Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
إعلاء السنن قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء
فى "التهذيب" (٥٥:٦)، فالحديث حسن. وروى عبد الرزاق عن الأسلمى عن إسحاق
قال ابن حزم فى "المحلى": وروينا عن عمر وعلى والمغيرة بن شعبة وابن عباس أنهم
لم يفرقوا بشهادة امرأة واحدة فى الرضاع، وهو قول أبى عبيد قال: أفتى فى ذلك بالفرقة،
ولا أقضى بها. وروينا عن عمر: أنه قال: لو فتحنا هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين رجل
وامرأته إلا فعلت. قال ابن حزم: وأما الرواية عن عمر: لو فتحنا هذا الباب. فهو عن الحارث الغنوى
وهو مجهول. وأيضا فإن هذا كلام بعيد عن عمر قول مثله، لأنه لا فرق بين هذا وبين أن لا يشاء
رجلان قتل رجل وإعطاء ماله لآخر وتفريق امرأته عنه إلا قدرا على ذلك بأن يشهدا عليه بذلك،
وبضرورة العقل یدری کل أحد أنه لا فرق بين امرأة وبین رجل، وبین رجلین وبین امرأتین، وبین
أربعة رجال وبين أربعة نسوة فى جواز تعمد الكذب والتواطئ عليه، وهذا كله لا معنى له، إنما هو
القرآن والسنة ولا مزيد اهـ ملخصا (٤٠٣:٩).
قلت: أما الكلام فى السند فإن ابن حزم قد جهل كثيرا من المعروفين، فالأمان مرتفع عن
تجهيله ما لم يوافقه غيره، ولم نر أحدا قبله تكلم فى هذا الحديث لأجل الحارث هذا، وأيضا فإن أبا
عبيد حين أخرج الحديث احتج به وهو إمام فى الفقه والحديث لا يحتج إلا بما هو صحيح عنده،
وأما الكلام فى المعنی فقد صح عن عمر أنه کان لا یری شهادة امرأة واحدة فى الرضاع، روی ابن
وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب بامرأة، فقال:
يا أمير المؤمنين! إن هذه تزعم أنها أرضعتنى وأرضعت امرأتى، فقال: فأما إرضاعها امرأتى فمعلوم،
وأما إرضاعها إياى فلا يعرف ذلك، فقال عمر: كيف أرضعتيه؟ فقالت: مررت وهو ملقى يبكى
وأمه تعالج خبزا لها، فأخذته إلى، فأرضعته وسكته، فأمر بها عمر فضربت أسواطا وأمره أن يرجع
إلى امرأته، كذا فى "المدونة" (٢٩٢:٢).
وهذا مؤيد لما رواه أبو عبيد كما لا يخفى. وأما قوله: إن هذا كلام بعيد عن عمر قول مثله
إلخ. فإنما يستبعده من لم يقف على جبلة النساء وعادتهن فى إضرار من عادينه لا سيما إذا عادين
ضرائرهن، فلا يألون عن جهد فى تفريقهن عن الزوج ولو بدعوى الإرضاع. وأما قوله: لا فرق بين
امرأة وبين رجل وبين رجلين وبين امرأتين وبين أربعة رجال وبين أربع نسوة إلخ فيرده قوله تعالى:
﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحدهما الأخرى﴾ وقوله عرّ خلّه: ((جعلت شهادة النساء على النصف من
شهادة الرجال)) وهو يفيد أن الرجل خير من المرأة، والمرأتان خير من امرأة، وأن ضلال امرأتين أبعد
من ضلال واحدة، فكيف يصح القول بالتسوية بين المرأة والرجل وبين المرأتين وواحدة؟ وفى المثل

٢٦٢
ج - ١٥ قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء
عن ابن شهاب عن عمر رضى الله عنه نحوه (زيلعى ٢٠٩:٢)، وهو مع انقطاعه صالح
للاعتبار.
السائر: إذا كان السر بين اثنين شاع، وبمثل هذا الكلام لا ترد الأخبار، وإلا لا نفتح باب الزندقة
والإلحاد، ورد من شاء من الأحاديث ما شاء برأيه، وادعى أن هذا كلام بعيد عن النبى عدّ له قول
مثله، لكون عقله القاصر يستبعده ويعجز عن دركه، ولو كنا رددنا شيئا من السنة بمثل هذا
الاستبعاد لكان ابن حزم أول من زمانا بمصادمة الشرع بالرأى الفاسد والقياس الكاسد، لأن القذاة
فى عين غيره جبل، فافهم، ولا تكن من الغافلين.
وأيضا: فإن الأصل فى باب الشهادة أن لا يقبل أقل من رجلين أو رجل وامرأتين لقوله
تعالى: ﴿واشهدوا ذوی عدل منكم واستشهدوا شهیدین من رجالکم﴾، وقوله: ﴿فإن لم یکونا
رجلين فرجل وامرأتان﴾، ولا يترك هذا الأصل إلا بنص قاطع مثله أو إجماع، ولا نص فى قبول
شهادة المرضعة وحدها، والذى ذكروه من حديث عقبة بن الحارث ليس بنص على وجوب الحكم
بها كما مر، بل الظاهر كونه محمولا على التورع، ألا ترى أنه مّ له أعرض عنه فى المرة الأولى،
وقبل فى الثانية أيضا، وإنما قال له: ((دعها عنك)) فى الثالثة، لو كان حكم ذلك الإخبار وجوب
التفريق لأجابه به من أول الأمر، إذ الإعراض قد يترتب عليه ترك السائل المسألة بعد ذلك، ففيه
تقرير على المحرم.
مما يؤيد حمله على التورع أنه عليه أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة، ولا شهادة للعبد،
ولا للأمة، كما تقدم، فقد ورد التصريح فى الحديث بأنها كانت أمة سوداء، كما فى "الفتح
البارى" (١٩٧:٥)، واحتجاج الخصم به على قبول شهادة الإماء والعبيد مصادرة على المطلوب،
فإن كونها شاهدة فى محل النزاع، فعلم أنه قال له ذلك لظهور اطمئنان نفسه بخبرها لا من باب
الحكم، وقد قلنا: أنه إذا وقع فى القلب صدقها يستحب التنزه ولو بعد النكاح، وكذا إذا شهد به
رجل واحد (فتح القدير ٣٢٤:٣).
وأما انتفاء الإجماع: فظاهر لا ينكره إلا مجادل مكابر، فإن ابن حزم ومن تبعه لا يقدرون
على إنكار اختلاف الصحابة والتابعين فى شهادة المرضعة وحدها، وإنما أجمعوا على أن شهادة
النساء وحدهن تجوز فيما لا يحل للرجال النظر إليه من عورات النساء، صرح به الشافعى رحمه
الله فى "الأم" (٢٩:٥)، والموفق فى "المغنى" (١٥:١٢) ولذا قال أبو حنيفة بقبول شهادتهن
منفردات فى الولادة دون الاستهلال، لكون الأول مما لا يحل للرجال النظر إليه، ويتعذر اطلاعهم

