Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ التوكيل بالاستقراض إعلاء السنن ٥٠٩٣- عن عمر رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي عّ لّه فسأله أن يعطيه، فقال النبى عَّ له: ((ما عندى شىء ولكن استقرض حتى يأتينا شىء فنعطيك)) الحديث. رواه الترمذى فى "الشمائل" (ص٢٦)، ولفظه: ((ولكن ابتع على)). والبزار وابن جرير والخرائطى وسعيد بن منصور (كنز العمال). قلت: سند الترمذى حسن صحيح. أحد إلا منى، لمعرفته بأن البنى مَّه من أوفى الناس بذمته ودينه وأداهم للأمانة، وكذا الظاهر من قوله ◌َّ فى حديث عمر للسائل: ((استقرض)) أنه أراد استقرض على، لأن السائل لا يجد من يقرضه غالبا إلا إذا استقرض على ملىء أو على عظيم. فدل على جواز التوكيل بالاستقراض وهو المذكور فى "البدائع" من غير ذكر خلاف فيه فقال: ويجوز (التوكيل) بالإقراض والاستقراض إلا أن فى التوكيل بالاستقراض لا يملك الموكل ما استقرضه الوكيل إلا إذا بلغ على وجه الرسالة بأن يقول: أرسلنى فلان إليك ليستقرض كذا اهـ (٢٣:٦)، بخلاف ما إذا قال: أقرضى أو أقرضنى كذا لفلان، فلا يملك الموكل ما استقرضه الوكيل بل يملكه الوكيل ويكون قرضا فى ذمة يطالب به، وليس للمقرض أن يطالب الموكل فافهم. قال فى حاشية "البحر" عن "نور العين": بعث رجلا (إلى آخر) ليستقرضه فأقرضه فضاع فى يده فلو قال (له): أقرض للمرسل ضمن مرسله ولو قال: أقرضنى للمرسل، ضمن رسوله. والحاصل أن التوكيل بالإقراض جائز لا بالاستقراض، والرسالة بالاستقراض تجوز، ولو أخرج وكيل الاستقراض كلامه مخرج الرسالة يقع القرض للآمر ولو مخرج الوكالة بأن أضافه إلى نفسه يقع للو کیل، وله منعه من أمره، يقول الحقير: إنما لم يجوز التوكيل بالاستقراض ظنا منهم أنه لا محل فيه لعقد الوكالة، وقد أطال شراح "الهداية" الكلام فى هذا المقام. ولنا: أن نقول: إن محل العقد فيه عبارة الموكل كما فى التوكيل بالنكاح ونحوه مما يكون الوكيل فيه سفيرا مخضا فلا بأس أصلا فى أن تسمى الرسالة بالاستقراض وكالة كما تسمى الرسالة بالنكاح ونحوه وكالة، ويؤيد ما ذكرناه ما قال الإمام الكاسانى فى "البدائع": ويجوز التوكيل فى القرض والاستقراض. وما قال الإمام الزيلعى فى "شرح الكنز": وعن أبى يوسف أن التوكيل بالاستقراض جائز اهـ (١٤٣:٦)، فلا يقال: إن الوكالة غير موضوعة لنقل عبارة الموكل بل العبارة للوكيل، فلا يمكننا تصحيح هذا الأمر باعتبار العبارة كما نص عليه فى "الذخيرة"، لإن ذلك منقوض بجواز التوكيل بالاستيهاب والاستعارة (وكذا بجواز التوكيل بالنكاح، كما مر) اهـ من تكملة "فتح القدير" (٣:٧). ج - ١٥ ٣٤٢ باب جواز التوكيل بالعبادات المالية مطلقًا وبما هو بين البدنية والمالية عند العجز ولا يجوز بالبدنية المحضة مطلقًا ٥٠٩٤- إن النبى عَّ بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها (هو معروف مستفيض) وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد فى فقراءهم)) الحديث، متفق عليه، كما فى "المغنى" (٢٠٧:٥). ٥٠٩٥- وعن الفضل بن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك فى حجة الوداع. متفق علیه، وقد مر فی کتاب الحج، ومثله عن ابن عباس فى امرأة من جهينة سألت رسول الله عَّ له أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت. ٥٠٩٦- وعن عمرة بنت عبد الرحمن: قلت لعائشة رضى الله عنها: إن أمى باب جواز التوكيل بالعبادات المالية مطلقًا وبما هو بين البدنية والمالية عند العجز ولا يجوز بالبدنية المحضة مطلقًا قوله: إن النبى عّ ◌ُّه إلخ. دلالته على جواز التوكيل بالصدقات ظاهرة، فإن الصدقة كانت على الأغنياء وكان المصدقون وكلاء عنهم فى ردها على الفقراء، ويلتحق بالزكاة صدقة الفطر والعشر والكفارات وغيرها من العبادات المالية كالأضحية. قوله: عن الفضل بن عباس إلخ. دلالته على جواز الاستنابة فى الحج عند العجز عنه بالمرض أو الموت ظاهرة، وفى حكمه العمرة والطواف، وأما السعى فليس بمشروع منفردا وإنما يشرع فى ضمن الحج أو العمرة، فلا يجوز الاستنابة والنيابة فيه منفردا. وكذلك رمى الجمار والوقوف بعرفة ونحوها مما لم يشرع منفردا لا فرضا ولا نفلا، فافهم. قوله: عن عمرة بنت عبد الرحمن إلخ. دلالته على عدم جواز الاستنابة والنيابة فى العبادات البدنية المحضة ظاهرة، وأما ما روى عنها مرفوعا: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) متفق عليه، فمعناه: قضى عنه وليه صومه. وتفسير القضاء هو ما ذكرته عائشة لعمرة بنت عبد الرحمن أن يتصدق عنه مكان كل يوم على مسكين، أو يحمل المرفوع على ما إذا لم يكن الميت أوصى بقضاء ٣٤٣ التوكيل بالعبادات المالية أو البدنية إعلاء السنن توفيت وعلينها صيام رمضان أ يصلح أن أقضى عنها؟ فقالت: لا، ولكن تصدقى عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك، رواه الطحاوى وسنده صحيح (الجوهر النقى). ٥٠٩٧- وعن ابن عباس قال: "لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد" رواه النسائی فی الکبری پاسناد صحيح (الجوهر النقی)، و کذلك رواه عبد الرزاق فى "المصنف" عن ابن عمر وزاد: ولكن إن كنت فاعلا تصدقت عنه أو أهديت (زيلعى)، وسنده صحيح على شرط مسلم. ٥٠٩٨- وعن ابن عمر قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا)) قفال القرطبى فى "شرح الموطأ": إسناده حسن (عمدة القارئ)، وقد مرت الأحاديث فى الجزء التاسع من الكتاب (٩٢:٩). صلاته وصومه عنه، فيصوم الولى عن الميت لكن لا بطريق النيابة، بل يصوم لنفسه ویہب ثوابه له، ويؤيد الحمل على ذلك لفظ البزار فيه: فليصم عنه، وليه إن شاء، وبالاتفاق لا يتخير الولى إلا إذا لم يكن الميت أوصى بقضاء ما عليه من الصلاة والصيام. وإذا كان قد أوصى بذلك ويسعه الثلث، فلا خيار له بل عليه أن يقضى عنه صلاته وصيامه ولا بد، وإذا تعين حمل الحديث على الولى المنطرع عن الميت فلا دلالة فيه على إجزاء صومه وصلاته عن الميت إذا كان قد أوصى بقضاءهما عنه ولم يكن الولى متطوعا. وباليقين ندرى أن محل الوصية إنما هو مال الميت دون بدن الوارث، فينفذ وصيته فى الثلث ويتصدق منه مكان كل يوم أو كل صلاة على