Indexed OCR Text
Pages 241-260
16 إعلاء السنن رد الشهادة للتهمة والفسق ٢٤١ عائشة ونذكره بتمامه فى الحاشية. بينكم بالسوية ولا نمنعكم من هذا المسجد أن تصلوا فيه ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا. رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه محمد بن كثير الكوفى، وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢٤٢:٦). قلت: ولكن ابن معين وثقه ورأى أن المنكرات التى رواها إنما الحمل فيها على غيره قال: وإلا فإنى قد رأيت حديث الشيخ مستقيما اهـ. ومن أنكر ما روى عنه حديث: من لم يقل على خير الناس فقد كفر، كذا فى "التهذيب" (٤١٩:٩)، ولعل الحمل فيه على غيره أيضا، والله تعالى أعلم، وفيه دلالة على أن حكمهم قبل الخروج حكم المسلمين، ومن أحكامنا قبول الشهادة، فتقبل منهم قبل الخروج. وقال الموفق فى "المغنى": لا تقبل شهادة الفاسق لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ ولقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، فأمر بالتوقف عن نبأ الفاسق، والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه، وقد روى عن النبى معَّبه أنه قال: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة)) الحديث، رواه أبو عبيد (وغيره كما مر)، وكان أبو عبيد لا يراه، خص بالخائن والخائنة أمانات الناس، بل جميع ما افترض الله تعالى على العباد والقيام به، أو اجتنابه من صغير ذلك، وكبيره، قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال﴾ الآية، وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: لا يؤسر رجل بغير العدول. (رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن أبى شيبة بسند صحيح بلفظ: ألا لا يؤسر أحد فى الإسلام بشهود الزور فإنا لا نقبل إلا العدول ٣٩٤:٩)، ولأن دين الفاسق لم يزعه عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن أن لا يزعه عن الكذب، فلا تحصل الثقة بخبره. وإذا تقرر هذا فالفسوق نوعان: أحدهما: من حیث الأفعال فلا نعلم خلافا فی رد شهادته، والثانى: من جهة الاعتقاد فيوجب رد الشهادة أيضا، وبه قال مالك وشريك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقال شريك: أربعة لا تجوز شهادتهم: رافضى يزعم أن له إماما مفترضة طاعته. وخارجى يزعم أن الدنيا دار حرب وقدرى يزعم أن المشيئة إليه، ومرجئ يرى أن المعاصى لا تضر والطاعات لا تنفع، (قلت: ومعتزلى يرى الأعمال جزأ من الإيمان ويكفر المسلمين بالذنوب والمعاصى. الجواب عن رد شريك شهادة أبى يوسف: فمن رد شهادة يعقوب أو محمد بن الحسن وقال: ألا أرد شهادة من يزعم أن الصلاة ليست ٢٤٢ رد الشهادة للتهمة والفسق ج - ١٥ من الإيمان. كان أحق برد شهادته منهما لكونه يحكم بكفر المسلم بالذنب لكون الأعمال داخلة فى الإيمان عنده، والعجب من الموفق أنه كيف رضى بحكاية مثل هذه، وأبو يوسف أول من تقدم إليه أحمد بن حنبل يطلب الحديث، ومحمد أول من أخذ هو الدقائق من كتبه كما ذكرناه فى "المقدمة"، وهل وضع حكم بن داود القاضى ومن وافقه من العلماء والقضاة على أحمد بن حنبل بالكفر والزندقة من شأنه؟ حتى يضع رد شريك شهادة أبى يوسف من شأنه شيئا، كلا، بل كلاهما قد ارتفع بذلك شأنهما، حتى صار أبو يوسف قاضى القضاة فى الإسلام، وهو أول من دعى بذلك، وصار أحمد بن حنبل إمام أهل السنة بعد الابتلاء من بين الأنام، وقاتل الله العصبية فإنها تورد صاحبها الموارد). وقال أبو حامد من أصحاب الشافعى: المختلفون على ثلاثة أضرب: ضرب اختلفوا فى الفروع، فهؤلاء لا يفسقون بذلك، ولا ترد شهادتهم، وقد اختلف الصحابة فى الفروع ومن بعدهم من التابعين؟ الثانى: من نفسقه ولا نكفره، وهو من سب القرابة كالخوارج، أو سب الصحابة كالروافض، فلا تقبل لهم شهادة لذلك. (قلت: رد الشهادة لسب السلف متفق عليه إذا أظهر بخلاف ما لو كتمه، كما قدمنا لكونه من فسق الأفعال وإنما النزاع فى فسق الاعتقاد فقط) الثالث: من نكفره وهو من قال بخلق القرآن ونفى الروية أضاف المشيئة إلى نفسه، فلا تقبل لهم شهادة. (قال فى "الدر": تقبل من أهل الأهواء أى أصحاب بدع لا تكفر اهـ. فمن وجب إكفاره منهم، فالأكثر على عدم قبوله، كما فى تقريره فى "المحيط البرهانى" هو الصحيح (شامى ٥٨٢:٤). وقال أحمد: ما تعجبنى شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة، وظاهر قول الشافعى وابن أبى ليلى والثوري وأبى حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الأهواء، وأجاز سوار شهادة ناس من بنى العنبر ممن يرى الاعتزال، قال الشافعى: إلا أن يكونوا ممن يرى الشهادة بالكذب بعضهم لبعض كالخطابية، وهو رواية عن أحمد، ولنا: أنه أحد نوعى الفسق، فترد به الشهادة كالنوع الآخر، ولأن المبتدع فاسق فترد شهادته للآية والمعنى اهـ ملخصا (٣٠:١٢). الجواب عن حجة من رد شهادة أهل الأهواء مطلقًا: قلنا: إن الفاسق إنما لا تقبل شهادته لتهمة الكذب، والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل على ٢٤٣ رد الشهادة للتهمة والفسق إعلاء السنن ذلك، لأنه إنما وقع فى الهوى للتعمق فى الدين، ألا ترى أن منهم من يعظم الذنب حتى يجعله كفرا؟ فَيكون ممتنعا عن الكذب، كمن تناول المثلث، أو متروك التسمية عمدا معتقدا إباحته، فإنه لا يصير به مردود الشهادة، وأما الآية فمخصوصة بالفسق من جهة الاعتقاد مع الإسلام، فكان المراد منها الفسق العمل، والدليل على التخصيص اتفاقنا على قبول روايتهم للحديث، وفى صحيح البخارى كثير منهم مع اعتماده الغلو فى الصحة مع أن قبول الرواية أيضا مشروط بعدم الفسق، كذا فى "فتح القدير" (٤٨٧:٦). لا تقبل شهادة أهل الإلهام: قال فى "البدائع": ولا عدالة لأهل الإلهام(١) (أى لا تقبل شهادتهم) لأنهم يحكمون بالإلهام فيشهدون لمن يقع فى قلوبهم أنه صادق فى دعواه، ومعلوم أن ذلك لا يخلو عن الكذب اهـ (٢٦٩:٦). قلت: والمحققون من الصوفية على أن الإلهام ليس بحجة فى الأحكام، وأما إلهام الخضر عليه السلام فكان وحيا لكونه نبيا عند الجمهور، ويدل عليه حديث أبى أمامة الباهلى عند الطبرانى، وسنده حسن إلا أن فيه عنعنة بقية بن الوليد، كما فى "الإصابة" (١٢٠:٢)، ومن أراد