Indexed OCR Text

Pages 561-580

36
ج - ١٤
٥٦١
ابتداء العقد، وإن قال بالثانى، فقد أبطل الذى أبداه، وبالجملة فلم يأت المستفتى فى رسالته إلا
بالأباطيل والأغلوطات التى يتعجب منها كل عاقل لبيب، أو عالم أريب هذا.
ونقول ثالثا فى مجواب الاستدلال بالإجمال: بأنا لو سلمنا إجمال الآية، فلا نسلم أن بيانها
حديث أبى سعيد وعبادة: ((الذهب بالذهب، الفضة بالفضة إلخ)) فقط، بل بيانها هذا الحديث مع
حديث: ((كل قرض جر نفعا فهو ربا))، ومع حديث: ((إنما الربا فى النسيئة))، وغيرهما، ولا يلزم من
ذكر أهل الأصول حديث أبى سعيد وعبادة، وجعلهم إياه بيانا للآية، أن لا يكون غيره بيانا لها،
فإن ذكره شىء لا يستلزم نفى ما عداه، فيحمل ذكرهم له على التمثيل، وأما إن خبر الواحد
لا يصلح بيانا للقطعى كما زعمه المستفتى، فقد رددناه، وبينا أن الحق جوازه، كيف؟ وأكثر ما
ذكروه من أمثلة البيان من أخبار الآحاد، فافهم.
وأما حديث ((كل قرض جر منفعةً فهو ربًا))، فبيانه أن المنفعة فيه عامة لكل منفعة، سواء
كانت من قبيل الوصف كالجودة ونحوها، أو من قبيل الزيادة كالإرجاح فى الوزن، أو غيرهما
كالهدية والدعوة ونحوها، أما المنفعة الى هى من قبيل الوصف، أو من جنس الهدية والدعوة،
فامختلفت أقوال العلماء فى حرمتها مع اتفاقهم عليها إذا كانت مشروطة، وذهب شمس الأئمة
الحلوائى منا إلى حرمة قبول الهدية، وإجابة الدعوة من غير شرط أيضًا، إذا لم يجر بها عادة قبل
الإقراض، وقامت قرينة على كونها لأجله، وهو الحق عندنا، لكونه مؤيدا بالآثار، وقال الكرخى:
لا بأس بها إذا لم تكن مشروطة، وأما التى من جهة الإرجاح فى الوزن، والعدد، فاتفقوا على
حرمتها، سواء كانت مشروطة أو لا، إلا ما قل منها كدانق فى مائة درهم، أو تكون بلفظ الهبة،
أو ما يجرى مجراه، وقد مر تفصيل الأقوال فى هذه المسألة من قبل.
ووجه الفرق فى أحكام هذه الأنواع من المنفقة ظاهر على كل من مسكة فقه، وعقل،
فإن الجودة والرداءة ونحوهما من الأوصاف هدر فى الأموال الربوية، فإن الشارع قد جعل الدرهم
الردىء والجيد سواء، وكذا الصاع الردىء من التمر والجنيب منه كلاهما سواء، فإذا قضى المديون
درهما جيدا مكان درهم ردىء، من غير شرط لا يصدق عليه أنها منفعة جرها القرض، لكون
الوصف هدرا فى الأموال الربوية، نعم، إذا اشترط المقترضان الجودة مثلا صارت مقصودة لهما،
فيصدق عليها أنها منفعة جرها القرض، وهدية الغريم ودعوته منفصلا كلاهما، عن مجلس القضاء
ووقته أجنبى عن القرض ظاهرا، لكونه من غير جنس الدين منفصلا عن قضائه، ووصل الأجنبى
بالأجنبى لا يكون إلا برابط، فلا يقال فى كل هدية ودعوة: إن القرض جرهما، إلا إذا كانتا

٥٦٢
إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
مشروطتين عند الإقراض، أو قامت قرينة على جره لهما، بخلاف الزيادة والرجحان فى دراهم
القرض عند قضائه، فإن جر القرض لهما ظاهر لكونها مقرونة بقضائه ومن جنسه، فلا تجوز مطلقا
إلا إذا كانت قليلة لا يعتد بها، أو كان قد صرح المديون بكونها هبةً، فإن القليل يتعذر الاحتراز.
منه، والتصريح بالهبة ينفى الربا، لكونها عقدا مستقلا أجنبيا عن الإقراض إلا إذا كانت الهبة
مشروطة، فيصدق عليها أنها منفعة قد جرها القرض فلا تجوز.
وإذا علمت ذلك ظهر لك بطلان قول المستفتى: إن الفقهاء لم يتمسكوا بهذا الحديث
والأثر من لدن رسول الله عَّ ◌ُّه إلى زمننا هذا، ولم يفتوا بحرمة أمثال هذه المنافع، بل اتفقوا على أنه
لا يكون ربا إلا أن يكون مشروطة فى العقد، وهذا خلاف ما دلت عليه هذه الآثار، والأحاديث
الواردة فى هذا الباب على ما فيها، لأنها تدل على حرمة كل منفعة، سواء شرطت أو لم تشترط،
مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق اهـ (ص ١٦ و ١٧).
فهذه والله فرية بلا مرية، فإن الفقهاء من الصحابة والتابعين، وأتباعهم لم يزالوا يستدلون
على حرمة منافع القرض بهذا الحديث ومعناه، وصرح بعضهم كشمس الأئمة منا، ومالك،
وأحمد بحرمتها مطلقا، سواء شرطت أو لم تشترط، والذين قيدوا الحرمة بالاشتراط، فإنما قيدوها .
به عملا بهذا الحديث، لا إعراضا عنه، لما فيه من لفظ الجر، فقالوا: إن القرض لا يجر إلى نفسه
منفعة أجنبية، كالهدية والدعوة، أو منفعة قد هدرها الشارع كالجودة، ونحوها إلا بالاشتراط.
فمنشأ الاختلاف فى التقييد بالاشتراط النظر إلى لفظ الجر، وإلى صدق مفهومه بدون
الاشتراط أو عدمه، وقول المستفتى: "مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق" باطل، منشأه قلة
المراجعة إلى مذاهب العلماء، فقد ذكرنا عن "رحمة الأمة" أن أبا حنيفة، ومالكا، وأحمد ذهبوا
إلى حرمتها مطلقا، إلا إذا جرت العادة بها بين المقترضين من قبل، وهو قول شمس الأئمة الحلوانى،
وذهب الشافعى إلى جوازها من غير شرط، وهو قول الكرخى منا، ويشير إليه كلام محمد فى
بعض كتبه، وهذا الاختلاف، إنما هو فى المنافع التى هى من جنس الجودة أو الهدية والدعوة، وأما
ما كان من جنس الزيادة فى الوزن، والعدد فلا اختلاف فى حرمتها(١) مطلقا كما قدمناه، ومن
ادعى الاختلاف فيه فعليه البيان.
وظهر بذلك بطلان قول المستفتى: إن الفضل المشروط فى القرض، ليس ربا منصوصًا لأن
الفقهاء استدلوا على حرمته بحديث: ((كل قرض جر منفعة))، وجعله الفقيه أبو الوليد مقيس على
(١) أى إلا إذا كانت قليلة لا يعتد بها، أو كانت بطريق العطاء والهبة، كما مر.
5
3
3
جـ

