Indexed OCR Text

Pages 181-200

ج - ١٤
النهى عن بیعتین فی بيعة
١٨١
.
٤٦٧٥- وعن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال:
نهى النبى عٍَّ عن صفقتين فى صفقة))، رواه أحمد، وقال فى "مجمع الزوائد": رجاله
على الإبهام، أما لو قال: قبلت بألف نقد أو بألفين بالنسيئة صح ذلك، ووجه الفساد فى الأول
جهالة الثمن، وقد فسر الشافعى بذلك بتفسير آخر، هو أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن
تبيعنى دارك بكذا، أى إذا وجب لك عندى وجب لى عندك، ووجه الفساد فى هذه الصورة هو
تعليق البیع على الخطر.
وأخرج "أبو داود" عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عّ لّهِ: ((من باع بيعتين فى بيعة، فله
أو کسهما أو الربا)» وفى إسناده محمد بن عمرو بن علقمة، وقد تكلم فيه غیر واحد، وقد تفرد به،
وأيضًا: هو مخالف لما هو المشهور عنه، وهو: ((أنه نهى عن بيعتين فى بيعة)) فإنه يدل على فساد
البيع بخلاف ما رواه عنه "أبو داود"، فإنه يدل على جوازه بأوكس الثمنین فلا يحتج بما تفرد به،
بل المقبول من حديثه ما وافقه عليه غيره، ولو سلم أنها صالحة للاحتجاج، فتفسيره غير متعين، لأنه
يحتمل أن يكون معناه ما قال سماك: أن يبيع الرجل بنقد بكذا أو نسيئة بكذا، ويحتمل أن يكون
معناه ما قال ابن رسلان، وهو أن يسلف دينارا فى قفيز حنطة إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه
بالحنطة قال: بعنى القفيز الذى لك على بقفيزين إلى شهرين، فصار ذلك بيعتين فى بيعة، لأن البيع
الثانى قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول، ويحتمل أن يكون معناه ما قال
الأوزاعى: إنه لو باع الرجل سلعة نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، فلا ينبغى للمشترى أن يفارقه على
ذلك حتى يبانه بأحد البيعين للنهى عن بيعتين فى بيعة، وإن فارقه على الإبهام فهى بأقل الثمنين إلى
أبعد الأجلين، ويحتمل أن يكون معناه ما قال مولانا محمد يحيى حكاية عن شيخه: إن فى هذه
الصورة إن كان السلعة قائمة، فعليه الفسخ، وإلا فعليه القيمة، وهى أوكس من الثمن فى الغالب،
أو المثل إن كان مثليا، ولكن لا يساعده اللفظ، ويحتمل أن يكون معناه أن يقول البائع: بعتك هذا
بعشرة دراهم أو بأحد عشر درهما، ويقول الآخر: قبلت أحدهما، أو يقول البائع: بعتك هذا.
بعشرة دراهم وبأحد عشر، أى بثمنين: أحدهما: أقل، والآخر: أكثر من غير ترديد فى الثمنين،
ولا جمع بينهما، ويقول الآخر: قبلته بهما، وإذا كان الحديث محتملا لهذه الوجوه، ولم يكن
أحدها معينًا سقط الاحتجاج به ومن أجل ذلك قال الخطابي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال: بظاهر
هذا الحديث، وصحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيئا يحكى عن الأوزاعى، وهو مذهب فاسد،
وذلك لما يتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل.

١٨٢
النهى عن بيعتين فى بيعة
إعلاء السنن
ثقات، وسكت عنه ابن حجر فى "التلخيص" (نيل الأوطار ١٢:٥).
وقال الشوكانى: أما فى التفسير الذى ذكره أحمد عن سماك، وذكره الشافعى ففيه
نتمسك لمن قال: يحرم بيع الشىء بأكثر من سعر يومه لأجل النسا، وقد ذهب إلى ذلك زين
العابدين على بن الحسين، والناصر، والمنصور بالله، والهادويه، والإمام يحيى، وقالت الشافعية،
والحنفية، وزيد بن على، والمؤيد بالله، والجمهور: إنه يجوز لعموم الأدلة القاضية بجوازه وهو
الظاهر، لأن ذلك المتمسك هو الرواية الأولى من حديث أبى هريرة (يعنى من باع بيعتين فى بيعة،
فله أوكسهما أو الربا)، وقد عرفت ما فى راويها من المقال، ومع ذلك فالمشهور عنه اللفظ الذى
رواه غيره، وهو النهى عن بيعتين فى بيعة، ولا حجة فيه على المطلوب.
ولو سلمنا أن تلك الرواية التى تفرد بها ذلك الراوى صالحة للاحتجاج لكان احتمالها
لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان قادحا فى الاستدلال بها على المتنازع
فيه، على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة، وهى أن يقول نقدا
بكذا، ونسيئة بكذا، لا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه، مع أن
المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، والحديث لا يدل على ذلك، فالدليل أخص من
الدعوى اهـ (نيل الأوطار ١٣:٥).
أقول: لهم أن يقولوا: إن العلة فى النهى عن بيعتين فى بيعة بالتفسير المذكور هو جعل
بعض الثمن بمقابلة الأجل، وقوله: "نقدا بكذا" لا دخل له فى النهى، وإنما هو معرف لكون بعض
الثمن فى مقابلة الأجل، فإن علم هذا من وجه آخر يكون منهيا عنه، كما إذا باع شيئا نسيئة بأكثر
من سعر يومه، فلا يكون الدليل أخص من الدعوى، ولا يقدح فى الاحتجاج أيضًا ضعف
رواية أبى داود.
فالجواب الصحيح أن يمنع كون بعض الثمن فى الصورة المذكورة بمقابلة الأجل، ويقال: إن
كل الثمن بمقابلة المبيع إلا أنه فى صورة النقد قابله بثمن أقل، وفى صورة النسيئة بثمن أکثر، كما
إذا قال إن اشتريت اليوم أبيعك هذا بعشرة، وإن اشتريت غدا أبيعكه بأحد عشر، ولا شك أن
الزيادة ههنا ليس إلا فى مقابلة المبيع فكذا فيما نحن فيه، وإذ كان كذلك فعلة النهى جهالة الثمن
لا غیر، فتدبر.

١٨٣
ج - ١٤
باب النهى عن سلف وبيع والشر طين
فى بيع وربح ما لم يضمن وبيع ما ليس عنده
٤٦٧٦- عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله عليه: ((لا يحل سلف وبیع،
باب التهی عن سلف وبیع، والشر طین
فى بيع وربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عنده
قوله: "لا يحل سلف وبيع"، أقول: هذا نص على حرمة الجمع بين القرض والبيع فى عقد
واحد، مثل أن يقول: أسلفتك كذا درهما على أن تبيعنى دارك بكذا، أو يقول: بعتك دارى بكذا
على أن تسلفنى كذا، ويدخل فيه السلف بشرط الزيادة، لأنه سلف اجتمع بيعه بيع الأجل
بالدراهم فى عقد واحد، وبيع الأجل نفسه باطل، لأنه ليس بمال متقوم شرعًا، فكيف إذا اجتمع مع
السلف الذى يفسد به البيع الصحيح فى عقد واحد؟ وهذا الدخول بعبارة النص، إن جرى لفظ
البيع على إطلاقه، بحيث يكون شاملا للبيع الصحيح والفاسد والباطل، كما هو الظاهر، وبدلالته
إن أريد منه البيع الصحيح أو ما يكون فيه مبادلة المال بالمال، سواء كان صحيحا أو فاسدا.
وإن أنكر أحد دخلوه فى النص من حيث العبارة أو الدلالة، وأصر على أنه إلحاق لغير
المنصوص بالقياس وهو ظنى، ويقبل من المجتهد لا من غيره، أو لا يقبل من المجتهد، ولا من غيره.
يقال له: إن إنكار القياس مطلقًا مكابرة صريحة، فإنه يعرفه البله والصبيان، فإنه لو علم الصبى أن
المعلم ضرب صبيا على فعل، علم منه بالضرورة أنه لو فعل هو مثل ذلك، استحق الضرب،
ولو علم بدوى أن الحاكم حبس فلانا؛ لأنه شتم فلانا، يعلم منه أنه لو شمته أو ضربه هو يستحق
الحبس، وهل هذا إلا قياس المثل، أو على أشد منه؟ فإنكار القياس أصلا مكابرة للعقل جهارا،
ولا كلام مع المكابر والمعاند.
وأما قوله: "إن القياس لا يقبل إلا من المجتهد" فغير صحيح على إطلاقه، فإن القياس الذى
يعرفه البله والصبيان لا يحتاج(١) فيه إلى الاجتهاد كما ضربنا لك الأمثال، ومنه يعلم أن ليس كل
قياس ظنيا، لأن القياس الجلى يهتدى إليه البله والصبيان قطعى بالضرورة، وإنما الظنى هو القياس
(١) قلت: ولكن الحبيب نسى ما قدمت يداه ههنا. وقت ترجمته الجزء السابع والثامن من الإعلاء بالهندية، فكم من إيراد له على
المؤلف، وعلى جماعة الفقهاء بقوله: "إنهم لا حظ لهم فى القياس والاجتهاد"، ونسى أن القياس الذى يعرفه البله والصبيان
لا يحتاج إلى الاجتهاد ولم تكن قياساتهم إلا من هذا النوع، كما لا يخفى على من طالع الكتاب، والله أعلم بالصواب. ظـ

