Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ کل قرض جر منفعة فهو ربا إعلاء السنن فلم يصنع شيئا، قال ابن حزم فى "المحلى" (٨٦:٥)، وصح عن عبد الله بن سلام أنه "تقاضيت الحسن بن على دينا لى عليه، فوجدته قد خرج من الحمام فقضانى، ولم يزنه، فوجدته قد زادنى على حقى سبعين درهمًا" اهـ، وليس نصا فى القرض لاحتمال أن يكون دينا من ثمن المبيع، فيكون من باب الزيادة فى الثمن ولا نزاع فيه. ثم احتج بقول ابن عمر: "فإن أعطاك مثل الذى أسلفته قبلته، وإن أعطاك دون ما أسلفته فأخذته أجرت، وإن أعطاك أفضل مما أسلفته طيبة به نفسه، فذلك شکر شكره لك " اهـ، ولیس نصا فى الزيادة فى القدر، بل الظاهر أنه أراد الأفضل، أو الأدون وصفًا، بدليل ما رواه ابن حزم نفسه من طريق ابن أبى شيبة: نا وكيع، نا هشام عن القاسم ابن أبى بزة عن عطاء بن يعقوب قال: "اقترض منى ابن عمر ألف درهم، فقضانى أجود من دراهمى، وقال لى: ما كان فيها من فضل، فهو نائل منى لك أتقبله؟ قلت: نعم" (٧٨:٨)، وفيه إطلاق الفضل على الجودة، فكذا فيما قبله. قال: وحکی شعبة أنه سأل الحكم بن عتيبة، وحماد بن أبى سلیمان عمن اقترض دراهم فرد عليه خيرا منها؟ فقالا جميعا: إذا كان ليس من نيته (أى شرطه) فلا بأس، وصح عن قتادة عن الحسن البصرى، وسعيد بن المسيب، قالا جميعا: لا بأس أن تقرض دراهم بيضا، وتأخذ سودا، وتقرض سودا وتأخذ بيضا، ومن طريق ابن أبى شيبة: نا قطرى بن عبد الله، عن أشعث الحمرانى، قال سألت الحسن إن لى جارات، ولهن عطاء على فيقترضن منى، وينتهى فى فضل دراهم العطاء على دراهمى، قال: لا بأس به (٧٨:٨)، قلنا: أراد فضلها على دراهمه جودةً. ٠ وبالجملة: فلا خوف فى جواز اقتضاء الأفضل مما أقرضه وصفا بلا شرط، إلا ما روى عن إبراهيم النخعى: فى رجل أقرض رجلا ورقا فجاءه بأفضل منها، قال: "الورق بالورق أكره الفضل فيها حتى يأتى بمثلها" ، رواه محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة، عن حماد عنه، وقال: لسنا نأخذ بهذا ما لم يكن شرطا اشترطه عليه، فإذا كان شرطا اشترطه فلا خير فيه (١١١)، وكذا لا نزاع فى حرمة الفضل المشروط فى القرض، سواء كان وصفًا أو قدرًا، كما مر، واختلفوا فيما إذا تطوع المقترض عند قضاء ما عليه، فأعطى أكثر مما أخذه قدرا، أو عددا من غير شرط، وقد ذكرنا أقوال الفقهاء فى ذلك فى رسالتنا "كشف الدجى"، فلتراجع، وكل ما احتج به من أجاز التطوع بالزيادة قدرا، أو عددا عند القضاء، لیس بصریح فیه، كما ذكرنا. القرض لا يتأجل بالتأجيل: فائدة: قال الموفق فى "المغنى": للمقرض المطالبة بحقه فى الحال، لأن القرض سبب يوجب : ج - ١٤ کل قرض جر منفعة فھو ربا ٥٢٢ قال: "إذا كان لك على رجل مال فأهدى لك حملة من تبن فلا تقبلها، فإنها ربا، اردد رد المثل فى المثليات، فأوجبه حالا كالإتلاف، ولو أقرضه تفاريق ثم طالبه بها جملةً فله ذلك، لأن الجميع حال، وإن أجل القرض لم يتأجل وكان حالا، وبهذا قال أحد، وإن أجل فى غصب غصبه إياه، أو فى سائر الحقوق ما عدا القرض لزمه التأجيل، وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل، قال ابن بطال: اختلف العلماء فى تأخير الدين فى القرض إلى أجل، فقال أبو حنيفة وأصحابه: سواء كان القرض إلى أجل أو إلى غير أجل له أن يأخذه متى أحب، وكذلك العارية وغيرها، لأنه عندهم من باب العدة والهبة غير مقبوضة، وهو قول الحارث العكلى وأصحابه، وإبراهيم النخعى. وقال ابن أبى شيبة: به نأخذ، وقال مالك وأصحابه: إذا أقرضه إلى أجل، ثم أراد أخذه قبل الأجل لم يكن له ذلك اهـ، ولا خلاف بين العلماء فى لزوم الآجال فى البيع، لأنه من باب المعاوضات، فلا يأخذه قبل محله، وقال الشافعى: إذا أخر الدين الحال فله أن يرجع فيه متى شاء سواء كان ذلك من قرض أو غيره. وقال أبو حنيفة: كل دين يصح تأجيله إلا القرض، فإن تأجيله لا يصح، كذا فى "عمدة القارى" (٦١:٦)، ولنا أن الأجل يقتضى جزاء من العوض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقص فى عوضه، وبدل المتلف الواجب فيه المثل من غير زيادة، ولا نقص، فلذلك لم يتأجل، وبقية الأعواض تجوز الزيادة فيها، فجاز تأجيلها، واحتج مالك بقول النبى معَّه: ((المؤمنون عند شروطهم))، وهو يقتضى وجوب العمل بالشرط فى كل دين قرضا كان أو غيره، ولنا أن الحق يثبت فى القرض حالا، والتأجيل تبرع منه ووعد، فلا يلزم الوفاء به، كما لو أعاره شيئا وأجله، وهذا لا يقع عليه اسم الشرط فلم يتناوله الحديث، ولو سمى فالخبر مخصوص بالعارية، فيلحق به ما اختلفنا فيه لأنه مثله، ولأن القرض صدقة، وتبرع ابتداء، ولهذا لا يجوز الإقراض إلا من أهل التبرع، ولو جاز أى لزم تأجيله لزم أن يمنع المقرض عن مطالبته قبل الأجل، ولا جبر على المتبرع، بهذا ظهر أن الخلاف إنما هو فى لزوم التأجيل لا فى الصحة، والجواز، كما فى "الأشباه" (٢٦٩). دلیل کون القرض صدقة ابتداءً: قلت: والدليل على كون القرض صدقة ابتداءً، ما رواه الطبرانى والبيهقى بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود أن النبى معَّه قال: ((كل قرض صدقة))، وعن أبى أمامة رضى الله عنه عن ٥٢٣ کل قرض جر منفعة فهو ربا إعلاء السنن علیه هدیته أو اثبه" اهـ. النبى معَّةِ، قال: ((دخل (١) رجل الجنة، فرأى مكتوبا على بابها الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر))، رواه الطبرانى والبيهقى، كلاهما من رواية عتيبة بن حميد، ورواه ابن ماجة والبيهقى أيضًا عن خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أنس، قال المنذرى: وعتبة بن حميد عندى أصلح حالا من خالد. (قلت: وقد مر توثيقه فى الكتاب من قريب، فالحديث حسن)، وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى معَّ قال: ((ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرة إلا كان كصدقتها مرتین)، رواه ابن ماجة، وابن حبان فى صحيحه، والبيهقى مرفوعًا وموقوفًا، كذا فى "الترغيب" (١٥٥). التنبيه على وهم المنذری فی التر غيب قلت: أخرجه البيهقى من طريقين مرفوعًا بلفظ: ((من أقرض ورقا مرتين كان كعدل صدقة مرة))، وأعل الأولى بسليمان بن يسير، فقال: قال البخارى: ليس بالقوى، والثانية بأبی حريز قاضى سجستان، وقال: ليس بالقوى، ولكن ابن حبان أخرج الحديث فى "صحيحه" من طريق