٥٦٣
ج - ١٤
الربا المحرم بالقرآن ربا الجاهلية، وكذا جعله العلامة الكاسانى(١) شبيها بالربا، وأطلق محمد عليه
الكراهة لا الحرمة، فلو كان الفضل المشروط فى القرض ربا منصوصا لم يستدلوا عليه بمثل هذا
الحديث غير المشهور، الذى ضعفه بعض المحدثين، ولم يجعلوه مقيسا على الربا، وشبيها له،
ولصرحوا بحرمته اهـ، ملخصًا بمعناه (ص ١٢ و ١٣).
فإن استدلالهم بالحديث، ليس على حرمة الفضل الذى يكون بالزيادة فى الوزن والعدد،
بل على حرمة المنفعة التى تكون من جهة الوصف كالجودة، أو من جنس والهدية، والدعودة
ونحوهما، وهذا لا ننكر كونه شبيها للربا الحقيقى ومكروها، مع أن إطلاق الكراهة لا ينفى
الحرمة، فإن إطلاق المكروه على الحرام شائع فى كلام الفقهاء، ألا ترى محمد بن الحسن يقول فى
"موطائه" فى بيع المضامين والملاقيح، وحبل الحبلة، هذه البيوع كلها مكروهة ولا ينبغى اهـ، وقد
أجمع العلماء على حرمتها لثبوت النهى عنها على لسان الشارع عَّهِ، ومثل ذلك فى كلامه
كثير، وكذا فى كلام غيره من الفقهاء، وفى "الدر": كل قرض جر نفعا حرام، وفيه أيضاً عن
"الخلاصة": القرض بالشرط حرام اهـ (٤: ٢٧٠)، باب القرض فمن أطلق عليه المكروه يراد به
الحرام، لا سيما إذا كان هذا الإطلاق فى كلام الصحابة، فإنهم كانوا لا يفرقون بين المكروه
والحرام، والواجب والفرض، لكون الاصطلاح حادثا بعدهم.
فاندحض قول المستفتى: إن الصحابة اتفقوا علی کراهته، وهو دلیل علی عدم کونه ربا،
وإلا كان حراما (ص ١٤)، فالفرق بين المكروه والحرام فى كلامهم باطل لما قلنا.
وأما الفضل المشروط فى القرض من جهة الوزن والعدد فلم يستدلوا على حرمته بحديث
((كل قرض جر نفعا)). فقط، بل استدلوا عليها بآية الربا التى فى القرآن، وجعلوه من ربا الجاهلية،
واحتجوا عليها بالإجماع أيضًا، كما مر كل ذلك مفصلا، فافهم، ولا تكن من الغافلين.
وإذا عرفت ذلك فقد علمت أنا لا نحتاج إلى تصحيح حديث: ((كل قرض جر نفعا)) فى
جواب هذا الاستفتاء الذى ورد علينا، لما بينا أن حرمة الفضل المشروط فى القرض لا تتوقف عليه،
ولكن نتكلم على ذلك تبرعا فنقول: قد مر نقلا عن "العزيزى" شارح "الجامع الصغير" للسيوطى
أن حديث: ((كل قرض جر منفعة فهو حرام» حسن لغيره، فاندحض بذلك قول المستفتى: إنه غیر
ثابت، ولا أصل له.
(١) وفيه أن ملك العلماء قد صرح بأن الاحتراز عن شبهة الربا واجب أيضًا، فلا ندرى كيف فرح المستفتى بنقل كلامه، وأيضًا:
صرح محمد بأن الكراهة بمعنى الحرمة، قال فى "الهداية: والمروى عن محمد نصا أن كل مكروه حرام اهـ (٤: ٤٣٦).

٥٦٤
إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
قال ابن حجر فيه(١): الحارث بن أسامة، وإسناده ساقط، وأعله عبد الحق بسوار بن مصعب،
وقال: إنه متروك إلخ (١٣)، فإن الكلام فى طريق لا ينفى حسن الحديث، ولا صحته لغيره،
فإن الحديث بتعدد الطرق قد يصل إلى رتبة الصحيح مرة، وإلى درجة الحسن أخرى، وهذا
الحديث قد بلغ بتعدد طرقه، وبشواهده درجة الحسن كما قاله السيوطى، فالقول بأنه غير ثابت،
ولا أصل له، لا يجترئ عليه إلا من لا علم له، ولا مساس بالحديث، بل نقول: إن الحديث قد بلغ
الصحة والشهرة لتلقى الأئمة له بالقبول، ولما له من الشواهد، ولاحتجاج الأئمة المجتهدين له،
وذكر الفقهاء إياه فى معرض الاستدلال، وأما شواهده فمنها ما ذكره ابن تيمية فى "المنتقى"،
وعزاه إلى ابن ماجة عن أنس: وسئل الرجل منا يقرض أخاه المال، فيهدى إليه فقال: قال رسول
الله عَّ: ((إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن
یکون جری بینه وبینہ ذلك» اهـ.
وأشار الشوكانى فى "النيل" إلى تضعيفه (٩٩:٥)، واغتر بكلامه المستفتى، فقال: والراوى
عن أنس مجهول، وكذا فيه عتبة بن حميد الضبى البصرى، قال أبو طالب عن أحمد: هو ضعيف
ليس بالقوى، وفيه إسماعيل بن عياش الحمصى، وهو مختلف فيه، وضعيف بالإجماع، إذا روى
عن غير أهل بلده اهـ (٢٠ و ٢١).
والجواب عنه ما ذكره ابن القيم فى "الأعلام" (٧٥:١)، وهو أعرف بالفن من الشوكانى،
ومن ألف مثله، بما نصه: قال شيخنا رضی الله عنه: (ویحیی) هذا (الراوی عن أنس) یحیی بن یزید
الهنائى من رجال مسلم، وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائى، قال أبو حاتم: مع تشديده
هو صالح الحديث(٢)، وإسماعيل بن عياش ثقة فى حديثه على الشاميين، (فيه دلالة على كونه عتبة
من أهل الشام، ولكن صرح الحافظ فى "التقريب." و"التهذيب" بكونه بصريا).
قلت: وقد وثق بعضهم إسماعيل بن عياش مطلقا، وفصل أكثرهم روايته عن أهل بلده عن
(١) قلت: ولا يخفى ما فى هذا النقل من التحريف، فإن الحافظ لم يقل فيه: الحارث بن أسامة المشعر بضعف الحارث، وإنما قال:
رواه الحارث بن أسامة (وهو صاحب "المسند" كما فى "كنز العمال" فى ذكر الكتب التى استمد بها فى تأليف " جمع
الجوامع" (٦:١)، وثقه ابن حبان، وأبو حاتم، وإبراهيم، والدار قطنى وغيرهم من أئمة الحديث، كما فى "بستان المحدثين"
للمحدث الدهلوى، وإنما قال الحافظ: إسناده ساقط، لأن فيه سوار بن مصعب، ومع ذلك لم يقل: إن الحديث غير ثابت، ولا
أصل له، بل قال: وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد رضى الله عنه عند البيهقى: وآخر موقوفً يجن عبد الله بن سلام رضى
الله عنه عند البخارى اهـ، أى والإسناد الضعيف إذا تأيد بالشواهد تقوى كما لا يخفى على من مارس علم الإسناد.
(٢) وذكر ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "تهذيب التهذيب".
٦

٥٦٥
ج - ١٤
روايته عن غيرهم، كما يظهر من "تهذيب التهذيب"، وقال السيوطى فى "اللآلئ المصنوعة" نقلا
عن القول المسدد للحافظ ابن حجر: وقد وثقه (أى إسماعيل بن عياش) بعضهم مطلقا اهـ
(٥٦:١)، فبطل الإجماع الذى ذكره المستفتى، وبالجملة: فحديث أنس هذا إن لم يكن صحيحا،
فلا أقل من أن يكون حسنا.
وأما قول المستفتى: ومع هذا هو خلاف ما عليه الأمة من لدن رسول الله عٍَّ إلى يومنا هذا
(٢١)، فجرأة شديدة، وفرية بلا مرية، فقد ذكرنا عن "رحمة الأمة" أن قول أبى حنيفة، ومالك،
وأحمد موافق لما فى حديث أنس هذا، وهو مختار شمس الأئمة الحلوانى، كما ذكره فى
"الهندية"، نعم ذهب الشافعى إلى جواز قبول هدية الغريم، ودعوته إذا كان من غير شرط، وإليه
مال الکرخی منا.
وقال الشوكانى فى "النيل" فى شرح حديث أبى هريرة: فى استقراض النبى معَ ◌ّه سنا من
الإبل، وقضائه سنا فوقه، ما نصه: وفيه جواز رد ما هو أصل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية
ذلك، وبه قال الجمهور، وعن المالكية إن كانت الزيادة بالعدد لم يجز، وإن كانت بالوصف
جازت، ويرد عليهم حديث جابر المذكور فى الباب، فإنه صرح بأنه مِّ زاده قيراطا.
(قلت: لا يرد ذلك عليهم، فإنهم إنما منعوا الزيادة عددا فى القرض، وحديث جابر وارد فى
الزيادة فى ثمن الإبل، ولا خلاف فى جوازها، والعجب من المستفتى أنه مع تفرقته بين القرض
والدين بجعل الأول من التبرعات، والثانى من مبادلة المال بالمال، كيف يستدل بحديث جابر هذا
على جواز الزيادة فى أداء القرض؟).
قال الشوكانى: وأما إذا كانت الزيادة مشروطة فى العقد، فتحرم اتفاقا، (فيه رد صريح على
المستفتى، حيث جوز الفضل المشروط فى القرض، وخالف الإجماع)، قال: والحاصل: أن الهدية
والعارية ونحوهملهإذا كانت لأجل التنفيس فى أجل الدين، أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو
لأجل أن يكون بعدسب الدين منفعة فى مقابل دينه، فذلك محرم، لأنه إما نوع من الربا أو رشوة،
(فيه رد صريح على المستفتى، فإن الفضل المشروط فى القرض لا يخلو من أحد هذه الأغراض)،
وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس، وإن لم يكن ذلك
لغرض أصلا، فالظاهر المنع، لإطلاق النهى عن ذلك (فيه دليل على كون حديث أنس معمولا به،
خلاف ما ذكره المستفتى جرأة على دين الله، وتقولا بالرأى).
قال: وأما الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط، ولا إضمار، فالظاهر الجواز من

