Indexed OCR Text
Pages 241-260
ج - ١٤ النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان ٢٤١ ٤٧٠٥- وقال عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبى كثير، أن عثمان بن عفان وحكيم بن حزام كانا يبتاعان التمر ويجعلانه فى غرائر ثم يبيعانه كان البيع مكايلة، فلا يجوز التصرف فيه بالبيع ونجوه قبل الكيل، أو الوزن لكونه من بيع المبيع قبل قبضة، والبيع لا يقتضى وجوب القبض فى مجلس العقد، فلو كاله المشترى بعد البيع فى بيته، أو كاله البائع له بعد البيع بحضرته صح وتم القبض، وجاز له التصرف فيه بالبيع ونحوه. قال فى "الدر": وكفى كيله من البائع بحضرته أى المشترى بعد البيع لا قبله أصلا أو بعده بغيبته، فلو كيل بحضرة رجل فشراه فباعه قبل كيله لم يجز وإن اكتاله الثانى، لعدم كيل الأول، فلم يكن قابضه "فتح"، قال الشامى: وفى "الخانية": لو اشترى كيليا مكايلة أو موزونا موازنة، فكال البائع بحضرة المشترى قال الإمام ابن الفضل: يكفيه كيل البائع، ويجوز له أن يتصرف فيه قبل أن يكيله اهـ، ثم إن عبارة "الفتح" هكذا: ومن هنا ينشأ فرع، وهو ما لو كيل طعام بحضرة رجل، ثم اشتراه فى المجلس ثم باعه مكايلة قبل أن يكتاله بعد شراءه لا يجوز هذا البيع، سواء اكتاله للمشترى منه، أو لا، لأنه لما لم يكتل بعد شراءه هو لم يكن قابضا، فبيعه بيع ما لم يقبض فلا يجوز اهـ، ومثله فى "البحر" و"المنح"، فقوله: سواء اكتاله للمشترى منه أو لا إلخ صريح فى أن فاعل اكتاله المشترى الأول الذى كيل الطعام بحضرته ثم اشتراه ثم باعه، وقول الشارح: " وإن اكتاله الثانى" صريح فى أن فاعل اكتاله هو المشترى الثانى، وعبارة الفتح أحسن لإفادتها أن هذا الكيل الواقع من المشترى الأول للمشترى الثانى لا يكفيه عن كيل نفسه لوقوعه بعد بيعه الثانى، فكان بيعا قبل القبض لعدم اعتبار الكيل الواقع، أو لا بحضرته قبل شراءه، وأما على عبارة الشارح، فلا شبهة فى عدم الجواز، ثم إن ما أفاده كلام "الفتح" من أن كيله للمشترى منه لا يكفى عن كيل نفسه ظاهر للتعليل الذى ذكره، لكنه مخالف لما شرح به كلام "الهداية" أولا، حيث قال: " وإن كاله بعد العقد بحضرة المشترى مرة كفاه ذلك، حتی یحل للمشترى التصرف فيه قبل کیله، وعند البعض لا بد من الكيل مرتين"، فإن قوله: كفاه أى كفا البائع، وهو المشترى الأول يفيد أنه يكفيه عن الكيل لنفسه، لكن الظاهر عدم الاكتفاء بذلك، وإن وقع من المشترى الأول بعد البيع، لما ذكره من التعلل اهـ (٢٥٥:٤). قلت: وإرجاع الضمير فى قوله "كفاه": إلى المشترى أولى، والمراد أن كيل المشترى إنما هو ما كان وقت البيع أو بعده، سواء صدر من البائع بحضرته أو من المشترى بنفسه، وأما الكيل الواقع قبل البيع فليس من کیل المشترى، بل هو من كيل البائع، فافهم. ٢٤٢ النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان .: إعلاء السنن بذلك الكيل، فنهاهم رسول الله عَّ له أن يبيعاه حتى يكيلاه لمن ابتاعه منهما (نصب وقال صاحب "البدائع": وإن باع مكايلةً أو مرازنةً فى المكيل والموزون وخلى فلا خلاف فى أن المبيع يخرج عن ضمان البائع، ويدخل فى ضمان المشترى، حتى لو هلك بعد التخلية قبل الكيل والوزن يبهلك على المشترى، وكذا لا خلاف فى أنه لا يجوز للمشترى بيعه(١) والانتفاع به قبل الكيل والوزن، وكذا لو اكتاله المشترى أو اتزنه من بائعه ثم باعه مكايلة، أو موازنة من غيره، لم يحل للمشترى منه أن يبيعه أو ينتفع به حتى يكيله أو يزنه، ولا يكتفى باكتيال البائع أو اتزانه من بائعه، وإن كان ذلك بحضرة هذا المشترى (لكونه صاع البائع دون صاع المشترى). لما روى عن رسول الله مّ له أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه صاعان: صاع البائع، صاع المشترى، لكن اختلفوا فى أن حرمة التصرف قبل الكيل أو الوزن لانعدام القبض بانعدام الكيل أو الوزن، أو شرعا غير معقول المعنى مع حصول القبض بتمامه بالتخلية، قال مشايخنا: إنها تثبت شرعا غير معقول المعنى. وقال بعضهم: الحرمة لمكان انعدام القبض على التمام بالكيل، ، أو الوزن، وكما لا يجوز التصرف فى المبيع المنقول بدون قبضه أصلا لا يجوز بدون قبضه بتمامه، وجه قول الأولين ما ذكرنا أن معنى التسليم والتسلم يحصل بالتخلية، ولهذا يدخل المبيع فى ضمان المشترى بالتخلية نفسها بلا خلاف، دل أن التخلية قبض إلا أن حرمة التصرف مع وجود القبض بتمامه ثبت تعبدا غير معقول المعنى، وجه قول الآخرين تعليل محمد رحمه الله هذه المسألة فى (١) عدم حل البيع والانتفاع لا يستلزم فساد الشراء المتقدم من غير اكتيال، فمفاده أن من اشترى شيئا موازنة أى على أنه كذا منا، أو مكايلة على أنه كذا قفيزا وقبضه من غير كيل ولا وزن أن شرائه صحيح، ولكن لا يحل له التصرف فيه ببيع وأكل ونحوه إلا بعد الكيل والوزن، وهذا هو معنى كلام محمد فى كتاب البيوع، وفى "الحجج" له، وهو الظاهر من لفظ الحديث، ولكن كلام الشامى فى "رد المحتار" وسيأتى، يدل على فساد هذا البيع والشراء بدون الكيل والوزن، وقال الحافظ فى "الفتح": ومن اشتری مکایلة وقبضه ثم باعه لغیرہ لم یجز تسلیمه بالکیل الأول حتی یکیله علی من اشتراه ثانیا، وبذلك کله قال الجمهور، وقال عطاء: يجوز بيعه بالکیل الأول مطلقًا، وقيل: إن باعه بنقد جاز بالکیل الأول، وإِن باعه بنسیئة لم يجز بالأول، والأحاديث المذكورة ترد عليه اهـ (٢٥٣:٤). ولعل الحق هو القول بصحة البيع، وفساد قبض المشترى ما لم یکله البائع بحضرته أو یکیله المشتری بنفسه بعد البيع، وهو المراد بقول عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول، لكون البائع قد تم قبضه بالكيل الأول، فلم يكن بائعا ما لم يقبض، ولكن المشترى منه لا يتم قبضه حتى يكيله البائع عليه ثانيا، أو يكيله هو بنفسه، هذا هو مقتضى ما ذكروه من التعليل، والله سبحانه أعلم، ويحمل كلام الشامی علی ما إذا باع الرجل ما اشتراه بشرط الکیل، وقبضه من غير أن یکتاله، فالبیع فاسد لكونه قد باع ما لم يقبضه، وأما إذا باعه بعد ما كاله لنفسه، ولم يكله على المشترى فالبيع صحيح، ولا يتم قبض هذا المشترى بدون الکیل، ٢٤٣ النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان ج - ١٤ الراية ١٨٦:٢)، وهو مرسل صحيح، وقال البيهقى: قد روى ذلك موصولا من أوجه "كتاب البيوع"، فإنه قال: لا يجوز للمشترى أن يتصرف فيه قبل الكيل، لأنه باعه قبل أن يقبضه، ولم يرد به أصل القبض لأنه موجود، وإنما أراد به تمام القبض. والدليل على أن الكيل والوزن فى المكيل والموزون الذى بيع مكايلة وموازنة