Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٣
إعلاء السنن
إبانة الهائلة بجوارباب الحكم بين أهل الذمة مجاالتالية: 14.5
١٥٠: ٤٩٣٤٦- عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله عّ لّه، فذكروا أن رجلا
المرسلة فإن القضاء إنما شرع لقطع المنازعة بين كل مدعيين من كل وجه، فليقولوا بنفاذ القضاء
ظاهرا وباطنا فى الأملاك المرسلة أيضا بهذا الدليل ولا قائل به، فالحق أن المسألة ليست من المسائل
الاجتهادية التى وقع فيها الخلاق بالاجتهاد، بل من المسائل السمعية التى لا طريق إلى معرفتها
حقيقة بالرأى، وقد ذكرنا فى المتن من النصوص وأقوال الصحابة ما يصلح حجة للإمام، وكل ما
ذكره صاحب "المبسوط" وغيره من الفقهاء من العلة فليست بعلة للحكم بل هى من باب تعليل
النصوص، ولا يخفى على الفقيه ما بينهما من الفرق، فافهم، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم.
قال الشيخ فى "بوادر النوادر" نقلا عن "الهداية" قبيل باب الأولياء والأكفاء لأبى حنيفة:
إن الشهود صدقة عنده وهو الحجة لتعذر الوقوف على حقيقة الصدق بخلاف الكفر والرق لأن
الوقوف عليهما متيسرٍ، وإذا ابتنى القضاء على الحجة، وأمكن تنفيذه باطنا بتقديم النكاح نفذ قطعا
للمنازعة، بخلاف الأملاك المرسلة لأن فى الأسباب تزاحما فلا إمكان اهـ. وفى الحاشية لعبد
الغفور: قوله: أمكن تنفيذه إما بأن يجعل هذا القول من القاضى إنشاء النكاح أو يثبت بالاقتضاء إذا
كان محمولا على الخبر (وفيه رد على بعض الأحباب حيث حمله على الإنشاء فقط).
، قال الشيخ: وبهذا ظهر الجواب عما عسى أن يرد أن الفقهاء قالوا: إن القضاء مظهر لا
مثبت؛ والإظهار يتوقف على التحقق فى الواقع ولم يكن، فبطل الإظهار فبطل القضاء، وجه
الجواب أن كونه إظهارا حيث لا تمس الحاجة إلى كونه إثباتا وههنا قد مست فيجعل إنشاء، ولو
سَلم كونه إظهارا مطلقا حكم بكونه واقعا على سبيل الاقتضاء بضرورة الدليل، ثم يجعل هذا
القضاء إظهارا له فلذا بنى المحشى الحكم على كلا الاحتمالين، فافهم. وأيضا فى الحاشية له: قوله:
لأن فى الأسباب تزاحما أى إنما لا يوجب الملك الباطنى ههنا لأن وجود الملك الذى هو مسبب
بدون السبب محال، والسبب متعدد كالهبة والإرث والشراء، ولها أحكام مختلفة، ولا يجوز أن
يثبت سبب باقتضاء حكم القاضى لمعارضة بعض الأسباب بعضا، فيلزم الترجيح من غير مرجح،
ولما لم يمكن تقدير السبب لم يمكن تقدير المسبب بحسب الواقع هة ..
باب الحكم بين أهل الذمة
مختب فع
واحتج به أصحابنا على أن للإمام أن يحكم بين أهل الذمة حكموه أم لا، لأن الزانية والزانى

١٢٢
الحكم بين أهل الذمة
ج - ١٥
منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله عَّ ◌ُله: ما تجدون فى التوراة فى شأن الزنا؟ فقالوا:
نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة،
يوجد بينهما التحكيم، واللذين رفعوا الأمر لم يكن التحكيم إليهم وقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك
فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ ليس منه اشتراط التحكيم، وإنما فيه التخيير بين الحكم والإعراض
بعد رفع القصة إليه، وليس فى هذا التخيير اشتراط التحكيم، بل معناه: أنهم إن رفعوا إليك القصة
فاحكم بينهم إن رأيت قوة إنفاذ الحكم، أو أعرض عنهم إن لم تر ذلك، فإن قيل: إنه قد علق
الحكم بالمجىء، فينتفى بانتفاءه قلنا: ليس فى الشرط دلالة على انتفاء المعلق به بانتفاءه فلا حجة
للقائل باشتراط التحكيم فى الآية، ولا حاجة إلى القول بالانتساخ، فاعرف ذلك.
قال العبد الضعيف: وهذا كله كلام من لم يطلع على مذهب الحنفية فى الباب، والذى
ذكره إنما هو مذهب أصحابنا فى عقود المعاملات من البيوع والتجارات والمواريث والحدود؛ أهل
الذمة والمسلمون فيها سواء إلا أنهم لا يرجمون لكونهم غير محصنين. (ورجمه مُ ◌ّه اليهوديين
إنما كان بحكم التوراة، بدليل ما فى حديث أبى هريرة عند أبى داود من قوله مرّ له: فإنى أحكم بما
فى التوراة، وأما قول الحافظ فى "الفتح": إن فى سنده رجلا مبهما فلا يضرنا، لأن المجهول فى
القرون الفاضلة مقبول عندنا.
وأيضا فإن سياق الحديث عند الشخين مؤيد لما صرح به هذا المبهم لا سيما وقوله تعالى:
﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ صريح فى أنه مع طي حكم بينهم بحكم
التوراة فافهم) وأما سوى ذلك من المناكحة وما يتعلق بها من الطلاق والعدة فقال أبو حنيفة: هم
مقرون على أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا بأحكامنا، فإن رضى بها الزوجان حملا
على أحكامنا وإن أبى أحدهما لم يعترض عليهم، فإذا تراضيا جميعا حملهما على أحكام الإسلام
إلا فى النكاح بغير شهود والنكاح فى العدة، فإنه لا يفرق بينهم، وكذلك إن أسلموا، وقال
محمد: إذا رضى أحدهما حملا جميعا على أحكامنا. وإن أبى الآخر إلا فى النكاح بغير شهود
خاصة، وقال أبو يوسف: يحملون على أحكامنا وإن أبوا، إلا فى النكاح بغير شهود، نجيزه إذا
ترضوا بها، فأما أبو حنيفة فإنه يذهب فى إقرارهم على مناكحاتهم إلى أنه قد ثبت أن النبى عد اله
أخذ بالجزية من المجوس مع علمه بأنهم يستحلون نكاح ذوات المحارم، ومع علمه بذلك لم يأمر
بالتفرقة بينهم حين عقد لهم الذمة من أهل نجران ووادى القرى وسائر اليهود والنصارى الذين
دخلوا فى الذمة يستحلون كثيرا من عقود المناكحات المحرمة، ولم يأمر بالتفرقة بينهم وفى ذلك
دليل على أنه أقرهم على مناكحاتهم كما أقرهم على مذاهبهم الفاسدة، واعتقاداتهم التى هى

