Indexed OCR Text

Pages 261-280

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٦١
(٤٣:٢) فى حديث طويل، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه
السياقة. وقال محمد فى "كتاب البيوع" فى آخره: "وكذلك كل ما يكال أو يوزن"،
رواه من طريق مالك بن أنس، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلى (بدائع ١٨٤:٥).
"والمبسوط" للسرخسى (١١٢:١٢ ظ).
فثبت من هذا التفصيل أن علة الربا هو الكيل والوزن مع اتحاد الجنس، وما روى عن
سعيد بن المسيب أن رسول الله عَّه قال: ((لا ربا إلا فى ذهب أو فضة أو ما يكال أو يوزن أو
يؤكل أو يشرب))، فليس بثابت، لأنه قال عبد الحق فى "أحكامه" مبارك بن مجاهد وهم فى رفعه
على مالك، وإنما هو قول سعيد، وقال ابن القطان: وإنما علته أن المبارك ضعيف ومع ضعفه قد انفرد
عن مالك برفعه، والناس رووه عنه موقوفا، وقال الزيلعى: رواه البيهقى فى "المعرفة" من طريق
مالك موقوفا على ابن المسيب ولم يتعرض لرفعه أصلا (زيلعى ١٨٣:٢)، وقال فى "الدراية"
(٢٨٥): وهو فى "الموطأ" من قول سعيد بن المسيب، وهو أشبه اهـ.
ولما قالوا: إن العلة فى تحريم الربا هو الكيل والوزن قالوا: يجوز التفاضل فيما لا يدخل تحت
الكيل والوزن، وقالوا: بجواز بيع الحفنة بالحفنتين، والتفاحة بالتفاحتين، ولكن قال ابن الهمام فى
"الفتح": لا يسكن الخاطر إلى هذا، بل يجب بعد التعليل بالقصد إلى صيانة أموال الناس تحريم
التفاحة بالتفاحتين، والحفنة بالحفنتين، أما إن كانت مكاييل أصغر ههنا كما فى ديارنا من وضع ربع
القدح وثمن القدح المصرى فلا شك، وكون الشرع لم يقدر بعض المقدرات الشرعية فى
الواجبات المالية كالكفارات وصدقة الفطر بأقل منه (أى من نصف الصاع) لا يستلزم إهدار
التفاوت المتيقن، بل لا يحل بعد تيقن التفاضل مع تيقن تحريم إهداره، ولقد أعجب غاية العجب من
كلامهم هذا، وروى المعلى عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين، وقال: كل شىء حرم فى الكثير،
فالقليل منه حرام اهـ (فتح القدير ١٥٢:٦-١٥٣)، وهو كلام فى غاية الحسن والمتانة، وهو ليس
خلافا للمنقول، بل هو ترجيح لرواية محمد كما فى "منحة الخالق" لابن عابدين(١) (حاشية
"البحر الرائق" ١٣١:٦)، ثم إطلاق قوله: ((التمر بالتمر إلخ)) يدل على أن الجيد والردىء فى
الربويات سواء.
(١) قال الشامى: ونقل من بعده كلامه هذا، وأقروه عليه كصاحب "البحر" و"النهر" و"المنح" و"الشرنبلالية" و"المقدسى"
(٤: ٣٨٠). قلت: ولكن قول أبى حنيفة أقوى دليلا فهو المذهب كما سيأتى، وقول ابن الهمام أحوط.

٢٦٢
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء
إعلاء السنن
٤٧١٣- وعن سعيد بن المسيب، أن أبا سعيد الخدرى وأبا هريرة حدثاه: أن
رسول الله مَ ◌ّه بعث سواد بن غزية وأمره على خيبر، فقدم عليه بتمر جنيب يعنى
الطيب، فقال رسول الله عَّه: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا
نشترى الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة من الجمع، فقال عليه السلام: لا تفعل ولكن
بع هذا واشتر بثمنه هذا، وكذلك الميزان)). أخرجه الشيخان.
٤٧١٤- وعن الحسن، عن عبادة وأنس بن مالك، أن رسول الله عَ لّه قال:
((ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان
قوله: "عن سعيد بن المسيب"، أقول: هذا نص فى إهدار تفاوت الجودة والرداءة فى
الربویات، فلا يجوز بيع الجيد بالردىء إلا مثل بمثل.
قوله: "ما وزن مثلا بمثل إلخ"، أقول: إطلاقه يدل على أن الجيد والردىء فى الربويات
سواء. قال العبد الضعيف: وفى "شرح المهذب": ذکر ابن عدی فی ترجمة حیان حديثه فى
الصرف هذا بسیاقه، ثم قال: وهذا الحديث من حدیث أبی مجلز عن ابن عباس تفرد به حيان، قال
البيهقى: حيان تكلموا فيه، وأعلم أن هذا الحديث ينبغى الاعتناء بأمره وتبين صحته من سقمه،
وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام، أحدهما: تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقى، وممن
ذهب إلى ذلك ابن حزم أعله بشىء أنبه عليه لئلا يغتر به، وهو أنه أعله بثلاثة أشياء: أحدهما: أنه
منقطع من أبى سعيد، وكذا من ابن عباس. والثانى: لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم
أن ذلك باطل لمخالفة سعيد بن جبير. الثالث: أن حيان بن عبيد الله مجهول، فأما قوله: "إنه منقطع"
فغير مقبول، لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه، وأدرك أبا سعيد، ومتى ثبت ذلك لا تسمع
دعوى عدم السماع إلا ثبت.
وأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها، وحاصل ما قاله: إن رواية سعيد بن جبير
شهادة على النفى فلا تقبل، وقد روى عنه أبو الجوزاء عند ابن ماجة وأحمد پاسناد رجاله على
شرط الصحيحین إلى سليمان بن على، وسليمان روی له مسلم، قال: لقيت ابن عباس بمكة،
فقلت: إنه بلغنى أنك رجعت، قال: نعم، إنما كان ذلك رأيا منى، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول
الله پێ أنه نهى عن الصرف.
رجوع ابن عباس فى قوله: "الدینار بالدينارين":
وروينا عن عبد الرحمن بن أبى نعم، ((أن أبا سعيد لقى ابن عباس، فشهد على رسول

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
٢٦٣٠
فلا بأس به))، رواه "الدارقطنى" بسند حسن، كما فى "المنتقى" و "النيل".
الله مَِّ أنه قال: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلا بمثل فمن زاد فقد أربى، فقال ابن عباس:
أتوب إلى الله مما كنت أفتى به ثم رجع))، رواه الطبرانى بسند صحيح، وعن الرحمن بن أبى نعم
ثقة، متفق عليه معروف بالرواية عن أبى سعيد وابن عمر وغيرهما من الصحابة.
وعن أبى الشعثاء قال: "سمعت ابن عباس يقول: اللهم إنى أتوب إليك من الصرف، إنما هذا
رأيى وهذا أبو سعيد الخدرى يرويه عن النبى معَّ ليه"، رواه الطبرانى ورجاله ثقات مشهورون
مصرحون التحديث فيه من أولهم إلى آخرهم.
وروى الطحاوى فى "معانى الآثار" بإسناد حسن إلى أبى سعيد قال: "قلت لابن عباس:
أرأيت الذى تقول: الدينار بالدينارين، ثم قال: قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس".
وروى الطحاوى أيضاً عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به عن أبى الصهباء: "أن ابن
عباس نزل عن الصرف"، وهذا أصرح من رواية مسلم (أنه سأل ابن عباس عنه أى عن الصرف
فكرهه) ومفسر له، إلى أن قال:
"وإذا تأملت الروايات المذكورة وجدت أصحها إسنادا قول أبى الصهباء الذى رواه مسلم،
لكن لفظ الكراهة ليس بصريح إلا أنى قدمت من رواية الطحاوى عن أبى الصهباء ما ينفى
الاحتمال، ويبين أنه كُزل عن الصرف صريحا، وإسناده جيد كما تقدم، والحديث الذى أخرجه
الحاكم فى "المستدرك" صريح لكن سنده تقدم الكلام عليه، ولا يقصر عن رتبة الحسن، ويكفى
فى الاستدلال أنه لم يعارضه ما هو أقوى منه، وحديث ابن ماجه الذى قدمته وبينت أنه على شرط
ميسلم صريح فى الرجوع، وكذلك رواية ابن أبى نعم بإسناد صحيح عند الطبرانى، فهذه عدة
روایات صحیحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل علی رجوعه، وقد روی فی
رجوعه أيضًا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية، إن شاء الله تعالى (٣٨:١٠-٣٩).
حیان بن عبيد الله:
قال: وأما قوله: إن حیان بن عبيد الله مجهول، فإن أراد مجهول العین، فلیس بصجیح، بل
هو رجل مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة عند الحاكم وابن حزم، وإبراهيم
ابن الحجاج الشامی عند ابن عدی بصری، ویونس بن محمد عند البیہقی، وهو حبان بن عبيد الله
ابن حيان بن بشر بن عدى، سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك وعن أبيه، وروى عن عظاء
وابن بریدة، روی عنه موسی بن إسماعیل، ومسلم بن إبراهیم، وأبو دادو، وعبید الله بن موسی،