من تمام القبض، أن القدر فى المكيل والموزون معقود عليه، ألا ترى أنه لو كيل فازداد لا تطيب له الزيادة، بل ترد أو يفرض لها ثمن ولو نقص يطرح بحصته شىء من الثمن ولا يعرف القدر فيهما إلا بالكيل أو الوزن، فكان الكيل والوزن فيه من تمام القبض، ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل قبضه بتمامه، كما لا يجوز قبل قبضه أصلا ورأسا، إلا أنه يخرج عن ضمان البائع بالتخلية نفسها لوجود القبض بأصله، والخروج عن الضمان يتعلق به، لا بوصف الكمال، فأما التصرف فيه فيستدعى قبضا كاملا لورود النهى عن بيع ما لم يقبض، والقبض المطلق هو القبض الكامل اهـ، ملخصًا (٢٤٥:٥). ودليل تقييد الحديث بما إذا وقع البيع والابتياع مكايلةً أو موازنةً ما رواه مسلم فى صحيحه عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله))، وما رواه البيهقى (٣١٤:٥) بسنده من طريق أبى داود: ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرنى عمرو، عن المنذر بن عبيد المدينى، أن القاسم بن محمد حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه: ((أن رسول الله عّ لّ نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه))، فقوله: ((طعاما اشتراه بكيل)) صريح فى ما قلنا، وقوله: ((حتى يستوفيه)) مفسر لقوله فى حديث ابن عباس: ((حتى يكتاله))، وأصرح منه ما رواه البيهقى من طريق ابن لهيعة: ثنى موسى بن وردان، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أنه سمع عثمان بن عفان يقول على المنبر: "إنى كنت أشترى التمر كيلا، فأقدم به إلى المدينة من مكان قريب من المدينة بسوق قينقاع، فأربح الصاع والصاعين فأكتال ربحى، ثم أصب لهم ما بقى من التمر، فحدث بذلك رسول الله عَّه، فقال: إذا اشتريت يا عثمان! فاكتل وإذا بعت فكل" رواه ابن المبارك، والوليد بن مسلم، وجماعة من الكبار عن عبد الله بن لهيعة اهـ (٣١٥:٥)، موسى بن وردان من رجال الأربعة والبخارى فى "الأدب" صدوق من الثالثة، كما فى "التقريب" ، فالحديث حسن. ورواه أحمد بلفظ: "كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود يقال لهم بنو قينقاع وأبيعه بربح، فبلغ ذلك النبى معَّه، فقال: يا عثمان! إذا ابتعت فاكتل، وإذا بعت فكل، وأخرجه عبد الرزاق، ورواه الشافعى وابن أبى شيبة عن الحسن عن النبى عّ لّه مرسلا قال البيهقى: روى من أوجه موصولا إذا انضم بعضها إلى بعض قوى، وفى "مجمع الزوائد": إسناده حسن، كذا فى ٢٤٤ النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان إعلاء السنن إذا ضم بعضها إلى بعض قوى مع ما سبق من الحديث الثابت عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما فى هذا الباب. "النيل" (٢١:٥)، وهو صريح فى بيان المراد من صاع البائع وصاع المشترى، أن البائع لا يجوز له بيع ما اشتراه مكايلة إلا بعد أن يكيله، وإذا باعه مكايلة، فعليه أن يكيله للمشترى يتبرأ ذمته، وإلا کان له الزيادة وعليه النقصان. وفى رواية البيهقى من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة، (وهو ضعيف) عن سعيد بن المسيب، عن عثمان نحوه بلفظ: "كنت أشترى الأوساق فأجىء بها إلى سوق كذا، فيأخذونها منى بكيلها ويربحوننى، فذكرت ذلك للنبى معَّ له، فقال: ((إذا ابتعت كيلا فاكتل وإذا بعت كيلا فكل)) "، وروى من وجه آخر مرسلا: "أن عثمان وحكيم بن حزام كانا يجلبان الطعام من أرض قينقاع إلى المدينة، فيبيعانه بكيله، فأتى رسول الله مَّ ◌ُلّه فقال: ما هذا؟ فقالا: يا رسول الله! جلبناه من أرض كذا وكذا، ونبيعه بكيله، قال: ((لا تفعلا ذلك إذا اشتريتما طعاما فاستوفياه فإذا بعتماه فكيلا)) اهـ (٣١٦:٥)، وأصرح منه ما رواه الأثرم بإسناده عن الحكم، وفيه قوله عّ لّ لعثمان: ((إذا سمیت الکیل فكل)، وقد مر أن أحمد قد احتج به، وفی کل ذلك دلیل علی أن حديث النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان، مقيد بما إذا وقع البيع والشراء مكايلة. قال شمس الأئمة فى "المبسوط" فى تفسير قوله مَّ له: ((حتى يجرى فيه الصاعان)) أى إذا تلقاه من غيره بشرط الكيل ولقاه غيره بشرط الكيل اهـ (١٦٦:١٢). وقال فى "العناية": فذلك على أربعة أقسام: اشترى مكايلة وباع مكايلة، أو اشترى مجازفة وباع كذلك، أو اشترى مكايلة وباع مجازفة، أو بالعكس. ففى الأول لم يجز للمشترى من المشترى الأول أن يبيعه حتى يعيد الكيل لنفسه، كما كان الحكم فى حق المشترى الأول كذلك، وفى الثانى لا يحتاج إلى كيل لعدم الافتقار إلى تعيين المقدار، وفى الثالث لا يحتاج المشترى الثانى إلى كيل، لأنه لما اشتراه مجازفة ملك جميع ما كان مشار إليه، فكان متصرفا فى ملك نفسه، وفى الرابع يحتاج إلى كيل واحد، إما كيل المشترى أو كيل البائع بحضرته، لأن الكيل شرط لجواز التصرف فيما بيع مكايلة لمكان الحاجة إلى تعيين المقدار الواقع مبيعًا. وأما المجازفة فلا تحتاج إليه لما ذكرنا، فإن قيل: النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان يتناول الأقسام الأربعة فيما وجه تخصيصه بما فى الكتاب؟ فالجواب: أنه معلول باحتمال الزيادة على المشروط (بدليل ما فى رواية البزار: فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان) وذلك إنما يتصور ج - ١٤ النهی عن بیع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان ٢٤٥ إذا بيع مكايلة (والموازنة مثلها) فلم يتناول ما عداه اهـ (١٣٩:٥-١٤٠). وفسر إمام الحرمين البيع مكايلة بأن يقول: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم (فلا يجوز للمشترى بيع كلها أو بعضها قبل الاكتيال)، ومنها أن يقول: بتعكها على أنها عشرة آصع، ومنها أن يقول: بعتك عشرة آصع منها، كذا فى "شرح الوجيز" (٤٤٩:٨)، وقس عليه البيع موازنة. إذا عرفت ذلك فاعلم أن البائع لو باع مكايلةً ما اشتراه مكايلة بعد ما اكتاله لنفسه قبل البيع، فإذا كاله على مشتريه عند البيع بحضرته، فلا خلاف فى وجود الصاعين، وللمشترى أن يبيعه مکایلةً من غير تجديد الاکتیال منه، ولو لم يكن البائع اكتاله لنفسه، وكان قد اشتراء مكايلة ولكنه كاله على مشتريه، فهذا الكيل وحده لا يكفى عن الصاعين بل البيع فاسد، لكونه باع ما لم يقبضه، فصاع البائع لا بد أن يكون متقدما على بيعه، والكيل الواقع عند البيع أو بعده، ليس من صاع البائع فى شىء، بل هو من صاع المشترى، يدل على ذلك ما ذكرناه عن "الدر" و"الشامية" و "الفتح"، فتذكر. وكلام صاحب "العناية" صريح فيه، حيث قال: ففى الأول لم يجز للمشترى من المشترى الأول أن يبيعه حتى