١٢٣
الحكم بين أهل الذمة
إعلاء السنن
فنشروها فجعل أحدهم يده على آية الرجم ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد
الله بن سلام: ارفع يدك، فرفعها فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية
ضلال وباطل، ألا ترى أنه لما علم استحلالهم للرباء كتب إلى أهل نجران: إما أن تذروا الرباء، وإما أن تأذنوا
بحرب من الله ورسوله، فلم يقرهم عليه. (وهذا يدل على التفرقة بين المناكحات وسائر المعاملات.
وأما ما روى عن عمر أنه أمر بالتفريق بين ذوى المحارم من المجوس فكان قبل أن يسمع من
عبد الرحمن بن عوف أنه مَِّ أخذ الجزية من مجوس هجر كما مر ذكره مفصلا فى كتاب
الجهاد فلا يفيده) وإنما اعتبر أبو حنيفة تراضيهما جميعا بأحكامنا فيما هم مقرون فيه على
أحكامهم لا يعترض عليهم فيه من قبل قول الله تعالى: ((فإن جاءوك فاحكم بينهم)) فشرط
مجيئهم، فلم يجز الحكم على أحدهما بمجىء الآخر.
فإن قيل: إذا رضى أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الإسلام فيصير بمنزلته لو أسلم فيحمل
الآخر معه على حكم الإسلام؟ قلنا: هذا غلط لأن رضاه بأحكامنا لا يلزمه ذلك إيجابا، ألا ترى أنه
لو رجع عن الرضا قبل الحكم عليه لم يلزمه إياه، وبعد الإسلام يلزمه الرضاء بأحكامنا، وأيضا إذا
لم يجز أن يعترض عليهم إلا بعد الرضا بحكمنا فمن لم يرض به مبقى على حكمه لا يجوز إلزامه
حكما لأجل رضا غيره، وذهب محمد إلى أن رضا أحدهما يلزم الآخر حكم الإسلام كما لو
أسلم، وذهب أبو يوسف إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾
اهـ ملخصا من "أحكام القرآن" للجصاص (٤٣٨:٢).
وفيه أيضا قال الله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ ظاهر ذلك يقتضى
معنيين: أحدهما تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم، والثانى: التخيير بين الحكم
والإعراض إذا ارتفعوا إلينا، وقد اختلف السلف فى بقاء هذا الحكم فقال قائلون منهم: إذا ارتفعوا
إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم، وقال آخرون: التخيير
منسوخ فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير، فمن أخذ بالتخيير عند مجيئه إلينا: الحسن
والشعبى وإبراهيم رواية وروى عن الحسن خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم وإذا ارتفعوا إليكم
فأقيموا عليهم ما فى كتابكم ورى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس(١) قال:
آيتان نسختا من سورة المائدة: آية القلائد وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾، فكان
(١) رواه أبو داؤد من طريق يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس مختصراً (٣٣٠:٣).

١٢٤
الحكم بين أهل الذمة
ج - ١٥
الرجم، فأمر لهما رسول الله عَ لّه فرجما، قال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحفى
على المرأة يقيبها الحجارة. رواه أبو داود، وسكت عنه، قلت: بل هو صحيح، أخرجه
الشيخان وغيرهما.
رسول الله عَ لّ مخيراً إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم، حتى نزلت:
﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ فأمر رسول الله عَّه أن يحكم بينهم بما أنزل
الله فى كتابه.
وروي عثمان عن عطاء الخراسانى عن ابن عباس فى قوله: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم
أو أعرض عنهم﴾ قال: نسخها قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وروى سعيد بن
جبير عن الحكم عن مجاهد مثله، روى سفيان عن السدى عن عكرمة مثله، قال الجصاص: فذكر
هؤلاء أن قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ناسخ للتخيير المذكور فى قوله: ﴿فإن جاءوك
فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأى لأن العلم بتواريخ نزول
الآى لا يدرك بالرأى والاجتهاد، وإنما طريقه التوقيف . ...
ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ قبل أن تعقد
لهم الذمة، ويدخلوا تحت أحكام الإسلام بالجزية، فلما أمر الله بأخذ الجزية منهم وجرت عليهم
أحكام الإسلام أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله، فيكون حكم الآيتين جميعا ثابتا التخيير فى أهل
العهد الذین لا ذمة لهم ولم یجبر علیہم أحکام المسلمین، کأهل الحرب إذا هادناهم یؤیده ما روی
محمد(١) بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية إنما نزلت فى الدية بنى
قريظة والنضير، ومعلوم أن بنى قريظة والنضير لم تكن لهم ذمة قط، وإنما كان بينه وبينهم عهد
وهدنة فنقضوها فاجلوا وقتلوا
وروى عن ابن عباس وعن الحسن ومجاهد والزهرى أنها نزلت فى شأن الرجم حين
تحاكموا إليه وهؤلاء أيضا لم يكونوا أهل ذمة، فجائز أن يكون حكمهما باقيا فى أهل الحرب من
أهل الصلح، وحكم الآية الأخرى فى وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله ثابتا فى أهل الذمة، فلا
يكون فينها نسخ، وهذا تأويل سائغ لولا ما روى عن السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى والذى
ثبت نسخه من ذلك هو التخيير فأما شرط المجىء منهم فلم تقم الدلالة على نسخه فينبغى أن يكون
(١) رواه أبو داود والنسائى، وسنده حسن (عون المعبود ٣٣٠:٣).

١٢٥
إعلاء السنن
باب فى القضاء فى حالة الغضب
سطر
٤٩٣٥- عن أبى بكرة قال: سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((لا يقضين حاكم بين
حكم الشرط باقيا (فى الأحكام التى أقررناهم عليها، ولا نعترض عليهم فيها كالنكاح والعدة
ونحوها)، فيكون تقديره مع الآية الأخرى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ اهـ ملخصا.
وبه تبين أن الحق هو القول بنسخ التخيير، وهو المروى عن السلف، وأن أبا حنيفة قائل
بتعليق الحكم بالمجىء فى الأحكام التى أقررنا أهل الذمة عليها ولم نعترضهم فيها، فلا نحكم عليهم
فيها بحكم شرعنا ما لم يتحاكموا إلينا، فكلام بعض الأحباب ههنا لا يخلو عن تمحل، فافهم.
وممن ذهب إلى بقاء التخيير مالك رحمه الله فإنه قال: الحاكم مخیر إذا اختصموا إليه بین أن
يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يعرض عنهم فلا يحكم بينهم، وكذلك قوله فى العقود والمواريث
وغيرها، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٤٣٦:٢)، وهو قول أحمد أيضا، فقد قال الموفق
فى "المغنى: وإذا تحاكم إلينا مسلم مع ذمى وجب الحكم بينهم. (ولا يحكم إلا بحكم الإسلام
وهذا بالإجماع) لأن علينا حفظ الذمى من ظلم المسلم وحفظ المسلم منه، وإن تحاكم بعضهم مع
بعض، أو استعدى بعضهم على بعض خير الحاكم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، لقول الله
تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾، فإن حكم بينهم لم يجكم إلا بحكم
الإسلام لقول الله تعالى: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾، وقال: ﴿وأن احكم بينهم بما
جنا ملتار واندرمانالفوليك
أنزل الله﴾ اهـ (٦٢٤:١٠).
الاعداً وفى "تفسير الجلالين": هذا التخيير منسوخ بقوله: ﴿وأن احكم بينهم﴾ الآية؛ فيجيب
الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا، وهو أصح قولى الشافعى. (وكذا إذا لم يترافعوا إلينا، بل استعدى
بعضهم على بعض فى عقود المعاملات والتجارات والمواريث والحدود، وإنما يشترط الترافع إلينا فى
المناكحات وما يتعلق بها مما أقررناهم فيها على دينهم وهذا قول أبى حنيفة. قال: ولو ترافعوا إلينا
مع مسلم وجب إجماعا اهـ من عون المعبود" (٣٣٠:٣) هذا، ولله الحمد على ما علم وفهم . .
باب فى القضاء فى حالة الغضب
قوله: لا يقضين إلخ أقول: قال الشوكانى فى"النيل": قال المهلب: سبب هذا النهى أن
الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار، وقال ابن
دقيق العيد: النهى عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذى يختل به النظر،