أبی حریز هذا فهو ثقة عنده، وأخرج الترمذى فى أبواب النكاح حديثا فى سنده أبو حريز هذا، وقال: حسن صحيح، كذا فى "الجوهر النقى" (٣٥٤:٥)، وأخرجه موقوفا على عبد الله بلفظ: ((لأن أقرض مرتين أحب إلى من أن أتصدق مرة))، وروى نحوه عن أبى الدرداء، وابن عباس رضى الله عنهم من قولهما (٣٥٣:٥)، ولفظ ابن ماجة فى "سننه": ((ما من مسلم يقرض مسلما قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة» (١٧٧)، فإن كان ابن حبان أخرجه باللفظ الذى ذكره المنذرى، وإلا فالوهم متعين، وبالجملة: فكون القرض صدقة مما لا ينكر، ولا جبر على المتبرع، فلا يلزم تأجيله. الرد على ابن حزم فى إيراده على الحنفية فى هذا الباب: وقد خفى ذلك كله على ابن حزم، فقال: واحتج بعضهم بأن قال: إن التأجيل فى أصل القرض لا يصح، فما زاد هذا المحتج على خلاف الله تعالى فى قوله: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ اهـ (٨٤:٨)، ولم يدر المسكين أن لا دلالة فيه على جواز التأجيل، أو لزومه فى الديون، لأن الآية ليس فيهما بيان جواز التأجيل فى سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان مؤجلا، (١) هو النبى مَّ دخلها ليلة أسرى به، كما فى رواية أخرى عن أنس.١٢ ظ ٥٢٤ کل قرض جر منفعة فھو ربا ج - ١٤ ثم يحتاج أن يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل فى الدين وامتناعه، ألا ترى أنها لم يقتض جواز دخول الأجل على الدين بالدين، حتى يكونا جميعًا مؤجلين؟ (ولا لزوم الأجل فى دين حال أو مؤجل قد حل أجله فرغب الذى عليه الحق أن ينظره أيضًا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك، فقد نص ابن حزم نفسه بأنه لا يلزمه شىء من ذلك، والدين حال يأخذه به متى شاء (٨٤:٨) مع أن قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ ينتظمه إذا سلمنا عمومه للقرض، لكونه عاما لكل قرض مؤجل، سواء كان مؤجلا فى أول عقده، أو فى ثانيه، ومن ادعى اختصاصه بالأول، فعليه البيان وهو بمنزلة قوله: ((من أسلم فليسلم فى كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم))، لا دلالة فيه على جواز السلم فى سائر المكيلات والموزونات. وإنما ينبغى أن يثبت جوازه بدلالة أخرى، وإذا ثبت أنه مما يجوز فيه السلم احتجنا بعد ذلك إلى أن نسلم فيه فى كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم، (ألا ترى أنه لا يجوز إسلام الذهب فى الفضة وإسلام الفضة فى الذهب إجماعًا)؟، وكما تدل الآية على جواز عقود المداينات، ولم يصح الاستدلال بعمومها فى إجازة سائر عقود المداينات، لأن الآية إنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صحت المداينة، كذلك لا تدل على جواز شرط الأجل فى سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صح الدین والتأجيل فيه. وقد احتج بعضهم فى جواز التأجيل فى القرض بهذه الآية، إذ لم تفرق بين القرض، وسائر عقود المداينات، وقد علمنا أن القرض مما شمله الاسم، وليس ذلك عندنا كما ذكر، لأنه لا دلالة فيها على جواز كل دين، ولا على جواز التأجيل فى جميعها، وإنما فيها الأمر بالإشهاد على دين قد ثبت فيه التأجيل، لاستحالة أن يكون المراد به الإشهاد على ما لم يثبت من الديون، ولا من الآجال، فوجب أن يكون مراده إذا تداینتم بدین، قد ثبت فيه التأجیل فا کتبوه، فالمستدل به على جواز تأجيل القرض مغفل فى استدلاله. ومما يدل على أن القرض لم يدخل فيه أن قوله تعالى: ﴿إذا تداینتم بدین﴾ قد اقتضى عقد المداينة، وليس القرض بعقد مداينة، إذ لا يصبر دينا بالعقد دون القبض، فوجب أن يكون عقد القرض خارجًا منه، كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٤٨٣:١)، فليس القائل بعدم تأجل القرض بالتعجيل مخالفا لقوله تعالى: ﴿إِذا تداینتم بدین إلى أجل مسمى﴾، ومن رماه بذلك، فقد أخطأ فى تأويل الآية ووضعها فى غير موضعها. ٥٢٥ کل قرض جر منفعة فھو ربا إعلاء السنن الأمر بكتابة الديون، والبيوع المؤجلة، والإشهاد عليها للندب لا للوجوب، والجواب عن حجة ابن حزم فى هذا الباب: فائدة: قال ابن حزم: إن كان القرض إلى أجل ففرض عليهما أن يكتباه، وأن يشهدا عليه، واحتج بالاية، قال: ومن قال: إنه ندب فقد قال الباطل، ولا يجوز أن يقول الله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾، فيقول قائل: لا أكتب إن شئت ويقول الله تعالى: ﴿وأشهدوا﴾ فيقول قائل: لا أشهد إلخ (٨٠:٨). (قلت: لا يقول القائل بالندب: لا أكتب ولا أشهد، وإنما يقول: يستحب، وينبغى أن يكتب ويشهد عليه، وما ذا يقول ابن حزم فى قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾؟ وفى قوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض﴾؟ هل يجب عنده على المحرم الاصطياد إذا حل من إحرامه؟ وعلى المصلين الانتشار فى الأرض، إذا قضوا صلاتهم؟ فإن قال: لا يجب عليهم ذلك فكيف جاز له أن يقول الله تعالى: ﴿اصطادوا﴾ ويقول: هو لا أصطاد؟ ويقول: ﴿فانتشروا فى الأرض﴾، ويقول: هو لا أنتشر؟ وإن قال: قد قام الدلالة على كون الأمر فى ذلك للإباحة أو الندب، قلنا: فكذلك قد قام عندنا الدلالة على كون الأمر فى قوله: ﴿فاكتبوه واستشهدوا شهيدين﴾ للندب، فكيف يكون قولنا باطلا، وقولك هو الحق؟ وقد روى عن الحسن والشعبى: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، وروى ليث عن مجاهد: أن ابن عمر كان إذا باع أشهد ولم يكتب، وهذا يدل ،على أنه رآه ندبا، لأنه لو كان واجبا، لكانت الكتابة مع الإشهاد، لأنهما مأمور بهما فى الآية، قال الجصاص: لا يخلو قوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾ إلى قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ من أن يكون موجبا للكتابة الإشهاد على الديون الآجلة فى حال نزولها، وكان هذا حكما مستقرا ثابتا إلى أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًاً فليؤد اؤتمن أمانته﴾ (وإليه ذهب أبو سعيد الخدرى، كما سنبينه)، أو أن يكون نزول الجميع معًا، فإن كان كذلك، فغير جائز أن يكون المراد بالكتاب والإشهاد الإيجاب، لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ مبعا فى شىء واحد، إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره، ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول هذين الحكمين وجيد الحكم بورودهما معًا، فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد اوتمن أمانته﴾، فتبت بذلك أن الأمر بالكتابة، والإشهاد ندب غیر واجب. ج - ١٤ کل قرض جر منفعة فهو ربا ٥٢٦ وما روى عن ابن عباس من: "أن آية الدين محكمة لم ينسخ منهما شىء"، لا دلالة فيه على أنه رأى الإشهاد واجبا، لأنه جائز أن يريد أن الجميع ورد معًا، فكان فى نسق التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ندبا، وهو قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾، وما روى عن ابن عمر أنه کان یشهد، وعن إبراهیم وعطاء أنه یشهد على القليل، کله عندنا أنهم رأوه ندبا لا إيجابا، وما روى(١) عن أبى موسى: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم، أحدهم من له على رجل دين ولم يشهد"، فلا دلالة له على أنه رآه واجبا ألا ترى أنه ذكر معه: ((من له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها)). ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق أن يطلقها، وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط، والتوصل إلى ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة، والإشهاد، والرهن المذكور جميعه فى هذه الآية ندب، وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ، والصلاح، والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب إلى آخر ما قال، وأطال، وأفاد وأجاد (٤٨٢:١). وأخرج الطبرى بطريق عديدة صحاح عن الشعبى أنه قال فى هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، حتى بلغ هذا المكان: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذی اؤتمن أمانته﴾، قال: رخص فى ذلك فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه، وبسند حسن عن ابن جريج قال: قال غير عطاء: نسخت الكتاب والشهادة، فإن أمن بعضكم بعضا، وبسند صحيح عن ابن زيد قال: نسخ ذلك قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذى اؤتمن أمانته﴾، قال: فلولا هذا الحرف لم يبح لأحد أن يدان بدين إلا بكتاب، وشهداء أو برهن، فلما جاءت هذه نسخت هذا كله صار إلى الأمانة، قال: وحدثنا عمرو بن على، ثنا محمد بن مروان العقيلى، ثنا عبد الملك بن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، أنه قرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، قال: هذه نسخت ما قبلها (٧٨:٣). قلت: سند حسن، فإن محمد بن مروان وثقه ابن معین، وقال أبو داود: صدوق، وذكره ابن حبان فى الثقات، وعبد الملك ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال الدارقطنى: لا بأس به، والحديث أخرجه ابن ماجة فى "سننه" (١٧٢)، وفيه: ثنا عبد الملك بن أبى نضرة، عن أبيه، عن (١) أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٧٩:٨).١٢ظ ٥٢٧ کل قرض جر منفعة فهو ربا إعلاء السنن أبى سعيد الخدرى الحديث، وهو الصحيح، فإن عبد الملك لا يروى إلا عن أبيه عن أبى سعيد، لم يدرك أبا سعيد، لأنه من السابعة يصغر عن إدراكه، وأبو نضرة المنذر بن مالك ثقة من الثالثة من رجال مسلم والأربعة، وليس المراد بالنسخ النسخ الاصطلاحى، فإن هذه الشرطية لا يرفع الحكم السابق، لأنها مقرونة بشرط الأمن، فالنسخ ههنا بمعنى التخصيص، أى أن الأحكام السابقة لمن لم يثق بأمانة المدينون، ومن يثق بها فهو فى مندوحة عن الكتابة والشهود، والرهن. وأغرب ابن حزم حيث قال: الظاهر من قول أبى سعيد رضى الله عنه أنها أى ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾، إنما نسخت الأمر بالرهن، لأنه هو الذى قبلها متصلا بها، ولا يجوز أن يظن بأبى سعيد أنه يقول: إنها نسخت كل ما كتب قبلها من القرآن إلخ (٨: ٣٤٦)، ولو راجع لفظ الحديث عند ابن ماجة، أو الطبرى بعرف أن أبا سعيد لم يرد الرهن فقط ولا جميعما كتب قبلها من القرآن، وإنما أراد الأمر بالكتابة، والإشهاد، والرهن، لأنه قرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ إلى أن قرأ: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾، فتعين ما قلنا، وبه صرح الشعبى وابن زید، وذهب إلى ذلك جماهیر التابعين غیر عطاء، وأما قوله: دعوى النسخ لا يجوز إلا ببرهان، لأن كلام الله، إنما ورد ليؤتمر له، والنسخ يوجب الترك اهـ، فقد أجبنا عنه بأن المراد بالنسخ تخصيص الحكم لا تبديله، والتخصيص يجوز عندهم بخبر الواحد، فبآية من الكتاب بالأولى، فافهم، والله تعالى أعلم. لا يجوز قرض ما لا مثل له من الحيوانات والمعدودات: , فائدة: قال صاحب "البدائع" فى شرائط القرض: منها أن يكون مما له مثل، كالمكيلات، والموزونات والعدديات المتقاربة، فلا يجوز قرض ما لا مثل له من المزروعات، والمعدوات غير المتقاربة، لأنه لا سبيل إلى إيجاب رد العين، ولا إلى إيجاب رد القيمة، لأنه يؤدى إلى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف المقومين، فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل، فيختص جوازه بما له مثل اهـ (٣٩٥:٧). وقال الموفق فى "المغنى": يجوز قرض المكيل والموزون بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض ما له مثل من المكيل، والموزون، والأطعمة ج - ١٤ کل قرض جر منفعة فهو ربا ٥٢٨ جائز، قال الموفق: ويجوز قرض كل ما يثبت فى الذمة سلما سوى بنى آدم، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيّل، والموزون، لأنه لا مثل له أشبه الجواهر، ولنا أن النبى معَّ له استسلف بكرا، وليس بمكيل ولا موزون إلخ (٤: ٣٥٥). قلت: ولنا ما روينا أنه مر طّ. نهى عن السلم فى الحيوان، وصح النهى عنه عن عمر وابن مسعود رضى الله عنهما، وقصة استسلاف البكر، قد أجبنا عنها فى باب النهى عن السلم فى الحيوان، فليراجع. وإذا جاز قرض الحيوان فكذا الجوارى، والإماء لعموم الدلیل، وبذلك قال المزنی ومحمد بن جرير، والظاهرية كما فى السلم، ومن منع قرض الجوارى، قال: كيف يطؤها ثم يردها؟ فيكون فرجا معارا، وأجاب عن ذلك صاحب "المحلى" بما ملخصه: أنهم يوجبون هذا فی التی یجد بها عيبا، فهلا قاسوا تلك على هذه؟ وليس ذلك فرجا معارا، لأن العارية لا تزيل ملك المعير، فحرام وطئها، وأما المستقرضة فملكها المستقرض وحلت له فيردها أو يرد غيرها، كذا فى الجوهر النقى. تحقيق حكم القرض فى الخبز وزنا أو عددا: فائدة: قال صاحب "البدائع": ولا يجوز القرض فى الخبز، لا وزنا، ولا عددا عند أبى حنيفة وأبى يوسف - رحمها الله تعالى - وقال محمد: يجوز عددا، وما قالاه هو القياس لتفاوت فاحش بين خبز وخبز، لاختلاف العجن، والنضج، والخفة، والثقل فى الوزن، والصغر، والكبر فى العدد، ولهذا لم يجز السلم فيه بالإجماع (أى بإجماع أصحابنا)، فالقرض أولى، لأن السلم أوسع جوازا، من القرض والقرض أضيق منه، ألا ترى أنه يجوز السلم فى الثياب، ولا يجوز القرض فيها؟ فلما لم يجز السلم فيه فلأن لا يجوز القرض أولى، إلا أن محمدا - رحمه الله- استحسن فى جوازه لعرف الناس، وعادتهم فى ذلك، وترك القياس لتعامل الناس فيه، وهكذا روى عن إبراهيم النخعى -رحمه الله- أنه جوز ذلك اهـ (٧: ٣٩٥). وقال الموفق فى "المغنى": يجوز قرض الخبز، ورخص فيه أبو قلابة ومالك، ومنع منه أبو حنيفة، ولنا أنه موزون، فجاز قرضه كسائر الموزونات (فيه ما مر، فتذكر) ووجه الجواز ما روت عائشة رضى الله عنها قالت: "قلت: يا رسول الله! إن الجيران يستقرضون الخبز، والخمير، ويردون زيادة ونقصانا، فقال: لا بأس، إن ذلك من مرافق الناس لا يراد به الفضل"، ذكره أبو بكر فى ٥٢٩ کل قرض جر منفعة فهو ربا 3 إعلاء السنن الشافى بإسناده، وفيه أيضًا بإسناده عن معاذ بن جبل: "أنه سئل عن استقراض الخبز، والخمير؟ فقال: سبحان الله! إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير، وأعط الصغير، وخذ الصغير، وأعط الكبير، خير كم أحسنكم قضاء، سمعت رسول الله عَّ يقول ذلك". (قلت: رواه الطبرانى فى "الكبير" أيضًا، وفيه سلمان سلمة الخبائرى، ونسب إلى الكذب، كما فى "مجمع الزوائد" (١٣٩:٤)، ولم أطلع على سند حديث عائشة، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)، قال: فإن شرط أن يعطيه أكثر مما أقرضه أو أجود، أو أكبر، أو أعطاه مثل ما أخذ وزاده كسرة كان حراما، لأن الأصل التحريم، وإنما أبيح لمشقة إمكان التحرز منه، فإذا قصد، أو شرط، أو أفردت الزيادة حرم بحكم الأصل، كما لو فعل ذلك فى غيره اهـ، ملخصا (٣٥٩:٤). لا يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل بشرط الإبراء عن الباقى :. فائدة: لا يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل على أن يبرئه من الباقى، وقد مر ذكره فى أبواب الربا، وهذا إذا كان بطريق الشرط، فلو عجل الذى عليه الحق بعض ما عليه بغير شرط، ثم رغب إلى صاحب الحق أن يضع عنه الباقى أو بعضه، فأجابه إلى ذلك، أو وضعه عنه أو بعضه بغير رغبة، فكل ذلك جائز حسن، وكلاهما مأجور لأنه ليس ههنا شرط أصلا، لكن أحدهما سارع إلى الخير فى أداء بعض ما عليه فهو محسن، والآخر سارع إلى الإبراء من حقه فهو محسن، قال الله عز وجل: ﴿وافعلوا الخير﴾، وهذا كله خير "المحلى" (٨٤:٨)، وقواعدنا لا تأباه. کل دین مؤجل یحل بالموت سواء كان له أو عليه: فائدة: کل من مات، وله دیون علی الناس مؤجلة، أو للناس علیه دیون مؤجلة، فكل ذلك سواء، وقد بطلت الآجال كلها، وصار كل ما عليه، وله من دين حالا، سواء فى ذلك القرض، والبيع وغير ذلك. وقال مالك: أما الديون التى عليه مؤجلة فقد حلت، وأما التى له على الناس فإلى أجلها، ولنا ما رواه ابن حزم من طريق أبى عبيد: نا إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية - عن الشعبى والنخعى، قالا جميعًا: "من كان له دين إلى أجل، فإذا مات فقد حل"، ومن طريقه عن معاذ بن معاذ ج - ١٤ کل قرض جر منفعة فهو ربا ٥٣٠ العنبرى، عن أشعث، عن الحسن: "أنه لا یری الدين حالا إذا مات وعليه دين"، ومن طريق محمد بن المثنى، ثنى عبد الرحمن بن مهدى، عن سفيان الثورى، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم، قال: "إذا مات الميت فقد حل دينه"، وهذا عموم لما عليه وله (٨٥:٨). قلت: وهذه أسانيد كلها صحاح، ولا نعلم لمالك فى تفريقه بين ما عليه، وما له حجة من نظر وعقل، ولا من أثر ونقل.١٢ظ وليكن هذا آخر كتاب البيوع من "إعلاء السنن"، والحمد لله العلى الوهاب ذى الطول والمنن، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد أشرف الخلائق المبعوث فى أشرف الزمن، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين حفظوا كتاب الله، وسنة رسوله، وأماتوا البدعة، وأخيوا وأعلوا السنن، والحمد لله الذى بعزته، وجلاله، ونعمته تتم الصالحات، وقع الفراغ من تأليفه ضحوة السبت لتاسع عشر من صفر الخير سّنة ألف وثلاثمائة وست وخمسين، من هجرة أفضل الكائنات، عليه وعلى . آله وأصحابه أزكى صلوات، وأبهى تحيات. خاتمة الكتاب وأنا العبد الضعيف ظفر أحمد بن لطيف العثمانى التهانوى، المتمم لما فات فى تأليف هذا . الجزء من بعض أحبابه الکیرانوی، حفظهما الله جميعًا من شر کل غبی وغوی، وتجاوز عن ذنبهما الجلى والخفى، ورزقهما فى الدنيا والآخرة الحسنة والعيش الهنىء، والفضل السنى، آمين. ويتلوه الرسالة المسماة بـ " كشف الدجى عن وجه الربا" ألحقناها به لكونها مناسبة لبعض أبواب هذا الجزء المبارك الميمون، كاشفة عن شبهات يغتر بها كل قاصر مفتون، بما يعرضه عليه بعض من تصدى للإفتاء بغير علم وهم ضالون مضلون، والله خبير بما يعلمون. * بدا ٥٣١ إعلاء السنن بسم الله الرحمن الرحيم رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا فی جواب الاستفتاء عن الربا الوارد علينا من المحكمة الشرعية ببلدة حيدرآباد دکن وهى جزء من كتاب البيوع لإعلاء السنن الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد: فقد اطلعنا على الاستفتاء الذى ورد علينا من الصدارة العالية، المحكمة الشرعية للدولة الآصفية، فى حقيقة الربا، فأردنا أن نخرج للمستفتى ما عندنا من العلم وفق طلبه، ونوضح له طريق الحق ومحجة الصدق إنجاحا لمراده ومأربه، وبالله أعتضد فيما أعتمد، وهو حسبى ونعم الوكيل، ولنذكر قبل الشروع فى الجواب أصولا موضوعة، ليتسير لنا بها طريق الإيجاز فى بيان الصواب. الأصل الأول إن إجماع المجتهدين حجة لا يجوز لأحد خلافه، والأئمة المجتهدون إذا اختلفوا فى مسألة فى أى عتصر كان على أقوال كان إجماعًا منهم على أن ما عداها باطل، ولا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر (نور