مسكين. وأيضا: فإن قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ يبطل الوكالة فى العبادات كلها فلا تجوز تخصيص شىء منها إلا بنص مثله متواتر أو مشهور، وقد وجد فى الماليات وفيما هو بين البدنية والمالية، ولم يوجد فى البدنية المحضة. إلا حديث عائشة هذا وقد خالفته بنفسها، وأفتی ابن عباس وابن عمر بخلافه، وروى ابن عمر عن النبى معَّ مرفوعا: ((من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين)) فلا يصح القول بجواز الاستنابة والنيابة فى البدنيات المحضة بمثل هذا الخبر الذى قد اشتبه مراده وأشكل معناه، ومفاده لتلك العلل التى ذكرناها فيجب العمل فى ذلك على مقتضى النص وإرجاع الحديث إليه بالتاويل الذى ذكرته عائشة رضى الله عنها نفسها، والله تعالى أعلم، وقد مر الكلام فى المسألة مستوفى فى كتاب الصيام، فليراجع. ج - ١٥ ٣٤٤ باب جواز تعلیق الو کالة ٥٠٩٩- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: أمر رسول الله عّ لّه فى غزوة موتة زيد بن حارثة فقال رسول الله عَّ له: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله ابن رواحة)) الحديث، رواه البخاری. قال ابن قدامة فى "المغنى": فأما العبادات فما تعلق منها بالمال كالصدقات والزكاة والمنذورات والكفارات جاز التوكيل فى قبضها وتفريقها ويجوز للمخرج التوكيل فى إخراجها ودفعها إلى مستحقها ويجوز أن يقول لغيره: أخرج زكاة مالى من مالك، لأن النبى عَ لّه بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، ويجوز التوكيل فى الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه وكذلك العمرة، ويجوز أن يستناب من يحج عنه بعد الموت. فأما العبادات البدنية المحضة، كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث، فلا يجوز التوكيل فيها فإنها تتعلق ببدن من هى عليه فلا يقوم غيره مقامه، إلا أن الصيام المنذور يفعل عن الميت ليس ذلك بتوكيل، لأنه لم يوكل فى ذلك ولا وكل فيه غيره. قلنا: فكيف يكون عاملا عن غيره من غير استنابة ولا نيابة لم لا يقال: إنه عامل لنفسه، وإنما يهب ثواب عمله لغيره؟ وهذا مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فى أن يجوز قول أحد على غيره أو حكمه على غيره أو يكون عمله عن غيره لقول الله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ وفعل الصوم عن الميت كسب على غیره، کما لا يخفى. وأيضا: فما الفرق بين المنذور والصوم الواجب وحديث عائشة الذى احججتم به يعمها سواء مع ما قدمنا أن حديث عائشة لا يصلح ناسخا لنص الكتاب ولا مخصصا له لكونه من أخبار الآحاد قد خالفه راويه مع غيره من الصحابة فافهم. قال: ولا يجوز فى الصلاة إلا فى ركعتى الطواف تبعا للحج. (وعندنا لا نيابة فيهما أصلا ولا تبعا)، ولا فى الطهارة إلا فى صب الماء، وإيصاله إلى الأعضاء اهـ (٢٠٨:٥). باب جواز تعليق الوكالة قوله: عن عبد الله بن عمر إلى آخر الباب، قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": ويجوز تعليقها -أى الوكالة- على شرط، نحو أن يقول: إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام، وإذا جاء الشتاء، فاشتر لنا فحما، وإذا جاء الأضحى، فاشتر لنا أضحية، وإذا طلب منك أهلى شيئا، فادفعه ٣٤٥ جواز تعليق الوكالة إعلاء السنن ٥١٠٠- عن أبى قتادة قال: بعث رسول الله جيش الأمراء وقال: ((عليكم زيد بن حارثة، فإن أصیب زید فجعفر)). الحديث، رواه أحمد والنسائى، وصححه ابن حبان، وفى حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائی بإسناد صحيح: إن قتل زيد فأمير كم جعفر (فتح البارى ٣٩٣:٧). إليهم، وإذا دخل رمضان فقد وكلتك فى هذا أو فأنت وكيلى. وبهذا قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال الشافعی رحمه الله: لا یصح، لکن إن تصرف صح تصرفه لوجود الإذن، وإن كان و کیلا بجعل فسد المسمى وله أجر المثل، لأنه عقد يملك به التصرف فى الحياة، فأشبه البيع. ولنا: أن النبى معَّه قال: أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، وهذا فى معناه (لأن التأمير توكيل أيضا)، ولأنه لو قال: وكلتك فى شراء كذا، فى وقت كذا صح بلا خلاف ومحل النزاع فى معناه اهـ ملخصا (٥: ٢١٠). وروى البخارى عن أنس أن النبى معَِّ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة قبل أن يأتيهم خبرهم. فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)). وفى حديث أبى قتادة (عند أحمد والنسائي وابن حبان): ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه الحديث. والمراد نفى كونه منصوصا عليه وإلا فقد نب أنهم اتفقوا عليه. قال الحافظ فى "الفتح": وفيه تعايق الإمارة. (قلت: والوكالة مثلها) بشرط وتولية عدة أمراء بالترتيب. وقد اختلف هل تنعقد الولاية الثانية فى الحال أو لا؟ والذى يظهر أنها فى الحال (ولكن معلقة). وفيه جواز التأمر فى الحرب بغير تأمير (من الإمام) قال الطحاوى: وهذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر اهـ (٣٩٥:٧). تحقيق فتح الله على المسلمين بمؤتة: قلت: وحديث الصحيح صريح فى أن المسلمين غلبوا على المشركين فى مؤتة، وهذا موهم بها، وأما ما فى رواية عند ابن إسحاق: فحاش خالد الناس ودافع وانحاز وانحيز عنه ثم انصرف بالناس، ومثله فى بلاغ سعيد بن أبى هلال، فمع كونه لا يصلح معارضا لحديث الصحيح محمول على حال يوم تأمر فيه خالد، ثم لما حاز المسلمين وبات ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر فجعل مقدمته ساقة وميمنته ميسرة أنكر العدو حالهم وقالوا: جاءهم مدد فرعبوا، وحمل عليهم خالد ٣٤٦ ج - ١٥ باب جواز توكيل المسلم الذمى ببيع الخمر ٥١٠١- روى أحمد بسنده عن سويد بن غفلة عن عمر قال: ولو هم بيع الخمر حينئذ فانكشفوا منهزمين ولم يتبعهم خالد، ورأى الرجوع بالمسلمين هى الغنيمة الكبرى خشية أن يتكاثر العدد عليهم راجعا فقد قيل: إنهم كانوا أكثر من مائة ألف، ولما قفل المسلمون مروا على طريقهم بقرية بها حصن كانوا فى ذهابهم قتلوا رجلا من المسلمين فحاصروهم، حتى فتح الله عليهم عنوة وقتل خالد مقاتلتهم فسمى ذلك المكان نقيع الدم إلى