١٨٤
أقسام البيوع المنھی عنها
إعلاء السنن
ولا شرطان فى بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)). (أخرجه الخمسة إلا
ابن ماجة)، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح، وقال فى "النيل": وصححه ابن
خزيمة والحاكم.
الذى فيه خفاء، ويصح فيه المنازعة مع القائس من غير اتباع الهوى والمكابرة واللداد، وقياسنا من
قبيل الأول لا من قبيل الثانى، لأن من عرف أن رسول الله عّ لّي حرم جمع البيع الصحيح والفاسد
مع السلف فى عقد واحد، عرف بالضرورة أنه حرم جمع البيع الباطل معه بالأولى، ولا يحتاج فى
هذا العلم إلى الاجتهاد المطلق أو المقيد، كما يعلم استحقاق الحبس على الضرب بعد العلم
باستحقاقه على الشتم، وهذا أمر ضرورى لا ينكره إلا من هو ألد الخصام.
قوله: "ولا شرطان فى بيع"، أقول: هكذا رواه غير واحد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده عبد الله بن عمرو، وتفرد أبو حنيفة فرواه عنه بلفظ: ((نهى عن بيع وشرط))، واستغربه
النووى وابن أبى الفوارس كما فى "النيل" (٤٠:٥).
قال العبد الضعيف: ولا غرابة فيه، فإن حديث عمرو بن شعيب، ، عن أبيه، عن جده
بلفظ: ((ولا شرطان فى بيع))، إنما هو فى قصة عتاب بن أسيد، كما يظهر ذلك من طرقه عند
البيهقى فى "سننه"، فإنه رواه من طريق الأوزاعى: حدثنى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
((أن رسول الله عَّ أرسل عتاب بن أسيد إلى أهل مكة أن أبلغهم عنى أربع خصال: أن لا يصلح
شرطان فى بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لا يملك، ولا ربح ما لا يضمن)» (٥: ٣٤٠)، وحديث
عتاب رواه الإمام أبو حنيفة أيضًا هكذا بلفظ: ((فإنههم عن أربع خصال عن بيع ما لم يقبضوا
وعن ربح ما لم يضمنوا وعن شرطين فى بيع وعن سلف وبيع))، كما فى "الآثار" لمحمد (١٠٦)
عن أبى حنيفة عن يحيى بن عامر، عن رجل، عن عتاب، (والصحيح عن يحيى هو ابن عبيد الله
الحميرى، عن عامر الشعبى، عن رجل، قاله الشريف الحسينى فى "التذكرة"، كما فى "عقود
الجواهر " ٢٦:٢).
ورواه الحارثی من طریق بشر بن الوليد، وعلی بن معبد، كلاهما عن أبی یوسف، عنه، عن
أبى يعفور، عمن حدثه عن عبد الله بن عمرو، عن النبى معَّه: ((أنه بعث عتاب بن أسيد إلى مكة))
فذكره نحو لفظ محمد، كذا فى "عقود الجواهر" ٢٥:٢)، فقد رأيت أن الإمام قد وافق القوم فى
لفظ حدیث عبد الله بن عمرو فی قصة عتاب، ثم روی عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
مرفوعًا حديثا آخر بلفظ: ((نهى عن الشرط فى البيع))، وبلفظ: ((نهى عن بيع وشرط))، وهذا غير

١٨٥
ج - ١٤
باب فى تحريم النجش
٤٦٧٧- عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا تناجشوا))،. أخرجه
الترمذى، وقال: " حديث حسن صحيح".
الذى رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فى قصة عتاب، وليس من الغرابة ذكر الرجل ما
لم يذكره غيره، ولا روايته حديثا لم يروه غيره، إذا لم يخالف الثقات من أصحابه، وههنا كذلك،
فإن الإمام بعد ما وافق القوم فيما رووه تفرد عنهم بحديث آخر حدثه عمرو بن شعيب، ولا شك
فى كون الإمام ثقة كبير الشأن عظيم المرتبة، فلا يكون ما رواه مما لم يروه غيره غريبا، اللهم إلا أن
يراد بالغرابة تفرد الراوى بشىء مطلقًا دون ما خالف فيه الثقات، فافهم، وقد مر الكلام فى هذا
الحديث مستوفى فى "باب النهى عن الشرط فى البيع"، فتذكر.١٢ ظ
قوله: "ربح ما لم يضمن"، يعنى لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها، مثل أن يشترى
متاعًا ويبيعه من آخر قبل قبضه، فهذا البيع باطل، وربحه لا يجوز، لأن المبيع فى ضمان البائع
الأول، وليس فى ضمان المشترى منه لعدم القبض، وبسط الكلام فيه فى "باب النهى عن بيع
الطعام قبل القبض".
قوله: "ولا بيع ما ليس عندك"، أقول: الكلام فيه مذكور فى باب، قال العبد الضعيف:
وفى "الآثار" لمحمد بعد ما أخرج الحديث ما نصه: قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وأما قوله: ((سلف
وبيع))، فالرجل يقول للرجل: أبيعك عبدى هذا بكذا على أن تقرضنى كذا وكذا، أو يقول:
تقرضنى على أن أبيعك، فلا ينبغى هذا، وقوله: ((شرطين فى بيع))، فالرجل يبيع الشىء فى الحال
بألف درهم، وإلى شهر بألفين فيقع عقدة البيع على هذا، فهذا لا يجوز، (ولو اتفقا فى العقد على
أحد القولين صح لانتفاء الجهالة والغرر).
وأما قوله: ((ربح ما لم يضمنوا))، فالرجل يشترى الشىء فيبيعه قبل أن يقبضه بربح، فليس
ينبغى له ذلك، وكذلك لا ينبغى له أن يبيع شيئا اشتراه حتى يقبضه، وهذا كله قول أبى حنيفة إلا
فى خصلة واحدة العقار من الدور والأرضين، قال: لا بأس أن يبيعها الذى اشتراها قبل أن يقبضها؛
لأنها لا يتحول عن موضعها اهـ (١٠٦). قلت: وسيأتى دليل الإمام فى استثنائه العقار، فانتظر. ظ
باب فی تحريم النجش
قوله: "لا تناجشوا"، أقول: الحديث نص فى الباب، ومعنى النجش أن يزيد فى الثمن،
ولا يريد الشراء، أو يمدحه بما ليس فيه ليروجه، والنهى محمول على ما إذا كانت السلعة بلغت قيمتها،

