Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ج - ١٤ باب النهى عن بيع الحر ٤٦٤٦- عن أبى هريرة عن النبى عَّ له، قال: ((قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفی منه، ولم يطعه أجره))، رواه البخارى. باب النهى عن بيوع الغرر ٤٦٤٧- عن أبى هريرة: ((أن النبى عَّ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر))، رواه الجماعة إلا البخارى. باب النہی عن بيع الحر قوله: "باع حرا إلخ"، أقول: قال ابن حجر: "قال ابن المنذر: كان فى جواز بيع الحر خلاف قديم، ثم ارتفع، فروى عن على قال: من أقر على نفسه بأنه عبد فهو عبد. قلت: يحتمل أن يكون محله فيمن لم تعلم حريته، لكن روى ابن أبى شيبة من طريق قتادة: أن رجلا باع نفسه، فقضى عمر بأنه عبد، وجعل ثمنه فى سبيل الله، ومن طريق زرارة بن أوفى أحد التابعين: أنه باع حرا فى دين. ونقل ابن حزم: أن الحر كان يباع فى الدين حتى نزلت: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، ونقل عن الشافعى مثل رواية زرارة، ولا يثبت ذلك أكثر الأصحاب واستقر الإجماع على المنع اهـ" (٣٤٧:٤). (قلت: أثر قتادة عن عمر أيضًا محتمل أن يكون الرجل ممن لم تعلم حريته، فلما أقدم على بيع نفسه كان ذلك إقرارا منه بعبديته، والمرء يؤخذ بإقراره إذا لم يكذبه الظاهر، وأثر زرارة محمول على الإجارة، وقد يطلق عليها البيع، فكأنه جعله أجیرا لأحد لیقضی دینه بأجرته، فإن ثبت أثر بأن الحر كان يباع فى دينه فى صدر الإسلام كما ادعاه ابن حزم، وإلا فلا حجة فى شىء من تلك الآثار على ثبوت الخلاف فى بيع الحر). ١٢ ظ باب النہی عن بیوع الغرر قوله: "نهى عن بيع الحصاة"، أقول: وهو بيع إلقاء الحجر، وهو منهی عنه وفاسد عندنا، وتفسير أن يتساوما المتبايعان، فإذا رضى البائع بالبيع بثمن رضى المشترى بالشراء به ألقى أحدهما الحصاة، ويكون هذا بيعا بينهما باتا لا يمكن لأحد منهما رده، فإن كان هذا الطريق معروفا بينهم للبيع، كما كان فى الجاهلية لا يحتاج إلى الواضعة عند العقد، بأن يقول أحدهما: إذا ألقيت الحجر ١٢٢ النهى عن بيوع الغرر إعلاء السنن ٤٦٤٨- وعن ابن مسعود أن النبى معَّ ◌ُلّه قال: ((لا تشتروا السمك فى الماء فإنه غرر))، رواه أحمد. ٤٦٤٩- وعن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله عَّ ◌ُله عن بيع حبل الحبلة))، رواه أحمد ومسلم والترمذى. وجب البيع، ويقول الآخر: نعم! وإن لم يكن معروفا يجب الواضعة قبل الإلقاء ليكون الإلقاء بيعا، ووجه فساد هذا البيع أنه لا يتحقق فيه ركن البيع، وهو القبول، بل تم البيع بالإيجاب فقط، وهو إلقاء الحجر، وقال فى "الهداية": "لأن فيه تعليقا بالخطر اهـ"، وليس كذلك، لأن العقد هو إلقاء الحجر، وليس فيه تعليق، وإنما التعليق عند التساوم وهو غير مفسد، وإنما المفسد هو التعليق فى العقد، وفى تفسيره قول آخر ذكرها فى "النيل" ، فارجع(١) إليه. قوله: "بيع الغرر"، أقول: هو كل بيع دخله الغرر بوجه من الوجوه، قال النووى: "النهى عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع، يدخل تحته مسائل كثيرة جداً اهـ". وخص منه بعض الأفراد بالإجماع، كاللبن فى ضرع الدابة جاز بيعه فى ضمن بيع الدابة، ولا يجوز بيعه مستقلا، واختلفوا . فى بعض منها، فجعله بعضهم من أفراد بيع الغرر، وبعضهم لم يجعلوه من أفرادها كالعين الغائبة، جعل بيعها الشافعى من بيوع الغرر، ولم يجعله أبو حنيفة منها، وهذا هو اختلاف الاجتهاد(٢). قوله: "عن ابن مسعود"، أقول: رواه یزید بن أبی زیاد، عن المسیب بن رافع، عن ابن رافع، عن ابن مسعود، قال البيهقى: فيه إرسال من المسيب وعبد الله، والصحيح وقفه، وقال الدار قطنى: اختلف فیہ والموقوف اصح، و کذلك قال الخطیب وابن الجوزى، وقد روى أبو بكر بن أبى عاصم عن عمران بن حصین حدیثا مرفوعا، وفیہ النهى عن بيع السمك فى الماء، فهو شاهد لهذا اهـ (نيل الأوطار ٧:٥). أقول: وروى هذا بن عمر بن الخطاب أيضًا موقوفا، وهو شاهد آخر. قوله: "نهى عن بيع حبل الحبلة"، أقول: الظاهر فى معناه هو بيع حمل ولد الناقة، وقيل فى (١) قلت: لم يذكر الحبيب لما ذكره من تفسير بيع الحصاة مستندًا، وما ذكره فى وجه فساد البيع أنه لا يتحقق فيه ركن البيع وهو القبول، ففيه أن البيع يصح عندنا بالمعاطاة، ولا يوجد فيه ركن الأركان لفظًا، فكيف يصح القول بفساد العقد لانعدام القبول لفظا؟ فالحق ما ذكره فى "الهداية": أن فيه تعليقا بالخطر، وتفسيره أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة، ويرمى حصاة، أو من الأرض ما انتهت إليه الحصاة، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٤: ٣٠١). ظ (٢) (قلت: بل لأبى حنيفة حجة من آثار الصحابة على صحة بيع الغائب وللمشترى الخيار إذا رآه، وقد قدمنا الآثار فى باب خيار الرؤية، فلیراجع). ظ ج - ١٤ النهى عن بيوع الغرر ١٢٣ ٤٦٥٠- وعن شهر بن حوشب، عن أبى سعيد، قال: ((نهى رسول الله عَ لّه عن شراء ما فى بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما فى ضروعها إلاّ بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة القانص)). رواه أحمد وابن ماجه، والترمذى منه: شراء المغانم، وقال: غريب. ٤٦٥١- وعن ابن عباس قال: ((نهى النبى معَُّلّه عن بيع المغانم حتى تقسم))، رواه "النسائی" وعن أبى هريرة عن النبى مګێ مثله، رواه أحمد وأبو داود. ٤٦٥٢- وعن ابن عباس، قال: ((نهى النبى عَّ أن يباع ثمر حتى يطعم أو صوف على ظهر أو لبن فى ضرع أو سمن فى لبن))، رواه الدار قطنى. ٤٦٥٣- وعن أبى سعيد، قل: ((نهى رسول الله عَّه عن الملامسة، والمنابذة فى البیع))، متفق عليه. تفسيره: هو البيع إلى حبل الحبلة، وعلى كلا التفسيرين هو من البيوع المنهى عنها، لكونه بيعًا للمعدوم، أو الجهالة الفاحشة فى الأجل. قوله: "عن أبی سعید"، أقول: قال الشو کانی: قد ضعف الحافظ إسناده، و شهر بن حوشب فيه مقال تقدم، وقد حسن الترمذى ما أخرجه منه، ويشهد لأكثر الأطراف التى اشتمل عليها أحاديث أخر، منها النهى عن بيوع الغرر، وما ورد فى النهى عن بيع الملاقيح والمضامين، وما ورد فى حبل الحبلة على أحد التفسيرين (نيل ٩:٥)، أقول: ويؤيد النهى عن بيع ما فى ضروعها حديث ابن عباس، وسیأتی الکلام علیه، ولكن لا يؤيد ما فيه من الاستثناء روایة، فلا يحتج به إلا أن يؤول، ويقال: إن معناه إلا بعد الإخراج منها وبيعه بالكيل، وحينئذ يتأيد الاستثناء أيضًا بالنصوص الثابتة الصحيحة. وبهذا ظهر ضعف ما قال الشوكانى: "إن بيعه منه كيلا نحو أن يقول: بعت منك صاعا من حلب بقرتى جائز، فإن الحديث يدل على جوازه لارتفاع الغرر والجهالة اهـ". ووجه الضعف أن الرواية ضعيفة عنده، ولم يتأيد الاستثناء بحديث آخر، وبعد الثبوت فدلالته على ما قال غير مسلم، وبعد تسلم الدلالة فارتفاع الغرر غير مسلم، لأنه كيف يعلم أن فى ضرعها صاع من اللبن؟ وإن قال: إنه ليس المراد من اللبن اللبن الخاص، بل مطلق اللبن، فهو بيع المعدوم، وفيه غرر أيضًا، لأنه يحتمل أن تموت البقرة، أو ينقطع لبنها، فكيف يصح أن يقال: إن الحديث يدل على جوازه؟ وشراء الآبق وإن لم يرد فيه نص آخر إلا أنه مؤيد بالأصول الصحيحة الثابتة، لأن القدرة على ١٢٤ النهى عن بيوع الغرر إعلاء السنن ٤٦٥٤- وعن أنس قال: ((نهى النبى عَّ عن المحاقلة، والمخاضرة، والمنابذة، والملامسة، والمزابنة)) رواه البخارى أخرج هذه الروايات فى المنتقى (نيل ٧:٥ و٩ -١٠). التسليم شرط لصحة البيع، ولم توجد هنا فيفسد لا محالة، لكن بالفساد الموقوف، فإن قدر على التسليم قبل انفساخ البيع يعود صحيحا، وإلا فلا، ولما كان مبنى الفساد هو عدم القدرة، فإن باعه ممن هو فى يده لا يكون فاسدًا أيضًا، لانتفاء المفسد، وهو عدم القدرة على التسليم، فظهر أن ما قال الشوكانى: "إن مذهب أبى حنيفة أنه يصح موقوفا" خطأ فى النقل، بل مذهبه أنه فاسد بفساد موقوف أو باطل، كما فى "فتح القدير" (٥٩:٦). وقوله: "عن شراء المغانم"، مؤيد برواية ابن عباس وأبى هريرة، وما ورد فى النهى عن بيع ما لا يملكه، وعن بيع ربح ما لم يضمن، وعن البيع قبل القبض، وكذا شراء الصدقات، وكذا قوله: "نهى عن ضربة القانص" مؤيد بالنصوص المذكورة، وبالنهى عن بيع الغرر. قوله: "عن ابن عباس"، أقول: قال البيهقى: "فى إسناده عمر بن فروخ وهو ضعيف، وتفرد برفعه، ووقفه غيره على بن عباس، وهو المحفوظ". أقول: هذا الحديث رواه عن ابن عباس سليمان ابن يسار وعكرمة، أما سليمان بن يسار فرواه عنه موقوفا، وأما عكرمة فرواه عنه أبو إسحاق، وحبیب بن الزبير، أما أبو إسحاق فرواه عنه موقوفا، وأما حبيب فرواه عنه عمر بن فروخ، واضطرب فيه، فإنه قد يقول: عن حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبى معَِّ، وقد يقول: عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد يقول: عن حبيب، عن عكرمة، عن النبى معَّ ◌ُّه، وقد يقول: عن عكرمة عن النبى معَّه، وعمر وثقه أبو داود وابن معين وأبو حاتم، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وذكره ابن عدى فى "الكامل"، ولم يذكر فيه جرحا، وتفرد بتضعيفه البيهقى فهو ثقة. وأما الاضطراب فالجواب عنه: أن الراوى قد يكون الرواية عنده موقوفا ومرفوعًا وبواسطة، فیرویه کما سمع حسبما يقضيه المقام، وليس هذا اضطرابا یضعف الحديث لأجله، ولا اضطرابا يحتاج فيه إلى الترجيح، فإن الترجيح يكون عند التعارض، وتعارض هناك، فسقط جرح البيهقى، وثبت الحديث لا سيما إذا كان مؤيدا الموقوف، ومشيدا بالأحاديث والأصول الصحيحة المعلومة من الشارع، لأن قوله: ((نهى عن بيع التمر حتى يطعم)) روى بأسانيد صحيحة متفق على صحتها، وأما الصوف على الظهر فهو من أجزاء الحيوان، فلا يجوز بيعه ما دام متصلا به، كما لا يجوز بيع سائر أجزاءه مع احتمال النزاع عند القطع، وأما اللبن فى الضرع، فقد مر الكلام فيه، وأما السمن فى اللبن ففيه بيع المعدوم والغرر، فإنه يحتمل أن يفسد اللبن ولا يخرج منه السمن. ج - ١٤ النهى عن بيوع الغرر ١٢٥ ٤٦٥٥- وعن ابن عمر عن النبى معَّه: ((أنه نهى عن المضامين، والملاقیح، وحبل الحبلة، قال: والمضامين ما فى أصلاب الإبل، والملاقيح ما فى بطونها، وحبل الحبلة ولد ولد هذه الناقة)). أخرجه عبد الرزاق (نصب الراية ١٧٤:٢)، وقال فى "الدراية": إسناده صحيح. ٤٦٥٦- وقال أبو يوسف فى "كتاب الخراج": حدثنا العلاء بن السبيب بن رافع، عن الحارث العكلى، عن عمر بن الخطاب، قال: "لا تبيعوا السمك فى الماء فإنه غرر)) (فتح القدير ٤٩:٦): ٤٦٥٧- وعن ابن عباس أنه قال: "السلف فى حبل الحبلة ربا" (مسند أحمد ١: ٢٤٠). قوله: "المحاقلة"، أقول: المحاقلة: هو بيع الزرع بالطعام كيلا، وقيل: غير ذلك، والمخاضرة: هو بيع الثمر قبل بدو الصلاح، وفيه تفصيل مذكور فى بابه. والمنابذة: هو أن ينبذ البائع إلى المشترى السلعة أو ينبذ المشترى إلى البائع الثمن، ويكون هذا النبذ هو البيع على قياس ما قلنا فى إلقاء الحجر، والملامسة: أن يجعل نفس اللمس بيعا على قياس النبذ، والمزابنة: هى شراء الثمر على النخل بالرطب أو التمر كيلا، وكل ذلك بيوع فاسدة إلا والمخاضرة فإن فيه تفصيلا، وهو أنه منهی عنه إن كان بشرط الترك على النخيل، وإن كان بشرط القطع فلا، وعند الإطلاق يجب عليه القطع فى الحال، وإن ترك عليها يفسد البيع لاختلاط المبيع بغيرها، هذا عندنا، وقال الشافعى: لا يجوز مطلقًا، والدلائل مذكورة فى بابه. قوله: "عن عمر بن الخطاب"، أقول: فى سنده انقطاع بين الحارث العكلى وعمر بن الخطاب، ولا يضر الانقطاع عندنا فى القرون الثلاثة، ثم هو موجب للضعف والضعيف يصلح شاهدا، وإنما نقلناه تأييدا لرواية ابن مسعود. قوله: "السلف فى حبل الحبلة ربا"، أقول: هذا دليل على أن المراد فى الأحاديث التى ورد فيها النهى عن حبل الحبلة هو بيع نفس حبل الحبلة لا البيع إلى حبل الحبلة. قال العبد الضعيف: لا يلزم من كون السلف فى حبل الحبلة ربا بطلان ما ذكروه فى تفسير النهى عن بيع حبل الحبلة، بل غاية ما فيه أن السلف فى حبل الحبلة غير جائز أيضاً، وهو لا يدل على أن ذلك هو المراد بالنهى عن بيع حبل الحبلة، كيف؟ وقد روى البخارى من طريق مالك، عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: ((أن رسول الله نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتبايعه ١٢٦ النهى عن بيوع الغرر إعلاء السنن أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التى فى بطنها. قال الحافظ فى "الفتح": كذا وقع هذا التفسير فى "الموطأ" متصلا بالحديث، قال الإسماعيلى: وهو مدرج، يعنى أن التفسير من كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب فى "المدرج"، وسيأتى فى آخر السلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكى عن جويرية التصريح بأن نافعا هو الذى فسره، لكن لا يلزم من كون نافع فسره لجويرية أن لا يكون ذلك التفسير، مما حمله عن مولاه ابن عمر، فسيأتى فى أيام الجاهلية من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما فى بطنها، ثم تحمل التى نتجت، فنهاهم رسول الله عَّه عن ذلك". فظاهر هذا السياق أن هذا التفسير من كلام ابن عمر، ولهذا جزم ابن عبد البر بأنه من تفسير ابن عمر، وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيب ومالك والشافعى وجماعة: وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة. وقال بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد، ويحمل ولدها، والمنع للجهالة فى الأجل، ومن حقه على هذا التفسير أن يذكر فى السلم. (قلت: لا يخفى إمكان إرجاع قول ابن عباس إلى هذا بأن يكون معنى قوله: ((السلف فى حبل الحبلة ربا))، أى البيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد ويحمل ولدها باطل)، وقال أبو عبيدة، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب المالكى، وأكثر أهل اللغة، وبه جزم الترمذى: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع فى هذا من جهة أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه، فيدخل . فى بيوع الغرر، ولذلك صدر البخارى بذكر الغرر فى الترجمة، لكنه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السلم أيضًا، ورجح الأول لكونه موافقا للحديث، وإن كان كلام أهل اللغة موافقا للثانى، وقال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجنين، وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثانى هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين اهـ ملخصا (٢٩٩:٤ -٣٠٠). قلت: ولا يبعد أن يكون المراد البيع إلى حبل الحبلة وبيع حبل الحبلة كلاهما، لبطلان كليهما شرعًا، وإلا فالراجح ما وافق الحديث وتفسير الصحابى، فإنه أعرف بمراد الرسول وباللغة واللسان من أهل اللغة المتأخرين. ج - ١٤ النهى عن بيوع الغرر ١٢٧ تفسير بيع الحصاة وترجيح ما قاله صاحب "الهداية": وقال ابن القيم فى "الهدى": وأما بيع الحصاة فهى من باب إضافة المصدر إلى نوعه كبيع الخيار، لا إلى مفعوله كبيع الميتة، وفسر بيع الحصاة بأن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أى ثوب وقع فهو لك بدرهم، وفسر بأن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، وفسر بأن يقبض على كف من حصا ويقول: لى بعدد ما خرج فى القبضة من الشىء المبيع، أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصا ويقول: لى بكل حصاة درهم، وفسر بأن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة، ويقول: أى شاة أصابتها فهى لك بكذا، وفسر بأن يمسك أحدهما حصاة فى يده، ويقول: أى وقت سقطت الحصاة وجب البيع، وفسر بأن يتبايعا، ويقول: أحدهما: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع، قال: وهذه الصور كلها فاسدة لما تضمنته من أكل المال بالباطل، ومن الغرور والخطر الذى هو شبه بالقمار اهـ (٤٥١:٢). ولا يخفى أن أكثر هذه الصورة غير الخامسة متضمن لتعليق العقد على الخطر، والخامسة فمتضمن لتمام العقد بالإيجاب من غير قبول، فلا وجه لتغليط ما ذكره صاحب "الهداية"، فلعله ترجح عنده فى تفسير بيع الحصاة أحد الأقوال الأربعة المذكورة، سلمنا أن الراجح هو الخامسة، فلا دليل على أن التعليق كان يكون عند التساوم، ولم يكن فى العقد، بل الظاهر من إدخال الفقهاء إياه فى بيوع الغرر هو الثانى دون الأول، والله تعالى أعلم. بيع المغيبات فى الأرض: قال ابن القيم: وليس من بيع الغرر المغيبات فى الأرض کاللفت، والجزر، والكفت، والفجل، والقلقاس، والبصل، ونحوها، فإنها معلومة بالعادة يعرفها أهل الخبرة بها، فظاهرها عنوان باطنها، فهو کظاهر الصبرة مع باطنها، ولو قدر أن فى ذلك غررا فهو غرر یسیر یغتفر فى جنب المصلحة العامة التى لا بد للناس منها، فليس كل غرر سببا للتحريم، والغرر إذا كان يسيرا أولا يمكن الاحتراز منه لم يكن مانعا من صحة العقد، فإن الغرر الحاصل فى أساسات الجدران، وداخل بطون الحيوان، أو آخر الثمار التى بدا صلاح بعضها دون بعض لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف الغرر الكثير الذى يمكن الاحتراز منه، وهو المذكور فى الأنواع التى نهى عنها رسول الله عّ لّه، وما كان مساويا بها لا فرق بينها وبينه، فهذا هو المانع من صحة العقد، فإذا عرف هذا فبيع المغيبات فى الأرض انتفى عنه الأمران، فإن غرره يسير، ولا يمكن الاحتراز منه، فإن عرف الحقوق ١٢٨ النهى عن بيوع الغرر إعلاء السنن الكبار لا يمكن بيع ما فيها من ذلك إلا وهو فى الأرض، فلو شرط لبيعه إخراجه دفعة واحدة، كان فى ذلك من المشقة، وفساد الأموال ما لا يأتى به شرع، وإن منع بيعه إلا شيا فشينا كلما أخرج شيئا باعه، ففى ذلك من الحرج والمشقة، وتعطيل مصالح أرباب تلك الأموال، ومصالح المشترى ما لا يخفى، وذلك مما لا يوجبه الشارع، ولا تقوم مصالح الناس بذلك البتة، فليس هذا من الغرر الذى نهى عنه رسول الله مّه، ولا نظيرا لما نهى عنه من البيوع اهـ، ملخصًا (٤٥٢:٢). وفى "الدر": ولا يجوز بيع المعدوم، ومنه بيع ما أصله غائب كجزر وفجل، قال الشامى: أى ما ينبت فى باطن الأرض، وهذا إذا كان لم ينبت، أو نبت، ولم يعلم وجوده وقت البيع، وإلا جاز بيعه كما يأتى قريبًاء أى فى قول "الدر": هذا إذا نبت ولم يعلم وجوده، فإذا جاز وله خيار الرؤية اهـ (١٥٧:٤). قلت: فما عزاه الموفق فى "المغنى" إلى الحنفية من أن "بيع ما المقصود منه مستور فى الأرض لا يجوز عندهم"، لا يصح على إطلاقه، بل هو مقيد عندنا بما إذا لم يعلم وجوده، وطريق العلم لا تنحصر فى القلع والمشاهدة، بل يدخل فيها كل ما يعرف به أهل الخبرة وجوده، فافهم. قلت: ومن ههنا ظهرت ضرورة الاجتهاد والتقليد، فإن من لم يعرف مقاصد الشرع وعللها يجعلها كلها سواسية الإقدام فى الأحكام، وظهر منه أنه لا يجوز لكل أحد أن يعمل بالحديث على ما فهمه، بل ذلك من وظيفة المجتهد، وعلى غير المجتهد أن يقلده، فإن العامى لا يقدر على أن يعرف قليل الغرر من كثيره، وأن أيهما نظير ما نهى عنه رسول الله عَّ ◌ُله أو نظير ما أباحه، فالعجب من ابن القيم رحمه الله أنه كيف أنكر التقليد وذم أهله فى "أعلام الموقعين"، وأطلق لكل من بلغه الحديث أن يتبعه على ما فهمه منه؟ ولا يخفى ما فيه من فتح باب الإلحاد على العوام، فإنهم لا يدركون معانى الكتاب والسنة، ولا يفقهون مقاصد الشرع ولا يعرفون أساليب الكلام، ومن مارس علماء زمانه لا يشك فى كونهم بمنزلة العوام، وأنهم بمراحل عن فهم مراد النبى عليه الصلاة والسلام إلا الراسخون منهم، وقليل ما هم. اختلاف العلماء فى بيع الغائب: إذا عرفت هذا فنقول: قال الموفق فى "المغنى": وفى بيع الغائب روايتان، أظهرهما أن الغائب الذى لم يوصف ولم تتقدم رؤيته لا يصح بيعه، وبهذا قال الشعبى والنخعى والحسن ج - ١٤ النهى عن بيوع الغرر ١٢٩ والأوزاعى ومالك وإسحاق، وهو أحد قولى الشافعى. وفى رواية أخرى أنه يصح وهو مذهب أبى حنيفة والقول الثانى للشافعى، وهل يثبت للمشترى خيار الرؤية؟ على روايتين: أشهرهما ثبوته، وهو قول أبى حنيفة، واحتج من أجازه بعموم قول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. وروى عن عثمان وطلحة أنهما تبايعا داريهما بالكوفة والأخرى بالمدينة، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: ما أبالى لأنى بعت ما لم أره، وقيل لطلحة: فقال: لى الخيار، لأنى اشتريت ما لم أره، فتحاكم إلى جبير فجعل الخيار لطلحة، وهذا اتفاق منه على صحة البيع، ولأنه عقد معاوضة، فلم تفتقر صحته إلى رؤية المعقود عليه كالنكاح، قال: ولنا ما روى عن النبى عدّ أنه نهى عن بيع الغرر، رواه "مسلم"، ولأنه باع ما لم يره ولم يوصف له فلم يصح، كبيع النوى فى التمر، ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، والآية مخصوصة بالأصل الذى ذكرناه (قلت: قليل الغرر لا يخلو عنه بيع كما تقدم، وليس بداخل فى الغرر المنهى عنه، والنهى إنما هو عن الغرر الذى فيه تعليق العقد على الخطر، وبيع الغائب خارج عنه لسلامة العقد من التعليق ومن الخطر كليهما، والغرر اليسير الذى حصل من عدم الرؤية يرتفع بثبوت الخيار للمشترى). قال: وأما حديث عثمان وطلحة فيحتمل أنهما تبايعا بالصفة (قلت: لو كان كذلك لنقل ولو فى رواية ما، ولم ينقل، فالظاهر عدم الوصف). قال: على أنه قول صحابی، وفى كونه حجة خلاف (قلنا: هذه قضية قد ظهرت وانتشرت، ولم ينكرها على جبير منكر، ومثله حجة بالاتفاق). قال: ولا يعارض به حديث رسول الله عَّه (قلنا: لا تعارض بينهما فقد بينا أن مطلق الغرر ليس بمراد وإلا لم يصح بيع المغيبات فى الأرض أيضًا، والغرر اليسير مغتفر، فلا يصح إدخاله فی بیوع الغرر). قال: فإن قيل: فقد روى عن النبى عَّه أنه قال: ((من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه)). والخيار لا يثبت إلا فى عقد صحيح. قلنا: يرويه عمر بن إبراهيم الكردى وهو متروك الحديث (قلنا: قال الطحاوى: إن خيار الرؤية لم نوجبه قياسًا، وإنما وجدنا أصحاب رسول الله عّ لّه أثبتوه وحكموا به، وأجمعوا عليه، ولم يختلفوا فيه، وإنما وجدنا الاختلاف فى ذلك ممن بعدهم، فجعلنا ذلك خارجا من قول النبى معَّه: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)). وعلمنا أن النبى عرّ ◌ُلّه لم يعن ذلك الإجماعهم على خروجه منه، وقال أيضًا: والآثار فى ذلك قد جاءت متواترة، وإن كان أكثرها ١٣٠ النهى عن بيوع الغرر إعلاء السنن متقطعًا، فإنه منقطع لم يضاده متصل اهـ، وقد تقدم بسطه فى باب خيار الرؤية، والحديث الضعيف إذا تأيد بأقوال الصحابة فهو حجة عند الكل، كما ذكرنا فى "المقدمة"، فتذكر. آثار التابعين وأقوالهم فى خيار الرؤية: وروى ابن حزم من طريق ابن أبى شيبة: نا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، ويونس بن عبيد، والمغيرة، قال إسماعيل عن الشعبى، وقال يونس بن الحسن، وقال المغيرة عن إبراهيم، ثم اتفقوا كلهم فيمن اشترى شيئا لم ينظر إليه كائنا ما كان قالوا: هو بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وقال إبراهيم: هو بالخيار وإن وجده كما شرط له، وروى أيضًا عن مكحول، وهو قول الأوزاعى، وسفيان الثورى. (قلت: وهذا خلاف ما عزاه الموفق إلى الشعبى والنخعى، والحسن، والأوزاعى). ومن طريق ابن أبى شيبة: نا جرير، عن المغيرة، عن الحارث العكلى، فيمن اشترى العدل من البر فنظر بعض التجار إلى بعضه فقد وجب عليه إذا لم ير عوارا فيما لم ينظر إليه، (أى يبطل خيار الرؤية برؤية البعض إذا صلح أنموذجا للباقى، وله الرد بخيار العيب إذا اطلع على عيب فيه). ومن طريق شعبة عن الحكم وحماد فيمن اشترى عبدا قد رآه بالأمس ولم يره يوم اشتراه قالا جميعا: لا يجوز حتى يراه يوم اشتراه (٣٣٨:٨)، أى لا يسقط خياره برؤية سابقة على العقد، بل برؤية لا حقة له، وفى كل ذلك دليل لما قاله أبو حنيفة من جواز بيع الغائب وثبوت خيار الرؤية للمشترى، ثم ذكر أبو حنيفة لذاك فروعا مبناها على أن الشىء متى يسمى غائبا عرفا فيثبت لمشتريه الخيار، أو حاضرا فلا يكون له خيار الرؤية، ولا يخفى أن الغيبة والحضور مما لا يحتاج إلى أن ينص عليه الشارع، ولا نوابه من الصحابة والتابعين، وإنما ذلك مما يعرفه أهل اللسان بما تعارفوه بينهم لكونه من العوائد، ولكن ابن حزم لم يتنبه لذلك المعنى فشنع على أبى حنيفة. وقال: فأما أقوال أبى حنيفة التى ذكرنا فأقوال فى غاية الفساد، لا تؤثر عن أحد من أهل الإسلام قبله، نعنى الفرق بين ما يسقط الخيار مما يرى من الرقيق، ومما يرى من الدواب، (فيكتفى برؤية الوجه فى الأول وبرؤية الكفل فى الثانى، ويسقط به الخيار وإن لم ير سائره) ومما يرى من الثياب الزوية فى الوعاء، وما يرى من الثياب التى ليست فى العدل، (فلا يكتفى برؤية واحد منها ما لم ير كلها واحدا واحدا، لكثرة الاختلاف فى أفراد الثياب)، وما يرى من السمن، والزيت، والخنطة، والدور، (فيكتفى برؤية بعضها ويسقط به خيار الرؤية) وكل ذلك وساوس لا حظ لها فى شىء من العقل، ولا لها مجاز على القرآن ولا السنن، ولا الروايات الفاسدة، ولا قول أحد من ١٣١ ج - ١٤ النهى عن بيوع الغرر السلف إلى آخر ما قال وأطال (٣٣٨:٨). الرد على ابن حزم، والجواب عن طعنه فى أبى حنيفة رحمه الله: قلت: قد أجمعت الأمة والأئمة المتقدمون على كون أبى حنيفة أعقل الناس، وأعلم الناس، وأن كلهم عيال عليه فى الفقه، وأما ابن حزم فعلمه أكثر من عقله، قال