اليوم. كذا فى "فتح البارى" (٣٩٥:٧) ملخصا. باب جواز توكيل المسلم الذى ببيع الخمر قوله: روى أحمد إلخ. قال العبد الضعيف: قول عمر: ولوهم بيع الخمر والخنزير بعشرها. يعم الرخصة فى أخذ العشر من أثمانها سواء كان البيع قبل أن يشعر العين أو بعد أن يعشرها العاشر ويوليبهم بيعها. ومن ادعى تخصيص الحكم بأحد الوجهين فعليه البيان، فإن قوله: ولوهم. وقوله: بعشرها. يؤيد جواز توليتهم بيعها بعد تعشير العين، وإذا كان كذلك لزم جواز توكيل الذمى ببيع الخمر ونحوها مما لا يجوز للمسلم بيعه بنفسه. وأيضا فإن المسلم إنما هو ممنوع من العقد على الخمر والخنزير وتناولهما ليس بممنوع من التملك بلا عقد. ألا ترى أنه لو تخمر عصيره لم يخرج من ملکه، ولو مات قريبه الكافر، وترك خمرا، أو خنزيرا دخل كل ذلك فى ملكه وإن حرم عليه بيعه و تناوله. فكذلك إذا وكل ذميا ببيع الخمر لم يوجد العقد من المسلم وهو المحظور، وإنما وجد الملك فقط، والعاقد هو الذمى ولا محظور فيه، لأنها من أموالهم التى نقرهم على اقتناءها والتصرف فيها، فكما جاز لنا أخذ العشر من أثمانها جاز لنا أخذ ما كسبه الذمى من أثمان الخمر التى اتجر فيها بأمرنا. ومن ادعى الفرق فعليه البيان، فإن قول عمر المذكور فى المتن يدل على جواز أن يعين الوالى فى كل قرية من قرى أهل الذمة رجلا منهم يجمع عشر ما عند تجارهم من الخمر والخنزير ثم يبيعها ويؤدى ثمنها إلى الوالى، وفيه تأييد ظاهر؛ لما قاله أبو حنيفة الإمام. قال الموفق فى "المغنى": وإذا اشترى الوكيل لموكله شيئا بإذنه انتقل الملك من البائع إلى الموكل، ولم يدخل فى ملك الوكيل. وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: يدخل فى ملك الوكيل ثم ينتقل إلى المو كل، لأن حقوق العقد تتعلق بالو کیل بدلیل أنه لو اشتراه بأكثر من ثمنه دخل فى ٣٤٧ جواز توكيل المسلم الذى يبيع الخمر إعلاء السنن والخنزير بعشرها قال أحمد: إسناد جيد. ورواه أبو عبيد بلفظ: لا تأخذوها منهم، ولكن ولو هم بيعها وخذوا أنتم من الثمن (كذا فى "المغنى") (٦٠٠:١٠-٦٠١). ملكه ولم ينتقل إلى الموكل. ويتفرع عن هذا أن المسلم لو وكل ذميا فى شراء خمر، أو خنزير (أو بيعهما) فاشتراه له (أو باع) لم يصح الشراء (ولا البيع) وقال أبو حنيفة: يصح ويقع للذمى، لأن الخمر مال لهم لأنهم يتمولونها ويتبايعونها فصح توكيلهم فيها كسائر أموالهم (من الثياب ونحوها) قال الموفق: ولنا أن كل ما لا يجوز للمسلم العقد عليه لا يجوز أن يؤكل فيه كتزويج المجوسية. (قلنا: ممنوع وإنما لم يجر التوكيل بتزويج المجوسية لأن حقوق العقد ترجع إلى الموكل فى النكاح دون الوكيل فافترقا) اهـ (٣٦٣:٥). قلت: وليس جواز توكيل الذمى ببيع الخمر وشراءها متفرعا على ما ذكره الموفق أن الملك يثبت للوكيل أولا وللموكل ثانيا عند أبى حنيفة بل هو متفرع على ما ذكرنا أن المسلم ممنوع من العقد عليها لا من تملكها بغير العقد، فإذا وكل ذميا ببيعها وشراءها لم يكن المسلم عاقدا، لما مر أن كل عقد يضيفه للوكيل إلى نفسه فحقوقه تتعلق بالوكيل، ويكون هو العاقد فيه حقيقة دون الموكل، ولا يلزم منه أن يكون أبو حنيفة قائلا بثبوت الملك للوكيل أولا وانتقاله إلى الموكل ثانيا، لأنه لا محظور فى ثبوت الملك للمسلم إذا لم يكن عاقدا. قال فى "الهداية": والملك يثبت للموكل خلافة عنه اعتبارا للتوكيل السابق أى يثبت له ابتداء بدلا عنه، لا أن يثبت للوكيل ثم ينتقل إلى الموكل كالعبد يتهب ويصطاد ويحتطب، فإن مولاه يقوم مقامه فى الملك بذلك السبب هو الصحيح احترازا عن طريقة الكرخى، وهى أن الملك يثبت للوكيل لتحقق السبب من جهته، ثم ينتقل إلى الموكل، وإنما كان الأول هو الصحيح لأن المشترى (اسم مفعول) إذا كان منكوحة الوكيل أو قريبه لا يفسد النكاح ولا يعتق عليه، ولو ملك المشترى -أى الوكيل- لكان ذلك اهـ (١٦٤:٣ مع "الحاشية")، ومن أراد البسط فى تحقيق المسألة، فليراجع شروح "الهداية". ولا يرد على أبى حنيفة أمره عَّه بإهراق خمر كانت لليتامى، فإن غاية ما فيه أن توكيل الذمى ببيعها ليس بواجب وبه يقول: وليس فيه دليل على نفى الجواز. وأيضا فإن ذلك كان حين وجوب التشديد فى أمر الخمر حتى حرم أوانيها. ولا ما روى عن على أنه حرق قرية كان يلحم فيها، ويباع فيها الخمر، لأنا لا نقول بإطلاق بيع الخمر لأهل الذمة فى قرى المسلمين علانية وإنما يجوز لهم ذلك فيما بينهم سرا، ولا ما روى عن عمر فيمن أثرى فى تجارة الخمر أنه أمر بكسر كل شىء له وبتسيير مواشيه، لأن الرجل كان مسلما وليس للمسلم بيعها بنفسه إجماعا. وقد مر ٠٠٠ ٣٤٨ ج - ١٥ باب إذا تصرف الموكل بنفسه فيما وكل به بطلت الوكالة علم به الوكيل أو لم يعلم ٥١٠٢- عن ابن مبارك عن داود بن أبى الفرات عن محمد بن زيد قال: قضى عمر فى أمة غزا مولاها وأمر رجلا ببيعها، ثم بدا لمولاها فأعتقها وأشهد على ذلك، وقد بيعت الجارية فحسبوا، فإذا عتقها قبل بيعها فقضى عمر رضى الله عنه أن يقضى بعتقها الكلام فى المسألة مستوفى فى باب العشر من كتاب الجهاد وفى باب توكيل الذمى بالبيع من كتاب البيوع، فليراجع. وتذكر ما أسلفناه فى كتاب الشركة عن "المبسوط" أن جواز توكيل المسلم الذمى ببيع الخمر ونحوها إنما هو فى القضاء عند أبى حنيفة، وأما فى الديانة فلا يجوز له ذلك بل يكره، فالنزاع إنما هو فى صحة هذا التوكيل فى الحكم لا فى جوازه بمعنى الإباحة والحل، فإن عدم الجواز بهذا المعنى مجمع عليه(١) فافهم والله يتولى هداك. باب إذا تصرف الموكل بنفسه فيما و کل به بطلت الو کالة علم به الو کیل أو لم يعلم قوله: عن ابن المبارك إلخ. قال العبد الضعيف: دلالته على معنى الباب ظاهرة، لأن المولى حين أعتقها لم تبق الأمة محلا لتصرف الوكيل فيها بالبيع، وخروج محل الوكالة عن صلاحيته للتصرف عزل حكمى - كالموت- فلا يتوقف على علم الوكيل كالوكيل ببيع العبد إذا باعه الموكل يصير الوكيل معزولا حكما لفوات محل تصرف الوكيل، كذا فى "الهداية مع الحاشية" (١٨٤:٣)، وعلم الوكيل إنما يشترط عندنا فى العزل القصدى دون الحكمى، فاحتجاج البيهقى بهذا الأثر على أن الوكيل ينعزل إذا عزل وأن لم يعلم به ليس على ما ينبغى، وإنما كان له أن