Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
عنه. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن وزادا: ثم خلى
عنه، وسئل یحیی بن معین عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فقال: إِسناد صحيح إذا
كان من دون بهز ثقة. كذا فى "عون المعبود" (٣: ٣٥٠) عن "أسد الغابة". وأخرجه
الحاكم فى "المستدرك" وصححه.
کما یکون حبس عقوبة یکون حبس استظهار فی غیر حق، بل لیکشف به بعض ما وراءه،
وقد بوب أبو داود على هذا الحديث فقال: باب فى الحبس فى الدين وغيره. وذكر معه حديث
عمرو بن الشريد، وحديث الهرماس بن حبيب، وأخرجه أيضا ابن ماجة.
قال فى "البحر": مسألة: وندب اتخاذ سجن للتأديب واستيفاء الحقوق لفعل أمير المؤمنين
على رضى الله عنه عمر وعثمان ولم ينكر، وكذلك الدرة والسوط لفعل عمر وعثمان.
فرع: ويجب حبس من عليه الحق للإيفاء إجماعا إن طلب، لحبسه عّ لّه من أعتق شقصا فى
عبد حتى غرم لشريكه قيمته، وكذلك التقييد اهـ (٦١:٧). وأما قول ابن حزم: وحديث بهز بن
حكيم عن أبيه عن جده ضعيف اهـ فرد عليه بقول ابن معين، وقد ذكرناه فى المتن. واذكر قول
الحاكم فى تقسيم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام إلى أن قال: الخامس: أحاديث جماعة من
الأئمة عن آباءهم عن أجدادهم لم تتواتر الرواية عن آباءهم عن أجدادهم إلا عنهم كعمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده وبهز بن حکیم عن أبيه عن جده وأیاس بن قرة عن أبيه عن جده،
أجدادهم صحابة وأحفادهم ثقات، فهذه أيضا محتج بنها إلخ، ذكرناه فى "المقدمة" (١٧:٢).
الظاهرية يردون أحاديث كثيرة برأيهم:
قلت: وتلك أحاديث كثيرة قد ردها ابن حزم ولم يحتج بها لو جمعت لكان مجلدا
ضخما، فانظروا من هو المتبع للأثر ومن الذى يرد الأحاديث الصحيحة برأيه؟ وأما قوله: ومن هذه
الطريق بعينها فيمن منع الزكاة إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، فإن احتجوا به فى
الحبس فى تهمة فليأخذوا بروايته هذه، وإلا فالقوم متلاعبون بالدين اهـ (١٦٩:٨)، ففيه أن
المتلاعب ليس إلا من حرم الفقه والدراية جملة، وإنما نحتج بحديث بهز بن حکیم إذا كان من
دونه نفسه وإلا فلا، فكان على ابن حزم توثيق من دونه أولا، ثم إلزامنا به ثانيا، والجواب عن ذلك
ما أجاب به إبراهيم الحزلى فإنه قال فى سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوى، وإنما هو: فإنا
آخذوها من شطر ماله أى نجعل ماله شطرين، فيتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير

ج - ١٥
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
٣٠٢
٥٠٥٦- ثم أخرج له شاهدًا من حديث أبى هريرة وفيه: أن النبى عبٍّ حبس فى
تهمة يومًا وليلةً اهـ، (نيل الأوطار ٧: ٦٠).
الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمه فلا، نقله ابن الجوزى فى "جامع المسانيد": عن
الحزلى، وقال البيهقى وغيره: حديث بهز هذا منسوخ، كذا فى "التلخيص الحبير" (١٧٧:١).
وأورد عليه ابن حزم بما نصه: فإن قالوا: هذا منسوخ قيل لهم: أ ترون خصمكم يعجز عن
أن يقول لكم: والحبس فى التهمة منسوخ بقوله ◌ُ ◌ّه: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث))
ومنسوخ بوجوب حضور الجمعة والجماعات؟ اهـ قلنا: نعم! هو يعجز عن أن يقول بذلك لثبوت
الحبس فى التهمة عن الخلفاء بعده ◌َّه وما كانوا ليعملوا بالمنسوخ، بخلاف أخذ الزكاة مع شطر
المال ممن منعها فلم يعمل به أحد منهم ومن ادعى فعليه البيان، على أن هذا إنما يرد على جواب
البيهقى ومن تبعه، ولا يرد على جواب إبراهيم الحزلى وهو حافظ للحديث عارف بعلله فقوله
حجة، هذا وقال الحافظ فى "التلخيص" أيضا (٢٤٧:٢): فى مشروعية الحبس حديث أخرجه أبو
داود والنسائى من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبى معدّ لّ حبس رجلا فى تهمة ساعة
من نهار ثم خلى سبيله اهـ قلت: ويؤيده ما رواه أبو بكر بن عياش عن أنس أن رسول الله عَ ليه
حبس فى تهمة. وما رواه الحسن (مرسلا) أن قوما اقتتلوا فقتل بينهم قتيل فبعث إليهم رسول
الله عَِّ فحبسهم، كذا فى "المحلى" (١٦٩:٨).
قال ابن حزم: وأبو بكر بن عياش ضعيف وحديث الحسن مرسل اهـ قلت: يا سبحان الله!
أيحتج بأبى المهزم، ويضعف أبا بكر بن عياش، وهو من رجال البخارى، والأربعة أخرج له مسلم
فى مقدمة الصحيح أثنى عليه الثورى وابن المبارك وابن مهدى، ووثقه أحمد وابن معين وغيرهما،
كما فى "التهذيب" (٣٥:١٢) نعم، تغير حفظه لما كبر سنه لكونه من المعمرين وكان أصح
أصحابه كتابا، فالصواب فى أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق
الثقات، أو خالفهم، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، فمن كان لا يكثر منه ذلك،
لا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته، كما فى "التهذيب" أيضا، وأما مرسل الحسن فلا علة له
سوی الإرسال، ولو کانت لصاح بها ابن حزم ولم یسکت، وهو ليس بعلة عندنا لا سيما
ومراسيل الحسن صححها بغض المحديثين كما مر غير مرة، كيف وقد تأيد بشواهد عديدة منها ما
ذكره الحاكم عن أبى هريرة، كما فى المتن.
وأما قوله: وأيضا فإنما هو حبس فى قتيل، وحاش لله أن يكون عليه السلام يحبس من

٣٠٣
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
٥٠٥٧- عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى من صفوان بن أمية دار السجن
لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف، رواه البيهقى، وعلقه البخارى (التلخيص
لم يصح عليه قتل بسجن فيسجن البرىء مع النطف، هذا فعل أهل الظلم والعدوان لا فعله
عليه السلام اهـ (١٧٠:٨).
قلنا: فعل أهل الظلم أن يحبس من حضر القتال ومن لم يحضره مطلقا، وأما إذا اقتتل قوم
فقتل بينهم قتيل فحبس من حضر القتال ليس بظلم أصلا لكون كل واحد منهم حريصا على قتل
صاحبه، ولأجل ذلك قال النبى معَّ ◌ُله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)) قيل:
فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصا على قتل صاحبه)). رواه البخارى وغيره فكيف يكون
حبس المقتتلين ظلما وكلهم ظالمون وعقوبة الظالم مشروعة نقلا وعقلا. قال: والله لقد قتل عبد الله
ابن سهل رضى الله عنه وهو من أفاضل الصحابة فيما بين أظهر شر الأمة، وهم اليهود لعنهم الله،
فما استجاز علیه السلام سجنهم اهـ.
قلت: لم يقتل عبد الله بن سهل جهرة وإنما قتل غيلة فلم يتهم بقتله إلا أهل خيبر كلهم
وفيهم البرئ والنطف، فلأجل ذلك لم يستجز النبى معَّ ◌ُلَّه حبسهم، فافهم، فإن الفقه عزيز، ومن
يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا.
قوله: عن نافع بن عبد الحارث إلخ دلالته على مشروعية الحبس فى السجن ظاهرة باتفاق
ثلاثة من الصحابة: عمر بن الخطاب ونافع بن عبد الحارث وصفوان رضى الله عنه ولم ينكر ذلك
منکر فکان إجماعا.
قال الحافظ فى "الفتح": كان البخاری أشار بذلك إلی رد ما ذكر عن طاؤس، فعند ابن أبى
شيبة من طريق قيس بن سعد عنه أنه كان يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغى لبيت عذاب أن
يكون فى بيت رحمة، فأراد معارضة قوله بأثر عمر وابن الزبير وصفوان ونافع وهم من الصحابة،
وقوى ذلك بقصة ثمامة وقد ربط فى مسجد المدينة وهى أيضا حرم (عند الجمهور ولا خلاف فى
كونه بيت رحمة)، فلم يمنع ذلك من الربط فيه اهـ (٥٤:٥).
قلت: أثر ابن الزبير وأنه سجن بمكة وصله حليفة بن خياط فى "تاريخه" وأبو الفرج
الأصبهانى فى "الأعانى" وغيرهما من طرق؛ منها ما رواه الفاكهى من طريق عمرو بن دينار عن
الحسن بن محمد -یعنی ابن الحنفية- قال: أخذنی ابن الزبير فحبسنی فی دار الندوة فى سجن
عارم فانفلت منه، فلم أزل، أتخطى الجبال حتى سقطت على أبى بمنى، وفى ذلك يقول كثير عزة