البسط فى أحوال الخضر، فليراجعها، فإن الحافظ قد أتى على القدر الضرورى من أحواله. الغناء والسماع: قال فى "البدائع": وأما المغنى فإن كان يجتمع الناس عليه الفسق بصوته، فلا عدالة له، وإن . كان هو لا يشرب لأنه رأس الفسقة، وإن كان يفعل ذلك مع نفسه (أو مع جماعة من الصلحاء) لدفع الوحشة لا تسقط عدالته، لأن ذلك مما لا بأس به، لأن السماع مما يرقق القلوب لكن لا يحل الفسق به. الغناء بالآلات: وأما الذى يضرب شيئا من الملاهى فإنه ينظر، إن لم يكن مستشنعا كالقصب والدف ونحوه، لا بأس به، ولا تسقط عدالته، وإن كان مستشنعا كالعود، ونحوه سقطت عدالته، لأنه لا يحل بوجه من الوجوه اهـ (٢٦٩:٦). قال المحقق فى "الفتح": قيل: ولا يكره لاستماع الناس (١) هم طائفة من الصوفية يرون الإلهام حجة. ج - ١٥ رد الشهادة للتهمة والفسق ٢٤٤ إذا كان فى العرس والوليمة، وإن كان فيه نوع لهو بالنص فى العرس اهـ. قال: وفى ((مغنى ابن قدامة): الملاهى نوعان: محرم، وهو الآلات المطرية بلا غناء كالمزمار والطنبور ونحوه، لما روى أبو .. أمامة أنه عليه السلام قال: ((إن الله تعالى بعثنى رحمة للعالمين، وأمرنى بمحق المعازف والمزامير))، (رواه أحمد بلفظ: ((إن الله أمرنى أن أمحق المزامير والكبارات))، يعنى البرابط والمعازف، وهو ضعيف قاله العراقى فى "تخريج الإحياء" (٢٤٠:٢). والنوع الثانى: مباح وهو الدف فى النكاح، وفی معناه ما کان من حادث سرور، ويكره غيره لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه كان إذا سمع صوت الدف بعث ينظر، فإن كان فى وليمة سكت، وإن كان فى غيره عمل بالدرة اهـ (٤٨٢:٦). قلت: أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" من حديث ابن سيرين: نبئت أن عمر كان إذا سمع صوتا أنكره، فإن كان عرسا أو ختانا أقره، كذا فى "التلخيص" (٤١٠:٢). اللعب بالشطرنج حرام ومسقط للعدالة إلا إذا فعله أحيانا ولم يقامر به: فائدة: قال فى "البدائع": ومن يلعب بالفرد، فلا عدالة له. وكذلك من يلعب بالشطرنج ويعتاده، فلا عدالة له، وإن أباحه بعض الناس لتشحيذ الخاطر، وتعلم أمر الحرب، لأنه حرام عندنا لكونه لعبا، قال عليه الصلاة والسلام: ((كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه ورميه عن قوسه)). وكذلك إذا اعتاد ذلك يشغله عن الصلاة والطاعات، فإن كان يفعله أحيانا ولا يقامر به لا تسقط عدالته اهـ (٢٦٩:٦). قلت: أما حديث: ((كل لعب حرام)) فأخرجه أصحاب "السنن الأربعة" من حديث عقبة بن عامر بلفظ كل شىء يلهو به الرجل فهو باطل إلا تأديبه فرسه، ورميه بقوسه، وملاعبته زوجته. قال العراقى: وفيه اضطراب (تخريج الإحياء ٢٥٢:٢)، وأما اللعب بالنرد فروى مالك وأحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم والدارقطنى والبيهقى من حديث أبى موسى الأشعرى رفعه: ((من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله)) ووهم من عزاه إلى تخريج مسلم، وإنما أخرجه مسلم من حديث بريدة بلفظ: ((من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده فى لحم خنزير)) (التلخيص الحبير ٤٠٨:٢). وقال النووى فى "شرح مسلم": هذا الحديث حجة للشافعى والجمهور فى تحريم اللعب ٢٤٥ رد الشهادة للتهمة والفسق إعلاء السنن بالنرد، وفيه رد على البيهقى حيث أطلق فيه الكراهية دون التحريم، وهو خلاف مذهب للشافعى والجمهور، وإذا ثبت أن اللعب بالنرد محرم يقاس عليه الشطرنج، فلا نسلم للشافعية كراهية اللعب به. قال المازري فى "شرح مسلم": مالك ينهى عن اللعب بالنرد والشطرنج ويرى أن الشطرنج شر من النرد وألهى منها، وهذا الحديث حجة له وإن كان ورد فى النرد، فقيست الشطرنج عليها لاشتراكهما فى كونهما شاغلين عما يفيد فى الدين والدنيا، موقعين فى القمار والتشاجر الحادث فيهما عند التغالب مع كونهما غير مفيدين؛ وقد نبه على هذا بقوله: الشطرنج ألهى. وقد ذكر البيهقى فى (باب اللعب بالشطرنج) عن ابن عمر قال: شر من النرد. وعن أبى موسى: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. وفى التمهيد: قال بعضهم: الشطرنج شر من النرد. وممن قال ذلك الليث بن سعد وذكر البيهقى فى (باب من كره كل ما لعب الناس به) أنه قيل للقاسم بن محمد: أرأيت الشطرنج أميسر هى؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٥٤:٢). وقال الموفق فى "المغنى": فأما الشطرنج فهو كالنرد فى التحريم إلا أن الفرد آكد منه فى التحريم، لورود النص فى تحريمه، لكن هذا فى معناه فيثبت فيه حكمه قياسا عليه؛ وذكر القاضى أبو حسين ممن ذهب إلى تحريمه: على بن أبى طالب وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والقاسم وسالما وعروة ومحمد بن على بن الحسين ومطر الوراق ومالكا، وهو قول أبى حنيفة، وذهب الشافعى إلى إباحته (مع الكراهة، وأما لو شغل عن الصلاة أو قامر به فحرام إجماعا). وحكى ذلك أصحابه عن أبى هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، واحتجوا بأن الأصل الإباحة، ولم يرد بتحريمها نص، ولا هى فى معنى المنصوص عليه، ويفارق النرد من وجهين: أحدهما أن فى الشطرنج تدبير الحرب، فأشبه اللعب بالحراب والرمى بالنشاب والمسابقة بالخيل، والثانى أن المعول فى النرد على ما يخرجه الكعبتان فأشبه الإزلام، والمعول فى الشطرنج على حذقه وتدبيره، فأشبه المسابقة بالسهام. ولنا قول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾، قال على رضى الله عنه: الشطرنج من الميسر. (وللشافعى أن يحمله على ما إذا قامر به) ومر على رضى الله عنه على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاکفون؟ قال أحمد: أصح ما فى الشطرنج قول على رضى الله عنه. وروى واثلة بن الأسقع رضى الله ٢٤٦ ج - ١٥ باب شهادة أهل الذمة ٥٠١٤- عن مجالد عن الشعبى عن جابر بن عبد الله أن النبى عّ لّه أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض. أخرجه ابن ماجة، قال فى "نصب الراية": ومجالد فيه مقال. قلت: قال البخارى: صدوق. وأخرج له مسلم مقرونًا، وأخرج له الأربعة، وقال عنه مرفوعا: ((إن الله عز وجل ينظر فى كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاة فيها نصيب)). رواه أبو بكر (الخلال) بإسناده، ولأنه لعب يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فأشبه اللعب بالنرد، وفيه رد على قولهم: لا نص فيها فقد ذكرنا فيها نصا (وهو ما رواه الخلال عن واثلة)، وهى أيضا فى معنى النرد، وقولهم: إن فيها تدبير الحرب؟ قلنا: لا يقصد هذا منها، وأكثر اللاعبين إنما يقصدون منها اللعب أو القمار، وقولهم: إن المعول فيها على حذقه وتدبيره فهو أبلغ فى اشتغاله بها وصدها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإذا ثبت تحريمها فقال القاضى: هو كالنرد فى رد الشهادة، وهذا قول مالك وأبى حنيفة، لأنه محرم مثله، وقال أبو بكر: إن فعله من يعتقد تحريمه فهو كالفرد فى حقه، وإن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته إلا أن يشغله عن الصلاة فى أوقاتها، أو يخرجه إلى الحلف الكاذب ونحوه من المحرمات، أو يلعب بها على الطريق، أو يفعل فى لعبه ما يستخف به من أجله، ونحو هذا مما يخرجه عن المروءة وهذا مذهب الشافعى، وذلك لأنه مختلف فيه فأشبه سائر المختلف فيه اهـ ملخصا (٣٧:١٢). والعجب من بعض الأحباب أنه ترك دلائل هذه المسائل التى استدركتها عليه، مع أن صاحب "الهداية" قد تعرض لها. وأما غير هؤلاء ممن ترد شهادتهم كآكل الربا، والمخنث فى الردىء من الأفعال والنائحة والمغنية وشارب الخمر ومدمن الشرب من غيرها على اللهو، ومن یدخل الحمام من غیر معزر، ومن یأتی بابا من الكبائر، فلا خلاف فی رد شهادتهم، لکونهم فاسقين فى أفعالهم، كما هو ظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب. باب شهادة أهل الذمة أقول: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائز عندنا بالحديث الذى رويناه، وأما شهادتهم على المسلمين فلا يجوز عندنا ولا عند أحد من فقهاء الأمصار، لقوله تعالى: ﴿ولم يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾، وأورد عليه أن أبا داود والدار قطنى قد أخرجا عن الشعبى أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة مدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشعرى - يعنى أبا موسى - فأجزاه، فقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعرى: هذا أمر لم يكن بعد الذى كان فى عهد رسول الله عَ لّه، فأحلفهما بعد ٢٤٧ شهادة أهل الذمة إعلاء السنن ابن عدى: له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة وعن غير جابر، وعامة ما يرويه غير محفوظة. وقال يعقوب بن سفيان: تعلم الناس فيه، وهو صدوق، فظهر منه أن الحديث العصر: ما خانا، ولا كذبا، ولا يدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته .. فأمضى شهادتهما. وإن أبا داود والبخارى أخرجا عن ابن عباس قال: خرج رجل من بنى سهم مع تميم الدارى وعدى بن بداء، فجاب السهمى بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصبا بذهب، فأحلفهما رسول الله عَ ليه، ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اتبعناه من تميم وعدى ابن بداء؛ فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ اهـ. وهذان الحديثان يدلان على جواز شهادتهم على المسلمين، والجواب عنه أنه لا دلالة فى شىء من الحديثين على المدعى لشهادة لا توجد بدون الدعوى والمدعى والمدعى عليه، ولم يوجد شىء من ذلك، بل الكافران فى هاتين القضيتين كانتا وصيين ورسولين إلى الورثة من مورثهما يوصلان إليهما ما تَرك، ويخبرانهم بما أوصى، فأين الدعوى؟ ومن المدعى والمدعى عليه؟ وهذا قبل أن يتهمهما الورثة، وبعد الاتهام صارا مدعى عليهما، فمتى صارا شاهدين حتى يقال: إن الحديثين يدلان على قبول شهادة أهل الذمة على المسلم؟ والذى أوقعهم فى هذه الشبهة هو لفظ الشهادة، ففهموا منه الشهادة المعروفة، وإنما هو بمعنى الإخبار فقط. وما أورد عليه أن الإخبار لا يشترط فيه العدد ولا العدالة واشترط فى القصة المذكورة، والجواب عنه: أنه ليس على وجه الاشتراط بل على وجه الاحتياط فقط، ألا ترى أنه إذا حضر أحدهم الموت، ومعه مال، وليس هناك عدلان فماذا يفعل؟ أله أن يوصى إلى واحد ليوصل ماله إلى ورثته أم لا؟ إن كان له ذلك، فقد علم أنه لا اشتراط، وإن قلتم: إنه ليس ذلك، فقد خالفتم البداهة، فاندفع الإبراد. وقال الكرابيسى والطبرى وآخرون: إن الشهادة فى القصة بمعنى الحلف، ولا أفهمه، لأنه لا قرينة عليه فى الحديثين ولا فى الآية، بل الظاهر خلافه، لأنه تعالى قال: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق﴾، وظاهر أن معناه: أنهما يقسمان بأن ما نقول(١) ونخير أحق مما قالا وأخبرا به، فافهم. (١) قلت: وهذا لا ينافى كون الشهادة بمعنى اليمين فإن اليمين تكون لتأكيد الخبر تارة كما فى اللعان قال الله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾. ٢٤٨ ج - ١٥. شهادة أهل الذمة حسن صحيح على شرط مسلم، وعلله البيهقى بأن غير مجالد رواه عن الشعبى عن وأخرج الدار قطنى بسند فيه عمر بن راشد اليمامى عن أبى هريرة: أن النبى عرّ ◌ُلّه قال: ((لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة محمد))، وقال عبد الحق فى "أحكامه": عمر بن راشد ليس ما يقوى، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وابن معين، وقال الزيلعى: أخرجه ابن عدى فى "الكامل"، وأعله بعمر بن راشد، وأسند تضعيفه عن البخارى وأحمد والنسائى وابن معين اهـ. فلا حجة فيه، ولو سلم فيقال: إن الملة ملتان: ملة الإسلام، وملة الكفر، فتأويل الحديث أنه لا يجوز شهادة إحدى هاتين الملتين على الأخرى إلا ملة محمد، وليس معناه أنه لا يقبل شهادة فرقة من ملة ـر الكفر على فرقة أخرى منها، فبطل الاحتجاج. وقال السحنون فى "المدونة" (٨١:٤): ابن الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: لا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض، وتجوز شهادة المسلمين عليهم ولا تجوز شهاداتهم على المسلمين اهـ. وهو ليس بثابت، لأن الحارث بن نبهان ضعيف فى الغاية وكذا محمد بن عبد الله إن كان هو العزرمى، ولو صح فهو محمول على ما حملنا عليه حديث أبى هريرة من طريق عمر بن راشد، فتذكر. قال العبد الضعيف: ومما يدل على أن الشهادة المذكورة فى قوله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير كم﴾ ليست من الشهادة المتنازع فيها، وإنما هى شهادة بمعنى الإخبار عن وصاية أو رسالة أنه تعالى أوجب على الشاهدين اليمين، ولا يمين على الشاهد ولا على المدعى فى الشهادة المتنازع فيها كما لا يخفى، وإنما اليمين على المدعى عليه. ولكن يعكر عليه أن الفقهاء جعلوها شهادة ثم اختلفوا فى قبولها وردها، قال الموفق فى ·"المغنى": إذا شهد بوصية المسافر الذى مات فى سفره شاهدان من أهل الذمة قبلت شهادتهما إذا لم يوجد غيرهما، قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر الماضين يعنى الآية التى فى سورة المائدة، وممن قاله شريح والنخعى والأوزاعى ويحيى بن حمزة، وقضى بذلك ابن مسعود وأبو موسى رضى الله ( عنهما، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعى: لا تقبل، لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل فى الوصية - كالفاسق- ولأن الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى، واختلفوا فى تأويل الآية، فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال: المراد بقوله: من غير كم أى من غير عشيرتكم، ومنهم من قال: المراد بالشهادة فى الآية اليمين اهـ (٥١:١٢). وأيضا فقوله تعالى: ﴿حين الوصية﴾ يدل على قبول قولهما فى حق الوصية ولو كافرين، ٢٤٩ شهادة أهل الذمة إعلاء السنن شريح من قوله. قلت: يحمل على أن الشعبى رواه عن جابر مرفوعًا وكان شريح فقيها وعلى هذا فقولهما: إن الميت أوصى بكذا وكذا يوجب على الورثة العمل بوجهيته وصرف المال إليها وليس هذا إلا شهادة ملزمة، وإنما يكون من الإخبار والرسالة إذا لم يجب على الورثة العمل به، فإذا اختلفوا فى وجوب العمل به دل على أنه شهادة على الميت عندهم، كما إذا شهد اثنان من الورثة أنه أوصى بكذا و كذا وهو شهادة عندهم جمیعا، فكذا هذا، فالجواب ما ذکره محمد فی . "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم فى قوله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ قال: منسوخة. ولفظ أبى يوسف فى "الآثار" له: نسخت شهادة أهل الكتاب فى السفر (ص ١٦٦)، قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، وإنما يعنى بهذه الشهادة فى السفر عند حضرة الموت على وصيته، فلا تجوز على وصية المسلم ولا غير ذلك من أمره إلا المسلمين، والله أعلم اهـ (ص ٩٤). قلت: وروى ابن جرير القول بالنسخ عن زيد بن أسلم بسند صحيح قال: كان ذلك فى رجل توفى وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك فى أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار إلا أن رسول الله عَّله وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها اهـ (٦٨:٧)، وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس فى حديث طويل أنه قال: وهى منسوخة، كذا فى "الدر المنثور" (٣٤٢:٢)، وعطية العوفى حسن الحديث، قال السيوطى فى "الإتقان": والعوفى ضعيف ليس بواه، وربما حسن له الترمذى (١٩٦:٩). فاندحض بذلك قول ابن حزم: أما دعوى النسخ فباطل إلخ (٤٠٩:٩)، وكيف يكون باطلا، وقد ذهب إليه ابن عباس وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعى وكفى بهم قدوة فإن الصحابة والتابعين لا يدعون النسخ بمجرد الرأى ما لم يكن عندهم نص فيه مسموع. وادعى بعض المحققين أن الشهادة ههنا لا يمكن أن تكون بمعناها المتبادر بوجه ولا تتصور، لأن شهادتهما إما على الميت(١) ولا وجه لها بعد موته وانتقال الحق إلى الورثة أو على الوارث(٢) المخاصم، وكيف يشهد الخصم على خصمه، فلا بد من التاويل، وذكر أن الظاهر أن تحمل الشهادة (١) فيه أن الشهادة على الميت يجيزها من أجاز الشهادة على الغائب، كما مر، ظ. (٢) فيه أن شهادة بعض الورثة على الميت بأنه أوصى بكذا جائزة، وهى شهادة على الوارث المخاصم الذى ينكرها، ظ. ٢٥٠ شهادة أهل الذمة ج - ١٥ يرى ذلك فأفتى به فسمعه الشعبى منه فرواه مرة أخرى عنه "الجوهر النقى" (٢٤٦:٢). فى قوله سبحانه: ﴿شهادة بينكم﴾ على الحضور والإحضار إذا حضر الموت المسافر، فليحضر من يوصى(١) إليه بإيصال ماله لوارثه مسلما، فإن لم يجد فكافرا، والاحتياط أن يكونا اثنين، فإذا جاء بما عندهما وحصل ريبة فى كتم بعضه فليحلفا، لأنهما مودعان مصدقان بیمینیهما، فإن وجد ما خانا فيه وادعيا أنهما تملكاه منه بشراء ونحوه ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه من التملك، وأنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه، والشهادة الثانية بمعنى العلم المشاهد أو ما هو بمنزلته، لأن الشهادة، المعاينة، فالتجوز بها عن العلم صحيح قريب، والشهادة الثالثة إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين، وعلى هذا فلا نسخ فى الآية ولا إشكال، وهو مما أفاضه الله على ببركة كلامه سبحانه، وسبب النزول وفعل الرسول مُ له مبين لما ذكراهـ من "روح المعانى" (٤٦:٧)، وفيه ما فيه، فتذكر. ، وقال الجصاص فى "الأحكام" له: والذى يقتضيه ظاهر الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر سواء كان فى الوصية بيع أو إقرار بدين أو وصية بشىء أو هبة أو صدقة، هذا كله يشتمل عليه اسم الوصية إذا عقده فى مرضه، وعلى أن الله تعالى أجاز شهادتهما عليه حين الوصية لم يخصص بها الوصية دون غيرها، وحين الوصية قد يكون إقرار بدين أو بمال عين وغيره لم تفرق الآية بین شیء منه. ثم قد روى أن أية الدين من آخر ما نزل من القرآن، وإن كان قوم قد ذكروا أن المائدة من آخر ما نزل، وليس يمتنع أن يريدوا بقولهم: من آخر ما نزل، من آخر سورة نزلت فى الجملة، لا على أن كل آية منها من آخر ما نزل، وإن كان كذلك فآية الدين لا محالة ناسخة لجواز شهادة أهل الذمة على الوصية فى السفر لقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم﴾ إلى قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وهم المسلمون لا محالة، لأن الخطاب توجه إليهم باسم الإيمان، ولم يخصص بها حال الوصية دون غيرها فهى عامة فى الجميع، قال: ﴿من ترضون من الشهداء﴾، وليس الكفار بمرضيين فى الشهادة على المسلمين، فتضمنت آية الدين نسخ شهادة أهل الذمة على وصية المسلم، ومن حيث دلت على جوازها على وصية المسلم