يبوب عليه إذا تصرف الموكل فيما وكل به تصرفا يخرجه عن صلاحيته للتصرف انعزل الوكيل علم به أو لم يعلم، وهذا مما لا خلاف فيه لكونه عزلا حكما، وإنما الخلاف فى العزل القصدى. قال الموفق فى "المغنى": إن الوكالة عقد جائر من الطرفين فللمو كل عزل وكيله متى شاء وللوكيل عزل نفسه لأنه إذن فى التصرف، فكان لكل واحد منهما إبطاله، كما لو أذن فى أكل (١) وأما أثر عمر فليس بصريح فى جواز التوكيل كما أشرنا إليه، وإنما يحتمله ويشتمله بعمومه، فقلنا: بالجواز قضاء، لا ديانة عملا بالدلالتین. ٣٤٩ إذا تصرف الموكل بنفسه فيما وكل به بطلت الوكالة إعلاء السنن ويرد ثمنها ويؤخذ صداقها لما كان قد وطئها. رواه البيهقى بسنده وقال: وأنبأ أبو الوليد ثنا الحسن بن سفيان عن حبان عن ابن المبارك فذكر نحوه وقال فيه: فقضى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه اهـ سكت عنه البيهقى وابن التركمانى كلاهما، فهو حسن، أو صحیح. طعامه، وتبطل أيضا بموت أحدهما أيهما كان وجنونه المطبق، ولا خلاف فى هذا كله فيما نعلم، فمتى تصرف الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته فهو باطل إذا علم ذلك، فإن لم يعلم الوكيل بالعزل ولا موت الموكل فعن أحمد فيه روايتان، للشافعى فيه قولان، وظاهر كلام الخرقى أنه ينعزل علم أو لم يعلم ومتى تصرف فبان أن تصرفه بعد عزله أو موت موكله فتصرفه باطل، وعن أحمد لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل وعزله، نص عليه فى رواية جعفر بن محمد؛ لأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة، وربما باع الجارية فيطأها المشترى والوكيل، ولأنه يتصرف بأمر الموكل ولا يثبت حكم الرجوع فى حق المأمور قبل علمه كالنسخ، فعلى هذا متى تصرف قبل العلم نفذ تصرفه، وعن أبى حنيفة أنه إن عزله الموكل فلا ينعزل قبل علمه لما ذكرنا، وإن عزل الوكيل نفسه لم ينعزل إلا بحضرة الموكل، لأنه متصرف بأمره فلا يصح رد أمره بغير حضرته كالمودع فى رد الوديعة اهـ (٢٤٣:٥). وأما فى موت الموكل فقول أبى حنيفة أن الوكيل ينعزل به علم أو لم يعلم، كما قدمناه عن "الهداية" بدليل ما فى المتن من أثر عمر بن عبد العزيز، لأنه لما انعزل بخروج محل الوكالة عن صلاحية التصرف فخروج الموكل عن أهلية التوكيل أولى، لأن التوكيل تصرف غير لازم، فيكون لدوامه حكم ابتدائه، فلا بد من قيام الأمر أى أمر الموكل بالتوكيل فى كل ساعة، وبالموت والجنون والردة يبطل الأمر فلا تبقى الوكالة من هؤلاء كما لا تنعقد منهم ابتداء، كذا فى العناية (١٣٢:٧). وكيل السلطان على بيت المال ونحوه لا ينعزل بموته: وهذا إذا كان الموكل قد وكله لنفسه، وأما إذا كان وكله لمصلحة العامة كو كيل السلطان على بيت المال ونحوه، فلا ينعزل بموت السلطان، لأن المال كان قد انتقل بموت الموكل إلى ورثته فى الأول، فلا يجوز فى مالهم حكم من لم يؤكلوه، وليس كذلك فى الثانى، لأن بيت المال لا ينتقل إلى ورثة الإمام بموته، وهذا نظير قولهم: تبطل الإجارة بموت أحد العاقدين إذا عقدها الموجر لنفسه، وإن عقدها لغيره لم تنفسخ. وقد مات عليه السلام وولاته باليمن ومكة والبحرين ج - ١٥ ٣٥٠ کتاب الدعوى باب البينة على المدعى واليمين على من أنكر ولا یرد الیمین علی المدعى ولا يقضى بشاهد ويمين المدعى ٥١٠٣- عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من "حضر موت" ورجل من كندة إلى النبى معَِّ فقال الحضرمى: يا رسول الله! إن هذا غلبنى على أرض لى، فقال الكندى: هى أرضى وفى يدى ليس له فيها حق، فقال النبى معَّه للحضرمى: ألك بينة؟ قال: لا. قال فلك يمينه، قال: يا رسول الله! إن الرجل فاجر لا يبالى على ما حلف عليه، وليس يتورع من شىء، قال: ليس لك منه إلا ذلك، قال: فانطلق الرجل ليحلف له، فقال رسول الله عّ لّه لما أدبر: ((لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًا ليلقين الله وهو عنه معرض))، رواه الترمذى وقال: حسن صحيح. ٥١٠٤- عن الأشعث بن قيس قال: كان بينى وبين رجل أرض باليمن فخاصمته إلى رسول الله عَّ ◌ُّه فقال: شاهداك أو يمينه، قلت: إذًا يحلف ولا يبالى، فقال عليه السلام: ((من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان)) فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ إلى قوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ (متفق عليه). ٥١٠٥- وعن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لو يعطى الناس بدعواهم وغيرها فنذت أحكامهم وتصرفاتهم قبل أن يبلغهم موته عليه السلام ولم يختلف فى ذلك أحد من أصحابه، والله تعالى أعلم. باب البينة على المدعى واليمين على من أنكر ولا يرد اليمين على المدعى ولا يقضى بشاهد ويمين المدعى وقوله: عن وائل ابن حجر وقوله: عن الأشعث وقوله: عن ابن عباس إلخ: قال العبد الضعيف: حديث البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه مشهور تلقته الأمة بالقبول، لم يختلف فيه اثنان، قال النووى: هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد الشرع اهـ (٧٤:٢)، وقد "قدمنا أن كتاب عمر إلى أبى موسى كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم ٣٥١ البينة على المدعى واليمين على من أنكر إعلاء السنن لادعى رجال أموال قوم ودمائهم لكن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه»، أخرجه البيهقى فى سننه قاله الزيلعى، وقال أيضًا: والحديث فى الصحيحين بلفظ: لكن والشهادة، وصرح به ابن القيم فى "الإعلام" (١: ٣٠)، وهو مشتمل على قوله: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) وأيضا فقد روى هذا اللفظ مرفوعا ابن عباس وسنده حسن أو صحیح، كما قاله الحافظ فى "الفتح" والنووى فى شرح مسلم، وعن ابن عمر عند الطبرانى وغيره وسنده صحيح أو حتن، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الدارقطنى وفيه مسلم بن خالد الزنجى مختلف فيه، قد تابعه محمد بن عبيد الله العزرمى عند الترمذى وفيه مقال، ورواه أبو هريرة عند الدار قطنى أيضا وفيه مسلم بن خالد المذكور، وراه الواقدى فى "المغازى": من طريق منصور الحجبى عن أمه صفية بنت شيبة