١٨٦
تحريم النجش
إعلاء السنن
٤٦٧٨- وعن ابن عمر: ((أن رسول الله عَ لّه نهى عن النجش))، أخرجه مسلم.
أما إذا لم تبلغ لا يكره لانتفاء الخداع، وذكر القهستانى، وابن الكمال عن "شرح الطحاوى": أنه
فى هذه الصورة محمود، كذا فى "الدر المختار" و"رد المحتار"، وقال ابن همام فى "الفتح": "إن
الزيادة جائزة لما فيه نفع المسلم من غير إضرار بغيره إذا كان شراء الغير بالقيمة" انتهى بمعناه.
أقول: القيد ليس بمنقول عن الأئمة أصحاب المذهب، وإنما هو عمن بعدهم، والظاهر
الإطلاق، لأن بعد بلوغ الثمن قيمتها فلا كلام فى كون الزيادة ههنا عينا، وأما قبله فلأن فيه خداعا
وإضرار، أما الخداع فلأنه أظهر الشراء، وهو لا يريده، ولا خفاء فى كونه خداعا، وأما الإضرار
فلأن السلعة لما كانت محتملة الحصول للمشترى بأقل من القيمة على الوجه المشروع، ثم اشتراها
بالقيمة بسبب نجشه فكان الناجش أخذ الزائد من المشترى، وأعطاه البائع من غير رضاه، فيكون
هذا إضرار بالمشترى لا محالة، ولا يعتبر نفع البائع لأنه لم يكن مكرها على البيع بأقل من القيمة،
ولا مخدوعا من المشترى، بل كان مختارا فيه وراضيا بضرره باختياره، فنفى الخداع والضرر غير
صحيح فى هذه الصورة، فيكون منهيا عنه، فالصحيح هو الإطلاق، وهو ظاهر المذهب، وهو
الظاهر من النصوص، فتدبر فیه.
قال العبد الضعيف: هذا النظر قد سبقه إليه الحافظ فى "الفتح" كما سيأتى، وعجبًا من
الحبيب أنه رأى حديث ((الدين النصيحة)) معارضا لحديث النهى عن التلقى، وعن بيع الحاضر
للبادى، وجعل عموم النهى مخصوصا به، وذكر قول مجاهد: إنه أى النهى منسوخ، وكان هذا
الحكم إذ كان أهل البادية كفارا، فأراد أن يصيب المسلمون غرتهم، فأما اليوم فلا بأس كما سيأتى،
ولم يره معارضا لحديث النهى عن النجش، فلا يخفى أن الناجش قد يكون ناصحا للبائع المضطر
إلی بیع سلعته لضيق ذات يده، ومثله إذا لم يجد مشتريا غير واحد يضطر إلى بيع سلعته منه، ولو
بأقل من ثمنها بكثير، فلا لوم على من قيد النهى بما إذا كانت السلعة بلغت قيمتها، وقال بجواز
النجش إذا لم تبلغ نظرا إلى قوله مَّه: ((إنما الدين النصيحة) کما قید أبو حنيفة حديث النهى عن
التلقى، وعن بيع الحاضر للبادى به، وقال بجوازهما فى بعض الصور كما سيأتى فى بابه.
قال الحافظ فى "الفتح": النجش بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، وهو فى اللغة:
تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، وفى الشرع: الزيادة فى ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها
ليقع غيره فيها سمى بذلك لأن الناجش يثير الرغبة فى السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع، فيشتر كان
فی الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع، وقد يختص به البائع کمن يخبر بأنه اشتری سلعة بأكثر مما

ج - ١٤
تحريم النجش
١٨٧
اشتراها به لیغر غيره بذلك، کما سیأتی من کلام الصحابی فی هذا الباب.
قال الحافظ: وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش فى الشرع بما تقدم، وقيد ابن عبد
البر وابن العربى وابن حزم التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قال ابن العربى:
فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها، فزاد فيها لتنتهى إلى قيمتها لم يكن ناجشا
عاصيا، بل يؤجر على ذلك بنيته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر، إذ
لم تتعين النصحية فى أن يوهم أنه يريد الشراء، وليس من غرضه، بل غرضه أن يزيد على من يريد
الشراء أكثر مما يريد أن يشترى به، فللذى يريد النصيحة مندوحة عن ذلك أن يعلم البائع بأن قيمة
سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك، ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى
يسأله للحديث الآتى: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه
فلينصحه))، والله أعلم (٢٩٧:٤-٢٩٨).
قلت: ولكن قد تتعين النصيحة فى أن يوهم أنه يريد الشراء كما إذا كان البائع مضطرا إلى
بيع سلعته لضيق ذات يده، وقد علم المشترى باضطراره، وبأنه إذا لم يجد لها مشتريا غيره يبيعها
منه بأقل من قيمتها بكثير، فلا وجه لنصح البائع فى هذه الصورة غير أن يوهم هذا المشترى أنه يريد
الشراء، ولعل الفين قيدوا تحريم النجش بما قيدوا به، إنما أرادوا مثل هذه الصورة التى ذكرناها، كما
يشير إلى ذلك لفظ "البدائع" (٤٣٣:٥)، ونصه: "وهذا إذا كان المشترى يطلب السلعة من
صاحبها بمثل ثمنها، فأما إذا كان يطلبها، بأقل من ثمنها فنجش رجل سلعته، حتى تبلغ إلى ثمنها
فهذا ليس بمكروه، وإن كان الناجش لا يريد شرائها اهـ"، فإن المشترى لا يكاد يطلب سلعته، بأقل
من ثمنبها إلا إذا علم بكون البائع مضطرا إلى البيع، أو بكونه جاهلا بثمن السلعة، فالناجش نصح
المضطر فى الأولى، والمغبون فى الثانية، وإنما الدين النصيحة، فالظاهر جوازه والحال هذه.
وأما قول الحبيب: "إن السلعة لما كانت محتملة الحصول للمشترى، بأقل من القيمة على
الوجه المشروع، ثم اشتراها بالقيمة بسبب نجشه فكأن الناجش أخذ الزائد من المشترى، وأعطاه
البائع من غير رضاه"، ففيه أنه كلام من لم يمارس الفقه، فإن كل ما قاله جار فى بيع المضطر،
فإن المشترى يأخذ سلعته، بأقل من القيمة على الوجه المشروع، فينبغى أن لا يكون مكروها،
وقد اعترف بكراهته فى باب النهى عن بيع العينة، وإن سلمنا أن الناجش أخذ الزائد من المشترى،
وأعطاه البائع من غير رضاه، فإن المشترى كان أراد أن يأخذ منه الزائد من غير رضاه، فجازاه بمثل
ما فعله وجزاء سيئة سيئة مثلها.

١٨٨
إعلاء السنن
باب فی النہی عن بیع بعض علی بعض
٤٦٧٩- عن ابن عمر، أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض)
أخرجه مسلم.
وأما قوله: "ولا يعتبر نفع البائع؛ لأنه لم يكن مكرها على البيع، بأقل من القيمة،
ولا مخدوعا من المشترى إلخ"، فنقول: هل لك أن تقول بجواز النجش، إذا كان البائع مضطرا إلى
بيع سلعته، بما وقع له لقلة ذات يده وضيق حاله، وكذا إذا كان جاهلا بثمن سلعته؟ فإن قلت:
نعم، فقد اعترفت بكون النص مقيدا غير مطلق، وإن قلت: لا، فقولك: إن البائع لم يكن مكرها
ولا مخدوعا فى حيز المنع، فلا يخفى أنه قد يكون كذلك لا سيما إذا كان السلطان قد أمر ببيع
داره، أو أرضه، أو مواشيه مصادرةً، أو الانكسار الخراج عنده، وبيعت هذه الأشياء مزايدة، فلو
لم يكن ثمه ناجش لراحت سلعة الرجل بلا شىء، كما هو مشاهد، والفقیه من عرف حال زمانه،
وعلم بمقاصد الشرع، ومقاطع الحدود وعلل الأحكام، ومن حرم ذلك فلا ينبغى له تخطئة الأئمة
الأعلام، ويجب عليه الوقوف عند حده والسلام.
وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله (أى مع القيد الذى مر ذكره)،
واختلفوا فى البيع إذا وقع عى ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع،
وهو قول أهل الظاهر (حاشا ابن حزم، فإنه قائل بصحة البيع، وللمشترى الخيار، كما فى "المحلى":
٤٤٨:٨)، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه،
والمشهور عند المالكية فى مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسًا على المصراة، والأصح
عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية، وأخرج عبد الرزاق من طريق عمر بن عبد العزيز
أن عامله باع سبيا، فقال له: لولا أنى كنت أزيد (عليهم)، فأنفقه لكان كاسدا، فقال له عمر: هذا
نجش لا يحل، فبعث مناديا ينادى أن اليع مردود، وأن البيع لا يحل، ذكره الحافظ فى "الفتح"
(٢٩٧:٤). وهذا نجش من البائع، وهو أن يخبر بأنه اشتری سلعة بأكثر مما اشتراها المشترى به،
ومن أنفق سلعته كذلك فهو آثم لكذبه وخديعته، وينبغى له على سبيل الورع أن يرد البيع، كما
رده الإمام عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رضى الله عنه وأرضاه.
باب النهى عن بيع البعض على بيع آخر
قوله: "لا يبيع بعضكم إلخ"، أقول: قال ابن الهمام: "صورته أن يتراضيا على ثمن سلعة
فيجىء آخر فيقول: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بأنقص من هذا الثمن، فيضر لصاحب السلعة اهـ"