يعيد الكيل لنفسه كما كان الحكم فى المشترى الأول كذلك اهـ. وفى "رد المحتار" أيضًا: صرح محمد فى "الجامع الصغير" بما نصه: محمد عن يعقوب عن أبى حنيفة قال: إذا اشتريت شيئا مما يكال أو يوزن أو يعد، كيلا ووزنا وعدا، فلا تبعه حتى تكيله و تزنه وتعده، فإن بعته قبل أن تفعله وقد قبضه، فالبیع فاسد فی الکیل والزون اهـ. قلت: وظاهره أن الفاسد هو البيع الثانى، وهو بيع المشترى قبل کیله، وأن الأول وقع صحیحا لکنه یحرم عليه التصرف فيه من أکل أو بيع حتی یکیله، فإذا باعه قبل کیله وقع البيع الثانى فاسدا، لما مر من أن العلة كون الکیل من تمام القبض، فإذا باعه قبل کیله فكأنه باعه قبل القبض، وببيع المنقول قبل قبضه لا يصح. والتحقيق: أن يقال: إذا ملك زيد طعاما ببيع مجازفة، أو بارث ونحوه ثم باعه من عمرو مكايلة سقط هنا صاع البائع، لأن ملكه الأول لا يتوقف على الكيل، وبقى الإحتياج إلى كيل للمشتری فقط، فلا يصح بیعه من عمرو بلا کیل، فھھنا فسد البیع الثانی فقط (دون الأول)، ثم إذا باعه عمرو من بكر لا بد من كيل آخر لبكر، فههنا فسد البيع الأول والثانى، لوجود العلة فى كل منهما اهـ (٢٥٣:٤). وفيه أيضًا: ولا خلاف فى أن النص محمول على ما إذا وقع البيع مكايلة، فلو اشتراه ٢٤٦ النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان إعلاء السنن مجازفة له التصرف فيه قبل الكيل، وإذا باعه مكايلة (بأن باعه على أنه كذا قفيزا مثلا) يحتاج إلى كيل واحد للمشترى اهـ، وهو صريح فى عدم وجوب الصاعين فى صفقة واحدة. وقال المحقق فى "الفتح": وقول الراوى: "حتى يجرى فيه صاعان صاع البائع" معناه صاع البائع لنفسه، وهو محمول على ما إذا كان البائع اشتراه مكايلة، أما لو ملكه بالإرث، أو الزراعة، أو اشترى مجازفة، ثم باعها مكايلة، فالحاجة إلى صاع واحد، وهو صاع هذا المشترى، ولو اشتراها مكايلة، ثم باعها مجازفة قبل الكيل وبعد القبض، فى ظاهر الرواية لا يجوز؛ لاحتمال اختلاط ملك البائع بملك بائعه، وفى "نوادر ابن سماعة" يجوز، وإذا عرف أن سبب النهى أمر يرجع إلى المبيع كان البيع فاسدا، ونص على الفساد فى "الجامع الصغير" اهـ (١٤٠:٥. فما فى "البدائع": "ولو كاله البائع أو وزنه بحضرة المشترى كان ذلك كافيا، ولا يحتاج إلى إعادة الكيل؛ لأن المقصود يحصل بكيله مرة واحدة بحضرة المشترى اهـ (٢٤٥:٥)، محمول على ما إذا كان البائع ملكه بارث أو ببيع مجازفة أو ملكه ببيع مكايلة، وقد اكتاله لنفسه قبل هذا البيع، وإلا فلا يكفى كيله على المشترى منه عن الاكتيال المستحق عليه، بدليل ما فى "البدائع". أيضًا: وما روى عن رسول الله مَ له أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه صاعان، صاع البائع وصاع المشترى، محمول على موضع مخصوص، وهو ما إذا اشتری مکیلا مکایلة فا کتاله ثم باعه من غيره مكايلة، لم يجز لهذا المشترى التصرف فيه حتى يكيله، وإن كان هو حاضرا عند اكتيال بائعه فلا یکتفی بذلك اهـ (٢٤٥:٥). وبدليل ما فى "المبسوط": وإن اشترى المسلم إليه من رجل كراثم قال لرب السلم: اقبضه قبل أن يكتاله من المشترى، فليس ينبغى لرب السلم أن يقبضه حتى يكتاله للمشترى، لأنه فى هذا القبض وكيل المسلم إليه، فكما أن المسلم إليه لو قبض بنفسه كان عليه أن يكيله، فكذلك إذا قبضه وكيله كان عليه أن يكتاله للمسلم إليه بحكم الشراء، ثم يكيله ثانيا للقبض بنفسه بحكم السلم، وليس له أن يأخذه بكيله ذلك، لأنه فى ذلك نائب عن المسلم إليه، فكأن المسلم إليه فعله بنفسه، ثم سلمه إليه، فعليه أن يكتاله لنفسه بحكم السلم، وهو المراد من قوله مَّ ل: ((حتى يجرى فيه الصاعان)) أى إذا تلقاه البائع من غيره بشرط الكيل، ولقاه غيره بشرط الكيل. قال: واختلفت مشايخنا رحمهم الله فى فصل، وهو ما إذا اشترى طعاما مكايلة، فكاله البائع بمحضر من المشترى، ثم سلمه إليه فمنهم من يقول: ليس للمشترى أن يكتفى بذلك الكيل، ج - ١٤ النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان ٢٤٧ ولكنه يكيله مرة أخرى، استدلالا بهذه المسألة، وكيل البائع بحضرته لا يكون أقوى من كيله بنفسه، والأصح أن له أن يكتفى بذلك الكيل، لأن استحقاق الكيل بحكم عقده ففعل البائع بحضرته کفعله بنفسه، وفی مسألة السلم استحقاق الأول بالکیل کان بالشراء، فلا ینوب ذلك عن الكيل المستحق بالسلم، فلهذا يلزمه الكيل مرة أخرى اهـ (١٦٦:٢). الرد على بعض الأحباب: وبه تبين خطأ بعض الأحباب حيث حمل الحديث على الصفقة الواحدة، وجعل جريان الصاعين أعم من أن يكون حقيقةً أو حكما، وتوهم أن کیل البائع بحضرة المشتری یکفی عن الصاعين، وهو باطل، وإنما هو صاع واحد أى صاع المشترى، وليس هو من صاع البائع فى شىء، فإنه إن كان قد باع ما اشتراه مكايلة قبل الاكتیال فالبيع فاسد لا يصححه كيله على مشتريه بحضرته، وإن کان قد باعه بعد الا کتیال فقد وجد صاع البائع قبل البيع، فکیف یکون کیله علی مشتريه قائما مقام الصاعين؟ ويرد وجوب الصاعين فى صفقة واحدة قوله عّ لّ لعثمان: ((إذا اشتريت فاكتل وإذا بعت فكل))، وفى لفظ: ((إذا ابتعت كيلا فاكتل، وإذا بعت كيلا فكل))، وتفسيره ما مر عن "المبسوط" أى إذا تلقاه من غيره بشرط الكيل، ولقاه غيره بشرط الكيل، فتذكر، وهو صريح فى أن أن وجوب الصاعين إنما هو فى صفقتين إذا كانتا بشرط الكيل. وأما قوله: وتعدد الصاعين فى الصفقتين لتعدد الصفقتين لا لأن الصفقتين محمل الحديث اهـ، ففيه أن تعدد الصفقتين لا يوجب تعدد الصاعين مطلقًا لما قد عرفت أن البائع لو باع مجازفة ما اشتراه مجازفة لا يحتاج إلى كيل ولو بصاع واحد، بدليل حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: ((كنا نشترى الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله مّ آ أن نبیعه حتى ننقله من مكانه))، أمرهم بالقبض ولم يأمرهم بالكيل والاكتيال، وأصرح منه قوله لعثمان: ((إذا سميت الكيل فكل))، فثبت أن علة وجوب الصاعين إنما هو بيع ما اشتراه بشرط الكيل كذلك بشرط الكيل. قال محمد فى "الحجج" له: قال أبو حنيفة فى الرجل يشترى الطعام فيكتاله، ثم يأتيه من يشتريه منه، فيخبر الذى يأتيه أنه قد اكتاله لنفسه، واستوفاه فيريد المبتاع أن يصدقه، ويأخذ بکیله، إنه لا ينبغى أن يأخذ منه بکیله، إلا أن یکیله کیلا مستقبلا، ویکون علی المشترى (الأول) نقصانه، وقال أهل المدينة: أما ما ابتيع على هذه الصفة بنقد فلا بأس به، وأما ما ابتيع على هذه الصفة إلى اجل، فإنه مکروه حتی یکتاله المشتری الآخر لنفسه، قال محمد: کیف جاز بيعه بکیله بالنقد ٢٤٨ إعلاء السنن باب بيع الصكاك ٤٧٠٦- عن سليمان بن يسار: ((أن صكاك التجار خرجت فاستأذن التجار مروان فى بيعها فأذن لهم، فدخل أبو هريرة علیه، فقال له: أذنت فی بیع الربا وقد نهى رسول الله عَّ له أن يشترى الطعام، ثم يباع حتى يستوفى؟ قال سليمان: فرأيت مروان بعث الحرس، فجعلوا ينتزعون الصكاك من أيدى من لا يتحرج منهم"، رواه أحمد بإسناد صحيح (مسند ٣٢٩:٣). وجاز له (أى للمشترى) أن يقبضه بغير كيل، ولم يجز ذلك بالنسيئة؟ ليس الأمر، كما قلتم، ولکن رسول الله مګ قال: ((من اشتری طعاما کیلا (أی بشرط الکیل) فلا یبیعه حتی یکیله))، فهذا قد أخبره كيف اكتاله، وشرط له ذلك الكيل، فعليه أن يكيله، ولا يقبضه المشترى الآخر إلا بكيل مستقبل، لأن الكيل قد يزيد وينقص ما أعيد كيل إلا زاد، أو نقص اهـ، ملخصًا (٢٤١)، وهذا كالصريح فيما قلنا فى تفسير الصاعين صاع البائع وصاع المشترى، فافهم، فلعلك لا تجد تحقيق المقام فى كتاب غير هذا، والعلم لله الملك العلام. باب بيع الصكاك أقول: قد تعورف فى زماننا بیع الصكاك، وقد عرفت من هذا الحديث أنه ربا، وهو منهی عنه، قال العبد الضعيف: رواه أحمد عن أبى بكر الحنفی: ثنا الضحاك بن عثمان، حدثنی بکیر بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار فذكره، أبو بكر الحنفى من رجال الجماعة ثقة، واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، والضحاك بن عثمان من رجال مسلم والأربعة صدوق بهم، والباقون لا يسأل عنهم فالإسناد صحيح والحديث أخرجه مسلم فى "صحيحه" بهذا السند مختصراً، كما سيأتى. الفرق بين الصك والبرنامجه: وقد ترجم الصكاك بعض الأحباب بالهندية "بيجك"، وليس كذلك، وإنما الصك هو الورقة المكتوبة بدين، والمراد ههنا الورقة التى تخرج من ذوى الأمر برزق من الطعام، ونحوه المستحقة بأن يكتب فيها لفلان كذا من الطعام وغيره، كذا فى حاشية "الموطأ" لمالك ولمحمد، ومثله فى "مجمع البحار" عن "النهاية" (٢٥٦). ٢٤٩ ج - ١٤ تتمة باب بيع الصكوك ٤٧٠٧- مالك: أنه بلغه "أن صكو كا خرجت للناس فى زمان مروان بن الحكم من طعام الجار(١) فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن وأما بيجك فهى البرنامجه(٢) قال محمد: قال أبو حنيفة فى الرجل يقدم له أصناف من البز، فيحضره السوام ويقرأ عليهم بارنامجه ويقول: فى كل عدل كذا وكذا ملحقه مصرية، وكذا وكذا ريطة سابرية، ذرعها كذا وكذا، ويسمى أصناف البز لهم بأجناسه، فيقول: اشتروا منى على هذه الصفة، فيشترون الأعدال على ما وصف لهم، فيفتحونها فيستعملونها ويندمون، إن لهم أن يردوا لأنهم اشتروا ولم يكونا رأوا ما اشتروا، ومن اشترى شيئا ولم يره فهو بالخيار، إذا رآه إن شاء تركه، وقال أهل المدينة: ذلك لازم لهم إذا كان موافقا للبارنامجه الذى باعهم عليه. قال محمد بن الحسن: الحديث المعروف الذى لا يشك فيه عن النبى معَّ ◌ُّه وعليه أمور المسلمين إلى يومهم هذا فى الآفاق، أن رسول الله عَّ له قال: ((ومن اشترى شيئا ولم يره فهو بالخيار، إذا رآه))، وقال أهل المدينة: إذا وجد موافقا للبارنامجه جاز عليه إن ما يجده موافقا للبارنامجه (هو) التسمية، وليس أن يعرفه بالصفة كما يعرفه إذا رآه، فهذا لا يكون أبدا، ربما وصف الرجل الثوبين بصفة واحدة، والذى بينهما مختلف أن الصفة لا تغنى شيئا حتى يرى، فإذا رأى، فهو بالخيار، وبذلك جاءت الآثار، وعليه أمر الناس عامة اهـ ملخصًا (٢٣٦). قلت: هذا إذا كان البائع قد قبض الأشياء الكتوبة فى البارنامجه، وأما إذا لم تكن وصلت إليه، وإنما وصل إليه البارنامجه وحده، فباعها من السوام على الصفة الى هى مكتوبة فى بارنامجه، فهو من بيع المبيع قبل القبض، ويجرى فيه الخلاف الذى ذكرناه فيما مضى، وأما بيع الصك، فسنذ کر مذاهب العلماء فیه. تتمة باب بيع الصكوك قوله: "مالك أنه بلغه إلخ"، قال محشى "الموطأ": وفى الأثر دليل على أن المشترى ممن خرج له الصك لو باعه ثانيا قبل أن يقبضه لا يجوز، فالنهى واقع عن البيع الثانى دون الأصل، لأن (١) أى من قوت طعام الجار بالجيم موضع بساحل البحر. (٢) قال محشى "الحجج": برنامجه من مصطلحات التجار، بأنهم إذا أرسلوا صندوقا أو عدلا أو نحوه فيكتبون ما فيها مع اسمه وثمنه ووزنه وعده وسعره، وما يجب اطلاعه للمشترى، ليعلم قبل انفتاحه بما فيه، يسمى فى ديارنا بيجك. ٢٥٠ تتمة باب بيع الصكوك إعلاء السنن ثابت ورجل من أصحاب النبي عّ لّر على مروان بن الحكم، فقالا: أتحل بيع الربا يا مروان؟ فقال: أعوذ بالله، وما ذاك؟ فقالا: هذه الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها قبل أن الذى له خرجت له الصك مالك ملكا مستقرا، وليس هو بمشترٍ، فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيع ما ورثه قبل قبضه، وما فى مسلم عن أبى هريرة أنه قال لمروان: "أحللت بيع الصكاك، وقد نهى النبى ◌ِّ عن بيع الطعام حتى يستوفى؟" محمول على ذلك، وإن كان ظاهره النهى عن البيع الأول، ومنهم من منع بيع الصك أول مرة أخذا بظاهر حديث أبى هريرة، قال النووى: والأصح عندنا جواز بيعها وهو قول مالك اهـ. قلت: هذا الكلام كأنه مأخوذ من النووى فى شرح مسلم له، ولفظ مسلم فى "صحيحه" من طريق الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبى هريرة، أنه قال لمروان: "أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت، فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك، وقد نهى رسول الله م ◌ُله عن بيع الطعام حتى يستوفى، فخطب مروان الناس فنهى عن بيعها، قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدى الناس" اهـ (٥:٢). والظاهر المتبادر منه أن أبا هريرة جعل بيع الصكاك نفسها من الربا، وهو الذى خطب مروان للناس بالنهى عنه، وهو الذى فهمه منه محمد بن الحسن الإمام، حيث قال فى "موطئه" بعد ما أخرج من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن جميل المؤذن أثر سعيد بن المسيب المذكور فى المتن: "لا ينبغى للرجل إذا كان له دين، أو يبيعه حتى يستوفيه، لأنه غرر فلا يدرى أ يخرج، أم لا يخرج، وهو قول أبى حنيفة" اهـ (٣٥٣)، فجعل بيع الأرزاق من بيع الدين من غير من عليه الدین وهو غير جائز. الفرق بين بيع الصكوك وبيع الأرزاق: ويعكر عليه أن زيد بن ثابت كان ممن قد أنكر بيع الصكوك، ومع ذلك كان يقول بجواز بيع الأرزاق التى يخرجها السلطان قبل قبضها، وهذا يؤيد قول من قال بجواز البيع الأول دون الثانى، ولفظ مالك فى الموطأ: هذه الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها، يفيد جواز بيع الصك، والذى أنكروه إنما هو بيع مشترى الصك ما فيه قبل أن يستوفيه، وهو الذى أخذ به الشعبی حيث لم يكن يرى بأسا ببيع الرزق، ويقول: لا يبيعه الذى اشتراه حتى يقبضه، وكذلك عمر رضى الله عنه لم ينكر على حكيم بن حزام ابتياع الرزق، وإنما أنكر عليه بيعه قبل أن يستوفيه. ج - ١٤ تتمة باب بيع الصكوك ٢٥١ يستوفوها، فبعث مروان الحرس ينزعونها من أيدى الناس ويرددونها إلى أهلها" ، كذا فى "الموطأ" (٢٦٤)، ولا يخفى أن بلاغات مالك حجة عند القوم، وقد وصله أحمد، كما مر. والجواب: أن بيع الصك غير بيع الرزق، ومن ادعى الاتحاد فقد أخطأ خطأ مبينا، ألا ترى أن الشعبى قائل بجواز بيع الرزق قبل قبضه، ولا يقول بجواز بيع الصك، فقد أخرج ابن حزم فى "المحلى" من طريق وكيع: نا زكريا بن أبى زائدة، قال: سئل الشعبى عمن اشترى صكا فيه ثلاثة دنانير بثوب؟ قال: لا يصلح، قال وكيع: وحدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبى السفر، عن الشعبى قال: "هو غرر" (٦:٩). قال النووى فى "شرح المهذب" له: قال الرافعى رحمه الله: ووراء ما ذكرناه صور إذا تأملتها عرفت من أى ضرب هى، فمنها ما حكى صاحب "التلخيص" عن نص الشافعى رحمه الله أن الأرزاق التى يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض، فمن الأصحاب من قال: إذا أفرزه السلطان فتكون يد السلطان فى الحفظ يد المفرز له، ويكفى ذلك لصحة البيع، ومن الأصحاب من لم يكتف بذلك، وحمل النص على ما إذا وكل وكيلا فى قبضه، فقبضه الوكيل، ثم باعه الموكل، وإلا فهو بيع شىء غير مملوك، وبهذا قطع القفال، قال النووى: والأول: أصح وأقرب إلى النص (أى نص الشافعى)، وقول الرافعى: وبه "قطع القفال" يعنى بعدم الاكتفاء لا بالتأويل المذكور، قال: ومراد الشافعى بالرزق الغنيمة، ولم يذكر غيره، ودليل ما قاله أولا، وهو الأصح أن هذا القدر من المخالفة للقاعدة احتمل للمصلحة والرفق بالجند لمسيس الحاجة، وممن قطع بصحة بيع الأرزاق التى أخرجها السلطان قبل قبضها المتولى وآخرون، وروى البيهقى فيه آثار الصحابة مصرحة بالجواز، قال المتولى: وهكذا غلة الوقف إذا حصلت لأقوام وعرف كل قوم قدر حقه فباعه قبل قبضه صح بيعه كرزق الأجناد، قال الرافعى: ومنها بيع أحد الغانمين نصيبه من الغنيمة على الإشاعة قبل القبض، وهو صحيح إذا كان معلوما (كما إذا كانوا خمسة فلكل واحد منهم الخمس)، وفى حكمنا بثبوت الملك فى الغنيمة، وفيما يملكها به خلاف مذكور فى بابه اهـ (٢٦٧:٩-٢٦٨). وفى "الدر المختار" مع "الشامية": بيع البراءات التى يكتبها الديوان على العمال لا يصح بخلاف حظوظ الأئمة، لأن مال الوقف قائم ثمه ولا كذلك هنا، أشباه وقنية (البراءات جمع براءة وهى الأوراق التى يكتبها كتاب الديوان على العاملين على البلاد بحظ كعطاء، أو على الأكارين ٢٥٢ تتمة باب بيع الصكوك إعلاء السنن ٤٧٠٨- مالك عن يحيى بن سعيد، أنه سمع جميل بن عبد الرحمن المؤذن يقول لسعيد بن المسيب: إنى رجل أبتاع من الأرزاق التى يعطى الناس بالجار ما شاء الله، ثم أريد أن أبيع الطعام المضمون على إلى أجل، فقاله سعيد: أتريد أن توفيهم من تلك الأرزاق التى ابتعتها؟ فقال: نعم، فنهاه عن ذلك"، كذا فى "الموطأ" أيضا (٢٦٥). بقدر ما عليهم، وسميت براءة لأنه يبرأ بدفع ما فيها، وحظوظ الأئمة بالحاء المهملة والظاء المشالة جمع حظ بمعنى النصيب المرتب له من الوقف أى فإنه يجوز بيعه، وهذا مخالف لما فى "الصيرفية"، فإن مؤلفها سئل عن بيع الحظ، فأجاب لا يجوز. قلت: وعبارة "الصيرفية" هكذا: سئل عن بيع الحظ قال: لا يجوز فإنه لا يخلو: إما أن باع ما فيه، أو عين الحظ، لا وجه للأول، لأنه بيع ما ليس عنده، ولا وجه للثانى لأن هذا القدر من الكاغذ ليس متقوما، بخلاف البراءة لأن هذه الكاغذة متقومة اهـ، وهذا لا يخالف ما ذكره الشارح لأن المراد بحظوظ الأئمة ما كان قائمًا فى يد المتولى من نحو خبز أو حنطة قد استحقه الإمام، وكلام "الصيرفية" فيما ليس بموجود، شامى) ومفاده أنه يجوز للمستحق بيع خبزه قبل قبضه من المشرف (الذى يتولى قبض الخبز، شامى) بخلاف الجندى، بحر وتعقبه فى النهر (أى تعقب ما ذكره من مسألة بيع الاستجرار وما بعدها، حيث قال: أقول: الظاهر أن ما فى "القنية" ضعيف، لاتفاق كلمتهم على أن بيع المعدوم لا يصح وكذا غير المملوك، وحظ الإمام لا يملك قبل القبض فأنى يصح بيعه؟ ولا ينافى ذلك أنه لو مات يورث عنه، لأنه أجرة استجقها، ولا يلزم من الاستحقاق الملك (فالميراث ينبغى على الاستحقاق، والابيع يستدعى ملك البيع)، كما قالوا فى الغنيمة بعد إحرازها بدار الإسلام، فإنها حق تأكد بالإحراز، ولا يحصل الملك فيها للغانمين إلا بعد القسمة، والحق المتأكد يورث كحق الرهن والرد بالعيب، بخلاف الضعيف كالشفعة وخيار الشرط كما فى الفتح، وقدمنا أن معلوم الإمام له شبه الصلة وشبه الأجرة، والأرجح الثانى، وعليه يتحقق الإرث ولو قبل إحراز الناظر، ثم لا يخفى أنها لا تملك قبل القبض فلا يصح بيعها، شامى). وأفتى المصنف ببطلان بيع الجامكية لما فى "الأشباه": بيع الدين إنما يجوز من المديون (عبارة المصنف فى فتاواه: سئل عن بيع الجامكية وهو أن يكون لرجل جامكية فى بيت المال، ويحتاج إلى دراهم معجلة قبل أن يخرج الجامكية، فيقول له رجل: بعنى جامكيتك التى قدرها كذا بكذا أ نقص من حقه فى الجامكية فيقول له: بعتك، فهل البيع المذكور صحيح أم لا، لكونه بیع الدین بنقد؟ ج - ١٤ تتمة باب بيع الصكوك ٢٥٣ ٤٧٠٩- وأخرج البيهقى من طريق سفيان عن معمر عن الزهرى عن ابن عمر وزيد بن ثابت: أنهما كانا لا يريان ببيع الرزق بأسا، وعن سفيان عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أنه لم يكن يرى بأسا بيع الرزق ويقول: لا يبيعه الذى اشتراه حتى يقبضه، قال البيهقى: وهذا هو المراد إن شاء الله بما روى فى ذلك عن عمر رضى الله عنه وسيأتى قلت: سكت عنه البيهقى وأقره عليه ابن التر كمانى فالحديث حسن أو صحيح. أجاب إذا باع الدين من غير من هو عليه، كما ذكر لا يصح، قال مولانا فى "فوائده": وبيع الدين لا يجوز، ولو باعه من المديون، أو وهبه جاز اهـ (شامى ١٩:٤-٢٠). بيع الصك والبراءة والجامكية والنوط: قلت: حاصله: أن بيع الصك، والبراءة، والجامکیة إنما لا يجوز لکونه من بيع الدین من غیر من هو عليه، ولا بد من كونه من باب البيع إذا أخذه الآخر بأنقص مما فيه أو بأزيد منه، وأما إذا أخذه بما فيه من غير زيادة أو نقصان فيمكن تصحيح العقد بجعله من باب الاستقراض والحوالة، كما هو المتعارف فى المعاملة بالنوط، فإن صاحب النوط