٢٦٣
إعلاء السنن
باب شهادة البدوی علی القروی
٥٠٢٨- روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: شهد أعرابى عند
رسول الله عَّ له على رؤية الهلال، فأمر بلالا ينادى فى الناس: فليصوموا غدًا، رواه
أبو داود ٢٢٧:١) وسكت عنه، وفى "المرقاة" (٥٠٧:٢): وصححه الحاكم والبيهقى
اهـ، وقد مر فى كتاب الصوم من هذا "الكتاب" (٧٤:٩).
٥٠٢٩- عن ربعى بن خراش عن رجل من أصحاب النبي عدّ له قال: اختلف
عليه، بخلاف الثانى، فكذلك الإرضاع بقى حكمه فى الشهادة على الأصل الذى قد ورد به
النص، ولم يرد بخروجه منه نص ولا إجماع. وقولهم: إن الرضاع لا يطلع عليه أحد من الرجال
ممنوع فإن المحارم من الرجال يطلعون عليه، فافهم، والله تعالى أعلم.
باب شهادة البدوی علی القروی
قوله: روى سماك بن حرب وقوله: عن ربعى بن خراش إلخ. دلالتهما على جواز شهادة
الأعراب وهم أهل البدو ظاهرة، والشهادة على هلال رمضان وإن كانت مختلفا فى كونها شهادة
فالشهادة على هلال الفطر شهادة إجماعا، واختلف العلماء فى شهادة البدوى على القروى: فقال
أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والأوزاعى والشافعى: هى جائزة إذا كان عدلا.
وروى نحوه عن الزهر، وروى ابن وهب عن مالك قال: لا تجوز شهادة بدوى على قروى إلا فى
الجراح. وقال ابن القاسم عنه: لا تجوز شهادة بدوى على قروى فى الحضر إلا فى وصية القروى
فى السفر أو فى بيع، فتجوز إذا كانوا عدولا، كذا فى "الأحكام" للجصاص (١: ٥٠٠).
وظاهر كلام الخرقى من الحنابلة أن شهادة البدوى على من هو من أهل القرية وشهادة أهل
القرية على البدوى صحيحة إذا اجتمعت شروط الشهادة، وهو قول ابن سيرين وأبى ثور، واختاره
أبو الخطاب، وقال الإمام أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوى على صاحب القرية، فيحتمل
هذا أن لا تقبل شهادته، وهو قول جماعة من أصحابه ومذهب أبى عبيد. وقال مالك كقول
أصحاب أحمد فيما عدا الجراح، وكقول الباقين فى الجراح احتياطا للدماء، واحتجوا بما روى أبو
داود فى سننه عن أبى هريرة عن النبى معَِّ أنه قال: ((لا تجوز شهادة بدوى على صاحب قرية))
ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قرويا وأشهد بدويا. كذا فى "المغنى" (٣١:١٢)، والبدوى
هو الذى يسكن البادية فى المضارب والخيام، ولا يقيم فى موضع خاص بل يرتحل من مكان إلى

ج - ١٥
شهادة البدوی علی القروى
٢٦٤
الناس فى آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبى معَّ له: بالله لأهل الهلال
أمس عشية. فأمر رسول الله عَّه الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم، رواه
الدار قطنى وقال: هذا إسناد حسن ثابت، والبيهقى، وقال: الصحابة كلهم ثقات سموا
أو لم يسموا، والحاكم فى "المستدرك"، وسمى الصحابى ابن مسعود فذكره، وقال:
صحيح على شرطهما، (نصب الراية ٣٢١:١)، ورواه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو
مكان، وصاحب القرية هو الذى يسكن القرى، وهى المصر الجامع.
قال فى "النهاية": إنما كره شهادة البدوى لما فيه من الجفاء فى الدين والجهالة بأحكام
الشرع، ولأنهم فى الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره
شهادة أهل البدو لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها، ولا يقيمونها على حقها
لقصور علمهم عما يغيرها عن وجهها، وكذلك قال أحمد، وذهب إلى العمل بالحديث جماعة من
أصحابه، وذهب الأكثر إلى القبول. قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف
عدالته من أهل البدو، والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم. كذا فى "النيل" قال المنذرى: وأخرجه ابن
ماجة ورجال إسناده احتج بهم مسلم فى "صحيحه". وقال البيهقى: هذا الحديث مما تفرد به
محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار، فإن كان حفظه فالوجه ما قاله الخطابى رحمه الله اهـ
ملخصا من "عيون المعبود" (٣٣٦:٣).
قلت: ولا يخفى ما فى قول الخطابى، فإن أهل البدو كانوا معروفين بجودة الحفظ وكمال
الضبط وحسن الأداء وفصاحة الكلام، ولا يشترط فى الشاهد أن يكون عالما بما يغير الشهادة عن
وجهها، وإلا لزم رد شهادة الجهلاء من أهل الحضر ولا قائل به. وأما قول ابن رسلان أنهم لا
تعرف عدالتهم فإنما يستقيم على قول من شرط فى الشاهد أن يكون معروف العدالة، وأما على
قول من اكتفى بظاهر الإسلام كما دل عليه حديث ابن عباس فى شهادة الأعرابى على هلال
رمضان وفيه: فقال رسول الله عَّ ◌ُله: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا
رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال! أذن فى الناس فليصوموا غدا اهـ. أى ولم يبحث عن العدالة
فلا، فإن إسلام أهل البدو وإسلام أهل الحضر سواء فى طريق حصول المعرفة به لا يحتاج أحدهما
إلى البحث والتنقير عنه بأزيد من الآخر. وأيضا: فإن كان رد شهادة البدوى لطعن فى دينه فإن هذا
غير مختلف فى بطلان شهادته، ولا يختلف فيه حكم البدوى والقروى، وإن كان لجهل منه
بأحكام الشهادات فوجب أن لا تقبل شهادته على بدوى مثله، وأن لا تقبل شهادته فى الجراح أيضا

٢٦٥
شهادة البدوى على القروى
إعلاء السنن
والمنذرى ورجاله رجال الصحيح وجهالة الصحابى غير قادحة. (نيل الأوطار ٧٣:١)،
وقد مر الحديث فى الجزء الثامن والتاسع من هذا "الكتاب".
كما لا تقبل شهادة القروى إذا كان بهذه الصفة، ويجب أن يقبل شهادة البدوى إذا كان عدلا
عالما بأحكام الشهادة على القروى وعلى غيره لزوال المعنى الذى من أجله امتنع قبول شهادته، وأن
لا يجعل لزوم سمة البدو إياه علة لرد شهادته، كما لا تجعل نسبة القروى إلى القرية علة لجواز
شهادته إذا كان مجانبا للصفات المشروطة لجواز الشهادة، فالحق ما قاله الجصاص فى "الأحكام"
له: إن نص الكتاب يوجب التسوية بين شهادة القروى والبدوى لأن الخطاب توجه إليهم بذكر
الإيمان بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم﴾، وهؤلاء من جملة المؤمنين ثم قال تعالى:
﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ أى رجال المؤمنين الأحرار، وهذه صفة هؤلاء. ثم قال:
﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وإذا كانوا عدولا فهم مرضيون. وقال: ﴿وأشهدوا ذوى عدل
منكم﴾ هذه الصفة شاملة للجميع إذا كانوا عدولا.
وفى تخصيص القروى بها دون البدوى ترك العموم بغير دليل، ولم يختلفوا أنهم مرادون
بالنص، لأنهم يجيزون شهادة البدوى على بدوى مثله على شرط الآية، وإذا كانوا مرادين بها،
فقد اقتضت جواز شهادتهم على القروى من حيث اقتضت جواز شهادة بعضهم على بعض، ومن
حیث اقتضت جواز شهادة القروی علی البدوى. (ولأن رد شهادته لعلة کونه بدویا غير مناسب
لقواعد الشريعة، لأن المساكن لا تأثير لها فى الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطا شرعيا
ولعدم انضباطه، فالمناط هو العدالة الشرعية، وهو مما لا يختص بمكان دون مكان، فعند وجود
العدالة يوجد القبول وعند عدمها ينعدم).
وأما الحديث فجائز أن يكون فى أعرابى بخصوصه أبطل النبى عّ لِّ شهادته لعلمه بخلافها،
فأخبر به، فنقله الراوى من غير ذكر السبب (كما فعله أبو هريرة فى حديث: ((ولد الزنا شر
الثلاثة)). وفى حديث: ((لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا)). (وقد مر
وجهه عن قريب). وجائز أن يكون قاله فى الوقت الذى كان الشرك والنفاق غالبين على الأعراب،
كما قال عز وجل : ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون﴾، وقال: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما
ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر﴾، فإنما منع قبول شهادة من هذه صفته من الأعراب، وقد وصف
الله قوما آخرين من الأعراب بعد هذه الصفة ومدحهم بقوله: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم
الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول) الآية، فمن كانت هذه صفته، فهو