١٨٩
ج - ١٤
باب فى النهى عن سوم بعض على بعض
٤٦٨٠- وعن أبى هريرة، أن رسول الله عَّ له قال: ((لا يسم المسلم على
أقول: ينبغى أن لا يحرم هذه الصورة على ما قاله فى النجش، لأنه لم يسلب من البائع شيئا ونفع
المشترى، فينبغى أن لا يحرم، وهو لا يقول له، فظهر أن ما قاله فى النجش غير صحيح.
قال العبد الضعيف: إن ابن الهمام قد بين السوم على سوم أخيه وبين الفرق بين البيع على
بيع أخيه، فقوله: أن يتراضيا على ثمن سلعة، محمول على تمام العقد بوقوع الإيجاب والقبول،
ولا يخفى أن المبيع يخرج بتمام العقد من ملك البائع إلى ملك المشترى، ويجب الثمن عليه للبائع،
فكيف يجوز لآخر أن يحمل المشترى أو البائع على فسخ البيع من غير رضا الآخر به؟ فقياسه على
النجش فاسد، لأنه لا یکون بعد تمام العقد بل قبله، بخلاف البيع على بيع أخيه، فافهم، ولا تكن
من الجاهلين.
قال الحافظ فى "الفتح": قال العلماء: "البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء،
وهو أن يقول لمن اشترى فى زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأُشترى
منك بأزيد، وهو مجمع عليه اهـ" (٤: ٢٩٥). وبمثله قال الموفق فى "المغنى" (٢٧٨:٤): ولما كان
العقد لا يتم ولا يلزم عند الشافعية بمجرد الإيجاب والقبول، بل بالتفرق بالأبدان قالوا: ههنا أيضًا
بمثل ما قاله ابن الهمام فى النجش، قال الحافظ فى "الفتح": وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم
البيع والسوم على الآخر ما إذا لم يكن المشترى مغبونا غبنا فاحشا، وبه قال ابن حزم: واحتج
بحديث: ((الدين النصيحة))، ولكن لم تنحصر النصيحة فى البيع والسوم، فله أن يعرفه أن قيمتها
كذا، وأنك إن بعتها (الصحيح إن اشتريتها) بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين
المصلحتين، وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة فى
فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر اهـ (٤: ٢٩٦). قلت: وابن حزم مجتهد عند الحبيب كما
سيأتى، فليكن استثناؤه صورة غبن المشترى غبنا فاحشا أولى وأقوى عنده، وما تعقبه به الحافظ
أضعف وأبطل، لكونه مقلدا غير مجتهد، فلا يخفى على العارف الفقيه تمييز الصحيح من
الضعيف، ولا الحق من الباطل. ١٢ظ
باب النهى عن السوم علی سوم آخر
قوله: "لا يسم إلخ"، قال فى "الفتح": " وشرطه أن يتراضيا بثمن ويقع الر كون به، فیجیء
آخر فيدفع للمالك أكثر، أو مثله غير أنه رجل وجيه، فيبيعه منه لوجاهته اهـ"، وقال فى "الدر

١٩٠
النهى عن السوم علی سوم آخر
إعلاء السنن
سوم المسلم))، أخرجه مسلم.
المختار": "وهذا بعد الاتفاق على مبلغ الثمن أو المهر وإلا لا يكره، لأنه بيع من يزيد اهـ"، وفى هذا
الاشتراط أيضًا نظر، لأن قبل التراضى وانقطاع الكلام الظاهر أنهما يتفقان على ثمن، فالسوم فى
هذه الحالة هو كالسوم فى حالة التراضى، وليس هو بيع من يزيد، لأن فيه لا يكون المشترى معينا،
وههنا معين فحصل الفرق، فجعل أحدهما عين الآخر، أو مثله غير صحيح، فالظاهر الإطلاق، وهو
الظاهر من المذهب، ولا يلتفت إلى تقييد المتأخرين بعلة غير صحيحة، فتنبه له.
قال العبد الضعيف: ما أجرأ الحبيب على تخطئة الأعلام بمجرد رأيه من غير تتبع النصوص
المنقولة عن الإمام، قال القاضى ابن رشد فى "بداية المجتهد" له: قال مالك: معنى قوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا بيع بعضكم على بيع بعض))، ومعنى نهيه عن أن يسوم أحد على سوم أخيه واحد،
وهى فى الحالة التى إذا ركن البائع فيها إلى السائم، ولم يبق بينهما إلا شىء يسير، مثل اختيار
الذهب أو اشتراط العيوب أو البراءة منها، وبمثل تفسير مالك فسر أبو حنيفة هذا الحديث. وقال
الشافعى: معنى ذلك إذا تم البيع باللسان ولم يفترقا، وهذا بناء على مذهبه فى أن البيع، إنما يلزم
بالافتراق، ولم يحد الثورى وقت ركون ولا غيره، وفقهاء الأمصار على مذهبه أن هذا البیع یکره،
وإن وقع مضی، لأن سوم على بيع لم يتم.
وقال دادو وأصحابه: إن وقع فسخ فی أی حالة وقع، تمسكا بالعموم، وروى عن مالك وعن
بعض أصحابه فسخه ما لم يفت، واختلفوا فى دخول الذمى فى النهى عن سوم أحد سوم غيره،
فقال الجمهور: لا فرق فى ذلك بين الذمى وغيره، وقال الأوزاعى: لا بأس بالسوم على سوم
الذمى، لأنه ليس بأخى المسلم، وقد قال عَّ: ((لا يسم أحدكم على سوم أخيه))، ومن ههنا منع
قوم بيع المزايدة، وإن كان الجمهور على جوازه، وسبب الخلاف بينهم هل يحمل هذا النهى على
الكراهة أو على الحظر، ثم إذا حمل على الحظر، فهل يحمل على جميع الأحوال أو فى حالة دون
حالة اهـ؟ (١٠٠:٢) ملخصًا. فتبين بذلك كون شرط الركون فى كراهة السوم على سوم غيره
منقولا عن الإمام، وكون بيع من يزيد داخلا تحت النهى ظاهرا، ومن أجازه قيد النهى عن السوم
على سوم أخيه بالركون، فبطل ما أورده الحبيب على نقلة المذهب رأسًا وأساسًا.
الاعتزاز عن حذف إيرادات بعض الأحباب على نقلة المذهب:
وإنما نبهت على ذلك ليعلم بقصور نظره وقلة مخبره فى الباب، ولا أنبهه على ذلك فى