يستقرض من آخر خمسة، أو عشرة، أو مائة، ويعطيه النوط بقدر ما أخذه، وليس معنى ذلك إلا أنه يحيله على الحكومة فى استيفاء حقه منها، هذا إذا كان الصك والبراءة والجامكية قد خرجت بالدراهم، أو الدنانير ونحوها من النقود، وأما إذا كانت خرجت بالطعام ونحوه، فإن كان السلطان قد أفرز الطعام، وسلمه للمتولی، أو المباشر، أو العريف، فلا يخفى أن هؤلاء وكلاء الذين خرجت الصكاك والجامكيات بأسماءهم، وقبض الوكيل قبض الموكل، فيجوز لصاحب الصك بيع ما فيه لكونه من بيع العين بعد الملك والقبض، لا من بيع الدين، وعليه يحمل ما فى "الأشباه" والقنية، ولا يصح ما تعقبه به فى "النهر"؛ لما ذكرنا. ويؤيد ما قلنا قول محمد فى "السير الكبير": ولو أن الأمير عزل الخمس وأعطاه المساكين، ولم يقسم الأخماس الأربعة، حتى أعتق رجل منهم جارية من الغنيمة أو استولدها لم يصح شىء من ذلك منه، لأن الملك لا يثبت بهذا القسمة للغانمين، وبدون الملك فى المحل لا يثبت الإعتاق والاستيلاد، وإن كان الأمير قسم الأخماس الأربعة بين العرفاء، وأهل الرايات، ثم أعتق بعضهم عبدا، فقد بينا أن عتقه ينفذ ههنا استحسانا، فيكون الحكم فيه كالحكم فى العبد المشترك بعتقه بعضهم، إلى أن قال: لأن الملك كان يثبت لهم بالقسمة بين الأشخاص، أو بين أهل الرايات، حتى ينفذ تصرفهم فيها اهـ (٣٠٠:٢-٣٠١)، ولما ثبت ملك الغزاة فى الغنيمة بتقسيمها بين ٢٥٤ تتمة باب بيع الصكوك إعلاء السنن ٤٧١٠- أخرج البيهقى من طريق مالك، عن نافع مولى عبد الله بن عمر: أن حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه فرد عليه، وقال: لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفیه"، سكت عنه البيهقى، وأقره علیه ابن التر كمانى، ولم يعله بشىء. قال البيهقى: "فحكيم كان قد اشتراه من صاحبه فنهاه عن بيعه حتى يستوفيه"، والحديث أخرجه محمد فى "الموطأ" عن نافع نحوه، وهذا سند صحيح. أصحاب الرايات والعرفاء، فثبوته فى عطاء بيت المال بعد تقسيمه كذلك أولى، لأن عطاء إنما يكون من الفىء، وهو فى حكم غلة الوقف، بل فوقها، فمن له حق فى بيت المال إذا ظفر بماله وجه لبيت المال فله أن يتملكه ويأخذه ديانة، كما فى "الشامية" (٣٧٤:٣)، ولا شك أن صاحب الصك من المستحقين، فهو مالك لما فيه، بقى أن ثبوت الملك لا يستلزم وجود القبض، فإن لم يكن من بيع ما لم يملكه، فهو من بيع ما لم يقبض، ولا يبعد أن يقال: إن قبض الوكيل قبض الموكل، فلم يكن من بيع ما لم يقبض، قال الشامى: وينبغى أن تكون الغلة بعد قبض الناظر ملكا للمستحقين، وإن لم تقسم حيث كانوا مائة (١) فأقل قياسا على الغنيمة إذا قسمت على الرايات قبل أن تقسم على الرؤوس، فقد مر قريبًا أنها تملك للشركة الخاصة. فالحاصل: أن غلة الوقف بعد ظهورها تورث، لأنه تأكد فيها حق المستحقين، وبعد إحرازها بيد الناظر صارت ملكا لهم، وهى فى يده أمانة لهم يضمنها إذا استهلكها، وإذا كانت حنطة، أو نحوها يصح شراء الناظر حصة أحدهم منها، هذا ما ظهر لى، ويؤيده ما سيأتى فى الحوالة، إن شاء الله تعالى عن "البحر"، حيث جعل الحوالة على الناظر من المستحق كالحوالة على المودع، والله سبحانه أعلم (٣٥٨:٣)، فتراه قد صحح بيع حصة أحدهم من غلة الوقف إذا كانت بيد الناظر، وما ذلك إلا لكون قبضه لقبضهم، والنهى عن بيع ما لم يقبض لم يفرق بين البيع بين البيع من الناظر، ومن غيره، فافهم، وإن لم يكن السلطان أفرز الطعام، أو أفرزه ولم يسلمه للعرفاء ونحوهم، فلا يجوز لصاحب الصك والجامکیة بیع ما فيها. وإذا تقرر ذلك فما رواه البيهقى عن ابن عمر وزيد بن ثابت: "أنهما كانا لا يريان ببيع (١) قدروا الشركة الخاصة بما لا تكون بين أزيد من المائة، والحق بأن مبناها على العزف، والأولى تفويضه للإمام كما فيه أيضاً (٣٥٦:٣). ج - ١٤ ٢٥٥ باب استبدال الثمن ٤٧١١- عن ابن عمر قال: أتيت النبى معَّه فقلت: إنى أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر الرزق بأسا" ، محمول عندنا على بيعه بعد ما أفرزه السلطان، وسلمه إلى العرفاء ونحوهم، وكذا ما رواه مالك عن نافع: "أن حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر بن الخطاب للناس" أى بعد ما أفرزه وسلمه إلى العرفاء والناظرين، وكذا ما رواه مالك أيضًا: "أن صكوكا خرجت للناس فى زمان مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم"، أى بعد ما أفرز الطعام وسلمه إلى القاسمين، وإلا فظاهر ما فى مسلم يدل على إنكار أبى هريرة بيع الصكوك أول مرة، وكذا النهى عن بيع الطعام ما لم يقبض يقتضى حرمة بيعها، والله تعالى أعلم. وأما بيع الغنيمة فقد قدمنا فى " كتاب السير" عن رويفع بن ثابت أن رسول الله عّ لّه قال يوم حنين: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتاع مغنما حتى يقسم))، الحديث، رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان. وفى "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب وهو ثقة، وعن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله عَ ظُّه يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم)، الحديث، رواه الحاكم وصححه على شرطهما، وأقره عليه الذهبى (١٣٧:٢). قال المحقق فى "الفتح": وهذا فى بيع الغزاة ظاهر (لأنهم لا يملكونها قبل القسمة)، وأما بيع الإمام لها فذكر الطحاوى أنه يصح اهـ (٥: ٢٢٧)، وفى "شرح السير الكبير": لأن حق الغانمين فى المالية دون العين، ألا ترى أن له أن يبيع الكل ويقسم الثمن بينهم؟ اهـ (٢٨٥:٢). والآثار التى ذكرناها حجة على الشافعى حيث قال بجواز بيع الغنيمة قبل القسمة، إلا أن أصحابه حملوا كلامه على ما إذا أفرز السلطان الغنيمة، وعندنا لا يصح بنفس الإفراز، بل بالقسمة على أصحاب الرايات أو على الرؤوس، فاغتنم هذا التحرير، وكن من الشاكرين، والحمد لله رب العالمين. قوله: "إنى أبيع الإبل"، أقول: تأويل الحديث عندنا أنه إذا ذكر فى الثمن الدينار أو الدرهم، ويكون المقصود تقدير المقدار الخاص من المال لا خصوصية الدينار أو الدرهم، فلا بد فى الاستبدال من رعاية سعر ذلك اليوم، لئلا يزيد على المقدار المقرر المعين بينهما أو ينقص منه، وإن كان المقصود من ذكر الدرهم أو الدينار خصوصية المذكور، ثم شاء أن يستبدله بالآخر على وجه البيع الجديد فلا حاجة إلى رعاية سعر ذلك اليوم، بل يجوز بأقل وأكثر ومساوٍ، لقوله عليه السلام: ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم))، فلا يرد على أبى حنيفة أنه خالف الحديث حيث أجاز ٢٥٦ استبدال الثمن إعلاء السنن