ج - ١٥
٢٦٦
٥٠٣٠- حدثنا ابن أبى داود ثنا الوهبى ثنا إسحاق عن صالح بن کیسان عن
عروة عن عائشة قالت: قدمت أم سنبلة الأسلمية ومعها رطب من لين تهديه لرسول
الله عَّ ◌ُّه فوضعته عندى ومعها قدح لها، فدخل النبى معَّه فقال: مرحبًاً وسهلا بأم
سنبلة، قالت: بأبى وأمى أهديت لك رطبا من لبن قال: بارك الله عليك صبى لى فى هذا
القدح، فصببت له فى القدم فلما أخذه قلت: قد قلت: لا أقبل هدية من أعرابى، قال:
أعراب أسلم يا عائشة! إنهم ليسوا بأعراب ولكنهم أهل باديتنا ونحن أهل حاضرتهم إذا
دعوناهم أجابوا وإذا دعونا أجبناهم، ثم شرب.
٥٠٣١- حدثنا ابن أبى داود ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا يونس بن بكير ثنا
ابن إسحاق فذ کر پاسناد مثله، رواه "الطحاوى" (٢٩٦:٢)، وسنده حسن.
٥٠٣٢- قال: وحدثنا الربيع بن سليمان الجیزی ثنا سعید بن کثیر بن عفیر ثنا
سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن حرملة عن عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة
عن النبى عَ ◌ّه بنحوه. وزاد فى آخره: فليسوا بأعراب. وهذا سند صحيح رجاله كلهم
ثقات من رجال الصحيح خلا شيخ الطحاوى، وهو ثقة.
باب شهادة المختبئ والشهادة على الخط
٥٠٣٣- فيه حديث ابن عباس أن رجلا سأل النبى عّ لّه عن الشهادة فقال: "هل
مرضى عند الله وعند المسلمين مقبول الشهادة اهـ ملخصا (١: ٥٠٠).
قوله: حدثنا ابن أبى داود إلخ. فيه تأييد صريح لما قاله الجصاص أن أهل البدو الذين عناهم
رسول الله عَّ ◌ُّه فى حديث أبى هريرة هم الذين لا يجيبون إذا دعوا، وأما من كان منهم يجيب إذا
دعى وفيه من أسباب العدالة ما فى أهل العدالة من أهل الحضر فشهادته مقبولة وهو كأهل الحضر
سواء، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب شهادة المختبئ والشهادة على الخط
قوله: فيه حديث ابن عباس إلخ. قال العبد الضعيف: فيه أمره عرّ له بالشهادة عند العلم
يقينا، فدل على رد شهادة المختبئ، وهو الذى يخفى نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره، ولا يعلم
به، فلو سمع كلامه، وهو لا يرى شخصه من وراء حجاب كثيف لا يشف لا يجوز له أن يشهد،

٢٦٧
شهادة المختبئ والشهادة على الخط
إعلاء السنن
ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع)). أخرجه الحاكم فى
"المستدرك" وصححه، وتعقبه الذهبى، والحق أنه حديث حسن فى الدرجة الثانية، وقد
مر ذكره فى (باب شهادة الأعمى).
٥٠٣٤- وروى ابن أبى شيبة من طرق الشعبى عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة
المختبئ قال: وقال عمرو بن حريث: كذلك يفعل بالخائن الظالم أو الفاجر، كذا فى
"فتح البارى" (١٨٣:٥)، وعلقه البخارى مختصرًا.
ولو شهد وفسره للقاضى بأن قال: سمعته باع أو أقر ولم أر شخصه حين تكلم لا يقبله، لأن النغمة
تشبه النغمة إلا إذا أحاط بعلم ذلك، لأن المسوغ هو العلم غير أن رؤيته متكلما بالعقد طريق العلم
به، فإذا فرض تحقق طريق أخر جاز، وذلك بأن يكون دخل البيت فرأه فيه وعلم أنه ليس به أحد
غيره ولا منفذ غير الباب، وهو قد جلس عليه وسمع الإقرار أو البيع فإنه يجوز له الشهادة عليه بما
سمع، لأنه حصل به العلم فى هذه الصورة وكذلك إذا أقرت المرأة من وراء حجاب لا يجوز لمن
سمع أن يشهد على إقرارها إلا إذا رأى شخصها فحينئذ يجوز، كذا فى "فتح القدير" (٤٦٣:٦).
وبهذا تبين أن بناء رد شهادة المختبئ عندنا على أن شرط الشهادة هو السماع من الخصم،
ولا يعرف كونه خصما إلا بالرؤية لا بمجرد سماع الكلام، لأن النغمة تشبه النغمة، فلم يحصل
للمختبىء العلم وكان فى ذلك بمنزلة الأعمى لا على ما ذكره الموفق فى "المغنى" من قول الله
تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾، ومن قوله مرّ ◌ُله: ((من حدث بحديث ثم التفت فهى أمانة)) يعنى أنه
لا بجوز لسامعه ذكره عنه الالتفاته وحذره اهـ (١٠١:١٢)، فإن تجسس الظالم الخائن لإحياء حق
المظلوم غير ممنوع شرعا، وإذا سمع رجلا يقول بحضرته لآخر: بقى لك على كذا. ثم التفت
لا يكون ذلك أمانة وجاز للسامع، بل يجب أن يشهد عليه بذلك، ولو لم يجز الشهادة بشىء حتى
يقول المشهود عليه: اشهد على بهذا لأدى ذلك إلى سد باب الشهادة بالكلية، فإن الغاصب
لا يقول لأحد: اشهد على أنى أغصب ولا السارق ولا الزانى ولا القاتل ولا قاطع الطريق وأشباه
هؤلاء، وقد شهد الصحابة بعضهم على بعض، فلم يقل له الخلفاء: هل أشهدكم على ذلك أو لا؟
ولم يقل هذا أحد من الصحابة ولا من غيرهم، وقد اغتر ابن حزم بقول أبى حنيفة: لا يجوز شهادة
المختبئ فظن أن معناه: لا يجوز الشهادة على أحد بشىء حتى يقال له: اشهد علينا، كما فى
"المحلى" (٤٣٤:٩)، وهذا لم يقل به أبو حنيفة قط، وكتب أصحابه مشحونة بخلافه.
قال فى "الهداية": وما يتحمله الشاهد على ضربين: أحدهما ما يثبت حكمه بنفسه مثل

ج - ١٥
شهادة المختبئ والشهادة على الخط
٢٦٨
٥٠٣٥ - وروى سعيد بن منصور من طرق عن شريح أنه كان يرد شهادة المختبئ،
وكذلك الشعبى (فتح البارى ١٨٣:٥).
البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه وسعه أن يشهد به
وإن لم يشهد عليه، لأنه علم ما هو الموجب بنفسه وهو الركن فى إطلاق الأداء قال الله تعال: ﴿إِلا
من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (أفاد أن من شهد عالما بحق كان ممدوحا فلزم أن ذلك مطلق شرعا)
ومنه ما لا يثبت الحكم فيه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة، فإذا سمع شاهدا يشهد بشىء لم يجز
له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهد عليها، لأن الشهادة غير موجبة بنفسها، وإنما تصير موجبة
بالنقل إلى مجلس القضاء فلا بد من الإنابة والتحميل ولم يوجد اهـ (٤٦٣:٦ مع "الفتح")، فهذا
كما ترى صريح فى أن أبا حنيفة لا يقول بتوقف الشهادة على الإشهاد إلا فى الشهادة على
الشهادة لكون شاهد الفرع غير عالم بالواقعة مشاهدة، وأما الذى شهد الواقعة بنفسه فله أن يشهد
بما رآه وسمعه وإن لم یشهد عليه.
:
وإذا عرفت ذلك فما علقه البخارى عن الشعبى وابن سيرين وعطاء وقتادة أن السمع شهادة
اهـ. لا يدل على جواز شهادة المختبئ، ولا يرد علينا، فإن معناه جواز الشهادة بالسماع من غير
قصد، وإن لم يشهد عليه، ويؤيد ذلك ما فى الجعديات قال: حدثنا شريك عن الأشعث عن عامر
وهو الشعبى قال: تجوز شهادة السمع إذا قال: سمعته يقول، وإن لم يشهده، وكذا لا يرد علينا قول
الحسن: لو أن رجلا سمع من قوم شيئا، فإنه يأتى القاضى فيقول: لم يشهدوا لى، ولكن سمعت
كذا وكذا، كما فى "فتح البارى" (١٨٤:٥) فإن معناه أن للشاهد أن يشهد على من سمعه يقر
بحق وإن لم يقل له: اشهد على. وليس هذا من باب شهادة المختبئ بل من باب جواز الشهادة من
دون الإشهاد، ولا نزاع فيه.
٠
واحتج البخارى رحمه الله بحديث ابن عمر فى قصة ابن صياد وفيه قوله: وهو يختل أن
يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه اهـ. ولا حجة له فيه، لأن معناه قبل أن يرى ابن صياد رسول
الله عَّه لا قبل أن يراه النبى معَّهِ، وأيضا فإن النبى معَّه لم يرد بذلك إلا تحقيق الأمر ديانة فهو
خارج عن الموضوع، نعم يرد ذلك على من بنى رد شهادة المختبئ على النهى عن التجسس، وله أن
یقول: إن ذلك لیس من التجسس المنهى عنه، كما لا يخفى.
واحتج أيضا بحديث عائشة فى قصة امرأة رفاعة وأبو بكر جالس عند النبى عبد وخالد بن
سعيد بالباب ينتظر الإذن له، فقال: يا أبا بكر! ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبى عدّ بيده، وفيه