٥٦٦-
إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
غير فرق بين الزيادة فى الصفة والمقدار، والقليل والكثير، (قلت: لم ينسبه الشوكانى إلى أحد من
الأئمة، بل ذكر من قبل خلاف المالكية فى الزيادة بالعدد والمقدار، وقول الحنفية مثل قولهم،
كما ذكرناه قبل، فلا حجة لأحد فى قول الشوكانى وحده، ما لم يظهر موافقته لقول واحد من
المجتهدين، اللهم إلا أن يحمل على الزيادة بطريق الهبة فتجوز وإلا فلا، وإن سلمناه بلا تأويل،
فلا راحة للمستفتى فيه، لكونه قد قيد الجواز بأن يكون من غير شرط، ولا إضمار).
قال الشوكانى: قال المحاملى وغيره من الشافعية: يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ
(قلت: هذا من الزيادة فى الوصف، ولا خلاف فى ذلك إذا كان من غير شرط)، قال: ومما يدل
على عدم حل القرض الذى يجر إلى المقرض نفعا، ما أخرجه البيهقى فى "المعرفة" عن فضالة بن
عبيد موقوفًا بلفظ: "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" ، ورواه فى "السنن الكبرى"
عن ابن مسعود، وأبى بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم اهـ (٩٩:٥ و١٠٠).
قلت: فى كلامه دلالة على صلاحية الآثار كلها للاحتجاج به، وأنها بأجمعها بمعنى أثر
فضالة بن عبيد، وقد مر ذكرها فى متن "الإعلاء" فى "باب كل قرض جر نفعا فهو ربا"، فبطل ما
ذكر المستفتى من الكلام فى بعض هذه الآثار، وإأن بعضها خالٍ عن ذكر الربا (٢١ و ٢٢)، فإن
جميع هذه الآثار مشتمل على المنع من منفعة جرها القرض، والنهى أصله التحريم، ولما ورد فى
بعضها مفسرا أن علة المنع كونها ربا والأحاديث يفسر بعضها بعضا يحمل الكل على ذلك حتما.
قال المستفتى: أما أثر أبى بن كعب أنه قال لزر بن حبيش: "إنك بأرض الربا فيها كبير فاش،
فإذا أقرضت رجلا فأهدى إليك هدية، فخذ قرضك، واردد هديته"، ففيه كلثوم بن الأقمر مجهول
اهـ (٢١)، قلت: كلا، بل هو معروف، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: روى عن جماعة من
الصحابة، روى عنه أهل الكوفة، وهو أخو على بن الأقمر، كذا فى "اللسان" (٤٨٩:٤)، وكذا
جزم عمران بن محمد بن عمران الهمدانى فى "طبقات رجال همدان" بأنه أخوه، وتبع فى ذلك
ابن سعد كما فى "التهذيب" (٢٨٤:٧)، وعلى بن الأقمر من رجال الجماعة معروف.
وقال: وكذلك ما روى ابن سيرين: "أن أبى بن كعب أهدى إلى عمر بن الخطاب من تمر
أرضه، فردها، فقال أبى: لم رددت على هديتى؟ وقد علمت أنى من أطيب أهل المدينة تمرة، فخذ
عنى ما ترد على هديتى، وكان عمر أسلفه عشرة آلاف درهم"، قال البيهقى: هذا منقطع اهـ
(ص٢١)، قلت: وما له؟ فإن مراسيل ابن سيرين صحاح عندهم، صرح به ابن عبد البر فى أوائل
"التمهيد"، كما فى "الجوهر النقى" (٣٤٣:١).
قال: و کذلك ما روى أبو صالح عن ابن عباس، قال فی رجل كان له على رجل عشرون

٥٦٧
ج - ١٤
درهما، فجعل يهدى إليه، فجعل كلما يهدى إليه هدية باعها، حتى إذا بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهما
فقال ابن عباس: "لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم"، لأن أبا صالح لم يسمع عن ابن عباس، وكذلك ما
روى سالم بن أبي الجعد: " كان لنا جار سماك عليه لرجل خمسون درهما، فكان يهدى إليه
السمك، فأتى ابن عباس، فقال: قاصه بما أهدى إليك اهـ (ص ٢١).
قلت: أما قوله: إن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس، فإن كان أبو صالح هذا اسمه ميزان
البصرى، فقد صحح ابن حبان حديثه عن ابن عباس فى زيارة النساء للقبور، وأورده فى
"صحيحه "أكما فى "التهذيب" (٣٨٥:١٠)، والمنقطع ليس بصحيح عندهم، ففيه دليل على
سماع أبى صالح عن ابن عباس، وإن كان هو باذام أو باذن مولى أم هانئ بنت أبى طالب، فعدم
سماعه من ابن عباس ليس بمجمع عليه، وإنما هو قول البعض، قال الشوكانى فى "النيل": قد قيل:
إنه لم يسمع من ابن عباس اهـ (٣٣٣:٣).
وقد تابعه سالم بن أبى الجعد على رواية مثل تلك القصة عن ابن عباس، وعدم سماع سالم
منه لم نر أحدا قاله غير المستفتى، كيف؟ وقد صح سماعه من ابن عمرو عند البخارى، وعبد الله
ابن عمرو أقدم موتا من ابن عباس، كما فى "دول الإسلام" للذهبى، وسمع جابر بن عبد الله
عندهما، كما فى "كتاب الجمع بين رجال الصحيحين" (ص١٨٨)، وهو أى سالم أقدم موتا من
عكرمة مولى ابن عباس، كما يظهر من "التقريب"، فكيف لا يسمع ابن عباس؟ وأيضًا: فإن
المرسل إذا تأيد بمرسل آخر فهو حجة عند الكل، كما فى "تدريب الراوى" وغيره، وأيضًا: فقد
ذكرنا فى حاشية "الإعلاء": أن الحديث أخرجه الدولابى فى "الكنى"، وفيه تصريح بسماع أبى
صالح من ابن عباس، وأنه صاحب القصة، وهو الذى سأل ابن عباس عن ذلك.
قال المستفتى: وأثر فضالة بن عبيد مع ضعفه أيضًا، ليس فيه لفظ "الربا"، بل لفظه: "كل
قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" ، فظاهره يدل على أنه ليس بربا، بل له شبه من الربا اهـ،
وقال فى الحاشية: أخرجه البيهقى بسند إبراهيم بن سعد، عن إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن
عياش، وعبد الله بن عياش منكر الحديث، وإبراهيم لم يعرف حاله، وكذا حال إدريس، ويمكن أن
یکون إدريس بن یحیی الخولانى، ذكره ابن حبان فى "ثقاته" اهـ (ص ٢١).
قلت: عبد الله بن عياش روى له مسلم استشهادا، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين صدوق يكتب
حديثه، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "التهذيب" (٣٥١:٥)، ومنكر الحديث ليس