ج - ١٤
النهى عن السوم على سوم آخر
١٩١
سائر الكتاب، بل أحذف جميع ما أورده على نقلة المذهب من البين روما للاختصار، وحذرا
من التطويل.
وقال الحافظ فى "الفتح": وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئا ليشتريه، فيقول له: رده
لأبيعك خيرا منه بثمنه أو مثله بأرخص منه، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر، ومحله
بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحًا، فلا خلاف فى التحريم، وإن
كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية، ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك، وقال: لفظ الحديث
لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم فى السوم، لأن السوم فى السلعة التى
تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقًا، كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد
على ذلك اهـ (٢٩٥:٤)، ودلالته على ما دل عليه كلام ابن رشد ظاهرة.
وقال الموفق فى "المغنى": روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله عّ لّه قال: ((لا يسم
الرجل على سوم أخيه))، ولا يخلوا من أربعة أقسام: أحدها: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا
بالبيع، فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشترى، وهو الذى تناوله النهى.
الثانى: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا، فلا يحرم السوم، لأن النبى معَ ◌ّه باع فى من
يزيد، وهذا أيضًا إجماع المسلمين يبيعون فى أسواقهم المزايدة. الثالث: أن لا يوجد منه ما يدل على
الرضا ولا عدمه، فلا يحرم له السوم أيضًا ولا الزیادة، استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس حین
ذكرت للنبى معٍَّ: أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمر أن تنكح أسامة، وقد نهى عن الخطبة على
خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه، فما أبيح فى أحدهما، أبيح فى الآخر. والرابع:
أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، فقال القاضى: لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد
نص عليه فى الخطبة استدلالا بحديث فاطمة، ولو قيل بالتحريم ههنا، لكان وجها حسنا اهـ
(٢٧٩:٤)، ودلالته على ما قاله ابن الهمام ظاهرة، وإذا كان قيد الركون متفقا عليه فى الخطبة،
فليكن كذا فى السوم، ومن ادعى الفرق، فعليه البيان، والله تعالى أعلم.
وقال الشافعى رحمه الله فى "كتاب الرسالة": وقد روى عن النبى معَّ له أنه قال: ((لا يسوم
أحدكم على سوم أخيه))، فإن كان ثابتا - ولست أحفظه ثابتا- فهو مثل: ((لا يخطب أحدكم على
خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه إذا رضى البائع))، قال: ورسول الله عَّه باع فيمن يزيد، وبيع
من يزيد سوم رجل على سوم أخيه، ولكن البائع لم يرض السوم الأول حتى طلب الزيادة اهـ، من
:

١٩٢
إعلاء السنن
باب فى النهى عن التفريق بين ذوى الأرحام
٤٦٨١- عن أبى أيوب، قال: سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((من فرق بين والدة
وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة))، أخرجه الترمذى وقال: "حسن صحيح".
٤٦٨٢- وعن على قال: "وهب لى رسول الله عَ لّه غلامين أخوين، فبعت
أحدهما، فقال لى رسول الله عَّهِ: يا على! ما فعل غلامك؟ فأخبرته، فقال: رده رده"،
أخرجه الترمذى، وقال: "حسن"، وأخرجه الحاكم وصححه.
"سنن البيهقى" (٣٤٥:٥)، ملخصًا، وهذا إمام مجتهد قد شرط فى السوم ما شرط فى الخطبة،
وصرح بكون بيع من يزيد سوما على سوم أخيه، وهو أعراف باللغة ومعانى الشرع من ألوف من
أمثال ابن حزم وابن تيمية وغيرهما من المتأخرين، وفى كل ذلك تأييد لابن الهمام، وأى تأييد؟ فما
أورده الحبيب عليه بعيد من الفقه، ورد عليه من غير مزيد.١٢ ظ
باب فى النهى عن التفريق بين المحارم فى البيع
قوله: "عن أبى أيوب"، أقول: قال فى "النيل" (٢٢:٥): أخرجه أيضًا الدار قطنى، والحاكم
وصححه، وحسنه الترمذى، وفى إسناده حیی بن عبد الله المعافری، وهو مختلف فيه، وله طريق
أخرى عند البيهقى، وفيها انقطاع، لأنها من رواية العلاء بن كثير الإسكندرانى عن أبى أيوب
ولم يدركه، وله طريق أخرى عند الدارمى اهـ. أقول: رواه الدارمى عن القاسم بن كثير، عن
الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن جنادة، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن أبى أيوب، وفيه عبد
الرحمن بن صاده، ولم أقف على ترجمته فى كتب الرجال، والله أعلم.
قوله: "عن على قال: وهب لى إلخ"، أقول: قال فى "النيل": هو من رواية ميمون بن أبى
شيب عنه، وقد أعلمه أبو داود بالانقطاع بينهما، وأخرجه الحاكم وصحح إسناده، ورجحه
البيهقى لشواهده اهـ. وقال أيضًا: الأحاديث المذكورة فى الباب فيها دليل على تحريم التفريق بين
الوالدة وولدها وبين الأخوين، أما بين الوالدة وولدها، فقد حكى فى "البحر" عن الإمام يحيى أنه
إجماع حتى يستغنى الولد بنفسه، وقد اختلف فى انعقاد البيع، فذهب الشافعى إلى أنه لا ينعقد،
وذهب أبو حنيفة وهو قول للشافعي: أنه ينعقد، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يحرم التفريق
بین الأب والابن.
وأجاب عنه صاحب "البحر" بأنه مقيس على الأم، ولا يخفى أن حديث أبى موسى

ج - ١٤
النهى عن التفريق بين المحارم فى البيع
١٩٣
٤٦٨٣- وعن على رضى الله عنه قال: ((أمرنى رسول الله عَّ له أن أبيع غلامين.
أخوين فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك له، فقال: أدركهما وارتجعهما ولا تبعهما
إلا جميعًا)). رواه أحمد، وقال فى "النيل": قد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن
حبان، والحاكم، والطبرانى، وابن القطان، وقال الحافظ: رجاله ثقات.
٤٦٨٤- وعن سلمة بن الأكوع، قال: خرجنا مع أبى بكر أمره علينا رسول
الله عَّه، فغزونا فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من
المذكور فى الباب يشمل الأب، فالتعويل عليه إن صح أولى من التعويل على القياس، وأما بقية
القرابة، فذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه يحرم التفريق بينهم قياسا، وقال الإمام يحيى والشافعى:
لا يحرم، والذى يدل عليه النص هو تحريم التفريق بين الإخوة، وأما بين من عداهم من الأرحام
فإلحاقه بالقياس فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمقارنة مشقة كما تحصل بالمفارقة من الوالد والولد،
وبين الأخ وأخيه، فلا إلحاق لوجود الفارق، فينبغى الوقوف على ما تناوله النص اهـ.
أقول: الوقوف على ما تناوله النص ظاهر البطلان، لأنه لم يرد نص فى الأخ والأخت،
فينبغى أن لا يكون حكمهما حكم الأخوين وهو كما ترى، ثم جعل رسول الله عَ ليه الخالة بمنزلة
الأم والعم بمنزلة الأب، فكيف يجوز التفريق بالرأى بين الخالة وابن أختها، والعم وابن أخيها؟
وما قال من عدم حصول المشقة فممنوع، والفرق بالشدة والضعف غير مؤثر، لأنه موجود بين
الوالدة والولد وبين الأخوين كما لا يخفى، فالأول أن يجعل المعيار هو القرابة المحرمة للنكاح، كما
هو مذهب أبى حنيفة، لأن حرمة النكاح يدل على كمال الاتصال بين القريبين، ولا يعتبر التفاوت
بالشدة والضعف، كما لا يعتبر فى حرمة النكاح، فتدبر.
قوله: "عن سلمة بن الأكوع"، أقول: الحديث ظاهر فى جواز التفريق بالبلوغ، لأن رسول
الله عَ ◌ّه قال لسلمة: ((يا سلمة! هب لى المرأة))، ولا يقال للجارية الصغيرة امرأة، فهو دليل على
كونها بالغة، وكذا اعتذار سلمة بأنه لم يكشف لها ثوبا يدل عليه، لأنه لا توطأ الصغيرة غالبا،
فإنكار ظهور البلوغ من الحديث كما صدر من الشوكانى عجيب، وقد حكى فى "الغيث"
الإجماع على جواز التفريق بعد البلوغ كما قاله الشوكانى، وأيضًا ينبغى حمل الحديث على
البلوغ جمعا بين الأدلة، بقى ههنا شبهة قوية، وهى أن قوله معدّ ل. لعلى: ((رده رده، أو أدر كهما
وارتجعهما))، يدل على وجوب فسخ هذا البيع، ووجوب الفسخ يدل على الفساد، ومذهب الحنفية
صحة البيع، فالمذهب يخالف الحديث.

