Indexed OCR Text

Pages 281-300

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٨١
٤٧١٨- عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين،
ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، إنى أخاف عليكم الرماء والرماء هو الربا،
فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة
بالإبل؟، قال: لا بأس إذا كان يدا بيد)). رواه أحمد، والطبرانى فى "الكبير" بنحوه،
وفیه أبو خباب وهو ثقة، ولكنه مدلس (مجمع الزوائد ١١٢:٤).
قلت: أبوه أبو حية الكلبى اسمه حى، قال أبو زرعة: محله الصدق، كذا فى
"التهذيب" (٧٢:٣). وجهله ابن حزم فى "المحلى"، ولكن أبا زرعة عرفه ووثقه،
والعارف مقدم علی من لم یعرف، فالحدیث حسن.
٤٧١٩- نا ابن أبى زائدة، عن عمرو بن علقمة الليثى، عن أبى سلمة بن عبد
وأما كون الأثمان لا تتعين، فقد مر الكلام فيه مستوفى، وأقمنا الحجة عليه من اللغة والشرع
والنظر، ولا يزيد مثله جنونا إلا من حرم الفقه وفهم السنة والكتاب، وكذلك أثبتنا قولهم بجواز
بيع التمرة والتمرتين بالدليل المستند إلى الحديث الصحيح غير عليل. وأما إنه خروج عن الإجماع
المتيقن فلا يستحسن هذا القول ممن يوجب معرفة أقوال الصحابة من الجن فى تحقق الإجماع،
وأيضًا: فإن القرن الأول من الصحابة ومن عاصرهم من التابعين لم يتكلموا فى هذه المسألة بشىء،
ومن ادعى فعليه البيان، ومن تكلم فيها ممن تأخر عنهم، وهم أهل القرن الثانى، فأبو حنيفة رحمه
الله قد خالفهم معاصرا فلم يتحقق الإجماع، فافهم، فإنه نفيس وهو من المواهب.
قوله: "عن ابن عمر"، وقوله: "نا ابن أبى زائد إلخ"، قلت: دلالة قوله: ((ولا الصاع
بالصاعين))، وقوله: ((ولا صاع بصاعين)) على كون القدر علة للربا ظاهرة، وهو نص فى تعدية
الحكم إلى سائر الأموال طعاما كان أو غيره، ومن الستة كان أو مما عداها، لأنه لم يرد به عين
الصاع، وإنما أراد به ما يدخل تحت الصاع، كما يقال: خذ هذا الصاع أى ما فيه، ووهبت لفلان
صاعا أى ما يسعه من الطعام وغيره، فتعين بهذه الآثار قيام الدليل على تعدية الحكم من الأشياء
الستة إلى غيرها، وهذا بخلاف قوله عّ لّهِ: ((خمس من الفواسق يقتلن فى الحل والحرم))، فلم يجز
قياس ما سوى الخمس على الخمس، لأن التعليل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص لإبطال
المنصوص باطل، وقد نص فى الحديث على أن الفواسق خمس، فلو اشتغلنا بالتعليل كان أكثر من
خمس فيكون إبطالا للمنصوص، وليس كذلك ههنا، لأنه ليس فى الحديث أن مال الربا ستة،
فالاشتغال بالتعليل لا يؤدى إلى إبطال المنصوص عليه، فلذا جوزنا ذلك، وفائدة تخصيص هذه

الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجید والردیء فی الربویات سواء
إعلاء السنن
٢٨٢
الرحمن، عن أبى سعيد، عن رسول الله عَّ له، أنه قال: ((لا يصلح درهم بدرهمين
الأشياء بالذكر أن عامة المعاملات يومئذ كان بها، كذا فى "المبسوط" (١١٣:١٢).
الجواب عن حجة الظاهرية فى قصرهم
الربا على الأشياء الستة ونفيه عما عداها:
وبهذا بطل قول ابن حزم: فإذا أحل الله تعالى البيع وحرم الربا فواجب طلب معرفته
ليجتنب، وقال تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾، فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان
رسوله عليه السلام من الربا أو من الحرام فهو ربا، وما لم يفصل لنا ولا بينه رسوله عليه السلام
کان تعالی کاذبا فى قوله: ﴿وقد فصل لکم ما حرم علیکم﴾، وهذا کفر صریح ممن قال به،
ولكان رسول الله عّ لِّ المأمور بالبيان، وما عدا ذلك فحلال، وما كان ربك نسيا اهـ
(٤٦٨:٨-٤٦٩). وهذا كله تمويه وتغرير للعوام كما لا يخفى، فنسأله أن المراد بقوله: ﴿وقد
فصل لكم ما حرم عليكم)، تفصيل الأصول أو تفصيل الفروع الجزئية بأسرها؟ فإن قال بالأول
فلا يلزم من نصه على أشياء معدودة تمثيلا نفى حكم الربا عن غيرها، وهو داخل تحت الأصول،
. وإن قال: بالثانى، فما أقر به من الجهل بالشريعة ومن العمى بعد الهداية.
تفسير قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾
وأن الكتاب والسنة إنما فصلًا الأصول دون الفروع:
فقد علم كل من له مسكة عقل، وإلمام بالدراية أن الكتاب والسنة إنما فصلا الأصول دون
الفروع، ومن هنا قال النبى معَّ له: ((رب مبلغ أوعى من سامع))، وجوز للحاكم أن يجتهد برأيه،
وجعل له على خطائه فى اجتهاد الرأى أجرا واحدا إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه، وأقر معاذا
على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله، رواه شعبة: ثنى أبو عون، عن الحارث بن
عمرو، عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ: ((أن رسول الله مرّ لآٍ لما بعثه إلى اليمن قال:
كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب الله، قال: فإن لم يكن فى كتاب الله؟
قال: فبسنة رسول الله مَّه، قال: فإن لم يكن فى سنة رسول الله مَّه؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو،
قال: فضرب رسول الله مَّه صدرى، ثم قال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى
رسول الله مَ ◌ّه).

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٨٣
ولا صاع بصاعين)). رواه ابن أبى شيبة، وصححه ابن حزم فى "المحلى" (٤٧٩:٨).
تصحيح حديث معاذ فى الاجتهاد، وفضل شعبة فى حديث:
فهذا، وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة
الحديث، وأن الذى حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا
أبلغ فى الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمى، كيف؟ وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين
والفضل والصدق بالمحل الذى لا يخفى، ولا يعرف فى أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل
أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل فى ذلك، كيف؟ وشعبة حامل
لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة فى إسناد حدیث فاشدد یدیك به،
وقال أبو بكر الخطيب: قد قيل: إن عبادة بن نسى رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا
إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على
صحته عندهم، كما وقفنا به على صحة عدة أحاديث لما نقلها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها
عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له
اهـ، من "أعلام الموقعين" لابن القيم (٧٣:١).
قد اجتهد الصحابة فى كثير من الأحكام:
وفيه أيضًا: قال أسد بن موسى: ثنا شعبة عن زبيد اليامى عن طلحة بن مصرف عن مرة
الطيب عن على كرم الله وجهه: كل قوم على بينة من أمرهم ومصلحة من أنفسهم يزرون على من
سواهم، ويعرف الحق بالمقايسة عند أولى الألباب، قال: وقد اجتهد الصحابة فى زمن النبى معَّ اله
فى كثير من الأحكام، ولم يعنفهم فذكر نظائره، وقال الشعبى عن شريح: قال: قال لى عمر: اقض
بما استبان لك من كتاب الله، وبما استبان لك من قضاء رسول الله مَّظله، ومن أئمة المهتدين، فإن
لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح، وقد اجتهد ابن
مسعود فى المفوضة وزيد بن ثابت فى مسألة زوج وأبوين وقايس على بن أبى طالب وزيد بن ثابت
فى المكاتب، وقايسه فى الجد والإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع، وقال المزنى: الفقهاء
من عصر رسول الله مَّه إلى يومنا وهلم جراً، استعملوا المقاييس فى الفقه فى جميع الأحكام فى
أمر دينهم، قال: وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل اهـ ملخصًا (٧٤:١).
وفى كل ذلك دلالة واضحة على أن الكتاب والسنة لم يفصلا فروع الأحكام، وإنما
فصلا أصولها، ورلا لم يحتج إلى الاجتهاد والاستنباط فى شىء، ولم يكن المبلغ أوعى من سامع،