فى السفر، فهى دالة (١) فيه أن تخصيص قوله: حين الوصية بالإيصاء بإيصال المال تقييد للمطلق بلا دليل، بل يجوز أن يوصى إليهما بإيصال المال إلى الورثة مع ما أوصى إليهم أن يفعلوا فى تركته من الإنفاق فى وجوه الخير، وأداء الدين ورد الوديعة ونحوها. ٢٥١ شهادة أهل الذمة إعلاء السنن ٥٠١٥- عن أحمد بن أبى عمران ثنا أبو خيثمة ثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبى عن جابر أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله عَّ ◌ُّه برجل وامرأة منهم زنيا، أيضا على وصية الذمى، ثم نسخ فى جوازها على وصية المسلم بأية الدين وبقى حكمها على الذمى فى السفر وغيره إذ كانت حالة السفر والحضر سواء فى حكم الشهادات. ولا يخفى متانة هذا الكلام ورزانته ولكن ابن حزم مجبول على قصر النصوص على ظواهرها ينكر تعديتها إلى غير مواردها لعلة جامعة مشتركة بينها، ويرمى الفقهاء بالكذب على الله جهارا. وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم: ودلت الآية على جواز شهادة الوصيين على وصية الميت لأن فى التفسير أن الميت أوصى إليهما وأنهما شهدا على وصيته، ودلت على أن القول قول الوصى فيما فى يده للميت مع يمينه، لأنهما على ذلك استحلفا، ودلت على أن دعواهما شرى شىء من الميت غير مقبولة إلا ببينة، وأن القول قول الورثة: إن الميت لم يبع ذلك منهما مع أيمانهم اهـ (٢: ٤٩١). تأويل ما ورد فى بعض الآثار: إن سورة المائدة لم ينسخ منها شىء: وتبين بذلك أن الحنفية ليسوا بقائلين بنسخ الاية جملة، وإنما قالوا بنسخ جزء منها وهو شهادة الكافرين على وصية المسلم، فلا يرد عليهم ما رواه ابن حزم من طريق عائشة رضى الله عنها أن سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حلالا فحللوه، وما وجدتم فيها حراما فحرموه، ومن طريق أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: لم ينسخ من سورة المائدة شىء (٤٠٧:٩)، فإن الحلال والحرام أكثر ما يطلق فى المآكل والمشارب، ومراد أبى ميسرة أن عامتها محكمة لم ينسخ منها آية كاملة، ولا ينافيه نسخ شىء يسير منها، وقد ذكر من صنف فى الناسخ والمنسوخ أن من المائدة قوله تعالى: ﴿ولا الشهر الحرام﴾ منسوخ بإباحة القتال فيه، وقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ منسوخ بقوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وقوله تعالى: ﴿أو آخران من غير كم﴾ منسوخ بقوله: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾، كما فى "الإتقان" (٢٤:٢). قلت: واتفقت الأمة على نسخ قوله: ﴿ولا الشهر الحرام﴾ بإباحة القتال فيه، كما تقدم فى الجهاد، فلا بد من التأويل فى قول عائشة رضى الله عنها وأبى ميسرة، فافهم. قوله: عن أحمد بن أبى عمران إلخ. قال المحقق فى "الفتح": ثم قول القائل لا يقبل ما تفرد به مجالد، يجرى فيه ما ذكرنا من أن الراوى المضعف إذا قامت دلالة على صحة ما رواه حكم به ج - ١٥ شهادة أهل الذمة ٢٥٢ فقال لهم رسول الله مَّظليه: ((ائتونى بأربعة منكم يشهدون))، رواه الطحاوى وهذا سند جيد، ابن أبى عمران وثقه ابن يونس، وباقى السند على شرط الشيخين خلا مجالدًا فإن مسلما انفرد به (الجوهر النقى ٢٤٦:٢). لارتفاع وهم الغلط، ولا شك أن رجمه علیه السلام اليهوديین کان بناء على ما سأل من حكم التوراة فيهما وأجيب به من أن حكمها الرجم شهادة أربعة، فلا بد من كونه بنى على شهادة أربعة منهم، وإن لم يذكر فى الرواية المشهورة، لأن القصة كانت فيما بين يهود فى محالهم وأماكنهم، فهذه دلالة على أن مجالدا لم يغلط. فى هذه وأنت علمت فى مسألة أهل الأهواء أن مراد الآية فسق الأفعال، لأنه الذى يتهم صاحبه بالكذب لا الاعتقاد (جواب عن استدلال الخصم بقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ والكافر أشد من الفاسق، فلا يقبل شهادته أصلا.) إلا أن شهادتهم على المسلمين نسخت بقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ فبقيت على بعضهم بعضا، وأيضا فإن الذمى من أهل الولاية على جنسه بدليل ولايته على أولاده الصغار ومماليكه، فجازت شهادته على جنسه، بخلاف المرتد المقيس عليه؛ إذ لا ولاية له أصلا، فلا شهادة له اهـ ملخصا (٤٨٩:٦). مجالد بن سعید: فاندحض بذلك قول ابن حزم: مجالد هالك إلخ (٤١١:٩)، وكيف يكون هالكا، وقد استشهد به مسلم فى الصحيح ووثقه النسائى مرة، وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه وهو صدوق. وقال العجلى: جائز الحديث، وهو أرفع من أشعث بن سوار. وقال البخارى: صدوق، كذا فى "التهذيب" (٤١:١٠) وسرد أقوال الجارحين والسكوت عن أقوال المعدلين بعيد من الإنصاف، هذه عادة ابن حزم فى "المحلى"، كما لا يخفى على من أمعن النظر فيه، واحتج من رد شهادة أهل الذمة مطلقا بقوله تعالى: ﴿واشهدوا ذوى عدل منكم﴾، وقوله: ﴿واستشهدوا شهیدین من رجالكم﴾، وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. قال الشافعى رحمه الله: ففى هاتين الآيتين دلالة على أن الله تعالى إنما عنى المسلمين دول غيرهم، قلنا: نعم! إنما عنى المسلمين على المسلمين لأن الخطاب فى الآيتين للمسلمين، قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تدا ينتم﴾ إلى قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فلما أمرنا بذلك إذا تداينا علمنا أن المراد الشهادة على المسلمين، وقال: ﴿يا أيها النبى إذا طلقتم النساء﴾ ثم قال: ﴿وأشهدوا ٢٥٣ شهادة أهل الذمة إعلاء السنن ٥٠١٦- نا زيد بن الحباب عن عون بن معمر عن إبراهيم الصائغ قال: سألت نافعًا - هو مولى ابن عمر- عن شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض، فقال: تجوز. رواه ابن أبى شيبة (المحلى ٩: ٤١٠). ٥٠١٧- ومن طريق أبى عبيد عن أبى الأسود عن ابن لهيعة عن عمرو بن الحارث عن قتادة أن على بن أبى طالب قال: تجوز شهادة النصرانى على النصرانى (المحلى ٩: ٤١٠) وأعله بالانقطاع وبابن لهيعة، أما الانقطاع فليس بعلة عندنا فى القرون الفاضلة، وأما ابن لهيعة فحسن الحديث، كما مر غير مرة. ٥٠١٨- ومن طریق يحيى بن سعيد القطان عن الثوری عن عمرو بن ميمون عن عمر بن عبد العزيز أنه أجاز شهادة نصرانى على مجوسى أو مجوسى على