يومها ما لم تفرقا وبينكما شىء رواه الخمسة صححه الحاكم (نيل الأوطار ١٦:٥-١٧). الاستبدال بأقل وأكثر ومسارٍ بسعر ذلك اليوم، وفى الحديث أنه لا بأس أن تأخذ بسعر ذلك اليوم، وقال فى "عون المعبود" التقييد بسعر ذلك اليوم على طريق الاستحباب، قاله فى "فتح الودود" و "عون المعبود" (٢٥٦:٣). قال العبد الضعيف: والأولى ما قاله فى "المبسوط": جوز الاستبدال بالثمن، ولكن بشرط أن يرضى به صاحب الحق (٩:١٤)، فلما كان قول ابن عمر: أبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وبالعكس، مظنة أن يفعل ذلك بدون رضا صاحبه قيده عَّ له برضاه، فقوله: ((لا بأس أن تأخذ بسعر يومها)) كناية عن رضا صاحبه، لأن الظاهر أنه لا يرضى بخلاف السعر، فافهم. ١٢ ظ قوله: "صححه الحاكم"، أقول: وسكنت عليه أبو داود، وقال بعضهم: وروى موقوفا على ابن عمر، والموقوف أصح، ولا دليل عليه إذا لا تعارض بين الوقف والإسناد حتى يرجح الوقف، فإن الراوى قد يروى الحديث موقوفا مرة، وأخرى مسندا، كما هو معلوم عند أهل الفن. قال العبد الضعيف: قال النووى فى "شرح المهذب": حديث ابن عمر صحيح، رواه أبو داود، والترمذى، وآخرون بأسانيد صحيحة عن سماك بن حرب، عن سعيد، عن ابن عمر، قال الترمذى وغيره: لم يرفعه غير سماك، وذكر البيهقى فى "معرفة السنن والآثار": أن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر. قلت: وهذا لا يقدح فى رفعه، وقدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلا، وبعضهم متصلا، وبعضهم موقوفا، أو مرفوعا، كان محكوما عليه برفعه ووصله على المذهب الصحيح الذى قاله الفقهاء والأصوليون، ومحققو المحدثين من المتقدمين والمتأخرين اهـ (٢٧٣:٩). والحديث المذكور حجة على من كره اشتراء شىء بالثمن قبل القبض، كسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وغيرهما، قال محمد فى "الموطأ": ذكر هذا القول (أى قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار) لسعيد بن جبير فلم يره شيئا، وقال: لا بأس به، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا (٣٣٣)، ثم هذا الحكم فى غير الصرف، وأما الصرف فلا يجوز فيه الاستبدال قبل القبض، لأن الثمن هناك غير متعين، لأن كل واحد منهما مبيع وثمن، فيلزم استبدال المبيع قبل القبض، وهو لا يجوز، ثم القبض هناك واجب بالنص، كما سيأتى، وبالاستبدال يفوت هذا القبض فلا يجوز. جواز بيع الدین ممن هو عليه: قال العبد الضعيف: وفى الحديث دلالة على جواز بيع الدين ممن هو عليه، قال صاحب ج - ١٤ استبدال الثمن ٢٥٧ "البدائع": أما بيع الدين قبل القبض فنقول، وبالله التوفيق: الديون أنواع: منها: ما لا يجوز بيعه قبل القبض، ومنها: ما يجوز. أما الذى لا يجوز بيعه قبل القبض فنحو رأس مال السلم لعموم النهى، ولأن تبضه فى المجلس شرط، (سيأتى دليل كل ذلك فى باب المسلم)، وبالبيع يفوت القبض حقيقة، وكذا المسلم فيه لأنه مبيع لم يقبض، وكذا لو باع رأس مال السلم بعد الإقالة قبل القبض لا يجوز استحسانا، والقیاس أنه يجوز، وهو قول زفر، وجه الاستحسان عموم النهی الذی روینا، وفى الباب نص خاص، روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبي ◌ّ أنه قال لرب السلم: ((لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك)) (مر تخريجه فى باب الإقالة، فليراجع)، نهى النبى معدّ لآه رب السلم عن الأخذ عاما، واستثنى أخذ السلم أو رأس المال، فبقى أخذ ما ورائهما على أصل النهى. وأما بدل الصرف فلا يجوز بيعه قبل القبض فى الابتداء، وهو حال بقاء العقد، ويجوز فى الانتهاء، وهو ما بعد الإقالة بخلاف رأس مال السلم، فإنه لا يجوز بيعه فى الحالين، وجه الفرق أن القياس جواز الاستبدال بعد الإقالة فى الأثمان جميعًا إلا أن الحرمة فى باب السلم ثبتت بخلاف القياس، وهو ما روينا، فبقى جواز الاستبدال بعد الإقالة فى الصرف على الأصل، وكذا الثياب الموصوفة فى الذمة المؤجلة لا يجوز بيعها قبل القبض، سواء كان ثبوتها فى الذمة بعقد السلم، أو غيره، كمن آجر داره بثوب موصوف فى الذمة جازت الإجارة، ولا يكون سلما، ولا يجوز الاستبدال به كما لا يجوز بالمسلم فيه، (لأن العين الموصوفة فى الذمة لها شبه بالمبيع، ولا يجوز الاستبدال به، كما لا يجوز بالمسلم فيه، (لأن العين الموصوفة فى الذمة لها شبه بالمبيع، ولا يجوز المبيع قبل القبض، وما سواها من ثمن المبيع، والقرض، وقيمة المغصوب، والمستهلك ونحوها، فيجوز بيعها ممن عليه قبل القبض، وقال الشافعى رحمه الله ثمن المبيع إذا كان عينا لا يجوز بيعها قبل القبض قولا واحدا، وإن كان دينا لا يجوز فى أحد قوليه أيضًا، بناءً على أن الثمن والمثمن عنده من الأسماء المترادفة يقعان على مسمى واحد، فكان كل واحد منهما مبيعًا، فكان بيع المبيع قبل القبض، وكذا النهى عن بيع ما لم يقبض عام لا يفصل بين المبيع والثمن، وأما على أصلنا فالمبيع والثمن من الأسماء المتباينة فى الأصل، يقعان على معنيين متباينين على ما نذكر، إن شاء الله تعالى فى موضعه، ولا حجة فى عموم النهى لأن بيع ثمن المبيع ممن عليه صار مخصوصا بحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما على ما نذكر هـ (١٨٢:٥). وفيه أيضًا: لا يجوز التصرف فى المبيع المنقول قبل القبض بالإجماع، وفى العقار اختلاف، ٢٥٨ استبدال الثمن إعلاء السنن .. ويجوز التصرف فى الأثمان قبل القبض إلا الصرف والسلم، وقال الشافعى رحمه الله: إن كان الثمن عينا لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، وهذا على أصله مستقيم، لأن الثمن والمبيع عنده من الأسماء المترادفة، فكان كل واحد منهما مبيعا، ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض، وإِن كان دينا فله فيه قولان: فى قول لا يجوز أيضًا لما روى عنه عَّه أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، فيتناول العين : والدين، ولنا ما روى عن عبد الله بن سيدنا عمر رضى الله عنها - فذكر حديث المتن- وقال: فهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن المبيع، ولأن قبض الدين بقبض العين، لأن قبض نفس الدين لا يتصور، لأنه عبارة عن مال حكمى فى الذمة، أو عبارة عن الفعل، وكل ذلك لا يتصور فيه قبضه حقيقة، فكان قبضه بقبض بدله، فيلتقيان قصاصا، هذا هو طريق قبض الدين، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما عليه أو من خلاف جنسه، لأن المقاصة إنما تتحقق بالمعنى وهو المالية، والأموال كلها فى معنى المالية جنس واحد. وبه تبين أن المراد من الحديث