الله
منزلا؟ كلا لا يظن به ذلك أصلا.
والحق أن النصارى كلهم يعتقدون فى الإنجيل أنه كتاب من الله منزل على عيسى بن مريم
صلوات الله وسلامه عليه ونسبتهم الإناجيل إلى الحواريين إنما هى على سبيل الرواية لا على سبيل
التاليف. نعم! المحققون منهم يعترفون بأن أصل الإنجيل المنزل من الله على عيسى مفقود من
العالم. والموجود بأيديهم من الأناجيل إنما هو تاليف بعض الحواريين أو تلاميذهم ألفوه بعد عيسى
عليه السلام بمدة فافهم ومن أراد البسط فى الباب، فليراجع "إظهار الحق" للعلامة رحمت الله
الهندى فهو كتاب كافل لبيان معتقد النصارى فى الإنجيل وأقوال علمائهم وهو كتاب عديم
النظير فى هذا الباب.
قوله: عن أبى هريرة مرتين إلخ. قال العبد الضعيف: احتج به مالك ومن تبعه على وجوب

٤١٦
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وعد منهم رجلا باع سلعة بعد العصر فحلف
بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك)). رواه الجماعة إلا الترمذى
(نيل ٥٧٩:٨).
التغليظ على الحالف بمكان معين كالحرم والمسجد ومنبره عّ لّه وبالزمان كبعد العصر ويوم الجمعة
ونحو ذلك، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور كما حكاه صاحب " الفتح" وقد تقدم كلامه، وذهبت
الحنفية إلى عدم وجوب التغليظ، بذلك، وليس فى أحاديث الباب ما يدل على مطلوب القائل
بوجوب التغليظ، لأن الأحاديث الواردة فى تعظيم ذنب الحالف على منبره معدّ له وفى تعظيم ذنب
الحالف بعد العصر لا تدل على أنها تجب إجابة الطالب للحلف فى ذلك الزمان أو ذلك المكان.
وجملة ما استدل به البخارى على عدم وجوب التغليظ حديث شاهداك أو يمينه، ووجه
ذلك أن الذى أوجبه النبى معَّ لّ هو مطلق اليمين وهى تصدق على من حلف فى أى زمان وأى
مكان، فمن بذل لخصمه أن يحلف له حيث هو ولم يجبه إلى مكان مخصوص ولا إلى زمان
مخصوص فقد بذل ما أوجبه عليه الشارع، ولا يلزمه الزيادة على ذلك، لأن الذى تعبد به هو
اليمين على أى صفة كانت ولم يتعبد بأشد الأيمان جرما وأعظمها ذنبا، على أنه قد ورد فى اليمين
التى يقتطع بها حق امرئ مسلم من الوعيد ما ليس عليه مزيد، فقد روى أحمد ومسلم وابن ماجة
والنسائى عن أبى أمامة أن رسول الله عّ لّه قال: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله
له النار وحرم عليه الجنة)) فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: ((وإن كان قضيبا من أراك)).
وروى أحمد والبخارى والنسائى عن عبد الله بن عمرو عن النبى معَّ لّه قال: الكبائر:
الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس جعلها من الكبائر وأنها من
موجبات النار. وليس فى الحلف على منبره مَّ لّه وبعد العصر زيادة على هذا. قال صاحب
"الجوهر النقى": ذكر البيهقى فى باب تأكيد اليمين بالمكان حديث جابر: ((لا يحلف أحد على
يمين آثمة)) الحديث، وليس فيه إلا تعظيم اليمين عند منبره مّ له، ولا خلاف فيه، وليس فيه أنه عليه
السلام أمر أن لا يحلف المطلوب إلا عنده ولو كان ذلك فيه فظاهره أنه يحلف عنده فى القليل
أيضا، والشافعى لا يحلف عنده فى القليل كما ذكره البيهقى فى الباب بعد، ثم ذكر عن المهاجر
كتب إلى أبو بكر ابعث إلى بقيس إلى آخره، وهذا الأثر على تقدير صحته خالفه الشافعى، فإن
عنده لا يجلب أحد إلى مكة ولا إلى المدينة ولكن يحكم عليه حاكم بلده (وهذا هو الجواب عن
حديث، رواه مالك فى "الموطأ" بلاغا أنه كتب إلى عمر بن الخطاب عامله من العراق أن رجلا قال

2'
ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤١٧
لامرأته: حبلك على غاربك. فكتب عمر إليه أن يوافيه الرجل بمكة فى الموسم إلى آخره.