٥٦٨
إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
بجرح فى كلام غير البخارى، ما لم يعرف أن النكرة منه، أو ممن هو فوقه، أو دونه، وما لم يعرف
قلتها من كثرتها، فعبد الله هذا(١) حسن الحديث البتة، لا سيما وقد استشهد به مسلم فى "صحيحه"،
وإبراهيم بن سعد، وإدريس بن يحيى لم يضعفهما الذهبى فى "الميزان"، مع التزامه أن لا يحذف
اسم أحد ممن له ذكر بتلبين ما فى كتب الأئمة، فهما ثقتان، ومن هنا قال الهيثمى فى "مجمع
الزوائد" (٣:١)، إن شيوخ الطبرانى الذين لم يضعفوا فى "الميزان" ثقات اهـ، فالحديث حسن.
وأما قوله: فظاهره يدل على أنه ليس بربا، بل له شبه من الربا، ففيه أن هذا الظاهر خفى
عندنا، بل الظاهر أن المراد بوجه الربا، ما رواه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، عن النبى معَّ ◌ُله،
قال: ((الربا ثلاث وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه))، رواه الحاكم، وقال: صحيح على
شرطهما، كذا فى "الترغيب" للمنذرى، وروى بمعناه آثارا عديدة (ص٣٣١)، فالمعنى أن كل
قرض جر منفعة فهو باب من أبواب الربا، التى أدناها أن يزنى الرجل بأمه، وأيضًا: فإن الاحتراز عن
شبهة الربا واجب أيضًا، وهذا إذا لم تكن المنفعة مشروطة، وإلا فهى أشد الربا وأعظمه، لكونه من
ربا الجاهلية الذى نهى عنه القرآن.
ومن شواهده ما رواه مالك فى "الموطأ" أنه بلغه "أن رجلا أتى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا
عبد الرحمن! إنى أسلفت رجلا سلفا، واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبد الله بن عمر:
فذلك الربا"، وقال مالك: إنه بلغه، "أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال فى رجل أسلف رجلا
طعاما على أن يعطيه إياه فى بلد آخر، فكره ذلك عمر، وقال: فأين الحمل يعنى حملانه"، قال
المحشى نقلا عن "المحلى": أى أجرة الطعام، وصار ذلك قرضا جر منفعة، وهو ربا بالنص، قال
مالك: إنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول: "من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضة
من علف فهو ربا" اهـ (ص ٢٨٣)، قلت: وبلاغات مالك كلها مسندة صحاح، سوى أربعة
لیست هذه منها، كما تقدم.
ومن شواهده أيضاً، ما أخرجه البخارى عن عبد الله بن سلام، أنه قال لأبى بردة بن أبى
موسى: "إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن،
أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا"، كذا فى "النيل" (٩٩:٥)، وقول المستفتى: إنه
متروك العمل باتفاق الأمة (ص ١٥ باطل قطعا، وفرية بلا مرية حتما، كما ذكرناه غير مرة، وقوله:
(١) فإن قلت: فلم ضعف الحافظ ابن حجر أثر فضالة فى "بلوغ المرام"؟ قلت: لعله رجح قول من ضعف عبد الله بن عياش هذا،
ولكنه لا يتمشى على أصلنا، فإن التعديل مقدم عندنا على الجرح، إذا كان غير مفسر، وإن كان عدد المضعفين أكثر.

٥٦٩
ج - ١٤
إنه مضطرب، كما فى (ص٤٣)، فدعوى بلا بينة منشأها الغفلة عن معنى الاضطراب.
ومن شواهده أيضًا ما رواه حماد بن سلمة فى "جامعه" (عن أبى هريرة مرفوعًاً) بلفظ: ((إذا
ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا»،
كذا فى "نيل الأوطار" (٢٠٢:٥)، ومعناه إذا أذن الراهن للمرتهن فى شرب لبنها بالنفقة، وإلا
فقال الشافعى، وأبو حنيفة، ومالك، وجمهور العلماء: لا ينتفع(١) المرتهن من الرهن بشىء، بل
الفوائد للراهن والمؤن عليه كما فى "النيل" أيضًا، وإذا كان ما استفضل من اللبن بعد ثمن العلف ربا
-مع كونه فى مقابلة العلف، ويصح مقابلة اللبن الكثير بالعلف القليل فى البيع، وإنما منع منه فى
الرهن لكون الراهن لا يرضى بذلك إلا لما عليه من ثقل الدين، وضلع القرض - كان الفضل
المشروط فى القرض ربا حتما، لكونه ليس فى مقابلة شىء غير الأجل، فافهم.
وأما تلقى الأئمة لهذا الحديث بالقبول، فدليل ذلك اتفاق فتاوى المجتهدين على حرمة المنفعة
التى جرها القرض، وعدهم إياها من الربا، قال محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد،
عن إبراهيم، قال: ((كل قرض جر منفعة فلا خير فيه))، وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ
(ص١١١)، وقوله: ((لا خير فيه) لا ينافى الحرمة لما مر أن الفقهاء ربما أطلقوا ((المكروه)) و ((لا خير
فيه)) على الحرام، وأصحاب المتون، والشروح من العلماء أعرف بمراد صاحب المذهب من غيرهم،
وقد صرح فى "الدر" و"الخلاصة" بحرمته، كما مر فهى المرادة.
وقال فى "المدونة الكبرى" لمالك: وقد سئل عن رجل على رجل دين، أ يصلح له أن يقبل
منه مديته؟ قال مالك: لا يصلح أن يقبل منه هديته إلا أن يكون رجلا كان ذلك بينهما معروفا،
وهو یعلم أن هدیته لیس بمکان دینه فلا بأس بذلك، قال: ابن وهب عن محمد بن عمرو، عن ابن
جريج، أن عطاء بن أبى رباح، قال له رجل: إنى أسلفت رجلا فأهدى لى، قال: لا تأخذه، قال:
قد كان يهدى إلى قبل سلفى، قال: فخذ منه، قال عطاء: إلا أن يكون رجلا من خاصة أهلك
أو خاصتك، لا يهدی لك لما تظن، فخذ منه، وعن یحیی بن سعيد أنه قال: أما من کان يتهادى هو
وصاحبه، وإن كان عليه دين أو سلف، فإن ذلك لا يتقابحه أحد، ثم ذكر أثر أبى بن كعب فى
(١) وما ذكر فى بعض كتب الفتاوى من جواز الانتفاع بالمرهون بإذن الراهن، فلا يصح أصلا، وإنما هو قول بعض المتأخرين، ولا
عبرة به إذا كان خلاف المنقول عن الإمام، ومعارضا للحديث، وإن سلم فلا راحة للمستفتى فيه لاتفاقهم على حرمة الانتفاع
به، إذا كاه مشروطًا، قال الطحاوى: والغالب من أحوال الناس أنهم إنما يريدون عند الدفع الانتفاع، ولولاه لما أعطاه الدراهم،
وهذا بمنزلة الشرط، فإن المعروف كالمشروط، وهو مما يعين المنع، والله تعالى أعلم، كذا فى "رد المحتار" (٤٧٨:٥).

٥٧٠
إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إهداءه إلى عمر هدية فردها إليه، وقد مر اهـ (١٩٩:٣).
وقال فى باب السلف الذى يجر منفعةً: وكذلك إن أقرضته دنانير أو دراهم، طلب المقرض
المنفعة بذلك لنفسه، ولم يعلم بذلك صاحبه إلا أنه كره أن يكون فى بيتة، وأراد أن يحرزها فى
ضمان غيره، فأقرضها رجلا، قال مالك: لا يجوز هذا، قلت: أرأيت إن قال المقرض: إنما أردت
بذلك منفعة نفسى، أيصدق فى قول مالك، ويأخذ حقه قبل الأجل، قال: لا يصدق، ولكنه
قد حرج فيما بينه، وبين خالقه، قلت: وإن كان أمرا معروفًا ظاهرا يعلم أنه إنما أراد المنفعة لنفسه،
أخذ حقه حالا، ويبطل الأجل فى قول مالك؟ قال: نعم، لأنه ليس بسلف(١) والتمام إلى الأجل
حرام، وإنما مثل ذلك الذى يبيع البيع الحرام إلى أجل، فيفسخ الأجل، ويكون عليه قيمته نقدا، إذا
فاتت السلعة، ولا يؤخر القيمة إلى الأجل.
قال: وسمعت مالكا يحدث: "إن رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى
أسلفت رجلا سلفا، واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبد الله: ذلك الربا، فقال: كيف
تأمرنى يا أبا عبد الرحمن؟ قال: السلف على ثلاثة وجوه: سلف تريد به وجه الله، فلك وجه الله،
وسلف تريد به وجه صاحبك(٢)، فليس لك إلا وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثا بطيب،
فذلك الربا، قال: فكيف تأمرنى يا أبا عبد الرحمن! فقال: أرى أن تشق(٣) الصحيفة، فإن أعطاك
مثل الذى أسلفته قبلته، وإن أعطاك دون ما أسلفته، فأخذته أجرت"، الحديث. قال ابن عمر: "إنما
القرض منحة"، وقال القاسم وسالم: "إنه لا بأس به (أى بأن يستسلف بأفريقية دينارا جرجريا
ويرده بمصر منقوشا) ما لم يكن بينهما شرط".
وقال ابن عمر: "من أقرض قرضا فلا يشترط إلا قضاؤه"، وقال ابن وهب عن رجال من
أهل العلم، عن ابن شهاب، وأبى الزناد، وغير واحد من أهل العلم: "أن السلف معروف أجره على
الله، ينبغى لك أن تأخذ من صاحبك فى سلف أسلفته شيئا، ولا تشترط إلا الأداء، قال عبد الله بن
مسعود: "من أسلف سلفا واشترط أفضل منه، وإن كان قبضة من علف فإنه ربا" ، ذكره عنه مالك
ابن أنس، قلت: أرأيت إن أقرضتك حنطة بالفسطاط على أن توفنيها بالإسكندرية؟ قال: قال
مالك: ذلك(٤) حرام، قال مالك: نهى عنه عمر بن الخطاب اهـ(١٩٤:٣ و١٩٥)، وقال عطاء:
(١) فيه دليل على أن القرض إذا أريد به المنفعة، فليس هو بقرض، وإنما هو كالبيع.
(٢) أى تريد إرضائه لمصالح دنيوية لا لكونه أخاك فى الإسلام.
(٣) الذى كتبت فيه الشرط أى وأخبر صاحبك بإبطالك الصحيفة وتمزيقها.
(٤) قلت: فيه دلالة على إرادة الحرام بلفظ الكراهة، فإن الرواية عن عمر، إنما هى بلفظ الكراهة، كما تقدم عن الموطأ.