الأنوار ٢٢٣)، وكذا صرح به الأصوليون قاطبةً، ومن أراد التفصيل، فليراجع "التوضيح والتلويح" و"إحكام الأحكام" و"فواتح الرحموت" وغيرها. الأصل الثانى العامى ومن ليس له أهلية الاجتهاد - وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة فى الاجتهاد- يلزمه اتباع قول المجتهدين، والأخذ بفتواهم عند المحققين من الأصوليين، (إحكام الأحكام) للآمدى ٣٠٦:٤) أى ولا يجوز له الاجتهاد فى القرآن والحديث والعمل باجتهاده، ما لم يظهر موافقته لقول مجتهد من المجتهدین. ٥٣٢ ج - ١٤ الأصل الثالث الثابت بدلالة النص ما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادا، وليس المراد به معناه اللغوى الموضوع له، بل معناه الالتزامى كالإيلام من التأفيف، والحاصل: أنه إذا وجد فى معنى النص علة يفهم كل من يعرف اللغة أن الحكم فى المنطوق لأجلها فدلالة نص، والثابت بدلالة النص كالثابت بالعبارة والإشارة، فى الثبوت بالنظم والقطعية، وهو فوق القياس، لأن المعنى فى القياس مدرك رأيًا، لا لغةً بخلاف الدلالة اهـ (نور الأنوار) (١٤٨) و (التوضيح مع التلويح ١٣٦ مصرً). الأصل الرابع مدار التصحيح والتصنيف الحديث ليس على الإسناد فقط، فإذا قيل: هذا حديث صحيح، فمعناه قبلناه عملا بظاهر الإسناد : أنه مقطوع به فى نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وإذا قيل: هذا حديث ضعيف، فمعناه لم يصح إسناده على الشرطِ المذكور، لا أنه كذب فى نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب، وإصابة من هو كثير الخطأ اهـ (تدريب الراوى ١٨ و ١٩) المجتهد إذا استدل بحديث كان ذلك تصحيحا له منه، كذا فى "التحرير" (لابن الهمام) وغيره اهـ "شامى" (٥٧:٤)، قال أبو الحسن بن الحضار فى "تقريب المدارك على موطأ مالك": قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن فى سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به اهـ، كذا فى "تدريب الراوى" (١٦)، وقال المحقق ابن الهمام فى "الفتح": إذا تأيد الضعيف بما يدل على صحته من القرائن كان صحيحا اهـ (٣٨٣:١). وقد یحکم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم یکن له إسناد صحيح، قال ابن عبد البر فى "الاستذكار" لما حكى عن الترمذى أن البخارى صحح حديث: ((البحر هو الطهور ماءه)، وأهل الحديث لا يصحون مثل إسناده، لكن الحديث عندى صحيح، لأن العلماء تلقوه " بالقبول اهـ من "تدريب الراوى" (١٥). والقبول يكون تارة بالقول، وتارة بالعمل عليه، قال المحقق فى "الفتح": وقول الترمذى: "العمل عليه عند أهل العلم يقتضى قوة أصله، وإن ضعف خصوص هذا الطريق (١٨٨:١)، وقال السيوطى فى التعقبات: الحديث (أى حديث ابن عباس: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابا من الكبائر)))، أخرجه الترمذى، وقال: حسن ضعفه أحمد وغيره، والعمل عليه عند أهل العلم، فأشار بذلك إلی أن الحدیث اعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غیر واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به، وإن لم يكن له إسناد يعتمد على مثله اهـ. ٥٣٣ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن الأصل الخامس الحديث المرفوع الضعيف إذا تأيد بأقوال الصحابة، أو قول أكثر العلماء، فهو مقبول محتج به، كالمرسل عند من لا يحتج به إذا تأيد بشىء من ذلك كان حجة اتفاقا، ومن أراد التفصيل، فليراجع "تدريب الراوى"، ورسالتنا المسماة بـ"إنهاء السكن"، وقد مر فى الأصل الرابع ما يؤيده ویشیده. الأصل السادس أن الأجل لا قيمة له منفردا فى نفسه عند الشارع، صرح به الفقهاء قاطبةً، واعترف به المستفتى فى هذا الاستفتاء أيضًا (ص ٨). الأصل السابع علة حرمة الربا كونه ظلما وغبنا لقوله تعالى: ﴿فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ الآية، فما كان من معاملات المال بحيث يكون الظلم فيه أكثر كان أولى بكونه ربا من غيره، لضرورة وجود المعلول مع وجود العلة، قال ابن رشد فى "بداية المجتهد": وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا، إنما هو لمكان الغبن الكثير الذى فيه، وأن العدل فى المعاملات، إنما هو مقاربة التساوی اهـ (٧٩:٢). الأصل الثامن أقوال الناس فى تفسير الآيات حجة، قال ابن القيم فى "الأعلام": ومن تأمل كتب الأئمة، ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعى اهـ (٢٣٢:٢). وبعد ذلك فلنشرع فى الجواب، وبيان الحق والصواب فيما سئلنا عنه، فنقول: الفضل المشروط فى القرض ربا محرم، لا يجوز للمسلم أخذه من أخيه المسلم أبدا، لإجماع العلماء المجتهدين على حرمته، فلم يقل أحد منهم بجواز الفضل المشروط فى القرض، ومن ادعى غير ذلك نسأله، هل هو مجتهد أو غير مجتهد؟ فإن ادعى الاجتهاد وتيسر آلاته -ودونه خرط القتاد- فليجعل نفسه عرضة للامتحان، لكى يكرم أو يهان، وأيضًا: فلا يجوز له وإن كان مجتهدا، إحداث قول قد أجمع السابقون من المجتهدين على بطلانه، فقد قال فى "رحمة الأمة": وإذا افترض رجل من رجل قرضا، فهل يجوز أن ينتفع بشىء من المال المقترض أو لا يجوز ذلك ما لم تجر عادة به قبل القرض؟ قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا يجوز، وإن لم يشرطه، وقال الشافعى: إن كان من غير شرط جاز، والخبر محمول على ما شرط اهـ (٧٣)، وهذا هو مختار الكرخى منا، ٥٣٤ ج - ١٤ وقال شمس الأئمة الحلوانى بمثل ما قال الثلاثة، كما سيأتى. فقد أجمعوا على حرمة الفضل المشروط فى القرض، واتفقوا على الاحتجاج بحديث النهى عن كل قرض جر نفعا، وإنما اختلفوا فى تأويله، واستدلال المجتهد بحديث تصحيح له، كما تقدم فى الأصل الرابع، فبطل ما زعمه المستفتى أنه غير ثابت، ولا أصل له (ص ١٣)، وأنه متروك العمل باتفاق الأمة (ص ١٥)، وإن اعترف بقصوره عن درجة الاجتهاد، قلنا له: فلا يجوز لك الاستنباط من القرآن والحديث، بل يلزمك اتباع أقوال المجتهدين المتقدى بهم فى الدين، فأرنا نصا منهم على جواز ما ادعيت جوازه، وإن لم تفعل ولن تفعل أبدا فاتق الله، ولا تلق بيديك إلى التهلكة بالقول فی دین الله بغير علم، ولا هدی، ولا کتاب منیر. ولم يأت المستفتى بدليل على جواز الفضل المشروط فى القرض من أقوال المجتهدين، بل حاصل كلامه كله أن لا دليل على حرمته من القرآن والحديث، وحيثما اطلع