٢٦٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
عقد له البخارى وابن أبى حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة فى كتاب
ابن عدى أيضًا كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق
إسحاق بن راهويه، فقال فى إسناده: أخبرنا روح، قال: حدثنا حيان بن عبيد الله وكان رجل
صدق، فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ فى الحديث
عارف به مصنف فيه متفق على الاحتجاج به بصرى بلدى للمشهود له، فتقبل شهادته له، وإن
كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به، ومن يثنى عليه إسحاق، وقد ذكر ابن أبى حاتم
حيان بن عبيد الله هذا، وقال: إنه سأل أباه عنه، فقال: صدوق اهـ (٣٤:١٠-٣٥).
الرد على ابن حزم:
قلت: وقوله: "وكذلك ما يكال ويوزن" مفسر لقوله: ((وكذلك الميزان)) عند الشيخين،
فاندحض بذلك ما قاله ابن حزم: إن قول رسول الله معرّ ◌ُله: ((وكذلك الميزان)) قول مجمل مثل قول
الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ نطلب بيانه من نصوص أخر، فوجدنا حديث عبادة،
وأبى بكرة، وأبى هريرة قد بين فيها مراده عليه السلام بقوله ههنا: ((وكذلك الميزان))، وهو تفسيره
عليه السلام هنالك أنه لا يحل الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن،
فقطعنا أن هذا هو مراد رسول الله عَّ له بقوله: ((وكذلك الميزان)) اهـ (٤٨٠:١٠-٤٨١) من المحلى.
وحاصله أن قوله: ((و كذلك الميزان))، ليس يعم كل موزون، بل هو مختص بالذهب والفضة
لا غير، ووجه البطلان أن تفسير حديث أبى سعيد بحديث غيره، ليس بأولى من تفسير حديثه
بحديثه، فلما ورد فى حديثه مرة: ((وكذلك الميزان)) مجملا وأخرى: ((وكذلك ما يكال ويوزن))
بعد ما ذكر التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة،
كان ذلك دليلا واضحا على أنه لم يرد به الذهب والفضة، بل أراد كل ما يوزن ويكال مما سوى
المذكورات، ولعل هذا مما لا يخفى على من له مسكة عقل. والعجب من ابن حزم أنه معترف
بكون لفظة ((وكذلك الميزان)) عند الشيخين من قول رسول الله عّظله، لا من كلام أبى سعيد،
ويتكلم فى لفظة ((وكذلك ما يكال ويوزن)) عند الحاكم، ويقول: بأنه ليس من كلام رسول
الله عَّله، وإنما هو من كلام أبى سعيد لو صح (٤٨٣:٨) من "المحلى"، وهل هذا إلا تحكم؟ فإنه
لا يخفى على عاقل فضلا عن فقيه محدث أن اللفظتين كلاهما بمعنى واحد، فإذا ثبت كون
أحدهما من كلام النبى معَّ ◌ُّه فى حديث أبى سعيد عند الشيخين، فكيف يصح أن تكون الأخرى

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
٢٦٥
٤٧١٥- عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله عَّ له قال: ((لا تبيعوا
الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا
بمعناها من كلام أبى سعيد فى حديثه عند غيرهما؟ وسيأتى ما يدل على كون الكيل والوزن علة
للربا فى آثار كثيرة سنذكرها، إن شاء الله تعالى.
قوله: "عن أبى سعيد إلخ"، إنما ذكرته لما فيه من قوله: ((ولا تبيعوا منها غائبا بناجز))، وهو
صريح فى أن المراد من قوله: ((يدا بيد)) فى بعض الروايات كون المبيع والمشترى متعينا لا مقبوضا،
لأن الروايات بعضها يفسر بعضا.
فإن قيل: فسر قوله: ((يدا بيد)) بالقبض فى بيع النقدين من الذهب والفضة، وهذا يقتضى
كونه مفسراً بذلك فى الأموال الربوية بأجمعها، وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز فى لفظ واحد،
وهو لا يجوز.
ليس التقابض من قاعدة الربا فى شىء
وإنما يجب فى الصرف لكون الأثمان لا تتعين إلا به:
قلنا: فى الحقيقة ليس التقابض عندنا من قاعدة الربا فى شىء لا فى الصرف ولا فى الطعام،
وإنما الربا هو الفضل، أو النسيئة، وإذا باع عينا بعين متساويين انتفى الفضل، والنسيئة كلاهما
تفابضا، أو لم يتقابضا، وإنما اشترطنا القبض فى الصرف لأجل التعيين، فإن من أصلنا أن الدراهم
والدنانير لا تتعين بالتعيين (فى العقود والفسوخ وتتعين فى الأمانات ونحوها)، وإنما تتعين بالقبض
(لكونهما أثمانا خلقة)، وهو رواية عن أحمد، والثمن مفسر بما هو فى الذمة.
إقامة الحجة من الحديث على أن الأثمان لا تتعين بالعقد:
واحتجوا له من جهة اللغة بقول الفراء: إن الثمن له شرطان أن يصحبه الباء، وأن يكون فى
الذمة، قيل: إنه ذكر ذلك فى معانى القرآن، كذا فى "شرح المهذب" (٩٩:١٠)، ومن جهة الشرع
بحديث ابن عمر أنه قال: ((يا رسول الله! إنى أبيع الإبل بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم،
وآخذ الدنانير، فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شىء))، ولم يفصل بين أن يكون الثمن
مطلقا، أو معينا.
وأجاب عنه شارح "المهذب" بأن الحديث محمول على الغالب، وهو كون الأثمان مطلقة،
قلنا: تقييد للمطلق بلا دليل تمشية للمذهب، وعن قول الفراء بأن التعيين حكم شرعى لا مجال للغة
.
ـر
:
:
:
:
:
:

٢٦٦
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
إعلاء السنن
مثلا بمثل، ولا تبيعوا(١) بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز)) (متفق عليه)،
وفى "شرح المهذب" (٦٣:١٠-٦٤)، أما حديث أبى سعيد الخدرى فهو أتمها وأحسنها
بعد حدیث عبادة، لا سيما وهو المناظر لابن عباس فى ذلك، وهو فى أصله متفق على
فيه. قلنا: مصادرة على المطلوب، فإن كون التعيين فى الأثمان شرعيا محل النزاع بعينه.
وقال القاضى أبو الطيب: إن الفراء خلط فى هذا الكتاب اللغة بالفقه، وعول على فقه
الكوفيين أيضًا (شرح المهذب). قلنا: قد اغتر القاضى فى ذلك بنقل الفراء فى كتابه أقوال محمد
ابن الحسن وأمثاله من الفقهاء الذين هم من أئمة اللغة أيضًا، فظن أنه خلط اللغة بالفقه، ولم يدر أن
محمد بن الحسن كما هو إمام فى الفقه فى اللغة، فلا ينقل اللغوى أقواله فى كتاب اللغة من حيث
كونه فقيها، بل من حيث كونه لغويا عارفًا باللسان، مع أن لفظ الفراء ههنا يدفع هذا الاحتمال
رأسًا وأساسًا، فإنه قال: الثمن عند العرب ما يثبت دينًا فى الذمة، كما فى "المبسوط" (٢:١٤)،
وهذا صريح فى أنه أراد تفسير اللفظ لغةً لا شرعًا، وهو ثقة فى بيان اللغة، فلا يرد قوله بلا حجة
تحكما، فكان يجب على القاضى أن ينقل عن أحد من أئمة اللغة قولا يدل علی کون الثمن دينا
وعينا خلاف ما قاله الفراء، وإذ تأيد دليل اللغة بدليل الشرع فناهيك به حجة، وأى حجة؟
وأما قوله: وحجتنا فى التعيين من الحديث قوله معَّر فى حديث الربا: ((عينا بعين))، ولو كانا
لا يتعينان لما كانا عينا بعين، (فهذا إنما يرد على من قال: بأن الأثمان لا تقبل التعيين مطلقًا، وأما
نحن فنقول: إنها لا تتعين فى عقود المعاوضات وفسوخها بمجرد العقدز، بل بالقبض، وفى غير
عقود المعاوضات كالوديعة، وأمثالها من الإرث، والصداق، والوكالة، تتعين بالعقد، لخلوها عن
الوجوب فى الذمة رأسًا، فافهم)، ومن جهة النظر أن المحرم فى الآية هو الربا، والربا هو الزيادة،
وذلك إما فى المقدار، وإما فى الميعاد للاستحقاق وهو النسأ (أو فى كليهما معاً)، أو الجودة، أما فى
الجودة فقد أسقطها الشرع، وكذلك كل مكيل وموزون، لأن قيمة الجودة فى الربويات ساقطة،
کما سیأتی.
فالتفاضل فى المقدار، أو فى الميعاد بالاستحقاق هو الربا، فليس بالتقابض من الربا فى شىء،
إذ قيمة المقبوض بعد كونه نقدا كقيمة غير المقبوض فى المجلس، بخلاف قيمة المؤجل، فإنه يخالف
قيمة الحال، فلو حرم ترك التقابض بحكم الربا لكان زيادة على كتاب الله تعالى، وأيضًا فإن القبض
(١) هكذا فى الأصل من "شرح المهذب"، وفى الصحيح: ولا تشفوا بعضها على بعض فى الموضعين.

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
٢٦٧
صحته، وقد اعتمد عليه أبو حنيفة، فإنه رواه عن عطية عنه، ولفظه عند مسلم وهو أتم
ألفاظه: ((قال رسول الله عّ لّه: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير
موجب للعقد؛ إذ بالعقد يجب الإقباض، فكيف يكون شرطا فيه؟ لأن حق الشرط أن يقترن
بالعقد، فالواجب التعين فقط لا القبض.
وأما قوله: ((يدا بيد))، فالمراد به عينا بعين كما ورد فى بعض روايات عبادة عند مسلم، ورواه
الشافعى رحمه الله بالجمع بلفظ ((عينا بعين، يدا بيد)) بتقديم قوله: ((عينا بعين) على قوله: ((يدا بيد))،
ولفظ "المستدرك" عكسه بتقديم ((يدا بيد)، وهذا من تصرف الرواة كما لا يخفى، فلا يرد أن
المفسر (اسم فاعل) لا يكون سابقا على المفسر (اسم مفعول)، ولا أن الصريح فى معنى يستغنى عن
التفسير بمحتمل لأن هذا إنما يرد إذا ثبت التقديم، أو الجمع عن النبى مرّة، أو عن الصحابى، وإذا
احتمل كونه من تصرف الرواة روايةً بالمعنى فلا، وإذا كان النظر القیاسی متأيدا بالدليل، فلا بد من
قبوله، فالتعبين هو المقصود فى الربويات، وفى السلم أيضًا، ذكره فى "شرح المهذب" (٧٠:١٠)،
وقد أشرت فى أثناء التقرير إلى الجواب عما أورده شارح "المهذب" على دليلنا.
وأما قوله: أما التعيين فيشارك اليد فيه الإشارة بالرأس والعين، أى فلا وجه لتخصيص ذكر
اليد فى تفسير قوله: ((عينا بعين))، فلا يخفى أن اليد آلة الإحضار والإشارة والتعين، كما هو آلة
القبض، والإشارة والتعین بها أُکثر منها بالرأس والعین، فيجوز أن یکنی بها عن التعبین، کما یکنی
بها عن القبض.
قال: وقد اعتضد أصحابنا فى المسألة بالأثر والمعنى، أما الأثر فحديث عمر رضى الله عنه مع
مالك بن أنس وطلحة لما تصارفا، وقوله: "لا تفارقه"، فلما نهى مالكا عن مفارقة طلحة حتى
يقبض منه، واستدل على ذلك لقوله مَّ له: إلا ها وها، دل أنه فهم منه التقابض لا مجرد الحلول،
وأنه أخذه من قاعدة الربا لا من قاعدة التعيين، وهذا الحديث سيأتى مستوفى، إن شاء الله، وفهم
الراوى أولى من فهم غيره لا سيما مثل عمر بن الخطاب رضى الله عنه (٧١:١٠)، (قلنا هو حجة .
لنا لا علينا، فإن حديث عمر مع مالك وطلحة إنما ورد فى الصرف أى بيع الذهب بالفضة، وقد قلنا
بوجوب التقابض فيه لكون النقود لا تتعين فى العقد والفسوخ إلا بالقبض عندنا، وتحريم التفرق
قبل التقابض فى بيع الذهب والورق مما لا خلاف فيه، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من.
أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، كما فى "شرح المهذب"
· أيضًا (٦٩:١٠).

٢٦٨
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى،
الآخذ والمعطى فيه سواء. وكذلك رواه أحمد فى "المسند" اهـ.
الجواب عن تمويهات ابن حزم:
وبهذا كله ظهر الجواب عن تمويهات ابن حزم فى "المحلى" حيث شنع على الحنفية فى
قولهم: بأن النقود لا تتعين فى العقود والفسوخ، وأن القبض لا يشترط فى غير الصرف من العقود
الربوية، وقال: فهل بعد هذه الفضائح فضائح؟ أو يبقى مع هذا دين أو حياء من عار، أو خوف نار
نعوذ بالله من الضلال والدمار، حيث يقولون جهارا: نعم، يجوز غير عين بغير عين، ويجوز عين
بغير عين، نعم يجوز بتمرة بتمرتين وبأكثر (٤٨٣:٨).
قلت: إن الرزية كل الرزية أن تنسب إلى أحد قولا لم يقل به، ثم تشنع عليه فيه، فمثله
لا يرجع إلى إليك، ومتى قال أبو حنيفة أو أصحابه: إنه يجوز غير عين بغير عين، أو يجوز عين بغير
عين؟ وهل هذه إلا فرية بلا مرية، أو رمية بغير رؤية، فإن القوم قد صرحوا بوجوب التعيين فى
عقود الربا بأجمعها، وبوجوب التعيين والقبض فى عقد الصرف، ولکن ابن حزم لا يدرى ما
يخرج من رأسه، ولا يتأمل فى أقوال خصمه، ولا يمعن النظر فى مأخذه، فالله المستعان، وأما إنهم
أجازوا تمرة بتمرتين، فسيأتى برهانهم على ذلك، فانتظر صابرا.
الجواب عن إيراد شارح المهذب":
قال شارح "المهذب": " وأما المعنى فهو أن ترك التقابض ربا، لأن الربا عبارة عن الفضل
المطلق، والفضل يكون من وجوه كثيرة، يكون قدرا فى الصاع بالصاعين، ونقدا فى العين بالنسأ،
وقبضها فى المقبوض وغير المقبوض، بل الزيادة من حيث اليد فوق الزيادة من حيث العينية،
لأن الأعيان إنما تطلب ليتوصل إليها بالأيدى، ولأن اليد تقصد بنفسها فى كثير من العقود، والعينية
لا تقصد بنفسها، وإذا ثبت أنه ربا، فيجب التقابس نفيا للربا" (٧٢:١٠)، قلنا: لو كان ترك
التقابض ربا لم يكن قيمة المقبوض كقيمة غير المقبوض فى المجلس، والمشاهدة قاضية بمساواتهما،
وبزيادة قيمة المؤجل على قيمة الحال.
فالربا إنما هو فى الفضل قدرًا وفى الأجل استحقاقا، وأما إن الأعيان إنما تطلب ليتوصل إليها
بالأيدى، فغايته أن القبض موجب للعقد، فكيف يكون شرطا، وحق الشرط أن يقترن بالعقد؟
وأما إن اليد تقصد بنفسها، والعينة لا تقصد بنفسها إلخ، فهذا إنما هو فيما لا تتعين بمجرد العقد،