ج - ١٤
٥٧١
كانوا (أى الصحابة) يكرهون كل قرض جر منفعة، أخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح عنه، كما
ذكره المستفتى، وقد مر.
وقال المستفتى: إن جمهور الفقهاء يستدلون على حرمة منافع القرض بحديث: « کل قرض
جر منفعة فهو ربا)) اهـ (ص٣١)، قلت: فقد اعترف بأن الأئمة والأمة تلقوه بالقبول، وقد ذكرنا فى
الأصل الرابع، أن مدار تصحيح الحديث ليس على الإسناد فقط، بل قد يكون صحيحا، إذا تأید بما
يدل على صحته من القرائن، أو تلقاه الناس بالقبول، إما بالقول، وإما بالعمل عليه، والإفتاء به، وأى
قرينة أقوى من موافقة أجلة الصحابة له، ومطابقة فتاوى الفقهاء إياه، واتفاق الصحابة، ومن بعدهم
على كون اشتراط الزيادة، والمنفعة فى القرض ربا؟ كما قاله عطاء، والعلامة العينى، وابن رشد
المالكى، وغيرهم من العلماء، وإذا تقرر ذلك فقول إمام الحرمين، والغزالى: إنه (أى حديث: ((كل
قرض جر منفعة فهو ربا)))، صح كما ذكره الحافظ فى "التلخيص" (٢٤٥:٢)، ولم يرده عليهما
صحیح لا غبار عليه.
وأما قول الشوكانى فى "نيل": "لا خبرة لهما بالفن"، منشأه عدم الفهم لوجه قولهما،
فإنهما لتم يصححاه على طريقة الإسناد، وإنما صححاه لتلقى الناس له بالقبول، واتفاق عملهم،
وفتاواهم عليه، فافهم، ولا تكن من الغافلين، والحديث إذا تلقاه الأمة بالقبول يصير بذلك مشهورا
فوق الآحاد، حتى يجوز به الزيادة على الكتاب، كما صرح به الأصوليون فى غير ما موضع،
منهم الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٣٨٦:١).
هذا، ومما يدل على كون الربا غير البيع خلاف ما زعمه المستفتى من حصره فى البيع، ما
رواه الأوزاعى عن النبى معرّ ◌ِلّه، أنه قال: ((يأتى على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع))، قال ابن
القيم: والحديث وإن كان مرسلا، فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات(١) ما يشهد
له كذا فى "النيل" (٧٠:٥)، فلو كان الربا بيعا لم يكن لاستحلاله بالبيع معنى، فإن الشىء إنما
يستحل باسم غيره من المباحات، كما فى حديث عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه، أنه سمع
رسول الله عَّ يقول: ((تشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها، يخسف الله بهم
الأرض، ويجعل الله منهم القردة والخنازير))، رواه ابن ماجه، وابن حبان فى "صحيحه"، كما فى
٢ (١) منه ما مر فى قول ابن القيم من هذا الكتاب ولفظه: وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها، فإنه حرمه سدا لذريعة ربا النسأ،
فقال فى تحريم ربا الفضل: "فإنى أخاف عليكم الذما، والذما هو الربا" اهـ، واللفظ رواه مالك فى "موطائه" عن عمر، وفيه:
"إنى أخاف عليكم الرماء" بالراء (٢٦١).

٥٧٢
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
"الترغيب" (٤١٧).
فعلم بذلك أن الربا الحقیقی هو غیر البیع التی عدها الشارع علیه السلام من الربا، فھی ربا
غير حقيقى، ألحقت بالحقيقى سدا للذرائع، وهذا هو الذى يدل عليه لفظ القرآن: ﴿ذلك بأنهم
قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل البيع وحرم الربا﴾، فإنه مشعر بالتفرقة بينهما خلاف ما زعمه
المستفتى من كون الربا من البيع، ومعنى الآية، وأحل الله البيع لذاته (إلا ما حرمه لعارض سد
الذريعة إلى الربا)، وحرام الربا لذاته (وهو ما تعارفه أهل الجاهلية)، فالربا والبيع شيئان مفترقان،
هذا حرام لذاته، وهذا حلال لذاته، فافهم، فإن الحق لا يتجاوز عنه، وهو الذى صرح به غير واحد
من العلماء، كما تقدم.
قال المستفتى: وإذا كان القرض عبادة وصدقة، فحكم الاستئجار والاستنفاع عليه كحكم
الاستئجار على الصدقات والعبادات، كالاستئجار على تعليم القرآن، وتعليم الفقه والحديث،
والاستئجار(١) على قرآن التراويح، وسائر أمور الدين، من الوعظ، والتذكير، والإفتاء إلخ (٤٣).
والجواب: أن البغاث بأرضنا لا يستنسر، وهذا كله من الأغلوطات والأباطيل التى لا يلتفت
إليها مسلم فى قبله حب الله ورسوله أبدا، فإن القرض فى الأصل من المعاوضات، ولذا يذكره
الفقهاء فى المعاوضات، والمعاملات، لا فى العبادات، والطاعات، وإنما هو تبرع ابتداء فقط، كما
مر مفصلا.
وأيضًا: فإن حرمة الاستئجار على الطاعات ليس بمتفق عليه بين الأمة والأئمة، ولم يرد فى
حرمته نص قاطع، بل النصوص فيها مختلفة، بعضا تفيد حله، وبعضها حرمته، قال النبى عد له:
(إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله))، أخرجه البخارى فى "صحيحه" عن ابن عباس مرفوعا،
وبه احتج الأئمة الثلاثة على جواز الاستئجار على الطاعات، وحملوا ما يعارضه إن ثبت على من
تعين عليه التعليم، ولذا أفتى المتأخرون من الحنفية بقول الأئمة الثلاثة فى مثل ذلك، لتعذر حفظ
الدين والأحكام بدونه، بخلاف الاستئجار والاستنفاع على القرض، فحرمته متفق عليها قد
أجمعت الأمة والأئمة عليها كما قدمناه مفصلا، فقياس الحرمة المجمع عليها على الحرمة المختلف
فيها قياس مع الفارق، باطل لا محالة.
وإنما أفتى المتأخرون من الحنفية بجواز الاستئجار على بعض الطاعات لضرورة دينية، لما
شاهدوا فى الناس من التكاسل والتقاعد فى أمور الدين، وتعذر بقاء الدين، وحفظه بدون الإفتاء
(١) لا يخفى ما فيه، فإن الاستئجار على قرآن التراويح لم يجوزه الحنفية أصلا.