٢٨٤
إعلاء السنن الربا فى كل ما یکال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
٤٧٢٠- وأخرج ابن حزم فى "المحلى" (٤٩٢:٨): من طريق ابن أبى شيبة:
نا عبد الأعلى، عن عمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر: " كان لا يرى بأسًا فيما
يكال(١) واحدا باثنين إذا اختلفت ألوانه"، ولم يعله بشىء ورجاله ثقات كلهم.
٤٧٢١- ومن طريقه نا ابن فضيل عن أشعث عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله،
قال: "إذ اختلف النوعان فلا بأس بالفضل يدا بيد"، لم يعله بشىء ورجاله ثقات كلهم.
٤٧٢٢- ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد بن أبى سليمان، عن
النخعى، وعن رجل، عن الحسن، قالا جميعًا: سلف ما يكال فيما يوزن ولا يكال،
وسلف ما يوزن ولا يكال فيما يكال ولا يوزن". سنده إلى إبراهيم صحيح، وفيه إلى
الحسن رجل لم يسم.
ولم يجز للحاكم أن يجتهد برأيه، ولم يجعل له الأجر على خطائه فى الاجتهاد، ولم يقل معاذ:
أجتهد رأيى ولا آلو، وكم من مسائل ذهب إليها ابن حزم ومن وافقه من غير نص من الشارع،
کما لا یخفی من طالع دیوانه.
إذا عرفت ذلك، فليس قول من قال بجريان الربا فيما عدا الأشياء الستة خلاف قول
الله عز وجل: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم) الآية، لكونه داخلا فيما فصله وبينه رسوله عليه
السلام من الأصول، ولو كان اقتصار النبى معَّه على ذكر الأشياء الستة دليلا على نفى الربا عن
غيرها فليكن قوله: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل)) دليلا على جريان الربا فى أنواع الطعام مثلا بأكثر
وبأقل، ولم يقل به ابن حزم كما مر، فالدليل الدليل، والجواب الجواب.
قوله: "وأخرج ابن حزم إلى قوله: ومن طريق عبد الرزاق إلخ"، قلت: دلالة قول ابن عمر:
"لا بأس فيما يكال واحدا باثنين إذا اختلفت ألوانه" على كون الكيل، والجنس علة للربا ظاهرة،
وإلا لم يكن للتقييد بالكيل، واختلاف اللون معنى، وكذا دلالة قول جابر: "إذا اختلف النوعان
فلا بأس بالفضل" على أن حرمة الفضل ترتفع وتنتفى باختلاف الجنس وحده، وإن اتحد القدر،
(١) ولا يضرنا ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، بلفظ: " ما اختلفت ألوانه من الطعام فلا بأس به يدا
بيد، وكرهه نسئة". الحديث، ذكره ابن حزم (٤٧٦:٨) أيضا. فإن العام يقضى على الخاص عندنا، ويمكن أنه قال مرة بالعموم
وأخرى بالخصوص، ولا تعارض بين العموم والخصوص كما تقرر فى الأصول، فيجرى العام على عمومه، ويحمل الخاص
على واقعة بعينها، وهذا هو الجواب عما ورد فى حديث عمر الآتى من لفظ الطعام فى بعض الآثار.

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فى الربويات سواء
٢٨٥
٤٧٢٣- روى ابن حزم فى "المحلى" (٤٨٨:٨): من طريق ابن وهب، عن
مخرمة بن بكر، عن أبيه، سمعت عمرو بن شعيب قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى
أبى موسى الأشعرى: أن لا يباع الصاع بالصاعين إذا كان مثله، وإن کان یدا بید، فإن
اختلف فلا بأس، وإذا اختلف فى الدين فلا يصلح، وكل شىء يوزن مثل ذلك كهيئة
المكيال". رجاله ثقات كلهم، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وليس هو عندنا بعلة لا سيما
وهو متأيد بالشواهد.
٤٧٢٤- ومن طريق: يحيى بن سعيد القطان: نا صدقة بن المثنى، نا جدى هو
رباح بن الحرث أن عمار بن ياسر قال فى المسجد الأكبر: العبد خير من العبدين، والأمة
خير من الأمتين، والبعير خير من البعيرين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يدا بيد فلا
بأس به، إنما الربا فى النسأ إلا ما كيل أو وزن، لم يعله ابن حزم بشىء، ورجاله ثقات.
فافهم، ودلالة قول إبراهيم والحسن على حرمة النسيئة باتحاد القدر ظاهرة، وهو المذهب.
قوله: "روى ابن حزم إلخ"، دلالة قول عمر على حرمة التفاضل فيما يكال عند اتحاد
الجنس، وعلى جوازه نقدا مع حرمة النسيئة عند اختلافه ظاهرة، وقوله: ((و كل شىء يوزن مثل
ذلك كهيئة المكيال)) صريح فى كون الوزن والكيل علة للربا، فافهم.
وقوله: "لا يباع الصاع بالصاعين" صريح فى أن الربا لا يختص بالأشياء الستة،
ولا بالمطعوم، بل يعم كل مكيل وموزون.
قوله: "ومن طريق يحيى بن سعيد إلخ"، دلالة قول عمار على جواز التفاضل، وحرمة
النسيئة عند اتحاد الجنس وانتفاء القدر ظاهرة، وقوله: ((إنما الربا فى النسأ إلا ما كيل أو وزن)) صريح
فى كون الكيل والوزن علة للربا.
حديث: ((إنما الربا فى النسيئة)) ليس على إطلاقه
بل مقيد بما لا يكال ولا يوزن:
وهو دليل على أن حديث أسامة بن زيد: ((إنما الربا فى النسيئة)) ليس على إطلاقه، بل مقيد
بما لا يكال ولا يوزن، فلا ربا فيه إلا بالنسيئة عند اتحاد الجنس، وأما ما يكال، أو يوزن، فيجرى فيه
الربا بالنسيئة مرة، وبالتفاضل أخرى، وقد تخبط ابن حزم فى معنى قول عمار هذا وغر السفهاء
بتمويهه، حيث قال: لا يخلو قوله: ((إلا ما كيل أو وزن)) من أن يكون استثناء من النسأ الذى هو