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فى الربویات سواء
٢٦٩
٤٧١٦- عن عبادة بن الصامت أنه قام فقال: ((يا أيها الناس إنكم قد أحدثتم بيوعا
ما أدرى ما هى؟ وأن الذهب بالذهب تبره وعينه وزنا بوزن يدا بيد، والفضة بالفضة
تبرها وعينها وزنا بوزن يدا بيد، ولا يصلح نسأ، والبر بالبر مدا بمد يدا بيد، والشعير
بالشعير مدا بمد يدا بيد، ولا بأس ببيع الشعير بالبر والشعير أكثرهما يدا بيد، ولا يصلح
نسئة، والتمر بالتمر، حتى عدا الملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد، من زاد أو ازداد فقد
أربى)). كذا رواه ابن أبى عروبة، ورواه همام، وهو من الثقات عن قتادة، عن أبى
الخليل، عن مسلم، عن أبى الأشعث، عن عبادة موصولا مرفوعا إلى النبى معَّ ◌ُلّ فذكره،
ثم قال: هذا هو الصحيح الثابت عن أبى قلابة، عن أبى الأشعث، عن عبادة مرفوعا
رواه مسلم فى "الصحيح" (سنن البيهقى ٢٧٧:٥). وسنذكر لفظ مسلم فى الحاشية،
وليس فيه ((مدا بمد))، قلت: ورواه أبو داود (٣: ٢٥٤). بلفظ: البر بالبر مدى بمدی،
والشعير بالشعير مدی بمدى، والتمر بالتمر مدى بمدی، والملح بالملح مدی بمدى))،
الحديث. وفى "المبسوط" للسرخسى بلفظ: ((ألا وأن الحنطة بالحنطة مدين بمدین،
والشعير بالشعير مدين بمدين، وذكر فى التمر والملح مثل ذلك)) اهـ. وهو كذلك فى
"كنز العمال" (٢١٥:٦) بلفظ "مدين بمدين"، وعزاه إلى أبى داود والنسائى،
وإسناداهما صحيحان على شرط مسلم.
فلم يكن المطلوب إلا التعيين، سلمنا ولكن نعلم بالضرورة أن المساواة من كل الوجوه غير مطلوب
شرعًا، وإلا لم يجز بيع الجيد بالردىء للتفاوت فى العينين حسا، فلما أهدر الشرع هذا التفاوت فى
العينين، فإهداره التفاوت فى وصف الملك بعد حصول نفس الملك أولى، هذا هو مقتضى النظر،
وقد تأيد بما ورد فى حديث عبادة عند مسلم من الاقتصار على قوله: ((عينا بعين))، ولا حجة فيما
ورد فيه ((يدا بيد)) مكانه، لاحتمال كونه من تصرف الرواة، ولكونه مقابلا لقوله: ((نسيئة))،
والنسيئة ما كان دينا فى الذمة، فيكون معنى قوله: ((يدا بيد، عينا بعين))، فافهم، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عبادة بن الصامت إلخ"، قلت: هو أتم الأحاديث وأكملها فى الربا، ولذلك
جعله الشافعى العمدة فى هذا الباب، وهو من إفراد مسلم، ورواه معه من أصحاب "السنن" أبو
دادو، والترمذى، وابن ماجة، والنسائى، ولفظه فى مسلم من رواية أبى الأشعث عنه قال: ((سمعت
رسول الله عَّ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر والبر والشعير بالشعير

٢٧٠
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
٤٧١٧- محمد: قال أخبرنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن سليمان بن
يسار، عن أبى الأشعث الصنعانى، قال: "خطبنا عبادة بن الصامت قال: يا أيها الناس!
والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء وعينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى))، ولم يخرجه بهذا
اللفظ هكذا أحد من أصحاب الكتب الستة غيره، وقد اشتبه على ابن معن، فنسبه إلى مسلم، وأبى
داود، والترمذى، فأردت التنبيه على ذلك لئلا يغتر به.
فرق ما بين نسبة المحدث حديثا إلى كتاب، وبين نسبة الفقيه إياه إليه:
فإن المحدث إذا نسب الحديث إلى كتاب مراده منه أصل الحديث، فيحتمل منه ذلك، وأما
الفقيه فمراده ذلك اللفظ الذى يستدل به فلا بد من الموافقة كذا فى شرح المهذب (٦٠:١٠-٦١).
وأما قوله: ((يا أيها الناس! إنكم قد أحدثتم بيوعا ما أدرى ما هى؟)) ففيه قصة رواها مسلم،
وأبو داود، والترمذى، وابن ماجة، واللفظ لمسلم فى "صحيحه" قال: غزونا عزاة وعلى الناس
معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها فى أعطيات
الناس، فتسارع الناس فى ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فذكره، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ
ذلك معاوية فقام خطيبًا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله مرّ في أحاديث قد كنا
نشهده ونصحبه، فلم نسمعها منه، فقام عبادة، فأعاد القصة، وقال: لنحدثن بما سمعنا الحديث،
ووقع مثل ذلك لأبى الدرداء مع معاوية حين باع سقاية من ذهب بأكثر من وزنها، وسيأتى.
ومعنى إنكار معاوية أنه كان لا يرى الربا فى بيع العين بالتبر، ولا بالمصوغ، وكان يجيز فى
ذلك التفاضل (لكونها أنواعا مختلفة عنده)، ويذهب إلى أن الربا لا يكون فى التفاضل إلا فى التبر
بالتبر، وفى المضوغ بالمصوغ، وفى العين بالعين، كذلك نقل عن ابن عبد البر (شرح
المهذب ٣١:١٠)، ثم رجع معاوية عن ذلك إلى ما قاله عبادة وأبو الدرداء حين كتب إليه
عمر رضى الله عنه بما قالاه، كما سيأتى، وفيه دليل على أن لا تأثير للصنعة فى الذهب والفضة،
بل تبرها وعينها سواء وهو المذهب، وسيأتى ما يدل على ذلك صريحا.
دليل الحنفية فى قولهم: بجواز بيع الحفنة بالحفنتين والتمرة بالتمرتين:
وأما قوله: "والبر بالبر مدا بمد والشعير بالشعير مدا بمد"، وفى رواية: ((مدين بمدین))، وفى
لفظ ((مدى بمدى))، فقال فى "المبسوط": فيه دليل على أن ما يجرى فيه الربا من الأشياء المكيلة
نصف صاع، لأن قوله: ((مدین بمدین)) عبارة عن ذلك اهـ (١٠:١٤)، وبیانه أن الربا لو کان یجری