١٩٤
النهى عن التفريق بين المحارم فى البيع
إعلاء السنن
قتلنا، ثم نظرت إلى عنق من الناس فيهم الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو فى أثرهم،
فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم
أسوقهم إلى أبى بكر، ومنهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن
العرب وأجمله، فنفلنى أبو بكر بنتها، فلم أكشف لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم بت
والجواب: أن حكم البيع الفاسد وجوب الفسخ قضاء وديانة للفساد فى العقد، والحديث
لا يدل عليه بخصوصه بل هو يدل على وجوب الفسخ قضاء مطلقًا، فيحمل على وجوب الفسخ
دیانة لا قضاء، لوقوع البيع صحيحا لاستجماعه شرائط الصحة، ویرد عليه أن البيع قد يفسد لحق
المبيع كما إذا اشترى عبدا على أن يطعمه طعامًا بعينه أو يلبسه لباسا بعينه، وهنا كذلك، لأن
الاجتماع مع قريبه حق مستحق للمبيع، فينبغى أن يفسد.
والجواب: أنه فرق بين الحق المستحق بالشرط فى العقد، والحق الفائت بسبب العقد، لأن
الحق الأول من متعلقات العقد لكونه مشروطاً فيه بخلاف الحق الثانى، فإنه ليس من متعلقاته،
بل من مجاورته المجتمعة معه على وجه الاتفاق، والمجاور لا يؤثر فى فساد العقد بخلاف المتعلق
بالعقد، فلو رفعت هذه القضية إلى القاضى لا يحكم فيهما بفسخ البيع قضاء، بل يأمر البائع
والمشترى بفسخ البيع على وجه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما فعل رسول الله عَ له إذا باع
على رضى الله عنه أحد الأخوين، فتدبر.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "الغنی": لا يجوز أن يفرق فى البیع بین کل ذى رحم
محرم، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يحرم التفريق إلا بين الأم وولدها، لأن النبى معَ ◌ّ خصها
بذلك فى قوله: ((من فرق بين الوالدة وولدها))، وقوله: ((لا توله والدة بولدها))، فدل على الإباحة
فيما سواه، وقال الشافعى: يحرم بين الوالدين والمولودين وإن سفلوا، ولا يحرم بين من عداهم، لأن
القرابة التى بينهم لا تمنع القصاص، ولا شهادة بعضهم لبعض، فلم تمنع التفريق فى البيع كابنى
العم، ولنا ما روى أحمد فى المسند، فذكر حديث على فى تفريقه بين الأخوين بالبيع، وقوله معدّله:
((أدر كهما فارتجعهما))، وروى عن أبى موسى أن النبى معَّه قال: ((لعن الله من فرق بين الوالدة
وولدها، والأخ وأخيه)). ولأن بينهما رحما محرما فلم يجز التفريق بينهما كالولد مع أمه، ويفارق
ابنى العم، فإنه ليس بينهما رحم محرم، فإن فرق بينهما قبل البلوغ، فالبيع باطل، وبه قال الشافعى
فیما دون السبع.
وقال أبو حنيفة: البيع صحيح، لأن النهى لمعنى فى غير البيع، وهو الضرر اللاحق بالتفريق،
فلم يمنع صحة البيع كالبيع فى وقت النداء، ولنا حديث على، وأن النبى عّ لّه أمره بردهما، ولو لزم

٥
ج - ١٤
النهى عن التفريق بين المحارم فى البيع
١٩٥
فلم أكشف لها ثوبا، فلقينى النبى عدٍّ فى السوق، فقال: يا سلمة! هب لى المرأة،
فقلت: يا رسول الله مآڅلآے! لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبا، فسكت وتر کنی حتی إذا
كان من الغد لقينى فى السوق، فقال: يا سلمة! هب لى المرأة لله أبوك، فقلت: هى لك
يا رسول الله عّ لّه! قال: فبعث بها إلى أهل مكة، وفى أيديهم أسارى من المسلمين، فقد
أهم بتلك المرأة))، رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود.
البيع لما أمكن ردهما (قلت: فيه نظر، لأن المتبادر من قوله: ((ارتجعهما)) الأمر بالاستقالة، وهى
لا تكون إلا برضا العاقدين، فدل على تمام البيع ولزومه، ويمكن الرد والإقالة بإرضاء المشترى)،
وروى أبو داود فى "سنته" أن عليا فرق بين الأم وولدها، فنهاه النبى معَّ ◌ُّ فرد المبيع، (قلت: رد
المبيع قد يكون بالإقالة، فلا دلالة فيه على فساد البيع)، ولأنه بيع محرم لمعنى فيه ففسد كبيع
الخمر، (قلت: كلا! فإن الخمر ليست بمال متقوم شرعا، والعبد مال متقوم فافترقا)، ولا يصح ما
قاله فإن ضرر التفريق حاصل بالبيع، فكان لمعنى فيه، (قلت: لا يخفى أن البيع غير التفريق،
والتفريق غير البيع، وإنكاره مكابرة، فثبت كون النهى لمعنى فى غير البيع، وهو الضرر اللاحق
بالتفريق، ألا ترى أنه لو باع الأم من الذى اشترى ولدها فى صفقة أخرى فى يوم واحد لم يبطل
البيع الأول لزوال التفريق؟ وظنى أن ذلك مما لا يختلف فيه) قال: وإن كان فرق بينهما بعد البلوغ
جاز، لما روى سلمة بن الأكوع، فذكر ما ذكرناه، ولأنه أهدى إلى النبى عرّ مارية وأختها
سيرين، أعطى النبى معَّ له سيرين لحسان بن ثابت، وترك مارية له، ولأنه بعد البلوغ يصير مستقلا
بنفسه، والعادة التفريق بين البالغين، فإن المرأة تزوج ابنتها، ويفرق بين الحرة وولدها إذا افترق
الأبوان اهـ (٣٠٧:٤).
وقال ابن رشد فى "بداية المجتهد" له: إنهم اتفقوا على منع التفرقة فى المبيع بين الأم وولدها،
لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام: ((من فرق بين والدة وولدها)) الحديث، واختلفوا من ذلك فى
موضعين، فى وقت جواز التفرقة، وفى حكم البيع إذا وقع، فأما حكم البيع فقال مالك: يفسخ،
وقال الشافعى وأبو حنيفة: لا يفسخ وأثم البائع والمشترى، وسبب الخلاف هل النهى يقتضى فساد
المنهى إذا كان لعلة من خارج أولا؟ وأما الوقت الذى ينتقل فيه المنع إلى الجواز فقال مالك: حد
ذلك الإثغار (أى إسقاط سن الرضاع)، وقال الشافعى: حد ذلك سبع سنين أو ثمان (١٠٢:٢).
وفى "الهداية": فإن فرق كره له ذلك، وجاز العقد، وعن أبى يوسف رحمه الله أنه
لا يجوز فى قرابة الولاد، ويجوز فى غيرها، (لقوتها وضعفه)، وعنه أنه لا يجوز فى جميع ذلك لما .