نصرانى. (المحلی ٩: ٤١٠)، وصححه ابن حزم. ٥٠١٩- قال: وصح من طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان أنه قال: تجوز شهادة النصرانى على اليهودى واليهودى على النصرانى، هم كلهم أهل الشرك، وصح أيضًا هذا عن الشعبى وشريح وإبراهيم النخعى اهـ. ذوى عدل منكم﴾، فهذا أيضا على طلاق المسلمين، فلا دلالة فيه على رد شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض (الجوهر النقى ٢٤٦:٢). قوله: نا زيد بن الحباب إلى آخر الباب: دلالة الآثار على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ظاهرة. وقول على رضى الله عنه: تجوز شهادة النصرانى على النصرانى لا يفيد ردها على اليهودى والمجوسى وغيرهما، كما لا يخفى. الجواب عن حجة من لم يقبل شهادة أهل ملة على أهل ملة أخرى من الكفار: وقد قال بعض الفقهاء من التابعين بقبول شهادة النصرانی والیهودی علی الیهودی دون النصرانى على اليهودى وعكسه كما ذكره ابن حزم واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ قلنا: هذا يستلزم رد شهادة النصرانى على النصرانى أيضا، وكذلك اليهودى على اليهودى، فإن معنى الآية: أغرينا بين الذين قالوا: إنا نصارى العداوة والبغضاء. وقال فى اليهود: ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ وأنتم لا تقولون برد شهادة أهل ٢٥٤ ج - ١٥ باب شهادة الخصی ٥٠٢٠- قال ابن أبى شيبة: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن ابن سيرين أن عمر أجاز شهادة علقمة الخصى على ابن مظعون (نصب الراية). ٥٠٢١- وأخرج أبو نعيم فى "الحلية" عن أبى المتوكل أن الجارود شهد على قدامة فى شرب الخمر فقال عمر رضى الله عنه: هل معك شاهد آخر؟ قال: لا. فقال عمر: يا جارود! ما أراك إلا مجلودًا قال: يشرب ختنك وأجلد أنا؟ فقال العلقمة الخصى لعمر: أتجوز شهادة الخصى؟ قال: ما بال الخصى لا يقبل شهادته؟ قال: فإنى أشهد أنى رأيته يقىء، فقال عمر: ما قاءها حتى شربها. فأقامه ثم جلده الحد (نصب الراية). ملة على جنسهم، وأيضا فقد تقدم أن العداوة الدينية وهى المرادة بالعداوة والبغضاء ههنا لا توجب رد شهادة الشاهد، وإنما توجبه العداوة الدنيوية ولا نزاع فيها، فلو شهد نصرانى على يهودى وبالعكس بل ونصرانى على نصرانى واتهم بالعداوة الدنيوية لم تقبل شهادته كما إذا اتهم بها مسلم علی مسلم، فافهم. وقد تقدم الجواب عن احتجاجهم بحديث أبى هريرة رفعه: ((لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة محمد عَّ)) فتذكر. وبهذا خرج الجواب عن بحث ابن الهمام رحمه الله فى هذا المقام حيث قال بعد تعليله رد شهادة المرتد بأنه لا ولاية له أصلا، وبأنه يتقول على المسلم لغيظه بقهره فكان متهما فيه، بخلاف أهل ملة على أهل ملة أخرى، لأنه وإن عاداه ليس أحدهم تحت قهر الآخر، فلا حامل على التقول عليه، قال: ولا يخفى ما فيه، إذ مجرد العداوة مانع من القبول، كما فى مسلم يعادى مسلما إلخ. الجواب عن بحث ابن الهمام فى هذا المقام: وحاصل الجواب: أن المرتد متهم بالعداوة الدنيوية، وهى الموجبة لرد الشهادة، بخلاف أهل ملة أخرى، فإنه ليس بمتهم بها، بل بالعداوة الدينية، وليست بمانعة من قبول الشهادة كما فى مسلم يعادى مسلما، فإن العداوة الدينية لا تحمل على التقول على الخصم كما مر، والله تعالى أعلم، ظ. باب شهادة الخصى أقول: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة ولكنه معارضة ما أخرجه عبد الرزاق أن عمر حد قدامة بشهادة جارود وأبى هريرة وتصديق امرأة قدامة، وليس فيه ذكر لعلقمة الخصى، كما فى ٢٥٥ إعلاء السنن باب شهادة ولد الزنا ٥٠٢٢- عن عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة رضى الله عنها أن أبا هريرة رضى الله عنه يقول: إن رسول الله عَّه قال: لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا، وإن رسول الله عّ لّه قال: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) و((أن الميت يعذب ببكاء الحى))، فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة! أساء سمعًا فأساء إصابةً. أما قوله: لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا أنها لما نزلت: ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة﴾ قيل: يا رسول الله! ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم؟ فقال رسول الله عَّله: ((لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن آمر بالزنا، ثم أعتق الولد)). "نصب الراية" (٢١٢:٢)، وقال ابن حجر فى "الفتح": سنده صحيح (فتح القدير ٢٤:١٣) فإن أمكن التوفيق فيها، وإلا فالترجيح لما رواه ابن سيرين، لأنه تابعه عليه أبو المتوكل، ولم يتابع رواية عبد الرزاق. ثم المسألة ثانية من الأصول، لأن الخصا لا دخل له فى رد الشهادة، فالأثر المذكور للاستشهاد لا للإثبات، فافهم. قال العبد الضعيف: وقد أخرج أبو على بن السكن من طريق على بن عاصم عن أبى ريحانة عن علقمة الخصى يقول: لما قدم الجارود على عمر قال: إن قدامة شرب الخمر، قال: من يشهد معك؟ قال: علقمة الخصى، قال: فأرسل إلى عمر فقال: أتشهد على قدامة؟ فقلت: إن أجزت شهادة خصى، قال: أما أنت فإنا نجيز شهادتك، فقلت: أنا أشهد على قدامة أنى رأيته تقيأ الخمر، قال عمر: لم يقأها حتى شربها الحديث، كذا فى "الإصابة" (٢٣٣:٥)، وأخرج ابن حزم فى "المحلى" من طريق سحنون: ثنا ابن وهب أنا السرى بن يحيى حدثنا الحسن البصرى فذكر نحوه (١٤٨:١١)، فهذه طرق عديدة تؤيد أثر ابن سيرين، ودلالتها على جواز شهادة الخصى إذا كان عدلا ظاهرة، ولا دلالة فيها على جواز إقامة الحد بمجرد الشهادة على تقىء الخمر، لما سنذكره إن شاء الله تعالی، ظ. باب شهادة ولد الزنا قوله: عن عروة إلخ. قال العبد الضعيف: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن شهادة ولد الزنا جائزة فى الزنا وغيره إذا كان عدلا، منهم عطاء والحسن والشعبى والزهرى والشافعى وإسحاق ج - ١٥ شهادة ولد الزنا . ٢٥٦ وأما قوله: ((ولد الزنا شر الثلاثة))، فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذى رسول الله عَ لّه، فقال: من يعذرنى من فلان؟ قيل: يا رسول الله! مع ما به ولد زنا. فقال رسول الله عَ له: ((هو شر الثلاثة)) والله عز وجل يقول: ﴿ولا تزر وازرة أخرى﴾، الحديث أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢١٥:٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الذهبى: كذا قال، وفيه سلمة بن الفضل (الأبرش)، لم يحتج به مسلم وقد وثق اهـ. قلت: وثقه ابن معين وهو أقعد الناس بهذا الشأن وثبته جرير فى ابن إسحاق. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا. وقال أبو داود: ثقة. وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا. وقال ابن عدى: أحاديثه متقاربة محتملة. وقال أبو حاتم: محله الصدق، یکتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وتكلم فيه ابن المدينى وإسحاق بن راهویه، كما فى "التهذيب" (١٥٣:٤). وأبو عبيد وأبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، وقال مالك واللیث: لا تجوز شهادته فی الزنا وحده، لأنه متهم، فإن العادة فى من فعل قبيحا أنه يحب أن يكون له نظراء، وحكى عن عثمان أنه قال: ودت الزانية أن النساء كلهن زنين. ولنا: عموم. الآيات، وأنه عدل مقبول الشهادة فى غير الزنا، فقبل فى الزنا كغيره ومن قبلت شهادته فى القتل كولد الرشدة. قال ابن المنذر: وما احتجوا به غلط من وجوه: أحدها أن ولد الزنا لم يفعل قبيحا يحب أن يكون له نظراء فيه. والثانی: أننی لا أعلم ما ذکر عن عثمان ثابتا عنه، وأشبه ذلك أن لا یکون ثابتا عنه، وغیر جائز أن يطلق عثمان كلاما بالظن عن ضمير امراة لم يسمعها تذكره. (وفيه أنه لم يقل ذلك عن امرأة بعينها وإنما ذكر عادة أهل السوء أنهم يودون أن يكون الناس كلهم أهل السوء أمثالهم، وهذا مما لا ينكره من وقف على العادات، فإن كل إناء يترشح بما فيه). الثالث: أن الزانى لو تاب لقبلت شهادته، وهو الذى فعل القبيح، فإذا قبلت شهادته مع ما ذكروه فغيره أولى، فإنه لا يجوز أن يلزم ولده من وزره أكثر مما لزمه، وما يتعدى الحكم إلى غيره من غير أن يثبت فيه مع أن ولده لا يلزمه شىء من وزره لقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وولد الزنا لم يفعل شيئا يستوجب به حكما، كذا فى "المغنى" (٧٣:١٢). وقال ابن حزم فى "المحلى": وقال مالك والليث: يقبل فى كل شىء إلا فى الزنا، وهذا فرق لا نعرفه عن أحد قبلهما، قال الله عز وجل: ﴿فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانکم فی الدین 17 إعلاء السنن ٢٥٧ باب قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء ٥٠٢٣- أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب الزهرى قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن، رواه عبد الرزاق فی "مصنفه" (زیلعی ٢٠٨:٢)، وسنده صحيح. ٥٠٢٤- ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعى عن الزهرى قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن وتجوز شهادة القابلة وحدها فى الاستهلال، رواه ابن أبى شيبة (الجوهر النقى ٢٤٤:٢). قال: وفى "المحلى" لابن حزم: وصح عن ابن عباس وعن عثمان وعلى أمير المؤمنين وابن عمر والحسن البصرى والزهری اهـ. ومواليكم﴾، وإذا كانوا إخواننا فى الدين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، فإن قيل: قد جاء ((ولد الزنا شر الثلاثة))، قلنا: هذا عليكم لأنكم تقبلونه فيما عدا الزنا، ومعنى هذا الخبر عندنا أنه فى إنسان بعينه للآية التى ذكرنا اهـ (٤٣٠:٩). قلت: قد أول ابن حزم الحديث برأيه ولم يذكر له مستندا من السنة وقد ظفرت به - لله الحمد- عن عائشة رضى الله عنها عند الحاكم فى "المستدرك" وهو صریح فى أن قوله: ((ولد الزنا " شر الثلاثة)) كان فى إنسان بعينه، وفيه دلالة على عظيم منزلة عائشة رضى الله عنها فى فقه الحديث وأنها کانت منه بمکان فلله درها. باب قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء قوله: أخبرنا ابن جريج إلخ. قال العبد الضعيف: وروى محمد بن الحسن الإمام فى أول باب شهادات النساء من الأصل عن أبى يوسف عن غالب بن عبد الله (الصحيح: ابن عبيد الله، كما فى "الميزان") عن مجاهد وعن سعيد بن المسيب وعن عطاء بن أبى رباح وطاوس قالوا: قال رسول الله عّ لّه: شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه، قال المحقق فى "الفتح": وهذا مرسل يجب العمل به اهـ. قلت: وكيف يجب العمل به، وغالب ضعيف لم يوثقه أحد فيما علمنا، وترجمته مستوفاة فى "الميزان" و"اللسان" (٤١٤:٤) اللهم إلا أن يقال: إنه قد تأيد ج - ١٥ قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء ٢٥٨ ٥٠٢٥- عن الثورى عن أشعث عن الحسن والشعبى قالا: يجوز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال، رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (الجوهر النقی ٢٤٤:٢)، وسنده صحيح. ٥٠٢٦- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كان يجيز شهادة المرأة على الاستهلال فى الصبى. قال محمد: وبه نأخذ إذا كانت عدلا مسلمة. وكان أبو حنيفة يقول: لا تقبل على الاستهلال إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فأما الولادة من الزوجة فتقبل فيها شهادة المرأة، إذا كانت عدلا مسلمة، فهذا عندنا سواء (كتاب الآثار ص ٩٥). بما رواه الدار قطنى فى "سننه" من طريق محمد ابن عبد الملك الواسطى عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة عن النبى مرّ أنه أجاز شهادة القابلة. قال الدار قطنى: محمد بن عبد الملك لم يسمع من الأعمش، بينهما رجل مجهول وهو أبو عبد الرحمن المدائنی اهـ من الزيلعى (٢٠٩:٢) قلت: وكيف يكون مجهولا وقد روى عنه ثقتاه: أحدهما محمد بن عبد الملك هذا والثانى حبرول بن جيفل أبو توبة النمیری، وهو صدوق، كما فى "اللسان" (١٠١:٢ و٤٠٦:٦)، ومذهب الدارقطنى أن من روى عنه ثقتان ارتفعت جهالة حاله وثبتت عدالته كما مر فى المقدمة، فالحديث صالح للاحتجاج، ولا أقل من أن يستشهد به. وأيضا فقول الدارقطنى أن محمد بن عبد الملك لم يسمع من الأعمش محل تأمل، فيحتمل أن يكون هذا هو محمد بن عبد الملك عبد الواسطى الكبير أبو إسماعيل وهو يروى عن إسماعيل بن أبى خالد ويحيى بن أبى كثير وغيرهما من طبقة الأعمش، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "التهذيب" (٣١٨:٩)، وقد