العين لا الدين، لأن النهى عن بيع ما لم يقبض يقتضى أن يكون المبيع شيئا يحتمل القبض، ونفس الدين لا يحتمل القبض على ما بينا، (قلت: ولأبى حنيفة أن يخص الحديث بالمنقول بهذا الدليل بعينه، قال فى حاشية "الموطأ" عن "المحلى": وتمسك أبو حنيفة بقوله: ((حتى يستوفيه)) وما لا ينتقل تعذر استيفاؤه اهـ (٢٦٥). فالمراد من الحديث العين المنقولة لا الدين، ولا العين غير المنقولة، فافهم) بخلاف السلم والصرف، أما الصرف فلأن كل واحد من بدلیه مبيع من وجه وثمن من وجه، (لما سيأتى)، ومن حيث هو بيع لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، فرجحنا جانب الحرمة احتياطا، وأما المسلم فيه فهو مبيع بالنص، والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض لا يجوز، ورأس المال الحق بالمبيع العين فى حق حرمة الاستبدال شرعًا (بالنص وهو حديث أبى سعيد الذى مر ذكره)، فمن ادعى الإلحاق فى سائر الأموال فعليه الدليل، وكذا يجوز التصرف فى القرض قبل القبض، وذكر الطحاوى رحمه الله أنه لا يجوز، وفرق بين القرض وسائر الديون بأن الإقراض إعارة لا مبادلة، والحق أنه مبادلة حقيقة، ولهذا اختص جوازه بما له مثل من المكيل والموزون والعددى المتقارب، دل أن الواجب على المستقرض تسليم مثل ما استقرض لا تسليم عينه، إلا أنه أقيم تسليم المثل فيه مقام تسليم العين، فأشبه دين الاستهلاك وغيره، والله أعلم اهـ ملخصًا (٢٣٤). لا یقال: إِن بیع الدین ممن هو علیہ بیع بعین، فینبغی ان لا یجوز ولکنه جائز، کمن له علی ج - ١٤ استبدال الثمن ٢٥٩ آخر عشرة دراهم، فباعه دينارا بعشرة دراهم ودفع الدينار، وتقاصا العشرة بالعشرة، ولكنه جاز، كما فى "الهداية" (٩٢:٣). والجواب أن عقد الصرف على وجه المقاصة جائز، لأن قبض البدلين إنما يكون شرطًا احترازا عن الربا، فإنه إذا كان أحدهما مقبوضا، والآخر غیر مقبوض، وافترقا یکون بیع عین بدین، والعين خير من الدين، لأن الدين مما يقع فيه الخطر فى عاقبته، ولا كذلك فى المقاصة، فإنه لا خطر فى دين يسقط، فلا ربا بينه وبين المقبوض فى المجلس، كذا فى حاشية "الهداية" (٩٢:٣)، وروى. عبد الرزاق: نا ابن جريج، نا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله یسأل عمن له دین فابتاع به غلاما قال: لا بأس، قال: وحدثنا معمر عن رجل من قريش أن عمر بن عبد العزيز قضى فى مكاتب اشترى ما عليه بعرض، فجعل المكاتب أولى بنفسه، ثم قال: إن رسول الله مَّ له قال: من ابتاع دينا على رجل فصاحب الدين أولى إذا أدى مثل الذى أدى صاحبه، كذا فى "المحلى" (٦:٩)، وهذا کما تری إسناد منقطع، ولكنه تأید بفتوى جابر، ودلالته على جواز بيع الدين ممن هو عليه ظاهرة. واحتج الموفق فى "المغنى" بحديث ابن عمر هذا على أن ما ليس بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه، فقال: ولنا ما روى ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فذكره. وقال: وهذا تصرف فى الثمن قبل قبضه، وهو أحد العوضين اهـ (٤: ٢٢١)، قلنا: قياس المبيع على الثمن باطل؛ لكونهما متباينين عندنا، كما قاله صاحب "البدائع"، فلا يلزم من جواز التصرف فى الثمن قبل القبض جوز التصرف فى المبيع قبله، فافهم. قال: وروى ابن عمر: ((أنه كان على بكر صعب يعنى لعمر، فقال النبى معَّ لعمر: بعينه، فقال: هو لك يا رسول الله! فقال النبى معَّه: هو لك يا عبد الله ابن عمر فاصنع به ما شئت))، وهذا ظاهره التصرف فى المبيع بالهبة قبل قبضه، واشترى من جابر جملة ونقده ثمنه ثم وهبه إياه قبل قبضه اهـ، وقد مر الجواب عن حديث ابن عمر، فتذكر، وحاصله: جواز التصرف فى المبيع بالهبة والصدقة قبل القبض عند محمد لكونهما لا تتمان بدون القبض، فيكون الموهوب له، والمتصدق عليه وكيلا عن الواهب فى قبضه، وعند أبى يوسف لا يجوز التصرف بالهبة والصدقة أيضًا كالبيع، ولكن القبض قد حصل بالتخلية. وأما حديث جابر فقد ورد فى بعض طرقه ما يدل على القبض صريحا، روى البخارى فى "كتاب الجهاد" من طريق أبى المتوكل عن جابر: ((فلما قدم رسول الله عَّ له المدينة غدوت إليه بالبعير، فدخلت يعنى المسجد إليه وعقلت الجمل، فقلت: هذا جملك، فخرج فجعل يطيف ٢٦٠ إعلاء السنن أبواب بيوع الربا الربا فى كل ما يكال ويوزن وأن الجيد والردىء فى الربویات سواء ٤٧١٢- عن أبى سعيد الخدرى مرفوعا: ((التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب الفضة بالفضة يدا بيد عينا بعين مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا)). ثم قال: وكذلك ما يكال ويوزن أيضا، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" بالجمل، ويقول: جملنا، فبعث إلى أواق من ذهب، ثم قال: استوفيت الثمن؟ قلت: نعم))، ولفظ زكريا عن عامر عن جابر: "فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدنى ثمنه، ثم انصرفت فأرسل على إثرى قال: ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك". وفى رواية مغيرة عن الشعبى: ((فأعطانى ثمن الجمل، والجمل وسهمى مع القوم)) اهـ، من "فتح البارى" (٢٣١:٥)، فقوله: ((فخرج فجعل يطيف بالجمل، ويقول: جملنا إلخ)) صريح فى القبض، وبالجملة: فالتصرف فى البيع المنقول بالبيع قبل القبض لا يجوز، وهو جائز فى الثمن، والله تعالى أعلم. ظ باب الربا فى كل ما يكال ويوزن، وأن الجيد والردىء فى الربويات سواء قوله: "عن أبى سعيد الخدرى"، أقول: صححه الحاكم، وتعقبه الذهبى فى "تلخيص المستدرك"، وقال: حیان فیه ضعف وليس بحجة، وقال البيهقى: تكلموا فيه، وذكره ابن عدی فی الضعفاء، ولكن قال فى الجوهر النقى (٦:٢)، حيان هذا ذكره ابن حبان فى الثقات من أتباع التابعين، وقال الذهبى: فى الضعفاء جائز الحديث، وقال عبد الحق فى "أحكامه" : قال أبو بكر البزار: حبان رجل من أهل البصرة مشهور ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حجر فی "اللسان :: قال إسحاق بن راهويه: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حبان بن عبيد الله، و کان رجل صدق، فثبت أن الرجل مختلف فيه، فلا يسقط حديثه عن درجة الحسن، وهو حجة لا سيما إذا تأيد ما رواه بما روى عنه فى الصحيحين أنه قال: ((وكذلك الميزان))، وبما روى الحسين عن عبادة وأنس، عند الدارقطنى والبزار، بسند فيه الربيع بن صبيح وهو مختلف فيه، وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، فهو حسن، وبه يسقط ما قال البيهقى، إن الأشبه فى قوله: ((وكذلك الميزان)) من قول أبى سعيد، لأن رواية الحسن عن عبادة وأنس صريح فى أنه من قول رسول الله مرّ له.