٢٦٩
شهادة المختبئ والشهادة على الخط
إعلاء السنن
٥٠٣٦- وروى عن أبى معاوية النخعى عن الشعبى فيمن عرف الخط والخاتم،
ولا يذكر الشهادة أنه لا يشهد به حتى يذكرها. ذكره الجصاص فى الأحكام له
(٥١٤:١)، وأبو معاوية اسمه: عمرو بن عبد الله بن وهب وهو ثقة من رجال الصحيح،
والمحدث لا يحذف الإسناد إلا ما كان سالمًا من الكلام.
إنكار خالد على امرأة رفاعة مع كونه محجوبا عنها خارج الباب، ولم ينكره النبى عدّ له عليه
ذلك اهـ. ولا حجة له فيه أيضا فإن إنكار خالد لم يكن من باب الشهادة بل من باب الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا نزاع فى جوازه بالسماع وإن كان السامع محتجبا، ألا ترى أنه
يجوز للمرأة أن تحدث بالحديث، وللسامع أن يرويه عنها بالسماع من وراء حجاب، فإن الرواية قد
سومح فيها ما لم يسامح مثله فى الشهادة، وكذلك الأمر بالمعروف فافهم. ويحتمل أن يكون خالد
ابن سعيد قد رأى المرأة حين دخلت بيت النبى معَّ، وعرفها، ثم سمع صوتها وهو جالس على
الباب، وليس ذلك من شهادة المختبئ فى شىء.
قوله: وروى عن أبى معاوية النخعى إلخ. قال العبد الضعيف: قد اختلف الفقهاء فى
الشهادة على الخط فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يشهد بها حتى يذكرها، وهذا هو المشهور من
قولهم: وروى ابن رستم قال: قلت لمحمد: رجل يشهد على شهادة، وكتبها بخطه وختمها، أو
لم يختم عليها وقد عرف خطه قال: إذا عرف خطه وسعه أن يشهد عليها ختم عليها أو لم يختم.
وقال أبو حنيفة: ما وجد القاضى فى ديوانه لا يقضى به إلا أن يذكره، وقال أبو يوسف: يقضى به
إذا كان فى قمطره وتحت خاتمه، لأنه لو لم يفعله أضر بالناس، وهو قول محمد، ولا خلاف بينهم
أن لا يمضى شيئا منه إذا لم يكن تحت خاتمه، وأنه لا يمضى ما وجده فى ديوان غيره من القضاة إلا
أن يشهد به الشهود على حكم الحاكم الذى قبله. وقال ابن أبى ليلى مثل قول أبى يوسف فيما
يجده فى ديوانه، وقال مالك فيمن عرف خطه ولم يذكر الشهادة: أنه لا يشهد على ما فى
الكتاب، ولكن يؤدى شهادته إلى الحاكم كما علم، وليس للحاكم أن يجيزها، فإن كتب الذى
عليه الحق شهادته على نفسه فى ذكر الحق ومات الشهود فأنكر فشهد رجلان أنه خط نفسه فإنه
يحكم عليه بالمال ولا يستحلف رب المال، كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٥١٣:١).
وقال الموفق فى "المغنى": إذا عرف الشاهد خطه ولم يذكر أنه شهد به فهل يجوز له أن
یشهد بذلك؟ فیه روايتان: إحداهما: لا يجوز أن یشهد بها.
وفى رواية: إذا عرف خطه ولم يحفظ فلا يشهد إلا أن يكون منسوخا عنده موضوعا تحت

ج - ١٥
٢٧٠
باب جواز تزكية المرأة وقول المزكى: لا أعلم إلا خيراً
٥٠٣٧- عن ابن شهاب: أخبرنى عروة بن الزبير وابن المسيب وعلقمة بن وقاص
وعبيد الله بن عبد الله عن حديث عائشة رضى الله عنها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا
فدعا رسول الله عَّه عليًا وأسامة حين استلبث الوحى يستأمرهما فى فراق أهله، أما
ختمه وحرزه فيشهد، ولا يشهد إذا لم تكن كذلك بمنزلة القاضى فى إحدى الروايتين إذا وجد
حكمه بخطه تحت ختمه أمضاه، ولا يمضيه إذا لم يكن كذلك اهـ (٢٢:١٢).
قال الجصاص أبو بكر الرازى فى "الأحكام" له: قد ذكرنا دلالة قوله تعالى: ﴿أن تضل
إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ ودلالة قوله تعالى بعد ذكر الكتاب: ﴿ذلكم أقسط عند الله
وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا﴾ على أن من شرط الشهادة ذكر الشاهد لها (وأن لا يكون
من تابا فيها) وأنه لا يجوز الاقتصار على الخط، إذا الخط والكتاب مأمور به لتذكر به الشهادة،
ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ فإذا لم يذكرها فهو غير عالم بها،
وقول تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ يدل على ذلك أيضا، ويدل عليه حديث ابن عباس
مرفوعا: إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع. وقد تقدم ذكر سنده، وأما الخط فقد يزور عليه
وقد يشتبه على الشاهد فيظن أنه خطه وليس بخطه، ولما كانت الشهادة من مشاهدة الشىء،
وحقيقته العلم به فمن لا يذكر الشهادة فهو بخلاف هذه الصفة فلا تجوز له إقامة الشهادة به، وقد
أكد أمر الشهادة حتى صار لا يقبل فيها إلا صريح(١) لفظها ولا يقبل ما يقوم مقامها من الألفاظ،
فكيف يجوز العمل على الخط الذى يجوز عليه التزوير والتبديل اهـ (٥١٤:١).
ولعلك قد تفطنت بذلك أن حديث ابن عباس المذكور فى المتن مفسر للشهادة المذكورة فى
النص، وبمجموعهما تبين اشتراط العلم اليقينى لجواز الشهادة وهو الأصل لكثير من الفروع التى
ذكرها الفقهاء فى باب قبول الشهادة وردها، والله تعالى أعلم.
باب جواز تزكية المرأة وقول المزكى: لا أعلم إلا خيرا
قوله: عن ابن شهاب إلخ. قال العينى فى "العمدة": روى الطحاوى عن أبى يوسف أنه إذا
(١) قال الموفق فى "المغنى" (١٠٠:١٢): ويعتبر لفظ الشهادة فى أداءها فيقول: أشهد أنه أقر بكذا ونحوه. ولو قال: أعلم أو أتيقن
أو أعرف لم يعتد به، وهذا مذهب الشافعى، ولا أعلم فيه خلافا اهـ قلت: وخلاف ابن حزم ومن تبعه ليس مما يلتفت إليه،
فافهم.