ج - ١٥
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
٣٠٤
الحبير ٤٠٧:٢).
٥٠٥٨- عن أزهر بن عبد الله الحرازى أن قومًا من الكلاعيين سرق لهم متاع،
فاتهموا أناسا من الحاكة فأتوا النعمان بن بشير -صاحب النبى معَّ له - فحبسهم أيامًا، ثم
خلى سبيلهم فأتوا النعمان فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال النعمان:
ما شئتم؟ إن شئتم أن أضربهم فإن خرج متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهور كم مثل ما
أخذت من ظهورهم، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله وحكم رسول
الله عَ ليهِ. رواه أبو داود وسكت عنه، قال المنذرى: وأخرجه النسائى وفى إسناده بقية
بن الوليد وفيه مقال اهـ (عون ٢٣٥:٤). قلت: ولكنه صرح بالتحديث فزالت علة
يخاطب ابن الزبير:
بل العابد المظلوم فى سجن عارم
تخبر من لاقيت أنك عابد
كذا فى "فتح البارى" (٥٥:٥): وقد مر الجواب عما أورد ابن حزم على الجمهور فى
احتجاجهم بأثر عمر هذا على مشروعية السجن فتذكر عن أزهر بن عبد الله إلخ فيه دلالة على
حبس المتهم من فعل النعمان بن بشير وهو من أجلة الصحابة وفقهاءهم. قال أبو داود: أى لا يجب
الضرب إلا بعد الاعتراف قال السندى: أراد أنه لا يحل ضربهم، فإنه لو جاز لجاز ضربكم أيضا
قصاصا اهـ وفى الحديث دليل أنه لا يجوز امتحان السارق (ولا المتهم بالسرقة) بالضرب بل
يحبس. كذا فى "العون" (٢٣٥:٤)، وقد تقدم فى أبواب الحدود عن إبراهيم بن خيثم بن عراك
عن أبيه عن جده عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى معَِّ حبس فى تهمة احتياطا أو قال
استظهارا يوما وليلة.
وأما قول ابن حزم: من قال بسجنه -أى المتهم- لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون
متهما لم يصح قبله شىء أو يكون قد صح قبله شىء من الشر، فإن كان متهما بقتل أو زنا أو سرقة
أو شرب أو غير ذلك فلا يحل سجنه، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾
وقال رسول الله عَّهِ: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) وقد كان فى زمن رسول الله عَ ليه
المتهمون بالكفر، وهم المنافقون فما حبس رسول الله عَ له منهم أحدا اهـ (١٣٣:١١)، ففيه أن
المراد بالظن ههنا الظن الناشئ من غير دليل أما فى الآية فلقوله: ﴿إِن يتبعون إلا الظن﴾ وكان ظن
المشركين كذلك، وأما فى الحديث فبقرينة قوله: ((فإن الظن أكذب الحديث)) وهذه إنما هى شان
الظنون التى لا منشأ لها فى الظاهر، وأما الظنون التى لها مناشئ ظاهرة فلا تكون فى الأغلب إلا

20
إعلاء السنن
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
٣٠٥
التدليس، وإذا قال بقية: حدثنا، أو سمعته فهو ثقة.
٥٠٥٩- قال أبو يوسف: حدثنى إسماعيل بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير
قال: كان على بن أبى طالب إذا كان فى القبيلة أو القوم الرجل الداعر حبسه، فإن كان
له مال أنفق عليه من ماله، وإن لم يكن له مال أنفق عليه من بيت مال المسلمين. وقال:
يحبس عنهم شره وينفق عليه من بيت مالهم (كتاب الخراج ص١٧٩)، وهذا إسناد
حسن، وعبد الملك رأى عليًا رضى الله عنه، كما فى "التهذيب".
صادقة غير كاذبة، وكيف يصح حمل الآية والحديث على ذم مطلق الظن ومن الظن ما هو مأمور
به قال تعالى: ﴿لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ الآية، وقال: ﴿فإن
علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ أراد به الظن دون اليقين بدليل قوله: ﴿الله أعلم
یايمانهن﴾.
وأما عدم حبسه عّ لّ المنافقين فلأنه كان مأمورا بأن يعاملهم معاملة المسلمين وبأن يعرض
عنهم كما قال الله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم
جهنم) الآية. ولأن النفاق مما يتعلق ويختص بالباطن دون الظاهر، وليس شره بمتعد ما دام نفاقا
وقد أمرنا بأن نكل السرائر إلى الله تعالى بخلاف القتل والزنا والسرقة والشرب فإنها تتعلق
بالظاهر، ويمكن الوقوف عليها بدلائل الأعمال، وشرها متعد إلى العباد من النساء والرجال فافترقا.
والحاصل: أن الحبس وقع فى زمن النبوة وفى أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن،
لا ينكره إلا جاحد، فقد وقع ذلك فى جميع الأعصار فى سائر الأمصار والأقطار من دون إنكار،
وفيه من المصالح ما لا يخفى لو لم يكن منها إلا حفظ أهل الجرائم المنتهكين للمحارم الذين يسعون
فى الإضرار بالمسلمين ويعتادون ذلك ويعرف من أخلاقهم ولم يرتكبوا ما يوجب حدا ولا قصاصا
حتی یقام علیهم أو ارتكبوا، ودرنب حدود عنهم بالشبهات فهؤلاء إن تركوا وخلى بينهم وبين
المسلمين بلغوا من الإضرار بهم كل غاية وإن قتلوا كان سفك دماءهم بغير حق فلم يبق إلا حفظهم
فى السجن والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك حتى تصح منهم التوبة أو يقضى الله أمرا كان مفعولا
وقد أمرنا الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والقيام بهما فى حق من كان كذلك،
ولا يمكن بدون الحيلولة بينه وبين الناس بالحبس، كما يعرف ذلك من عرف أحوال هذا الجنس.
قوله: قال أبو يوسف: وقوله: قال: وحدثنا إلخ قلت: دلالتهما على مشروعية الحبس ظاهرة
وفيه دلالة أيضا على حبس المتهم، فإن المطلوب بالدم لا يحبس إذا ثبت عليه القتل بل يقتص منه،