عن برة بنت نجران بلفظ: ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)) (زيلعى ٢١٧:٢) الجصاص فى "أحكام القرآن" له. وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد، فإن الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال، فصار فى حيز المتواتر، وفى معناه قوله معدّ ل له. فى حديث الأشعث بن قيس: ((شاهداك أو يمينه)) وفى حديث وائل: ((ليس لك إلا ذلك))، فنفى النبى عَّ أن يستحق المدعى شيئا بغير شاهدين وأخبر أنه لا شىء له غير ذلك اهـ (٥١٥:١). فاندحض بذلك قول الموفق فى "المغنى": وحديثهم ضعيف (١١:١٢)، والعجب منه أنه يضعف الحديث فى موضع إذا ورد عليه ويحتج به فى موضع إذا وافق غرضه، فإن الموفق نفسه قد احتج بهذا الحديث على الشافعى ورد به قوله برد اليمين على المدعى إذا لم يحلف المدعى عليه وأراد تحليف المدعى فقال: ولنا قول النبى عّ لّه: ولكن اليمين على المدعى عليه فحصرها فى جانب المدعى عليه وقوله: البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه، فجعل جنس اليمين فى جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة فى جنبة المدعى اهـ (١٢٤:١٢) وبعد ذلك فنقول: إن قوله عرّ له: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) وقوله: ((شاهداك أو يمينك)) يدل بمنطوقه على أن اليمين لا ترد على المدعى مطلقا، وإنما عليه البيئة وعلى المنكر اليمين، لأنه قسم والقسمة تنافى الشركة، وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شىء. (هداية) لأن لام التعريف تحمل على استغراق الجنس إذا لم يكن هناك معهود، كما تقرر فى "الأصول". وقد ذهب بعض السلف إلى رد اليمين على المدعى استظهارًا وهو أن المدعى إذا أثبت ما يدعيه ببينة فللحاكم أن يستخلفه أن بينته شهدت بحق لما روى ابن أبى ليلى عن الحكم عن الحسن أن عليا رضى الله عنه استخلف عبد الله بن الحر مع بينة (قلنا: قضية حال لا عموم لها، فلعله ج - ١٥ البينة على المدعى واليمين على من أنكر ٣٥٢ اليمين على المدعى عليه، وقال الحافظ فى "الفتح" (٢٠٨:٥): أخرجه البيهقى من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن أبى مليكة فذكر قصة المرأتين استراب من الشهود لكونهم مستورين ولم يجد من يزكيهم أو غير ذلك مما قد ألجأه إلى استخلافه، فلا حجة فيه ولا يصلح معارضا للأصل الكلى الذى تظاهرت به النصوص) وذهب مالك والكوفيون والشافعى وأحمد إلى أنه لا يمين عليه بعد ما أقام البينة، والحجة لهم قوله معد له للأشعث: ((شاهداك أو يمينه)) ولم يقل له: تحلف مع البينة، فلم يوجب على المدعى غير البينة، وأيضا قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ فبرأه الله تعالى من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين (ولم يزد: ولم يحلفوا على شهادتهم، كذا فى "العمدة" للعينى (٣٧٧:٦) ملخصا. وذهب مالك والشافعى إلى رد اليمين على المدعى إذا لم يكن له بينة ونكل المدعى عليه عن اليمين، فقال مالك: ترد اليمين فى الأموال ولا يرى ردها فى النكاح والطلاق والعتاق، وقال الشافعى وأبو ثور وأصحابه: ترد اليمين فى كل شىء (المحلى ٣٧٧:٩)، واختاره أبو الخطاب من . الحنابلة أن له -أى للمدعى عليه - رد اليمين على المدعى إن ردها حلف المدعى وحكم له بما ادعاه، ونص أحمد على أنه المدعى عليه إذا نكل فإن كان مالا أو المقصود منه المال قضی علیه بنکوله، ولم ترد اليمين على المدعى، قال أحمد: أنا لا أرى رد اليمين إن حلف المدعى عليه وإلا دفع إلى المدعى حقه، وبهذا قال أبو حنيفة (المغنى ١٢٤:١٢). واحتج الخصم بما رواه الدار قطنى (٥١٥:٢) عن نافع عن ابن عمر أن النبى معَّ ◌ُلّه رد اليمين على طالب حق اهـ. ولا حجة فيه فإنه من طريق محمد بن مسروق ولا يعرف عن إسحاق بن الفرات مختلف فيه، رواه تمام فى "فوائده": من طريق أخرى عن نافع (التلخيص ٤١٢:٢) أى عن نافع من قوله كما هو الظاهر، وبما رواه أيضا عن على بن أبى طالب قال: المدعى عليه أولى باليمين . فإن نكل أحلف صاحب الحق، وفيه حسين بن عبد الله بن ضمرة كذبه مالك، وقال أبو حاتم: متروك كذاب وتركه آخرون، وبما رواه عبد الملك بن حبيب (وهو مالك) عن أصبغ عن ابن وهب عن حيوة بن شريح أن سالم بن غيلان التجيبى أخبره أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((من كانت له طلبة عند أحد فعليه البينة المطلوب أولى باليمين فإن تكل حلف الطالب وأخذ))، وهو مرسل وسالم بن غيلان قال الدار قطنى: متروك. ووثقه آخرون، وبما رواه الشافعى عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن رجلا من بنى سعد بن ليث أجرى فرسا فوطىء على إصبع رجل من جهينة ٣٥٣ البينة على المدعى واليمين على من أنكر إعلاء السنن وقال: فكتبت إلى ابن عباس فكتب إلى أن رسول الله عَّه قال فذكر الحديث وفيه: ولكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وهذه الزيادة ليست فى "الصحيحين"، فنزا منها فمات، فقال عمر للذى ادعى عليهم: تحلفون خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا وتحرجوا، فقال للآخرين: احلفوا أنتم فأبوا. (التلخيص ص ٤١٢) زاد البيهقى: فقضى عمر بشطر الدية على السعديين (الجوهر النقي ١٧٠:٢). ولا حجة فيه للشافعى ولا لمالك بل حجة عليهما لأن هذا الأثر قد عرف فيه الجانى لكن لم يدر هل مات من جنايته أو من غيرها، فأمكن أن يجعل فى حال قتيلا فتجب الدية وفى حال غير قتيل فقضى بالنصب، وليس هذا من محل القسامة فى شىء، لأن القسامة إنما هى فى قتيل وجد فى محلة ولم يدر من قتله، وإذا عرف القاتل فإنما على المدعى البينة وعلى المنكر اليمين مرة، وليس عليه ولا على عاقلته خمسون يمينا بالاتفاق، ولكن عمر جعله قسامة مع علمه بالقاتل، ومذهب الشافعى أنه لو أبى المدعى عليه والمدعى أن يحلفا لا يقضى بنصف الحق ولا يقضى بشىء حتى يحلف المدعى، فترك هذا الأثر فى نكول الفريقين فلم يقض بالنصف بل أبطل الحق كله (الجواهر النقى ١٧٠:٢)، فالجواب الجواب والدليل الدليل، وبالجملة فهو مؤول عند الكل. وبما رواه الشعبى أن المقداد استسلف من عثمان سبعة آلاف درهم فلما قضاه أتاه بأربعة آلاف، فقال