٢٨٦
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
٤٧٢٥- ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن موسى بن أبى عائشة عن
إبراهیم النخعی قال: ما کان من بيع(١) واحد یکال مثلا بمثل، فإذا اختلفت فزد وازدد یدا
بید وإن کان شيئا واحدا یوزن فمثلا بمثل فإذا اختلفت فزد وازدد يدا بيد سنده صحيح.
٤٧٢٦- ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، قال: كل شىء يوزن،
فهو يجرى مجرى الذهب والفضة، وكل شىء يكال فهو يجرى مجرى البر والشعير"،
وهذا سند صحيح أيضا.
ربا، أو یکون استثناه مما قال: إنه لا بأس به ما کان یدا بید، ولا سبیل إلی وجه ثالث (قلت: بلی
کما سیأتی)، فإن كان استتناه من النسا الذی هو ربا، فهو ضد مذهبهم عینا، وموجب أنه لا ربا
فيما يكال أو يوزن فى النسيئة، فإن كان استثناه مما لا بأس به يدا بيد، فهو أيضًا ضد مذهبهم،
وموجب أنه لا يجوز ما کیل بما وزن يدا بيد اهـ (٤٨٥:٨).
قلت: بل هو استثناء من مفهوم الحصر المستفاد من لفظة (إنما))، ومعناه أن تحقق الربا فيما
ذكر منحصر فى النسيئة غير ما كيل أو وزن، فتحققه فيه غير منحصر فى النسيئة، بل يكون
بالتفاضل مرة، وبالنسيئة أخرى، وهذا أظهر من أن يخفى على مثل ابن حزم، ولكنه قد جبل على
إدحاض دلائل الخصوم، وإن كانت صحيحة صريحة الدلالة على معناه، وأما قوله: وزاد بعضهم
فى هذا الخبر: ((فلا يباع صنف منه بالصنف الآخر إلا مثلا بمثل)»، وهو ضد مذهبهم عيانا بكل
حال اهـ، ففيه أن هذا البعض لو كان ثقة غير مجهول لصاح ابن حزم باسمه، ولكنه أبهمه،
ولم يستح من الاحتجاج بمثله، ولو سلم فالمراد صنف من التمر بصنف آخر منه، وصنف من الحنطة
بصنف آخر منها، كما فى حديث أبى سعيد: ((قسم فينا رسول الله عَّ- طعاما مختلفًا))، وأراد به
أصنافا من التمر بعضها أفضل من بعض كما تقدم، وهو لا يباع عندنا إلا مثلا بمثل، فلم يكن ضد
مذهبنا، ولكنه حجة على من حصر الربا فى الأشياء الستة ونفاه عما عداها، فإن قوله: ((إلا ما كيل
أو وزن» یفید جریان الربا فی کل مکیل وموزون لا مخلص له منه أبدًا.
قوله: "ومن طريق عبد الرزاق مرتين إلخ"، قلت: دلالة قول إبراهيم والزهرى على
(١) أخرجه محمد فى "الآثار" (١٠٨) أبسط منه، ولفظه: "وإذا اختلف النوعان فيما لا يكال ولا يوزن فلا بأس باثنين بواحد يدا
بيد، ولا بأس به نساء، وإذا كان من نوع واحد مما لا يكال ولا يوزن فلا بأس به يدا بيد". رواه عن أبى حنيفة، عن حماد،
عنه، فلفظة "من بيع واحد" فى نسخة "المحلى" تصحيف من نوع واحد.

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٨٧
٤٧٢٧- عن أبى الزبير المكى، قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الحنطة بالتمر
بفضل يدا بيد، فقال: لقد كنا على عهد رسول الله عّ لّه نشترى الصاع الحنطة بست
آصع من تمر يدا بيد، فإن كان نوعا واحدا فلا خير فيه إلا مثلا بمثل"، رواه أبو يعلى،
ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١١٤:٤).
٤٧٢٨- عن حنش الصنعانى: كنا مع فضالة فى غزوة، فطارت لى ولأصحابى
كون الكيل والوزن علة للربا ظاهرة، ودل قول إبراهيم: إن اتحاد القدر مع اتحاد الجنس يوجب
حرمة الفضل، والنسيئة معًا، واتحاد القدر مع اختلاف الجنس حرمة النسيئة وحدها دون الفضل
وهو المذهب.
قوله: "عن أبى الزبير المكى إلخ"، قلت: دلالة قوله: ((فإن كان نوعا واحدا)) على كون
وحدة الجنس محرمة للربا ظاهرة، وقوله: "كنا على عهد رسول الله عّ لّه نشترى الصاع الحنطة
إلخ " صريح فى أن اتحاد القدر مع اختلاف الجنس محرمة للنسأ دون الفضل، وقول الصحابى:
"كنا على عهد رسول الله عَِّ نفعل كذا" فى حكم المرفوع كما تقرر فى الأصول، فبطل ابن
حزم: لو صح لكان موقوفا على جابر، واندحض بقول الهيثمى: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال
الصحيح" قول ابن حزم: هذا لا شىء لأنه من طريق ابن لهيعة وهو ساقط، فإن ابن لهيعة ليس من
رجال الصحیح، فثبت أن سند أبی یعلی سالم منه.
وبما فى متنه: "فإن كان نوعا واحدا فلا خير فيه إلا مثلا بمثل" ارتفع ما يرد على لفظ ابن
لهيعة: "فأما سوى ذلك من الطعام فيكره ذلك إلا مثلا بمثل" اهـ، من كونه مخالفا لقول المالكيين
والشافعيين والحنفيين جملة، لأنهم لا يمنعون من التفاضل فى التمر مع غير البر، ولا يقصرون فى
إباحة التفاضل فى البر مع التمر خاصةً كما فى هذا الخبر، قاله ابن حزم فى "المحلى" (٤٧٦:٨)،
فاللفظ الذى رواه أبو يعلى بسند رجاله رجال الصحيح سالم من هذا الإيراد، والآثار يفسر بعضها
بعضا، فيحمل الطعام فى لفظ ابن لهيعة على البر خاصةً، فإن لفظة الطعام لا تطلق فى لغة العرب
إلا على البر وحده عند ابن حزم، كما صرح به فى "المحلى" (٤٧٣:٨)، فالمعنى أن التفاضل إنما
يجوز فى بيع الحنطة بخلاف جنسها، فأما بالحنطة فلا يجوز إلا مثلا بمثل، فافهم.
مسألة مد عجوة أى بيع الربوى بجنسه
ومعهما أو مع أحدهما شىء من غير جنسه:
قوله: "عن حنش الصنعانى إلخ"، قال فى "المبسوط": وعن محمد ابن سيرين أنه كان

٢٨٨
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردی، فی الربويات سواء
إعلاء السنن
قلادة فيها ذهب وورق وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألته، فقال: انزع ذهبها
يكره أن يباع السيف المحلى بالفضة بالنقرة مخافة أن تكون الفضة التى أعطى أقل مما فيه، ويكره
أن يبيعه بالنسيئة، ولا يرى بأسا بأن يبيعه بالذهب وبه نأخذ، فنقول: بيعه بالذهب جائز بالنقد،
لقوله عّ لّه: ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد))، ولا يجوز بيعه بالنسيئة سواء باعه
بالذهب أو بالفضة، لأن العقد فى حصة الحلية صرف، فاشتراط الأجل فيه مفسد، ولا تنزع من
السيف إل بضرر ففساد العقد فيها يفسد الكل دفعًا للضرر، أما بيعها بالفضة فعلى أربعة أوجه، إن
كان يعلم أن فضة الحلية أكثر فهو فاسد، وكذلك إن كانت الحلية مثل النقد فى الوزن، لأن الجفن
والحمائل (والحديد) فضل خال عن العوض، فإن مقابلة الفضة بالفضة فى البيع تكون بالأجزاء
(دون القيمة)، وإن كان يعلم أن الفضة فى الحلية أقل جاز العقد على أن يجعل المثل بالمثل، والباقى
بإزاء الجفن والحمائل (والحديد) عندنا خلافا للشافعى، وإن كان لا يدرى أيهما أقل فالبيع فاسد
عندنا لعدم العلم بالمساواة عند العقد وتوهم الفضل، وعند زفر هذا يجوز، فإن الأصل الجواز
والمفسد هو الفضل الخالى عن العوض، فما لم يعلم به يكون العقد محكوما بجوازه اهـ (٥:١٤)،
ولنا أن العلم بالمماثلة واجب، لقوله عَّهِ: ((مثلا بمثل سواء بسواء))، فلا يجوز البيع مجازفة ما
لم يتيقن بكون فضة النقد أكثر من فضة الحلية.
الجواب عن إيراد ابن حزم فى بيع السيف المحلى
بالفضة بفضة أكثر منها بفوات التعيين:
وأورد عليه ابن حزم بأنكم إن كنتم تخلصتم بهذه النية (أى بجعل المثل بالمثل والباقى بإزاء
الجفن والحمائل (والحديد) من الوزن فلم تتخلصوا من التعيين، لأنه لا يعرف أى فضة هذا الدرهم
بعتم بفضة ذلك الآخر، وقد افترض رسول الله عَّم أنه لا يحل ذلك إلا عينا بعين اهـ (٤٩٥:٨).
والجواب ما قاله الشيخ: إن المراد من التعيين كون البدلين حاضرين مشار إليهما، فقد عرفت
أن قوله: ((عينا بعين)) قد ورد فى مقابلة النسيئة، ولا شك فى وجود التعيين إذا بعنا السيف المحلى
بالفضة بفضة مفردة هى أكثر من حلية السيف نقدا، فكل من البدلین عین لیس شیء منهما بدین،
وأما إن أى فضة هذا الدرهم بعناه بفضة ذلك الآخر؟ فلا يجب معرفته، لعدم توقف التعيين على
معرفة مقدار البدلين ولا على تمييزهما، ألا ترى أن بيع الذهب وشىء آخر غير الفضة معه أو مركبا
فيه يجوز كما هو بالدراهم أو الدرهم نقدا، ولا يجوز نسيئة اتفاقا؟ كما فى "المحلى" (٥٠٠:٨)،