ج - ١٤
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٧١
إنكم أحدثتم أمرا ما ندزى ما هو؟"، فذكر الحديث وفيه. ((ألا وأن الحنطة بالحنطة مدين
بمدين، ولا بأس أن يبيع الشعير بالحنطة يدا بيد والشعير أكثرهما، ولا يصلح نسئةً، ألا
وأن التمر بالتمر مدين بمدين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى)) كتاب الحجج لمحمد (٢٢٠).
فى القليل والكثير من الأشياء المكيلة سواء دخلت تحت الكيل أو لم يدخل، لم يكن للتنصيص على
المدين بلفظ التثنية معنى، فلما ورد النص بلفظ المدين وهو نصف صاع دل على أن الربا لا يجرى
فيما دونه، ومن هنا قال فى "الهداية": يجوز بيع الحفنة بالحفنتين والتفاحة بالتفاحتين، لأن المساواة
بالمعيار، ولم يوجد فلم يتحقق الفضل، وما دون نصف الصاع فهو فى حكم الحفنة، لأنه لا تقدیر
فى الشرع بما دونه اهـ (٥: ١٥٣ مع الفتح) أى لا سيما وقد ورد التنصيص على المدين فى حديث
الربا، فدل على انتفائه عما هو دونه، وإلا كان ذكر العدد لغوا وحاشا الشارع م آيه منه.
بقى الكلام فى تصحيح لفظ المدين فى الحديث فنقول: قد تبين بكلام "المبسوط" أن
الحديث رواه محمد فى "الأصل" بلفظ: ((مدين بمدين) على صيغة الثتنیة، لأنه قال: وقد دل على
ما قلنا الأخبار التى بدأ (أی محمد) الكتاب بها، فمنها حدیث أی سعید فذ کره إلى أن قال بعد ما
سرد روايات كثيرة: ثم ذكر (أى محمد) حديث عبادة بن الصامت فى الربا عن رسول الله عرّ له
فى الأشياء الستة فذكره (٩:١٤-١٠)، ثم وجدناه فى "الحجج" كما ذكره السرخسى سواء،
ومحمد إمام فى الحديث والفقه واللغة، فإذا اختلفت الرواة فى لفظ الحديث كان قوله: أرجح
وأولی، لکونه فقيها محدثا عارفا باللسان، كيف وقد تأيد بما رواه أبو داود والنسائى، كما عزاه
إليهما صاحب "كنز العمال"، وقد ذكرناه فى المتن.
وأما ما فى نسختيهما المطبوعتين بالهند من لفظ: ((مدى بمدی)) مكان ((مدين بمدين)) فلعله
من تصحيف الناسخين، لأن المدى ليس من مكيال أهل المدينة، بل هو من مكيال أهل الشام، كما
فى "عون المعبود" عن الخطابى: المدى مكيال معروف ببلاد الشام وبلاد مصر به يتعاملون،
وأحسبه خمسة عشر مكوكا، والمكوك صاع ونصف اهـ (٢٥٤:٣)، ومنه قوله مع الله: ((منعت
الشام مديها ودينارها ومنعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت مصر أردبها ودينارها وعدتم كما
بدأتم)) الحديث، رواه أبو داود وأبو عبيد، ويحيى بن آدم فى "الخراج" بسند صحيح (٧١ و ٧٢).
ولا معنى لذكر مكيال الشام عند أهل المدينة والحجاز، لا سيما وقد ثبت منه عّ لّه أنه قال:
((المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة))، وحمله العلماء على أن المرجع فى معرفة المكيال
والمیزان إلی عرف الحجاز فى عهد النبی مګے، کما سیأتی، وحينئذ فلا وجه لذکر المدی، ولیس
:

٢٧٢
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
من مكيال الحجاز فى حديث الربا، فالظاهر -والله أعلم - أن بعض رواة سننى أبى داود والنسائى
من أهل الشام رواه بالمعنى تفهيما لأهل بلده، ولا يبعد(١) أن يكون عبادة قد روى الحديث باللفظ
مرة، فقال مدين بمدين، وبالمعنى أخرى لتفهيم أهل الشام فقال: مدى بمدى، ويكون ذلك منشأ
الاختلاف بین نسخ الكتابین، أو صحفه بعض من لا علم له من الناسخین من مدین إلی مدی.
فإن قيل: إن البيهقى رواه بلفظ ((مدا بمد)) على صيغة المفرد، دون المثنى، وهو يبطل
الاستدلال المذكور لكونه مبنيا على صيغة المثنى، قلنا: ولكنه من رواية سعيد بن أبى عروبة عن
قتادة كما ذكرناه فى المتن، ومحمد رواه عن سعيد بلفظ: ((مدين بمدين))، وفيه زيادة فهو أولى،
ورواه أبو داود من طريق همام فى نسخة بلفظ: ((البر بالبر مدين بمدين، والشعير بالشعير مدى
بمدى)) الحديث (٣: ٢٥٤ مع العون)، وبلفظ: ((البر بالبر مدين بمدين، والشعير بالشعير مدين
بمدين) فى أخرى، وهى نسخة "كنز العمال"، وأخرج النسائى حديث سعيد بن أبى عربة، عن
قتادة، عن مسلم بن يسار فى نسخة بلفظ: ((ألا إن البر بالبر والشعير بالشعير مديا بمدى، وأن التمر
بالتمر مديا بمدى)) (٢٢١:٢)، وفى أخرى بلفظ: ((مدين بمدين)) فى المواضع كلها كما فى كنز
العمال"، فثبت أن الراجح فى الحديث إما ((مدى بمدى)) أو ((مدين بمدين))، وأما لفظة: ((مدا بمد))
فلم يوجد إلا فى حديث البيهقى وده، وقد عرفت أن المدى ليس من مكيال أهل المدينة، بل من
مكيال أهل الشام، فالظاهر الراجح فى لفظ الحديث ((مدين بمدين)) بصيغة التثنية، ولفظة ((مدى
بمدى)) إما تصحيف أو تصرف من بعض الرواة روايةً بالمعنى لتفهيم أهل الشام، كما تقدم.
وإن سلمنا صحة الرواية بلفظ: ((مدا بمد) مفردا فنقول: إن من رواه بلفظ: ((مدين بمدين))
فقد زاد أى فى اللفظ، وهو المراد بالزيادة فى اصطلاح المحدثين، والأخذ بالزيادة إذا جاءت من ثقة
لازم، وههنا كذلك، فإن هماما ثقة، وكذا محمد بن الحسن الإمام، فالراجح التثنية، ومن رواه
بالإفراد فقد قصر، وليس قصور القاصر حجة على من حفظ وزاد، وبعد ذلك كله فلفظ:
(١) ولكنه بعيد عند التأمل، فإن التنصيص على المعيار المخصوص يدل على عدم جريان الربا فيما هو دونه، وإلا لم يكن للتنصيص
معنى، والمدى مكيال كبير يسع أكثر من اثنتين وعشرين صاعا، وجريان الربا فى نصف صاع فما فوقه إجماع، فلا يكون فى
ذكره فائدة يعتد بها، فالراجح كون لفظة المدى من تصحيف الناسخين، ولا يبعد أن يكون الحديث بلفظ التثنية بحذف
النون تخفيفا، كما يقال: ثوب بثوب وثوبى بثوبى بحذف النون، فقرأه بعضهم مدى بمدى وجمله على مكيال الشام،
والله تعالى أعلم.