عثمان: إنها سبعة آلاف، فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة آلاف، فارتفعا إلى عمر، فقال المقداد: يا أمير المؤمنين! ليحلف أنها كما يقول ويأخذ هما، فقال له عمر: أنصفك، احلف أنها كما تقول وخذها، فأبى عثمان أن يحلف فقال له عمر: خذ ما أعطاك (المحلى ٣٧٧:٩) وأخرجه أبو الوليد فى كتاب المخرج بإسناد صحيح عن الشعبی مرسلا، ورواه الشافعى بلاغا وزاد: فافتداها عثمان بمال وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال: هذا بيمينه (زيلعى ٢: ٢٢٠)، وأخرجه البيهقى فى "السنن" وقال: إسناده صحيح إلا أنه منقطع (الجوهر النقي ٢٥١:٢). والجواب أن عثمان كان مدعى عليه مفتديا يمينه بمال لأن المقداد كان يدعى عليه إيفاء تمام الدين بما أداه وهو ينكر ذلك ويقول: بل أوفيت البعض منه وهو أربعة آلاف، وبقى البعض فى ذمتك وهو ثلاث آلاف، فلم يكن فيه رد اليمين على المدعى، ولكنه لما كان بالنظر إلى أصل مقدار القرض مدعيا اغتر به الخصم وظن أن فيه رد اليمين على المدعى، لم يدر أنه كان مدعى عليه نظرا إلى دعوى المقداد عليه الإيفاء بما أداه، وافتداء المدعى عليه يمينه بمال جائز عندنا، فالحديث لنا لا علينا (تكملة فتح القدير ٧: ١٩٠). ٣٥٤ ج - ١٥ البينة على المدعى واليمين على من أنكر وإسنادها حسن اهـ. وفى "النيل" (٥٨٤:٨): بإسناد صحيح، وفى "شرح مسلم (٧٤:٢) للنووى: بإسناد حسن، أو صحيح. وفى "البدائع": وأما حديث المقداد فلا حجة فيه لأن فيه ذكر الرد من غير نكول المدعى عليه وهو خارج عن أقاويل الكل فكان مؤولا عند الكل، ثم تأويله أن المقداد رضى الله عنه ادعى الإيفاء فأنكر سيدنا عثمان رضى الله عنه، فتوجهت اليمين عليه ونحن به نقول اهـ (٢٣٠:٦). وتخبط بعض الأحباب ههنا فحمل الأثر على أن رد اليمين على عثمان كان على سبيل المصالحة دون القضاء، واستدل على ذلك بأنه لو كان رد اليمين على المدعى بعد إباء المدعى عليه واجبا لما احتاج المدعى عليه أن يرد اليمين على عثمان، فهذا الصنيع منه يدل على أنه كان يعلم أنه إن لم يرد اليمين على المدعى يقضى عليه بالنكول وهو عين ما ادعينا اهـ، وهذا غفلة منه عن مذهب الخصم وعن مذهبه جميعا، فإن الخصم لا يقول برد اليمين على المدعى إلا إذا ردها المدعى عليه على المدعى وطلب تحليفه كما مر، فلم يكن فى قول المقداد: يا أمير المؤمنين! ليحلف أنها كما يقول إلخ دليل على ثبوت المصالحة ولا على نفى القضاء. وأما غفلته عن مذهبه، فلأنه لم يفرق بين افتداء المدعى عليه يمينه بمال وبين افتداء المدعى، فالأول جائز عندنا دون الثانى، لكون اليمين واجبة على المنكر، ويصح الافتداء من الواجب، ولا تجب على المدعى، فلا معنى للافتداء مما لا يجب، فلو حملنا أثر عثمان على المصالحة مع كونه مدعيا لزم افتداء المدعى يمينه بمال وهو غير صحيح عندنا، ومن ادعى فعليه البيان. قال فى "البدائع": وبهذا يتبين بطلان مذهب الشافعى رحمه الله فى رده اليمين إلى المدعى عند نكول المدعى عليه، لأن النبى معَّ ◌ُّه ما جعل اليمين حجة إلا فى جانب المدعى عليه، فالرد إلى المدعى يكون وضع الشىء فى غير موضعه وهذا حد الظلم اهـ (٢٢٥:٦). وفيه أيضا: وأما رد اليمين على المدعى فليس بمشروع لما قلنا من قبل (٢٣٠:٦). وفى "البحر" عن الواقعات الحسامية قبيل الرهن: وعن محمد من قال لآخر: لى عليك ألف درهم فقال له الآخر: إن خلفت أنها لك على أديتها إليك، فحلف فأداها إليه المدعى عليه إن كان أداها على الشرط الذى شرطا فهو باطل، وللمؤدى أن يرجع فيما أدى لأن ذلك الشرط باطل لأنه على خلاف حكم الشرع، لأن حكم الشرع أن اليمين على من أنكر دون المدعى اهـ (٢٠٤:٧). واجترأ بعض الأحباب جرأة شديدة حيث قال: والظاهر أنه رواية شاذة مخالفة لأصول المذهب لأنه عَّه قال: المسلمون عند شروطهم. (ولم يدر أن المراد الشروط الجائزة شرعا، ألا ترى ٣٥٥ البينة على المدعى واليمين على من أنكر إعلاء السنن أن الدائن والمديون لو تصالحا على أن يؤدى المديون مكان عشرة دراهم عشرين بطل الصلح والشرط كلاهما). وقال أيضا: الصلح جائز فيما بين المسلمين ما لم يحلل حراما أو يحرم حراما (ولم يدر أن هذا الشرط كذلك، فإنه يوجب اليمين على المدعى، وهو غير مشروع عندنا). قال: ألا ترى أنهما لو اصطلحا على شىء من غير بينة ولا يمين أفلا يكون جائزا؟ بلى، فإذا جاز الصلح بلا بينة ولا يمين فكيف لا يجوز بيمين المدعى؟ ٠ .قلنا: لأن الصلح بلا بينة ولا يمين ليس فيه شرط غير مشروع بخلافه بيمين المدعى، وأيضا فمن أين لك أن تحمل قول محمد: إن كان أداها على الشرط الذى شرطا فهو باطل إلخ على ما إذا كان أداها على سبيل الصلح برضاه؟ وما منعك أن تحمل قول محمد هذا على ما إذا كان المدعى عليه رد اليمين على المدعى لا على سبيل الصلح بل على سبيل التعجيز اعتمادا على صدقه ظنا منه أنه ليس ممن يقدم على الحلف كاذبا، فحلف المدعى وخالف فيه ظنه فأدى إليه المدعى عليه الألف على الشرط الذى شرطا وظن الأداء واجبا عليه للشرط ولم يؤدها إليه باذلا برضاه، فلا شك فى بطلان الأداء وبطلان الشرط، فله أن يرجع فيما أدى. وأيضا فما منعك أن تحمل قول محمد على حكم الديانة؟ ألا ترى أن افتداء المدعى عليه يمينه بمال جائز عندنا، ومع ذلك لا يحل للمدعى أخذ المال فى الفداء والصلح عن اليمين إلا إذا كان محقا ليكون المأخوذ فى حقه بدلا، صرح به فى "البحر" (٢١٨:٧)، فكيف يحل للمدعى أخذ المال بيمينه إذا كان مبطلا، فالمعنى أنه كان أداها على مجرد الشرط مع علمه ببراءة ذمته وكذب المدعى فى حلفه كان للمدعى أن يرجع فيما ادعى، لأن الشرط الباطل لا يصلح موجبا لما ليس بواجب علیه فى نفس الأمر. وهذا مما أجمع الأئمة عليه، فإن الشافعى ومالكا، وإن قالا بصحة رد اليمين على المدعى، فلم يقولا قط بأن يأخذ المدعى بيمينه ما ليس له، فافهم، ولا ترد كلام الفقهاء بمجرد قصور فهمك عن دركه، ولا تجعل روايتهم شاذة مخالفة للأصول لعجزك عن فهم مراد الفحول، ولا ينبغى للمرأ أن يعدو قدره والسلام. هذه وإنما تركنا الآثار الواردة فى رد اليمين على المدعى مع أن المرسل حجة عندنا، ولا يضر الاختلاف فى التوثيق، لأنها جاءت مخالفة للأحكام الظاهرة والسنن القائمة كحديث: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) وهو مشهور متلقى بالقبول، كما مر، وكحديث الأشعث وفيه قوله معّ: ((شاهداك أويمينه)) أخرجه الشيخان وقد قضى عثمان بن عفان ج - ١٥ البينة على المدعى واليمين على من أنكر ٣٥٦ وأبو موسى الأشعرى وغيرهما من الصحابة بإباء اليمين، فإن احتج الشافعى فى ردها بحديث القسامة يقال: أنت تزعم أن القسامة مخالفة لغيرها، فإن عندك أن رسول الله عَ ليه بدأ يأيمان المدعين ثم ردها منهم إلى المدعى عليهم، وعندك فى غيرها لا يحلف المدعى إلا إذا أبى المدعى عليه، فكيف احتججت بها فيما لا يشبهها بزعمك؟ فكما لا تجوز أن يقضى للمدعى بلا بينة ولو حلف خمسين يمينا، فكذا فى رد اليمين بعد نكول(١) المدعى عليه " (الجوهر النقى ١٧٠:٢). وقد صح عن الشعبى قال: كان بين أبي بن كعب وعمر بن الخطاب منازعة وخصومة فى حائط فقال: بينى وبينك زيد بن ثابت، فأتياه فقال زيد لأبى بن كعب: بينتك، وإن رأيت أن تعفى أمیر المؤمنین من الیمین فأعفه الحدیث. وقد تقدم فى (باب التحکیم) فهذا زید لم یذکر رديمین، بل أوجب اليمين على المنكر قطعا إلا أن يسقطها الطالب، ولو كان للمدعى عليه رد اليمين على المدعى لم يكن لقوله: وإن رأيت أن تعفى أمير المؤمنين من اليمين فأعفه معنى، وصح عن ابن عباس أنه كتب إلى ابن أبي مليكة أن رسول الله عَ لّ قضى أن اليمين على المدعى عليه (المحلى ٩: ٣٨١)، ولم يقل: فإن نكل فعلى المدعى. وأخرجه الزيلعى عن عثمان وشريح بأسانيد صحاح القضاء بالنکول من دون رد اليمين (٢١٩:٢). وأخرج ابن حزم بأسانيد صحاح عن الحكم بن عتيبة وابن أبى ليلى كانا لا يريان رد اليمين أى ردها على الطالب إذا نكل المطلوب (٣٨٢:٩). وأيضا لو مات من لا وارث له، فوجد الإمام فى دفتره دينا له على إنسان فطالبه به، فأنكره وطلب منه اليمين فأنكره، فإنه لا خلاف أن اليمين لا ترد، وقد ذكر أصحاب الشافعى فى هذا أنه يقضى بالنكول فى أحد الوجهين، وفى الآخر يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف، وكذلك لو ادعى رجل على ميت أنه أوصى إليه بتفريق ثلاثة وأنكر الورثة ونكلوا عن اليمين قضى عليهم (بالنكول ولم ترد اليمين على المدعى) قاله الموفق فى "المغنى" (١٢٥:١٢). قال: والخبر (الذى رواه الدار قطنى عن ابن عمر أنه معد له رد اليمين على الطالب) لا تعرف صحته، ومخالفة ابن عمر له تدل على ضعفه، قال أحمد: قدم ابن عمر إلى عثمان فى عبد له، فقال له: احلف أنك ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد العبد عليه ولم يرد ابن عمر اليمين على المدعى ولا ردها عثمان اهـ، وقد تقدم تصحيح الحديث فى (باب البيع بالبراءة)، (١) أی لا یقضی له بالیمین، بل یقضی له بنكول المدعى عليه. ٣٥٧ البينة على المدعى واليمين على من أنكر إعلاء السنن وسيأتى فى (باب القضاء بالنكول). قلت: فلما أجمعوا على أن اليمين لا ترد على المدعى فى بعض الأحوال فلا يصح الاحتجاج بما روى فى رد اليمين عليه فى بعضها ما لم يتبين أنه عّ لّهم فى أى الأحوال ردها عليه، وروى ابن ماجة فى السنن حدثنا محمد بن يحيى (هو الذهلى الإمام الحافظ الحجة) ثنا عمرو بن أبى سلمة وأبو حفص التنيسى (من رجال الجماعة صدوق) عن زهير (هو ابن محمد التميمى من رجال الجماعة ثقة) عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. شهادة ابن القيم على أن ابن حزم لم يكن فقيتها: قال ابن القيم فى الإعلام: وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولا يعرف فى أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى كأبى حاتم البستى وابن حزم وغيرهما (٣٥:١) عن النبى عد ضية. قال: إذا ادعت المرأة طلاق زوجهافجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف زوجها(١)، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه(ص١٤٨)، وأخرجه الدارقطنى فى "سننه" (٤٥٢:٢) بهذا السند هكذا بهذا اللفظ سواء. وهو صريح فى وجوب القضاء بنكول المدعى عليه من غير ذكر رد اليمين على المدعى، وهذا حديث قولى صحيح الإسناد فهو أقوى مما احتج به الخصم، فإنه إما واقعة عين لا عموم لها، أو مرسل ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة عنده ولا عندنا إذا عارض ما هو أقوى منه. التنبيه على سهو ابن القيم: ولا تغتر بصنيع ابن القيم فى الإعلام حيث ذكر الحديث بلفظ: أن المرأة إذا أقامت شاهدا واحدا على الطلاق فإن حلف الزوج أنه لم يطلق لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه اهـ (٣٥:١) فإن لفظة: وإن لم يحلف حلفت المرأة لا أثر لها فى هذا الحديث، ولو صحت أو ثبتت فى طريق ولو ضعيفة لم يدعها الدارقطنى ولا الحافظ ابن حجر البتة، فالله أعلم من أين أخذها ابن القيم؟ وظنى أنه كتب الحديث حين كتبه بالحفظ من غير مراجعة الأصول، فأخطأ فى لفظه. (١) لا خلاف فى الاستحلاف فى الطلاق، وإنما خالف أبو حنيفة الجمهور فى الأشياء الستة، وليس الطلاق منها، والفتوى على قولهما: إنه يستخلف المنكر فى الأشياء المذكورة أيضا، كما فى "العينى" (٣٧٨:٦) و "فتح القدير". ج - ١٥ البينة على المدعى واليمين على من أنكر ٣٥٨ رد القضاء بشاهد ويمين: والحديث صريح فى رد القضاء بشاهد ويمين المدعى، لأنه عّ لّم أمر بالقضاء بنكول المدعى عليه من غير أن يرد اليمين على المدعى ويرده أيضا قوله: البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه لكونه يفيد حصر جنس الأيمان فى جنبة المدعى عليه كما يفيد حصر جنس البينة فى جنب المدعى، وكذا قوله فى حديث الأشعث: شاهداك، أو يمينه بالتقرير الذى مر ذكره. الرد على ابن القيم فى قوله: إن البينة لا تختص بالشاهدين: وأما قول ابن القيم: إن البينة فى كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهى أعم من البينة فى اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين فيقع بذلك الغلط فى فهم النصوص، لم يختص لفظ البينة بالشاهدين بل ولا استعمل فى الكتاب فيهما البتة، فقول النبى معَِّ للمدعى: ألك بينة؟ وقول عمر: البينة على المدعى. وإن كان هذا قد روى مرفوعا المراد به: ألك ما يبين الحق من شهود أو دلالة أى فيعم الشاهدين والشاهد واليمين سواء (٣٢:١) فكله رد عليه، سلمنا أن البينة لم يختص بالشاهدين فى كلام الله ورسوله مطلقا، ولكنه قد اختص بهما إذا ورد فى أحاديث القضاء والشهادات، وقد قام الإجماع على أن المراد بالبينة فى قوله: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) إنما هو الشاهدان لا غير. قال الجصاص فى "الأحكام" له: ويدل عليه -أى على بطلان الشاهد واليمين- قوله عد له: (البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) وفرق بين اليمين والبينة، فغير جائز أن تكون اليمين بينة، لأنه لو جاز أن تسمى اليمين بينة لكان بمنزلة قول القائل: البينة على المدعى. والبينة اسم جنس فاستوعب ما تحتها، فما من بينة إلا وهى التى على المدعى (وليس اليمين كذلك فإنها على المدعى عليه بنص الحديث)، فلا يجوز أن يكون على المدعى اليمين، وأيضا: لما كانت البينة لفظا مجملا وقد يقع على معان مختلفة واتفقوا أن الشاهدين والشاهد والمرأتين مرادون بهذا الخبر وأن الاسم يقع عليهم صار كقوله: الشاهدان، أو الشاهد والمرأتان على المدعى، فغير جائز الاقتصار على ما دونهم (١ :٥١٥). وبالجملة: فقد وقع الإجماع على كون الشاهدين أو الشاهد والشاهدتين مرادا بالبينة فى هذا الحديث. واختلفوا فى كون الشاهد واليمين مرادا به، فيجب تفسير الحديث بالمجمع عليه دون ٣٥٩ البينة على المدعى واليمين على من أنكر إعلاء السنن المختلف فيه. وأيضا: فلما كان لفظ البينة مجملا لكونه مشتركا يقع على معان عديدة لا يجوز استعماله ههنا إلا فى واحد منها، لأنه لا عموم للمشترك كما تقرر فى الأصول، وقد ثبت بالإجماع كون الشاهدين أو رجل وامرأتين مرادا به، فلا يجوز إرادة غيره من المعانى. وأيضا: فإن الأشعث بن قيس ووائل بن حجر كلاهما روى قصة خصومة الكندى والحضرمى عند رسول الله عَ ◌ّه فقال وائل: إنه مّ ◌ُلّه قال للمدعى منهما: ((ألك بينة؟)) قال: لا. قال: ((فلك يمينه، ليس لك إلا ذلك)) قال الأشعث: إنه مَِّ قال للمدعى: شاهداك أو يمينه إلخ فالحديث واحد قد رواه الراويان بلفظين فيجب حمل أحدهما على الآخر لأن الآثار يفسر بعضها بعضا، فتبين بذلك أن المراد بالبينة فى حديث وائل إنما هو الشاهدان كما وقع التصريح به فى حديث الأشعث فلا يصح حمل البينة على غير ذلك، كما فعله ابن القيم. قال فى "النيل": قد تقدم فى كتاب الغصب أن الأشعث بن قيس قال: إن رجلا من كندة ورجلا من حضر موت اختصما إلى النبى عَّه، وهكذا وقع فى رواية أبى داود وذلك يقتضى أن الخصومة بين رجلين غيره، ورواية حديث الباب تقتضى أنه أحد الخصمين وكذلك حديث وائل المذكور ههنا بأن الخصومة فيه لقصة الكندى والحضرمى وهما المذكوران فى حديث الأشعث فلعل الرواية لقصة الكندى والحضرمى من طريق الأشعث ومن طريق وائل (كليهما) وأما المخاصمة بين الأشعث وغريمه فقصة أخرى رواه الأشعث (وحده) (٥٧٠:٨). الرد على الحافظ ابن حجر فى جعله قوله: شاهداك أو يمينه عاما للشاهد الواحد مع اليمين: وأغرب من صنيع ابن القيم صنيع الحافظ فى "الفتح" حيث حمل قوله: شاهداك، أو يمينه على معنى بينتك سواء كانت رجلين، أو رجلا وامرأتين، أو رجلا ويمين الطالب قال: فالمعنى: شاهداك أو ما يقوم مقامهما اهـ (٢٠٩:٥). قلت: إطلاق الشاهدين على الشاهد الواحد مع يمين المدعى لا يصح لغة ولا شرعا، أما من حيث اللغة، فلأن لفظة الشاهدين تستدعى التعدد فى الشاهد، وهو معدوم ههنا، أما من حيث الشرع فلأنه يستلزم كون المدعى شاهدا وهو باطل قطعا لا يجيزه أحد من الفقهاء. وظنى أن الحافظ لا يجيزه أيضا ولكن نصرة المذهب جرته إلى هذا التاويل الباطل الذى يمجه الطبع السليم. ويرده أيضا قوله معدّ لآية: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم))، ج - ١٥ البينة على المدعى واليمين على من أنكر ٣٦٠ ولا يخفى أن يمين المدعى من دعواه مخبرها ومخبر دعواه واحد، فلو استحق بيمينه كان مستحقا بدعواه، وقد منع النبى معَّ ذلك، لأنه منع استحقاق المدعى شيئا بقوله ويمينه من قوله، فلم يجز أن يستحق بها شيئا، وهذا أظهر من أن يخفى على عاقل فضلا عن فقيه عالم. قال الحافظ: ولو لزم من ذلك رد الشاهد واليمين لكونه لم يذكر للزم رد الشاهد والمرأتين لكونه لم يذكر اهـ. قلنا: إن التنصيص على العدد إنما يمنع النقصان منه دون الزيادة عليه، فإن قول القائل: عندى عشرون درهما يصح إذا كان عنده أحد وعشرون فصاعدا، ولا يصح إذا كان عنده أقل من عشرين. فقوله: شاهداك، أو يمينه نفى أن يستحق المدعى شيئا بأقل من شاهدين، فلزم منه رد الشاهد واليمين، ولم ينف الزيادة فلم يلزم رد الشاهد والمرأتين. وأيضا فكفاية الشاهدين لإثبات الدعوى تستلزم كفاية ما فوقها بالأولى، ولا يستلزم كفاية ما دونهما، كما لا يخفى. وقال العينى فى "العمدة": هذا تأويل غير صحيح، فسبحان الله! كيف يدل قوله: شاهداك على رجل ويمين الطالب؟ وأى دلالة هذا من أنواع الدلالات واللفظ صريح، فمن أين يأتى هذا التأويل البعيد اه؟ (٣٨٤:٦). وأيضا فكون الشاهد والمرأتين بمنزلة الشاهدين قد عرف بالنص والإجماع قال تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، ولم يثبت كون الشاهد واليمين بمنزلتهما بنص الكتاب ولا بنص خبر صحيح صريح فى الدلالة على ذلك، ولا بالإجماع، وإنما هو مجرد دعوى لم يقم عليها دليل ناهض. فقولك: إن المراد بقوله عّ لّه: شاهداك أى بينتك سواء كانت رجلين، أو رجلا وامرأتين، أو رجلا يمين الطالب مصادرة على المطلوب وصرف للكلام عن ظاهره من غير دليل. وقولك: إن الملجأ إليه ثبوت الخبر باعتبار الشاهد واليمين اهـ عين النزاع، كما سيأتى تفصيله لك، إن شاء الله تعالى. ويرده أيضا السنة المجمع عليها، وهى أن لا يحكم، ولا يقضى بشهادة جار إلى نفسه مغنما، ولا دافع عنها مغرما بشهادته، فالحكم للمدعى بيمينه، حكم لجار إلى نفسه مغنما بيمينه فهذه سنة متفق عليها تدفع الحكم باليمين والشاهد، فأولى الأشياء بنا أن نصرف حديث رسول الله عَّ له إذا ورد بطريق الآحاد وسلم من العلة إلى ما يوافق كتاب الله والسنة المتفق عليها لا إلى ما يخالفهما، أو يخالف أحدهما (الطحاوى) (٢٨٣:٢).