ج - ١٤
ئے
٥٧٣
١
بمذهب الغير، ولا ضرورة للدين إلى إجازة الاستئجار على القرض والاستنفاع منه، بل فيه توهين
الإسلام، وتحقيره فى عيون المخالفين، وجعله أضحوكة بين الأنام، فإن حرمة هذا الاستئجار
واستقباحه مما جبلت عليه أهل الأديان كلها، والناس كلهم يعدونه ظلما وعدوانا، وينسبون فاعله
إلى البخل الذى لا داء أدوأ منه، ولا يرضى به إلا طائفة قليلة من الأغنياء الذين جعله المال وعددوه،
وقليل ماهم، وأما المعسرون والمفاليس -وهم أكثر الناس عددا- والموسرون الذين لا يجمعون
المال، فلا يرضون بربا القرض أبدا، والواجب على واضع القانون مراعاة الأكثرين دون الأقلين،
فتحريم الربا من محاسن الشريعة الإسلامية ومناقبها، التى جذبت القلوب إليها، فالضرورة الدينية
داعية إلى تحريم ذلك حرمة أبدية.
والعجب من المستفتى، ومن جرأته على الاجتهاد ومن غير علم، كيف يرضى بجعل !
الإسلام أضحوكة بين الأنام، وبذلته فى عيون العقلاء أولى الأفهام، بتجويز الظلم الصريح الذي
لا يجوزه إلا طائفة من اللئام الطعام الذين قالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾، وذهلوا أن الله أحل البيع،
وحرم الربا، هذا، ولنجب بعد ذلك عن الأسئلة التى عرضها علينا المستفتى فى خاتمة الكتاب مع
الجواب، وإلى الله المشتكى من تخليطه ولبسه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب.
١- فنقول: لفظ الربا فى آية: ﴿وأحل البيع وحرم الربا﴾، ليس بمجمل عرفا، كانت العرب
تعرفه وتفعله قبل نزول الآية، وكذلك أهل الكتاب، فإن الله تعالى قد ذم المشركين، وأهل الكتاب
لأكلهم الربا، وقد نهوا عنه، ولم يكونوا يعرفون حديث عبادة، ولا غيره، كما هو مصرح فى
قوله: ﴿فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾، وهو يقتضى وقوع الربا قبل نزول الآية حتما، والسنة
متأخرة عن الآية قطعًا، فلو كانت لفظه الربا فى القرآن مجملة لا بيان لها إلا بالسنة، لكان أكلهم
الربا قبل نزول الآية، وقبل معرفتهم بالسنة مستحيلا، ولا يقول بذلك، ولا يحمل كلا العلماء عليه
إلا من أعمى الله قلبه، وجعل على بصره غشاوة، بل مراد من قال بالإجمال فيها: إن لفظ الربا
معروف المعنى، وظاهر المراد عند أهل العرب، ولكنه صار مجملا لما ألحق الشارع به بعض ما
لم يكن يعرفه بالربا، قال عَّ لليه: ((الربا ثلاث وسبعون بابا))، كما تقدم.
وقد ذهب الطحاوى من الحنفية - وهو أعرف الناس بمذهبهم ومذاهب العلماء- إلى أن ربا
القرآن غير ربا السنة، كما قدمناه، فالقول بأن الربا المذكور مجمل عند الأحناف وغيرهم من
الأئمة، حتى يصح أن يقال: اتفقت عليه الأمة، كما قاله المستفتى (٤٤) باطل قطعا، كيف؟
وقد صحح ابن العربى المالكى فى "أحكام القرآن" له كونه غير مجمل، كما مر مفصلا،

٥٧٤
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
ولو سلمنا كونه مجملا لا نسلم أن بيانه حديث: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة إلخ)) فقط،
بل بيانه هذا، وحديث: ((كل قرض جر منفعة إلخ))، و ((إنما الربا فى النسيئة)) أيضًا.
٢- الربا أن يؤخذ للأجل عوض، هذا هو الربا الحقيقى الذى كان العرب يعرفه بالربا،
صرح به الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٤٢٧:١)، والطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٣٣:٢)
بلفظ: فيكون مشتريا لأجل بمال اهـ، واتفقت الآثار على كونه ربا أهل الجاهلية الذی نهى الله عنه،
كما ذكره مالك فى "الموطأ"، وابن جرير فى تفسيره، واتفق العلماء على ذلك أيضًا، كما حكاه
ابن رشد المالكى فى "بداية المجتهد" له، وأما ما ذكره الفقهاء: أن الربا هو الفضل الخالى عن
العوض فى البيع، فهو حد لربا البيع الذى هو ربا السنة، أو يقال: إن زيادة لفظ البيع فيه تمثيل،
ولیس للحصر، کما تقدم بیان ذلك عن ابن عابدين وغيره.
٣- الفضل المشروط فى القرض ربا منصوص، وهو الربا الحقيقى الذى كانت العرب تعرفه (
بالربا، ونهى عنه القرآن، دون ربا البيع الذى ورد بيانه فى السنة، فإن العرب لم تكن تعرفه ربا،
صرح به الجصاص وغيره من العلماء، كالطحاوى، وابن رشد، والفخر الرازى وغيرهم، ودل عليه
الآثار الواردة فى تفسير ربا الجاهلية.
٤- الدليل على حرمة الفضل المشروط فى القرض إجماع العلماء على أن ربا الجاهلية الذى
نهى الله عنه فى القرآن بقوله: ﴿وأحل البيع وحرم الربا﴾، هو هذا الفضل المشروط فى القرض
والدين، كما تقدم تفصيله مستوفى، وقال الهيثمى فى "الزواجر" (١٨٧:١)، وهو أى الربا ثلاثة
أنواع، ربا الفضل، وهو البيع مع زيادة أحد العوضين المتفق الجنس على الآخر، وربا اليد، وهو البيع
مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما عن المجلس بشرط اتحادهما علة، وإن اختلف الجنس، وربا
النسا، وهو البيع للمطعومين أو للنقدين المتفقى أو المختلفية لأجل، وزاد المتولى نوعا رابعا، وهو ربا
القرض، ولكنه فى الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل، لأنه الذى فيه شرط يجر نفعا للمقرض، فكأنه
أقرضه هذا الشىء بمثله مع زيادة النفع الذى عاد إليه.
وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع بنص الآيات المذكورة، والأحاديث الآتية،
وكل ما جاء من الوعيد شامل للأنواع الأربعة، وربا النسيئة هو الذى كان مشهورا فى الجاهلية،
لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره، إلى أجل على أن يأخذه منه كل شهر قدرا معينا، ورأس
المال باق بحاله، فإذا طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء، فى الحق والأجل،. وهذا النوع مشهور
الآن بين الناس وواقع كثيرا، وكان ابن عباس رضى الله عنهما لا يحرم إلا ربا النسيئة محتجا بأنه

ج - ١٤
٥٧٥
المتعارف بينهم، فينصرف النص إليه، لكن صحت الأحاديث بتحريم الأنواع الأربعة السابقة من
غير مطعن ولا نزاع لأحد فيها، ومن ثم أجمعوا على خلاف قول ابن عباس على أنه رجع عنه اهـ.
قال المستفتى: النفع المشروط فى القرض لما لم يثبت كونه ربا القرآن والحديث، استدل على
كونه ربا تارة بالقياس، وتارة بحديث: ((كل قرض جر نفعا)) إلخ (٤٥).
قلت: إن أراد بالنفع المشروط اشتراط الجودة والسكة ونحوها، أو اشتراط الأداء ببلد
المقرض ونحوه، فاستدلال الفقهاء على حرمته بهذا الحديث مسلم، وقد قدمنا أنه حديث صحيح
لتلقى الأمة له بالقبول، وإن كان حسنا لغيره من حيث الإسناد، ولا حاجة إلى القياس بعد وجود
النص، وربما يذكر الفقهاء العلة القياسية مع النص تأييدا له، لا احتجاجا به، كما هو دأب صاحب
"الهداية" و "البدائع" والطحاوى وغيرهما، فمن فهم من ذلك كون الحكم قياسا، فقد خلع ربقة
الفقه عن عنقه، لكون ذلك مفضيا إلى أن لا يوجد حكم منصوص فى الشرع أصلا، فإنهم
لا يذكرون النص فى مسألة إلا ويذكرون معه علة قياسية أيضًا، وإن أراد بالنفع المشروط الفضل،
والزيادة المشروطة فيه وزنا أو عددا، فقوله: "إنهم يستدلون على كونه ربا تارة بالقياس، وتارة
بحديث: ((كل قرض جر منفعة)) غير مسلم، بل باطل قطعا، فإن دليله عندهم الإجماع على
حرمته، وكونه من ربا الجاهلية الذى نهى الله تعالى عنه مع الآثار الواردة فى تفسير ربا الجاهلية،
كما تقدم، وإنما يذكرون هذا الحديث والقياس تأييدًا.
قال المستفتى: ولو سلم صحة القياس، ففيه أن الأحكام القياسية تقبل التغير بتغير الأزمان
إلخ (٤٥)، قلت: هذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فقد بينا أن حرمة الفضل المشروط فى القرض،
ليست بقياسية، بل هى منصوصة، ومجمع عليها بين الأئمة، والأمة كلهم، وأيضًا فقوله:
"إن الأحكام القياسية تقبل التغير بتغير الأزمان" على الإطلاق باطل، بل إذا تغيرت العلة بتغير
الزمان، ومثل ذلك يقبله الحكم المنصوص أيضًا، كما فى خروج النساء إلى الأعياد، والجمعات،
والجماعات، فكان جائزا فى الصدر الأول، أى زمان النبى معَّ لعلة الأمن من الفساد إلا نادراً،
ثم تغير الحكم بتغير الزمان لتغير العلة.
وكوقوع الطلقة الواحدة بقول الرجل للمدخول بها: أنت طالق، طالق، طالق فى الصدر
الأول لعلة سلامة اللسان، وقلة الافتراق إذ ذاك، فإذا قال الرجل: ما أردت به إلا واحدة، قبل قوله:
قضاء وديانة، ثم لما تتابع الرجال فى الطلاق، ولم يبق فيهم سلامة الصدر، وصدق اللسان، كما
كان قبل، قضى عمر بإيقاع الثلاث قضاءً، وأن لا يقبل نية الواحدة إلا ديانة، ومن زعم أن الأحكام

