Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ النهى عن السلف فى الحيوان إعلاء السنن ٤٧٧٧- ثنا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج، عن قتادة، عن ابن سيرين: "أن عمر، وحذيفة، وابن مسعود، كانوا يكرهون السلم فى الحيوان"، أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (الجوهر النقی ٢٢:٦)، وسنده حسن. ٤٧٧٨- ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: "أن زيد بن خليدة أسلم إلى عتر ليس فى قلائص، فسأل ابن مسعود فكره السلم فى الحيوان"، رواه أيضا عبد الرزاق عن الثورى (الجوهر النقى ٢٢:٦). على أن يحيى رواه مرة كذا، ومرة كذا، فهما حديثان برأسهما، لا يرد أحدهما بالآخر، لا سيما وقد ثبت عن عمر، وحذيفة، وعبد الرحمن بن سمرة، النهى عن السلم فى الحيوان، وكذا عن ابن مسعود، وهذا كله يشهد لحصة ما رواه وابن جوتى، فافهم. فإن قيل: قد روى عن ابن عباس من رأيه أنه كان لا يرى بأسا بالسلف فى الحيوان، وقول الراوى: بخلاف ما رواه قدح فى روايته عندكم، قلنا: هذا مما رواه البيهقى من طريق هشيم عن عبيدة يعنى ابن حميد، كذا فى أصل المؤلف، وضرب على قوله يعنى ابن حميد، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عنه (٢٢:٦)، وعبيدة هذا إنما هو ابن متعب الضبى الضرير ضعيف اختلط بآخره، كما فى "التقريب" (١٣٩)، وهو الذى يروى عنه هشيم، لم نر أحدا ذكره فى أصحاب عبيدة بن حميد، والصحيح لا يعلل بالضعيف، فلا يكون قدحاً فى الرواية، وأيضًا: فإن الرأى راوى بخلاف ما رواه إنما يكون قدحا فيه إذا عرف كونه متأخرا عن الرواية وإلا فلا، ولم يعرف ذلك، فيحتمل أن يكون قد قال ذلك قبل أن يبلغه عن رسول الله مَّ لّه ما رواه عنه، كما أنه كان يقول: «لا ربا إلا فى النسیئة)) قبل أن يبلغه حديث رسول الله مێ فى الصرف، ثم کان ینهى عن الصرف أشد النهى، كما سيأتى. قوله: " حدثنا أبو خالد الأحمر"، وقوله: "ثنا وكيع إلخ"، دلالتهما على معنى الباب ظاهرة، وذكر البيهقى أن الشافعى عارضه برواية القاسم بن عبد الرحمن: "أن ابن مسعود أسلم فى وصفاء (٢٢:٦). والجواب: أن النهى عن السلف فى الحيوان، قد ثبت عن ابن مسعود موصولا ومرسلا پإرسال مثل ابن سیرین وإبراهیم النخعی الذین إرسالھما صحیح کوصلهما، ولم يثبت إسلامه فی وصفاء إلا عن القاسم منقطعا، والموصول لا يعل بالمنقطع، وأيضًا: فهو حكاية عن فعل تحتمل الوجوه، فلعله أعطى رجلا دراهم ليشترى وصفاء، فظنه الراوى إسلاما فيهم، ولم يكن إلا توكيلا ٤٢٢ ج - ١٤ النهى عن السلف فى الحيوان قلت: وهذا سند صحيح موصول، ورواه محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة: ثنا حماد، عن إبراهيم، فذكره أطول منه، وهو مرسل، ولكن مراسيل إبراهيم عن عبد الله. صحاح حجة، كما مر غير مرة، لا سيما وقد رواه الثورى موصولا كما تراه، قال محمد: وبهذا كله نأخذ، لا يجوز السلم فى شىء من الحيوان، وهو قول أبى حنيفة. ٤٧٧٩- عن القاسم بن عبد الرحمن عن عمر أنه ذكر فى أبواب الربا أن يسلم فى سن، رواه البيهقى فى "سننه" وقال: هذا منقطع، قلت: قد تقدم أن ابن سيرين أيضا رواه عن عمر، ومراسيل ابن سيرين صحيحة، كذا ذكر صاحب "التمهيد" (الجوهر النقى ٢٣:٦)، وقال ابن حزم فى "المحلى" (١٠٩:٩) روينا النهى عن ذلك أى عن السلم فى الحيوان عن عمر، وحذيفة، وعبد الرحمن بن سمرة صحيحا اهـ. بالشراء، سلمنا ولكنه يحتمل أن يكون فعل ذلك قبل أن يسمع من عمر بن الخطاب ما رواه محمد فى "الحجج" له: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن القاسم(١) بن محمد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "إنكم تزعمون أنا نعلم أبواب الربا، ولأن يكون أعلمها أحب إلى من أن يكون لى مثل مضر وكورها، ولكن منها أبوابا لا يخفين على أحد، أن يبتاع(٢) الثمرة، وهى مغضفة لما تطب، أو يسلم فى سن، أو يبتاع الذهب بالورق، والورق بالذهب نسأ" (١٩٧)، كما كان يقول ببيع نفاية بيت المال بالدّراهم الجياد متفاضلا، قبل أن يسمع من عمر وعلى وغيرهما: ((أن رسول الله مرّ طله نهى عن بيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا وزنا بوزن سواء بسواء»، کما تقدم فى أبواب الربا، فلا يصلح معارضا لما ثبت عنه موصولا ومرسلا من النهى عن السلف فى الحيوان، فافهم. واحتج الشافعى رحمه الله بجواز السلم فى الحيوان بحديث أبي رافع وأبى هريرة: (استسلف رسول الله عَّ الله بكرا، فجاءته إبل من الصدقة، فأمر أن يقضى الرجل بكره))، رواه (١) هكذا فى الأصل، والمحفوظ إنما هو القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، فهذا سند صحيح مرسل.١٢ ظ (٢) أورد علينا ابن حزم هذه اللفظة، وقال: ثم لو صح لكان حجة عليكم، لأن فى هذا الخبر نفسه أنه نهى عن بيع الثمرة، وهى مفضفة لما تطب بعد، وأنتم تجيزونه على القطع اهـ (١٠٧:٩). والجواب: أن المراد بالابتياع الإسلام فى الثمر، ولیست بأیدی الناس، بل هى مغضفة بعد، ولا يجوز السلم فى الثمر عندنا إلا فى زمانها بعد بلوغها، ويجعل أجل السلم قبل انقطاعها، قاله محمد فى "الآثار" (١٠٩)، وكيف ينهى عمر عن بيع الثمرة قبل أن تطيب؟ وقد صح عن النبى مرّ أنه قال: ((من باع نخلا مؤبرا فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع)»، وهو يدل على جواز بيع الثمرة المؤبرة طابت أو لم تطب، فافهم، فإن الفقه عزيز. ٤٢٣ النهى عن السلف فى الحيوان إعلاء السنن ٤٧٨٠- حدثنا أبو بشر الرقى، ثنا شجاع بن الوليد، عن سعيد بن أبى عروبة، عن أبى معشر، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: "السلف فى كل شىء إلى أجل مسمى لا بأس به ما خلا الحيوان"، رواه الطحاوى فى معانى الآثار (٢٣١:٢)، وسنده صحيح على شرط مسلم إلا أنه مرسل، ومراسيل إبراهيم عن عبد الله صحاح حجة. البخارى ومسلم، وفيه ما دل على أنه يجوز أن يضمن الحیوان کله بصفة، قاله البیہقی فی "السنن" (٢١:٦): وقد مر الجواب عنه، أنه كان قد استقرض لبيت المال، ومثله جائز عندنا أيضًا، فلا حجة فيه على جواز السلم فى الحيوان، وبما روى عن على: "أنه باع جملا له يقال له عصيفير بعشرين بعيرا إلى أجل" ، وبما روى عن ابن عمر: "أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة يوفيها صاحبها بالربذة"، وتقدم الجواب بأنه قد ثبت عنهما خلافه قولا، والقول مقدم على الفعل لكونه يحتمل الوجوه، فيحمل على بيع غائب بناجز، ولم يكن من