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فى الربویات سواء
٢٧٣
((مدا بمد)) إن لم يكن دليلا لما قالوا من كون ما دون نصف صاع فى حكم الحفنة، فهو دليل لما فى
متن "الهداية" أنه يجوز بيع الحفنة بالحفنتين لكون الحفنتين أقل من المد غالبًا، فالتنصيص على المد
يدل على عدم جريان الربا فيما هو دونه، وإلا لم يكن للتنصيص معنى، لا سيما وفى "مجمع
البحار" عن "النهاية" فى حديث فضل الصحابة: ((ما أدرك مد أحدهم)) هو بالضم ربع الصاع لغةً،
وهو أقل ما كانوا يتصدقون به عادةً اهـ (٣: ٢٨٦)، وفيه إشعار بأنه لم يكن بالمدينة مكيال أصغر
من المد، فلم يكن ما دون المد داخلا تحت الكيل شرعًا فانعدم المعيار فلم يتحقق الفضل، لأن تحقق
الفضل يظهر بعدم وجود المساواة، والمساواة بالكيل، ولا كيل فى الحفنة والحفنتين، فينتفى تحقق
الفضل، كذا فى "العناية" (١٥٣:٦).
والأولى أن يقال: إن علة حرمة ربا الفضل هو الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس، والمراد
بالكيل والوزن كون الشىء مما يتأتى فيه الكيل، والوزن شرعًا، وعادة، لا ما يكون جنسه مكيلا،
أو موزونا، وإن لم يتأت فيه الكيل والوزن، كما سيأتى فى شرح قوله: ((المكيال مكيال المدينة»،
فإذا انتفى أحد جزئى العلة انتفت الحرمة، ضرورة انتفاء المعلول بانتفاء العلة، فكل ما خرج عن
الكيل والوزن بهذا المعنى جاز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحيوان بالحيوانين والجوزة
بالجوزتين، فكذا الحفنة الحفنتين والتمرة بالتمرتين لهذه العلة بعينها، هذا هو مقتضى النظر القياسى،
وإذا تأيد النظر بالدليل السمعى وهو تنصيص الشارع على المد بالمد فناهيك به حجة، وأية حجة؟
فلا بد من قبوله نص عليه شارح "المهذب"، كما مر، والأصوليون قاطبةً.
وبهذا اندحض بحث ابن الهمام فى هذا المقام، وكذا تحسين بعض الأحباب له، فإن المتون
قاطبة متفقة على جواز بيع الحفنة بالحفنتين، وهو المذهب المشهور لأبى حنيفة وأصحابه، عزاه إليهم
الموفق فى "المغنى"، وابن حزم فى "المحلى"، وشارح " المهذب" فى "شرح المهذب".
وأما ما رواه المعلى عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين، وقال: كل شىء حرم فى الكثير،
فالقليل منه حرام، فيعارضه ما فى "الجامع الصغير" قال محمد رحمه الله: لا يجوز فلس بفلسين،
ويجوز تمرة بتمرتين (٩٧)، وظاهر الرواية أقوى وأرجح من "النوادر"، كما لا يخفى، فجواز بيع
الحفنة بالحفنتين والتمرة بالتمرتين هو مذهب المنصور، لا سيما وهو قوى من حيث النظر، ومؤيد
بما ورد فى حديث عبادة عند محمد فى "المبسوط" من لفظ: ((البر بالبر مدين بمدين، والشعير
بالشعير مدين بمدين))، وكذا هو عند أبى داود والنسائى فى نسخة "كنز العمال"، ويؤيده أيضًا

٢٧٤
إعلاء السنن الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردی، فی الربویات سواء
رواية البيهقى بلفظ: ((مدا بمد))، كما ذكرنا، فليس بحث ابن الهمام بعد ذلك وتحسين بعض
الأحباب له إلا کھباء منثور، وكيف يظن بأبى حنيفة أن يتساهل فى أحكام الربويات ومذهبه فى
هذا الباب أضيق المذاهب وأحوطها وأشدها وأضبطها؟ كما ستعرف كل ذلك مفصلا، إن شاء الله
تعالى، نعم! لا شك فى أن التوقی من بيع الحفنة بالحفنتين والتمرة بالتمرتین متفاضلا أولى، لا يكون
ما ذهب إليه الإمام ضعيفا من حيث الدليل، بل خروجا من الخلاف، وعملا بقول النبى معَّ له: ((دع
ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وبقول عمر بن الخطاب: "إنه كان من آخر القرآن نزولا آيات الربا،
فتوفى رسول الله مَ له قبل أن يبينه لنا فدعوا الربا والريبة))، ولكن ذلك لا يختص بهذه المسألة
وحدها، بل يعم الخلافيات كلها، فافهم.
تحقيق علة الربا، ومذاهب العلماء فيها:
ثم اعلم أن حديثى أبى سعيد وعبادة، هما العمدة فى أبواب الربا لكونهما أتم، وأكمل،
وأشمل من غيرهما، وغيرهما من الأحاديث يفسر بعض ما أجمل فيهما ويوضح بعض ما أبهم،
قال صاحب "البدائع": الأصل المعلول فى هذا الباب بإجماع القائسين الحديث المشهور، وهو ما
روى أبو سعيد الخدرى وعبادة بن الصامت فذكره، ثم قال: فهذا النص معلول باتفاق القائسين غير
أنهم اختلفوا فى العلة (١٨٣:٥)، وفى "المبسوط": بدأ محمد الكتاب بحديث رواه أبو حنيفة،
عن عطية العوفى، عن أبى سعيد، عن رسول الله عزّ له، وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول
والعمل به، ولشهرته بدأ محمد ببعضه كتاب البيوع، وببعضه كتاب الإجارات، وببعضه كتاب
الصرف، ومثله حجة فى الأحكام تجوز به الزيادة على الكتاب عندنا، ودار هذا الحديث على أربعة
من الصحابة، عمر بن الخطاب، وعبادة بن الصامت، وأبى سعيد، ومعاوية (١١٠:١٢).
وقال الموفق فى "المغنى": وقد روى عن النبى معَّه فى الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما
روى عبادة فذكره، وقال: فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع،
واختلف أهل العلم فيما سواها، فحكى عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها وقال: لا يجرى
فى غيرها، وبه قال داود (الظاهرى)، ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة، لقول الله
تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾.
واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت فى كل ما وجدت فيه
عَلتها، لأن القياس دليل شرعى، فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته فی کل موضع وجدت

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردیء فی الربویات سواء
٢٧٥
علته فيه، وقول الله تعالى: ﴿وأحل الربا﴾ يقتضى تحريم كل زيادة، إذا الربا فى اللغة: الزيادة، إلا ما
أجمعنا على تخصيصه وهذا يعارض ما ذكروه.
ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجرى إلا فى الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير، فإنه
قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بها لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير،
والتمر بالزبيب، والذرة بالدخن، لأنهما يتقارب نفعهما فجريا مجرى نوعى جنس واحد، وهذا
يخالف قول النبى معَّ فيه: ((بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم))،
فلا يعول عليه، ثم يبطل بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما مع تقاربهما.
واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا
فى علة كل واحد منهما، فروى عن أحمد فى ذلك ثلاث روايات أشهر هن أن علة الربا فى الذهب
والفضة کونه موزون جنس، وعلة الأیان الأربعة مکیل جنس.
(قلت: إن الكيل والوزن اختلاف عبارة فى القدر كالصاع والقفيز فى الكيل، فالحق أن
العلة فى الكل واحدة، وذلك الجنس والقدر، وبه قالت الحنفية، كما فى "المبسوط" (١٢٠:١٢)،
نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقى وابن أبى موسى وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعى،
والزهرى، والثورى، وإسحاق، وأصحاب الرأى، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله عّ لّه:
((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين)) الحديث، رواه الإمام
أحمد فى "مسنده" (وهو حديث حسن، كما ذكرناه فى المتن)، وعن أنس أن النبى عّ لّه قال:
«ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا)) رواه الدار قطنى
(وسنده حسن أيضًا كما ذكرناه) وعن عمار أنه قال: ((العبد خير من العبدين والثوب خير من
الثوبين فما كان يدا بيد فلا بأس به إنما الربا فى النسا إلا ما كيل أو وزن)) (أخرجه ابن حزم ولم يعله
بشىء، كما ذكرناه)، ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر فى تحقيقهما الكيل، والوزن، والجنس،
فإن الوزن، أو الكيل يسوى بينهما صورة، والجنس يسوى بينهما معنى، فكأنه علة، ووجدنا
الزيادة فى الكيل محرمة دون الزيادة فى الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا فى
الكيل (١٢٥:٤).
وقال الشافعى رحمه الله: إن العلة فى الأثمان جوهرية الثمنية، وفيما عداها العلة الطعم
والجنس شرط، وعلته فى الأثمان قاصرة فتختص بالذهب والفضة دون ما سواهما، وهذا فى قوله .
الجديد، وفى القديم العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا، أو موزونا، فلا