في كلام الفقهاء على حرمته، وأنه ربا، يرده بقوله: أن لا دليل عليه ونحوه، ولم يدر المسكين أن قول المهمتهد بمجرده دليل فى حق العامى، وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة، وهو حجة ملزمة لا يجوز للعامى خلافه، كما تقرر فى الأصل الثانى، ولعل هذا القدر كافٍ لجواب هذا الاستفتاء بطوله، وافٍ للمستفتى فى إنجاز سؤله، وإنجاح مأموله، ولكن نريد أن نتكلم على ما أبداه من الدلائل بالتفصيل، حيث يشفى به الغليل، ويتميز الصحيح من العليل. فنقول(١): قد زعم المستفتى أن الأمة بعد اتفاقها على أن المعنى اللغوى للربا، ليس مرادا فى الآية تشعبت فرقتين، فالأئمة وجمهور العلماء عينوا هذه الأفراد بالسنة، فالرها عندهم منحصر فى البيع لا غير، وذهب البعض إلى أن اللام فى الربا للعهد، والمردا به ربا الجاهلية إلخ. قلت: أما الأئمة فلم يرد منهم تصريح بإجمال الآية أصلا، ومن ادعى فليرنا نصوصهم، وأما المتأخرون من العلماء فقد ذهب بعضهم إلى ما قال المستفتى، وقد بقى قول آخر ذكره ابن العربى فى "أحكام القرآن" له، وصححه، ونصه: قال علماؤنا: الربا فى اللغة هو الزيادة، ولا بد فى الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به، فلأجل ذلك اختلفوا، هل هى عامة فى تحريم كل ربا، أو مجملة، لا بيان لها إلا من غيرها؟ والصحيح أنها عامة، وكان الربا عندهم معروفًا، إلى أن قال: إن من زعم أن هذه الآية مجملة، فلم يفهم مقاطع الشريعة، فإن الله تعالى أرسل رسوله عّ لّه إلى قوم هو منهم بلغتهم، وأنزل عليه كتابه تيسيرا منه بلسانه ولسانهم، والربا فى اللغة الزيادة، والمراد به فى الآية (١) أطال فى بيان الإجمال من (ص ١) إلى (ص ٥). ٥٣٥ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا إعلاء السنن كل زيادة لم يقابلها عوض اه، ملخصًا (١٠١:١-١٠٢). فإن قيل: لو كان الربا باقيا على حكمه فى أصل اللغة لما خفى على عمر، لأنه كان عالما بأسماء اللغة لكونه من أهلها، قلنا: لفظ الربا كالميسر فالميسر اشتقاقه فى اللغة من اليسر(١) أو اليسار، سمى به اللعب بالأزلام أى القمار عرفا، لما فيه من أخذ المال بيسير وسهولة من غير كد، ولا تعب، أو لأنه سبب اليسار والغنی اهـ، فكذلك الربا کان اللغة عاما لکل زیادة ولکن خص فى العرف بكل زيادة لا يقابلها عوض بدليل تفرقتهم بين البيع والربا، كما يشعر به قولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾، ولا شك أن البيع، والتجارة يقصد بهما الربح والزيادة، فثبت أن مطلق الزيادة لم يكن ربا عندهم، فبقاء لفظ الربا على حكمه فى أصل اللغة لا يتصور أصلا، بل المراد بقاؤه عاما لكل ما كان يطلق عليه الربا عرفا، لو كان الشارع اقتصر فى تجريم الربا على ما كان يطلق عليه فى العرف، لما خفى على عمر لكونه من أهل العرف، ولكنه حرم مع ذلك، وأدخل فيه صورا أخرى ما كان يطلق عليه لفظ الربا فى العرف، فاستشكله عمر رضى الله عنه لخفاء العلة الجامعة بين تلك الصور. ولأجل ذلك اختلف العلماء المجتهدون فى علة الربا، فقال أبو حنيفة: علتها اتحاد الجنس والقدر، وقال الشافعى: الجنس، والطعم، والثمنية. وقال مالك: القوت والادخار مع الجنس، فهذا هو سبب خفائه على عمر رضى الله عنه لا ما زعمه بعضهم من الإجمال فى الآية. فإن قيل: فما معنى قول من قال بإجمال فى آية الربا، قلنا: ليس معناه أنها مجملة من أصلها، وأن الرب لم تعرف الربا إلا ببيان الرسول عرّ له، كيف؟ وقد حكى الله قولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ الدال على تفرقتهم بينهما، وأمرهم بترك ما بقى لهم من الربا الدال على أخذهم إياه، ويمتنع الأخذ بدون المعرفة، بل معناه أنها صارت مجملة حين أدخل الشارع فيه أشياء لم يكن يطلق عليهما الربا عرفا، فقد قال مّ له: ((الربا ثلاثة وسبعون بابا)) الحديث، وسيأتى، ونظيره قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، فإنه ظاهر فى وجوب المسح على الرأس مجمل فى مقداره، ولا يصح القول بأنه مجمل من كل وجه، ولا بيان له إلا من السنة، بل لو لم يرد بيان المقدار من السنة لوجب المسح على كل الرأس، أو على أدنى ما يصح إطلاق مسح الرأس عليه، فكذا ههنا، فالآية ظاهرة فى تحريم الربا العرفى، ومجملة فى تحريم غيره من أنواع الربا الشرعية، هكذا ينبغى أن يفهم المقام. فالربا اثنان: عرفى، وشرعى، كما قال الرازى: ونصه: اعلم أن الربا قسمان: ربا النسيئة، (١) قاله الإمام الفخر الرازى فى تفسير قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾. ج - ١٤ ٥٣٦ وربا الفضل. أما ربا النسيئة(١) فهو الأمر الذى كان مشهورا متعارفا فى الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا فى الحق والأجل، فهذا هو الربا الذى كانوا فى الجاهلية يتعاملون به، وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها، وما أشبه ذلك، إذا عرفت هذا فنقول: المروى عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول، فكان يقول: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، وكان يجوز ربا النقد، ثم إنه رجع عنه اهـ (٣٥١:٢). قلت: وخلاف ابن عباس فى ربا النقد دليل على أن الربا الحقيقى هو الأول دون ربا النقد، وإلا لزم كون الحقيقى مختلفا فيه مخفيا عن مثل ابن عباس، وذلك بعيد وأبعد، وإنما يتصور الاختلاف والخفاء فى غير الحقيقى الملحق بالحقيقى، وقال الجصاص الرازى: فمن الربا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع، وهو ربا أهل الجاهلية، وهو القرض المشروط فيه الأجل، وزيادة مال على المستقرض اهـ (٤٢٩:١). وبه ظهر بطلان قول المستفتى: (قد تقدم ذكر هذا القول)، فالربا عندهم (أى عند الجمهور من الأئمة) منحصر فى البيع لا غير، وهذه والله فرية بلا مرية، وكيف يجوز القول بحصره فى البيع، وسياق الآية يدل على التفرقة بينهما؟ قال تعالى حاكيا عن المشركين: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾، (وهل يمثل الشىء ويشبه إلا بغيره) ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فكل من سمع هذه الآية من أهل اللسان تبادر إلى فهمه التغاير بين البيع والربا، وأن الربا الذى نعاه الله إلى أهله وذمهم لأجله، ليس عين البيع، ولا منحصرا فيه، وبالجرأة هذا المستفتى كيف عزى القول بحصر الربا فى البيع إلى الأئمة والجمهور؟ وهذا الجصاص الرازى وهو من الحفاظ للحديث، ومن طبقة القدماء من فقهاء الحنفية، وهذا الفخر الرازى وهو من أفاضل المتأخرين، كلاهما مصرحان (١) أورد عليه المستفتى أن ربا النسيئة لا يكون إلا فى البيع، وهو الثمن المؤجل، أى والفضل المشروط فى القرض ليس بربا النسيئة لکون القرض غیر البيع ( ٢٤ و ص ٤٠ و ص ٩). قلت: لا شك أن لفظ النسيئة قد يطلق مقيدا بالبيع على البيع إلى أجل أيضًا، وأما إنه لا يطلق على القرض فباطل، لأن النسأ والنسيئة هو التأخير لغةً، وعرفًا، والنسيئة الآخرة، واستثناءه سأله أن ينسئه دينه (أى يؤخره)، كذا فى "القاموس"، وهو يعم البيع والقرض جميعًا، يقال: النقد خير من النسيئة، أى العاجل خير من الآجل، ولا يجوز تخصيصه بالبيع كما لا يخفى على من له مسكة باللسان، واحتج الجصاص فى "أحكام القرآن" له على عدم جواز التأجيل فى القرض لقوله مّ له: ((إنما الربا فى النسيئة))، وقال: ولم يفرق بين البيع والقرض فهو على الجميع اهـ (٤٦٨:١)، وهذا صريح فى عموم النسيئة البيع والقرض جميعًا، فبطل ما زعمه هذا المستفتى بمجرد رأيه. ٥٣٧ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن يكون الربا المتعارف فى الجاهلية (الذى نهى القرآن عنه) غير البيع، ولم نر أحدا من القدماء، ولا المتأخرين رد عليهما ما قالاه غير هذا المستفتى الذى نشأ فى الهند، فى المائة الرابعة عشر، وهو زمان انقراض العلم، وقبض العلماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ولا ريب أن الجصاص والفخر الرازيين أعلم الناس بأقوال الجمهور من العلماء فى عصرهما، فكيف يجوز أن ينسب إلى جمهور القول بحصر الربا فى البيع مع تصريح هؤلاء بخلافه؟. وقال الحافظ فى "الفتح": وأصل الربا الزيادة، إما فى نفس الشىء كقوله تعالى: ﴿اهتزت وربت﴾ وإما فى مقابلة كدرهم بدر همين: فقيل: هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة فى الأول مجاز فى الثانى، زاد ابن سريج أنه فى الثانى حقيقة شرعية(١)، ويطلق الربا على كل بيع محرم اهـ (٢٦٤:٤)، ولا يخفى أن الزيادة فى المقابلة تعم البيع والقرض وغيرهما جميعا، وهذه حقيقة شرعية، وعرفية، وقد يطلق الربا على كل بيع محرم سواء كان فيه زيادة أو لا، كبيع حبل الحبلة، وبيع ما لم يضمن ونحوهما، وإطلاق الربا عليه مجاز شرعًا، ولغةً، وعرفًا. وقال الفقيه أبو الوليد القاضى ابن رشد فى "بداية المجتهد" له: اتفق العلماء على أن الربا يوجد فى شيئين: فى البيع، وفيما تقرر فى الذمة من بيع أو سلف، أو غير ذلك، فأما الربا فيما تقرر فى الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذى نهى عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون، فكانوا يقولون: أنظرنى أزدك، وهذا هو الذى عناه عليه الصلاة والسلام بقوله فى حجة الوداع: ((ألا! وأن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب))، والثانى: ضع وتعجل، وهو مختلف فيه (والجمهور على حرمته أيضًا). وأما الربا فى البيع فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان: نسيئة وتفاضل، وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا فى هذين النوعين لثبوت ذلك عنه عَّ اهـ (٧٧:٢). وهل بعد إجماع العلماء على كون الربا فى البيع، وفيما تقرر فى الذمة من سلف أو غيره القول بحصر الربا فى البيع فقط، إلا جرأة على الله وشريعته؟ وعلم من ذلك أن جريان الربا فى النوعين أى القرض والبيع ثابت عنه عَّ ◌ُله، فبطل ما زعمه المستفتى من عدم ثبوت الربا فى القرض عنه عَّ ◌ُّه، وسيأتى الكلام فيه بالبسط، وفيه دليل أيضًا على أن الربا الذى يكون فيما تقرر بالذمة من البيع من ربا البيع، بل هو قسيمه، وسيأتى تفصيل الكلام فيه، فانتظر، فالفضل المشروط فى القرض ربا منصوص محرم قطعا، قد اتفق العلماء على كونه ربا الجاهلية، فافهم، ولا تكن من الغافلين. (١) قلت: بل حقيقة عرفية يدل عليه تفرقة المشركين بين الربا والبيع، وإليه يشير كلام ابن العربى، كما تقدم ذكره. ٥٣٨ ج - ١٤ وقال فى المقدمات الممهدات له: الربا فى الصرف، وفى جميع البيوع، وفيما تقرر فى الذمة من الديون حرام محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة اهـ (٢:٣)، وتفسير الدينون بالأثمان الواجبة فى البيوع لا يصح فى كلامه، لفصله الديون عن البيوع، ولقوله فى "بداية المجتهد": وفيما تقرر فی الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك اهـ. فعلم أن المراد بالدین کل ما تقرر فى الذمة، سواء کان بالبيع أو بالقرض ونحوه، والربا يجرى فيهما جميعا، وأن كل ذلك محرم بالكتاب والسنة وبالإجماع، والعجب من المستفتى كيف لم يفتح عينيه، ولم ينظر إلى هذا الكلام الواضح؟ وجعل ينقل من أقوال(١) ابن رشد ما لا تضرنا ولا ينفعه شيئا، وأيضًا (٢) فتخصيص الدين بالواجب فى الذمة بالبيوع باطل، بل هو يعم القرص لغةً وعرفًا، قال فى "القاموس": الدين ما له أجل(٣)، وما لا أجل له فقرض، والموت وكل ما ليس حاضرا، وأدنته أعطيته إلى أجل أو أقرضعه، ودان هو أخذه، ورجل مديان يقرض كثيرا ويستقرض كثيرا، ضد وداينته أقرضته وأقرضنى اهـ (٨٧٦). وأما ما ذكره المستفتى عن الفخر الرازى أن القرض لا يجوز فيه الأجل، والدين يجوز فيه الأجل، وكذا ما نقله عن "الكليات" لأبى البقاء (٤٠)، فلا حجة فيه لكونهما ليسا فى معرفة اللغة كصاحب "القاموس"، وأيضًا فبحثهما عن جواز الألج فى القرض، وعدم جوازه فيه مشعر بأنهما ليسا بصدد بيان اللغة على طريقة اللغويين، بل بصدد بيان الحكم الشرعى لهما عند الفقهاء. وأما قوله صاحب "المغرب": القرض مال يقطعه الرجل من أمواله، فيعطيه عينا، فأما الحق الذى يثبت له دينا فليس بقرض اهـ، فلا دلالة فيه على أن الدين لا يطلق على القرض، بل معناه أن القرض لا يطلق على كل دين، فإن من الدين ما هو حق يثبت للدائن على المديون من غير أن يعطيه عينا، كدين المهر للزوجة، ولا يصح إطلاق القرض عليه، فبينهما عموم وخصوص مطلقا، فكل " قرض دين، ولا عكس، فإن المديون إذا استهلك العين التى استقرضها صار حقا واجبا فى ذمته، فهو دين عليه، وأما من قال: إن القرض لا يجوز فيه الأجل، فإن أراد عدم جوازه فى مذهبه فمسلم، وإن زعم عدم جواز لغةً، فهو محجوج بقول