٢٧١
جواز تزكية المرأة وقول المزكى: لا أعلم إلا خيرا
إعلاء السنن
أسامة فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وقالت بريرة: إن رأيت عليها أمرًا أغمصه أكثر
من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتى الداجن فتأكله. فقال النبى عرّ له:
من يعذرنا فى رجل بلغنى أذاه فى أهل بيتى؟ فو الله ما علمت من أهلى إلا خيرًا، ولقد
ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرًا. رواه البخارى واللفظ له (فتح البارى ١٨٣:٥).
قال ذلك (أى لا أعلم إلا خيرا) قبلت شهادته ولم يذكر خلافا عن الكوفيين فى ذلك واحتجوا
بحديث الإفك وعن محمد لا بد أن يقول المعدل: هو عدل جائز الشهادة والأصح أنه يكتفى
بقوله: هو عدل وذكر ابن التين عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال: ما علمنا إلا خيرا.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر أن يكون قوله: لا أعلم إلا خيرا تزكية. وقال: لا يكون تزكية
حتى يقول: رضا، وأراه عدلا رضا وذكر المزنى عن الشافعى قال .. لا تقبل فى التعديل إلا أن يقول: عدل
على ولى. ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته فإن كان يعرف حاله الباطنة يقبل وإلا لم يقبل ذلك.
وفى التوضيح: والأصح عندنا يعنى الشافعية أنه يكفى أن يقول: هو عدل ولا يشترط على
ولى اهـ (٣٢٥:٦)، وقال ابن المنير: التعديل إنما هو تنفيذ للشهادة، وعائشة رضى الله عنها لم تكن
شهدت ولا كانت محتاجة إلى التعديل لأن الأصل البراءة، وإنما كانت محتاجة إلى نفى التهمة
عنها حتى تكون الدعوى عليها بذلك غير مقبولة ولا شبهة، فيكفى فى هذا القدر هذا اللفظ،
فلا يكون فيه لمن اكتفى فى التعديل بقوله: لا أعلم إلا خيرا حجة اهـ (فتح البارى ١٨٣:٥).
قلت: هذه مصادرة على المطلوب، وحاصلها: التفرفة بين تزكية متهم ومتهم، وأنه يجب
فى تعديل الشاهد ما لا يجب فى تعديل غيره من المتهمين، وهذا هو محل النزاع، ونحن نقول: إن
الأصل فى الشاهد المسلم العدالة، فلا يسأل القاضى عن الشهود ما لم يطعن الخصم فيهم، فإذا
طعن سأل عنهم، ويكفى فى تزكيتهم ما يكفى فى تزكية كل متهم، وقد ثبت بالنص كفاية قوله:
لا نعلم إلا خيرا، ووالله ما علمت إلا خيراً تزكية، ومن ادعى الفرق فعليه البيان.
وفى الحديث دلالة على جواز تعديل النساء أيضا لما فيه من سؤاله عّ لّه بريرة عن حال
عائشة بعد ما قال له على: واسأل الجارية تصدقك، فقال له: يا بريرة! هل رأيت فيها شيئا يريبك؟
فقالت: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قط الحديث. فاعتمد النبى على اله
قولها حتى خطب فاستعذر من عبد الله بن أبى، وكذلك سأل زينب بنت جحش عن أمرها فقال:
يا زينب! ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله! أحمى سمعى وبصرى والله ما علمت عليها
إلا خيرا. قالت عائشة: وهى كانت تسامينى فعصمها الله بالورع.
ء
15
٢

ج - ١٥
٢٧٢
باب الشهادة على الشهادة
٥٠٣٨- عن حسين بن ضميرة عن أبيه عن جده عن على قال: لا يجوز على
شهادة الميت إلا رجلان رواه عبد الرزاق فى مصنفه عن الأسلمى عنه (زيلعى ٢١٢:٢)،
وسنده ضعيف.
٥٠٣٩- قال ابن حزم فى "المحلى" (٤٣٩:٩): روينا عن على من طريق ابن
ضميرة وهو مطرح أنه لا يقبل على شهادة واحد إلا اثنان اهـ. قلت: وهذا قريب من
لفظ "الهداية"، فليس ما رواه بغريب، كما زعمه الحافظ الزيلعي.
قال ابن بطال: فيه حجة لأبى حنيفة فى جواز تعديل النساء، وبه قال أبو يوسف ووافق
محمد الجمهور. وقال الطحاوى: التزكية خبر وليست شهادة فلا مانع من القبول اهـ من "فتح
البارى" (١٩٩:٥)، وفى "الهداية": ولا يشترط أهلية الشهادة فى المزكى فى تزكية السر حتى
صلح العبد مزكيا، فأما تزكية العلانية فهو شرط وكذا العدد بالإجماع على ما قاله الخصاف رحمه
الله لاختصاصها بمجلس القضاء، قالوا: ويشترط الأربعة فى تزكية شهود الزنا عند محمد رحمه
الله (٤٦١:٦)، وقد مر ما فيه، فتذكر، والله أعلم.
باب الشهادة على الشهادة
قوله: عن حسين بن ضميرة إلخ. قال العبد الضعيف: الشهادة على الشهادة جائزة بإجماع
العلماء وبه يقول مالك والشافعى وأحمد. قال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق
على إمضاء الشهادة فى الأموال، ولأن الحاجة داعية إليها، فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة على
الوقف وما يتأخر إثباته عند الحاكم ثم يموت شهوده وفى ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة
فوجب أن تقبل كشهادة الأصل ولا تقبل فى حد، وهذا قول النخعى والشعبى وأبى حنيفة
وأصحابه، وقال مالك والشافعى فى قول وأبو ثور: تقبل فى الحدود وكل حق، لأن ذلك يثبت
شهادة الأصل فيثبت بشهادة الفرع.
ولنا: أن الحدود منيبة على الستر والدرء بالشبهات والإسقاط بالرجوع عن الإقرار، وفى
الشهادة على الشهادة شبهة لما يتطرق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب فى شهود الفرع مع
احتمال ذلك فی شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد فى شهادة الأصل، وهو معتبر بدليل
أنها لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل، فوجب أن لا تقبل فى ما يندرئ بالشبهات، ولأنها إنما
جز
تغير
فار
تمبر
17
F
D

٢٧٣
الشهادة على الشهادة
إعلاء السنن
٥٠٤٠- حدثنا وكيع عن إسماعيل الأزرق عن الشعبى قال: لا يجوز شهادة
الشاهد على الشاهد حتى يكون(١) اثنين، رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (زيلعى
٢١٢:٢)، والأزرق هذا ضعيف ضعفه غير واحد، وذكره ابن حبان فى "الثقات" روى
له البخارى فى "الأدب"، وابن ماجة فى "السنن" (التهذيب ٣٠٣:١).
تقبل للحاجة ولا حاجة إليها فى الحد، لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه، ولأنه لا نص فيها،
ولا يصح قياسها على الأموال لما بينهما من الفرق فى الحاجة والتساهل فيها، ولا يصح قياسها على
شهادة الأصل لما ذكرنا من الفرق، فبطل إثباتها.
وظاهر كلام أحمد أنها لا تقبل فى القصاص أيضا ولا حد القذف، لأنه قال: إنما تجوز فى
الحقوق، أما الدماء والحد فلا، وهذا قول أبى حنيفة لأنه عقوبة بدنية تدرا بالشبهات وتبتنى على
الإسقاط، فأشبهت الحدود، فأما ما عدا الحدود والقصاص والأموال كالنكاح والطلاق، وسائر ما
لا يثبت إلا بشاهدين فنص أحمد على قبولها فى الطلاق والحقوق، فيدل على قبولها فى جميع
الحقوق، وهو قول الخرقى (وقول أبى حنيفة رحمه الله). ويشترط لها أن تتعذر شهادة الأصل لموت
أو غيبة، أو مرض، أو خوف من سلطان، أو غيره.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. وحكى عن (٢) أبى يوسف ومحمد جوازها مع
القدرة على شهادة الأصل قياسا على الرواية وأخبار الديانات، وروى عن الشعبى أنها لا تقبل إلا
أن يموت شاهد الأصل لأنهما إذا كانا حيين رجى حضورهما، ويمكن تأويل قول الشعبى على أن
ذكر الموت كناية عن تعذر شهادة الأصل تمثيلا، وفى معناه الغيبة البعيدة والمرض والحبس
والخوف، کما لا يخفى.
ووجه اشتراط التعذر أنه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة شاهدى الأصل استغنى عن
البحث عن عدالة شاهدى الأصل، وكان أحوط للشهادة، فإن سماعه منهما معلوم وصدق
شاهدى الفرع مظنون، والعمل باليقين مع إمكانه أولى من اتباع الظن، ولأن شهادة الأصل تثبت
نفس الحق، وهذه إنما تثبت الشهادة عليه، ولأن فى شهادة الفرع ضعفا لأنه يتطرق إليها احتمالان:
(١) كذا هو فى "فتح القدير": عن المصنف بصيغة التثنية يكونا، ونسخة الزيلعى عندنا كثيرة الأغلاط والتصحيف وفيه: حتى
یکون بالمفرد.
(٢) هكذا قاله الموفق، والذى فى كتب أصحابنا حكاية ذلك عن محمد فقط. نعم لم يقيد أبو يوسف التعذر بغيبة الشاهد مسافة
السفر، بل بما لو غدا إليه لم يستطع المبيت فى أهله، كما سيأتي.
ـب

