Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن صدقة بن سعيد، وجميع بن عمير، وهما ضعيفان فسقط (المحلى ٦٩:٩). قلت: أما . . رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب، وفيه: ((فإن ردها رد معها صاعا من طعام، أو صاعاً من تمر)) كذا فى "فتح البارى" أيضًا (٣٠٥:٥)، فإن ظاهره يقتضى التخيير بين التمر والطعام، وأن الطعام غير التمر، وإبداء الاحتمال فيه بأن تكون "أو" شكا من الراوى كما قاله الحافظ فى "فتح البارى" لا يشفى الغليل، ولا يصح العليل، لأنه احتمال غير ناشئ عن دليل، ومثل هذا الاحتمال لا يرفع الاضطراب عن المتن، فقول الحافظ بعد ذلك فى جواب من اعتل بكون الحديث مضطربا "إن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها، كما تقدم، والضعيف لا يعل به الصحيح" مجازفة، مبناها التسامح والتساهل، فإن الطرق عن ابن سيرين كلها صحاح لا مطعن فى رجالها، وقد اعترف ابن حزم أيضًا باضطراب الروايات عن ابن سيرين مع صحتها (٧٠:٩)، وكذا ما رواه أحمد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن رجل من الصحابة، قد صرح الحافظ نفسه بصحة إسناده، وما سوى من تلك الطرق التى أودعناها فى المتن فليست بضعاف أيضًا بل هى ما بين صحاح وحسان وذلك يوجب قوة الاضطراب كما لا يخفى. تحامل بعض المحدثين على الحنفية: ولو كان مثل ذلك الاضطراب فى إسناد حديث قد احتج به أحد من الحنفية، لرماه المحدثون من حلق، وسلخوا جلد المحتج به على بدنه، وإذا عرض ذلك بل أشد منه فيما يؤيد مذهب أهل الحديث ومسلكهم يرفعونه بإبداء احتمالات بعيدة باردة غير ناهضة، ويقولون: هذا هو طريق الجمع بين مختلف الروايات عن ابن سيرين فى ذلك، وهل هذه إلا عصبية عمياء؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله. وأما ثانيا: فلأن حديث الخراج بالضمان تلقاه العلماء بالقبول، كما مر ذكره فى كلام الترمذى والطحاوى، ومثله يكون كالمشهور والمتواتر فى إفادة القطع بمدلوله، لكونه مجمعا عليه، وحديث المصراة ليس كذلك، فقد خالف فى أصل المسألة أكثر الحنفية، وفى فروعها آخرون، كما قاله الحافظ فى "الفتح" أيضًا (٥: ٣٠٥). وأما ثالثا: فلأن حديث الخراج بالضمان أخرجه الحاكم فى "المستدرك" من طرق عديدة، وصححه وأقره عليه الذهبى (١٥:٣)، وصححه ابن القطان والترمذى، ورواه الشافعى وأحمد وأصحاب "السنن"، وهو سالم عن الاضطراب فى الإسناد والمتن، فإذن لم يبق لترجيح حديث المصراة مع العلات عليه وجه إلا كون الأول مخرجاً فى الصحيحين دون الثانى، وهذا كما ترى ٨٢ ج - ١٤ تتمة باب بيع المصراة صدقة، فقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى ليس من وجوه الترجيح فى شىء عند المحققين من المحدثين. وأما قوله: "ودعوی کونه بعد لا دليل عليها"، فنقول: دليلها كون آية الربا من آخر ما نزل، وحديث المصراة يقتضى مبادلة الطعام بالطعام، واللبن باللبن ونحوهما نسیئة، كما مر ذكره مستوفی. قال: "وعلى التنزل فالمشترى لم يؤمر بغرامة ما حدث فى ملكه بل بغرامة اللبن الذى ورد عليه العقد، ولم يدخل فى العقد، فليس بين الحديثين على هذا تعارض اهـ" (٣٠٢:٥). قلت: يا سبحان الله! وكيف لم يدخل اللبن فى العقد، وهو متصل بالشاة كاتصال الصوف والشعر بها؟ وهل بيع الشاة دون اللبن إلا كبيع الشاة دون صوفها وشعرها، أو كبيع الشاة الحاملة دون حملها؟ ولم يقل بجواز مثل ذلك أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن النبى معَ ◌ّ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، قال الترمذى: حديث صحيح، وضابط هذا الباب أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه منفردا، أو بيع ما عداه منفردا عن المستثنى، لا نعلم فى هذا خلافا، كما فى "المغنى" (٣٠:٤). ولو سلمنا أن المشترى قد أمر بغرامة اللبن الذى ورد عليه العقد، ولم يدخل فى العقد فنقول: كان ذلك قبل نهيه عّ لّه عن الثنيا إلا أن تعلم، لأن بيع الشاة واستثناء اللبن فى ضرعها یفضی إلی استثناء شىء مجهول عن المبيع، وهو لا يجوز بعد ورود النهى عن ذلك، فهذا دليل آخر على كون حديث المصراة متأخرا عن حديث الخراج بالضمان، وقد مر فى كلام الحبيب نقلا عن ابن دقيق العيد ما يدل بأكمل وجه وأبسطه على أن حديث الخراج بالضمان يفيد كون اللبن المحلوب ملكا للمشترى خلافا لما أفاده حديث المصراة، ولم يقل أحد من الفقهاء مثل ما قاله الحافظ: إن العقد ورد على اللبن ولم يدخل هو فى العقد، بل بقى على ملك البائع مع خروج الشاة عن ملكه، وهل هذا إلا تحكم بالباطل تمشيةً للمذهب؟. لعلك قد تفطنت بكل ما ذكرنا لك فى هذا الباب أن الآخذين بحديث المصراة مع كثرة اختلافهم فى فروعها لم يأخذوا به إلا بعد تركهم العمل بأحاديث كثيرة صحاح متلقاة بالقبول، منها حديث الخراج بالضمان، ومنها حديث النهى عن بيع الطعام بالطعام نسيئة، ومنها حديث النهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وحديث النهى عن بيع الكالئ بالکالئ، وغير ذلك مما قد أشرنا إليه فى غضون الكلام، فبينوا لنا رحمكم الله هل العمل بحديث، وترك العمل بأحاديث كثيرة خير أم العمل بأحاديث كثيرة، وجمل واحد يعارضها على محمل حسن؟ فمن افترى على الحنفية أنهم تركوا حديث المصراة بالقياس، قد احتمل بهتانا عظيما، ٨٣ تتمة باب بيع المصراة • إعلاء السنن "التهذيب" (٤١٥:٤). وفى "التقريب" (ص٨٨): مقبول، وأما جميع فذكره ابن وتجشم أمرا وخيما، واقتحم مدخلا أليما. الرد على ابن حزم فى قوله: لا سلف للحنفية فيه أى فى باب المصراة: وبهذا ظهر بطلان قول ابن حزم: "إنه لا سلف لهم فيه، وما نعلم أن أحدا قاله قبلهم إلخ"، فإن لنا سلفا فى ذلك من رسول الله عَ ليه، حيث جعل الخراج بالضمان، وحرم بيع الطعام بالطعام نسيئة، ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ، ونهى عن الثنيا إلا أن تعلم، والعمل بحديث المصراة يستلزم ارتكاب هذه المنهيات، وإذا تعارض المحرم والمبيح يجعل الحاظر متأخرا لكون الأصل فى الأشياء الإباحة، ولئلا يلزم النسخ مرتين، كما تقرر فى الأصول، فمن اشترى مصراة، ولم يشترط له الخيار، فليس له أن يردها للتصرية، وإن شرط له الخيار يردها فى أيام الخيار، وليس عليه أن يردها معها صاعا من تمر، لقول النبى معَّه: ((الخراج بالضمان)). وأما قوله: " وأنه خلاف قول ابن مسعود وأبى هريرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وهم يعظمون مثل هذا إذا خالف تقليدهم اهـ"، ففيه أن قول ابن مسعود لا يوافقكم ولا يخالفنا، فإنه قال: "من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا من تمر، ونهى النبى معَّة. أن تلقى البيوع ،، رواه "البخارى" (فتح البارى ٣٠٩:٥). والرد فيه يحتمل الرد بشرط الخيار، أو بطريق الإقالة، أو بعيب آخر غير التصرية، فلا دلالة فيه على كون التصرية توجب الخيار للمشترى ثلاثة أيام، وإذا كان كذلك فلنا أن نحمله على ما إذا