ج - ١٥
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
٣٠٦
٥٠٦٠- قال: وحدثنا بعض أشياخنا عن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن
عبد العزيز: لا تدعن فى سجونكم أحدًا من المسلمين فى وثاق لا يستطيع أن يصلى
قائمًا ولا تبيتن فى قيد إلا رجلا مطلوبًا بدم، وأجروا عليهم من الصدقة ما يصلحهم فى
طعامهم وأدمهم والسلام (كتاب الخراج ص٩٧٩) أيضًا. وجعفر بن برقان من رجال
مسلم والأربعة صدوق، كما فى "التقريب". واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له،
فلا يضر جهالة بعض الأشياخ هذا.
٥٠٦١- ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: كتب عمر بن عبد العزيز
كتابًا قرأته: إذا وجد المتاع مع الرجل المتهم فقال: ابتعته فاشدده فى السجن وثاقًا،
ولا تحد بكتاب أحد حتى يأتيه فيه أمر الله تعالى. قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء
أو يؤدى، وإنما يحبسٍ إذا كان متهما به ولم يقم عليه البينة ولا الاعتراف، وكذلك الرجل
الداعر، كما لا يخفى.
قوله: من طريق عبد الرزاق إلخ دلالته على حبس المتهم ظاهرة، ولا يضرنا أن عطاء أنكره
فلم يزل المجتهدون ينكر بعضهم على بعض، وإنما الحجة فى إنكار الجميع ولم يوجد، قال الإمام أبو
يوسف فى أمر أهل الدعارة والفسق والتلصص: إذا أخذوا فى شىء من الجنايات (التى لا حدود
فيها، كمن دخل دار قوم تلصصا، وأخذ قبل إخراج المتاع من الدار ونحوه)، وحبسوا هل يجرى
عليهم ما يقوتهم فى الحبس؟ قال: لا بد لمن كان فى مثل حالهم إذا لم يكن له شىء يأكل منه
لا مال، ولا شىء يقيم به بدنه أن يجرى عليهم من الصدقة، أو من بيت المال، وأحب إلى أن تجرى
من بيت المال على كل واحد منهم ما يقوته، فإنه لا يحل ولا يسع إلا ذلك، والأسير من أسرى
المشركين لا بد أن يطعم ويحسن إليه حتى يحكم فيه، فكيف برجل مسلم قد أخطأ، أو أذنب
أيترك يموت جوعا؟ ولم تزل الخلفاء تجرى على أهل السجن ما يقوتهم فى طعامهم وأدمهم
وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك على بن أبى طالب كرم الله وجهه بالعراق، ثم
فعله معاوية بالشام، ثم فعل ذلك الخلفاء بعده.
قلت: وأبو يوسف أعرف بحال الخلفاء وقضاياه من ابن حزم وغيره من العلماء لكونه قاضی
القضاة فى عصره، وهو عصر أتباع التابعين، فقوله حجة فى الباب كما لا يخفى) قال: وأغنهم عن
الخروج فى السلاسل يتصدق عليهم الناس، فإن هذا عظيم أن يكون قوم من المسلمين قد أذنبوا
.

٣٠٧
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
فأنكره، كذا فى "المحلى" (١٣٢:١١).
٥٠٦٢- عن جندب بن مكيث قال: بعث رسول الله عّ لّه عبد الله بن غالب
الليثى فى سرية وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بنى الملوح بالكديد لقينا
الحارث بن البرصاء الليثى فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول
الله عَّ ◌ُلهِ. فقلنا: إن تك مسلما لم يضرك رباطنا يومًا وليلةً، وإن تك غير ذلك نستوثق
منك فشددناه وثاقًا. رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، وقال: الصواب: غالب
وأخطأوا يخرجون فى السلاسل يتصدقون، وما أظن أن أهل الشرك يفعلون هذا بأسارى المسلمين
الذين فى أيديهم، فكيف ينبغى أن يفعل هذا بأهل الإسلام؟ ولو أمرت بإقامة الحدود لقل أهل
الحبس ولخاف الفساق وأهل الدعارة ولتناهوا عما هم عليه، وإنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر فى
أمرهم إنما هو حبس وليس فيه نظر، فمر ولاتك جميعا بالنظر فى أمر أهل الحبوس فى كل أيام،
فمن كان عليه أدب وأطلق، ومن لم يكن له قضية خلى عنه ولا يسرفوا فى الأدب ولا يتجاوزوا
بذلك إلى ما لا يحل، ولا يصح ظهر المؤمن حمى إلا من حق يجب بفجور، أو قذف، أو سكر،
أو تعزیر لأمر أتاه لا يجب فيه حد.
ومن كان منهم أنى ما يجب عليه قود أو حد أو تعزير أقيم عليه ذلك، وكذلك من
كان منهم سرق ما يجب فيه القطع قطع، إن الأجر فى إقامة الحدود عظيم والصلاح فيه
لأهل الأرض كثير، حدثنى الحسن بن عمارة عن جرير بن يزيد سمعت أبا زرعة بن عمرو
يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ ليه: حد يعمل به فى الأرض خير لأهل الأرض
من أن يمطروا ثلاثين صباحا اهـ ملخصا (ص ١٨٠) وقد ذكر المحقق فى "الفتح" جملة من آداب
الحبس، فيراجع.
قوله: عن جندب بن مكيث إلخ. دلالته على حبس المتهم ظاهرة لقولهم: إن تك مسلما
لم يضرك رباطنا يوما وليلة، وإن تك غير ذلك نستوثق منك، فشدده وثاقًا. فهل يرى ابن حزم أن
هؤلاء الصحابة قد خالفوا قول الله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾، وقول رسول الله عَ ◌ّه فى
حضور الجماعة عملوا بالظن الذى ذمه الله وأهله وجعله رسول الله عَ ليه أكذب الحديث؟ كلا! بل
هم أعرف الناس بمقاصد الشرع ومقاطع الحدود ولكن أهل الظاهر لا يفقهون.

٣٠٨
ج - ١٥
ابن عبد الله (عون ٩:٣).
باب للقاضی أن یفرق بین الشهود
إذا ارتاب بشهادتهم
٥٠٦٣- عن ابن عباس فى قصة طويلة لسليمان بن داود على نبينا وعليهما
الصلاة والسلام فى الأربعة الذين شهدوا على المرأة بالزنا لكونها امتنعت منهم أن يزنوا
بها، فأمر داود برجمها، فمروا على سليمان ففرق بين الشهود ودرأ الحد. رواه الحسن
ابن سفيان فى "مسنده" وابن عساكر فى ترجمة سليمان من طريقه (التلخيص الحبير
٤٠٦:٢)، سكت عنه الحافظ فهو صحيح، أو حسن عنده، وذكره الحافظ فى "الفتح
،،
(١٣١:١٣) أيضًا، وسكت عنه.
باب للقاضی أن یفرق بین الشهود إذا ارتاب بشهادتهم
قوله: عن ابن عباس وقوله: عن أبى إدريس إلخ: قلت: دلالتهما على الباب ظاهرة، لأن.
شرائع من قبلنا شرع لنا إذا لم ینکرها نبينا مآ ولا ورد نص من الله بخلافها، وههنا كذلك، فدل
على جواز التفريق بين الشهود. قال فى "الأشباه": وللقاضى أن يفرق بين الشهود إلا فى شهادة
النساء. قال فى الملتقط: حكى أن أم بشر شهدت عند الحاكم فقال: فرقوا بينهما. فقالت: ليس لك
ذلك، قال الله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، فسكت الحاكم اهـ.
تفقه أم الشافعى رحمهما الله وفرط ذكاءها:
قال الحموى: وفى الطبقات التاجية قبيل الطبقة الثانية: أن أم الشافعى شهدت هى وأم بشر
المريسى عند القاضى، فأراد أن يفرق بينهما ليسألهما منفردتين عما شهدتا به استفسارا، فقالت له
أم الشافعى: أيها القاضى! ليس لك، لأن الله تعالى يقول: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما
الأخرى﴾، فلم يفرق بينهم. قال التاج السبكى بعد نقل هذه الحكاية: وهذا فرع حسن واستنباط
جيد ومنزع غريب، والمعروف فى مذهب ولدها رضى الله تعالى عنها إطلاق القول بأن الحاكم إذا
ارتاب بالشهود استحب له التفريق بينهم، وكلامها رضى الله عنها صريح فى استثناء النساء
للمنزع الذى ذكرته ولا بأس به، انتهى. أقول: وما فى الملتقط من الحكاية المذكورة ليس صريحا
فى أن المذهب عندنا عدم التفريق فى شهادة النساء إذا ارتاب القاضى اهـ (ص٢٢١).
قلت: وجدت الحكاية فى "الطبقات" (٢٨٥:١)، قال: وكانت أم الشافعى رضى الله عنها