ج - ١٥
الشهادة على الشهادة
٢٧٤
٥٠٤١- وصح عن الشعبى وقتادة والنخعى: لا تجوز شهادة على شهادة فى
احتمال غلط شاهدى الأصل، واحتمال شاهدى الفرع. (وكلما كثرت(١) الوسائط كثر الاحتمال)
فيكون ذلك وهنا فيها، ولذلك لم تنتهض لإثبات الحدود والقصاص فينبغى أن لا تثبت إلا عند
عدم شاهدى الأصل كسائر الأبدال، ولا يصح قياسها على أخبار الديانات لأنه خفف فيها، ولهذا
لا يعتبر فيها العدد ولا الذكورية ولا الحرية ولا اللفظ. (وأوضح دليل على الفرق بين شهادة الأصل
والفرع أن شاهدى الفرع لو شهدا على شهادة رجلين أن هذا المملوك لهذا الرجل بعينه وشهدا
على شهادة رجلين آخرين أن هذا المملوك بعينه لآخر غيره لم يكونا شاهدى زور وإنما أديا
قول غيرهما، لو كانا شاهدين على الأصل كانا شاهدى زور، قاله الإمام الشافعى رحمه الله فى
؟
"الأم" (٢٤٤:٦).
فلله دره من فقيه مجتهد! ولم يتنبه ابن حزم لذلك، وأخلق به أن لا يتنبه له لظاهريته فسوى
بين شهادة الأصل والفرع من كل وجه وأتى بما لا يساعده النقل ولا العقل. وإذا ثبت فلا تقبل
شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام ولياليبها فصاعدا أو
يمرضوا مرضا لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم، لأن جوازها للحاجة وإنما تمس عند عجز
الأصل. وبهذه الأشياء يتحقق العجز، وإنما اعتبرنا السفر لأن المعجز بعد المسافة، فقدرت بمسافة
اعتبرها الشرع بعيدة حتى أثبت رخصا عندها - من الفطر والقصر وامتداد مسح الخف وعدم
وجوب الأضحية والجمعة- فكذا سبیل هذا الحكم، وعن أبی یوسف رحمه الله أنه إن كان فى
مكان لو غدا لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت فى أهله صح الإشهاد إحياء لحقوق الناس، لأن
الشاهد تشق عليه المطالبة بمثل هذا السفر، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ وإذا
لم يكلف الحضور تعذر سماع شهادته، فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع، قلنا: هذا مطلق، وقيده
(١) قلت: وهذا مما لا يخفى على محدث له ممارسة بالأسانيد، والعجب من ابن حزم أنه مع كونه محدثا حافظا للحديث كيف
جعل شهادة الفرع كشهادة الأصل سواء، وهل هذا إلا مكابرة للعيان؟ فقال: لم نجد لمن منع من قبول الشهادة على شهادة
الحاضر حجة أصلا، لا من قرآن ولا من سنة ولا قول أحد من السلف ولا قياس ولا معقول، وقد أمرنا الله بقبول شهادة العدل
والشهادة على الشهادة عدول فقبولها واجب اهـ (٤٣٩:٩). قلت: يا سبحان الله! وهل أمر إلا بقبول شهادة من شهد بالحق
وهو عالم به، والشاهد على الشاهد لم يشهد بالحق ولم يعلم به، وإنما شهد على شهادة من شهد بالحق وعلمه، فأين الأمر
بقبول هذه الشهادة؟ وإنما قلنا به للحاجة وللإجماع، ولا حجة إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة الأصل، ولا إجماع لما ذكرنا
عن الشعبى أنها لا تقبل إلا أن يموت شاهد الأصل فافهم. ظ.

٢٧٥
الشهادة على الشهادة
إعلاء السنن
حد. وهو قول الأوزاعى ورويناه أيضًا عن شريح ومسروق والحسن وابن سيرين
(المحلی ٤٣٩:٩).
السنة بالسفر فجلعت ما دون ذلك فى حكم الحاضر فى الترخص وغيره، فلم يكن مضارا فى
المطالبة بما دون مسافة السفر شرعا، كذا فى "فتح القدير" (٥٢٨:٦) بمعناه. ويعتبر دوام هذا
الشرط إلى الحكم، فلو شهد شاهدا الفرع فلم یحکم بشهادتهما حتى حضرا شاهدا الأصل وقف
الحكم على سماع شهادتهما، لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل، فلم يجز العمل به كالمتيمم
يقدر على الماء قبل الصلاة، كذا فى المغنى (١٢: ٩٠)، وفى "فتح القدير": ولو شهدا على شهادة
رجلين بشىء ولم يقض بشهادتهما حتى حضر الأصلان ونهيا الفروع عن شهادة صح النهى عند
عامة المشائخ، وقال بعضهم: لا يصح. والأظهر الأول اهـ (٥٢٨:٦)، وتقييده بقوله: ونهيا الفروع
عن الشهادة يدل على أنه يقضى بشهادة الفرعين لو لم ينههما الأصلان، والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": ويشترط أن يتحقق شروط الشهادة من العدالة وغيرها كل واحد
من شهود الأصل والفرع، لأن الحكم يبتنى على الشهادتين جميعا، فاعتبرت الشروط فى كل
واحد منهما، ولا خلاف فى هذا نعلمه، فإن عدل شهود الفرع شهود الأصل فشهدا بعدالتهما
وعلى شهادتهما جاز بغير خلاف نعلمه، وإن لم يشهدا بعدالتهما جاز ويتولى الحاكم ذلك، فإن
علم عدالتهما حكم فإن لم يعرفها بحث عنهما، وبهذا قال الشافعى (وأبو حنيفة). وقال الثورى
وأبو يوسف: (قلت: بل محمد بن الحسن كما فى "الهداية"، وأما أبو يوسف فقوله كقول الإمام)
إن لم يعدل شاهدا الفرع شاهدى الأصل لم يسمع الحاكم شهادتهما، لأن ترك تعديله يرتاب به
الحاكم، وليس بصحيح، لأنه يجوز أن لا يعرفا ذلك فيرجع فيه إلى بحث الحاكم اهـ (١٢: ٩٠).
قال العبد الضعيف: ودل الأثران الذين أو دعناهما فى المتن على أنه لا تقبل على شاهد
واحد إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وعن ربيعة مثله وهو قول أبى حنيفة ومالك إلا أنهما
أجازا شهادة ذينك الاثنين أيضا على شهادة العدل الآخر (المحلى ٤٣٩:٩)، فتجوز شهادة شاهدین
على شهادة شاهدين إذا شهدا على شهادة كل من الشاهدين، فيكون لهما شهادتان، شهادتهما
معا على شهادة هذا وشهادتهما أيضا على شهاد الآخر، أما لو شهدا على شهادتهما بأن شهد
واحد على شهادة الأصل والآخر على شهادة الأصل الآخر فلا يجوز إلا على قول أحمد وعلى
قول مالك على ما نقل عنه فى كتب أصحابنا، لكن فى كتب أصحابه أنه لا يجوز، كذا فى "فتح
القدير " (٥٢٣:٦).
٠