٢٧٦
إعلاء السنن الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
يجرى الربا فى مطعوم، لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان وغيرهما من العدديات، ولا فيما ليس
بمطعوم كالحديد والرصاص ونحوه، وقال مالك مثل قول الشافعى إلا أنه زاد على الطعم إما صفة
واحدة، وهو الادخار، كما فى "الموطأ"، وإما صفتين وهو الادخار والاقتيات على ما اختاره
البغداديون.
تحقيق أن علة الحنفية أولى العلل، ومذهبهم
فى مسائل الربا أقوى المذاهب وأحوطها:
قال القاضى أبو الوليد بن رشد فى "بداية المجتهد" بعد ذكر المذاهب بنحو ما ذكرناه: وأما
الحنفية فعمدتهم فى اعتبار المكيل والموزون أنه معرّ ليه لما علق التحليل باتفاق الصنف واتفاق القدر،
وعلق التحريم باتفاق الصنف واختلاف القدر، فى قوله عّ لّ لعامله بخيبر من حديث أبى سعيد
وغيره: ((إلا كيلا بكيل يدا بيد))، رأوا أن التقدير أعنى الكيل، أو الوزن هو المؤثر فى الحكم كتأثير
الصنف، وربما احتجوا بأحاديث ليست مشهورةً فيها تنبيه قوى على اعتبار الكيل والوزن، وهى:
((كذلك ما يكال ويوزن)) (أخرجه الحاكم وصححه وقد مر الكلام فيه مستوفى)، وفى بعضها:
((وكذلك المكيال والميزان))، (رواه البخارى فى حديث أبى سعيد وأبى هريرة بلفظ: "وقال فى
الميزان مثل ذلك"، ومحمد بن الحسن الإمام بلفظ: ((وكذلك ما يكال ويوزن))، كما تقدم)، وهذا
نص لو صحت الأحاديث (قلت: وقد صحت، والحمد لله، كما ذكرناه فى المتن).
قال: ولكن إذا تؤمل الأمر من حيث المعنى ظهر - والله أعلم- أن علتهم أولى العلل، وذلك
أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا، إنما هو لمكان الغبن الكثير الذى فيه (بدليل قوله تعالى
فى آية الربا: ﴿فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾، جعل الربا ظلما)، وأن العدل فى
المعاملات إنما هو مقاربة التساوى، ولذلك لما عسر إدراك التساوى فى الأشياء المختلفة الذوات جعل
الدينار والدرهم لتقويمها أعنى تقديرها ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات أعنى غير الموزونة والمكيلة
العدل فيها إنما هو فى وجود النسبة، أعنى أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة
الشىء الآخر إلى جنسه، مثال ذلك أن العدل إذا باع إنسان فرسا بثياب هو أن تكون نسبة قيمة
ذلك الفرس إلى الأفراس هى نسبة قيمة ذلك الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس من قيمته
خمسون، فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها خمسون، فإذا اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض
فى العدد (والقدر) واجب فى المعاملة العدلة، (فلا يحرم التفاضل عند اختلاف الأجناس البتة).
وأما الأشياء المكيلة والموزونة فلما كانت ليست تختلف كل اختلاف، وكانت منافعها

ج - ١٤
الربا فى كل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
٢٧٧
متقاربة، ولم تكن حاجة ضرورية لمن كان عنده منها صنف أن يستبدله بذلك الصنف بعينه إلا
على جهة الصرف، كان العدل فى هذه إنما هو لوجود التساوى فى الكيل، أو الوزن إذا كانت
لا تتفاوت فى المنافع، وأيضًا: فإن منع التفاضل فى هذه الأشياء يوجب أن لا يقع فيها تعامل لكون
منافعها غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه فى المنافع المختلفة، فإذا منع التفاضل فى هذه الأشياء
أعنى المكيلة والموزونة (المتحدة الجنس) علتان: إحداهما: وجود العدل فيها. والثانى: منع المعاملة
إذا كانت المعاملة بها من باب الصرف، وأما الدينار والدرهم فعلة المنع فيها أظهر إذا كانت هذه
ليس المقصود منها الربح، وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التى لها منافع ضرورية اهـ (٧٩:٢-٨٠).
وأيضًا: فإن علة الثمنية والطعم قاصرة، أما الثمنية فلقوهم باختصاصها بالذهب والفضة
دون غيرهما، وعلة لا تتعدى ليست بعلة كما تقرر فى الأصول، وأما الطعم فلقولهم: بجواز بيع
الحيوان بالحيوان متفاضلا مع كونه مطعومًا، فإن قالوا: إنه لا يؤكل إلا بعد الذبح. قلنا: وكذلك
اللحم لا يؤكل إلا بعد الطبخ، وكذلك الحنطة والدقيق لا يؤكل إلا بعد الخبز، وقد قلتم بجريان
الربا فيها، وأيضًا: فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه، قد نص على الأشياء الستة سواء، وعطف
بعضها على بعض، فينبغى أن تكون العلة فى الكل واحدة، وذلك الجنس والقدر، ثم الكيل والوزن
اختلاف عبارة فى القدر كالصاع والقفيز ونحوه، فأما إذا كانت العلة فى النقود الثمنية، وفى سائر
الأشياء الأربعة الطعم لم يستقم عطف بعضها على بعض، إذ لا موافقة بين الثمنية والطعم، كذا فى
"المبسوط" (١٢٠:١٢).
وفيه أيضًا: وإذا ثبت أن الحكم وجوب المماثلة ولا يتصور ثبوت الحكم بدون محله، عرفنا
أن المحل الذى لا يقبل المماثلة لا يكون مال الربا أصلا، والحفنة والتفاحة لا تقبل المماثلة بالاتفاق،
فلم يكن مال الربا، والدليل عليه أن صاحب الشرح معرّ ما نص على حكم الربا إلا مقرونا
بالمخلص، فكل علة توجب الحكم فى محل لا يقبل المخلص أصلا، فهى علة باطلة، والطعم بهذه
الصفة، فإنها توجب الحكم فى الرمان والسفرجل، ولا يتصور فيه المخلص، (لخروجه من الكيل
والوزن وهو المخلص)، وكذلك قوله عّ لّه: ((لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء مثلا بمثل))، كلام
مقيد بالاستثناء (وهو المماثلة والمساواة) والمستثنى من جنس المستثنى منه (فثبت أنه لم يرد بالبر إلا
ما يتأتى فيه المماثلة والمساواة بالكيل) فإن قال: هو استثناء مقطوع بمعنى لكن أى جعلتموه سواء
بسواء، فيبيعوا أحدهما بالآخر، قلنا: هذا مجاز ولا يترك الحقيقة إلا عند قيام الدليل، وربما يقول

٢٧٨
الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
بعضهم: إن الحفنة مقدرة إلا أنه لا يمكن معرفة مقدارها إلا بضم أمثالها إليها، ولا تخرج به من أن
تكون مقدره كالصبرة، وهذا فاسد، فإن المقدر ما يمكن معرفة مقداره، فإذا ضم إلى الحفنة أمثالها
وكيلت يصير مقدار القفيز معلوما لا مقدار الحفنة، بخلاف الصبرة فإنها إذا فرقت أجزاءها
وكيلت يصير مقدار الصبرة معلوما (١١٧:٢-١٢٠).
قال الموفق فى "المغنى": قوله: "ما کیل أو وزن"، أى ما کان جنسه مکیلا أو موزونا، وإن
لم يتأت فيه كيل ولا وزن، إما لقلته كالحبة والحبتين والحفنة والحفنتين وما دون الأرزة من الذهب
والفضة، أو لكثرته كالزبرة العظيمة، فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثل بمثل، ويحرم التفاضل
فيه، وبهذا قال الثورى، والشافعى، وإسحاق، وابن المنذر، ورخص أبو حنيفة فى بيع الحفنة
بالحفنتین والحبة بالحبتین، وسائر المکیل الذی لا یتأتی کیله، واحتج بأن العلة الکیل ولم يوجد فى
اليسير اهـ (١٢٨:٤).
قلت: أما الزبرة العظيمة فهو مكيل إجماعًا، فإن الكيل يتأتى فيه بالتفريق وهو ظاهر، وأما .
احتجاجهم بقوله معّ له: ((البر بالبر والشعير بالشعير مثلا بمثل)) فقد مر فى كلام "المبسوط" أن المراد
به البر المکیل بالبر المكيل دون جنس البر، فافهم.
الجواب عن حجة الخصم لكون الطعم علة الربا:
واحتجوا لكون الطعم علة بما رواه مسلم بسنده عن معمر بن عبد الله العدوی قال: « کنت
أسمع النبى معَِّ يقول: الطعام(١) بالطعام مثلا بمثل)) الحديث، وقالوا: إن الاسم المشتق من فعل إذا
علق به الحكم يصير ذلك الفعل علة له، والطعام اسم مشتق من الطعم معنى فكان علة، كما فى
قوله تعالى: ﴿الزانية والزانى والسارق والسارقة﴾.
وأجيب أن ذلك إنما هو إذا كان الفعل صالحا لأن يكون علةً كالزنا والسرقة، وههنا ليس
كذلك، فإن الثمنية والطعم ينبئان عن شدة الحاجة فلا يصلحان أن يكونا علة للحرمة، كذا فى
"المبسوط" (١٢٠:١٢)، وأيضًا: فإن الشارع لم يقتصر على قوله: ((الطعام بالطعام)) ليجعل الحظر
فيه أصلا، بل قرن به قوله: ((مثلا بمثل))، فلا يدل على كون الطعم أصلا فى الحرمة، ولم قلتم بأن
(١) قال ابن حزم فى المحلى: وصرفه بعض المتأخرين ممن لا علم له بالحديث فأطلقه إطلاقا بلا إسنادا، فقال: قال رسول الله سرّله: لا
يباع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل قال: وهذا كذب بحت وما جاء هكذا قط ولا يوجد أبدا من طريق غير موضوعة (٤٧٣:٨).