19
ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فی الربویات سواء
٢٨٩
فاجعله فى كفة واجعل ذهبك فى كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإنى سمعت رسول
مع أنك لا تعرف أن أى فضة هذا الدرهم بعته بالذهب، وأيها بعته بما هو معه أو مركب فيه؟ فإن
كان عدم معرفتك بذلك يفوت التعيين لزمك بيع الذهب بالفضة غير عين بغير عين، وهو حرام
إجماعًا، وإن کان لا يفوته، فكذلك لا يفوته فيما ذكرنا، وظهر بذلك تمويه ابن حزم، وتغريره
للعوام، وإيقاعه الخواص فى المغالطة، والله المستعان.
الجواب عن احتجاج الخصم بحديث فضالة:
وبما ذكرنا عن "المبسوط" من الوجوه الأربعة فى السيف المحلى، وبيعها بالفضة خرج
الجواب عن احتجاج الخصم بحديث فضالة بن عبيد هذا، وبما رواه مسلم من طريق على بن رباح،
عن فضالة: ((أتى رسول الله عَّه وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهى من المغانم تباع، فأمر
رسول الله عَّ بالذهب الذى فى القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم عليه السلام: ((الذهب بالذهب
وزنا بوزن))، وبما رواه أبو داود: نا محمد بن العلاء، نا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد - هو أبو
شجاع عن خالد بن أبى عمران، عن حنش، عن فضالة: ((أتى رسول الله عَّ له عام خيبر بقلادة فيها
ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال رسول الله مرّ له: لا حتى تميز بينه وبينه، فقال: إنما
أردت الحجارة، فقال عليه السلام: لا حتى تميز بينهما، فرده حتى ميز بينهما))، قال ابن حزم: فهذا
رسول الله ◌َ ◌ّه لم يلتفت إلى نيته فى أنه إنما كان غرضه الخرز، ويكون الذهب تبعا، ولا راعى
كثرة ثمن من قلته، وأوجب التمييز والموازنة ولا بد اهـ (٤٩٦:٨)، فكل ذلك محمول عندنا على
أن الذهب الذى فى القلادة كان أكثر من الذهب المنفرد، أو لم يدر أيهما أقل وأكثر، ونحن
نوجب الفصل والتمييز والموازنة إذا كان الحال هذه ولا بد.
ويؤيد ما قلنا ما رواه مسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى من طريق خالد بن أبى عمران،
عن حنش، عن فضالة: «قال: اشتریت یوم خیبر قلادة باثنى عشر دینارًا فيها ذهب وخرز، ففصلتها
فوجدت فيها أكثر من اثنى عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبى معَّةٍ، فقال: لا تباع حتى تفصل))
"عون المعبود" (٢٥٥:٣)، وبهذا نقول ونأخذ لا يباع مثله حتى يفصل.
وفيه أيضًا: قال الخطابي: " وما ذهب إليه أبو حنيفة، فإنه يخرج على القياس، لأنه يجعل
الذهب بالذهب سواء، ويجعل ما فضل عن الثمن بإزاء السلعة غير أن السنة منعت هذا القياس
أن يجرى، ألا تراه يقول: إنما أردت الحجارة، فيقول: لا حتى تميز بينهما"، فدل على أن هذا البيع

٢٩٠
إعلاء السنن الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
"الله عَ ◌ّ يقول: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل))، رواه مسلم
(تيسير الوصول ٣١).
على الوجهين فاسد اهـ مختصرا، قلنا: لم تمنع السنة هذا القياس مطلقًا، وإنما منعته فى صورة
خاصة، وهى أن الذهب الذى فى القلادة كان أكثر من الذهب، أو لم يدر أيها أقل، أو أكثر، وأبو
حنيفة يمنع هذا، وسيأتى ما يدل على عدم وجوب الفصل فى الأحوال كلها، وجواز البيع من غير
فصل فى آثار الصحابة وأجلة التابعين، فانتظر، وبه يتبين صحة ما أوله عليه أبو حنيفة، وأصحابه
حديث فضالة هذا، فإن الصحابة أعرف الناس بمقاصد الشرع ومعانى كلام النبى عليه.
الجواب عن حجة الشوكانى فى مسألة بيع القلادة:
خرج بما ذكرنا الجواب عما فى "النيل" (٥٨:٥)، وكذلك فى مسألة القلادة يتعذر الوقوف
على التساوى من دون فصل، ولا يكفى مجرد الفصل بل لا بد من معرفة مقدار المفصول، والمقابل
له من جنسه اهـ، فإنا لم نقل بجواز بيع ما لم يفصل إذا تعذر الوقوف على التساوى والتفاضل من
غير فصل، والنزاع إنما هو فيما إذا كان الوقوف على ذلك متيسرا بدونه، وأما قوله: "ولا يكفى
مجرد الفصل بل لا بد من معرفة مقدار المفصول والمقابل له من جنسه"، فدعوی مجردة عن دلیل
وقول باطل، فإن الشرع إنما أوجب التساوى والتماثل، وذلك يحصل باعتدال لسان الميزان سواء
عرفنا قدرهما أو لم نعرف، روى مالك فى "الموطأ" عن يزيد بن عبد الله بن قسيط: "أنه رأى
سعيد بن المسيب يراطل الذهب بالذهب فيفرغ ذهبه فى كفة، ويفرغ صاحبه ذهبه فى كفة، فإذا
اعتدل لسان الميزان أخذ وأعطى" (٢٦٢)، هذا هو الواجب فى بيع الذهب بالذهب والفضة
بالقضة، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان.
وأما إذا بعنا الذهب بالذهب ومعه شىء آخر أو مركب فيه فلا يجب الفصل، ولا معرفة
المقدار، وإنما يجب المعرفة بكون الذهب المنفرد أكثر من الذهب الذى معه شىء آخر.
روى ابن حزم فى "المحلى" (٤٩٦:٨) من طريق شعبة: نا عمارة بن أبى حفصة، عن المغيرة
ابن حنين: "سمعت على بن أبى طالب وهو يخطب، إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إن بأرضنا
قوما يأكلون الربا، قال على: وما ذلك؟ قال: يبيعون جامات مخلوطة بذهب وفضة بورق فنكس
علی رضی الله عنه رأسه، وقال: لا ای لا بأس به".
ومن طريق ابن أبى شيبة: نا شريك بن عبد الله، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعى

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
٢٩١
قال: "كان خباب قينا وكان ربما اشترى السيف المحلى بالورق"، (مرسل حسن، ومراسيل النخعى
مقبولة عند القوم، فهذا على وخباب لم يوجبا الفصل ولا معرفة القدر).
ومن طريق ابن أبى شيبة أيضًا: نا عبد السلام بن حرب، عن يزيد الدالانى، عن قيس بن
مسلم عن طارق بن شهاب قال: "كنا نبيع السيف المحلى بالفضة ونشتريه"، (طارق بن شهاب قال
أبو داود: رأى النبى معَّ ولم يسمع منه، كما فى "التقريب" ٩١).
وومن طريقه: نا و کیع، عن إسرائیل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
قال: "لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم"، (سند صحيح، فهذا طارق وابن عباس لم يوجبا فصل
ما فى السيف من الفضة، وقول طارق: "كنا نبيع ونشترى" دليل على كون مثل ذلك متعارفا فى
الصحابة، وهم أعرف الناس بكلام رسول الله عَّه، فثبت أن الفصل ليس بواجب، وحديث
فضالة محمول على ما قلنا).
وروى ابن حزم من طريق أحمد بن حنبل، عن يحيى بن أبى زائدة، أخبرنى ابن أبى غنية:
"سألت الحكم بن عتيبة عن ألف درهم وستين درهما بألف درهم وخمسة دنانير؟ فقال: لا بأس
به ألف بألف والفضل بالدنانير"، ومن طريقة شعبة: "أنه سأل الحكم بن عتيبة عن السيف المحلى
يباع بالدراهم؟ فقال: إن كانت الدراهم أكثر من الحلية فلا بأس به" (٤٩٧:٨)، وهذا عين ما قاله
أبو حنيفة رحمه الله.
وروى محمد فى "الحجج" له: أخبرنا سفيان بن سعيد الثورى، حدثنا عثمان بن الأسود.
عن مجاهد فى الرجل يكون له على الرجل دينارين موقتين فيعطيه شاميين (الدينار الموقت أنقص
من الشامى) فيأخذ فضل ما بينهما دراهم(١) أنه لا يرى بأساً) (٢١٦).
ورواه الطحاوى فى "معانى الآثار": حدثنا ابن مرزوق، ثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود،
عن مجاهد، بلفظ: أنه كان لا يرى بأسًا أن يشترى ذهبًا بذهب وفضة، أو فضة بفضة وذهب"
(٢٣٩:٢)، والحكم ومجاهد كلاهما من التابعين، ومجاهد أجل منه، وقد صرحا باشتراط كون
الذهب المنفرد أكثر من الذهب المجموع، ووافقهما فى ذلك ابن سيرين كما مر عن "المبسوط".
وروى محمد فى "الحجج": أخبرنا ابن أبى عروبة، عن أبى معشر، عن إبراهيم النخعى،
(١) لا يقال: هذا بيع عين بدين، لأنا نقول: إنه كان فى القرض، والقرض ليس من باب البيع، ولو سلمنا، فإنه كان بطريق المقاصة،
وقد تقدم فی باب استبدال الثمن وجه جواز بيع الدین بالعين مقاصة، فتذ کر.١٢ ظ

٢٩٢
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء
إعلاء السنن
ح وأخبرنا عباد بن العوام، ثنا عمر بن عامر، عن حماد، عن إبراهيم: " فى شراء السيف المحلى،
قال: لا بأس إذا كان حليته أقل من الثمن، بلفظ سعيد، وزاد عباد: "أنه كان يكره شراء السيف المحلى
بدون الفضة، ولا يرى بأسًا بأكثر من حصته، فيكون الفضة بالفضة والفضل بالفضل" (٢١٤).
قلت: سند صحيح وعمر بن عامر السلمى قاضى البصرة صدوق ثقة من رجال "مسلم"،
كذا فى "التهذيب" (٤٦٦:٧)، فعليه يحمل ما روى عن الصحابة من الإطلاق فى بيع السيف
المحلى بالفضة، فافهم، فإن أبا حنيفة لا يفسر الحديث إلا بأقوال الصحابة، ولا أقوالهم إلا بأقوال
التابعين، فعجبا ممن يرميه بالرأى ويستشعر من نفسه العمل بالحديث، مع كونه يفسر الأحاديث
برأيه، ويترك أقوال الصحابة وآثار التابعين سدى ويتخذها ظهريا.
وأما ما رواه ابن حزم من طريق ابن أبى شيبة: نا وكيع، عن محمد بن عبد الله الشعیثی، عن
أبى قلابة، عن أنس قال: "أتانا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بأرض فارس: لا تبيعوا سيوفا فيها
حلقة فضة بالدراهم" (٤٩٩:٨)، فلا يضرنا؛ لكونه محمولا على ما إذا لم يعرف مقدار حلقة
الفضة، أو لا يكون الدراهم المنفردة أكثر من وزنها، ولما كانت العامة لا تعرف مقدار الحلقة بدون
الفصل أطلق النهى، ولم يقيده بالقلة والكثرة، وهو ظاهر.
ومن طريق سعيد بن منصور: نا مهدى بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبى يعقوب،
حدثنى يحيى الطويل، عن رجل من همدان، قال: "سألت على بن أبى طالب فقلت: يا أمير
المؤمنين! إنه يكسد على الورق، فأصرفه بالزيادة والنقصان، قال: ذلك الربا العجلان" اهـ، فليس
من هذا الباب هو من باب بيع الجيد بالردىء متفاضلا، قال: وقد أجمعنا على أن الجود ساقطة فى
باب الربويات فيما قوبل بجنسه.
ومن طريق سعيد بن منصور: نا جرير، عن مغيرة بن مقسم، عن أبيه، عن رجل من
السمانيين، قال: قال على بن أبى طالب: "إذا كان لأحدكم دراهم لا تنفق، فليبتع بها ذهبا،
وليبتع بالذهب ما شاء" محمول على بيع الجيد بالردىء أيضًا أى لا يجوز له صرف الدراهم
الكاسدة بالنافقة متفاضلا، بل يبيعها بالذهب ثم يبتاع به ما شاء من الدراهم.
ينبغى للمفتى أن يبين للمستفتى الطريق الذى
يحصل به مقصوده مع التحرز عن الحرام:
وفيه أن المفتى إذا بين جواب ما سئل عنه فلا بأس أن يبين للسائل الطريق الذى يحصل به

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٩٣
مقصود مع التحرز عن الحرام، ولا يكون هذا مما هو مذموم من تعليم الحيل، بل هو اقتداء برسول
الله ◌َّه حيث قال لعامل خيبر: ((هلا بعت تمرك بسلعة ثم اشتريت بسلعتك هذا التمر؟))، كذا فى
"المبسوط" (١٤: ٤).
احتجاج ابن حزم بالمجاهيل:
والعجب من ابن حزم أنه يحتج بهذه الآثار على وجوب الفصل فى مسألة القلادة، وفى
رواتها مجاهیل، فلا ندری متی یصیر المجهول حجة عنده، ومتى هو مردود؟ وما رواه من طريق
و کیع: نا فضیل بن غزوان عن نافع قال: كان ابن عمر لا یبیع سرجا ولا سیفا فیه فضة حتی ینزعه
ثم يبيعه وزنا بوزن اهـ (٥٠٠)، محمول على الورع، أو على ما إذا لم يعرف قدر ما فى السرج
والسيف من الفضة، وكذلك كل ما روى عن ابن سيرين والشعبى وشريح والنخعى أنهم كرهوا
بيع الخاتم فيه فضة بالورق، أو كرهوا أن يشترى ذهب وفضة بذهب أو أمروا فى طوق ذهب فيه
فصوص بنزع الفصوص محمول على الورع، أو على ما إذا لم يعرف قدر ما فى الخاتم والسيف
والطوق من الفضة والذهب بدون الفصل، وقد قلنا بوجوب الفصل فى هذه الصورة ولا بد.
وأما ما روى من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، وعن سفيان، عن
المغيرة، عن إبراهيم النخعى رحمه الله، وعن حيى بن عمر، عن عبد الكريم بن أبى أمية، عن
الشعبى، قالوا كلهم: "لا بأس بالسيف فيه الحلية والمنقط والخاتم أن يبتاعه بأكثر مما فيه، أو بأقل
ونسيئة (٤٩٧:٨)، فهو خلاف الأحاديث الصحيحة المتواترة فى إيجاب التماثل والمساواة فى بيع
الجنس بالجنس من الذهب والفضة وحرمة النسيئة عند اختلاف الجنس، وعليه الإجماع، فلعل
زيادة لفظة: "نسيئة أو بأقل" فيه من زيادة حيى بن عمر، عن عبد الكريم بن أبى أمية، عن الشعبى،
وحيى لم أعرفه، وعبد الكريم ضعيف فلا حجة فيه. وأما الحسن فروى الطحاوى عنه فى "معانى
الآثار": حدثنا ابن مرزوق، ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن الحسن: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يباع
السيف المفضض بالدراهم بأكثر مما فيه، تكون الفضة بالفضة والسيف بالفضل" ، سنده حسن.
وأما النخعى، فقال الطحاوى: حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد بن الحسن،
عن أبى يوسف، عن سعيد بن أبى عروبة، عن أبى معشر، عن إبراهيم: "أنه قال فى السيف المحلى:
إذا كانت الفضة التى فيه أقل من الثمن، فلا بأس بذلك" (٢٣٩:٢). وهذا سند جيد، فقد رأيت
أنهما قد شرطا كون فضة الثمن أكثر مما فى السيف والخاتم ونحوهما.