١٢٦
القضاء فى حالة الغضب
ج - ١٥
اثنين وهو غضبان))، رواه الجماعة، كذا فى "المنتقى" (نيل ٥٢٣:٨).
فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير
الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء
النظر، وهو قياس مظنة، وكان الحكمة فى الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس
وصعوبة مقاومته بخلاف غيره.
ثم قال: وظاهر النهى التحريم، ولا يوجب لصرفه عن معناه الحقيقى إلى الكراهة، فلو خالف
الحاكم فحكم فى حالة الغضب فذهب الجمهور إلى أنه يصح إن صادف الحق لأنه مێ قضی
للزبير بعد أن أغضبه الأنصارى، فكأنهم جعلوا ذلك قرينة صارفة للنهى إلى الكراهة، ولا يخفى أنه
لا یصح إحاق غيره مګے به فى مثل ذلك، لأنه معصوم عن الحكم بالباطل فى رضائه وغضبه، وأما
غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ فى الحکم، ولهذا ذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا ينفذ الحكم فى
حال الغضب لثبوت النهى عنه، والنهى يقتضى الفساد، وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ
عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر، وإلا فهو محل الخلاف.
قال الحافظ ابن حجر: وهو تفضيل معتبر؛ وقيد إمام الحرمين والبغوى الكراهة بما إذا كان
الغضب لغير الله واستغرب الرديانى هذا واستعبده غيره لمخالفته بظاهر الحديث وللمعنى الذى لأجله.
نهى عن الحكم حال الغضب، ثم قال: وقد تعقب القول بالتحريم وعدم انعقاد الحكم بأن النهى
الذى يفيد فساد المنهى عنه هو ما كان لذات المنهى عنه أو جزئه أو لوصفه اللازم له لا المفارق كما
مضى، وكما فى النهى عن البيع حال النداء للجمعة، وهذه قاعدة مقررة فى الأصول مع اضطراب
فيها وطول نزاع وعدم اطراد اهـ. والحق أن الغضِلب لا يبطل القضاء؛ لأنه إن وقع حقا، ظهر أنه لا
دخل فيه للغضب، وإن وقع باطلا، فبطلانه لمكونه باطلا لا للغضب - والننهى عنه إرشادى فقط،
والله أعلم. قال العبد الضعيف، ولا خلاف فى كراهة القضاء فى حال الغضب. قال الموفق فى
"الغنى". لا خلاف بين أهل العلم فیما علمناه فى أن القاضی لا ینبغی له أن یقضی وهو غضبان،
کره ذلك شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والشافعى، وكتب أبو بكرة، فذكر حديث المتن
متفق عليه.
وكتب عمر إلى أبى موسى: إياك والغضب، والفلق، والضجر، والتأدى بالناس، والتنكر
لهم عند الخصومة، فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه. ولأنه إذا غضب تغيير عقله،
ولم يستوف رأيه وفكره، وفى معنى الغضب كل ما شغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد
ونحوهما. (فقد أخرج البيهقى بسند ضعيف عن أبى سعيد رفعه: ((لا يقض القاضى إلا وهو شبعان

١٢٧
إعلاء السنن
باب فى بقية آداب القضاء
٤٩٣٦- قال الحسن: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس
ولا يشتروا بآياته ثمنًا قليلا، ثم قرأ: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحکم بین
الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ وقرأ: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى
ونور﴾ إلى قوله: ﴿فلا تخشوا الناس واخشونى ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا﴾. وقرأ:
ريان)) اهـ (فتح البارى ١٢١:١٣)، فإن حكم فى الغضب أو ما شاكله فحكى عن القاضى أنه لا
ينفذ قضاؤه؛ وقال فى المجرد: ينفذ قضاؤه، وهو مذهب الشافعى، ثم ذكر قضاءه مّ لغ فى شراج
الحرة وقد أغضبه الأنصارى متفق عليه (٣٩٥:١١).
باب فى بقية آداب القضاء
قوله: قال الحسن إلخ. قال العبد الضعيف: ذكر الحافظ فى "الفتح" عن أبى على الكرابيسى
-صاحب الإمام الشافعى- فى كتاب آداب القضاء له قال: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا أن.
أحق الناس أن يقضى بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه قارئا لكتاب الله عالما بأكثر
أحكامه عالما بسنن رسول الله عَ لّه حافظا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة عالما بالوفاق والخلاف
وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقیم یتبع فى النوازل الكتاب؛ فإن لم يجد فالسنن، فإن
لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر
الصحابة عمل به، ویکون کثیر المذا کرة مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع، ويكون
حافظا للانه وبطنه إفر جه، فهما بکلام الخصوم، ثم لا بد أن یکون عاقلا مائلا عن الهوى، وهذا
وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات ولكن يجب أن يطلب من أهل
كل زمان أكملهم وأفضلهم، وقال المهلب: لا يكفى فى المستحباب(١) القضاء أن يرى نفسه أهلا
لذلك بل أن يراه الناس (من أصحاب المعرفة) أهلا لذلك.
وقال ابن حبيب عن مالك: لا بد أن يكون القاضى عالما عاقلا، قال ابن حبيب: فإن لم یکن
علم فعقل وورع لأنه بالورع يقف وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده، وإذا طلب العقل لم.
يجده اهـ (١٢٩:١٣).
(١) وهو كما قال الشاعر:
بنمای بصاحب نظری گوهر خود را
عیسی نتوا گشت بتصدیق خری چند

ج - ١٥
بقية آداب القضاء
١٢٨:١٤
﴿وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث) إلى قوله: ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا
حكمًا وعلمًا﴾، فحمدٍ سليمان ولم يلم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين لرأيت أن
القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه -أى فهمه- وغذو هذا باجتهاده. علقه
البخارى ووصله أبو نعيم فى الجلية، وبعضه فى تفسير ابن أبى حاتم وفى المجالسة
للدينورى، وفى الأمالى للصولى يزيد بعضهم على بعض من طريق حماد بن سلمة عن
حميد الطويل عن الحسن (فتح البارى) (٣٠:١٣).
الاسم.
إعليـ
. وفى الخراج للإمام أبى يوسف رحمه الله قال: حدثنا مسعر عن رجل عن عمر رضى الله
عنه قال: لا يقيم أمر الله إلا رجل لا يضارع ولا يضائع، ولا يتبع المطامع، ولا يقيم أمر الله إلا رجل
لا ينتقص غربه ولا يكظم فى الحق على خربه اهـ (ص١٧).
اجتهاد النبی فی الأحکام . ...
نأ، وفى قول الحسن: ولو لا منا ذكر الله من أمر هذين أى داود وسليمان- لرأيت أن القضاة
هلكوا إلخ. دليل على أن النبى أن يجتهد فى الأحكام ولا ينتظر نزول الوحى لأن داود عليه
السلام على ما ورد اجتهد فى المسألة المذكورة قطعا، لأنه لو كان قضى فيها بالوحى ما خص الله
سليمان بفهمها دونه، ومن تأمل القصة ظهر له أن الاختلاف بين الحكمين كان فى الأولوية لا فى
العمد والخطأ، ويكون معنى قول الحسن: حمد سليمان أى لموافقة الطريق الأرجح، ولم يذم داود
لاقتصاره على الطريق الراجح (فتح البارى (١٣٠:١٣).٦.
٢٠) ومما يدل على اجتهاد النبى فى الأحكام بحديث أم سلمة عند الشيخين وغيرهما مرفوعا:
(إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضى
له بذلك، فمن قضيت ه بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليعربكه)) قال الحافظ فى
"الفتح": وفيه أنه مرّ ◌ُّ كان يقضى بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شىء، وخالف فى ذلك قوم
(منهم ابن خزم ومن تبعه) وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم، وفيه: أنه ربما أداه اجتهاده
إلى أمر فيحكم به يكون فى الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه عن له الثبوت
عصمته، واحتج من منع مطلقا بأن الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول أولى بذلك لعلو مرتبته،
والجواب أن الملازمة مردودة فإن الإجماع إذا فرض وجوده دل على أن مستندهم ما جاء عن
الرسول، فرجع الاتباع إلى الرسول لا إلى نفس الإجماع إهـ (١٥٢:١٣) ملخصا. قلت: وكما
١