٣٠٩
للقاضى أن يفرق بين الشهود إذا ارتاب بشهادتهم
إعلاء السنن
٥٠٦٤- عن أبي إدريس قال: كان دانيال أول من فرق بين الشهود شهد عنده
بالزنا على امرأة ففرقهم وسألهم فقال أحدهم: زنت بشاب تحت شجرة كمثرى وقال
باتفاق النقلة من القانتات العابدات ومن أذكى الخلق فطرة. ثم ذكر الحكاية، وذكرها الحافظ فى
"الفتح" أيضا عن الشافعى عن أمه (١٩٦:٥).
قلت: ولما كانت شهادة المرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد وجاز لإحداهما أن تذكر الأخرى
فالظاهر عدم التفريق بينهما لفوات التذكير والتذكر من إحداهما الأخرى، فهذا وإن لم يكن
منصوص عليه فى المذهب ولكن قواعدنا لا تأباه ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
تفقه فتاة من بغداد:
ومن اللطائف ما ذكره ابن الجوزى فى "الأذكياء" أن أبا بكر بن العربى قال: سمعت فتاة
من بغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس فى الاستثناء صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب
عليه السلام: ﴿وخذ بيدك ضغتا فاضرب به ولا تحنث﴾، بل كان يقول: استثن. حكاه أبو العباس
القرافى، كذا فى "الطبقات التاجية" (١٤٦:١).
اختلاف داود وسليمان عليهما السلام فى قضايا مختلفة:
هذا وقد تقدم فى (باب اللقيط) شرَّح القصة التى وقعت لداود وسليمان عليهما السلام فى
المرأتين التين أخذ الذئب ابن إحديهما واختلاف حكم داود وسليمان فى ذلك، وكذلك تقدم
اختلاف حكمهما فى قصة أصحاب الحرث والغنم أول القضاء، فليراجع.
ووقعت لهما قصة ثالثة -وهى المذكورة فى المتن- أن امرأة اتهمت أنها تحمل على نفسها
فشهد عليها أربعة بذلك، فأمر داود برجمها، فعمد سليمان وهو غلام، فصور مثل قصتها بين
الغلمان، ثم فرق بين الشهود وامتحنهم فتخالفوا، فدرا عنها، ووقعت لهما رابعة فى قصة المرأة
التى صب فى دبرها ماء البيض وهى نائمة وقيل: إنها زنت. فأمر داود برجمها. فقال سليمان:
يشوى ذلك الماء فإن اجتمع فهو بيض وإلا فهو منى، فشوى فاجتمع، ذكر كله الحافظ فى
"الفتح" (١٣: ١٣١).
ففيه رد على أهل الظاهر فى إنكارهم القياس والرأى جملة، وهل كان اختلاف سليمان
على أبيه داود عليهما السلام إلا بالرأى، فحمد الله سليمان ولم يلم داود حيث قال: ﴿ففهمنها
سلیمان و کلا أتینا حکما وعلما﴾.

ج - ١٥
للقاضى أن يفرق بين الشهود إذا ارتاب بشهادتهم
٣١٠
الآخر: تحت شجرة تفاح. فعرف كذبهم (التلخيص الحبير أيضًا ٢: ٤٠٦).
٥٠٦٥- عن على رضى الله عنه أن سبعة نفر خرجوا ففقد واحد منهم، فأتت
قوله: عن على إلخ: دلالته على تفريق القاضى بين الشهود إذا ارتاب بهم ظاهرة.
جواز التحيل على إظهار الحق:
وفيه جواز التحيل على إظهار الحق، فإن عليا كرم الله وجهه احتال بحيلة لطيفة أظهرت ما
فى نفس الأمر. وهذا نظير احتيال سليمان عليه السلام فى قصة المرأتين أخذ الذئب ابن إحداهما
فإنهما لما أخبرتا سليمان بالقصة دعا بالسكين يشقه بينهما ولم يعزم على ذلك فى الباطن، وإنما أراد
استكشاف الأمر، فحصل مقصوده لذلك بجزع الصغرى، وفيه استعمال الحيل فى الأحكام
لاستخراج الحقوق ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة وممارسة الأحوال، والفطنة والفهم موهبة من الله
لا تتعلق بكبر سن ولا صغره، والعلم الله العزيز المتعال.
اختلاف الشهود فى الشهادة يبطلها:
وفی قصة سليمان و دانیال دلالة على أن اختلاف الشهود فى الشهادة زمانا، أو مكانا، أو
وصفا، أو فعلا ونحوه يبطل الشهادة إذا لم يمكن التوفيق، لأن من شرط الشهادة اجتماع الشهود
على فعل واحد، فإن لم يجتمعوا لم تكمل الشهادة، فلو شهد اثنان أنه زنی بها فى هذا البيت،
واثنان أنه زنى بها فى بيت آخر، أو شهدا أنه زنى بها فى يوم وآخران أنه زنى بها فى يوم آخر، أو
يشهدان أنه زنى بها ليلا وآخران أنه زنى بها نهارا، أو يشهدان أنه زنى بها غدوة وآخران أنه زنی
بها عشيا وأشباه هذا فإنهم لم يجتمعوا على الشهادة بزنا واحد، فلم تكمل شهادتهم، ويدرأ الحد
عن المشهود عليه.
وقال أبو بكر -الخلال -: تكمل شهادتهم ويحد المشهود عليه. واستبعده أبو الخطاب وقال:
هذا سهو من الناقل، لأنه يخالف الأصول والإجماع، والحد يدرأ بالشبهات فكيف يجب بها؟
وهل يحد الشهود ويحكم بكونهم قذفة؟ قال مالك وأحمد والشافعى فى أحد قوليه: نعم. وقال
النخعى وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور والشافعى فى قول: لا حد على الشهود لأنهم كملوا أربعة،
ولا على المشهود عليه لأنهم لم يشهدوا بزنا واحد يجب الحد به، كذا فى " المغنى" (١٢٩:١٢).
قلت: ولنا أن الشبهة دارئة للحد وقد وجدت فى حق الشهود أيضا، لأنهم شهدوا ولهم