الحافظ أبو بكر بن العربى: "كان أول بدعة لقيت فى رحلتى القول بالباطن، فلما أعدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب، سخيف كان من بادية أشبيلية يعرف بابن حزم، نشأ وتعلق بمذهب الشافعى، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأئمة يضع ويرفع ويحكم ويشرع ونسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرًا للقلوب منهم، وخرج عن طريق المشبهة فى ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوام، واتفق كونه من قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبتهم بالدليل فيتضاحك مع أصحابه منهم اهـ ملخصًا من "تذكرة الراشد" للفاضل العلامة اللکنوی (٤٨٥). قلت: كنت أحمل كلام ابن العربى هذا على المبالغة فى الذم، ولكن ابن حزم قد صدق فيه ظنه بجعله أقوال أبى حنيفة وساوس لا حظ لها فى شىء من العقل إلخ، فإن ذلك مما لا يذعن له أحد له مسكة بالفقة، بل يتهم الناس كل من تكلم فى أبى حنيفة بمثل هذا الكلام بقلة العقل، وكونه من طبقة العوام الذين لا حظ لهم من الدراية والفهم، والسلام. دليل صحة بيع المعاطاة، وأنه ليس من بيع الملامسة والمنابذة فى شىء: ولنذكر تتمة للباب ما يتعلق ببيع المعاطاة، قال الحافظ: "واختلف العلماء فى تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهى أوجه للشافعية: أصحها: أن يأتى بثوب مطوى أو فى ظلمة فيلمسه المستأم، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم المسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا موافق للتفسيرين الذين فى الحديث، الثانى: أن يجعلا نفس اللمس بيعا بغير صيغة زائدة، الثالث: أن يجعلا اللمس شرطا فى قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل فيؤخذ منه (على بطلان الوجه الثانى) بطلان بيع المعاطاة مطلقًا، لكن من أجاز المعاطاة قيدها بالمحقرات أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة، وأما الملامسة والمنابذة عند من يستعملها فلا يخصهما بذلك، فعلى هذا يجتمع بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة فى بعض صور المعاطاة إلخ (٤: ٣٠١)". ١٣٢ النهى عن بيوع الغرر إعلاء السنن قلت: كلا! فإن المعاطاة لا يكون فيهما اللمس والنبذ بيعا، بل حقيقتها أن أخذ المشترى المبيع برضاه يقوم مقام القبول، وكذلك أخذ البائع الثمن برضاه، ولا يكون شىء من ذلك مبطلا للخيار، ولا مشروطا فى العقد، فلا يجتمع المعاطاة بالملامسة والمنابذة فى شىء من صورهما، وقال العينى فى "العمدة": وفى "المغرب": الملامسة واللماس أن يقول لصاحبه: إذا لمست ثوبك ولمست ثوبى فقد وجب البيع، وعن أبى حنيفة هى أن يقول: أبيعك هذا المتاع بكذا، فإذا لمستك وجب البيع، أو يقول المشترى كذلك، قال: وهذان البيعان أى الملامسة والمنابذة عند جماعة العلماء من بيع الغرر والقمار اهـ (٥٠٦:٥). ولا شك أن بيع المعاطاة ليس من الغرر والقمار فى شىء، فلا يصح القول باجتماعها بهما فى شىء من صورهما. قال الموفق فى "المغنى": والبيع على ضربين: أحدهما: الإيجاب والقبول. الضرب الثانى: المعاطاة، مثل أن يقول: أعطنى بهذا الدينار خبزا، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه، فهذا بيع صحيح نص عليه أحمد فيمن قال الخباز: كيف تبيع الخبز، قال: كذا بدرهم، قال: زنه وتصدق به، فإذا وزنه فهو عليه، وقول مالك نحو من هذا، فإنه قال: يقع البيع مما يعتقده الناس بيعًا. وقال بعض الحنفية: يصح فى خسائس الأشياء (فإن العرف إنما جرى بالمعاطاة فى الخسائس دون النفائس، فلا تكون بيعا فيما لم يجر به العرف). وحكى عن القاضى مثل هذا، ومذهب الشافعى رحمه الله أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول. وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا، ولنا أن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه فى القبض والإحراز والتطرق، والمسلمون فى أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم، وإنما علق الشرع عليه أحكاما وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأى والتحكم، ولم ينقل عن النبى معَ ◌ّه ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول (لفظًا باللزوم والدوام) ولو استعملوا ذلك فى بياعاتهم لنقل نقلا شائعا، ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله؛ ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له الإيجاب والقبول (لفظًا) لبينه عرّ لّه بيانا عاما، ولم يخف حكمه، لأنه يفضى إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا، وأكلهم المال بالباطل، ولم ينقل ذلك عن النبى معَّه ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه، ولأن الناس يتبايعون فى أسواقهم بالمعاطاة فى كل عصر، ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا، فكان ذلك إجماعًا، وكذلك الحكم فى ج - ١٤ ١٣٣ باب بیع العرایا ٤٦٥٨- عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: ((أن رسول الله ع ێ نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة اشتراء الثمر على رؤوس النخل)). ٤٦٥٩- وعن جابر رضى الله عنه أنه قال: ((نهى النبى عَّ عن بيع التمر حتى يطيب، ولا يباع شىء إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا)). ٤٦٦٠- وعن أبى هريرة: ((أن النبى معَّه رخص فى بيع العرايا فى خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق)). ٤٦٦١- وعن ابن عمر أن النبى عدّ له قال: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا التمر بالتمر)). ٤٦٦٢- قال سالم وأخبرنى عبد الله، عن زيد بن ثابت: ((أن رسول الله عَّ له رخص بعد ذلك فى بيع العرايا بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص فى غيره)) (بخارى ١: ٩١-٩٢). الإيجاب والقبول فى الهبة والهدية، والصدقة، ولم ينقل عن النبى معدّه، ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه (لفظًا)، وقد أهدى إلى رسول الله عَّه من الحبشة وغيرها، وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، متفق عليه. وروى البخارى عن أبى هريرة، قال: كان رسول الله عَّ ◌ُلّه إذا أتى بطعام سأل عنه أ هدية أم صدقة؟ (وفى سؤاله عن ذلك دليل على أن الآتى به لم يكن يتكلم بشىء، بل كان يكتفى بالإتيان به) فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده وأكل معهم، وفى حديث سلمان نحوا من هذا، ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب، وإنما سأل ليعلم هل هو صدقة أو هدية، وفى أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول، وليس إلا المعاطاة، والتفرق عن تراضٍ يدل على صحته، ولو كان الإيجاب والقبول شرطا فى هذه العقود لشق ذلك، ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة، وأكثر أموالهم محرمة، ولأن الإيجاب والقبول إنما يوردان للدلالة على التراضى، فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطى قام مقامهما وأجزأ عنهما، لعدم التعبد فیه اهـ (٤:٤-٥). ١٢ ظ باب بيع العرايا قوله: "رخص فى بيع العرايا"، أقول: إنهم بعد الاتفاق على حرمة الربا، وحرمة المزابنة، اختلفوا فى أن المزابنة فى العرايا جائز أم لا؟ فقال الشافعى وأحزابه: نعم! وقال أبو حنيفة وأصحابه: ١٣٤ بيع العرايا إعلاء السنن لا احتج الشافعى على جوازها بما روى عن النبى معَّ له من الرخصة فى بيع العرايا، ووجه الاحتجاج به أن العرايا محتملة لصور مختلفة، وليس بعض الصور أولى من بعض، فلا بد أن يحمل هذا اللفظ على جميعها، ويقال: إن كل ما يطلق عليه لفظ العرية فبيعه جائز، ثم النهى عن بيع المزابنة أولا واستثناء بيع العرايا منه ثانيًا يدل على أنه كان داخلا فى المنهى عنه ثم أخرج منه، ويدل عليه قوله: ((رخص)) أيضًا؛ لأن الرخصة تنبئ عن الحرمة السابقة، وقوله: "بعد ذلك)) صريح فى أنه كان هذا البيع منهيا عنه أولا، ويدل عليه أيضًا تحديد الجواز بخمسة أوسق أو ما دون خمسة أوسق، وقال أبو حنيفة: إن العربية إن كانت محتملة لصور مختلفة، فالظاهر منه ما هو المتعارف بينهم، وهو العطية، لأن العرب فى الجدب كان يتطوع أهل النخل منهم بثمر النخل دون الرقبة على من لا ثمر له، كما يتطوع أهل الشاة والإبل بالمنيحة، وهى عطية اللبن دون الرقبة (فتح البارى ٣٢٥:٥)، فيكون حمل اللفظ عليه هو الراجح، ولا يصح حمله على كل ما يحتمله اللفظ، لأن عموم المشترك غير جائز عندنا، ولفظ البيع لا يدل على جواز المزابنة فى العرايا، لأن هذا البيع إما أن يكون من المعرى أو من غيره، وأيا ما كان فهو لا يدل عليه، أما الأول فلأنه ليس ببيع، لأن الثمر لم يخرج من ملك المعرى لانعدام قبض المعرى له، لأن اتصاله بملك المعرى مانع من القبض، كما فى "الكفاية"، والبيع من المالك غير معقول. وأما الثانى: فلأنه ليس ببيع أيضًا، لأن الثمر ليس بمملوك له كما تبين، وإذا لم يكن بيعا، فكيف يدل على جواز المزابنة فى العرايا؟. فإن قلت: إن لم يكن هذا بيعا فكيف تصح الاستثناء من بيع المزابنة؟ قلنا: (الخطب فيه هين) فقد يطلق البيع على الاستبدال صورة، وإن لم يتحقق الاستبدال حقيقةً، كما قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم﴾، وقوله: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ فإذا وهبت لأحد شيئا ثم استبدلته بشىء آخر قبل قبض الموهوب له أو بعده، يصح عليه إطلاق البيع عرفًا، وإن لم يكن ذلك بيعًا حقيقة أو شرعًا، فلفظ البيع فى قوله: ((لا تبيعوا التمر بالتمر)) ونحوه، وإن لم يكن شاملا لاستبدال المعرى له التمر المعرى قبل القبض بحسب إرادة الشارع إلا أنه شامل له بحسب العرف، فيصح الاستثناء على هذا الوجه، وهذا الاستثناء وإن كان منقطعا بحسب مراد الشارع إلا أنه متصل بحسب متفاهم العرف. فإن قلت: سلمنا أن استبدال المعرى له للعرية قبل القبض ليس ببيع، لكنه لا يضرنا، لأنه يلزم منه أن يكون الاستبدال المذكور جائزا ومرخصًا فيه، سواء كان من الواهب أو غيره، وهو المدعى، ج - ١٤ بیع العرایا ١٣٥ سواء سميتوه مزابنة أم لا. قلنا: أما الاستبدال من الواهب فجوازه مسلم، وأما من غيره فلا، لأن إضافة البيع إلى العرايا عهدية، والمعهود هو ما كان متعارفا بينهم، والمتعارف هو البيع من المعرى لا من كل أحد. قال مالك: "العرية أن يعرى الرجل النخلة، ثم يتأذى بدخوله، فرخص له أن يشتريها منه بثمر اهـ (بخارى ٢٩٢:١). ومالك أعلم بعرف أهل المدينة، فيكون هو المرخص فيه لا غيره، ومع قطع النظر عن العرف لا بد من الحمل على ما قلنا، لأن حقيقة بيع المعرى له من المعرى أنه فسخ للهبة الأولى بالهبة الثانية، وله ذلك شرعا، وحقيقة بيعه من غيره أنه باع ما ليس عنده، وهو منهى عنه، فلا بد من الحمل على ما قلنا، وقوله: رخص إما مبنى على دخوله فى المنهى عنه بحسب الإطلاق العرفى، وإما لأن الرجوع فى الهبة مستنكر شرعا، وفيه رجوع عن الهبة، وقوله: ((فى خمسة أوسق أو فيما دونها))، ليس للتحديد بل بيان لما صدر منه معدّل فى عرية لقوم. كان مقدارها خمسة أوسق أو دونها. فتبين من هذا التحقيق أنه ليس عند الشافعى دليل على جواز المزابنة فى العرايا سوى البحث اللفظى من أن المتبادر من لفظ البيع كذا، ومن الاستثناء كذا إلى غير ذلك. وأما أبو حنيفة فكلامه مبنى على التحقيق والتدقيق، مع رعاية ظواهر النصوص بقدر الإمكان وترجيح ما هو الراجح، ويؤيده عموم نصوص حرمة الربا، وحرمة المزابنة، وعرف العرب فى العرايا، وعدم صحة حمل البيع على المعنى المتبادر أعنى بيع المملوك، لأنه ليس بمملوك قبل القبض، وعدم جواز بيع ما ليس عنده، وعدم جواز تخصيص العمومات بالمحتملات، وكون الاحتياط فيما ذهب هو إليه، لأن فيه تحرزا من الربا، بخلاف ما ذهب إليه الشافعى، لأن فيه تعرضا له، مع أنه فى مقام المنع ويكفيه الاحتمال، بخلاف الشافعى فإنه مدع، ويلزمه إقامة دليل غير معارض بمثله، أو الأقوى، وأنى له ذلك؟ فما قال أبو حنيفة هو أقرب إلى الصواب. قال العبد الضعيف: وقال أبو عبيد فى "الأموال": وأما العربية فإنها تفسر تفسيرين، فكان مالك بن أنس يقول: هى النخلة يهب الرجل ثمرتها للمحتاج يعريبها إياه، فيأتى المعرى وهو الموهوب له إلى نخلته تلك ليجتنيها، فيشق على المعرى وهو الواهب دخوله عليه لمكان أهله فى النخل، قال: فجاءت الرخصة للواهب خاصةً أن يشترى ثمرة تلك النخلة من الموهوب له بخرصها تمرا، فهذا قول مالك. وأما التفسير الآخر: فهو أن العرايا هى النخلات يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته ١٣٦ بيع العرايا إعلاء السنن فلا يدخلها فى البيع، ولکنه یبقیها لنفسه ولعياله، فتلك الثنیا لا تخرص علیه، لأنه قد عفی لهم عما يأكلون تلك الأيام، فهى العرايا، سميت بذلك لأنها أعريت من أن تباع أو تخرص فى الصدقة، فأرخص النبى معَّ لأهل الحاجة والمسكنة الذين لا ورق لهم ولا ذهب، وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من ثمار هذه العرايا بخرصها، فعل ذلك بهم النبى مرّ ترفقا بأهل الفاقة الذين لا يقدرون على الرطب ليشار كوا الناس فيه، فيصيبوا منه معهم، ولم يخرص لهم أن يبتاعوا منه ما كان لتجارة ولا لادخار اهـ (ص ٤٨٨). قلت: وكيف يكون هؤلاء فقراء أهل الفاقة، وهم أصحاب الحوائط قد باعوا ثمرة حوائطهم، واستثنوا من البيع نخلات لأنفسهم ولعيالهم؟ وكيف لا يقدرون على الرطب، ولهم فى حوائطهم نخلات قد استثنوها من البيع قد سميتموها عرايا، وهى ترطب حين ترطب نخلات الناس؟ فالصحيح ما قاله مالك، وهو أعرف الناس بعرف أهل المدينة، وبمعنى العرية التى تعارفوها بينهم. قال أبو عبيد: وهذا التأويل (الثانى) أصح فى المعنى عندى من الأول، لأن له شاهدين فى الحديث، أما أحدهما: فشىء كان مالك يحدثه عن داود بن الحصين، عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد، عن أبى هريرة، أن رسول الله مرّ أرخص فى العرايا بخرصها خمسة أوسق، أو ما دون خمسة أوسق، كان مالك يقول: الشك من داود، قال أبو عبيد: وأحسب أنا أن المحفوظ منهما إنما هو ما دون خمسة أوسق، لأن توقيته عّ ذلك وترك الرخصة فى خمسة أوسق يبين لك أنه إنما أذن فى قدر ما لا يلزمه الصدقة، لأن سنته أن لا صدقة فى أقل من خمسة أوسق، وأن لا صدقة فى العرايا، فهذه تلك بأعيانها، والحديث يصدق بعضه بعضًا، وتقليله ذلك يخبرك أنه إنما أرخص لهم فى قدر ما يأكلون قط، فهذا أحد الشاهدين اهـ. قلت: ولقائل أن يقول: إن توقيته معَّه ذلك إنما كان لأجل أن أصحاب النخيل لم يكونوا يتصدقون على المحتاج من نخيلهم إلا قدر ما لا يلزمه الصدقة به، كما هو الأدب عندنا أن لا يعطى الفقير من الصدقة قدر ما يغنيه. قال: "وأما الحديث الآخر فحديث يروى عن أبى قتادة وسهل بن أبى حثمة: ((أن رسول الله عَِّ أرخص فى العربية أن تؤخذ بخرصها تمرا يأكلها أصحابها رطبا))، قال أبو عبيد: فقد وضح لنا الآن أن العربية هى التى يبتاعها المساكين من رب النخل ليأكلوها رطبا، وعلى التفسير الأول ج - ١٤ بيع العرايا ١٣٧ تكون هى التى يبيعونها، فهى فى هذا التأويل مشتراة، وفى ذلك مبيعة اهـ". قلت: معناه أرخص فى العرية أن يأخذها الواهب من الموهوب له بأن يخرصها تمرا ويعطى الموهوب له عوضه رطبا، فلا تكون العربية إلا بيعة، قال: ولو كان على معنى البيع لبطل قوله: ((يأكلونها رطبا))، وكيف يأكلونها رطبا وقد باعوها؟ قلت: لما باعوها بخرصها تمرا وأخذوا عوضه رطبا صح أن يقال: إنهم أكلوها رطبا، لأن ثمن الشىء مثله، وآكله كآكله، ألا ترى أن اليهود لما حرم عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، وأكلوا ثمنها، كانوا بمنزلة من أكل الشحوم؟ قال: وأى رفق لهم فى بيعهم إياها بالتمر، وإنما أعروها ليصيبوا من الرطب اهـ (ص ٤٩٠). قلت: ومن أنبأك أنهم كانوا يبيعونها بالتمر، بل كانوا يبيعونها بالرطب بعد خرصها تمرا. قال أبو عبيد: هذا كله قول أهل الحجاز أو بعضهم، (قلت: حاشا مالكا ومن وافقه) وأما أهل العراق فقولهم فى العرايا: غير ذلك، (فيه دليل على أن أبا حنيفة لم ينفرد به، بل هو قول أهل العراق قاطبةً). قالوا: إن هذا البيع لا يجوز من أجل أنه تمر برطب مجازفة، فلا يحل لأنه مزابنة، وقد نهى رسول الله عّ لّه عن ذلك، واحتجوا بأنه إنما جاءت الرخصة فى بيع العرايا لأنها هية غير مقبوضة، وإنما هى فى رؤوس النخل، فهى فى ملك الواهب على حالها، قالوا: ولو قبضها الموهوبة له ما حل بيعها إلا كيلا مثلا بمثل، قال أبو عبيد: وهذا التأويل عندى لا معنى له (قلت: سبحان الله! كيف يكون لتفسيرك بما نهى عنه رسول الله مَ له معنى، ولا يكون لتفسيرهم بما لم ينه عنه معنى؟ ونهيه عَّه عن المزابنة وكون العربية داخلا فيها على ما أولتها عليه أقوى دليل على بطلان تأويلك، وصحة ما أولوها عليه) قال: لأن الثمرة إن كانت لم تخرج من ملك الواهب، وإنما هى ماله على حالها الأولى، فأى بيع يقع ههنا؟ (قلنا: وقع الاستبدال صورة، وقد يطلق عليه البيع، كما قدمنا) ولأى معنى جاءت الرخصة فيه؟ (قلنا: لأجل أن فيه إخلاف الوعد ظاهرا)، وإن كان النبى معَّه إنما أرخص للواهب أن يشترى ماله نفسه، فكيف يشترى ما هو ملك يمينه؟ (قلنا: سمى ذلك بيعا مجازا: لأنه فى الصورة عوض عما كان وهبه أولا) فهذا مما لا ينبغى لذى علم أن يحتج به، وليس الأمر عندى إلا على ذلك التأويل أن النبى معَّ أرخص فى العرايا خصوصية خصها بها، وإن كانت من المزابنة اهـ (ص ٤٩١). قلنا: إنما يكون الأمر على ذلك لو لم تفسر العربية بتفسيرين، ولم يكن لها إلا تأويل واحد، ولما فسرت بتفسيرين كما اعترفت به فلا يجوز لذى علم أن يفسرها بما نهى عنه رسول الله عَ ليه ٠ ١٣٨ بيع العرايا إعلاء السنن بل يجب عليه تفسيرها بما لم ينه عنه، والخصوصيات لا تثبت إلا بدليل، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، سلمنا أنه مَّ ◌ِلّه أرخص فى العرايا خصوصية خصها بها، كما أرخص للرجل الذى ذبح قبل الصلاة يوم العيد أن يضحى بجذعة من المعز، وكما أرخص لعبد الرحمن بن عوف فى لبس الحرير لحاجة كانت إليه، كما قاله أبو عبيد، فلتكن تلك مختصة بالذين رخص لهم النبى عليه فيها لا تتعداهم إلى غيرهم كالتضحية بجذعة من المعز ولبس الحرير، فلا عموم فى الخصوصيات، والوارد على خلاف القياس يختص بمورده ويقتصر عليه، ويظهر لك بما ذكرنا فى جواب أبى عبيد الجواب عما أورده ابن حزم علينا، وعلى المالكية فى هذا الباب، ولا نجيب عن إقذاعه فى الكلام، وإساءته الأدب فى شأن الأئمة الأعلام. وبالجملة: العربة هى العطية لغةً، وتأويله أن يهب الرجل ثمرة نخلة فى بستانه للمسکین، ثم يشق على المعرى أى الواهب دخول المعرى له فى بستانه كل يوم، ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع فى الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمرا أو رطبا مجذوذا بالخرص، دفعا للضرر عن نفسه، وتفاديا عن الحلف فى الوعد، وهو عندنا جائز، لأن الموهوب لم يصر ملكا للموهوب له ما دام متصلا بملك الواهب، فما يعطيه من التمر أو الرطب لا يكون عوضا عنه