١٢٩
بقية آداب القضاء
إعلاء السنن
٤٩٣٧- عن عمر رضى الله عنه أنه قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن
فصل القضاء يورث الضغائن. أحسن طرقه محارب بن دثار عن عمر، قال: ابن حزم:
ومحارب لم يدرك عمر (المحلى ٤٢٣:٩)، وقد أدرك ابنه وعبد الله بن يزيد الخطمى
وجابرًاً، وهو حجة مطلقًا تابعى ثقة مأمون من رجال الجماعة قد كملت فيه خصال
السؤدد. وقال سفيان: ما يخيل إلى أنى رأيت زاهدًا أفضل من محارب اهـ من
"التهذيب" (١: ٥٠)، وإرسال مثله حجة عندنا وعند الجمهور، فقول ابن حزم لا يصح
رد عليه وله شاهد.
يرجع الاتباع فى الإجماع إلى الرسول كذلك يرجع إليه فى قياس المجتهد أيضًا.
مقلد الإجماع متبع للرسول وكذا مقلد المجتهد:
فكما أن مقلد الإجماع متبع للرسول كذلك مقلد المجتهد، فإن الجاهل مأمور باتباع العالم
والسؤال عنه كما أن الأمة مأمورة بتقليد إجماع الصحابة والمجتهدين بعدهم. قال تعالى: ﴿فاسئلوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، ومن ادعى الفرق، فعليه البيان.
يستحب للحاكم أن يدعو الخصم إلى الصلح
لا سيما فى موضع الاشتباه:
قوله: عن عمر إلى قوله: وقد وقع لعمر إلخ. دليل على أن القاضى مندوب إلى أن يدعو
الخصم إلى الصلح خصوصا فى موضع اشتباه الأمر، وذكر محمد فى "الأصل" من طريق عامر هو
الشعبى قال: كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية رضى الله عنهما كتابا فى القضاء وفيه: وعليك
بالصلح بين الناس ما لم يستين لك فصل القضاء، وفى كتابه" إلى أبى موسى: والصلح جائز بين
المسلمين إلا صلحا أحل حراما، وفيه دليل على جواز الصلح وإشارة إلى أن القاضى مأمور بدعاء
الخصمين إلى الصلح، وقد وصف الله تعالى الصلح بأنه خير وذلك دليل النهاية فى الخيرية، كذا
فى "المبسوط" (٦١:١٦ و٦٢).
وبوب البخارى فى "الصحيح": هل يشير الإمام بالصلح؟ وأشار به إلى الخلاف فإن
الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ومنع من ذلك بعضهم
وهو عن المالكية، واحتج البخارى لترجمة الباب بحديث عائشة رضى الله عنها تقول: سمع رسول
الله عَّه صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه فى شىء

١٣٠
بقية آداب القضاء
ج - ١٥
٤٩٣٨- كتب عمر إلى أبى موسى فى رسالته المشهورة: اجعل لمن ادعى حقًّا
غائبًا أو بينة أمدًا ينتهى إليه، فإن أحضر بينة إلى ذلك الأمد أخذت له بحقه، وإلا
أوجبت عليه القضاء، فإنه أبلغ للعذر وأجلى للعمى. وقد مر أنه رسالة تلقاها العلماء
بالقبول. رواه الدار قطنى بسندين أحدهما ضعيف والآخر رجاله ثقات.
١
وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله عَّ يّ فقال: أين المتألى على الله لا يفعل
المعروف، فقال: أنا يا رسول الله! فله أى ذلك أحب، وفيه: أنه مرّه أشار بالصلح بعد معرفته باتجاه
الحق لأحد الخصمين لكون الأخر يستوضعه ويسترفقه فيه، وهو اعتراف منه بأن الخصم يستحق
عليه ما يطلبه إلا أنه استدعى منه الوضيعة والرفق به، فافهم.
ثم احتج بحديث كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى مال،
فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبى معَّ الّه فقال: يا كعب! فأشار بيده كأنه يقول:
النصف، فأخذ نصف ما له عليه وترك نصفا. وفيه أيضا إشارته مرّه بالصلح بعد معرفته باتجاه
الحق لأحدهما، واحتج أيضا بحديث سهل بن الساعدى قال: كان قتال بين بنى عمرو، فبلغ ذلك
النبى معَّ فصلى الظهر ثم أتاهم(١) يصلح بينهم الحديث.
قال ابن المنير: فقه الحديث التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم ولا يعد
ذلك تصحيفا فى الحكم كذا فى "فتح البارى" (١٥٩:١٣)، وقال الموفق فى "المغنى": وممن رأى
الإصلاح بين الخصمين: شريح وعبد الله بن عتبة وأبو حنيفة والشعبى والعنبرى، وروى عن عمر
أنه قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن. قال أبو عبيد:
إنما يسعه الصلح فى الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم
فليس له أن يحملها على المصلح، ونحوه قول عطاء، واستحسنه ابن المنذر اهـ (٣٩٩:١١).
قلت: والحق أنه يسعه الحمل على الصلح بعد استنارة الحجة لأحدهما أيضا كما يسعه
الحكم، فإن الصلح خير كله، وإن كان فيها لبس يجب عليه حملها على الصلح فإن أبيا أخر هما
إلی البيان، فإن عجلها قبل البيان لم يصح حكمه، هذا هو مدلول قول عمر، ويؤيده ما احتج به
البخارى على جواز إشارة الإمام بالصلح من الأحاديث، وهو مذهب أبى حنيفة فى الباب، قال ابن
حزم فى المحلى: ولا يحل التأنى فى إنفاذ الحكم إذا ظهر وهو قول الشافعى وأبى سليمان وأصحابنا.
(١) لم يقل: ثم أتاهم يقضى بينهم، فدل على جواز إشارة القاضى بالصلح ابتداءً.