وما رواه البيهقى عن الشافعى أن عمر كتب إلى عامله فى قتيل وجد بين خيوان أو وداعة أن
ابعث بهم إلى بمكة، وأنه استحلفهم فى الحجر الحديث. فإن كل ذلك لا حجة فيه للشافعية لأنهم
لا يقولون بجلب الشهود إلى مكة أو المدينة. وإنما يقولون: تدفع إلى أقرب القضاة ويستحلفون فى
جوامع بلادهم كما مر، وإنما فعل عمر ذلك لأنه أراد أن يتولى الحكم بنفسه وأن عامله لا يقوم فيه
مقامه لينتشر فى البلاد ويعمل به من بعده، ولهذا فعله فى أشهر المواضع وهو الحجر ليراه أهل
الموسم وينقلوه إلى الآفاق، ولا شك أن نوابه كانوا يقضون فى البلاد النائية، ولو وجب حمل كل
أحد إليه لم يكتب إلى أبى موسى وغيره فى الأحكام، ولهذا لم يستحلف عمر والأئمة بعده أحدا
فى الحجر، وإنما كتب عمر أن لا يقتل نفس دونه احتياطا واستعظاما للدم، وأراد استشارة أهل
الفضل من الصحابة فى قول الرجل لامرأته: حبلك على غاربك. فقد جاء فى رواية عند البيهقى
أنه أرسله إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه وهو يطوف بالبيت (٣٤٣:٧)، وإنما استحلفه عند
البيت لأنه وافاه طائفا، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر البيهقى أن عبد الرحمن بن عوف رأى قوما يحلفون عند الكعبة إلى آخره ثم قال:
قال الشافعى: فذهبوا إلى أن العظيم من الأموال ما وصفت من عشرين دينارا فصاعدا، قال: وقال
مالك: یحلف على المنبر علی ربع دینار.
قلت: ذكر ابن حزم فى "المحلى" أن الرواية عن عبد الرحمن ساقطة لا يدرى لها أصل،
ولا مخرج، ثم لوصحت لم يحد عبد الرحمن فى كثير المال ما حد مالك والشافعى وما نعلم أحدا
سبقهما إلى ذلك اهـ (٢٥٠:٢).
قلت: حديث عبد الرحمن هذا رواه الشافعى من طريق عكرمة بن خالد أن عبد الرحمن بن
عوف رأى قوما يحلفون بين المقام والبيت فقال: أعلى دم؟ قالوا: لا. قال: فعلى عظيم من الأموال؟
قالوا: لا. قال: خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام. وإسناده منقطع، كما فى "التلخيص" (٤١٢:٢).
فسقط قول ابن حزم: لا يدرى لها أصل ومخرج، وأما أن عبد الرحمن لم يحد فى كثير
المال فقوله: فعلى عظيم من الأموال؟ وقولهم لا يدل على أن العظيم من الأموال كان معلوما لهم
متعارفا بينهم، وإلا لم يكن لهذا السوال والجواب معنى والشافعى من أهل مكة عارف بمتعارف
بلده. وقد روى ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أن

٤١٨
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
٥١٣٢- حدثنا مسدد نا أبو الأحوص نا عطاء بن السائب عن أبى يحيى عن ابن
عباس أن رسول الله عَّ ◌ُّه قال - يعنى لرجل حلفه: احلف بالله الذى لا إله إلا هو ما له
عندك شىء يعنى المدعى. قال أبو داود: أبو يحيى اسمه زياد كوفى ثقة أخرجه أبو داود
والنسائى، وفى عطاء بن السائب مقال. وقد أخرج له البخارى مقرونًا (عون المعبود
٣٤٧:٣) قلت: فالحديث حسن لا سيما وقد سكت عنه أبو داود، وأشار إلى تصحيحه
ووهم ابن حزم فقال: أبو يحيى هذا هو مصدع المعرقب. ورده المزى وقال: بل اسمه
زياد كذا سماه أحمد والبخارى وأبو داود فى هذا الحديث (التلخيص ٤١١:٢).
معاوية أحلف مصعب بن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه فى دم إسماعيل بن هبار بين الركن
والمقام (٣٨٤:٩)، وهؤلاء مدنيون استجلبهم إلى مكة، والشافعى لا يقول بالاستجلاب، فلعله
فعل ذلك للوجه الذى ذكرناه فى استجلاب عمر أهل خيوان ووداعة وغيرهم ، الله تعالى أعلم.
قوله: حدثنا مسدد إلخ. فيه أنه صلىٍ قال للرجل الذى حلفه: احلف، الذى لا إله إلا هو
ما له عندك شىء- يعنى المدعى - فدل على جواز تغليظ اليمين بصفات الله تعالى. ورده ابن حزم
بوجهين: أحدهما: أنه عن أبى يحيى وهو مصدع المعرقب وقد أجبنا عنه فى المتن.