النسيئة، ولا من السلم فى شىء. ثم ذكر البيهقى أن الشافعى عارض محمد بن الحسن بأن ما روى عن ابن مسعود من كراهته السلم فی الحیوان منقطع عنه، ويزعم الشعبی الذی هو أکبر من الذی رؤی عنه كراهيته، أنه إنما أسلف له فى لقاح فحل إبل بعينه، وهذا مكروه عندنا، وعند كل أحد، هذا بيع الملاقيح، أو المضامين، أو هما اهـ. قلت: لو صح ذلك عن الشعبى فهذا التأويل، إنما يتمشى فى ما روى عنه من كراهته فعلا، ولا يتأتى فيما روى عنه من كراهته قولا، وهو ما رواه الطحاوى والبيهقى من طريق سعيد عن أبى معشر عن إبراهيم: "أن ابن مسعود كان لا يرى بأسًا بالسلم فى كل شىء إلى أجل مسمى ما خلا الحيوان"، وسنده صحيح مرسل، وعضده مرسل سعيد بن جبير عن ابن مسعود: "أنه كره السلف فى الحيوان"، ومرسل ابن سيرين: "أن عمر وحذيفة وابن مسعود كانوا يكرهون السلم فى الحيوان"، فحمل كل ذلك على بيع الملاقيح والمضامين بعيد كل البعد، ولو ساغ رد السنن بمثل هذا التأويل والاحتمال البعيد، فلقائل أن يقول: إن الرجل الذى استسلف منه رسول الله عَّ بكرا كان حربيا، ولعله استسلف منه خارج المدينة فى مكان لم يدخل فى ولايته، ومثل ذلك يجوز عندنا، فلا حجة فيه. ثم ذكر عن الشافعى قال: قلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتنى عن أبى يوسف، عن عطاء ابن السائب، عن أبى البخترى، "أن بنى عم لعثمان أتوا واديا، فصنعوا شيئا فى إبل رجل قطعوا به لبن إبله، وقتلوا فصالها، فأتى عثمان بن عفان، وعنده ابن مسعود فرضى بحكمه، فحكم أن يعطى ٤٢٤ ج - ١٤ باب اشتراط قبض رأس المال فى السلم ٤٧٨١- عن ابن عمر ورافع بن خديج: ((أن النبى معَّ نهى عن بيع الكالئ الكالئ)). أخرجه الدار قطنى والطبرانى، كما فى "المنتقى" (١٦:٥، ١٧) و"النيل"، قال الحافظ فى "الفتح" (٣٠٦:٤): الحديث ضعيف باتفاق المحدثين اهـ. قلت: وأين الاتفاق؟ وقد صححه الحاكم فى "المستدرك" (٥٧:٢) على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى، وصححه الطحاوى، كما مر، والعمل عليه عند أهل العلم. بواديه إبلا مثل إبله وفصالا مثل فصاله، فأنفذ ذلك عثمان، فقضى ابن مسعود فى حيوان بحيوان مثله دینا إلخ". قلت: أبو البخترى لم يدركهما وابن السائب تغير بآخره، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٢:٦) أى ومثله ليس بحجة عند الشافعى، فلا حجة له فيه، وإن أراد الإلزام فإن ذلك ليس من باب البيع والسلم فى شىء، وإنما هو من باب ضمان المتلف، والحيوان وإن كان يضمن بالقيمة عندنا إلا أن للحاكم أن يوجب على الظالم العادى ضمانه بالمثل أحيانا تشديدا عليه سياسة إذا رأى المصلحة فيه واذكر قول الطحاوى: قد ثبت النهى فى وجوب الحيوان فى الذمة بأموال أى فى العقود المالية، وأبيح وجوب الحيوان فى الذمة بغير أموال أى فيما عدا العقود المالية، ولا يخفى أن ضمان الإتلاف أشبه بالدية ونحوها منه بالبيع، هذا قد تقدم بعض دلائل هذا الباب فى باب النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مع الجواب عن أكثر ما احتج به من خالفنا فى ذلك فليراجع، والله تعالى أعلم. باب اشتراط قبض رأس المال فى السلم قوله: "عن ابن عمر إلخ"، قال العبد الضعيف: قال الحافظ فى "التلخيص": رواه الحاكم والدارقطنى من طريق عبد العزیز الدراوردى، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق ذويب بن عمامة، عن حمزة بن عبد الواحد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وصححه الحاكم على شرط مسلم فوهم، فإن راويه موسى بن عبيدة الربذى لا موسى ابن عقبة، قال البيهقى: والعجب من شيخنا الحاكم كيف قال فى روايته عن موسى بن عقبة، وهو خطأ، والعجب من شيخ عصره أبى الحسن الدارقطنى حيث قال فى روايته عن موسى بن عقبة، وقد حدثنا به أبو الحسين بن بشران، عن على بن محمد المصرى شيخ الدارقطنى فيه، فقال: عن موسى غير منسوب، ثم رواه المصرى أيضًا بسنده، فقال: عن أبى عبد العزيز الربذى، وهو موسى ابن عبيدة اهـ (٢٤٢:٢). ٤٢٥ اشتراط قبض رأس المال فى السلم إعلاء السنن ٤٧٨٢- عن أبى المنهال عن ابن عباس، قال: ((قدم النبى عَّ ◌ُّه المدينة وهم يسلفون فى التمر سنتين وثلاث، فقال: من أسلف (وفى رواية من سلف) فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم وإلى أجل معلوم)). هكذا رواه البيهقى من طريق الشافعى بالواو فى قلت: قد بان لنا بمتابعة الدارقطنى للحاكم أنه لم يهم فى قوله: عن موسى بن عقبة، والحاكم لم يروه من طريق على بن محمد المصرى، وإنما رواه أولا من طريق أبى العباس محمد بن يعقوب: ثنا الربيع بن سليمان، ثنا الخصيب بن ناصح، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن موسى بن عقبة، ثم أردفه بما حدثه أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران: ثنا أبى، ثنا المقدام بن داود الرعينى، ثنا ذويب بن عمامة، ثنا حمزة بن عبد الواحد عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فنبه على أن الدراوردى لم ينفرد بقوله: عن موسى بن عقبة، تابعه على تسميته حمزة بن عبد الواحد أيضًا. لا يقال: ذويب واهٍ، كما قاله الذهبى فى "تلخيص المستدرك" (٥٧:٢)، فقد روى عنه أبو حاتم، وهو لا يروى إلا عن ثقة، وقال أبو زرعة: هو صدوق، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: يعتبر حديثه من غیر رواية شاذان عنه (لسان ٤٣٦:٢)، وهذا من غير رواية شاذان عنه، فهو صالح للاعتبار، فالظاهر أن الحديث قد رواه موسى بن عقبة أيضًا، كما رواه موسى بن عبيدة حديث بعضهما يصدق بعضا، وإليه مال الذهبى حيث لم يتعقب الحاكم بشىء، وأقره على قوله: صحيح على شرط مسلم، والله تعالى أعلم. قال الموفق فى "المغنى": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد: إنما هو إجماع، وقد روى أبو عبيد فى الغريب: ((أن النبى معَّ ◌ُّمِ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ))، وفسره بالدين بالدين. (قلت: بل فسره بذلك نافع عند البيهقى فى "سننه" إلا أن الأثرم روى عن أحمد أنه سئل أيصح فى هذا حديث؟ قال: لا (٤: ١٧٢)، قلت: ومبناه على ظنه بتفرد موسى بن عبيدة به، وفيه ما فيه، على أن نفى الصحة لا يستلزم نفى الحسن، فإن موسى بن عبيدة مختلف فيه، کما مر غير مرة، فافهم. قوله: "عن أبى المنهال إلخ"، قال ابن حزم فى "المحلى" (١٠٩:٩): لا يجوز أن يكون الثمن فى السلم إلا مقبوضا، فإن تفرقا قبل تمام قبض جميعه بطلت الصفقة كلها، لأن رسول الله عرّ له أمر بأن يسلف فى كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم، والتسليف فى اللغة التى خاطبنا عليه السلام هو أن يعطى شيئا فى شىء، فمن لم يدفع ما أسلف فلم يسلف شيئا، لكن وعد بأن يسلف، ج - ١٤ اشتراط قبض رأس المال فى السلم ٤٢٦ «من سلف الأجل، وأصله عند الشيخين بغيرها، قال الشافعى: قول النبى عد له: فليسلف)) إنما قال: فليعط لا يقع اسم التسليف فيه حتى يعطيه ما سلفه قبل أن يفارقه (سنن البيهقى ٣٣:٦). إلى أن قال: وقال أبو حنيفة: يصح السلم فيما قبض ويبطل فيما لم يقبض، وقال مالك: إن تأخر قبض الثمن يوما أو يومين جاز، وإن تأخر أكثر أو بأجل بطل الكل، وهذان قولان فاسدان، كما ذكرنا، لا سيما قول مالك فإنه متناقض مع فساده اهـ. قلت: أما فساد قول أبى حنيفة فغير مسلم لوجود التسليف فيما قبض، فيصح السلم فيه لوجود المشرط، ويبطل فيما لم يقبض لانتفائه، وأما قوله: "هى صفقة واحدة وعقد واحد والعقد لا يتبعض"، فلا دلالة فى الحديث عليه، وإنما هو قياس، والقياس كله باطل عند ابن حزم، فلا حجة له فيه، وأما قوله: إن التراضى منهما لم يقع حين العقد إلا على الجميع لا على البعض دون البعض، فلا يحل إلزامهما ما لم يتراضيا جميعا عليه إلخ، ففيه أنهما حين تراضيا بقبض بعض رأس المال دون بعضه، فقد تراضيا بعقد السلم فى بعض المسلم فيه دون بعضه، فلم نلزمهما إلا ما تراضيا عليه جميعا، ولم يكن من أكل المال بالباطل فى شىء. قال فى "الهداية": فإن أسلم مائتى درهم فى كر حنطة، مائة منها دين على المسلم إليه، ومائة نقد، فالسلم فى حصة الدين باطل لفوات القبض، ويجوز فى حصة النقد لاستجماع شرائطه، ولا يشيع الفساد؛ لأن الفساد طارئ إذ السلم وقع صحيحا اهـ. وقال المحقق فى "الفتح": وهذا لا يشكل على قولهما، لأن الفساد إذا تمكن فى بعض البيع لا يشبع فى الكل عندهما، وأما عند أبى حنيفة رحمه الله فمشكل، لأنه إذا ورد العقد على شيئين، وفسد فى أحدهما- يفسد فى الآخر أيضًا عنده، لأنه يصير قبول الفاسد شرطًا لصحة العقد، فيفسد فى الكل ضرورة إلا أن هذا فى الفساد المقارن الذى تمكن فى صلب العقد لا فى الفساد الطارئ، وهذا فساد طارئ، لأن قبض رأس المال فى المجلس شرط لبقاء العقد على الصحة، أما العقد فى ذاته فقد وقع صحيحا، فلهذا المعنى افترقا اهـ (٢٢٩:٦) بمعناه، وأما ابن حزم فلم يحفظ إلا قوله: "إن هذا عقد واحد، وكل عقد واحد جمع فاسدا وجائزا، فهو كله فاسد، لأن العقد لا يتبعض"، ولم يفرق بين الفساد المقارن الطارئ، ولا يفرق بينهما إلا فقيه، فافهم. ٤٢٧ إعلاء السنن ٤٧٨٣- عن عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: "لا نرى بالسلف بأسا، الورق فى شىء الورق نقدا" ، أخرجه البيهقى من طريق الشافعى، عن سعيد بن سالم، عن ابن جریج، عنه، وهذا سند حسن. باب النهى عن السلم فيما فيه الغرر وفيما ينقطع من أیدی الناس بین العقد ومحل الأجل ٤٧٨٤- عن أبى البخترى، قال: سألت ابن عمر عن السلم فى النخل؟ قال: قوله: "عن عطاء إلخ"، قلت دلالة قوله: "الورق نقدا" على اشتراط قبض رأس المال فى المجلس ظاهرة، وروى أبو يوسف فى "كتاب الآثار" عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى رجل يكون له على رجل دين، فيجعله فى السلم؟ قال: "لا، حتى يقبضه"، وأخرجه محمد فى "الآثار" له، وزاد: "لا خیر فیه حتی یقبضه"، ثم قال: وبه نأخذ، لأن ذلك بيع الدین بالدين، وهو قول أبى حنيفة اهـ (١٨٨)، قال فى "الهداية": ولا يصح السلم حتى يقبض رأس المال قبل أن يفارقه فيه، أما إذا كان من النقود فلأنه افتراق عن دين بدين، وقد نهى النبى عليه الصلاة والسلام عن الكالئ بالكالئ، وإن كان عينا فلأن السلم أخذ عاجل بآجل، إذا الإسلام والإسلاف ينبئان عن التعجيل، فلا بد من قبض أحد العوضين ليتحقق معنى الاسم، ولأنه لا بد من تسليم رأس المال ليتقلب المسلم إليه فيه فيقدر على التسليم اهـ، (إذا الفرض إفلاسه وحاجته إلى العقد لإفلاسه، لأن السلم بيع المحاويج، كما هو معروف). ١٢ ظ قال المحقق فى "الفتح": وبقولنا: قال الشافعى وأحمد إلا أن مالكا يجيز التأخير (يوما أو يومين)، ويقول: إذا لم يشترط التأجيل لا يخرجه إلى الدين عرفا، هذا إذا كان رأس المال من النقود، وإن كان عینا ففی القیاس لا يشترط تعجیله، لأن عدم تسلیمہ لا يؤدی إلی بیع دین بدین بل بيع عين بدين، وفى الاستحسان يشترط إعمالا لمقتضى الاسم الشرعى، لأن الإسلام والإسلاف فى كذا ينبئ عن تعجيل المسلم دون الآخر لأن وضعها فى الأصل لأخذ عاجل بآجل والشرع قرره كذلك، فيجب أن يثبت على اعتبار المعنى الذى اعتبر فيها، فلزم التعجيل اهـ، ملخصًا (٢٢٧:٦). باب النهى عن السلم فيما فيه الغرر، وفيما ينقطع من أيدى الناس بين العقد ومحل الأجل قوله: "عن أبى البخترى إلخ"، قال العبد الضعيف: قال العينى فى "العمدة" : احتج بهذا ٤٢٨ ج - ١٤ النهى عن السلم فيما فيه الغرر (نهى رسول الله عَ ليه عن بيع النخل حتى يصلح)). وسألت ابن عباس عن السلم فى النخل؟ قال: ((نهى رسول الله عّ طله عن بيع النخل حتى يؤكل منه)) رواه البخارى (زيلعى ١٩٣:٢). ٤٧٨٥- عن أبى إسحاق، عن رجل نجرانى، عن ابن عمر: "أن رجلا أسلف الكوفيون والثورى، والأوزاعى، بأن السلم لا يجوز إلا أن يكون المسلم فيه موجودا فى أيدى الناس فى وقت العقد إلى حين حلول الأجل، فإن انقطع فى شىء من ذلك لم يجز، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس رضى الله عنهم، وقال مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: يجوز السلم فيما هو معدوم فى أيدى الناس إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل فى الغالب، فإن کان ینقطع حينئذ لم يجزاهـ (٦١٨:٥). وقال المحقق فى "الفتح": فقد ثبت عن هذين الصحابيين الكبيرين فى العلم والتتبع، أنهما فهما من نهیه مێ( عن بيع النخل، حتى يصلح بيع السلم (بدليل قوله عدّ له: ((من باع نخلا مؤبرا فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) الدال على جواز بيع الثمرة بعد ما أبرت طابت أو لم تطب، فثبت أن نهيه عن بيع النخل حتى يصلح محمول على السلم كى لا يتضادا)، فقد دل الحديث على اشتراط وجوده وقت العقد، والاتفاق على اشتراطه عند المحل، فلزم اشتراط وجوده عندهما على خلاف قولهم (أى الجمهور)، وأما لزوم وجوده بينهما، فإما لعدم القائل بالفصل، فالقول باشتراطه عندهما لا غير إحداث قول ثالث، أو نقول ذلك بتعليل النص على اشتراطه عند العقد مع أن الأداء يتأخر عنه بأن اشتراطه للقدرة على التسليم ظاهر، وبالاستمرار يتمكن من التحصيل، وبالأخذ بذلك مظنة التحصيل، وبالمظنة تناط الأحكام اهـ، ملخصًا (٢١٤:٦). وهذا كما ترى كلام لا يشك عاقل فى متانته ورزانته، والعجب من بعض الأحباب حيث نظر فيه بإبداء احتمالات بعيدة تشاكل هذر الفلاسفة، لا تعد من الفقه فى شىء، وهل يرتاب عاقل فى أن سؤال أبى البخترى، إنما كان عن عقد السلم فى النخل؟ فأجابه ابن عمر وابن عباس بأن رسول الله ◌ّ ◌ُّه نهى عن بيع النخل حتى يصلح أو يؤكل منه، وهل مفاده إلا النهى عن السلم فى النخل قبل أن يوجد فى أيدى الناس؟ هذا هو الظاهر من هذا السؤال والجواب، ليس إلا فكل ما أبداه فيه من الاحتمالات لا يضر استدلال ابن الهمام، لكونها خلاف الظاهر غير نائشة عن دليل، والعلم الله الملك العلام. قوله: "عن أبى إسحاق إلخ" قال العبد الضعيف: موضع الاستدلال منه قوله معد له: ٤٢٩ النهى عن السلم فيما فيه الغرر إعلاء السنن رجلا فى نخل فلم تخرج تلك السنة شيئا، فاختصما إلى النبى معَّ له فقال: بما تستحل ماله؟ اردد عليه ماله ثم قال: لا تسلفوا فى النخل حتى يبدو صلاحه"، رواه ((لا تسلفوا فى النخل حتى يبدو صلاحه))، فهو صريح فى النهى عن السلم فى الثمرة قبل أن يوجد فى أيدى الناس، لأنها قبل بدو الصلاح فى حكم العدم، وهو محمل قول عمر رضى الله عنه: "إِن من أبواب الربا أبوابا لا يكدن يخفين على أحد، منها أن يبتاع الثمرة وهى مغضفة (أى مسترسلة) لما تطب"، أراد النهى عن السلم فى الثمرة قبل أن تطيب وتوجد فى أيدى الناس، كما تقدم. وقال الشوكانى فى "النيل": واستدل أبو حنيفة، ومن معه بما أخرجه أبو داود عن ابن عمر، فذكر حديث المتن، ثم قال: وهذا نص فى التمر، وغيره قياس عليه، ولو صح هذا الحديث لكان المصير إليه أوالى، لأنه صريح فى الدلالة على المطلوب، بخلاف حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبى أوفى (الذى احتج به الجمهور، وهو ما رواه أحمد والبخارى عنهما، قالا: " كنا نصيب المغانم مع رسول الله مَّ ◌ُله، وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم فى الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمعنى، قيل: أ كان لهم زرع أو لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك")، فليس فيه إلا مظنة التقرير منه مّ ليه مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم، (وأيضًا: فليس كون المسلم إليه صاحب زرع شرطا، وإنما الشرط وجود المسلم فيه بأيدى الناس وقت العقد، ولا يخفى أن الحنطة والشعير والزيت لا تفقد من الأسواق فى وقت من الأوقات كما هو مشاهد، وقال ابن رسلان: وأما المعدوم عند المسلم إليه، وهو موجود عند غيره، فلا خلاف فى جوازه كما فى "النیل " أیضا)، قال: ولكن حديث ابن عمر هذا فى إسناده رجل مجهول، فإن أبا داود رواه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن أبى إسحاق، عن رجل نجرانى، عن ابن عمر، ومثل هذا لا تقوم به حجة اهـ (٩٥:٥). قلت: ولكن أبا داود سكت عنه، وسكوته عن شىء فى "سننه" حجة، كما ذكرناه فى المقدمة، والعجب من الشوكانى وأمثاله أنهم يجعلون سكوته حجة مرة إذا وافقهم، وغير حجة أخرى إذا خالفهم، وليس هذا من الإنصاف فى شىء، وأيضًا: فقد رواه أبو حنيفة، عن جبلة بن سحیم، عن ابن عمر موصولا كما ذكرنا، وأيضًا: فقد تأيد بما رواه أبو البخترى عن ابن عمر، وعن ابن عباس عند البخارى، ورواية المجهول، إذا تأيدت بشاهد صلحت للاحتجاج بها، لا سيما والمجهول فى القرون الفاضلة مقبول عندنا، كما مر فى المقدمة. وقد تأيد أيضًا بما رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفى مسند الشاميين: ثنا أبو زرعة عبد ج - ١٤ النهى عن السلم فیما فیه الغرر ٤٣٠ أبو ادود (٢٩٣:٣) وسكت عنه، وابن ماجة، وغفل المنذرى فى "مختصره" عن ابن ماجه فلم يعزه إليه، وإنما قال: فى إسناده رجل مجهول (زيلعى ١٩٣:٢). الرحمن بن عمرو، ثنا أبو اليمان، ثنا حريز بن عثمان، ح: وحدثنا أبو زرعة (عن)(١) على بن عباس، ثنا حريز بن عثمان، عن حبيب بن عبيد، عن أبى بشر، عن أبى هريرة، عن النبى عدّ له الحديث بطوله، وفيه: ((ولا تسلموا فى ثمرة حتى يأمن عليها صاحبها العاهة))، ذكره الزيلعى (١٩٣:٢)، رجاله كلهم ثقات(٢) غير أنى لم أقدر على تعيين أبى بشر هذا، وذكرته اعتضادا. قال الشوكانى: وقال القائلون بالجواز: ولو صح هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان، أو على السلم الحال عند من يقول به، أو على ما قرب أجله (قلت: وفى كل ذلك تقييد للمطلق بلا دليل، ومثل هذا الاحتمال لا يضر الاستدلال)، قالوا: ومما يدل على الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون فى الثمار السنتين والثلاث، ومن المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط الوجود لم يصح السلم فى الرطب إلى هذه المدة، وهذا أولى مما يتمسك به فى الجواز اهـ (٥: ٩٥). قلت: لا يتم الاستدلال به ما لم يثبت أنه مَّ أقرهم على بيع السنین، وغاية ما فى حديث ابن عباس أنه سكت عن ذكر إقراره مّ ◌ّ على ذلك وعن إنكاره، وقد روى مسلم وأبو داود، والنسائى، وابن ماجة، عن جابر: ((أنه معَّهُ نهى عن بيع السنين))، ولفظ مسلم: ((نهى عن بيع الثمر سنين)) (عون المعبود ٢٦٢:٣، والبيهقى ٣٠٢:٥)، وهذا منطوق صريح فى النهى عن بيع الثمرة سنين ثلاثا أو أربعا ونحوها، فيرجح على مفهوم حديث بن عباس، فافهم. وقال ابن حزم فى "المحلى": واحتج المانعون من هذا أى من الإسلاف فى شىء، لیس موجود عند العقد بنهی رسول الله عێے عن بیع السنبل حتى يشتد، وعن بیع الثمر حتى يبدو صلاحه، قال: وهذا لا حجة لهم فيه، أول ذلك أنهم مخالفون له، لأنهم يجيزون السلم فى البر والشعير، وهما بعد سنبل لم يشتد (قلت: أما الحنفية فلا يجيزون السلم فى زرع معين، ولا فى نخل معين، فكيف يصح القول بأنهم يجيزون السلم فى سنبل لم يشتد؟ وإنما يجيزون السلم فى البر والشعير، إذا كانا موجودين بأيدى الناس فى الأسواق، وإن لم يكونا بيد المسلم إليه، وكان (١) هذا هو الظاهر، ولعل لفظة "عن" قد سقطت من الكتابة، سهواً، فإن على بن عباس، ويقال: ابن عابس بأبى زرعة، ولم نجد فى الرجال أحدا يكنى أبا زرعة اسمه على بن عباس، وأيضًا: فشيخ الطبرانى لا يكاد يروى عن حريز بلا واسطة، فافهم. ١٢ ظ (٢) ولا يضر ما فى على بن عباس من المقال، فقد تابعه أبو اليمان، كما ترى. ١٢ ظ ٤٣١ النهى عن السلم فيما فيه الغرر إعلاء السنن قلت: ولكنه تأيد بما قدم، ورواه أبو حنيفة، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله عّ لّه عن السلم فى النخل حتى يبدو صلاحه)). كذا رواه الحارثى فی "مسنده" (عقود الجوهر ٤٤:٢)، وهذا کما ترى سند جید موصول. زرعه سنبل لم يشتد أو نخله ثمر لم يبد صلاحه، فلا يضر ذلك إذا كان المسلم فى بر وتمر مطلقين غیر مقیدین بزرعه ونخله، كما تقدم). قال: وأما بيع الثمر قبل بدو صلاحه فلا حجة لهم فيه، لأن السلم عند الحنفيين، وعندنا ليس بيعا، فبطل تعلقهم به جملة اهـ، قلت: ومن أنبأك أنه ليس بيعًا عندهم؟ فقد صرحوا قاطبةً بكونه من أنواع البيوع، ولذا يذكرونه فى باب البيع، كما يذكرون الصرف فى بابه، وإذا بطل المبنى بطل إيرادك عليهم جملةً. قال: ولو كان بيعًا لما حل لنهى النبى عّ لّه عن بيع ما ليس عندك إلا لمن هو عنده حين السلم، فإن خصوا السلم منه، قلنا: فخصوه من جملة بيع الثمر قبل بدو الصلاح فيه، وإلا فقد تحكمتم بالباطل أهـ (١١٤:٩)، قلت: إنما خصوا السلم منه لإجماع المسلمين قاطبةً على جواز السلم، لمن ليس هو عنده حين السلم، إذا كان موجودا عند غيره، وإنما لم يخصوه من جملة بيع الثمر قبل بدو صلاحه لعدم قيام الإجماع على جوازه، فقد ثبت عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضى الله عنهم، أنهم نهوا عن السلف فى الثمر قبل بدو صلاحه، وبه قال إبراهيم النخعى والأوزاعى وغيرهم، كما تقدم، وسيأتى، فانظر من هو المتحكم بالباطل؟. قال: وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم إلا فيما هو موجود من حين السلم إلى حين أجله لا ينقطع فى شىء من تلك المدة، وما نعلم هذا القول عن أحد قبله، وقال الحسن بن حبى: لا يجوز السلم فى شىء ينقطع، ولو فى شىء من السنة، ولا يعلم أيضًا هذا عن أحد قبله، قلت: وكيف يقول ابن حزم ذلك؟ وقد ذكره نفسه أنهم احتجوا بقول ابن عمر، وابن عباس، وعمر رضى الله عنهم، وذكروا كراهية ذلك عن الأسود، وإبراهيم، وأثر عمر وابنه رواه من طريق البخارى ومن أبى ثور: نا معلى، نا أبو الأحوص، نا طارق، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر: "لا تسلموا فى فراخ حتى تبلغ"، (وهذا مرسل صحيح، ومراسيل ابن المسيب حجة عند الجمهور)، وأما قوله: إنهم إنما نهوا عن ذلك من أسلم فى زرع بعينه، أو فى ثمر نخل بعينه اهـ، ففيه أنه تقييد للمطلق بلا دلیل، فلا يلتفت إليه. وأما قوله: ونص هذه الأخبار عن ابن عباس، وابن عمر أنهما رأيا السلم بيعا، والحنفيون ٤٣٢ ج - ١٤ النهى عن السلم فيما فيه الغرر ٤٧٨٦- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة، ثنا حماد، عن إبراهيم، فى الرجل يسلم فى الثمر، قال: "لا حتى يطعم"، رواه فى "كتاب الآثار" (١٠٩)، وقال: به نأخذ لا ينبغى أن يسلم فى ثمرة ليست فى أيدى الناس إلا فى زمانها بعد بلوغها، ويجعل أجل - السلم قبل انقطاعها، فإذا فعل ذلك فهو جائز وإلا فلا خير فيه، وهو قول أبى حنيفة اهـ. لا يرونه بيعا اهـ (١١٥:٩)، فكله بناء الفاسد على الفاسد، فقد تقدم أن السلم نوع من أنواع البيوع عندنا، وأما قوله: وقال القمى -وهو من كبار الحنفيين -: السلم ليس بيعا اهـ (١٠٦:٩)، فقول القمى ليس بمختار عندنا، ولا هو بالمعول عليه فى المذهب، كما لا يخفى على من راجع "فتح القدير"، وقوله: تقدم أن البيع ينقسم إلى بيع مطلق، ومقابضة، وصرف، وسلم، إلى أن قال: إن معناه الشرعى بيع آجل بعاجل، وعرف أيضًا أنه يصدق على عقده بلفظ البيع، بأن قال المسلم إليه: بعتك كذا حنطة بكذا إلى كذا، ويذكر باقى الشروط، أو يقول المسلم: اشتريت منك إلى. آخره اهـ، ملخصا (٢٠٤:٦). وأما ما رواه البيهقى فى "سننه" من طريق الشافعى: أنبأ إبراهيم بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يبيع الرجل شيئا إلى أجل ليس عنده أصله"، قال: وأنبأ الشافعى، أنبأ سعيد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مثله (٢٠:٦) فلا يضرنا، فإن كون أصل كون المسلم فيه عند المسلم إليه، ليس بشرط عندنا، وإنما الشرط كونه موجودا بأيدى الناس، وهذا هو الجواب عن أثر ابن أبى أوفى وابن أبزى قال: كنا نسلف على عهد رسول الله، وعمر فى الحنطة والشعير والتمر والزبيب إلى قوم ما هو عندهم (البيهقى ٢٠:٦). الجواب عن إيراد ابن حزم علينا فى الباب: قوله: "محمد إلخ"، دلالته على عدم جواز السلم فيما ليس بموجود وقت السلم ظاهرة، وفيه رد على ابن حزم حيث قال: وما نعلم هذا القول عن أحد قبله أى قبل أبى حنيفة اهـ، فله سلف فيما قاله من الصحابة والتابعين، كما ذكرنا، ويؤيده النظر القياسى أيضًا، فإنه عَّ خّ- إنما نهى عن بيع الثمر قبل بدو الصلاح لأجل الغرر، وفى السلم فى المعدوم غرر أيضًا، لأن الوجود عند المحل، وإن كان مظنونا عادة، ولكن العادة قد تتخلف، كما لا يخفى، ولو تحمل السلم مثل هذا الغرر لجاز السلف إلى الأندر، وإلى العصير، ولم يجب ضرب الأجل، وتسمية الشهر، وقد نهی ابن عباس عن ذلك، كما تقدم، ورواه البيهقى من طريق سفيان عن عبد الکريم الجزرى ٤٣٣ إعلاء السنن باب لا يجوز السلف فی زرع معین أو نخل معین ٤٧٨٧- عن عبد الله بن سلام رضى الله عنه، قال: "إن الله لما أراد هدى زيد بن سعنة فذكر الحديث، إلى أن قال: فقال زيد بن سعنة: يا محمد! هل لك أن تبيعنى تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بنى فلان؟ قال: لايا يهودى! ولكنى أبيعك تمرا معلوما إلى كذا وكذا من الأجل. ولا أسمى من حائط بنى فلان، فقلت: نعم! فبايعنى، فأطلقت هميانى وأعطيته ثمانين دينارًا فى تمر معلوم إلى كذا وكذا من الأجل"، رواه البيهقى (٢٤:٦) والحاكم فى "المستدرك"، وقال: حديث صحيح الإسناد، وهو من غرر الحديث ومحمد بن أبى أسرى العسقلانى ثقة اهـ (٣: ٦٠٥)، ورواه ابن حبان فى "صحيحه" أيضا، كما مر فى حاشية الباب السابق. عن عكرمة عنه أيضًا (٢٥:٦). وهذا سند صحيح، وبهذا يظهر وجه اشتراط بقاء المسلم فيه إلى المحل، وعدم جواز السلم فى طعام قرية بعينها، وبمكيال رجل بعينه، وبذراعه، لوجود الغرر فى كل ذلك، والله تعالى أعلم. باب لا يجوز السلف فی زرع معین أو نخل معین قوله: "عن عبد الله بن سلام إلخ"، قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": ولا يجوز أن يسلم فی ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة لا يوجد فيه إلا نادرا، فلا يؤمن انقطاعه، قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك الثورى، ومالك، والأوزاعى، والشافعى، وأصحاب الرأى، وإسحاق، قال: وروينا عن النبى معَ ◌ّه: ((أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير فى تمر مسمى، فقال اليهودى: من تمر حائط بنى فلان، فقال النبى معَّ: أما من حائط بنى فلان فلا، ولكن کیل مسمى إلى أجل مسمى)) رواه ابن ماجة وغيره، ورواه أبو إسحاق الجوزجاني فى المترجم، وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع، لأنه إذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه لم يؤمن انقطاعه وتلفه فلم يصح، كما لو أسلم فى شىء قدره بمكيال معين أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وقال: أسلمت إليك فى مثل هذه اهـ (٣٣٢:٤). وفيه أيضًا: ولا نعلم فى اعتبار معرفة المقدار خلافًا، ويجب أن يقدره بمكيال أو أرطال معلومة عند العامة، فإن قدره بإناء معلوم أو صنجة معينة غير معلومة لم يصح، لأنه يهلك فيتعذر معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر لا يحتاج إليه العقد، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم فى الطعام، لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره، ولا فى ثوب بذرع فلان، ٤٣٤ ج - ١٤ باب السلف لا يحول إلى غيره ٤٧٨٨- عن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من أسلف فى شىء فلا يصرفه إلى غيره))، أخرجه أبو داود وسكت عليه، وحسنه الترمذى فى "العلل الكبير"، كما فى "نصب الراية" (١٩٤:٢). لأن المعيار لو تلف أو مات فلان بطل السلم، منهم الثورى، والشافعى، وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، وإن عين مكيال رجل أو ميزانه، وكانا معروفين عند العامة (كالصاع الحجاجى) جاز، ولم يختص بهما، وإن لم يعرفا لم يجزاهـ (٣٢٥:٤). قال العبد الضعيف: وفى حديث المتن دلالة أيضًا على صحة عقد السلم بلفظ البيع، لما فيه من قوله مَّ ليه: ((ولكنى أبيعك تمرا معلوما إلى كذا وكذا من الأجل))، وفيه رد على ابن حزم فى قوله: السلم ليس بيعا، لأن التسمية فى الديانات ليست إلا الله عز وجل على لسان رسوله عدّ له، وإنما سماه رسول الله عَّ السلف أو التسليف أو السلم إلخ (١٠٥:٩)، قلنا: قد سماه رسول الله عَّه بيعا أيضًا كما ترى، فبطل القول بأن السلم ليس بيعا، فاحفظه، وكن من الشاكرين. ١٢ظ باب السلف لا يحول إلى غيره قوله: "لا يصرفه إلى غيره"، أقول: صرف رأس مال السلم إلى الغير لا يكون إلا بفسخ السلم فى المسلم فيه، فثبت منه أنهما إن تقايلا السلم لم يكن لرب السلم أن يشترى من المسلم إليه برأس المال شيئا حتى يقبضه كله، وهو حجة على الشافعى وزفر حيث جوزا ذلك، وما قال الخطابى: "إن معنى النهى عن صرف السلف إلى غيره، هو أن يصرف قبل الإقالة" فكلام فاسد، لأنه لا معنى للصرف قبل الإقالة، ويؤيد حديث أبى سعيد ما روى عن ابن عمر أنه قال: "إذا أسلفت فى شىء فلا تأخذ إلا رأس مالك الذى أسلفت فيه"، أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن معمر عن قتادة عنه، قال ابن حجر فى "الدراية": إسناده منقطع، ولكن الانقطاع غير مضر عندنا، لا سيما فى مرتبة التأييد. قال العبد الضعيف: وأخرجه البيهقى من طريق أبی عوانة، عن حصین، عن محمد بن يزيد ابن خليدة، قال: "سألت ابن عمر عن السلف؟ فقال: أسلم فى كل صنف ورقا معلومًا، فإن أعطاكه وإلا فخذ رأس مالك، ولا ترده فى سلعته أخرى" (٣٠:٦)، وهذا سند موصول كما ترى. وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت أبا الشعثاء يقول ٤٣٥ السلف لا يحول إلى غيره إعلاء السنن نحوه، وأبو الشعثاء من كبار التابعين، قال فيه ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله، وقال تميم بن حدير عن الوهاب: سألت ابن عباس عن شىء؟ فقال: تسألونى وفيكم جابر بن زيد؟ وقال جابر بن زيد: لقينى ابن عمر فقال: يا جابر! إنك من فقهاء أهل البصرة (تهذيب التهذيب)، وقد أخرج الدار قطنى أيضًا عن عطية بن بقية قال: حدثنى أبى، حدثنى لوذان بن سليمان، نا هشام بن عروة، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبى معَّ له قال: ((من أسلف سلفا فلا يشترط على صاحبه غير قضاءه)) (دار قطنى ص ٣٠٨)، وهذا وإن كان ضعيفا لأن فيه لوذان بن سليمان، وهو مجهول إلا أنه يصلح للاعتبار، ويتأيد به رواية قتادة عن ابن عمر، لا سيما وقد ذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "اللسان" (٤٩٢:٤). قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": أما بيع المسلم فيه (من غير بائعه) قبل قبضه، فلا نعلم فى تحريمه خلافًا، وقد نهى النبى معَّ لّه عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن، ولأنه مبيع لم يدخل فى ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه، وأما الشركة فيه والتولية فلا تجوز أيضًا، لأنهما بيع ما ذكرنا من قبل، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وحكى عن مالك جواز الشركة والتولية (فيه قبل القبض)، لما روى عن النبى معَّه أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص فى التولية والشركة، ولنا أنها معاوضة فى المسلم فيه قبل القبض فلم يجز كما لو كانت بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع، فلم يجوزا فى السلم قبل قبضه كالنوع للآخر، والخبر لا نعرفه وهو حجة لنا، لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والشركة والتولية بيع فيدخلان فى النهى، ويحمل قوله: "وأرخص فى الشركة والتولية" على أنه أرخص فيها فى الجملة لا فى هذا الموضع، وأما الإقالة فإنها فسخ، وليست بيعا. وأما بيع المسلم فيه من بائعه فهو أن يأخذ غير ما أسلم فيه عوضا عن المسلم فيه، فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجودا، أو معدومًا، سواء كان العرض مثل المسلم فيه فى القيمة، أو أقل، أو أكثر، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى، وعن أحمد رواية أخرى فيمن أسلم فى بر فعدمه عند المحل فرضى المسلم بأخذ الشعير مكان البر جاز، ولم يجز أكثر من ذلك، وهذا يحمل على الرواية التى فيها أن البر والشعير جنس واحد، والصحيح فى المذهب خلافه، وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه يتعجله ولا يؤخره إلا الطعام، قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس قال: "إذا أسلم فى شىء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه، ولا تربح مرتين"، ٤٣٦ ج - ١٤ باب جواز الإقالة فى السلم سواء کان فی بعض المسلم فيه أو كله ٤٧٨٩- أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا أبو عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى السلم يحل فيأخذ بعضه ويأخذ بعض رأس ماله فيما بقى، قال: "هذا المعروف الحسن الجميل"، رواه محمد فى "كتاب الآثار" (١٠٩) ومثله فى " كتاب الآثار" لأبى يوسف (١٠٦) إلا أنه قال: عن أبى حنيفة، عن حماد، عن أبى عمر، بدون رواه سعید فی "سننه". ولنا قول النبى معَّ له: ((من أسلم فى شىء فلا يصرفه إلى غيره)، رواه أبو داود وابن ماجة، ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع، فلم يجز كبيعه من غيره، فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيراً منه، أو دونه فى الصفات جاز لأن ذلك ليس يبيع، وإنما هو قضاء للحق مع تفضل من أحدهما اهـ ملخصًا (٣٤٢:٤)، أى وهو محمل قول ابن عباس: " وإلا فخذ عوضا أنقص منه"، أراد أن يأخذ الأنقص فى الصفات، وأن لا يجبره على أداء الأفضل، فإن أدى أفضل من المسلم فيه من غير جبر، فلا بأس به، والله تعالى أعلم. هذا هو حكم استبدال المسلم فيه قبل قبضه، وأما الحوالة به فتجوز عندنا لوجود ركن الحوالة مع شرائطه، لكون المسلم فيه دينا فى الذمة (بدائع ٢١٤:٥)، وقال الموفق فى "المغنى": وأما الحوالة به فغير جائزة، لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر، والسلم بعرض الفسخ فليس بمستقر، ولأنه نقل للملك فى المسلم فيه على غير وجه الفسخ، فلم يجز كالبيع اهـ (٣٤٢:٤). والجواب أن الحوالة شرعًا، إنما هو نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه، وليس فيه معنى البيع أصلا، بل هو فى معنى الكفالة إلا أن الحوالة يبرأ المسلم إليه، والكفالة لا تبرأه، ونقل الدين أعم من أن يكون مستقرا أو غير مستقر، فتقييده بالمستقر تقييد للمطلق بلا دليل، ولأن كل دين فهو بمعرض الفسخ لاحتمال موت المديون مفلسا، أو إبراء الدائن إياه من الدين، فلم يبق شىء من الدين مستقرا، فافهم. باب جواز الإقالة فى السلم سواء كان فى بعض المسلم فيه أو كله قوله: "أخبرنا أبو حنيفة إلى قوله: عن سفيان إلخ"، قال العبد الضعيف: دلالة الأثر على معنى الباب ظاهرة لا يحتاج إلى التقرير، وجواز الإقالة فى كل المسلم فيه متفق عليه بين فقهاء ٤٣٧ جواز الإقالة فى السلم سواء كان فى بعض المسلم فيه أو كله إعلاء السنن الواو، وأرى زيادة حماد بينه وبين أبى حنيفة من غلط الكتابة، وأبو عمر هذا أظنه ذر بن عبد الله المرهبی، فإنه یکنی أبا عمر والإمام یروی عنه بلا واسطة، وهو یروی عن سعيد ابن جبير وغيره، روی له الجماعة ووثقه غیر واحد. ٤٧٩٠- عن سفيان، عن سلمة بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "إذا أسلمت فى شىء فلا بأس أن تأخذ بعض سلمك وبعض رأس مالك فذلك المعروف " ٦ رواه البيهقى (٢٧:٦) بسنده عنه، ولم يعله بشىء هو ولا ابن التر كمانى، وسلمة بن موسى قال أحمد: لا أرى به بأسا، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (تعجيل المنفعة ١٦٢) وهذه متابعة جيدة لما رواه أبو عمر عن سعيد بن جبير، فالحديث صحيح. الأمصار، واختلفوا فى الإقالة فى بعضه، قال الموفق فى "المغنى": فأما الإقالة فى المسلم فيه فجائزة لأنها فسخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة فى جميع ما أسلم فيه جائزة، فأما الإقالة فى بعض المسلم فيه فاختلف عن أحمد فيها، فروى عنه أنها لا تجوز، ورويت كراهتها عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، والنخعى، وسعيد بن جبير، وربيعة، وابن أبى ليلى، وإسحاق، وروى حنبل عن أحمد أنه قال: لا بأس بها، وروى ذلك عن ابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومحمد بن على، (ابن الحسن)، وحميد ابن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، والحكم، والثورى، والشافعى، والنعمان (أبى حنيفة)، وأصحابه، وابن المنذر، ولأن الإقالة مندوب إليها، وكل معروف جاز فى الجميع، جاز فى البعض كالإبراء والإنظار اهـ ملخصًاً (٣٤٣:٤). قلت: واختلف عن ابن عمر، فروی جابر الجعفی عن نافع عنه معنی قول ابن عباس، والمشهور عنه أنه كره ذلك، قاله البيهقى فى "سننه" (٢٧:٦)، فيحمل المشهور عن ابن عمر على الكراهة من غير تحريم، بدليل ما رواه جابر عن نافع عنه، وأما ابن سيرين، فأجاز الإقالة فى البعض إذا كانت برد عين الثمن كما سيأتى، وأغرب ابن حزم حيث رد الإجماع على جواز الإقالة فى جميع المسلم فيه بأقوال من كرهها فى بعضه، وهذا ليس من الفقه فى شىء، ولم يصبر على ذلك بل أنكر وجود الإجماع فى شىء من المسائل بالمرة، لعدم الوقوف على أقوال الصحابة من الجن، وهل هذا إلا مكابرة أو تحكم بالباطل، فإن الإجماع الذى هو حجة علينا، إنما هو إجماع الصحابة من بنى آدم دون إجماع الصحابة من الجن لمظنة الاختلاف فى أحكام الإنس والجان، وقد فرغنا من الكلام معه فى باب الإقالة من هذا الكتاب، فليراجع. ٤٣٨ جواز الإقالة فى السلم سواء كان فى بعض المسلم فيه أو كله ج - ١٤ ٤٧٩١- عن الحجاج بن المنهال: نا الربيع بن حبيب: "كنا نختلف إلى السواد فى الطعام وهو أكداس قد حصد، فنشتريه منهم الكر بكذا وكذا وننفذ أموالنا، فإذا أذن لهم العمال فى الدراس فمنهم من يفى لنا بما سمى لنا، ومنهم من يزعم أنه نقص طعامه فيطلب إلينا أن نرتجع بقدر ما نقص رؤوس أموالنا، فسألت الحسن عن ذلك؟ فكرهه إلا أن يستوفى ما سمى لنا أو نرتجع أموالنا كلها، وسألت ابن سيرين؟ فقال: إن كانت دراهمك بأعيانها فلا بأس، وسألت عطاء؟ فقال: ما أراك إلا قد رفقت وأحسنت إليه". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٥:٩)، ولم يعله بشىء. قوله: "عن الحجاج بن المنهال إلخ" دلالته على جواز الإقالة فى جميع المسلم فيه بالإجماع، وفى بعض المسلم فيه بقول ابن سيرين وعطاء ظاهرة، وهو أى قول عطاء الراجح عندنا، وقول الحسن محمول على الكراهة من غير تحريم، وتقييد ابن سيرين بكون رأس المال محفوظا بعينه محمول على الندب دون الوجوب، وهذا كله ظاهر لا يخفى على من أراد التوفيق بين الآثار.