٢٩٤
إعلاء السنن الربا فى كل ما یکال ويوزن، وأن الجيد والردی، فی الربويات سواء
وأما الشعبى فروى الطحاوى عن سليمان بن شعيب: عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن
أبى يوسف، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبى، قال: "لا بأس ببيع السيف المحلى
بالدراهم، لأن فيه حمائله وجفنه ونصله"، وهذا سند جيد، وليس فيه بأكثر، وبأقل ونسيئة، فهذا
هو المحفوظ عن الشعبى، والزيادة التى زادها حيى بن عمر عن عبد الكريم ضعيفة لا حجة فيها.
وما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق سعيد بن منصور، نا هشيم، أنا حصين -هو أبو
عبد الرحمن- عن الشعبى: "أنه كان لا يرى بأسا بالسيف المحلى يشترى نقدا ونسيئة، ويقول: فيه
الحديد والحمائل" (٤٩٧:٨)، فمعناه: يشترى حصة الحلية نقدا وحصة الحديد والحمائل نسيئة هو
جائز عندنا، كما فى "المبسوط" (١٣:١٤)، وإن سلمنا أن الشعبى قال بجواز البيع نسيئة، أو بأقل
فقد عارضه أقوال غيره من التابعين كما ذكرنا، فلا يكون قوله حجة.
وكذا لا يضرنا ما رواه محمد فى "الآثار": عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "أنه
أجاز بيع الخاتم من فضة فيها فص بدراهم أقل منها"، فإن رواية محمد عن أبى يوسف عن ابن أبى
عروبة، عن أبى معشر، عنه يعارضه، فإما أن يتساقطا أو يرجح الثانى على الأول لموافقته للقياس
دون الأول، فافهم.
وكذلك ما رواه ابن حزم أيضًا من طريق حماد بن سلمة: نا الحجاج بن أرطاة، عن جعفر
ابن عمرو بن حريث: "أن أباه اشترى من على بن أبى طالب ديباجة ملحمة بذهب بأربعة آلاف
درهم بنسأ، فأحرقها فأخرج منها قيمة عشرين ألف درهم" (٥٠١:٨)، فمحمول على أن النسا
كان فى حصة الثوب من الثوب من الثمن لا فى حصة الذهب، فقد روى الحاكم وقال: صحيح
غريب، من طريق محمد بن العباس جد الشافعى، عن عمر بن محمد، عن أبيه -وهو من الحنفية-
عن جده وهو على رضى الله عنه مرفوعا: ((من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب وإن كانت
له حاجة بذهب فليصرفها بورق والصرف ها وها))، كذا فى "شرح المهذب" (٦٠:١٠)، فكيف
يسوغ له بيع الذهب بالورق نسيئة، وهو يروى عن رسول الله مَّ ل الصرف ها وها؟ فبطل قول
ابن حزم: وهذا مما تناقض فيه المالكيون الحثفيون، فخالفوا عمل على وعمرو بن حريث بحضرة
الصحابة رضى الله عنهم اهـ (٥٠١:٨)، لأنا لم نخالف عمله بل حملنا على محمل حسن، لما قد
ثبت فى الأصول أن القول والفعل إذا تعارضا، فالحجة إنما هو فى القول دون الفعل، فإن الفعل
واقعة عين يحتمل الوجوه، والقول يعطى حكما كليا لا احتمال فيه، ولكن ابن حزم يلزم القوم
بالتناقض من دون معرفته بأصولهم، والله تعالى أعلم.

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٩٥
الكلام فى اضطراب حديث بيع القلادة:
(فائدة حديثية) قال الحافظ فى "التلخيص الحبير": له أى لحديث فضالة بن عبيد عند
الطبرانى فى "الكبير" طرق كثيرة جدا، فى بعضها: قلادة فيها خرز وذهب، وفى بعضها: "ذهب
وجوهر"، وفى بعضها: خرز ذهب، وفى بعضها: "خرز معلقة بذهب"، وفى بعضها: "باثنى
عشر دينارا"، وفى أخرى: "بتسعة دنانير"، وفى أخرى: "بسبعة دنانير".
وأجاب البيهقى عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعًا شهدها فضالة (ولكن مخرج الحديث
إذا كان واحدا لا يجوز حمله على وقائع كثيرة مختلفة إلا بدليل ناهض، ولأجل ذلك - والله
أعلم-) قال الحافظ: والجواب المسدد عندى أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود
من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهى عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها،
فلا يتعلق به فى هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ فينبغى الترجيح بين رواتها، وإن
كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه
شاذة اهـ (٢٣٥:٢).
قلت: قوله: "بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه" محل نظر، لأن بعض
طرقه خال عن النهى عن بيع ما لم يفصل، منها ما أخرجه مسلم من طريق على بن رباح عن فضالة
(أتى رسول الله عَّ له وهو بخيير بقلادة فيها خرز وذهب وهى من المغانم تباع، فأمر رسول
الله عَّه بالذهب الذى فى القلادة، فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله سرّ له: الذهب بالذهب وزنا
بوزن)) (٢٥:٢)، ففيه أن رسول الله ګ نزع الذهب فجعله على حدة ثم قال إلخ، وهل نزعه لأن
بيع الذهب قبل أن ينزع مع غيره فى صفقة واحدة غير جائز؟ أو ليعلم الناس كيف حكم الذهب
بالذهب؟ أو لأن الفصل كان أصلح وأنفع للمسلمين لكون القلادة من المغانم؟ كل ذلك محتمل
لیس بعضها أولى من بعض، فمجرد نزعه الذهب لا يكون دليلا على وجوبه، ولا على حرمة بيعها
من غير نزع.
ومنها: ما أخرجه مسلم أيضاً من طريق حنش عن فضالة: ((قال كنا مع رسول الله مَّ ظله يوم
خيبر نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله عَّ له: لا تبيعوا الذهب
بالذهب إلا وزنا بوزن)) (٢٦:٢)، وليس فيه ذكر القلادة ولا الذهب ولا الخرز ولا الأمر بالتفصيل
والتمييز ونحوه.