٣١١
للقاضى أن يفرق بين الشهود إذا ارتاب بشهادتهم
إعلاء السنن
زوجته عليًّا فدعا الستة فسألهم عنه فأنكروا، ففرقهم وأقام كل واحد عند سارية، ووكل
به من يحفظه، ودعا واحدًا منهم فسأله، فأنكر، فقال: الله أكبر. فظن الباقون أنه قد
أهلية كاملة وعدد كامل على زنا واحد فى زعمهم لنسبتهم الزنا إلى امرأة واحدة، وبذلك حصل
شبهة اتحاد الزنا المشهود به، فيندرئ الحد عنهم، والحاصل أن فى الزنا شبهة أوجبت الدرأ عن
المشهود عليه، وفى القذف شبهة أوجبت الدرأ عن الشهود. قاله المحقق فى "الفتح" (٦١:٥)
ومقتضاه: أنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة وآخران أنه زنى بأخرى فالأربعة قذفة، وعليهم الحد.
لأنهم لم يشهدوا على زنا واحد لا فى نفس الأمر ولا فى زعمهم، لكونهم لم ينسبوه إلى امرأة
واحدة، فلم يحصل شبهة اتحاد الزنا المشهود به بالمرة، فافهم، والله تعالى أعلم.
الرد على ابن حزم حيث لم يبطل الشهادة بالاختلاف:
وخالف ابن حزم الإجماع حيث قال: إذا تمت الشهادة من أربعة عدول بالزنا على إنسان
بامرأة يعرفونها أجنبية ثم اختلفوا فى المكان أو فى الزمان أو فى المزنى بها فقال بعضهم: أمس
بامرأة سوداء، وقال بعضهم: بامرأة بيضاء اليوم. فالشهادة تامة والحد واجب، لأن الزنا قد تم عليه،
ولا يحتاج الشهادة إلى ذكر مكان ولا زمان ولا ذكر التى زنى بها، فالسكوت عن ذكر ذلك
وذكره سواء، وكذلك فى السرقة لو قال أحدهما: أمس. وقال الآخر: عام أول. أو قال أحدهما:
بمكة. وقال الآخر: ببغداد. فالسرقة قد صحت وتمت الشهادة فيها. وكذلك فى شرب الخمر وفى
القذف، فالحد قد وجب ولا معنى لذكر المكان والمقذوف فى ذلك، والمسكوت عنه وذكره
والاتفاق عليه والاختلاف فيه سواء اهـ (١٤٧:١١).
وهذا كله ظاهرة محضة لا يشك عاقل فى سخافتها وبطلانها، فإن المقصود بالشهادة علم
الحاكم بالقضية على وجهها، ولا يتأتى ذلك إلا بصدق الشهود فى شهادتهم، ولا يخفى أن
اختلافهم فى الشهادة على عمل واحد بحيث يتعذر التوفيق بين الكلامين يدل على كذب
أحدهما، أنشد الله ابن حزم! أنه لو شهد عليه اثنان بأنه باع داره الفلانية من فلان ابن فلان، فقال
أحدهما: إنه فعل ذلك بعد صلاة الفجر يوم الجمعة. وقال آخر: إنه باعه يوم السبت بعد العصر.
فهل كلاهما صادقان عنده؟ لا أظنه يقول ذلك أبدا. أو شهد عليه اثنان بأنه كسر هذه الجوهرة
وهى لفلان بن فلان، فقال أحدهما: كسرها بعد الصبح قبل طلوع الشمس. وقال الآخر: كسرها
بعد العصر قبل غروبها، فهل يحكم عاقل بصدقهما جميعا. كلا، لن يقول بذلك إلا سخيف قد

٣١٢
للقاضى أن يفرق بين الشهود إذا ارتاب بشهادتهم
ج - ١٥
اعترف، فدعاهم فاعترفوا، فقال للأول: قد شهدوا عليك وأنا قاتلك، فاعترف فقتلهم.
حرم العقل واستحق أن يعدله البغل، فكيف يحكم بصدق الشهود إذا اختلفوا فى الشهادة على
فعل واحد زمانا ومكانا ومحلا ووصفا، وإذا لم يكونوا محکومین بالصدق کلهم فلا بد من صدق
بعضهم وكذب الآخرين كما قال ◌َ ◌ّه للمتلاعنين: الله يعلم أن أحد كما كاذب، فهل منكما
تائب؟ وإذا تيقنا بكذب بعض الشهود لم يصح الحكم بتمام الشهادة ولا بوجوب الحد على
المشهود عليه، وهذا أظهر من أن يخفى على جاهل فضلا عن عالم عاقل.
وأما قوله: ومن ادعى الخلاف فى ذلك فيلزمه أن يراعى اختلاف الشهود فى لباس الزانى
والسارق والقاذف كما إذا قال أحدهما: كان فى رأسه قلنسوة. وقال الآخر: عمامة. أو قال
أحدهما: كان عليه ثوب أخضر، وقال الآخر: بل أحمر. وقال أحدهما: فى غيم، وآخر: فى
صحو. فهذا كله لا معنى له (١٤٧:١١)، ففيه أن هذا كله ممكن التوفيق، ولا يدل على الشهادة
بفعلين مختلفين كما لا يخفى. وقياس ما يحتمل التوفيق من الاختلاف على ما لا يحتمل التوفيق
منه باطل قطعا. ثم احتج بما رواه من طريق سحنون ثنا ابن وهب أنا السرى بن يحيى قال: حدثنا
الحسن البصرى قال: شهد الجارود على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، وكان عمر قد أمر قدامة
على البحرين، فقال عمر للجارود: من يشهد معك؟ قال: علقمة الخصى. فدعا علقمة فقال له
عمر: بم تشهد؟ فقال علقمة: وهل تجوز شهادة الخصى. قال عمر وما يمنعه أن تجوز شهادته إذا
٠
كان مسلما؟ قال علقمة: رأيته يقىء الخمر فى طست. قال عمر: فلا وربك ما قاءها حتى شربها،
فأمر به فجلد الحد.
قال ابن حزم: فهذا حكم عمر بحضرة الصحابة رضى الله عنهم لا يعرف له منهم فى إقامة
الحد بشهادتين مختلفتين: إحداهما: أنه رآه يشرب الخمر، والأخرى أنه لم يره يشرب الخمر.
والأخرى: أنه لم يره يشربها لكن رأه يتقيأها اهـ (١٤٨:١١). ففيه أنه مرسل، فإن الحسن لم يدرك
الجارود ولا قدامة ولا علقمة الخصى، فلا ندرى متى يصير المرسل حجة عند ابن حزم ومتى هو
ليس بحجة؟ وعهدنا به أن خصمه إذا احتج عليه بمرسل يرده بقوله: إنه مرسل ولا حجة فى مرسل
قط، وأيضا فإن هذا الاختلاف ممكن التوفيق، كما صرح به عمر فى قوله: فلا وربك ما قاءها حتى
شربها. فجعل الشهادة على تقيئها شهادة على شربها بخلاف ما ذكرنا من الاختلاف الذى يبطل
الشهادة فإنه غير ممكن التوفيق، وقياس أحدهما على الآخر باطل.

٣١٣
للقاضى أن يفرق بين الشهود إذا ارتاب بشهادتهم
إعلاء السنن
ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٥٣:١١)، ولم أقف على سنده.
ولو راجع ابن حزم المصنف لعبد الرزاق لعلم أن عمر رضى الله عنه لم يحد قدامة بمجرد
الشهادة على تقيئه الخمر، وإنما حده حين شهد عليه الجارود وأبو هريرة وعلقمة وابنة الوليد امرأة
قدامة، واعترف به قدامة نفسه، وقال: لو شربت كما تقول ما كان لكم أن تحدونى. فقال عمر:
لم؟ قال قدامة: قال الله عز وجل: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصلحات جناح فيما طعموا﴾
فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. ثم أقبل عمر على الناس.
الحديث، كما فى "الإصابة" (٢٣٣:٥)، وبعد ذلك فانهدم استدلال ابن حزم به على إقامة الحد
بشهادة مختلفة.
لا حجة لأحد فى قصة قدامة على إقامة الحد بتقىء الخمر:
وكذا احتجاج من احتج به على إقامة الحد بتقىء الخمر من غير أن يشهد الشاهدان عليه
بشرب الخمر، فافهم، و کن من الشاکرین.
إذا شهد شاهد بألف، والآخر بألف وثلاثمائة:
فائدة: أخرج البيهقى رحمه الله فى "سنته": من طريق حفص وسليمان بن حرب قالا: ثنا
شعبة عن الحاكم عن شريح قال: شهد عنده رجلان، شهد أحدهما على ألف وثلاثمائة، وشهد
الآخر على ألف، فقضى عليه بألف، فقال: تقضى على وقد اختلف شهادتهما، قال: استقامت
على ألف، وقال سليمان: إنهما قد اجتمعا على ألف (٨٦:٦)، وهذا سند صحيح، وبه نقول إذا
كان المدعى يدعى ألفا وثلاثمائة لاتفاق الشاهدين على الشهادة لفظا ومعنى، لأن الألف وثلاثمائة
معطوف أحدهما على الآخر والعطف يقرر الأول بخلاف ما إذا شهد أحدهما بألف والأخر
بألفين، والمدعى يدعى ألفين، لم تقبل الشهادة عنده، وعندهما تقبل على الألف لحصول الاتفاق
عليه، وله: أنهما اختلفا لفظا لأن الألف لا يعبر به عن الألفين، فهما لفظان متباينان فحصل على
كل واحد منهما شاهد واحد، فصار كما إذا اختلف جنس المال، والبسط فى "الهداية"
(١٥٠:٣)، وغيرهما من كتب الفروع.
*