الشافعى ومالك، فإنهما قائلان بجواز الأجل (١) إشارة إلى ما ذكره فى صفحة ١٦ من قول ابن رشد فى تفسيرقول ابن عمر: "من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضته من علف فهو ربا" اهـ، أى أنه مقيس على الربا المحرم بالقرآن ربا الجاهلية اهـ، وسيأتى الكلام فيه بالبسط. (٢) قال المستفتى فى (ص ٤٠ وص ٤١): إن القرض غير الدين، والقرض لا يندرج فى الدين المؤجل، وبنى عليه أن الآثار الواردة فى تفسير ربا الجاهلية لا تشمل القرض، قلت: وهذا كله بناء الفاسد على الفاسد، كما ستعلم. (٣) سيأتى جواز التأجيل فى القرض عند مالك والشافعى، فقوله: "ما له أجل" يعم الدين المؤجل والقرض المؤجل جميعاً، منه. ٥٣٩ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن فى القرض ولزومه. قال فى حاشية ""الهداية" نقلا عن "الكفاية": واعلم أن القرض مال يقطعه من أمواله فيعطيه، وما ثبت عليه دينا، فليس بقرض، والدين يشمل كل ما وجب فى ذمته بعقد أو استهلاك، وما صار فى ذمته دينا باستقراضه فهو أعم من القرض، وقال مالك: التأجيل فى القرض لازم، لأنه صار دينا فى ذمته بالقبض، فيصح التأجيل فيه كسائر الديون اهـ (٦٠:٣)، وفى "أحكام القرآن" للجصاص: وأجاز الشافعى التأجيل فى القرض اهـ (٤٦٩:١)، ومالك والشافعى أعلم الناس باللغة فى عصرهما، وأعرف بها ممن تأخر عنهما. فبطل قول المستفتى: إن شرط الأجل منافٍ لحقيقة القرض، فالقرض لا يندرج فى الدين المؤجل، فلا يجوز أن يراد بالدين القرض إذا كان فيه أجل إلخ (٤٠ و٤١)، بل الحق ما ذكره الراغب الإصفهانى، وابن الأثير، والقاضى محمد أعلى التهانوى: أنه أى الدين تشمل القرض، وهو التحقيق الأنيق، وبالقبول حقيق. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قوله تعالى: ﴿إِذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) ينتظم سائر عقود المداينات التى يصح فيها الآجال، ولا دلالة فيه على جواز التأجيل فى سائر الديون، لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل فى سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا، ثم يحتاج أن يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل فى الدين وامتناعه، وقد احتج بعضهم فى جواز التأجيل فى القرض بهذه الآية، إذ لم تفرق بين القرض، وسائر عقود المداينات، وقد علمنا أن القرض مما شمله الاسم، وليس ذلك عندنا كما ذكر، لأنه لا دلالة فيها على جواز كل دين، ولا على جواز التأجيل فى جميعها، وإنما فيها الأمر بالإشهاد على دين، قد ثبت فيه التأجيل، فالمستدل به على جواز التأجيل فقى القرض مغفل فى استدلاله، ومما يدل على أن القرض لم يدخل فيه أن قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين﴾، قد اقتضى عقد المداينة، وليس القرض بعقد مداينة، إذ لا يصير دينا بالعقد دون القبض اهـ (٤٨٣:١)، وفيه تصريح بأن القرض شمله اسم الدين لغةً، وأنه يصير دينا بعد القبض، وأن عدم جواز التأجيل فيه، إنما هو لدليل آخر قد أفاده شرعًا. قال المستفتى: وذهب البعض إلى أن اللام فى الربا للعهد، والمراد به ربا الجاهلية، فالمآل على هذا التفسير أن القرآن حرم ربا الجاهلية، ولما لم يثبت صورة ربا الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن، لم يلتفت الأئمة والجمهور إلیه، وقالوا: إن ربا القرآن مجمل، والحدیث مفسر له اهـ ( ص ٢). قلت: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، وهل يقدر المستفتى على أن : ٥٤٠ ج - ١٤ يرينا نصا من واحد من العلماء يفيد أن علة قولهم بالإجمال فى آية الربا عدم ثبوت ربا الجاهلية عندهم، ولذا لم يلتفتوا إليه؟ وإن لم يفعل، ولن يفعل أبدا، فليتق النار التى أعدت لأهل الربا، وكيف يجوز لهم القول بأن الربا مجمل رأسًا يحتاج إلى بيان الرسول عدّ له من أصله؟ وقد كان الربا فاشيا فى مشركى العرب، وأهل الكتاب قبل نزول الآية، وبيان الرسول، فحكى الله عن المشركين: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، وقال فى أهل الكتاب: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ الآية، فلو كان الربا لا يعرف إلا ببيان الرسول فكيف أخذه أهل الكتاب وذموا لأجله؟ وكيف فرق المشركون بين البيع والربا، وقاسوا أحدهما بالآخر قبل علمهم ببيان الرسول؟ فإن بيان الرسول متأخر عن(١) نزول الآية قطعا، فلا بد من القول بأن الربا كان معلوما عند العرب وأهل الكتاب قبل نزول الآية، وبيان الرسول، وهو الذى نعاه الله إلى أهله، وذمهم لأجله فى القرآن، واتفقت الأمة وأجمعت الأئمة على حرمة الربا الذى كان عليه أهل الجاهلية، وبينوا صورتها، كما مر ذكره فى كلام ابن رشد، والإمام الحافظ الجصاص، والفخر الرازيين، وهل بعد الإجماع حاجة إلى السند المتصل؟ ومن الذين بينوا صورة ربا الجاهلية، وذهبوا إلى عدم الإجمال فى الآية الإمام العلامة الطحاوى، حيث قال فى "شرح الآثار" له فى تأويل حديث ابن عباس رضى الله عنهما عن أسامة رضى الله عنه ((إنما الربا فى النسيئة)): إن ذلك الربا إنما عنى به ربا القرآن الذى كان أصله فى النسيئة(٢)، وذلك أن الرجل(٣) كان يكون له على صاحبه الدين فيقول له: أجلنى منه إلى كذا وكذا، بكذا وكذا درهما أزيدكها فى دينك، فيكون مشتريا لأجل بمال، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين﴾، ثم جاءت السنة بعد ذلك بتحريم الربا فى التفاضل فى الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وسائر الأشياء المكيلات والموزونات، فكان ذلك ربا حرم بالسنة، وتواترت به الآثار عن رسول الله عَّ له، حتى (١) ضرورة تأخر البيان عن المبين كما هو ظاهر، وصرح به الطحاوى أيضاً، كما سيأتى، منه. (٢) قلت: فى جزم مثل الطحاوى الحافظ الناقد الحجة الإمام المجتهد بذلك أكبر دليل على ثبوت تفسير ربا الجاهلية عنده، فاندحض قول المستفتى: إن تفسير ربا الجاهلية لم يثبت إلى الآن. (٣) المراد بالدين القرض، وكل ما ثبت فى الذمة، بدليل ما مر عن الجصاص والفخر الرازيين أن ربا الجاهلية كان فى القرض، وقد فرغنا من تحقيق معنى الدين، فلا دليل للمستفتى فى حمله على الثابت فى الذمة لأجل البيع، وكذا حمله النسيئة على البيع بالنسيئة لغو باطل، بل المراد به ما هو عام من ذلك، وقد ذكرنا عموم النسيئة للقرض، فتذكر، منه.