ج - ١٤
الربا فی کل ما یکال ویوزن، وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء
٢٧٩
للطعم أثرا فى الحظر؟ وكونه متعلق البقاء لا يكون أثره فى الحظر أولى من الإطلاق، فإن الأصل فيه
هو التوسيع دون التضييق على عرف ما اهـ (بدائع ١٨٥:٥).
وأيضًا: فإنما فيه: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل))، وليس فيه المنع عنه مثلا بأكثر ولا إباحته، إنما
هو مسكوت عنه، فوجب طلبه من غير هذا الخبر، كيف؟ وقد قلتم: بجواز بيع الحنطة بالشعير
متفاضلا، وأيضًا: فلو كان اقتصاره مرّ على ذكر الطعام فى هذا الحديث موجبا لحصر الربا فى
الطعام، فاجعلوا ولا بد اقتصاره عليه السلام على ذكر الأشياء الستة مانعا من وقوع الربا فيما
عداها، لا سيما والطعام لا تطلق فى لغة العرب إلا على البر وحده، كما روينا من طريق أبى سعيد
الخدرى: ((كنا نخرج على رسول الله مَّ لل صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا
من تمر)) الحديث، فلم يوقع اسم الطعام إلا على البر وحده، وأيضًا: فلا يطلق عربى ولا مستعرب
على السقمونيا اسم طعام قط، لا بإطلاق ولا بإضافة (فمن أين قلتم بجريان الربا فى بيع بعضه
ببعض متفاضلا)، فإن قالوا: قد تؤكل فى الأدوية، قلنا: والصندل قد يؤكل فى الأدوية، وكذلك
السبد واللؤلؤ (والفضة والذهب)، وحجر اليهود كذلك، فأوقعوها فى الطعام، وأدخلوا الربا فيها
لأنها قد تؤكل أيضاً، من "المحلى" ملخصًا (٤٧٤:٨).
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن حزم من طريق عطاء بن يسار وأبى سملة بن عبد الرحمن،
كلاهما عن أبى سعيد الخدرى، قال: «قسم رسول الله ماپڼ طعاما مختلفا فتبایعناه بيننا بزيادة،
فنهانا رسول الله مَّ ا أن نأخذه إلا كيلا بكيل)) (٤٧٤:٨).
والجواب أن الاختلاف فيه محمول على اختلاف الوصف فى جنس واحد، بدليل ما رواه
ابن أبى شيبة عن عطاء بن يسار عنه بلفظ: ((قسم فينا رسول الله مَّ له طعاما من التمر مختلفا بعضه
أفضل من بعض، فذهبنا نتزايد فيه، فنهانا رسول الله عٍَّ إلا كيلا بكيل))، كما فى "المحلى" أيضًا، "
وسنده حسن (٤٧٥:٨). واحتجوا أيضًا بما رواه من طريق أحمد بن شعيب بسنده عن جابر، قال:
قال رسول الله مَّ له: ((لا تباع الصيرة من الطعام بالصبرة من الطعام، ولا الصبرة من الطعام بالكبيل
المسمى من الطعام)).
والجواب أن الحديث رواه مسلم فى "صحيحه" عن جابر بلفظ: ((نهى رسول الله مَ لٍ عن
بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر))، كما فى "المحلى" (٤٧٦:٨)، فهذا
. هو المتصل الصحيح بخلاف الأول، فإن أحد رواته حجاج بن محمد، لم يذكر سماعه من ابن
.
٠٠

٢٨٠
الربا فى كل ما یکال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء
إعلاء السنن
جريج، بل قال: قال ابن جريج، فظاهره الانقطاع، والمتصل أولى من المنقطع، قال ابن حزم أيضًا،
فبطل تعلقهم به جملة، والله تعالى أعلم.
الجواب عن إيراد ابن حزم على علة الحنفية:
وأورد ابن حزم على قول الحنفية: بأن علة الربا هى الكيل والوزن فى جنس واحد،
أو جنسين، بأن بعض المتأخرين منهم قد رغب عن هذه العلة بسبب انتقاضها عليهم فى الذهب
والفضة بسائر الموزونات (حيث يجوزون أن يباع بهما سائر الموزونات نسيئة مع أن وجود أحد
العلتين محرم للنساء عندهم)، فلجأ إلى أن قال: علة الربا هى وجود الكيل، أو الوزن فيما يتعين،
فما زادونا بهذا إلا جنونا، وكذبا بدعواهم أن الدنانير والدراهم لا تتعين، وهذه مكابرة العيان،
ثم أتوا بتخاليط منها مخالفتهم السنة المتفق عليها من كل من يرى الربا فى غير النسيئة، فأجازوا
التمرة بالتمرتين يدا بيد، ويلزمهم أن يجيزوا تسليم ثلاث حبات من قمح فى حبتين من تمر، وهذا
خروج عن الإجماع المتيقن اهـ (٤٧٨:٨) ملخصًا.
قلت: لا أدرى من هذا المتأخر الذى رغب عن هذه العلة، وزاد ابن حزم جنونا؟ والذى فى
كتب القوم أن بيع سائر الموزونات حاشا الذهب والفضة، إنما جاز بالنقدين لأنهما لا يتفقان فى
صفة الوزن ويختلفان فى المعنى، لأن النقود توزن بالصنجات والزعفران ونحوه بالأمناء، فالدراهم
مع الزعفران، وإن اتفقا فى الوزن صورة، فقد اختلفا فيما يوزن به صورةً ومعنَى وحكمًا، فيجوز
التأخير، أما الاختلاف الصورى فما ذكرناه، وأما الاختلاف فى المعنى فلأن النقود أثمان،
والزعفران ونحوه ليس من الأثمان، وأما الاختلاف فى الأحكام فيجوز التصرف فى النقود قبل
قبضها بخلاف المثمن، فلم يجمعهما القدر من كل وجه، كذا فى "البحر" (١٢٨:٦).
وحاصله: أن اتحاد القدر ليس باشتراك الشيئين فى مطلق الوزن، كما أن اتحاد الجنس ليس
باشتراكهما فى وصف مطلقا، وإلا لكان الحنطة والشعير جنسا واحدا لكونهما من جنس العلة
والطعام، بل والحنطة والرمان أيضًا لكونهما من جنس المأكول، ولم يقل به أحد، بل اتحاد الجنس
واختلافه يعرف باتحاد الاسم والغرض واختلافهما، فكذا اتحاد القدر إنما يعرف باتفاقهما فى صفة
الوزفن ومعناه وحكمه، وإلا فكيف يظن بعاقل أن يقول: بأن الحطب والذهب متحدان قدرًاً
لكونهما يوزنان، والفرق بينهما فى صفة الوزن أكثر مما بين الحنطة والشعير والتمر والرمان فى
الجنس، فافهم.