٥٧٦
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا
إعلاء السنن
القياسية تتغير بتغير الزمان مع بقاء العلة، فقد افترى على الأئمة كذبا، وليس منه الإفتاء بمذهب غير
إمامه فى مسألة للحاجة، فبذلك لم يتغير مذهب الإمام بتغير الزمان، بل هو على حاله، وإنما غايته
ترك تقليد الإمام فى المسألة، واختيار قول الآخرين من المجتهدين فيها، لكون اختلاف الأمة رحمة،
فلم يتغير الحكم، وإنما تغير التقليد.
وأما ما نقله المستفتى هناك فى الحاشية عن بعض الفقهاء من اعتبار العرف، والزمان،.
واختلاف الأحكام باختلافه، فإنه لم يدرك مرادهم، ولم يفهمه حق الفهم، وحاصل ما ذكروه، أن
ما كان من الأحكام مبينا على ألفاظ المتعارفة، كاليمين، والطلاق، فلا بد فيه من اعتبار عرف كل
قوم فى كل زمان، فلو قال: لا أضع قدمى فى دار فلان، المتعارف عندهم به الدخول، يحكم
بالحنث بالدخول، لا بوضع القدم من غير دخول، وقس على ذلك ألفاظ الطلاق وغيره،
فلو تعارف قوم بلفظ البتة الثلاثة المغلظة، يفتى بوقوع الثلاث حتما، وما كان منها لا يبتنى على
الألفاظ المتعارفة، بل على الدلائل الفقهية، فاختلفوا فى كون العرف دليلا بها أو لا،
فزعم بعضهم أن تعارف المسلمين عملا فى ديارهم من زمان من غير نكير دليل على جوازه
شرعا، لكونه داخلا فيما رآه المسلمون حسنا، ولكونه نوعا من أنواع الإجماع العملى.
ولا شك فى أن تعامل الصحابة، وتعارفهم عملا من غير نكير حجة، لكونهم عدولا خيارا
لا يخالفون النص فى عملهم عمدا أصلا، وأما تعامل غيرهم لا سيما تعامل من بعد القرون الثلاثة
المشهودة لها بالخير، ففى اعتباره تفصيل، ذكره ابن عابدين فى رسالته "نشر العرف"، والعجب
من المستفتى أنه ذكر منه شيئا يسيرا، وترك منه ما يخالفه، وهل هذا إلا اتباع الهوى الذى من اتبعه
فقد غوى؟ وهل هذا إلا لبس الحق بالباطل، وبيع العاجل بالآجل؟ أعاذنا الله منه.
قال ابن عابدين رحمه الله: قد صرحوا بأن الرواية إذا كانت فى كتب ظاهرا لرواية لا يعدلى
عنها، إلا إذا صحح المشايخ غيرها، كما أوضحت ذلك فى شرح الأرجوزة، فكيف يعمل بالعرف
المخالف لظاهر الرواية؟ وأيضًا: فإن ظاهر الرواية قد يكون مبنيا على صريح النص، من الكتاب،
أو السنة، أو الإجماع، ولا اعتبار للعرف المخالف للنص، لأن العرف قد يكون على باطل بخلاف
النص كما قاله ابن الهمام، وقد قال فى "الأشباه": العرف غير معتبر فى المنصوص علیه، قال في
"الظهيرية" من الصلاة: وكان محمد بن الفضل يقول: السرة إلى موضع نبات الشعر من العانة
ليست بعورة، لتعامل العمال فى الإبداء عن ذلك الموضع عند الاتزار، وفى النزع عن العادة الظاهرة
نوع حرج، وهذا ضعيف وبعيد، لأن التعامل بخلاف النص لا يعتبر.

ج - ١٤
٥٧٧
3
وفى "الأشباه" أيضًا: الفائدة الثالثة: المشقة والحرج إنما يعتبران فى موضع، لا نص فيه، وأما
مع النص بخلافه فلا، إلى أن قال: فنقول: إن العرف نوعان: خاص، وعام، وكل منهما، إما أن
يوافق الدليل الشرعى، والمنصوص عليه فى كتب ظاهر الرواية أو لا، فإن وافقهما فلا كلام، وإلا
فإما أن يخالف الدليل الشرعى، أو المنصوص عليه فى المذاهب، فنذكر ذلك فى بابين: الباب
الأول: إذا خالف العرف الدليل الشرعى، فإنه خالفه من كل وجه، بأن لزم منه ترك النص، فلا
شك فى رده، كتعارف الناس كثيرا من المحرمات من الربا، وشرب الخمر، ولبس الحرير، والذهب،
وغير ذلك مما ورد تحريمه نصا، وإن لم يخالفه من كل وجه، بأن ورد الدليل عاما، والعرف خالفه
فى بعض أفراده، أو كان الدليل قياسًا، فإن العرف(١) معتبر إن كان عاما، فإن العرف العام يصلح
مخصصا، ويترك به القياس، كما صرحوا به فى مسألة الاستصناع، ودخول الحمام، والشرب من
السقاء، وإن كان العرف خاصا، فإنه لا يعتبر، وهو المذهب كما ذكره فى "الأشباه"، قال: هل
المعتبر فى بناء الأحكام العرف العام، أو مطلق العرف، ولو كان خاصا؟ المذهب الأول انتهى.
ويتفرع على ذلك لو استقرض ألفا، واستأجر المقرض لحفظ مرأة، أو ملعقة كل شهر
بعشرة، وقيمتها لا يزيد على الأجر، ففيها ثلاثة أقوال:
١- صحة الإجازة بلا كراهة، اعتبارا لعرف خواص بخارى.
٢- والصحة مع الكراهة للاختلاف.
٣- والفساد لأن صحة الإجازة بالتعارف العام ولم يوجد، وقد أفتى الأكابر بفسادها إلى أن
قال، وحاصله: أن ما ذكروا فى حيلة(٢) أخذ المقرض ربحا من المستقرض، بأن يدفع المستقرض إلى
المقرض ملعقة مثلا، ويستأجره على حفظها فى كل شهر بكذا، غير صحيح، لأن الإجارة مشروعة
(١) انظر إلى هذا القيد فيما إذا كان الدليل قياسيا أنه لا بد من كون العرف عاما من غير نكير، وحرمة الفضل المشروط فى القرض
ليس بالقياس، بل بالنص والإجماع، وليس فى التعامل به عرف عام من المسلمين، بل إنما يرتكبه بعض الفساق والجهال من
العوام الذين جمعوا مالا وعددوه، وهؤلاء شرذمة قليلون، وأما المغاليس وكثير ما هم، وكذا الأغنياء الذين لا يجمعون المال
فلا يرضون به أبدا، ولا يتعاملون إلا مضطرين، وينكره الصلحاء والعلماء إلا من كان العلماء قد باع دينه بالدنيا، وزل حماره
فى الطین.
(٢) قلت: ولو كان الاستئجار والاسترباح على القرض جائزا، ولو عند أحد من المجتهدين، لم يحتاجوا إلى مثل تلك الحيلة، والويل
كل الويل لأهل الربا أن تلك الحيلة أيضًا لا تجوز فى المذهب، فيا لجرأة هذا المستفتى كيف أغمض عينيه عن كل ذلك، وقال:
بجواز الاسترباح والاستئجار على القرض نفسه، فخالف الإجماع، ولم يخش الله فى تحليل الربا المحرم؟ نعوذ بالله من
الخذلان.