١٢ظ قلت: رجاله ثقات كما فى "الفتح" (٣٥٣:٤)، ولم يبين(١) وجه النكارة فلا يقبل، ويظهر من كلام الدارقطنى أن وجه النكارة فيه هو كونه مرفوعا، لأنه أخرجه أولا كما أخرجه النسائى، ثم أخرجه من طريق سويد بن عمرو، عن حماد به سلمة، عن أبى الزبير، عن جابر، أنه قال: "نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد"، وقال: لم يذكر حماد عن النبى معَّره، هذا أصح من الذی قبله اهـ. وهو ليس بشىء، لأن قول جابر: "نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد"، معناه أن رسول الله عَّه نهى عنه، فهو مرفوع لا موقوف، ولو سلم فلا نكارة أيضًا، لأن الراوى قد يسند وقد يفتى، ولم يتفرد حجاج بالرفع، بل تابعه عليه الهيثم بن جميل عن حماد عند الدار قطنى، و کذا تابعه علیه عبيد الله بن موسی عنده، لأنه رواه عن حماد عن أبى الزبير عن جابر، وقال فى حديثه: لا أعلمه إلا عن النبى معَّه، ولم يتفرد به حماد أيضًا، بل تابعه عليه الحسن بن أبى جعفر عند الدار قطنى، فرواه عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ◌ّ: ((أنه نهى عن ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم)»، والحسن بن أبى جعفر وإن كان ضعيفا عند البعض إلا أنه لا يسقط عن درجة (١) قلت: وجه النكارة ذكر السنور فيه مع الكلب، كما سيأتى، وأكثر الرواة لم يذكروه فى الحديث، وإنما هو أى كراهة ثمن السنور موقوف علی جابر.١٢ ظ ٤٣٩ إعلاء السنن باب جواز بيع الكلب ٤٧٩٢- أخبرنى إبراهيم بن الحسن، قال: أخبرنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله: ((أن النبى عد ◌ّ نهى عن ثمن الكلب، الاشتهار والاعتبار، فقد قال مسلم بن إبراهيم: كان من خيار الناس، وقال أبو بكر بن أبى الأسود: ترك ابن مهدی حدیثه ثم حدث عنه، وقال: ما كان لی حجة عند ربی (وهذا تعديل مفسر)، وقال ابن عدى: أحاديثه صالحة، وهو یروی الغرائب وخاصة عن محمد بن جحادة له عنه نسخة يرويها الجارودى عن أبيه عنه، وله عن محمد بن جحادة غير ما ذكرت أحاديث مستقيمة صالحة، وهو عندی ممن لا يتعمد الكذب، وهو صدوق (تهذيب ٢٦٠:٢). قلت: وهذا ليس من حديث الجارودى ولا محمد بن جحادة، وإنما هو من حديث عباد بن العوام عنه عن أبى الزبير (دار قطنى ٣١٩، ظ)، فظهر أن الحديث صحيح، وليس بمنكر كما ظنه النسائى، ويؤيده ما أخرجه الدار قطنى من طريق الوليد بن عبد الله بن أبى رباح، عن عمه عطاء بن أبى رباح، عن أبى هريرة، عن النبى عّ لّه، قال: ((ثلاث كلهن سحت: كسب الحجام، ومهر البغى، وثمن الكلب، ولا الكلب الضارى)) اهـ (٣١٩)، وسنده جيد كما قاله فى "الجوهر النقى"، لأن الوليد بن عبد الله، وإن ضعفه الدار قطنى، فقد أخرجه به ابن خزيمة فى "الثقات"، كما فى "لسان الميزان"، وفى "الجوهر النقى": ولم يضعفه المتقدمون فيما علمت، بل حكى ابن أبى حاتم عن ابن معين أنه ثقة، وأخرج له ابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى "مستدركه"، ومع ذلك لم يتفرد به الوليد، بل تابعه عليه المثنى عن عطاء عند الدارقطنى، والمثنى وإن ضعفه الأئمة، لكنه وثقه ابن معین فلا أقل من أن يكون ممن يعتبر به. ورواه أيضاً أبو المهزم يزيد بن سفيان، عن أبى هريرة، عن النبى معَّ له: ((أنه نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيد أو ماشية))، أخرجه الترمذى، وقال: لا يصح من هذا الوجه، وأبو المهزم تكلم فيه شعبة، قلت: قد عرفت أنه لم يتفرد به، بل تابعه عليه الوليد والمثنى عن عطاء عن أبى هريرة، وهذه الطرق يتقوى بعضها ببعض، وقد روى ابن عدى فى "الكامل" عن ابن عباس، عن النبى عّ لّه: ((أنه رخص فى ثمن كلب الصيد))، ولكن فى سنده أبو على الكندى المعروف باللجلاج وهو ضعيف، كذا فى الزيلعى (١٩٥:٢)، هذا كما عرفت كله من الأحاديث المرفوعة، وأما الآثار فقد أخرج البيهقى بسندين منقطعين عن عثمان أنه أغرم رجلا قيمة كلب، ومذهب الشافعى أن المرسل إذا روى مرسلا من وجه آخر صار حجة، كما فى "الجوهر النقى" (٨:٦). ٤٤٠ ج - ١٤ جواز بيع الكلب والسنور، إلا كلب صيد))، أخرجه النسائي، وقال: هذا منكر. وأخرج الطحاوى عن عبد الله بن عمرو بن العاص "أنه قضى فى كلب صيد قتله رجل أربعين درهما، وقضى فى كلب ماشية بكبش"، أخرجه من طريق ابن جريج، عن عمرو بن شعیب، عن أبيه، عن جده، (معانى الآثار ٢٢٨:٢). وأما قول البيهقى: وابن جريج لا يرون له سماعا من عمر، وقال البخارى: لم يسمعه، فلا يصح على مذهب الجمهور وهو المذهب المنصور، أن عنعنة المعاصر محمولة على السماع، وخالفهم البخارى ورد عليه مسلم فى "مقدمة الصحيح" بما لا مزيد عليه، وأخرجه أيضًا الدارقطنى (٥٢٨)، والبيهقى (٨:٦) من طريق إسماعيل بن جساس عن عبد الله بن عمرو، وإسماعيل وإن ضعفه العقيلى والأزدى، وقال البخارى: لا يتابع علی حدیثه، لكن ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وكيف يقول البخارى لا يتابع على حديثه، وقد أخرجه البيهقى من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو؟ وذكر ابن عدى فى "الكامل" كلام البخارى ثم قال: لم أجد لما قال البخارى فيه أثر، كذا فى "الجوهر النقى" (٨:٦)، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن الكلب مال متقوم يجوز بيعه، ويجب على متلفه الضمان. واحتج السرخسى فى "شرح السير الكبير" على جواز بيعه بأنه مال متقوم يجوز الانتفاع به بطريق مباح شرعا، وقال: ولهذا جوز علماؤنا بيعه، واستدل عليه بحديث إبراهيم، قال: ((رخص رسول الله ◌ّل لأهل البيت القاصى فى الكلب يتخذونه يعنى للحرس))، ثم شبه الكلب بالهرة، وبيع الهرة جائز، لأنه ينتفع به وإن كان لا يحل أكله، فالكلب المنتفع به مثله (٢٧٩:٢)، وهو دليل صحيح، لأن الأصل فى هذا الباب أن ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه، وهذا أصل مطرد، ولا ينتقض بشعر الخنزير، لأن إباحة الانتفاع به للضرورة ولا ضرورة فى البيع، نعم، يجوز شراءه إذا لم يحصل له بدونه للضرورة. وما روى أبو داود وأحمد عن ابن عباس مرفوعا: (إن الله إذا حرم على قوم أكل شىء حرم عليهم ثمنه))، فقال فى "الجوهر النقى" (١٩:٢): إن معناه إذا حرم أكل شىء، ولم يبح الانتفاع به حرم ثمنه، ولم يعن ما أبيح الانتفاع به، بدليل إجماعهم على بيع الهر، والفهود، والسباع المتخذة للصيد، والحمر الأهلى اهـ، وقد اغتر صاحب "المنتقى" بهذا الحديث وقال بحرمة بيع الدهن النجس، وليس فيه دلالة على المدعى كما علمت، واغتر به صاحب "النيل" أيضًا، حيث أقره على هذا الخطأ، وقال: إن فى الحديث دليلا على أن كل ما حرمه على العباد فبيعه حرام لتحريم ثمنه،