١٣١
بقية آداب القضاء
إعلاء السنن
٤٩٣٩- وقد وقع لعمر رضى الله عنه قريب مما وقع لسليمان عليه السلام وذلك
أن بعض أصحابه مات وخلف مالا له نماء وديونًا، فأراد أصحاب الديون بيع المال فى
وفاء الدين لهم، فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضى حتى يقبضوا ديونهم من النماء،
ويتوفر لأيتام المتوفى أصل المال، فاستحسن ذلك من نظره. ذكره الحافظ فى "الفتح"
(٣١:١٣) جازمًا به، فهو صحيح أو حسن على أصله.
وقال أبو حنيفة: إذا طمع القاضى أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يردهما المرة والمرتين،
فإن لم يطمع فى ذلك فصل القضاء، وقال مالك: لا بأس بترديد الخصوم. (قلت: قد مر فى قول
الحافظ أن الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ولم يذكر
خلاف الشافعى، فقوله فى ذلك قول أبى حنيفة سواء، وهو أعرف بمذهب الشافعى من ابن حزم،
فالقول قوله، وإنما حكى فيه الاختلاف عن المالكية دون مالك، وقول ابن حزم يدل على أن مالكا
نفسه لم يخالف أبا حنيفة، بل وافقه عليه، فافهم).
الرد على ابن حزم فى إيراده على أبى حنيفة فى مسألة الصلح:
قال ابن حزم: أما قول أبى حنيفة ففاسد لأنه لا فرق بين ترديد مرتين وثلاث مرار أو أربع،
وهكذا ما زاد إلى انقضاء العمر، وإلا فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين اهـ قلت: برهانه فى كلامه
ولكن ابن حزم لا يفقه ولا يفهم، فإن أبا حنيفة إنما يقول برد الخصوم إذا طمع القاضى أن يصطلح
الخصمان، وباليقين ندرى أن الطمع فى ذلك لا يمتد إلى انقضاء العمر، بل يبطل وينقطع إذا لم
يصطلحا بالرد مرة أو مرتين، ثم قال: واحتج بعضهم بالرواية عن عمر: ردوا الخصوم حتى
يصطلحوا إلخ، قال: وهذا لا يصح عن عمر لأن أحسن طرقه محارب بن دثار أن عمر، ومحارب
لم يدركه اهـ. قلت: ولكن خصمك يرى مراسيل الثقات حجة وأنت أيضا إذا وافق غرضك، كما
لا يخفى على من أمعن النظر فى "المحلى".
قال: ومعاذ الله أن يصح هذا عن عمر لأن فيه المنع جملة من إنفاذ الحق لأن علة توريث
الضغائن موجودة فى ذلك أبدا، فإن وجب أن يراعى وجب ذلك أبدا، وإن لم يجب أن يراعى،
فلا يجب ذلك طرفة عين اهـ.
قلت: قد اعترفت بالحق من حيث لا تشعر، فقد قلت بأن علة توريث الضفة . . جودة
فى فصل القضاء أبدا، ولا يشك عاقل فى أن التحرز مما يورث الضغائن مندوب إليه، كيف لا؟

ج - ١٥
بقية آداب القضاء
١٣٢
٤٩٤٠- وقال مزاحم بن زفر: قال لنا عمر بن عبد العزيز: خمس إذا أخطأ
القاضى منهن خطة كانت فيه وصمة أن يكون فهمًا حليمًا عفيفًا صليبًا عالمًا سؤولا عن
العلم. علقه البخارى ووصله ابن سعد فى الطبقات عن محمد بن عبد الله الأسدى هو
أحمد الزبيرى عن سفيان هو الثورى عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال:
وقد قال الله تعالى: ﴿والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح﴾ ولم نقل بأن مراعاة ذلك واجبة
أبدا، وإنما تجب إذا لم نستنر الحجة وكان فيها لبس، وأما إذا استنارت يسعه فصل القضاء ويجوز له
أن يحملهما على الصلح، فما أعجل ما نسيت قول أبى حنيفة إذا طمع القاضى أن يصطلح
الخصمان فلا بأس أن يردهما إلخ وهو صريح فى عدم الوجوب، فعجيب من مثلك أن يحكى عن
خصمه الجواز، ويورد عليه ما يرد على القول بالوجوب وقول عمر: ردوا الخصوم حتى
يصطلحوا. محمول على الندب عندنا، فليس فيه المنع من إنفاذ الحق جملة، فافهم.
قال: ولم يأت قط عن رسول الله ◌َّ أنه رد خصوما بعد ما ظهر الحق، بل قضى بالبينة
على الطالب وألزم المنكر اليمين فى الوقت وأمر المقر بالقضاء فى الوقت اهـ.
قلنا: هذا كله كلام من قصر نظره عن أحاديث الأحكام أو فهمه عن درك معانيها، ألا ترى
أنه مَّه قال للزبير حين خاصمه رجل فى شراج الحرة: اسق يا زبير -فأمره بالمعروف- ثم أرسله
إلى جارك، ثم قال حين أحفظه الأنصارى: اسق ثم احبس حتى يرجع الماء إلى الجدر، واستوعى له
حينئذ حقه، وفيه أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين ويأمر به ويرشد إليه ولا يلزمه به إلا إذا
رضى، وأن يستوفى لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا، وأن يحكم بالحق لمن توجه له ولو لم يسأله
صاحب الحق، كذا فى "فتح البارى" (٣١:٥). وهذا هو قول أبى حنيفة بعينه، ورد الخصوم فى
كلامه وفى أثر عمر كناية عن حملهما على الصلح، فإن اصطلحا بدون الرد فلا حاجة إليه وإلا
ردهما ليتراضيا على شىء يصلح بينهما ويتراوضا فيه.
قال: وقال الله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾ وقال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾
وقال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ فمن حكم بالحق حين يبدو إليه فقد قام بالقسط، وأغان
على البر وسارع إلى مغفرة من ربه، ومن تردد فى ذلك، فلم يسارع إلى مغفرة من ربه، ولا قام
بالقسط ولا أعان على البر والتقوى اهـ (٤٢٣:١١).
قلت: هذا كلام ظاهرى قد حرم الفقه والدراية رأسا، فمن أنباه أن الحمل على الصلح لیس
من القسط ولا من البر والتقوى، والمسارع إليه ليس بمسارع إلى مغفرة من ربه؟ وقد قال الله
٠

١٣٣
بقية آداب القضاء
إعلاء السنن
لا ینبغی للقاضی أن یکون قاضیًا حتی یکون فیه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما
كان قبله. يستشير ذوى الرأى، لا يبالى بملامة الناس (فتح البارى ١٣٢:١٣).
تعالى: ﴿والصلح خير﴾ فإن ادعى ذلك فعليه البيان ودونه خرط القتاد. وهل له أن يقول: بأن
رسول الله عَّ حين أشار على الزبير بالصلح، ولم يحكم له بالحق، لم يسارع إلى مغفرة من ربه؟
وإنما سارع إليها حين أغضبه الأنصارى وحكم بالحق واستوعى للزبير حقه، هذا لا يقوله قط
جاهل فضلا عن عالم عاقل، فافهم ولا تعجل فى الإنكار على أئمة الهدى فتندم، والله تعالى أعلم.
والأصل فى هذا الباب: قوله تعالى فى داود وسليمان: ﴿إِذ يحكمان فى الحرث أذ نفشت
فيه غنم القوم ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾، فأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن
مسروق قال: كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أى رعت ليلا فقضى داود بالغنم لهم فمروا على
سليمان فأخبروه الخبر، فقال سليمان: لا ولكن أقضى بينهم أن يأخذوا الغنم فیکون لهم لبنها
وصوفها ومنفعتها، ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم غنمهم. وأخرجه
الطبرى من وجه آخر لين فقال فيه عن مسروق عن ابن مسعود، وأخرجه ابن مردوية والبيهقى عن
ابن مسعود وسنده حسن اهـ من "فتح البارى" (١٣١:١٣).
وفيه أيضا: قال ابن المنير: والأصح فى الواقعة أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى
الصلح اهـ، ولا يخفى ما فى مدح الله سليمان من ترجيح الإرشاد إلى الصلح على فصل القضاء
وقد وقع لعمر رضى الله عنه مثله فاستحسن ذلك من نظره، وقصة نفش الغنم حرث القوم محمولة
عندنا على أن أهل الغنم كانوا أرسلوها لترتعى ليلا أو كانوا معها فأفسدت الحرث فضمنوا قيمة
المتلف والغنم لتساويها، ولم يكن عندهم شىء سواها، فقضى داود عليهم بدفعها، ولولا ذلك
لم يضمنوها لما روى الشيخان من قوله معَ ◌ّه: ((جرح العجماء جبار))، وسياق القصة يدل على أن ما
حكم به سليمان فيها غير منسوخ فى شريعتنا، فتحمل على ما ذكرنا، وهذا إولى مما قاله الجصاص
فى "أحكام القرآن": إن حكمها منسوخ، والله تعالى أعلم.
ولا يرد عليه أن القاضى لا يجوز له أن ينقض من حكم غيره ما خالف اجتهاده، فإن
سليمان لم ينقض قضاء داود، وإنما قال حين أخبروه الخبر أن غير هذا أرفق بالجانبين، فسمعه داود
عليه السلام فدعاه فقال له: بحق النبوة والأبوة ألا أخبرتنى بالذى هو أرفق؟ فقال: أرى أن تدفع
الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها ونسلها وصوفها، والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه
حتى يعود كما كان ثم يترادا، فكان داود هو الذى نقض قضاءه، وقال: القضاء ما قضيت،