والثانى: أن أبا الأحوص لم يسمع من عطاء بن السائب إلا بعد اختلاطه، وإنما سمع منه قبل
اختلاط سفيان وشعبة وحماد بن ز والأكابر المعروفون.
.
قلت: لا ضير، فقد تابع سفيان الثورى عنه عن أبى يحيى عن ابن عباس قال: جاء رجلان
يختصمان إلى رسول الله مَّ فقال للمدعى: أقم البينة فلم يقم. وقال للآخر: احلف فحلف بالله
الذى لا إله إلا هو. فقال له النبى عّ لّه: ادفع حقه وستكفر عنك لا إله إلا هو ما صنعت. ذكره ابن
حزم أيضا (٣٨٨:٩)، وروى أبو داود نحوه من طريق حماد عن عطاء بسنده وفيه: فقال رسول
الله عَ ليه: بلى! قد فعلت. ولكن قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله "عون" (٢٢٥:٣).
فإن قيل: ليس فيه أن رسول الله عَ لّه أمره أن يحلف كذلك. قلنا: لا منافاة بينه وبين ما رواه
أبو الأحوص، فالظاهر أن الرجل إنما حلف بالله الذى لا إله إلا هو بعد ما أمره النبى عَّ له بذلك،
سلمنا أنه مَّه لم يأمره بذلك فقد قرره عليه. وتقريره على شىء حجة أيضا. فلما جاز للحالف أن
يحلف كذلك جاز للمستحلف أن يستحلفه كذلك أيضا. ومن ادعى الفرق فعليه البيان. قال ابن
حزم: ثم هو حديث منكر مكذوب فاسد، لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله عَّ له يأمره
باليمين الكاذبة وهو عليه السلام يدرى أنه كاذب، فيأمره بالكذب؟ حاش لله من هذا اهـ.

ج - ١٥
كيفية الاستحلاف
٤١٩
٥١٣٣- ومن طريق أبى عبيد نا أزهر السمان عن عبد الله بن عون عن نافع أن
ابن عمر كان وصى رجل، فأتاه رجل بصك قد درست السماء شهوده. فقال ابن عمر:
يا نافع! اذهب به إلى المنبر. فاستحلفه فقال: يا ابن عمر! أ تريد أن تسمع بى الذى
يسمعنى ثم يسمعنى هنا؟ فقال ابن عمر: صدق، فاستحلفه مكانه وأعطاه إياه (المحلى
٣٨٥:٩)، وقال الحافظ فى "الفتح" (٢١٠:٥) بإسناد صحيح اهـ.
قلت: يا لها من جرأة على رد الصحاح من الأحاديث! أفبمثل هذا الفقه والفهم يعارض
أهل الظاهر الفقهاء أهل الدراية؟ فإن كان هذا هو فهم السنة والكتاب فعلى الفهم السلام، فمن
أنبأك أنه عّ لّ حين أمره باليمين كان يدرى أنه يحلف كاذبا البتة؟ ولا يتقى الله ولا يتحاشى من
الكذب بين يدى رسوله، وإذا لم يكن مَّ ◌ُّ يدرى ذلك فلم يكن أمره إياه باليمين إلا للتعجيز
كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ لا لطلب الامتثال به، وهذا أظهر من أن يخفى
على من له أدنى إلمام باللسان والشرع، فكيف يكون الحديث منكرا مكذوبا فاسدا.
وأيضا فمن أخبرك أنه مَِّ كان يدرى قبل حلفه أنه كاذب فى الإنكار؟ لم لا يجوز أن
يكون قد علم بكذبه بعد ما حلف بالله كاذبا؟ يؤيده ما رواه أحمد عن ابن عباس قال: اختصم إلى
النبى عَّه رجلان فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذى لا إله إلا هو ما له عنده شىء
قال: فنزل حبرئيل عليه السلام على النبى معَّ فقال: إنه كاذب، إن له عنده حقه فأمره أن يعطيه
حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته. وأخرج عن ابن عمر نحوه، كما فى "العون"
(٢٢٥:٢، وفى "التلخيص الحبير" ٤١١:٢). وهذا صريح فيما قلنا: إنه معُّه لم يكن يعلم بكذبه
حين أمره بالحلف وإنماعلم به بعده حين نزل عليه جبرئيل عليه السلام فانهدم بناء(١) الإشكال رأسا
وأساسا، وظهرت سلامة الحديث عن العلل رواية ودراية، وإسنادا وقياسا.