٣١٤
ج - ١٥
كتاب الوكالة
باب الوكالة فى البيع والشراء والنكاح و غيرها
باب الوكالة فى البيع والشراء والنكاح و غيرها
أقول: قال الشوكانى فى "نيل الأوطار" (١٤١:٥): وهذه الأحاديث تدل على صحة
الوكالة -وهى بالفتح وقد تكسر -: التفويض الحفظ، تقول: وكلت فلانا إذا استحفظته ووكلت
الأمر إليه - بالتخفيف- إذا فوضته إليه، وهى فى الشرع: إقامة الشخص وغيره مقام نفسه مطلقا
أومقيدا، وقد استدل على جواز الوكالة من القرآن بقوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾،
وقوله: ﴿اجعلنى على خزائن الأرض﴾، وقد دل على جوازها أحاديث كثيرة منها: ما ذكره
المصنف فى هذا الكتاب، وقد أورد البخارى فى "كتاب الوكالة" ستة وعشرين حديثا، ستة معلقة
والباقية موصولة. وقد حكى صاحب "البحر" الإجماع على كونها مشروعة وفق كونها نيابة، أو
ولاية وجهان: فقيل: نيابة لتحريم المخالفة وقيل: ولاية، لجواز المخالفة إلى الأصلح كالبيع بمعجل،
وقد أمر بمؤجل اهـ.
قلت: القول بكونها ولاية باطل، والتعليل لجواز المخالفة إلى الأصلح غير صحيح، لأن معنى
الولاية هو إنفاذ القول على الغير شاء، أو لم يشأ، وجواز المخالفة ليس كذلك، لأنه برضاه دلالة،
وإن صرح بالمنع لا يجوز المخالفة.
قال العبد الضعيف: هذا كله من آفة الاجتهاد من غير أهلية له. ولو قال: إن الوكالة ولاية
فى بعض المعاملات نيابة فى بعضها لكان أولى، فإن الموكل به نوعان: نوع لا حقوق له إلا ما أمر
به الموكل كالوكيل بتقاضى الدين والتوكل بالملازمة ونحوه، ونوع له حقوق كالبيع والشراء
والنكاح والخلع ونحوه، فكل عقد لا يحتاج الوكيل فيه إلى إضافته إلى الموكل ويكتفى فيه
بالإضافة إلى نفسه فحقوقه راجعة إلى الوكيل، كالبياعات والأشربة والإجارات والصلح الذى هو
فى معنى البيع، فيكون الوكيل فى حقوقها كالمالك، والمالك كالأجنبى، حتى لا يملك الموكل
مطالبة المشترى من الوكيل بالثمن، ولو طالبه فأبى لا يجبر على تسليم الثمن إليه، ولو أمره الوكيل
بقبض الثمن ملك المطالبة، ولو نهاه عنه صح نهيه، ولو نهى الموكل الوكيل عن قبض الثمن
لا يعمل نهيه، وكذا الوكيل هو المطالب بتسليم المبيع إذا نقد المشترى الثمن ولا يطالب به الموكل،
والوكيل بالخصومة يملك الإقرار على موكله فى الجملة عند أصحابنا الثلاثة.

٣١٥
الوكالة فى البيع والشراء والنكاح وغيرها
إعلاء السنن
وقال الشافعى: لا يملك. وقال: لا يرجع شىء من الحقوق إلى الوكيل، وإنما يرجع إلى
المؤكل. وجه قوله: أن الوكيل متصرف بطريق النيابة، وتصرف النائب تصرف المنوب عنه، ألا
ترى أن حكم تصرفه يقع للموكل فكذا حقوقه. ولنا: أن الوكيل هو العاقد حقيقة، لأن عقده
كلامه القائم بذاته حقيقة، ويستحل أن يكون الإنسان فاعلا بفعل الغير حقيقة، وهذه حقيقة مقررة
بالشرع. قال الله عز وجل: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وقال: ﴿لها ما كسبت وعليها
مااكتسبت﴾ وكان ينبغى أن يكون أصل الحكم له أيضا، لأن السبب وجد منه حقيقة وشرعا إلا
أن الشرع أثبت أصل الحكم للموكل، لأن الوكيل إنما فعله له بأمره وإنابته، وفعل المامور مضاف
إلى الآمر، فتعارض الشبهان، فوجب اعتبارهما بقدر الإمكان، ولأن الأصل فى نفاذ تصرف
الوكيل هو الولاية، لأنها علة نفاذه، إذ لا ملك له، والموكل أصل فى الولاية والوكيل تابع، لأنه لا
يتصرف بولاية نفسه لعدم الملك، بل بولاية مستفادة من قبل الموكل، فكان إثبات أصل الحكم
للموكل. وإثبات التوابع للوكيل وضع الشىء فى موضعه، بخلاف النكاح وأخواته مما يحتاج
الوكيل فيه إلى إضافة العقد إلى الموكل فحقوقه ترجع إلى الموكل، لأن الوكيل هناك سفير محض
ومعبر بمنزلة الرسول، ألا ترى أنه لا يضيف العقد إلى نفسه، فلم يكن علة نفاذ العقد ولايته بل
عبارته. وإنما ترجع الحقوق إلى الوكيل وتلزمه العهدة فى البيع وأخواته إذا كان من أهل العهدة،
فأما إذا لم يكن بأن كان صبيا محجورا ينفذ بيعه وشراءه، وتكون العهدة على الموكل لا عليه، فيقع
سفارة محضا لحصول التجربة والممارسة فى التصرفات اهـ ملخصا من "البدائع" (٣٤:٦).
وقد نسى بعض الأحباب ههنا ما قدمت يداه فى (باب شهادة الصبى) حيث أورد على
قولهم بعدم صحة شهادة العبد والصبى المحجورين، وتعليلهم ذلك بأن الشهادة من باب الولاية،
ولا ولاية للعبد ولا للصبى أن العبد محجورا كان أو مأذونا تجوز وكالته والوكالة ولاية إلخ.
فكيف جاز له بعد ذلك القول بأن كون الوكالة ولاية باطل، وبمثل هذا يبتلى من يستشعر من نفسه
الاجتهاد ويجزئ على تخطئة الفقهاء السادة الأمجاد من غير علم، ولا هدى ولا فهم ولا رشاد.
وقد نسى بعض الأحباب ما سيأتى أيضا من جواز توكيل المسلم الذمى يبيع الخمر،
أو شراءه. وما مر من جواز إعطاء المسلم الذمى ماله مضابة ليتجر فى الخمر عند أبى حنيفة، وهل
هذا إلا لکون الو کالة ولایة عنده، فتصح بتصرف یملکه الو کیل وإن لم يملكه المو کل بنفسه، ولو
كانت نيابة محضة لم يصح توكيل المسلم الذمى بعقد لا يصح من الموكل، فافهم.