ج - ١٥
بقية آداب القضاء
١٣٤
٤٩٤١- عن الشعبى قال: من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ
بقضاء عمر فإنه كان يستشير، أخرجه يعقوب بن سفيان بسند جيد عنه (فتح
البارى ١٣٢:١٣) أيضًا.
٤٩٤٢- عن ابن عباس أن الحر بن قيس بن حصن كان من النفر الذين يدنیهم
عمر وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانًا. رواه
البخارى فى حديث (فتح البارى ٢١٨:١٣).
وأمضى الحكم. فكان هذا مما تغير فيه اجتهاد القاضى قبل الحكم، كما ورد فى بعض الآثار أن
داود عليه السلام لم يكن بت الحكم فى ذلك حتى سمع من سليمان لما سمع أو بعد الحكم قبل أن
يتبدل مجلس الحكم، فإن سليمان عليه السلام كان يجلس على الباب الذى يخرج منه الخصوم
(روح المعانى ٦٥:١٧ و٦٨) فلعله قال ما قال قبل أن يخرج كلهم من مجلس القضاء والله تعالى
أعلم. قوله: وقال مزاحم بن زفر إلخ، دلالته على أدب القاضى ظاهرة، وقد مر فى كلام الكرابيسى
ما يدل على أنه مما أجمع عليه السلف.
لا يجلس القاضى فى مجلس القضاء وحده:
قوله: عن الشعبى وقوله: عن ابن عباس إلخ. فيهما دلالة على ما ذكره فقهاءنا أن القاضى
لا يجلس فى مجلس القضاء وحده، لأن فى جلوسه وحده تهمة، كذا فى "الهداية".
وقال الموفق فى "المغنى ": وروى أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول
الله عَّهِ -منهم عثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف- (والحر بن قيس كما فى أثر
المتن وابن عباس وغيرهم) إذنزل به الأمر شاورهم فيه، ولا مخالف فى استحباب ذلك. قال أحمد:
لما ولى سعد بن إبرهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، وولى محارب بن
دثار قضاء الكوفة فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه
يشاورون وينتظرون! ولأنه قد يتنبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة، ولأن الإحاطة بجميع
العلوم متعذرة، وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضى، فكيف بمن يساويه،
أو يزيد عليه؟ فقد روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه جاءته الجدتان فورث أم الأم، وأسقط
أم الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله! لقد أسقطت التى لو ماتت ورثها
وورثت التى لو ماتت لم يرثها، فرجع أبو بكر فأشرك بينهما.

١٣٥
بقية آداب القضاء
إعلاء السنن
٤٩٤٣- عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو
الحسن -يعنى على بن أبى طالب- أخرجه الحميدى فى كتاب النوادر وابن سعد فى
الطبقات (فتح البارى ٢٨٦:١٣)، وهو حسن أو صحيح على أصله.
وروى عمر بن شبة عن الشعبى أن كعب بن سوار كان جالسا عند عمر فجاءته امرأة
فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى، والله إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره
صائما فى اليوم الحار ما يفطر، فاستغفر لها وأثنى عليها وقال: مثلك أثنى الخير. قال: واستحيت
المرأة فقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديت المرأة على زوجها؟ قال: وما شكت؟
قال : شكت زوجها أشد الشكاية. قال: أو ذاك أردت؟ قال: نعم. قال ردوا على المرأة، فقال:
لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت تشكو زوجك أنه يجتنب فراشك، قالت: أجل!
إنى امرأة شابة وإنى أبتغى ما يبتغى النساء، فأرسل إلى زوجها، فجاء فقال لكعب: اقض بينهما.
قال: يا أمير المؤمنين! أحق أن يقضى بينها، قال: عزمت عليك لتقضين بينهما فإنك فهمت من
أمرهما ما لم أفهم. قال: فإنى أرى كأنها عليها ثلاث نسوة هى رابعتهن، فأقضى له بثلاثة أيام
بلياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة، فقال عمر: والله ما رأيك الأول أعجب إلى من الآخر، إذهب
فأنت قاض على البصرة(١). إذا ثبت هذا، فإنه يشاور أهل العلم والأمانة، لأن من ليس كذلك،
فلا قول له فى الحادثة ولا يسكن إلى قوله قال سفيان: وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل
الأمانة، ويشاور الموافقين والمخالفين ويسألهم عن حجتهم ليبين له الحق اهـ (٣٩٧:١١).
وقال المحقق فى الفتح عن المبسوط: فإن دخله حصر فى قعودهم عنده أو شغله عن شىء من
أمور المسلمين جلس وحده، فإن طباع الناس تختلف، فمنهم من يمنعه حشمة الفقهاء من فصل
القضاء، ومنهم من يزداد قوة على ذلك، فإذا كان ممن يدخله حصر جلس وحده اهـ (٣٧١:٦).
لا يدع القاضى مشاورة العلماء:
قوله: عن سعيد بن المسيب إلى قوله: عن ميمون بن مهران إلخ. فيه دليل على أن القاضى
وإن كان عالما فقيها فينبغى له أن لا يدع مشاورة العلماء وقد كان رسول الله عَّ له أكثر الناس
مشاورة لأصحابه رضى الله عنهم، ولأن المشورة تلقح العقول وقال م به: ((ما هلك قوم عن
(١) والقصة ذكرها الحافظ فى الإصابة مختصرة فى ترجمة كعب وقال: إنها مشهورة، ولا يخفى ما فيه من حكم كعب بالقياس
والرأى وتصويب عمر إياه فيه، فمن أين لابن حزم ومن تبعه أن يقول: لم يثبت عن أحد من الصحابة الحكم بالقياس، فافهم.