حقيقة، بل هو هبة مبتدأة، وإنما سمى بيعا مجازا، لأنه فى الصورة عوض يعطيه، واتفق أن ذلك كان فيما دون خمسة أوسق، فظن الراوى أن الرخصة مقصورة عليه، ففعل كما وقع عنده، وسكت عن السبب، والحمل على هذا أولى كى لا تتضاد الآثار، وبسطه فى "شرح معاني الآثار" للطحاوى. قال: وحجة أخرى فى أن معنى العربية كما قال أبو حنيفة رحمه الله، لا كما قال مخالفه. حدثنا أحمد بن داود (السدوسى وثقه ابن يونس كما فى المغانى) ثنا محمد بن عون (الزبيرى أو الزيادى، ذكره ابن حبان فى الثقات)، ثنا حماد بن سلمة عن أيوب، وعبيد الله عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسول الله مَّ ◌ُلِّ نهى البائع والمبتاع عن المزابنة))، قال: وقال زيد بن ثابت "رخص فى العرايا فى النخلة والنخلتين توهبان للرجل، فيبيعهما بخرصهما تمرا"، (وهذا سند حسن صحیح)، قال الطحاوى: فهذا زید بن ثابت رضی الله عنه، وهو أحد من روی عن النبى معَِّ الرخصة فى العربية، فقد أخبر أنها الهبة اهـ، والله أعلم (٢١٥:٢). قلت: وحديث زيد بن ثابت هذا رواه البيهقى فى "سننه"، وقال: رواه مسلم فى "الصيح" عن يحيى بن يحيى أنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت بلفظ: ١٣٩ ج - ١٤ باب بيع الولاء ٤٦٦٣- عن ابن عمر: ((أن النبى عَّه نهى عن بيع الولاء وهبته)). رواه الستة، قلت: والحديث نص فى الباب. "قال: والعرية النخلة تجعل للقوم يبيعونها بخرصها تمرا" (٣١٠:٥)، "وقوله: تجعل وتوهب" بمعنى واحد، کما لا يخفى. ثم روى البيهقى من طريق هناد بن السرى، عن عبدة، عن ابن إسحاق، قال: ((العرايا أن يبهب الرجل للرجل نخلات فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها)). وهذا يؤيد ما قاله أبو حنيفة رحمه الله، إن العرية الهبة دون البيع، ويؤيده قول حسان بن ثابت: ولكن عرايا فى السنين الجوائح وليست تسنها ولا رحبية فقوله: أقوى وأحوط، وأولى وأضبط، ولله الحمد. وقال القرطبى: كان الشافعى اعتمد فى تفسير العرية على قول يحيى بن سعيد: "العرية أن يشترى الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبا بخرصتها تمرا"، وليس يحبى صحابيا حتى يعتمد عليه مع معارضة رأى غيره له، ثم قال: "تفسير يحيى مرجوح، بأنه عين المزابنة المنهى عنها فى قصة لا ترهق إليها حاجة أكيدة لا تندفع بها مفسدة، فإن المشترى لها بالتمر متمكن من بيع ثمره بعين وشرائه بالعين ما يريد من الرطب، فإن قال: يتعذر هذا. قيل له: فأجز بيع الرطب بالتمر ولو لم يكن الرطب على رؤوس النخل، وهو لا يقول بذلك اهـ"، كذا فى "فتح البارى" (٣٢٨:٤)، وهذا إلزام قوى، وما ذكره الحافظ فى دفعه، فليس إلا تحكما تمشية للمذهب، فإن تفسير العرية بالاشتراء لم يثبت عن واحد من الصحابة، بخلاف تفسيرها بالهبة، فإنها ثابتة عن زيد بن ثابت وابن عمر، فليكن هو الراجح وغيره مرجوحا البتة، والله تعالى أعلم). ١٢ ظـ قال العبد الضعيف: وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب، فإذا كان حكم الولاء النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء، وكانوا فى الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشرع عن ذلك. وقال ابن عبد البر: اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روى عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: "يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالى من شاء"، قال الحافظ: قد تقدم البحث فيه فى الباب الذى قبله، وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث، قال الحافظ: قد أنكر ١٤٠ بيع الولاء إعلاء السنن ذلك ابن مسعود فى زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق عنه أنه كان يقول: "أ يبيع أحدكم نسبه"، ومن طريق على: "الولاء شعبة ن النسب" ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته، ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ينكره، ومن طريق عطاء عن ابن عباس: لا يجوز، وسنده صحيح، ومن ثم فصلوا فى النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة، واختلف فيمن اشترى نفسه من سيده كالمكاتب، فالجمهور على أن ولائه لسيده، وقيل: لا ولاء عليه، وفى ولاء من أعتق سائبة، وقد تقدم قريبًا اهـ (٣٨:١٢)، وقوله: وقد تقدم قريبًا إشارة إلى ما ذكره فى حديث على رضى الله عنه: ((ومن والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله)) الحديث. قال الحافظ: وقد شذ عطاء بالأخذ بمفهوم هذا الحديث، فقال فيما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه: "إن أذن الرجل لمولاه له أن يوالى من شاء"، واستدل بهذا الحديث. قال ابن بطال: وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء، قال: ويحتمل حديث على على أنه جرى على الغالب، (فإنهم لا يوالون غير مواليهم إلا بغير إذنهم عادةً) مثل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾، وقد أجمعوا على أن قتل الولد حرام سواء خشى الإملاق أم لا، وهو منسوخ بحديث النهى عن بيع الولاء، وعن هبته اهـ. قال الحافظ: وبه استدل مالك على ما ذكره ابن وهب عنه فى "موطائه"، قال: سئل عن عبد يبتاع نفسه من سيده على أنه يوالى من شاء، فقال: لا يجوز ذلك، واحتج بحديث ابن عمر، ثم قال: فتلك الهبة المنهى عنها، قال الحافظ: وقد سبق عطاء إلى القول بذلك عثمان، فروی ابن المنذر: أن عثمان اختصموا إليه فى نحو ذلك، فقال للعتيق: وال من شئت. (قلت: يحتمل أن يكون الفريقان ادعى كل واحد منهما أن هذا العبد مولاه، ولم يكن لأحدهما ترجيح على الآخر، فقال للعتيق: وال من شئت.١٢ظ) وأن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولده، والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك، فلعله لم يبلغ هؤلاء، أو بلغهم وتأولوه، وانعقد الإجماع على خلاف قولهم اهـ "فتح البارى" (٣٦:١٢). وفيه أيضًا: من طريق الإسماعيلى، عن عبد الرحمن بن مهدى، عن سفيان، عن أبى قيس، عن هزيل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: "إنى أعتقت عبدالى سائبة، فمات فترك مالا، ولم يدع وارثا، فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وأن أهل الجاهلية كانوا يسيبون، وأنت ولى نعمته فلك ميراثه، فإن تأثمت وتحرجت فى شىء، فنحن نقبله ونجعله فى بيت المال"، وبهذا