١٩٦
إعلاء السنن
باب تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادی
٤٦٨٥- عن أبى هريرة، قال: ((نهى النبى عَّ عن التلقى وأن يبيع حاضر لباد)).
(بخاری).
روينا، فإن الأمر بالإدراك والرد لا يكون إلا فى البيع الفاسد، ولهما أن ركن البيع صدر من أهله
فى محله، وإنما الكراهة لمعنى مجاور، فشابه كراهة الاستيام اهـ.
قال المحقق فى "الفتح": وحينئذ يجب تأويل الأمر بالإدراك، والارتجاع على طلب الإقالة،
أو أن يبيع الآخر منه، واعلم أن مدة منع التفرق إنما تمتد إلى بلوغ الصغير بالاحتلام أو بالحيض،
وفيه حديث عن عبادة بن الصامت، عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا تفرقوا بين الأم وولدها، فقيل
إلى متى؟ فقال: إلى أن يبلغ الغلام وتحيض الجارية))، وهو قول للشافعي: والحديث ذكره الحاكم
وصححه، وخطاؤه صاحب "التنقيح"، وقال: الأشبه أنه موضوع لأن فى سنده عبد الله بن عمرو
ابن حسان (الواقعى) قال الذهبي: كذاب اهـ (١١٢:٥).١٢ظ
.
باب تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
قوله: "نهى النبى إلخ"، أقول: الخبر مشتمل على الحكمين: الأول: النهى عن تلقى الجلب،
والثانى: النهى عن بيع الحاضر للبادى. واختلف الناس فى تأويلهما، أما الحكم الأول أعنى النهى
عن تلقى الجلب، فقال فيه أبو حنيفة: إنه ليس بمطلق، بل هو مقيد بما إذا أضر بأهل البلد أو لبسٍ
السعر على الركبان، وإن لم يوجد الأمران فليس بمكروه، وقال آخرون: بل هو منهى عنه مطلقًا،
والصحيح أن هذا الحكم ليس بتعبدى بل هو معلل بعلة الإضرار، فإذا اشتمل التلقى على الإضرار
ينهى عنه وإلا لا، ويؤيده ما روى عن ابن عمر: "إنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد
رسول الله عَ ليه، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتراه حتى يبلغوه إلى حيث يبيعون
الطعام" (طحاوى ٢: ٢٠٠)، وهذا يدل على إباحة التلقى، ووجه الجمع بينهما ما ذكرنا، وجمع .
بينهما البخاری بأن المباح من التلقى هو ما كان فى أعلى السوق، والمنهی عنه هو ما كان فى غيره،
وقال ابن حجر: "لا يخفى رجحان الجمع الذى جمع به البخارى" اهـ، ويرده ما روى عن
النبى مرّ ليه: ((أنه نهى أن يتلقى السلع حتى يهبط بهما الأسواق)) (طحاوى ٢: ٢٠٠)، فإنه يدل على
أن التلقی فی اعلی السوق أیضا منهی عنه، فالوجه ما ذكرناه من الطحاوى.
ثم اختلفوا فى أن إن تلقى تلقيا منهيا عنه فالحكم ماذا؟ فقال البخارى: "البيع مردود،

١٩٧
تلقی الجلب وبیع الحاضر للبادی
ج - ١٤
لأن صاحبه عاصٍ آثم إذا كان عالما به، وهو خداع فى البيع، والخداع لا يجوز"، ورده ابن حجر
وغيره بأن هذا لا تقتضى فساد البيع، لأن النهى لا ترجع إلى نفس العقد، ولا يخل بشىء من
أركانه وبشرائطه، وقال الشافعى: البيع صحيح، ولكنه يثبت الخيار لصاحبه، لما روى عن
النبى معَّهِ: ((أنه نهى عن تلقى الجلب فإن تلقاه فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق))، أخرجه أبو
داود والترمذى، وصححه ابن خزيمة، وأخرجه مسلم بمعناه، كما فى " (فتح البارى ٣١٣:٥).
وقال أبو حنيفة: البيع صحيح، ولا خيار للبائع، لأن غاية ما فى الباب أن المشترى خدع
البائع، وهو لا يقتضى الخيار لحديث حبان بن منقذ، فإنه لم يثبت الشارع له الخيار من غير شرط،
والقياس أيضًا بنفيه، لأن البائع لم يكن مضطرا إلى الغرور، لأنه كان له أن لا يعتمد على قوله، فلما
اعتمد على قوله كان مغترا من غفلته فلا يكون له الخيار، أما ما روى أن له الخيار فمحمول على
السياسة ليترك الناس التلقى، هذا ما عندى، والله أعلم بالصواب.
وأجاب عنه الطحاوى بأنه مخالف لما تواتر عن النبى معَّ له: ((أن البيعين بالخيار ما لم يتفرقا))
لأن النبی مّّ حد للخيار حدا وهو عدم التفرق فلا يثبت بعده، ثم أورد النقض عليه بخيار الرؤية،
وأجاب عنه بأنه ثابت بإجماع الصحابة، فجعلناه خارجا من قوله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))
وعلمنا أنه لم يعن ذلك، وليس كذلك هذا الخيار فافترقا، ثم هو معارض بما روى عن النبى معَّ ◌ُلّه
أنه قال: ((لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض))، ففى منعه عَ لّه الحاضرين
من ذلك إباحة الحاضرين التماس غرة البادين فى البيع منهم، والشراء منهم، فتدبر فيه.
وأما الحكم الثانى فالمفهوم من الطحاوى أن معناه أنه نهى أن يتولى حاضر بيع مال البادى،
والمفهوم من "الهداية" أن معناه أن لا يبيع حاضر ماله من البادى إذا كان أهل الحضر محتاجين إليه،
الصحيح ما فى الطحاوى لقول رسول الله مَظله: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض))، وقال
فيه مجاهد: إنه منسوخ، وكان هذا الحكم إذ كان أهل البادية كفارا فأراد أن يصب المسلمون
غرتهم، فأما اليوم فلا بأس، وأخذ أبو حنيفة بقول مجاهد، وتمسكوا بعموم قوله: ((الدين
النصيحة))، وزعموا أنه ناسخ بحديث النهى، وذهب الجمهور إلى أنه منهى عنه، وخصصوا بيع
الحاضر للبادى من عموم قوله: ((الدين النصيحة))،، لأنه خاص، والخاص يقضى على العام، وقالوا:
تأويل النسخ ليس بصحيح، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقال البخارى: إن معناه أن لا يبيع له
بالأجرة كالسمسار، وأما من ينصحه، فيعلمه بأن السعر كذا، فلا يدخل فى النهى اهـ، ما فى
"الفتح" (٣١١:٥) ملخصا.

١٩٨
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
إعلاء السنن
مبحث تعارض الخبرين:
وأجاب العينى عما أورده الجمهور بأن قضاء الخاص على العام، ليس مسلما عندكم أيضًا
على الإطلاق، لأنه يجوز أن يكون الخاص منسوخا، أو يكون الخاص ظنيا والعام قطعيا، وأيضًا:
يحتمل أن يكون الخاص مقارنا ومتأخرا أو متقدما، فكيف يكون الخاص قاضيا على العام على
الإطلاق؟ وأما ما قلتم: إن النسخ لا يثبت بالاحتمال فمسلم لكن لم نقل بالنسخ بالاحتمال، بل
الأصل عندنا أنه إذا تعارض الخبران، فإن كان أحدهما مما عمل به جميع الأمة، والآخر مما عمل به
البعض يترك الآخر، لأن يدل على النسخ، إذ لو لم يكن منسوخا لعمل به الأمة أيضًا كما عملوا
بالأول، وكذا إذا كان أحد الخبرين أشهر من الآخر يقدم الأشهر على غيره، لأن عدم شهرته يدل
على كونه منسوخا، لأن مقابله عمل به جميع الأمة بخلافه، وهو أشهر أيضًا اهـ، ما فى العينى
بمحصله ومعناه (٥٢١:٥-٥٢٢).
وما قال البخارى فى التطبيق غير كافٍ، لأنه ما ذا يقول إذا كان النصيحة فى التولى للبيع،
ولا يكون المشورة كافية؟ فإنه يلزم فى هذه ترك أحد الحدثين لا محالة، فلا يصح هذا الجمع،
فالراجح هو ما قال أبو حنيفة إلا إذا كان يضر بأهل البلد فلا يبيع له، لأن النصيحة لأهل البلد
راجحة بالنسبة إلى البادی، فتدبر.
الرد على ابن حزم فى إيراده على الحنفية
فى باب النهى عن التلقى، وعن بيع الحاضر للبادى:
قال العبد الضعيف: وقد تبين بذلك كله بطلان ما قاله ابن حزم فى "المحلى" (٤٥٠:٨):
"وأباحه أى تلقى الجلب أبو حنيفة جملةً إلا أنه كرهه إن أضر ذلك بأهل البلد دون أن يخطره،
وأجازه بكل حال، وهذا خلاف لرسول الله عَّهِ، وخلاف صاحبيه لا يعرف لهما من الصحابة
مخالف، وما نعلم لأبى حنيفة فى هذا القول أحدا قاله قبله " اه، و کل ذلك فرية بلا مرية، فإن أبا
حنيفة لم يبح التلقى جملة، وهذه كتب الحنفية مشحونة ملآنة بذكر التلقى فى مكروهات البيع،
قال صاحب "البدائع" فى بيان ما يكره من البياعات: ومنها: بيع متلقى السلع، واختلف فى
تفسيره، قال بعضهم: هو أن يسمع واحد خبر قدوم قافلة بميرة عظيمة، فيتلقاهم الرجل، ويشترى
جميع ما معهم من الميرة ويدخل المصر فيبيع على ما يشاء من الثمن، وهذا الشراء مكروه، لما روى
عن رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا تتلقوا السلع حتى تهبط الأسواق))، وهذا إذا كان يضر بأهل البلد بأن كان