٢٧٦
الشهادة على الشهادة
ج - ١٥
ونقل أصحابنا عن الشافعى رحمه الله أنه قال: لا يجوز إلا الأربع على كل اثنان لأن كل
شاهدين قائمان مقام شاهد واحد، فصار كالمرأتين. وكذا حكاه ابن حزم عنه فى "المحلى"
(٤٣٩:٩)، والذى ذكره الشافعى فى "الأم" يدل على جواز الشاهدين على شاهدين، ونصه: وإذا
شهد رجلان على شهادة رجلين فقد رأيت كثيرا من الحكام والمفتيين يجيزه، فمن أجازه فينبغى أن
يكون من حجة أن يقول: ليسا بشاهدين على شهادة أنفسهما وإنما يشهدان على شهادة رجلين،
فهما رجلان كل واحد منهما على رجل ورجل وقد سمعت من يقول: لا أقبل على رجل إلا
شهادة رجلين وعلى آخر شهادة آخرين غيرهما اهـ (٢٤٤:٦)، فنسبه القول الأول إلى كثير من
الحكام والمفتين دون الثانى تدل على ترجيح الأول عليه والله تعالى أعلم.
ولنا ما روی عن علی رضی الله عنه وهو وإن كان ضعيفا بهذا الإسناد الذی ذکرناه ولكنه
تأيد بقول الشعبى نحوه، وقد تقدم فى المقدمة أن المرسل ضعيف عند الشافعى ومن وافقه من
المحدثين، وإذا تأيد بفتيا عالم من الصحابة أو التابعين صار حجة، والشعبى تابعى كبير أدرك جماعة
من الصحابة وأفتى فى زمنهم، فإذا تأيد الحديث الضعيف بقوله صار حجة.
ويحتمل أن يكون حديث على قد بلغ الإمام بسند غير هذا فلا لوم عليه فى الاحتجاج، لأن
الإمام قد سمع جماعة من أصحاب على وأدركهم، كما لا يخفى على من تتبع مشائخه، وهذا يرد
على إسحاق بن راهويه وأحمد قولهما: لم يزل أهل العلم على هذا، أى على جواز أن يشهد على
كل واحد من شاهدى الأصل شاهد فرع حتى جاء هؤلاء أى أبو حنيفة وأصحابه، كما فى
"المغنى" (٩٥:١٢)، وكيف يقول: لم يزل أهل العلم على هذا وقد قال ربيعة كقول أبى حنيفة
كما ذكره ابن حزم، وقد ثبت عن الشعبى بإسناد حسن قال: لا تجوز شهادة الشاهد على الشاهد
حتى يكونا اثنين. وهو مؤيد لما روى عن على فى هذا المعنى، فكيف يصح دعوى الإجماع مع
خلاف هؤلاء وقد عرفت أن قول مالك كقولنا. وهو لا يخالف عمل أهل المدينة ويتحرى موافقة
العمل ما لا يتحراه غيره.
فالظاهر أن عمل أهل المدينة على عدم جواز شهادة واحد على شهادة واحد، وبالجملة فإن
الشعبى وربيعة ومالكا وأبا حنيفة والشافعى لم يكونوا ليخالفوا الإجماع البتة، فقولهم بعدم جواز
شاهد على شاهد، وبأنه لا بد من اثنين على واحد دليل على أن الإجماع لم يصح على خلاف
ذلك عندهم، ولو صح لم يخالفوه إلى غيره ولو قلنا: إن ربيعة ومالكا وأبا حنيفة والشافعى

٢٧٧
الشهادة على الشهادة
إعلاء السنن
مقدمون على أحمد وإسحاق وقد أجمع هؤلاء وأصحابهم على عدم جواز شاهد على شاهد
فأحمد وإسحاق محجوجان بإجماع من تقدمها لكان له وجه، كما لا يخفى.
وأما ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا عبد الله بن المبارك عن
حكيم بن رزيق قال: قرأت فى كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى أن أجز شهادة رجل على شهادة
رجل آخر، وذلك فى كسر سن. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان ومعمر قال سفيان: عن المغيرة
ومقسم: عن إبراهيم النخعى أنه كان يجيز شهادة رجل على شهادة رجل، وقال معمر: عن أيوب
السختيانى عن محمد بن سيرين عن شريح أنه كان يجيز شهادة رجل على شهادة رجل ويقول له:
أشهدنى ذوى عدل. وروينا عن الزهرى والقضاة قبله اهـ (٤٣٩:٩)، فمعناه أنهم كانوا يجيزون
الشهادة على الشهادة. والمراد بالرجل ورجل فى كلامهم الجنس دون الواحد، فلا دلالة فيه على
كفاية واحد على واحد، ألا ترى أن شاهد الفرع كان يقول لشريح: أشهدنى ذوى عدل. فدل
على أنه لا يكفى شهادة واحد من شهود الفرع أن يشهد على كل واحد من شهود الأصل، ولأن
شاهد الفرع لا يشهد على ما شاهده هو بنفسه، وإنما يشهد على الشهادة، ولا يكون شاهدا على
الشهادة مالم يسمع كلام شاهدى الأصل جميعا، ولو سمع كلام واحد منهما فإنما هو شاهد على
خبر لا على شهادة، فإن الشهادة لا تتحقق إلا بكمال نصابها.
وأما قول رسول الله عَّ ◌ُله: ((بينتك أو يمينه))، فإنما ورد فى البينة التى هى الأصل وأما البينة
التى هى الفرع فلم يرد بها نص، وإنما قلنا بها للإجماع وللحاجة والقياس، فاندحض قول ابن حزم
قال رسول الله عَ ليه: ((بينتك أو يمينه)) ولا فرق بين واحد وبين اثنين فى تبيين الحق بذلك، كلاهما
يجوز عليه ما يجوز على الواحد (٤٣٩:٩)، فقد بينا ما هو الفرق بينهما، وأن قوله عّ لّه هذا إنما
ورد فى بينة الأصل دون الفرع، والقياس يقتضى أن لا تجوز شهادة واحد على واحد بل لا بد من
شهادة رجلين على كل واحد من شهود الأصل؛ وهذا هو المروى عن على رضى الله عنه، وهو وإن
كان سنده ضعيفا ولكن تأييد القياس الصحيح له قد جبر ضعفه، فافهم، فإن مدار صحة الحديث
ليس على السند فقط، بل على ذوق المجتهد والمحديث، فكم من حديث بسند رجاله سلسلة الذهب
وهو موضوع عند العارف بعلل الحديث، وكم من ضعيف ليس فى سنده كذاب يعلم الفقيه
المجتهد صحته بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبوله والعمل به،
كما ذكرناه فى "المقدمة"، فلتراجع.

ج - ١٥
الشهادة على الشهادة
٢٧٨
وذهب أبو عبيد وابن حامد (من الشافعية) وأبو بكر (الخلال من الحنابلة) إلى أن الشهادة
على الشهادة لا تقبل إلا فى الأموال ولا تقبل فى النكاح والطلاق ونحوها (المغنى ٨٨:١٢)
واحتجوا بما رواه الحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب
قال: لا تجوز شهادة على شهادة فى حد، ولا فى دم، ولا فى طلاق، ولا نكاح، ولا عتق إلا فى
المال وحده، قال ابن حزم فى "المحلى": وروينا ذلك عن إبراهيم النخعى اهـ (٤٣٩:٩)، والحارث
ابن نبهان هالك وابن عمارة ضعيف، ولا يساعده القياس لأنه حق لا يدرأ بالشبهات فيثبت
بالشهادة على الشهادة كالمال، وبهذا فارق الحدود والقصاص، والله تعالى أعلم.
واختلفوا فى اشتراط الذكورية فى شهود الفرع، فعن أحمد أنها شرط فلا يقبل فى شهود
الفرع نساء بحال سواء كان الحق مما تقبل فيه شهادة النساء أولا، وبهذا قال مالك والثورى
والشافعى، والثانية للنساء مدخل فيما لو كان المشهود به يثبت بشهادتهن فى الأصل (وهو ماعدا
الحدود والقصاص عندنا) قال حرب: قيل لأحمد: فشهادة امرأتين على امرأتين تجوز؟ قال: نعم.
يعنى إذا كان معهما رجل، وذكر الأوزاعى قال: سمعت نمير (١) بن أوس يجيز شهادة المرأة على
المرأة (يعنى إذا كان معها رجل وامرأة) لأن شهود الأصل يدخل فيهم النساء فيجوز أن يشهد
رجلان على شهادة رجل وامرأتين فى كل حق يثبت بشهادتهن مع الرجال فى قول أكثر أهل العلم
(فكذا بالعكس) ذكره الموفق فى "المغنى" (٩٤:١٢).
ويشترط فى شاهد الفرع أن يسترعيه شاهد الأصل الشهادة فيقول: أشهد على شهادتى أنی
أشهد أن لفلان على فلان كذا أو أقر عندى بكذا لأن الفرع كالنائب عنه فلا بد من التحميل
والتوكيل، بخلاف شهادة الأصل تجوز على المقر وإن لم يحمله، وكذا كل من شاهد أمرا غير
الشهادة له أن يشهد به وإن لم يحمل كالإقرار والبيع والغصب، وهذا كله لم نعلم فيه خلافا؛ وأما
لو سمع شاهدا ليسترعى آخر شهادة يشهده عليها، فهل يجوز لهذا السامع أن يشهد بها لحصول
الاسترعاء؟ قال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يشهد إلا أن يسترعيه بعينه، وبه قال أحمد: لا تكون
شهادة إلا أن يشهدك. فأما إذا سمعته يتحدث، فإنما ذلك حديث. قال الموفق: وبما ذكرناه قال
الشافعى وأصحاب الرأى وأبو عبيد: لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة فلا ينوب عنه
(١) هو الأشعرى قاضى دمشق، روى عن مالك بن مسروح وأبى الدرداء وأم الدرداء وأبى موسى الأشعرى، وأرسل عن معاذ بن
جبل وحذيفة ثقة قليل الحديث من الثالثة.