٢٩٦
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء
إعلاء السنن
ومنها ما رواه من طريق حنش عنه، قال: ((اشتريت يوم خيبر قلادة باثنى عشر دينارا فيها
ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثنى عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي عرَّض له، فقال:
((لا تباع حتي تفصل))، وفيه أنه أمر بالفصل حين علم بزيادة ذهب القلادة على ذهب الثمن،
ولا نزاع فيه، وأين الدلالة فيه على وجوب التفصيل مطلقًا؟
ومنها: ما للطحاوى بسند حسن من طريق حنش الصنعانى: "أنه كان فى البحر مع فضالة
ابن عبيد، قال حنش: فاشتريت قلادة فيها تبر وياقوت وزبرجد، فأتيت فضالة فذكرت له ذلك،
فقال: لا تأخذ التبر بالتبر إلا مثلا بمثل، فإنى كنت مع رسول الله عّ لّه بخيير فاشتريت قلادة بسبعة
دنانير فيها تبر وجوهر، فسألت رسول الله عّ لّه عنها؟ فقال: لا تأخذ التبر بالذهب مثلا بمثل، قال
الطحاوى: وفيه أن ما حكى فضالة عن رسول الله عَ ◌ّه هو التبر بالذهب مثلا بمثل (أى لا يكون
ذهب الثمن أقل من ذهب القلادة)، ولم يذكر فساد البيع فى القلادة المبيعة بذهب إذا كان فيها
ذهب وغيره، ثم ذكر الطحاوى حديث المتن من طريق حنش عنه، وفيه أمر فضالة بنزع الذهب
وبيعه وحده، ولم يذكر ذلك عن النبى معَّه، والذى ذكره عن النبى معَّه هو نهيه عن بيع الذهب
بالذهب إلا وزنا بوزن، فهذا مما لا اختلاف فيه، والأمر بالتفصيل من قول فضالة رضى الله عنه،
فقد يجوز أن يكون أمر بذلك على أنه لا يجوز عنده بيعها حتى تفصل، وقد يجوز أن يكون أمر
بذلك لإحاطة علمه أن تلك قلادة لا يوصل إلى علم ما فيها من الذهب ولا إلى مقداره إلا بعد أن
يفصله منها، فقد اضطرب علينا هذا الحديث، فلم يوقف على ما أريد منه، فليس لأحد أن يحتج
بمعنى من المعانى التى روى عليها إلا احتج مخالفه عليه بالمعنى الآخر (٢٣٨:٢).
وصنيع مسلم فى "الصحيح" يشعر بترجيح لفظ الليث عن سعيد بن يزيد، وفيه الأمر
بالفصل بعد ما علم النبى معَّه بزيادة ذهب القلادة من ذهب الثمن، على لفظ ابن المبارك عن سعيد
ابن يزيد، وفيه: ((أن رجلا ابتاع قلادة فيها ذهب وخرز بتسعة دنانير، أو بسبعة دنانير، فقال
النبى ◌ّ: لا، حتى تميز بينه وبينه، فقال: إنما أردت الحجر، فقال: لا، حتى تميز بينهما، قال: فرده
حتى ميز بينهما)) (عون المعبود ٣: ٢٥٥).
وفيه الأمر بالفصل مطلقًا، والنهى عن بيعها قبل التمييز، فإن مسلمًا أودع لفظ الليث فى
"الصحيح"، وأشار إلى حديث ابن المبارك، ولم يسق لفظه، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة
.وأبو كريب، قالا: نا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد بهذا الإسناد نحوه، (أى نحو حديث

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٩٧
الليث عنه) (٢٥:٢)، وابن المبارك وإن كان ثقة فى الحديث ثبتا حجة، ولكن الليث إمام جليل
الشأن لا سیما وسعید بن یزید إسكندرانی، فاللیث أعلم به وبحدیثه، لأنه من أهل مصر بلدی له،
بخلاف ابن المبارك فإنه من أهل مرو، ليس بلديا لسعيد، ولأجل ذلك -والله أعلم - ساق مسلم فى
"الصحيح" سند الليث ولفظه، ولم يسق لفظ ابن المبارك لكونه خالف ليثا فى متن الحديث، وليث
أرجح وأولى وأجل وأعلم بحديث سعيد منه وأعرف.
ولا يخفى أن الحديث إنما يصلح حجة للخصم بلفظ ابن المبارك فى الجملة، وأما لفظ الليث
فلا حجة له فيه أصلا، كما تقدم، والله تعالى أعلم، وعمله أتم وأحكم.
فإن قيل: حديث الليث أخرجه النسائى من طريق هشيم: نا الليث بن سعد، عن خالد بن
أبى عمران، عن حنش، عن فضالة، قال: ((أصبت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز، فأردت أن
أبيعها، فذكر ذلك للنبى معَّ له، فقال: فصل بعضها من بعض ثم بعها)) (٢٢٢:٢).
قلت: لم يزد هذا إلا اضطرابا فى الحديث أكثر مما كان، فإنه جعل مكان قوله: "اشتريت
قلادة إلخ" "أصبت قلادة فأردت أن أبيعها"، وجعله عن الليث عن خالد، وحذف أبا شجاع من
البين، فإن حملناه على تعدد الواقعة فنقول: إنما أمره معَّه بالفصل لكونه قد علم مرة بزيادة الذهب
الذى فى القلادة على ذهب الثمن فيما كان فضالة اشتراها، فأمره بالفصل فيما أصابها وأراد بيعها،
كى لا يقع ثانيًا فيما وقع أولا، وإن لم يكن محمولا على التعدد، فالراجح ما رواه قتيبة، عن
الليث، عن أبى شجاع، عن خالد بن أبى عمران، لا ما رواه هشيم عن الليث عن خالد، فإن الليث
وإن كان قد أدرك خالدا، ولكن هذا الحديث ليس من روايته عنه بلا واسطة، وإنما سمعه بواسطة
أبى شجاع عنه، ولذا أودع مسلم فى "صحيحه" الأول دون الثانى.
ولعلك قد عرفت بذلك قوة قول الطحاى فى دعواه الاضطراب، وضعف قول السبكى فى
"شرح المهذب" له: وليس ذلك باضطراب قادح ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل هذه
الاحتمالات اهـ (٣١٣:١٠)، فلو كان مثل هذا الاضطراب فى حديث، احتج به أحد من الحنفية
لاتخذه المحدثون سخريا، ورموه بقلة المعرفة بالحديث والإسناد، وإنما أشبعت الكلام فى المسألة
ودلائلها لكونها معترك الأعلام ومزلة الأقدام.
(فائدة ثانية) قال النووى فى "شرح مسلم" له: وقال حماد بن أبى سليمان: يجوز بيعه
(أى بيع ذهب مع غيره) بالذهب مطلقًا، سواء باعه بمثله من الذهب، أو أكثر، أو أقل، وهذا غلط