تأيد هذا المرفوع بمرسل ابن شهاب المذكور فى المتن، وله طرق عديدة، كما فى الزيلعى وبما رويناه عن على وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وروينا ذلك عن أبى بكر، وهو قول الزهرى والنخعى والشعبى والحسن البصرى وشريح وأبى الزناد ويحيى بن سعيد الأنصارى وحماد بن أبى سليمان قال: وإن كانت يهودية، كل ذلك قالوه فى الاستهلال إلا الشعبى وحمادا فقالا فى كل ما لا يطلع عليه إلا النساء وهو قول الليث بن سعد، وقال الثورى: يقبل فى عيوب وما لا يطلع عليه إلا النساء المرأة الواحدة، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، وصح عن ابن عباس رضى الله عنهما، كما فى "المحلى" (٣٩٩:٩)، وفى كل ذلك دليل على صحة ما روى فى الباب مرفوعا، والله تعالى أعلم. ٢٥٩ إعلاء السنن قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء ٥٠٢٧- عن جابر عن عبد الله بن نجى عن على قال: شهادة القابلة جائزة فى الاستهلال، لفظ "الدار قطنى" (٥٢٤:٢). ولفظ عبد الرزاق عن الثورى به: أن عليًا أجاز شهادة المرأة القابلة وحدها فى الاستهلال (زيلعى ٢٠٨:٢)، وقال: هذا سند ضعیف، فإن الجعفی وابن نجی فيهما مقال اهـ. وجه الاستدلال بقوله عليه السلام: ((شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه)) أن الجمع المحلى باللام يراد به الجنس إذا لم يكن ثمه معهود، والكل ليس بمراد قطعا، فيراد به الأقل ضرورة بطلان العدد بواسطة الجنسية، وهو حجة على الشافعى رحمه الله فى اشتراط الأربع، وعلى ابن أبى ليلى فى اشتراط الثنتين. ذكره فى "المبسوط"، وذكر فى الإيضاح مالكا. مكان ابن أبى ليلى، ولمالك أن المعتبر فى الشهادة أمران: العدد والذكورة، فبقى العدد. ولنا ما ذكرنا من الحديث مرفوعا ومن أقوال الصحابة والتابعين موقوفة عليهم، وفيه دلالة على كفاية المرأة(١) الواحدة فى ما لا يطلع عليه الرجال. وفى "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: أجمع الصحابة على أن المرأة الواحدة مقبولة على الولادة. (الجوهر النقى ٢٤٤:٢)، وقال الموفق فى "المغنى": يقبل فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الرضاع(٢) والولادة والحيض والعدة وما أشبهها شهادة امرأة عدل، لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى قبول شهادة النساء المنفردات فى الجملة، وقد روى عن على رضى الله عنه أنه أجاز شهادة القابلة وحدها فى الاستهلال. رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور، إلا أنه من حديث جابر الجعفى، وأجازة شريح والحسن والحارث العكلى وحماد اهـ (١٧:١٢). وأما شهادتهن على استهلال الصبى فتقبل فى حق الصلاة عليه بالاتفاق، أما فى حق الإرث فعندهما كذلك، وعند أبى حنيفة: لا تقبل إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، لأن الاستهلال صوت مسموع والرجال والنساء فيه سواء، فكان مما يطلع عليه الرجال، بخلاف الولادة فإنها (١) فإن شهد الرجل بذلك تقبل شهادته وحده لأنه أكمل من المرأة، فإذا اكتفى بها وحدها فلأن يكتفى به أولى، ولأن ما قبل فيه قول المرأة الواحدة قبل فيه قول الرجل كذا فى "المغنى" (١٨:١٢) ولو شهد بالولادة فقال: فأجأتها فاتفق نظرى إليها تقبل إذا كان عدلا، ولو قال: تعمدت النظر اختلف المشائخ فيه، فقال بعضهم: تقبل، وبعضهم: لا، قاله المحقق فى "الفتح" (٤٥٥:٦)، وذهب الأصطخرى من الشافعية إلى أن شهادة الرجال لا تقبل فيما لا يطلع عليه غير النساء، كذا فى "فتح البارى" (١٩٨:٥)، ظ. (٢) فيه خلاف أبى حنيفة وأصحابه، ظ. ج - ١٥ قبول شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال من عورات النساء ٢٦٠ قلت: أما جابر فوثقه الثورى وشعبة، وأما ابن نجى فقال النسائى: ثقة، وذكره ابن حبان فى "الثقات" مع تعنتهما فى الجرح، وقال البزار: سمع هو وأبوه من على، كذا انفصال الولد من الأم، فلا يطلع عليه الرجال، وهما يقولان: صوته يقع عند الولادة، وعندها لا يحضر الرجال، فصار كشهادتهن على نفس الولادة، وبقولهما قال الشافعى وأحمد وهو أرجح كما فى "فتح القدير" (٤٥٥:٦) ويؤيدهما ما ذكره ابن حزم فى "المحلى": روينا ذلك عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وأن عمر ورث بذلك اهـ (٣٩٩:٩). لا يثبت الرضاع قضاء إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين: فائدة: لا تقبل شهادة النساء منفردات على الرضاع عندنا، لأنه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال، فلم يثبت بالنساء منفردات، بل لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين. قال الحافظ فى "الفتح": وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفى فى ذلك شهادة المرضعة لأنها شهادة على فعل نفسها. وقد أخرج أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة ابن شعبة وعلى بن أبى طالب وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت ببينة، وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت اهـ (١٩٨:٥)، سكت الحافظ عنه فهو حسن أو صحيح عنده على أصله الذى مر ذكره غير مرة، والبينة إنما هو رجلان أو رجل وامرتان. واحتج من قبل شهادة المرضعة وحدها ومنهم أحمد وهو قول الأوزاعى، ونقل عن عثمان وابن عباس رضى الله عنهم والزهرى والحسن وإسحاق بحديث عقبة بن الحارث عند البخارى وغيره أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكت ذلك للنبى مّ له، فأعرض عنى. قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: و کیف وقد زعمت أنها قد أرضعتگما؟ فنهاه عنها. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: فرق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم. قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، وأجيب بأنه معَِّ لم يلزم عقبة بفراق امرأته بل قال له: دعها عنك. وفى رواية: ((کیف قد زعمت)). زاد الدار قطنى فى رواية أيوب فى آخره: لا خير لك، فأشار إلى أن ذلك على التنزيه. كذا فى "فتح البارى" أيضا. وعليه يحمل ما روى عن عثمان ومعناه: أنه أمر ناسا تناكحوا أن يفارقوا أزواجهم تنزها بقول امرأة سوداء زعمت أنها أرضعتهم.