قوله: ومن طريق أبى عبيد إلخ. دلالته على عدم وجوب الحلف فى مكان معين ظاهرة. قال
ابن حزم: وليس فى هذا أن ابن عمر كان يرى رد اليمين على الطالب، وقد يكون ذلك الصك
(١) ولا يعارض ذلك ما ورد فى اليمين الغموس من الوعيد الشديد لاحتمال أن يكون الرجل قد حلف على ما قد كان عنده كما
حلف عليه لأنه ذهب عنه ما قد كان تقدم منه، وهو فى الحقيقة على غير ما كانت يمينه عليه أحصاه الله ونسبه ثم أعلمه
رسول الله ◌َّ بإخبار جبرئيل أنه قد كان منه غير ما حلف عليه الكفارة قد تجب فى الأشياء التى لا آثام فيها، كما فى
الحديث عن أنس مرفوعا: ((من نسى صلاة أو نام عنها فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) وبسط الكلام فى ذلك الإمام
الطحاوى فى "مشكله" (١٨٨،١٨٣:١).

٤٢٠
كيفية الاستحلاف
إعلاء السنن
٥١٣٤- مالك فى "الموطأ" عن داود بن الحصين عن أبى غطفان المزى قال:
اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع - يعنى عبد الله - إلى مروان فى دار فقضى باليمين على
زيد بن ثابت على المنبر فقال: احلف له مكانى. فقال مروان: لا والله: إلا عند مقاطع
الحقوق، فجعل زيد يحلف أنه حقه لحق وأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان
يعجب منه (فتح البارى ٢١٠:٥). وعلقه البخارى مختصراً وقال: قال النبى عَّه:
شاهداك أو يمينه ولم يخص مكانًا دون مكان، والحديث أخرجه محمد فى "موطأه"
(ص٣٦٢) عن مالك بسنده نحوه ثم قال: ولو رأى زيد بن ثابت أن ذلك يلزمه ما أبى
أن يعطى الحق الذى عليه ولكنه كره أن يعطى ما ليس عليه، فهو أحق أن يؤخذ بقوله،
وفعله ممن استحلفه اهـ.
براءة من حق على ذلك الرجل فحقه اليمين إلا أن يقيم بينة بالبراءة اهـ (٣٨٥:٩). قلت: فيكون
معنى قوله: فأعطاه إياه أى أعطاه البراءة ونحوها.
قوله: مالك فى الموطأ إلخ. قال الحافظ فى الفتح: وكان البخارى احتج بأن امتناع زيد بن
ثابت من اليمين على المنبر يدل على أنه لا يراه واجبا، والاحتجاج بزيد بن ثابت أولى من
الاحتجاج بمروان، وقد جاء عن ابن عمر نحو ذلك، فذكر الأثر السابق، كما ذكرناه فى المتن سواء
(٢١٠:٥) قال الحافظ: وقد وجدت لمروان سلفا فى ذلك فأخرج الكرابیسی بسند قوى إلى سعيد
ابن المسيب قال: ادعى مدع على آخر أنه اغتصب له بعيرا فخاصمه إلى عثمان، فأمره عثمان أن
يحلف عند المنبر فأبى أن يحلف وقال: أحلف حيث شاء غير المنبر. فأبى عليه عثمان أن لا يحلف
إلا عند المنبر، فغرم له بعیرا مثل بعيره ولم يحلف اهـ.
قلت: ولا يرد ذلك إلا على من لم ير التغليظ بالمكان جائزا، وأما من رآه جائزا غير واجب،
كما هو مذهب الحنفية، فلا يرد عليهم أصلا، وليس فيه أنه لو حلف فى مجلس الحاكم، ونكل
عن اليمين عند المنبر قضى عليه بالنكول، لأن الرجل لم يحلف البتة لا عند المنبر ولا بين يدى
الحاكم، ولو فعل كما فعل زيد بن ثابت فحلف عند عثمان فى مجلس حكمه وأبى أن يحلف عند
المنبر، فالظاهر أنه فعل به، كما فعل مروان بزيد ولم يقض عليه بالنكول، فالحق أنه لا حجة للخصم
فى أثر عثمان ولا فى قول مروان. وأما قول صاحب التوضيح: واحتج الشافعى عليه أى على أبى
حنيفة فقال: لو لم يعلم زيد أن اليمين عند المنبر سنة لأنكر ذلك على مروان، وقال له: لا والله لا أحلف
إلا فى مجلسك انتهى. فهذا عجيب كيف يقول هذا، فلو علم زيد أنه سنة لما أصر على أنه لا يحلف