٢٩٨
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء
إعلاء السنن
مخالف لصريح الحديث اهـ (٢٦:٢). قلت: لا أدرى من أين عزا النووى هذا القول إليه، والذى
ذكره ابن حزم فى "المحلى"، إنما هو عن شعبة، قال: سألت حماد بن أبى سليمان عن السيف المحلى
يباع بالدراهم؟ فقال: لا بأس به (٤٩٧:٨)، وهذا مجمل يحتمل الوجوه، ثم روى من طريق حماد
ابن سلمة، عن حماد بن أبى سليمان، عن إبراهيم النخعى: "أنه كان يكره أن يشترى ذهب وفضة
بذهب"، وقال حماد فى من أراد أن يشترى ألف درهم بمائة دينار ودرهم، فمنع من ذلك، وقال:
"ولكن اشتر ألف درهم غير درهم بمائة دينار" (٥٠٠:٨)، وهذا صريح فى أنه كان يكره بيع
ذهب وغيره بذهب، وإنما يجوز عنده بيع الذهب بالفضة بالذهب.
الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية فى قوله: بجواز بيع ما يتخذ
من الفضة للتحلى متفاضلا بجعل الزائد مقابلا للصنعة:
وفى "عون المعبود": ذهب الشيخ ابن تيمية إلى جواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلى
متفاضلا، وجعل الزائد مقابلا للصنعة، وقد أطال الكلام فى أدلته شيخنا العلامة الفقيه خاتمة
المحققين السيد نعمان الشهير بابن الآلوسى البغدادى فى كتابه "جلاء العينين فى محاكمة
الأحمدين" (٢٥٥:٣)، قلت: هذا غلط باطل مخالف لصريح الأحاديث المتواترة عن النبى معَّ له
القاضية بإهدار الصنعة والجودة فى الربويات، وعليه الإجماع، قال الموفق فى "المغنى": والجيد
والردىء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء فى جواز البيع مع التماثل، وتحريمه فى
التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة والشافعي، وحكى عن مالك جواز بيع
المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك ونفوه عنه، ثم استدل لقول الجمهور بما مر عن
عبادة: ((الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها)) الحديث، وهو صريح فى
وجوب التماثل بين التبر والمضروب وزنا بوزن، وبما مر عنه أيضًا أنه أنكر على معاوية بيع آنية من
فضة إلا وزنا بوزن يدا بيد، وبما سيأتى عن أبى الدرداء أنه أنكر على معاوية بيع سقاية من ذهب،
أو ورق بأكثر من وزنها، وقال: ((سمعت رسول الله مَّه ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل))،
وموافقة عمر لأبى الدرداء وكتابه إلى معاوية: ((لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن))، وهذا كلها
أسانيدها صحاح، أودعها مسلم فى "الصحيح"، ومالك فى "الموطأ".
وروى محمد فى "الآثار" بسند صحيح عن أنس قال: ((بعث عمر بإناء من فضة خسروانى
قد أحكمت صنعته، فأمر الرسول أن يبيعه، فرجع الرسول فقال: إنى أزاد علی وزنه، قال عمر: لا،

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء
٢٩٩
فإن الفضل ربا))، وهو مذكور فى المتن أيضًا.
وروى مالك فى "الموطأ": عن حميد بن قيس المكى عن مجاهد أنه قال: "كنت مع عبد الله
ابن عمر، فجاءه صائغ، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنى أصوغ الذهب ثم أبيع الشىء من ذلك بأكثر
من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدى، فنهاه عبد الله بن عمر، فجعل الصائغ يردد عليه
المسألة، وعبد الله ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله:
الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم" (٢٦٠)،
فهذا أبو الدرداء، وعبادة، وعمر، وابنه رضى الله عنهم، كلهم أوجبوا التماثل بين التبر والمضروب
من الفضة والذهب، والمصنوع وغير المصنوع، والمصوغ وغير المصوغ منهما، فما ذا بعد الحق إلا
الضلال، ولكن ابن تيمية مجهول على إحداث أقوال يشذ فيها عن الجماعة، ويخالف الإجماع
ومذاهب السلف كلها، فإلى الله المشتكى.
وروى الطحاوى فى "معانى الآثار" له: حدثنا بحر بن نصر، قال: قرئ على شعيب، ثنا
موسى بن على (هو بالتصغير على وزن حيى كما فى "التقريب" وحاشية " التهذيب" عن يزيد بن
أبى منصور، عن أبى رافع، قال: "مر بى عمر بن الخطاب ومعه ورق، فقال: اصنع لنا أوضاحا
لصبى لنا، قلت: يا أمير المؤمنين! عندى أوضاح معمولة، فإن شئت أخذت الورق وأخذت
الأوضاح، فقال عمر: مثلا بمثل؟ فقلت: نعم، فوضع الورق فى كفة الميزان والأوضاح فى الكفة
الأخرى، فلما استوى الميزان أخذ بإحدى يديه وأعطى بالأخرى" (٢٣٥:٢)، بحر بن نصر قد مر
توثيقه غير مرة، وشعيب: هو ابن الليث بن سعد ثقة فقيه من رجال مسلم، وموسى بن على: هو
ابن رباح اللخمى ثقة متقن من ثقات المصريين، روى له مسلم والأربعة، ويزيد بن أبى منصور من
رجال مسلم والترمذى، ذكره ابن حبان فى ثقات أتباع التابعين، وأبو رافع لا يسأل عنه، فالسند
صحيح على شرط مسلم.
ورواه البيهقى فى "سنته" من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنا سعيد: هو ابن عروبة عن
دينار أبى فاطمة، عن أبى رافع: أنه قال لعمر: "إنى أصوغ الذهب فأبيعه بوزنه، وآخذ لعمالة يدى
أجرا، قال: لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، والفضة بالفضة إلا وزنا بوزن، ولا تأخذ فضلا".
(٢٩٢:٥)، ورواه عبد الرزاق نحوه، كما فى "كنز العمال" (٢٣١:٢)، والحديث احتج به
البيهقى، وسكت عنه ابن التركمانى ولم يعله بشىء فهو صحيح أو حسن، وعبد الوهاب بن عطاء

٣٠٠
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
صدوق من رجال مسلم، ودينار أبو فاطمة لم أعرفه بجرح ولا تعدیل.
وروى عبد الرزاق، وابن راهويه، وابن أبى شيبة، والحارث، وأبو يعلى، عن محمد بن.
السائب، عن أبى رافع مولى رسول الله عَّه، قال: "احتجنا فأخذت خلخال امرأتى فى السنة التى
استخلف فيها أبو بكر، فلقينى أبو بكر فقال: ما هذا؟ فقلت: احتاج الحى إلى نفقة، فقال: إن معى
ورقا أريد بها فضة، فدعا بالميزان فوضع الخلخالين فى كفة، ووضع الورق فى كفة،
فشف الخلخالان نحوا من دائق فقرضه، فقلت: يا خليفة رسول الله عَّه! هو لك حلال، فقال:
يا أبا رافع! إنك إن أحللته فإن الله لا يحله، سمعت رسول الله عَ ◌ّ يقول: ((الذهب بالذهب وزنا
بوزن، والفضة بالفضة وزنا بوزن، الزائد والمستزيد فى النار)).
قال الحافظ ابن حجر: فيه الكلبى متروك بمرة قال: وكأن ابن راهويه أخرج حديثه لأن له
أصلا عن ثابت بن الحجاج، كذا فى "كنز العمال" (٢٣:٢). قلت: وثابت بن الحجاج الكلابى
روى عن زيد بن ثابت، وأبى هريرة، وعوف بن مالك، وغزا معه القسطنطينية، وعن زفر بن
الحارث، وأبى بردة بن أبى موسى، وثقه ابن سعد وأبو داود، وذكره ابن حبان فى الثقات فى أتباع
التابعين، كذا فى "التهذيب" (٤:٢)، فهو متابع جيد لمحمد بن السائب الكلبى، وفى "شرح
المهذب": أما حديث أبى بكر رضى الله عنه فمشهور عن محمد بن السائب الكلبى، عن سلمة بن
السائب، عن أبى رافع، عنه، وفى سنن أبى قرة عن محمد بن السائب عن أبى رافع، والكلبى
ضعيف (٥٩:١٠).
قلت: وهذا ليس من الاختلاف فى شىء، فإن محمد بن السائب قد أدرك أبا رافع، فلعله
سمعه أولا بواسطة سلمة ثم سمعه من أبی رافع نفسه، و کونه مشهورا من جهته يدل على تلقی
الغلماء هذا الحديث بالقبول كما أشار إليه الحافظ ابن حجر أن ابن راهويه أخرجه لأن له أصلا عن
ثابت الحجاج، والحديث إذا تلقاه العلماء بالقبول لا يضره ضعف إسناده كما تقرر فى الأصول.
وروى ابن راهويه والطحاوى بسند صحيح عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص، قال:
" كتب أبو بكر الصديق إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام، إنكم هبطتم أرض الربا، فلا تبتاعوا
الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن، ولا الطعام بالطعام إلا مكيالا
بمكيال"، وروى ابن أبى شيبة عن مجاهد عن أربعة عشر من أصحاب محمد عدّطلّ أنهم قالوا:
الذهب بالذهب والفضة بالفضة (مثلا بمثل) منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وسعد،