ج - ١٥
بقية آداب القضاء
١٣٦
٤٩٤٤- عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: جاء رجل إلى
معاوية فسأله عن مسألة، فقال: سل عنها عليًا، قال: ولقد شهدت عمر أشكل عليه
شىء، فقال: ههنا على؟ قال الحافظ فى "الفتح" (٢٨٦:١٣): رويناه فى القطعيات اهـ
وهو صحیح، أو حسن على أصله.
مشورة قط)). (وقال: ((ما خاب من استخار وما ندم من استشار))) وكان أبو بكر وعمر رضى الله
عنهما يستشيران الصحابة مع فقههما وفضلهما حتى كان عمر إذا رفعت إليه حادثة قال: ادعوا لى
عليا، وادعوا لى زيد بن ثابت وأبى بن كعب رضى الله عنهم، فكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا
عليه، فعرفنا أنه لا ينبغى للقاضى أن يدع المشاورة وإن كان فقيها ولكن فى غير مجلس القضاء،
لأن الاشتغال بالمشورة فى مجلس القضاء ربما يحول بينه وبين فصل القضاء، ويكون سببا لازدراء
بعض الجهال به ونسبتهم إياه إلى الجهل، كذا فى "المبسوط" (٧١:١٦).
وفيه أيضا عن الشعبى قال: كانت القضية ترفع إلى عمر رضى الله عنه، وربما يتأمل شهرا،
ويستشير أصحابه، وحديث ابن مسعود رضى الله عنه فى المفوضة معروف، فإنه ردهم شهرا، ثم
قال: أقول فيه برأى فإن يك صوابا فمن الله ورسوله، وإن يك خطأ فمنى ومن الشيطان الحديث.
فعرفنا أنه ينبغى للقاضى أن يتأنى ويشاور عند اشتباه الأمر اهـ (٨٤:١٦). وقد أخرج البخارى فى
"الأدب" وابن أبى حاتم بسند قوى عن الحسن قال: ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل
ما يحضرهم، وفى لفظ: إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذى ينفع.
تحقيق مشاورة النبى عّ لّه ومتعلقها:
وأما قوله تعالى لنبيه مَّ ◌ُله: ﴿وشاورهم فى الأمر﴾، فأخرج ابن أبى حاتم بسند حسن عن
الحسن أيضا قال: قد علم أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده، وقال البخارى:
إن المشاورة قبل العزم والتبين لقوله تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾، وكانت الأئمة بعد
النبى معَّ يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب،
أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى معَّ له.
وقال الحافظ فى "الفتح": قد اختلف فى متعلق المشاورة -أى مشاورة النبى عد ◌ّة.
أصحابه- فقيل: فى كل شىء ليس فيه نص. وقيل: فى الأمر الدنيوى فقط. وقال الداودى: إنما
كان يشاورهم فى أمر الحرب مما ليس فيه حكم لأن معرفة الحكم إنما تلتمس منه، قال: ومن زعم

١٣٧
بقية آداب القضاء
إعلاء السنن
٤٩٤٥- عن على قال: ما فعل عثمان الذى فعل فى المصاحف إلا عن ملأ منا،
أخرجه ابن أبى داود فى كتاب المصاحف من طرق عنه وسنده حسن (فتح البارى
٢٨٦:١٣)، ومشاورة عثمان الصحابة أول ما استخلف فيما يفعل بعبيد الله بن عمر لما
قتل الهرمزان وغيره ظنًا منه أن لهم فى قتل أبيه مدخلا، رواها ابن سعد وغيره بسند
حسن (فتح البارى ٢٨٦:١٣).
٤٩٤٦- عن أبى هريرة قال: ما رأيت أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من النبى عدّة
رجاله ثقات إلا أنه منقطع وقد أشار إليه الترمذى فى الجهاد (فتح البارى ٢٨٣:١٣).
أنه كان يشاورهم فى الأحكام فقد غفل غفلة عظيمة. وأما فى غير الأحكام فربما رأى غيره أوسمع
ما لم يسمعه أو يره كما كان يستصحب الدليل فى الطريق، وقال غيره: اللفظ وإن كان عاما لكن
المراد به الخصوص للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم فى فرائض الأحكام ووقع فى الأدب من
رواية طاؤس عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ قال: فى بعض الأمر، قيل:
وهذا تفسير لا تلاوة. ونقله بعضهم قراءة عن ابن مسعود.
قال الحافظ: وفى هذا الإطلاق نظر، فقد أخرج الترمذى وحسنه، وابن حبان وصححه من
حديث على قال: لما نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول﴾ الآية، قال لى النبى مرّ له: ما
ترى؟ دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة،
قال: إنك لزهيد، فنزلت: ﴿أأشفقتم﴾ الآية قال: فبى خفف الله عن هذه الأمة. ففى هذا الحديث
المشاورة فى بعض الأحكام.
قلت: بل فى ما يتعلق بالخبرة من أحوال الناس لأنه معَّه إنما شاوره فى قدر الصدقة التى
تقدم بين يدى النجوى، وكان القرآن قد نزل فيه بالإطلاق من غير تقييد بقدر معلوم ولكن
النبى معَ ◌ّه رأى أن يقدرها بقدر تسكينا لقلوب العامة كيلا يترددوا فى براءة ذمتهم عن امتثال الأمر
بأداء، فشاور عليا فى قدر ما يطيقونه من غير حرج، فكان ذلك من المشاورة فيما يتعلق بالخبرة من
أحوال الناس لا فيما يتعلق بالأحكام.
والحق أنه عٍَّ كان يشاورهم فى الأحكام أيضا فى كل شىء ليس فيه نص إذا أراد أن
يحكم فيه باجتهاده، فقد ثبت أنه شاورهم فى أسارى بدر وقال: ((أشيروا على فى هؤلاء القوم))،
فأشار عليه أبو بكر وعمر برأيين مختلفين، فاختار رأى أبى بكر ونزل الوحى بموافقة عمر، وكان
ذلك من المشاورة فى الأحكام قطعا.

ج - ١٥
بقية آداب القضاء
٠
١٣٨
٤٩٤٧- عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه إذا ورد
عليه أمر نظر فى كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى به قضى بينهم، وإن علمه من سنة
رسول الله عَّ قضى به، وإن لم يعلم خرج، فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك
وفى "فضائل الصحابة" لأسد بن موسى و "المعرفة" ليعقوب بن سفيان بسند لا بأس به عن
عبد الرحمن بن غنم -بفتح المعجمة وسكون النون- وهو مختلف فى صحبته أن النبى عّ لّه قال
لأبى بكر وعمر (١): لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما فى مشورة أبدا، وقد وقع فى
حديث أبى قتادة فى نومهم بالوادى إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا.
قال: واختلفوا فى وجوب المشاورة فنقل البيهقى فى "المعرفة" الاستحباب عن النص، وبه
جزم أبو نصر القشيرى فى تفسيره وهو المرجح اهـ ملخصا (٢٨٣:١٣)، وقال الموفق فى "المغنى":
إن المشاورة ههنا لاستخراج الأدلة، ويعرف الحق بالاجتهاد، ولا يجوز أن يقلد غيره ويحكم بقول
سواه، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه أو لم يظهر له شىء وسواء ضاق الوقت، أولم يضق،
وبهذا قال الشافعى وأبو یوسف ومحمد رحمهم الله تعالی.
يجوز للمجتهد ترك رأيه لرأى من هو أفقه منه:
وقال أبو حنيفة: إذا كان الحاكم من أهل الاجتهاد جاز له ترك رأيه لرأى من هو أفقه منه
عنده، وإذا صار إليه فهو ضرب من الاجتهاد، لأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق الاجتهاد اهـ
(٣٩٨:١١). قلت: وهذا متفرع على تقليد المجتهد مجتهدا غيره هو أفقه منه، وقد تقدمت منا
الإشارة إليها فى دلائل جواز القضاء الإفتاء بالتقليد، فهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر رضى
الله عنه فى الكلام، وفى قتال أهل الردة، وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر (أى فى
الاجتهادیات).
وقال الشعبى عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبى معَّ له يفتون الناس: ابن مسعود
وعمر بن الخطاب وعلی وزيد بن ثابت وأبى بن كعب وأبو موسى، و کان ثلاثة منهم يدعون
قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول على، وكان
زيد يدع قوله لقول أبى بن كعب، وقال جندب: ما كنت لأدع قول ابن مسعود لقول أحد من
(١) فيه دليل لما قاله أصحابنا ومر ذكره فى "المقدمة" أن الصحابة إذا اختلفوا فى أمر فكل ما ثبت فيه اتفاق الشيخين يجب الاقتداء
به، فتذکر.