ج - ١٥
الوكالة فى البيع والشراء والنكاح وغيرها
٣١٦
٥٠٦٦- عن حكيم بن حزام أن النبى معَّم بعثه ليشترى له أضحية بدينار
فاشترى أضحية فأربح فيها دينارًا، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى
رسول الله عَ ظُّ فقال: ((ضح بالشاة وتصدق بالدينار)) رواه الترمذى وقال: لا نعرفه إلا
من هذا الوجه، وحبیب بن أبی ثابت لم یسمع عندی من حکیم، ولابی داود نحوه من
حديث أبى حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم (منتقى لا بن تيمية).
قلت: رواه أبو داود وأحمد من حديث الزبير من فريت عن أبي لبيد عن عروة
البارقى ورجاله ثقات.
وقد صرحوا فى (باب العزل) أن الوكيل إذا لم يبلغه العزل فهو على وكالته، وتصرفه جائز
حتى يعلم لأن فى العزل إضرارا به من حيث إبطال ولايته اهـ من "الهداية". وأيضا فإن الوكالة فى
اللغة تذكر ويراد بها الحفظ، وتذكر ويراد بها الاعتماد، وتفويض الأمر. وفى الشريعة تستعمل فى
هذين المعنيين أيضا على تقرير الوضع اللغوى، كما فى "البدائع" (١٩:٦)، ولا يخفى: أن الاعتماد
والتفويض يتضمن معنى الولاية، وأن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل، كما صرح
به فی "البدائع" فی غير ما موضع واحد.
قوله: عن حكيم بن حزام إلخ. قال العبد الضعيف: قد تقدم الكلام فيه فی (باب جواز بيع
الفضولى)، وفى (باب بيع ما ليس عنده) مستوفى، وأجبنا هناك عن قدح بعض المحدثين فى حديث
عروة البارقى بالانقطاع بأن شبيبا لم ينفرد به، بل رواه أبو لبيد أيضا عند أحمد عن عروة وهو
متصل. وقد حسنه المنذرى. وفى "نيل الأوطار": وقال المنذرى والنووى: إسناده صحيح لمجيئة من
وجهين. فاندحض به قول ابن حزم فى "المحلى": من أمره موكله بأن يبتاع له شيئا بثمن مسمى،
أو يبيعه له بثمن مسمى فباعه، أو ابتاعه بأقل أو أكثر، ولو بفلس فما زاد لم يلزم الموكل، ولم يكن
له البيع أصلا، وكذلك من ابتاع لآخر، أو باع له بغير أن يأمره لم يلزم فى البيع أصلا، ولا جاز
للأخر إمضاءه لأن إمضاءه باطل، واحتج قوم بإجازة ذلك بحديث عروة البارقی وحكيم بن حزام
وهما خبران منقطعان لا يصحان اهـ (٢٤٦:٨).
قلنا: هذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فإن حدیث عروة صحیح متصل، وحديث حکیم
روى من وجهين، والمرسل إذا تعدد مخرجه حجة عند الكل، ولا يخفى: أن الوكيل بالبيع بدينار
لو باعه بدينار ودرهم والوكيل بالشراء بدينار لو اشتراه بأقل من دينار فهو ناصح للمؤكل، والدين
النصيحة، فمن أين لابن حزم إبطال مثل هذا البيع، والشراء أو القول بعدم نفاذه؟ وأما قوله: إنه

٣١٧
الوكالة فى البيع والشراء والنكاح وغيرها
إعلاء السنن
٥٠٦٧- وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبى عَّ له بعث إليها يخطبها،
فأرسلت إليه أنى امرأة مصبية، وأنى أغير، وأنى ليس أحد من أوليائى شاهدًا، فقال
النبى معَّهِ: ((أما كونك أغير فسأدعو إليه فيذهب غيرتك، وأما كونك مصبية، فإن الله
سيكفيك صبيانك، وأما إن أحدًا من أولياءك، ليس شاهدا، فليس أحد من أولياءك،
لا شاهد ولا غائب إلا سيرضانى، فقالت أم سلمة: قم يا عمر! فزوج رسول الله عَ ليه.
أخرجه النسائي وأحمد وابن راهويه، وابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى
"المستدرك"، وصححه زيلعی.
لم يؤمر بذلك، قلنا: لم يؤمر به صراحة ولكنه قد أمر به دلالة كدلالة قوله: ﴿ولا تقل لهما أف﴾
على تحريم الضرب والشتم، ومثل هذه الدلالة لا ينكره إلا مكابر جاحد، والله تعالى أعلم.
وقد تنبه الإمام البخارى لذلك حيث ذكر فى كتاب الوكالة حديث كعب بن مالك أنه
كانت له غنم ترعی بسلع فأبصرت جارية له بشاة منها موتا فكسرت حجرا فذبحتها به، فذكر
ذلك للنبى معَّه فأمره بأكلها وبوب عليها: باب إذا أبصر الراعى أو الوكيل شاه تموت أو شيئا
يفسد ذبح أو أصلح ما يخاف عليه الفساد، مع أن الراعى إنما هو وكيل فى الرعى، وليس بو كيل
فى الذبح، وإنما جاز له ذلك لكونه مأذونا فيه دلالة، فافهم. وفى الحديث دلالة على جواز التوكيل
بشراء الأضحية وجواز تصرف الفضولى إذا رضى به المالك، وأن الجهالة اليسيرة لا يبطل الوكالة،
والقياس أن يمنع قليلها وكثيرها، ولا تجوز إلا بعد بيان النوع والصفة ومقدار الثمن، لأن البيع
والشراء لا يصحان مع الجهالة اليسيرة، فكذا التوكيل بهما أيضا.
وجه الاستحسان أن رسول الله عّ لّه دفع دينارا إلى حكيم بن حزام ليشترى له به أضحية،
ولو كانت الجهالة القليلة مانعة من صحة التوكيل بالشراء لما فعله رسول الله عَ ليه، لأن جهالة
الصفة لا ترفع بذكر الأضحية ولا بقدر الثمن، كذا فى "البدائع" (٢٣:٦)، فرحم الله من رمى
الحنفية بالرأى والقياس وهم أتبع الناس للأثر، وإنما أهل الرأى من تراهم يردون الأحاديث الصحاح
بظنونهم الفاسدة وآراءهم الكاسدة، يعللونها بالانقطاع مرة وبالإرسال أخرى من غير مراجعة
لطرقها، ولا التفات إلى ما حصل لها من القوة بمجموعها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
قوله: عن أم سلمة إلخ: فى سنده ابن عمر بن أبى سلمة عن أبيه، واسمه سعيد سماه غير
حماد بن سلمة (فتح القدير ٥٥٥:٦).

ج - ١٥
الوكالة فى البيع والشراء والنكاح وغيرها
٣١٨
٥٠٦٨- وقال ابن أبى أوفى: أتيت النبى عَّ ◌ُلّه بصدقة مال أبى فقال: ((اللهم صل
على آل أبى أوفى)) (منتقى لابن تيمية).
وفى "التهذيب": كان اسمه محمد فإن يعقوب بن محمد الزهرى روى عن عبد الرحمن
عن محمد بن عمر بن أبى سلمة أحاديث اهـ (٣٠٥:١٢). قلت: ولكن الصحيح ما قاله المحقق
لقول الحاكم فى المستدرك بعد ما روى الحديث أن ابن عمر بن أبى سلمة الذى لم يسمه حماد بن
سلمة فى هذا الحديث سماه غيره سعيد بن عمر بن أبى سلمة، وأقره عليه الذهبى (١٧:٤).
ونظر ابن الجوزى فى هذا الحديث لعلة باطنة، وهى أن عمر كان إذ ذاك يعنى حين تزوجها
علیه السلام ابن ثلاث سنين، فکیف یقال لمثله: زوج. واستبعده صاحب "التنقيح" ابن عبد الهادى
قال: وإن كان الكلاباذى وغيره قاله فإن ابن عبد البر قال: إنه ولد فى السنة الثانية من الهجرة إلى
الحبشة (دون المدينة) ويقوى هذا ما أخرجه مسلم عن عمر بن أبى سلمة أنه سأل رسول الله عَ ليه
عن القبلة للصائم، فقال ◌ّ: سل هذه فأخبرته أم سلمة أنه عليه السلام يصنع ذلك، فقال عمر:
يا رسول الله! قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال ◌َّه: ((أما والله إنى لأتقاكم الله
وأخشاكم له)) وظاهر هذا أنه كان كبيرا. وأخرج البيهقى من طريق الواقدى أنه مرّ خطب أم
سلمة إلى ابنها عمر بن أبى سلمة، فزوجها رسول الله عّ لّه وهو يومئذ غلام صغير.
ليس الواقدى بضعيف عندنا -معشر الحنفية -:
إلا إنهم يضعفون الواقدى خلافا لنا، وفيه دليل على وكالة الصبى العاقل خلافا لهم إن
نظرنا إلى حديث الواقدى فظاهر، وإلى الحديث الصحيح فلأنه لم يزوجها بحكم الولاية على أمه
لأن الصبى لا ولاية له، فيكون تزويجه بحكم الوكالة. قاله المحقق فى "الفتح" (٥٥٥:٦).
قلت: ولعل الراجع ما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، كنت أنا وعمر بن
أبى سلمة يوم الخندق مع النسوة. وفى رواية عنه: كان أكبر منى بسنتين، كما فى "التهذيب"
(٤٥٦:٧)، اتفقوا على أن عبد الله الزبير ولد فى السنة الأولى من الهجرة، فكان عمر بن سلمة
حين تزوج رسول الله عّ لّ أمها ابن ست أو سبع سنين، فإنه عّ لّ تزوجها فى ليال بقين من شوال
سنة أربع، كما فى "المستدرك" (١٨:٤٠)، ولعل سؤاله عن قبلة الصائم كان بعد ما بلغ من العمر
اثنى عشر عاما أو نحوه، فإن فى مثل هذا السن يصير الصبى مراهقا، كما لا يخفى. وبالجملة:
فدلالة الحديث على وكالة الصبى العاقل ظاهرة.
قوله: وقال ابن أبى أوفى إلخ. دلالته وكذلك دلالة ما بعده على جواز التوكل فى الصدقة