٥٧٨
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
على خلاف القياس، لأنها بيع المنافع المعدومة وقت العقد، وإنما جازت بالتعارف العام،
وقد تعارفوها سلفا وخلفا.
ولا يخفى أنه لا ضرورة إلى الاستئجار(١) على حفظ ما لا يحتاج إلى حفظه بأضعاف
قیمته، فإنه ليس مما يقصده العقلاء، ولذا لم يجز استئجار دابة ليجنبها، أو دراهم ليزين بها د كانه،
- كما صرحوا به أيضًا، فتبقى على أصل القياس، ولا يثبت جوازه بالعرف الخاص، فإن العرف
الخاص لا يترك به القياس فى الصحيح، على أن هذا العرف لم يشتهر فى بلدة، بل تعارفه بعض
أهل بخارى دون عامتهم، ولا يثبت التعارف بذلك (١١٦:٢-١١٨).
هذا آخر ما أردنا إيراده فى جواب هذا الاستفتاء، الذى وصل صاحبه فى تحريم الأحكام،
وتبديل الشرع غاية الفتراء، ولعمرى أن الذين كانوا يجوزون الربا فى الهند مع الكفار؛ لكونها
دار الحرب هم أحسن حالا من هذا المستفتى، وخير مآلا، لكونهم آخذين بقول إمام من الأئمة،
ولو ضعيفا لا يجوز الإفتاء به عندنا إلا لضرورة شديدة، وأما هذا المستفتى، فقد أتى بالعجب
العجاب من تحليل الحرام، وإلى الله المشتكى مما أحدثه المنتسبون إلى العلم فى الأحكام، وغيروا من
شرع الله، وشرع رسوله أفضل الأنام، عليه صلاة الله وسلامه إلى يوم القيام، وعلى آله وأصحابه
البررة الكرام، والحمد لله رب العالمين، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وإذا أردت بقوم فتنة
فتوفنى غير مفتون، حرره المفتقر إلى رحمة ربه الصمد، عبده المذنب ظفر أحمد.
النزيل بالخانقاه الإمدادية بتهانه بهون ٢٤ / ذى الحجة ١٣٤٧ من الهجرة النبوية
(١) وكذا لا ضرورة إلى استئجار الدراهم، بل ولا يتحقق فيه معنى الإجارة أصلا، لضرورة بقاء المستأجر بالفتح، والانتفاع بمنافعه،
وأما الإِجازة على استهلاك العين، فباطلة قطعا.

٥٧٩
ج - ١٤
تتمة الكلام
قد أورد المستفتى فى آخر رسالته على قول الشيخ ثناء الله: ونصه: إن المراد بالربا معناه
اللغوى، وهو الزيادة، وهى عبارة عن فضل يعلو على المماثلة، والمساواة، فأوجب تعالى فى المبايعة،
والمقارضة، المماثلة، والمساواة، فالمعتبر فيها المماثلة بالأجزاء كيلا، أو وزنا إن اتحد جنس البدلین،
وكان من ذوات الأمثال، وعند اختلاف الجنس تكتفى المماثلة المعنوية، وهى القيمة، وجعلت
القيمة مماثلا للبدل، لأن مالكى البدلين رضيا عليه عند المبادلة، فيصير كل من البدلين مثلا لمجموع
البدل الآخر باصطلاحهما انتهى، بأن المماثلة لا يوجد فى القرض، لأنه ليس فيه وجود الطرفين،
وبأن القرض ليس فيه المبادلة عند الشرع، وهذا الشيخ أيضًا، أقام عليه الأدلة، ثم قال: أعطى الشرع
لمثله حكم عينه، وبأنه على هذا لا يجوز للمشترى أن يبيع ما اشتراه بأكثر من الثمن الذى اشتراه
به، لأنه الفضل لغة مع أنه جائز باتفاق الأمة، وعند الشيخ أيضًا اهـ (٤٧).
والجواب عن الأول والثانى بأن القرض معاوضة انتهاء، كيف لا يوجد فيه المبادلة، والمماثلة
من هذه الجهة؟ وهذا هو مراد الشيخ -قدس الله سره- نعم، لا مبادلة، ولا مماثلة فى القرض ابتداءً،
لكونه تبرعا من هذه الجهة، فلا يصح القول بنفى المماثلة، والمبادلة عن القرض مطلقا، بل لا بد من
تقييده بالابتداء، وهذا لا يضر الشيخ، ولا ينفع المستفتى، على أن القرض كالبيع عند محمد رحمه
الله، كما صرح به ملك العلماء فى "البدائع"، ونصه: أما ركنه فهو الإيجاب والقبول، وهذا قول
محمد وإحدى الروايتين عن أبى يوسف، وروى عن أبى يوسف أخرى: أن الركن فيه الإيجاب،
والقبول ليس بركن، وجه قول محمد: إن الواجب فى ذمة المستقرض مثل المستقرض، فلهذا
اختص جوازه بماله مثل، فأشبه البيع، فكان القبول ركنا فيه، كما فى البيع اهـ (٢٩٤:٧).
ويؤيده قول الهيثمى فى "الزواجر": بأن ربا القرض يرجع فى الحقيقة إلى ربا الفضل إلخ،
كما مر ذكره، وعلى هذا فما حكاه المستفتى عن بعض الأعلام أن القرض ليس غير البيع، ومباينا
له، بل داخل فيه، (الصواب أن يقال، بل هو مثله) لأن القرض مبادلة انتهاء فهو قسم من أقسام
البيع لا غير (الأصوب القول بأنه فى حكم البيع) صحيح على قول محمد، ومن وافقه، فإنه قاسه
على البيع لأجل المبادلة التى فيه، وجعل الإيجاب القبول ركنين له كالبيع، فافهم.
وعن الثابت بأن المماثلة المعنوية، وهى القيمة عند اختلاف جنس البدلين، لما كان مدارها
على اصطلاح العاقدين ورضاهما، لا بد وأن تختلف باختلاف العاقدين والعقد، فالثمن الذى
اصطلح عليه العاقدان هو مثل بدله فى هذا العقد، والثمن الذى تراضى عليه الآخران هو مثل هذا

٥٨٠
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
الشىء فى ذلك العقد، فيجوز للمشترى بيع ما اشتراه بأكثر من الثمن الذى اشتراه به لغير البائع
الأول، ولهذا البائع أيضًا بعد أداء الثمن فى العقد الأول لاختلاف العقد والعاقدين، لكون البائع
مشتريا، والمشترى بائعا فى الثانى، وليس ذلك من الفضل لغةً، ولا عرفًا، فإن الفضل والزيادة
لا يظهر لغةً، وعرفًا إلا فى المتحدة الأجناس، فلا يقال: إن مائة درهم أزيد من الثوب، ولا أن
الدينار أزيد من الفلوس، فإذا تراضى العاقدان فى المختلفة الأجناس على ثمن كان مثل بدله مماثلة
معنوية، فافهم، وكن من الشاكرين، هذا جوابنا عن إيراد المستفتى على كلام الشيخ ثناء الله.
وأما دعواه أن الشيخ إنما قال ذلك -أى أن المراد بالربا معناه اللغوى- بعد ما تنبه على أن نفع.
القرض المشروط لا يدخل فى الربا المحرم بالنص على المسلكين إلخ، فدعوى بلا بينة، فإن كلام
الشيخ - رحمه الله - فى تفسير آية الربا صريح فى كون ربا القرض داخلا فى ربا القرآن، محرما.
بالنص، كما تقدم ذكره، واعترف المستفتى بذلك نفسه، ولكنه نسى ما قدمت يداه، فذكر
ثانيا خلاف ما أولا أبداه، وذلك من ديدن المخلطين الملبسين، يخبطون دائما خبط عشواء،
ولا يستقيمون ساعة على منهج سواء، والله تعالى أعلم.