ج - ١٤
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
١٩٩
أهله فى جدب وقحط، فإن كان لا يضرهم لا بأس، وقال بعضهم: تفسيره أن يتلقاهم فيشترى
منهم بأرخص من سعر البلد وهم لا يعلمون سعر البلد، وهذا أيضًا مكروه، سواء تضرر به أهل
البلد أم لا، لأنه غرهم، والشراء جائز (أى صحيح) فى الصورتين جميعًا، لأن البيع مشروع فى
ذاته؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، والنهى لغيره، وهو الإضرار بالعامة على التفسير الأول،
وتغرير أصحاب السلع على التفسير الثانى اهـ (٢٣٢:٥).
فتراه قد قيد التحريم بإضرار أهل البلد على التفسير الأول دون الثانى، ووجه التقييد كون
التعليل هو الأصل فى الأحكام، فالنهى عن التلقى معلل بالإضرار عند الإمام، وإلا فالمقصود من
التجارة إنما هو الربح، فكيف يكون التسبب إلى الربح منهيا عنه مطلقًا ما لم يكن فيه إضرار
بالعامة؟ وأما إنه أجازه بكل حال أى قال بجواز البيع بالتلقى وصحته، فهذا ليس بأول قارورة
كسرها أبو حنيفة فى الإسلام، بل وافقه على ذلك جماعة من الفقهاء الذين لا يرون النهى لمعنى
خارج عن البيع مفسدا له.
قال ابن رشد: وأما نهيه عن تلقى الركبان للبيع، فاختلفوا فى مفهوم النهى ما هو؟ فرأى
مالك أن المقصود بذلك أهل الأسواق لئلا ينفرد المتلقى برخص السلعة دون أهل الأسواق، ورأى
أنه إذا وقع جازاهـ (٢: ١٠٠)، وسيأتى مثله عن الشافعى، وقد نهى رسول الله سعد له عن النجش فى
البيع، ولا يقول ابن حزم بفساد البيع به، بل قال: بأن البيع غير النجش، وغير الرضا بالنجش، وإذ
هو غيرهما فلا يجوز أن يفسخ بيع صح بفساد شىء غيره، ولم يأت نهى قط عن البيع الذى
ينجش فيه الناجش، بل قال الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ (المحلى ٤٤٨:٨)، وهذا عين ما قاله أبو
حنيفة ههنا: إن البیع غیر التلقی، فلا يجوز أن یفسخ بیع صح بفساد شیء غيره، ولم يأت نهى قط
عن البيع الذى يقع بالتلقى، وإنما ورد النهى عن التلقى، فحسب، وقد قال الله تعالى: ﴿وأحل الله
البيع﴾، ومن ادعى الفرق فعليه البيان.
وقد مر دليل أبى حنيفة فى إباحة التلقى إذا لم يضر بأهل البلد من حديث ابن عمر، قال:
"كنا نتلقى الركبان"، ورد عليه ابن حزم بوجوه: منها: أن المحتجين بهذا هم القائلون: بأن
الصاحب إذا روى خبرا عن النبى معَِّ، ثم خالفه، أو حمله على تفسير ما فهو أعلم بما فسر،
وقوله حجة فى رد الخبر، وابن عمر هو راوى هذا الخبر، وقد صح عنه الفتيا بترك التلقى،
كما أوردنا آنفا، يشير إلى ما رواه من طريق ابن أبى شيبة: نا ابن المبارك عن أبي جعفر الرازى،

٢٠٠
تلقى الجلب وبيع الحاضر للبادى
إعلاء السنن
عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: "لا تلقوا البيوع بأفواه السكك" (٤٥٠:٨).
قلت: أولا يستحيى ابن حزم من الاحتجاج بهذا الإسناد؟ وفيه ليث بن أبى سليم ضعفه فى
"المحلى" غير مرة، ولكن كل ضعيف يصير حجة عنده، إذا أراد به الرد على الحنفية، فإلى الله
المشتكى، وفيه أبو جعفر الرازى، وفيه مقال أيضًا، كما مر فى كتاب الجهاد، وإن سلمنا فليس فيه
النهى عن التلقى مطلقًا، بل عن التلقى بأفواه السكك، وهى لا تكون إلا فى داخل البلدة، فأين فيه
النهى عن التلقى خارج البلد بعيدا منه؟ وحينئذ فلا تعارض بين خبر الراوى وفتياه، بل يحمل الخبر
على التلقى خارج البلد والفتيا عليه داخله، أو يحمل الخبر على التلقى بالمعنى الأول من المعنيين
الذين ذكرهما صاحب "البدائع" إذا لم يكن فيه إضرارا بأهل البلد، والفتيا عليه بالمعنى الثانى، وهو
مكروه بكل حال، وقول الراوى وفعله بخلاف مرويه إنما يكون قدحاً فيه، إذا لم يمكن الجمع
بينهما وإلا فلا، كما مر فى "المقدمة"، فليراجع.
قال: وثانيها: أن هذين خبران هم أول مخالف لنا فيهما فلا كراهة عندهم فى بيع الطعام
حيث ابتاعه اهـ، قلنا: لا دلالة فيهما على كراهة بيع الطعام حيث ابتاعه، وإنما فيهما النهى عن بيع
المشترى قبل القبض، ولما كانت الركبان لا يحطون السلعة عن ظهر الدواب فى الطريق، بل كانوا
يحطونها حيث تخط الأثقال من السوق، نهى النبى معَّ لّه من يتلقاهم ويشترى منهم الطعام أن يبيعه
حتى يبلغ به سوق الطعام، ويقبضه ورنا أو كيلا، فتراه لم يمنع الجاليين من البيع، ولا المتلقى من
الشراء، وإنما منع المشترى أن يبيع ما اشتراه حتى يقبضه.
قال: والثالث: أنهما موافقان لقولنا، لأن معنى نهى رسول الله عّ لّه أن يبيعوه حتى يبلغوا به
سوق الطعام هو نهى للبائع أن يبيعه وللمشترى أن يبتاعه حتى يبلغ به السوق، ومشهور غير منكور
فى لغة العرب بعت بمعنى ابتعت ويخرج خبر موسى بن عقبة على هذا أيضًا، وأنه عليه السلام نهى
البائعین أن یبیعوه فی مکانهم الذی ابتاعه المشترون منهم، وهذا معنی صحیح لا داخلة فیه اهـ.
قلت: بل هو معنى يمجه الذوق السليم، ولا يفرح به إلا ظاهرى محروم عن الفهم القويم،
فلا ننكر مجىء البيع بمعنى الشراء تارة، ولكنه إذا ورد فى مقابلة الاشتراء أو مقترنا به فى كلام
واحد لا يكون بمعنى الاشتراء قط، وههنا كذلك، فلفظ البخارى من طريق جويرية عن نافع، عن
ابن عمر، قال: " كنا نتلقی الر كبان فنشترى منهم الطعام، فنهانا النبی مێ أن نبيعه حتى يبلغ به
سوق الطعام))، فقوله: "فنهانا" صریح فی أنه إنما نهی من یشتری من الر كبان عن بیعه حتی یبلغ به