٣١٩
الوكالة فى البيع والشراء والنكاح وغيرها
إعلاء السنن
٥٠٦٩- وقال النبى عّ لّه: ((إن الخازن الأمين الذى يعطى ما أمر به كاملا موفرا
طيبة به نفسه حتى يدفعه إلى الذى أمر له به أحد المتصدقين)) (منتقى).
٥٠٧٠- وقال على رضى الله عنه أمرنى النبى معَّ له أن أقوم على بدنه، وأقسم
جلودها وجلالها (منتقى).
٥٠٧١- وقال أبو هريرة: وكلنى النبى عَ لّه بحفظ زكاة رمضان (منتقى).
٥٠٧٢- وأعطى النبى معَّ له عقبة بن عامر غنمًا يقسمها من أصحابه (منتقى).
٥٠٧٣- وقال النبى عَّه: ((اغد يا أنيس! إلى امرأة هذا، فإن اعترفت
فارجمها (منتقى).
ودلالة حديث أبى هريرة على جواز التوكيل بحفظ الصدقات وجمعها ودلالة حديث عقبة على
جواز التوكيل بقسمة الصدقات ونحوها ظاهرة.
وقول: وقال النبى معَّهِ: اغد يا أنيس إلخ. فيه دلالة على جواز توكيل الإمام فى استيفاء
الحدود وهو مجمع عليه، وقد أمر النبى معَّه برجم ماعز فرجموه، ووكل عثمان عليا فى إقامة حد
الشرب على الوليد بن عقبة، ووكل على الحسن فى ذلك فأبى، فوكل عبد الله بن جعفر فأقامه
وعلى يعد. رواه مسلم. ولأن الحاجة تدعوا إلى ذلك، لأن الإمام لا يمكنه تولى ذلك بنفسه،
ويجوز التوكيل فى إثباتها أيضا. وقال أبو الخطاب: لا يجوز فى أثباتها. وهو قول الشافعى، لأنها
تسقط بالشبهات وقد أمرنا بدرثها بها، والتوكيل يوصل إلى الإيجاب.
ولنا: حديث أنيس، فإن النبى معَّه وكله فى إثباته واستيفاءه جميعا، فإنه قال: ((فإن اعترفت
فارجمها)). وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت وقد وكله فى إثبات الحد واستيفائه جميعا، ولأن
الحاكم إذا استناب دخل فى ذلك الحدود، فإذا دخلت فى التوكيل بطريق العموم وجب أن تدخل
بالتخصيص بها أولى، والوكيل يقوم مقام الموكل فى درئها بالشبهات، كذا فى "المغنى"
(٢٠٦:٥)، وقواعدنا تساعده، وما ذكر فى "الهداية" من الخلاف بين أبى حنيفة - حيث أجاز
الوكالة بإثبات الحدود والقصاص- وبين أبى يوسف حيث منعه، فالمراد به التوكيل بالخصومة فى
إثباتها بأن يوكل مدعى السرقة والزنا والقصاص مثلا غيره، ليثبتها عند القاضى بإقامة الشهود
ونحوها، وأما توكيل الحاكم، وإنابته أحدا فى قضايا الحدود والقصاص يسمع الدعوى والبينة،
فلا خلاف فى جوازه عندنا، والله تعالى أعلم.
جزء
غير15
فارم
تغیر
20
B

ج - ١٥
٣٢٠
باب الوكالة بالخصومة
٥٠٧٤- عن ابن عباس فى قصة قدوم مسيلمة الكذاب: فأقبل إليه رسول
الله عَّه ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد رسول الله عَ ليه قطعة جريد حتى
وقف على مسيلمة فى أصحابه فقال: ((لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو
أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإنى لأريك الذى أريت فيه ما رأيت، وهذا
ثابت یجیبك عنی)» الحدیث، رواه البخاری (٦٢٨:٢).
٥٠٧٥- ومن طريق عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن جهم بن أبى
الجهم عن عبد الله بن جعفر قال: كان على بن أبى طالب رضى الله عنه يكره الخصومة،
فكان إذا كانت له خصومة، وكل فيها عقيل بن أبى طالب، فلما كبر عقيل وكلنى.
باب الوكالة بالخصومة
قوله: عن ابن عباس إلخ. قال العبد الضعيف: فيه جواز الاستعمال بأهل البلاغة فى جواب
الخصم، وإنما قال عَّ: ((وهذا ثابت يجيبك عنى)). لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبى معَ اليه
قد أعطى جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب فى الخطاب
والجواب فهذا الخطيب يقوم عنى فى ذلك، قاله الحافظ فى "الفتح" (٧٠:٨)، وفيه دلالة على
جواز التوكيل فى الخصومة لما فيه من الاستعانة أيضا بأهل البلاغة، وأيضا فليس كل أحد يهتدى
إلى وجوه الخصومات، ففيه من الحاجة ما فى سائر الحقوق، فافهم.
قوله: ومن طريق عبد الله بن إدريس إلخ: دلالته على التوكيل بالخصومة ظاهرة إلا أن أبا
حنيفة قال: التوكيل بالخصومة بغير رضا الخصم صحيح، لكن للخصم أن يطلب الخصم أن يحضر
بنفسه ويجيب إذا كان صحيحا غير غائب. وقال صاحباه والجمهور: ليس له أن يطلبه. وبالجملة
فالتوكيل بالخصومة لا يلزم الخصم إلا برضاه عنده وبرضاه وبغير رضاه عندهم، فلا خلاف فى
الجواز، وإنما الخلاف فى اللزوم، لهم: أن التوكيل تصرف فى خالص حقه فلا يتوقف على رضا
غيره كالتوكيل بتقاضى الديون، وله: أن الجواب الخصم مستحق على خصمه ولاستحقاقه عليه
یستحضره الحا کم قبل أن يثبت له علیه لیجیبه عما يدعیه علیه.
وغاية ما ذكرتم أنه تصرف فى خالص حقه، لكن تصرف الإنسان فى خالص حقه إنما ينفذ
إذا لم يتعد إلى الإضرار بغيره، كالعبد المشترك إذا كاتبه أحد الشريكين فإنه تصرف فى خالص
حقه، ومع هذا لما كان متضمنا الإضرار بالآخر كان له فسخها، وكمن استأجر دابة لير كبها،
٠٧
غـ
فا
غيـ
0
F