٢٧٩
إعلاء السنن
باب الرجوع عن الشهادة
٥٠٤٢- عن الشعبى أن رجلين شهدا عند على بن أبى طالب رضى الله عنه علی
رجل بالسرقة فقطع يده، ثم أتيا بعد ذلك بآخر فقالا: أوهمنا، إنما السارق هذا. فقال
على رضى الله عنه: لا أصدقكما على هذا الآخر وأضمنكما دية يد الأول، ولو أنى
إلا بإذنه اهـ ملخصا (٩١:١٢-٩٢)، ومثله فى "فتح القدير" (٥٢٥:٦)، ظ.
باب الرجوع عن الشهادة
قوله: عن الشعبى إلخ قال العبد الضعيف: يجب على كل مسلم الاجتناب عن شهادة الزور
بجهده والتوبة عنها متى وقع فيها عمدا، أو خطأ، وذلك بأن يرجع عن الشهادة ولیکن رجوعه فى
مجلس القضاء، لأنه فسخ للشهادة التى أداها وقد اختصت بمجلس القضاء، فالرجوع عنها
كذلك، لأن التوبة بحسب الجريمة، السر بالسر والعلانية بالعلانية فإذا كانت جريمته فى مجلس
القضاء جهرا فلتكن توبته بالرجوع كذلك، ولا يمنعه الاستحياء من الناس وخوف اللائمة من
إظهار الرجوع فى مجلس القضاء، فلأن يراقب الله خير له من أن يراقب الناس، وهل إذا أظهر
الرجوع للناس وأشهدهم عليه وبلغ ذلك القاضى بالبينة عليه يصح الرجوع؟ فالذى فى متون
المذهب وشروحها أنه لا یصح.
ومال المحقق ابن الهمام فى "الفتح" إلى صحته (٥٣٨:٦)، ورجوعه صحيح مقبول فى حقه
وإن كان مردودا فيما يرجع إلى حق غيره، حتى إذا رجع قبل القضاء لم يقض القاضى بشهادته
لبطلانها بالرجوع، وسقوطها عن الاعتبار لأن كلامه متناقض، والثانى ليس بأولى من الأول،
ولا الأول من الثانى فتعارضا، ولا ترجيح قبل الحكم لأحد الكلامين، فلا يحكم بأحدهما، لأن
القاضى لا يقضى بكلام متناقض، ولا ضمان عليه لأنه ما أتلف شيئا لا على المدعى ولا على
المشهود عليه، فإن حكم بشهادتهم، ثم رجعوا لم يفسخ الحكم ولم يبطل برجوعهم حق المقضى
له، لأنه بعد الحکم ترجح الأول لاتصال القضاء به لأنه مؤ كد حکمه وقع فى حال لا معارض له
فيه، فلا ينقض الأقوى بالأدنى وكما أن القاضى لا يقضى بكلام متناقض، فكذلك لا ينقض
الأقوى بالأدنى، وكما أن القاضى لا يقضى بكلام متناقض، فكذلك لا ينقض ما قضاء بالكلام
المتناقض. وأيضا: فلو أبطل القضاء باعتبار هذا المعنى أدى إلى ما لا يتناهى، لأنه قد يأتى بعد ذلك
فيرجع عن هذا الرجوع فيجب إعادة القضاء الأول فيتسلسل الحكم وفسخه وذلك خارج عن

ج - ١٥
الرجوع عن الشهادة
٢٨٠
أعلمكما فعلتما ذلك عمدًا قطعت أيديكما. ذكره محمد فى "الأصل"، واحتج به
(المبسوط للسرخسى ١٧٨:١٦)، وأخرجه الإمام الشافعى، وقال: بهذا نقول: (فتح
موضوعات الشرع.
وقد دل قول على رضى الله عنه: لا أصدقكما على هذا الآخر على ما قلنا: إنهم لو رجعوا
بعد الحكم لم يفسخ الحكم ويتعين كذبهم فى الرجوع شرعا، لأن صدقهم قد تعين فى الشهادة
وتأكد بقضاء القاضى فى حق المقضى له، ولكن يجب الضمان عليهم لإقرارهم عند الرجوع
بأنهم أتلفوا المال على المشهود عليه بشهادتهم بغير حق، والتناقض لا يمنع ثبوت حكم إقرارهم على
أنفسهم، والإتلاف وإن كان قد حصل بقضاء القاضى فسبب القضاء شهادة الشهود، وإنما يحال
بالحكم على أصل السبب.
وهذا لأن القاضى بمنزلة (١) الملجأ من جهتهم، فإن بعد ظهور عدالتهم يجب عليه القضاء
شرعا حتى لو امتنع منه يأثم ويعزل ويعزر، ثم السبب إذا كان تعديا بمنزلة المباشرة فى إيجاب
ضمان المال وقد أقر الشهود بالتعدى فى السبب الذى كان منهم، وبهذا السبب سلط المشهود له
على مال المشهود عليه، ولو تسلطا عليه لأنفسهما ضمنا فكذلك إذا سلطا الغير عليه ولا يمكن
إيجابه على القاضى، لأنه غير متعد فى القضاء، بل هو مباشر لما فرض عليه ظاهرا، فتعين الشهود
الإيجاب الضمان عليهم، وهو معنى قول على: وأضمنكما دية يد الأول.
وقد كان أبو حنيفة يقول أولا كقول شيخه حماد بن أبى سليمان أن الشاهدين إذا رجعا
عن الشهادة بعد قضاء القاضى ينظر إلى حالهما يوم رجعا فإن كان حالهما أحسن منه يوم شهدا
صدقهما القاضى فى الرجوع ورد القضاء وأبطله. وإن كان حالهما يوم رجعا مثل حالهما يوم
شهدا أو دون ذلك لم يصدقهما القاضى، ولم يقبل رجوعهما ولم يضمنهما شيئا، وكان قضاء
الأول ماضيا ثم رجع فقال: لا أبطل القضاء بقولهما الآخر وإن كانا أعدل منهما يوم شهدا لما
ذكرنا ولكن أضمنهما المال الذى شهدا به، وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، كذا
فى "المبسوط" (١٧٨:١٦-١٧٩) بمعناه، وفى "رحمة الأمة": إذا شهد شاهدان بمال ثم رجعا
بعد الحكم به قال أبو حنيفة ومالك والشافعى فى القديم وأحمد: عليهما الغرم. وقال الشافعى فى
(١) ولم يقل: إنه ملجأ لأنه لو صار ملجأ حقيقة لوجب القصاص على الشاهدين فى الشهادة بالقتل العمد إذا ظهر كذبهم كما فى
المكره، وليس كذلك لأن الملجأ حقيقة هو من يخاف عقوبة الدنيا، والقاضى إنما يكون ملجأ إلى القضاء بالشهادة مخافة
عقوبة الآخرة، ولا يصير به مكرها لأن كل أحد يقيم الطاعة خوفا من العقوبة على تركها فى الآخرة، ولا يصير به مكرها،ظ.