١٣٩
بقية آداب القضاء
إعلاء السنن
دعا رؤوس المسلمين وعلماؤهم واستشارهم، وإن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك،
أخرجه البيهقى بسند صحيح عنه (فتح البارى ٢٨٥:١٣).
الناس، كذا فى "الإعلام" (٢٢٠:١)، وقد تقدم قول عمر لشريح: فإن لم يكن فى كتاب الله،
ولا فى سنة رسول الله، ولا فيما قضى به أئمة الهدى، فأنت بالخيار: إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن
شئت أن تؤامرنى ولا أرى مؤامرتك إياى إلا خيرالك. وسنده صحيح، وأمره إياه بمؤامرته ليس إلا
أمرا بالتقليد كما لا يخفى.
وقال أبو يوسف الإمام فى "الخراج" له: حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سالم بن
الجعد عن معدان بن أبى طلحة اليعمرى أن عمر بن الخطاب خطب يوما فحمد الله وأثنى عليه،
ثم قال: اللهم إنى أشهدك على أمراء الأمصار، فإنى إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم، وسنة
نبيهم عدّله، ويقسموا فيهم فيأهم ويعدلوا بينهم، فمن أشكل عليه شىء رفعه إلى اهـ (ص١٦)،
وهذا سند صحيح على شرط مسلم، ودلالته على ما دل عليه أثر شريح ظاهرة. ولا يخفى أن
المجتد إنما يقلد مجتهداً آخر فيما لم يتبين له خطأه وأما ما تبين له فيه خطأه فلا، فما أورده الموفق
على أبى حنيفة لا يرد عليه أصلا فإنه لا يقول بتقليد الأفقه إذا اعتقد أن ما قاله خطأ، وإنما يقول به
إذا لم يبين له خطأه، وأما أنه مما يجوز أن يبين له خطأه إذا اجتهد فكيف يجوز له أن يحكم به، ففيه
أن هذا الإمكان معرض باعتقاده فيه الآن أنه أفقه منه، فالظاهر كون الحق والصواب معه، فافهم.
قال فى البدائع: ولو أفضى رأيه إلى شىء وهناك مجتهد آخر أفقه منه له رأى آخر فأراد
أن يعمل برأيه من غير النظر فيه ويرجح رأيه بكونه أفقه منه هل يسعه ذلك؟ ذکر فی کتاب
الحدود أن عند أبى حنيفة يسعه ذلك وعندهما لا يسعه إلا أن يعمل برأى نفسه، وهذا يرجع إلى أن
كون أحد المجتهدين أفقه منه هل يصلح مرجحا من غير النظر فى رأيه؟ من قال: يصلح مرجحا
قال: يسعه، ومن قال: لا يصلح قال: لا يسعه وجه قول من لا يرى الترجيح بكونه أفقه، أن
الترجیح یکون بالدليل، وكونه أفقه ليس جنس الدليل فلا يقع به الترجيح، ولهذا لا يصلح دليل
الحكم بنفسه، وجه قول من يرى به الترجيح أن هدا من جنس الدليل لأن كونه أفقه يدل على
أن اجتهاده أقرب إلى الصواب، فكان من جنس الدليل، فيصلح للترجيح وإن لم يصلح دليل
الحكم بنفسه، وأبدا يكون الترجيح بما لا يصلح دليل الحكم بنفسه، ولهذا قيل فى حده زيادة
لا يسقط بها التعارض حقيقة كما علم فى أصول الفقه، ولهذا أوجب أبو حنيفة تقليد
الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم ورجحه على القياس لما أن قولهم أقرب إلى إصابة الحق من

١٤٠
بقية آداب القضاء
ج - ١٥
٤٩٤٨- عن عمر أنه حكم فى المشركة بإسقاط الإخوة من الأبوين ثم شرك
بينهم بعد ذلك، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا؟ فقال: تلك على ما قضينا
وهذه على ما نقضى. ولم ينقض قضاءه الأول، رواه الدارمى والدارقطنى والبيهقى من
حديث الحكم بن مسعود، ووقع فى "النهاية" و"الوسيط" على العكس، قال ابن
الصلاح: وهو سهو قطعًا وإنما هو شرك بعد أن لم يشرك. كذا رواه البيهقى والناس
(التلخيص الحبير ٤٠٦:٢) قلت: وفيه دلالة على كون الأثر مشهوراً عن عمر،
وسكوت الحافظ عنه یشعر بکونه صحیح الإسناد عنده.
٤٩٤٩- ویروی عن عمر وعلی وزيد بن ثابت وابن مسعود فی الجد قضایا
مختلفة، علقه البخارى، وذكر الخطابى فى الغريب بسند صحيح عن ابن سيرين عن
قول القائس كذا هذا اهـ (٤:٧ و٥).
قلت: وقد رأيت شيخى المولى الخليل -غشاه الله برحمته ورضوانه- قد ترك رأيه فى
مسائل برأى شيخه القطب الربانى قدس الله سره، ولم يجسر على الإفتاء بما يخالف رأيه فى
الاجتهاد التى قد اختلفت نصوص المذهب فيها أو اشتبهت، فاختار شيخه أحد الوجوه وكان
المختار عنده وجه آخر سواه فلم يفت برأيه بل برأى شيخه لكونه يراه أفقه منه وأعلم، فافهم ذلك،
والله يتولى هداك.
إذا تغير اجتهاد القاضى بعد القضاء
أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه:
قوله: عن عمر، وقوله: ويروى عن عمر إلخ. فيه دلالة على أن القاضى إذا تغير اجتهاده من
غير أن يخالف نصا ولا إجماعا أو خالف اجتهاده من قبله لم ينقضه لمخالته، قال الموفق فى "المغنى"
(٤٠٥:١١): لأن الصحابة رضى الله عنهم أجمعوا على ذلك، فإن أبا بكر حكم فى مسائل
باجتهاده وخالفه عمر ولم ينقض أحكامه وعلى خالف عمر فى اجتهاده فلم ينقض أحكامه فإن أبا
بكر سوى بين الناس فى العطاء وأعطى العبيد وخالفه عمر ففاضل بين الناس وخالفهما على فسوى
بين الناس وحرم العبيد، ولم ينقض واحد منهم ما فعله من قبله، وجاء أهل نجران إلى على فقالوا:
يا أمير المؤمنين! كتابك بيدك وشفاعتك بلسانك فقال: ويحكم! إن عمر كان رشيد الأمر ولن أرد
قضاء قضى به عمر رواه سعيد قلت وقد تقدم كل ذلك فى أبواب السير من هذا لكتاب، فليراجع.