ردها إلى البائع برضاه، واستقاله البيع فأقاله، وقوله: ((فليرد معها صاعًا من تمر)) على الندب تطبیبًا لقلب البائع، وأيضًا: فإن الراجح عندنا أن ذلك ليس من قول ابن مسعود من فتواه، بل هو مما رواه عن النبى عّ لِّ مرفوعًا، وإن كان الأكثر قد رواه هكذا عن معتمر بن سليمان موقوفًا، ولكن أخرجه الإسماعيلى من طريق عبيد الله بن معاذ، عن معتمر مرفوعًا، ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا حديث المحفلة موقوف من كلام ابن مسعود، وحديث النهى عن التلقى مرفوع، وخالفهم أبو خالد الأحمر عن سليمان التيمى، فرواه بهذا الإسناد مرفوعًا، أخرجه الإسماعيلى أيضًا، كذا فى "فتح البارى" (٣٠٩:٥). والرفع زيادة لا تنافى أصل الحديث، فتقبل من الثقة، ولو كان متفردا بها، كما تقرر فى الأصول، وذكرناه فى المقدمة، وعبيد الله بن معاذ من رجال الشيخين ثقة حافظ، "تقريب" (١٣٧). وأبو خالد الأحمر من رجال الجماعة، قال ابن معين: ثقة، وقال وكيع: أبو خالد ممن يسأل ٨٤ تتمة باب بيع المصراة ج - ١٤ حبان فى "الثقات" من التابعين (الجوهر النقي ١٣:٢). له عند الأربعة أحاديث، عنه؟ وقال أبو هشام الرفاعى: ثقة أمين، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال العجلى: ثقة ثبت صاحب سنة، ولينه ابن معین فی رواية، وابن عدى والبزار من قبل حفظه، كما فى "التهذيب" (١٨٢:٤)، وزيادة الرفع مقبولة من أمثال هؤلاء، فلا معنى لقول من قال: "إن رفعه غلط أو وهم" لا سيما والجزء الأخير من الحديث مرفوع عند الجميع، ومقتضى ذلك كون الحديث مرفوعًا بسائر أجزائه، فكيف إذا ورد التصريح برفعه من ثقة حافظ، قد وافقه على ذلك ثقة آخر مثله؟ وأما قول أبى هريرة فلم نقف له على لفظه، فإن كان مثل قول ابن مسعود المار آنفا محتملا للوجوه فلا حجة فيه، أو مخلفا فی رفعه ووقفه، فالترجيح للرفع. الجواب عن قول ابن حزم: إنه خلاف قول ابن مسعود وأبى هريرة ولا مخالف لهما من الصحابة: فاندحض قول ابن حزم: "إنه خلاف قول ابن مسعود وأبى هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وهم يعظمون مثل هذا إلخ"، فإنهم لا يعظمون خلاف مثل هذا القول المحتمل الوجوه المختلف فى رفعه ووقفه، فافهم، ولله الحمد على ما فهم وعلم. الرد على بعض الأحباب فىّ قوله: إن فتوى ابن مسعود لا يدل على صحة رواية أبى هريرة: ولعل الذى ذكرته أولى مما قاله الحبيب ونصه: أما فتوى ابن مسعود فلا يدل على صحة رواية أبى هريرة؛ لأنه يحتمل أن يكون مأخذه هو رواية أبى هريرة هذه، بأن يكون ابن مسعود سمع الحديث من أبى هريرة وأفتى به، وفرق ما بين أن يسمع فقيه رواية من رسول الله مَّهِ، وأن يسمع من غيره ويفتى به، فلا حجة لهم فى فتوى ابن مسعود، فافهم اهـ. قلت: فهمنا فظهر لنا سخافة رأيك وقلة تدبرك فى كلام من انتهضت لتأييده وحمايته، فإن الذى طعن فى الحديث لكونه من رواية أبى هريرة، وليس بفقيه إلخ يرى احتجاج المجتهد بحديث، وأخذه به تصحيحا له، فلو سلمنا أن ابن مسعود لم يسمع الحديث من رسول الله عَ لـ (وهو احتمال بعيد غير ناشئ عن دليل)، بل سمعه من أبى هريرة، وأفتى به وأخذه، فهل لأحد بعد ذلك أن يرده لكون راويه غير فقيه، وقد أخذ به ابن مسعود هو من أفقه الصحابة، وأفضل من كل فقيه قد أتى بعده؟ هذا لا يكون. ٨٥ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن وقد حسن الترمذى بعضها، وقال العجلى: "تابعى ثقة"، وقال أبو حاتم: "محله الصدق ولو تأمل الحبيب فى مذهب القوم وأمعن النظر فيه لعلم أن کون ابن مسعود یرویه عن رسول الله عَّ لل أهون عليهم من كونه يفتى به ويأخذه، لكون الصحابة يروون عن رسول الله مدظله الناسخ والمنسوخ كليهما من غير نكير، ولم يكونوا يفتون بالمنسوخ أبدًا، ولو فعله أحد منهم أنكر عليه غيره، ولذا كان قول واحد من الصحابة إذا لم يخالفه غيره بمنزلة الإجماع عندنا، ولم يكن روايته وحده إلا بمنزلة الآحاد من الأخبار، فافهم. التفرقة بين المعروف بالفقه والعدالة من الرواة قول مستحدث لم ينقل عن السلف: وفى "نور الأنوار": ثم هذه التفرقة بين المعروف بالفقه والعدالة مذهب عيسى بن أبان، وتابعه أكثر المتأخرين (قال المحشى: وهذا قول مستحدث، لم ينقل عن السلف القدماء اشتراط فقه الراوى فى تقديم خبره على القياس، كيف؟ وقد نقل عن إمامنا الأعظم أنه قال: ما جاءنا عن الله تعالى وعن الرسول عرّ فعلى الرأس والعين، كذا فى "التحقيق"). وأما عند الكرخى ومن تابعه من أصحابنا، فليس فقه الراوى شرطا لتقدم الحديث على القياس، بل خبر كل راوٍ عدل مقدم على القياس إذا لم يكن مخالفا للكتاب والسنة المشهورة، ولهذا قبل عمر حديث حمل بن مالك فى الجنين، وأوجب الغرة فيه مع أنه مخالف للقياس، لأن الجنين إن كان حيا وجبت الدية كاملة، وإن كان ميتا فلا شىء فيه، وأما حديث الوضوء على من قهقه فى الصلاة فهو وإن كان مخالفًا للقياس، لكن رواه عدة من الصحابة الكبراء، كجابر، وأنس، وغيرهما (كأبى هريرة، وابن عمر، وأبى موسى الأشعرى، وعمران بن حصين رضى الله عنهم)، ولذا كان مقدما على القياس، اهـ (١٨٠)، قلت: فاندحض بذلك ما أورده ابن حزم فى "المحلى" (٦٧:٩) على الحنفية من غير معرفة بمذهبهم، ولا علم ولا فهم. قال المحشى: فالحديث الذى رواه أبو هريرة (فى المصراة)، وإن كان فقيها مخالف للنص القطعى، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة بمثلها﴾، وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا علیه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، فلو كان اللبن الحليب ملك البائع، فياعتدى عليه المشترى، فکان الضمان بالمثل لا بصاع التمر، فإنه ليس مثله، وإن كان ملك المشترى، فهو تصرف فى ملكه، ولا معنى للضمان، والسنة المشهورة التى رواه فى "شرح السنة" عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله مرّ له: ((الخراج بالضمان))، فلما دخل البيع فى ضمان المشترى، وملكه صار الخارج منه، ومنافعه ملك المشترى، فلا ضمان اهـ. ٨٦ تتمة باب بيع المصراة ج - ١٤ صالح الحديث" وضعفه آخرون، كما فى "التهذيب" (١١٢:٢)، فالرجل مختلف فيه، وقد ذكرنا فى "المقدمة" عن "المنار" و"نور الأنوار" من كتب الأصول أن من شرط صحة خبر الواحد عندنا أن لا يكون مخالفا للكتاب ولا السنة المعروفة، ولا شاذا فى الحادثة المشهورة، ولا مما قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، فتذكر. العام یقضی علی الخاص عندنا و عند الجمهور بالعكس: فإن قيل: حديث المصراة حكم خاص فى نفسه، وحديث الخراج بالضمان عام، والخاص يقضى على العام. قلت: هذا هو عين النزاع بين الجمهور وبيننا، وإنما الأصل عندنا ترجيح العام على الخاص فى العمل، ولذا رجحنا قوله معرّ ◌ُلّه: ((ما أخرجت الأرض ففيه العشر)) على الخاص الوارد بقوله: ((ليس فى الخضروات صدقة))، قاله العينى فى "العمدة" (٥١١:٥). الرد على من نسب إلى عيسى بن أبان أنه رد حديث المصراة لكون راويه غير فقيه: قلت: ولى فيما نسبوه إلى عيسى بن أبان نظر أيضًا، فإن الطحاوى قال فى "شرح معانى الآثار" له: ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما إلى أن ما روى عن رسول الله عَ ليه فى ذلك أى فى المصراة منسوخ، وقالوا: ليس للمشترى ردها بالعيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب، فروى عنهم هذا الكلام مجملا، ثم اختلف عنهم من بعد فى الذى نسخ ذلك ما هو؟ فقال محمد بن شجاع فيما أخبرنى عنه ابن أبى عمران، نسخه قول رسول الله عَ له: ((البيعان(١) بالخيار ما لم يتفرقا))، فلما قطع رسول الله عَّ له بالفرقة الخيار، ثبت أنه لا خيار لأحد بعدها، إلا لمن استثناه رسول الله عَّ فى هذا الحديث بقوله: ((إلا بيع الخيار)). قال الطحاوى: "وهذا التأويل فاسد عندى؛ لأن الخيار المجعول فى المصراة، إنما هو خيار عيب، وخيار العيب لا يقطعه الفرقة اهـ. قلت: لو كان ذلك من خيار العيب لم يكن مقدرا بثلاثة أيام، والآثار واردة بالخيار ثلاثة أيام فقط. (١) وأما قول الحافظ فى "الفتح": "ومن الغريب أنهم لا يقولون بخيار المجلس ثم يحتجون به فيما لم يرد فيه اهـ" (٣٠٦:٥)، فرد عليه، وهو مشعر بتحامله على الحنفية، فقد صرح هو نفسه بأن بعض الحنفية تأولوا حديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) على التفرق بالكلام اهـ، وهو الذى صرح به محمد فى "الموطأ"، وهو المروى عن إبراهيم النخعى، بل وعن رسول الله مَّ أيضًا كما قدمنا، فكونهم لا يقولون بخيار المجلس لا يستلزم ردهم الحديث، وتركهم العمل به، وإنما يلزمهم ذلك لو سلموا دلالته على خيار المجلس، فأيش وجه الغرابة فيه، وما ذا يتعجب منه الحافظ؟. (مؤلف) ٨٧ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن وحدیثه حسن، وهو مقتضی سکوت أبی داود عنه. قال الطحاوى: وقال عيسى بن أبان: ما روى عن رسول الله من الحكم فى المصراة كان فى وقت ما كانت العقوبات فى الذنوب يؤخذ بها الأموال، وكان رسول الله عێآ قد نهى عن التصرية، (رواه أبو هريرة عند "مسلم" وغيره بلفظ: ((لا تصروا الإبل))، وعند الطحاوى بلفظ: أنه نهى عن بيع الشاة وهى محفلة، وابن مسعود عند الطحاوى أيضًا بلفظ: أن بيع المحفلات خلابة، ولا يحل خلابة مسلم، وأسانيدها ما بين صحاح وحسان) فكان من فعل ذلك، وباع مخالفا لما أمر به رسول الله عَّ داخلا فيما نهى عنه، فكانت عقوبته فى ذلك أن يجعل اللبن المحلوب فى الأيام الثلاثة للمشترى بصاع من تمر، ولعله يساوى آصعا كثيرة، ثم نسخت العقوبات فى الأموال بالمعاصى، وردت الأشياء إلى ما ذكرنا، قال الطحاوى: والذى قال عيسى من هذا يحتمل ما قال غير أنى رأيت فى ذلك وجها هو أشبه عندی بنسخ هذا الحديث من ذلك الوجه ذهب إليه عیسى، فذكر أنه منسوخ بحديث النهى عن بيع الكالئ بالكالئ اهـ (٢٠٧:٢). والعجب من الحافظ أنه من أين قال فى "الفتح": وتعقبه أى عيسى بن أبان الطحاوى بأن التصرية إنما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب للزمه التغريم، والفرض أن حديث المصراة يقتضى تغريم المشترى فافترقا اهـ؟ (٢٠٦:٥)، وقد رأيت أن الطحاوى لم يتعقب عيسى بن أبان بشىء غير أنه ذكر وجها آخر هو عنده أشبه، وأحسن مما ذهب إليه عيسى، ولا يرده عليه ما أورده الحافظ، فإنه قد بین و جه تغريم البائع بأكمل وجه، فافهم. الرد على من قال: إن أبا هريرة لم يكن فقيها: وبالجملة: فلم يحك الطحاوى عن عيسى بن أبان فى باب المصراة ما حكاه الأصوليون منا، أنه رد الحديث لكون راويه أبى هريرة غير فقيه، والذى حكاه الطحاوى عنه ليس إلا أنه ذهب إلى كونه منسوخا، وهو دليل صحة الحديث عنده، ويبعد من مثل عيسى أن يقول فى أبى هريرة ما عزوه إليه، فإن أبا هريرة فقيه مجتهد لا شك فى فقهه، فإنه كان يفتى فى زمن رسول الله معد لة. وبعده، وكان يعارض فقهاء الصحابة فى فتاويهم وأقوالهم، كما روى فى الخبر الصحيح أنه خالف ابن عباس فى عدة الحامل المتوفى عنها، حيث قال ابن عباس بأبعد الأجلين، وقال هو بوضع الحمل. وكان سلمان يستفتى عنه، وفى "شرح الأصول" لفخر الإسلام قال البخارى: روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار، وروى عنه جماعة من الصحابة، فلا وجه لرد حديثه (بعد ٨٨ تتمة باب بيع المصراة ج - ١٤ تسليم الأصل، كيف؟ والأصل المذكور مستحدث ومحل النزاع، كذا فى "فواتح الرحموت" ص٤٣٣) فإذن الحق فى الجواب أن الحديث ورد مخالفا لنص الكتاب، والسنة المشهورة المتلقاة بالقبول، وذلك قدح فى صحته عندنا كما مر ذكره مستوفى، أو يحمل على محمل حسن، قد تقدم ذكره أيضًا، والله تعالى أعلم. قال الذهبى فى "تذكرته": "أبو هريرة الدوسى اليمانى الحافظ الفقيه صاحب رسول الله مرّه، كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع اهـ" (٣١:١)، وفيه أيضًا: " ولى إمرة المدينة، وناب أيضًا عن مروان فى إمرتها، وكان يمر فى السوق يحمل الحزمة، وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير، كان فيه دعابة"، روى الزهرى عن سالم سمع أبا هريرة قال: "سألنى قوم محرومون عن محلين أهدوا لهم تصيدًا، فأمرتهم بأكله، ثم لقيت عمر فأخبرته، فقال: لو أُفتیتهم بغير هذا لأوجعیك اهـ " وفيه دليل على أنه کان یفتی فی زمن عمر، ولم يكن يفتى فى زمنه إلا فقيه، فاعلم ذلك، والله يتولى هداك. فائدة فى تحقيق مذهب أبى حنيفة فى المصراة: قد مر عن الطحاوى أنه عزا إلى أبى حنيفة ومحمد بن الحسن أنهما قالا: "ليس للمشترى ردها بالعيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب اهـ"، وعزا ابن حزم إليهما: "إن كان اللبن حاضرا لم يتغير ردها ورد اللبن، ولا يرد معها صاع تمر ولا شيئا، وإن كان قد أكل اللبن لم يكن له ردها، لكن يرجع بقيمة العيب فقط اهـ" (٢٧:٩). وقال الحافظ فى "الفتح": "أما الحنفية فقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر، فقال بقول الجمهور إلا أنه قال: يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر، وكذا قال ابن أبى ليلى وأبو يوسف فى رواية إلا أنهما قالا: لا يتعبن صاع التمر، بل قيمته اهـ" (٣٠٥:٥). وقال الموفق فى "المغنى" بعد ما ذكر قول أبى يوسف كعامة أهل العلم: " وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا خيار له، لأن ذلك أى التصرية ليس بعيب، بدليل أنه لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك ردها، والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار، كما لو علفها فانتفخ بطنها، فظن المشترى أنها حامل" (٢٣٣:٤). وقال ابن رشد فى "بداية المجتهد" له: "وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليست التصرية عيبا للاتفاق على أن الإنسان إذا اشترى شاة فخرج لبنها قليلا أن ذلك ليس بعيب، قالوا: وحديث ٨٩ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن المصراة يجب أن لا يوجب عملا لمفارقته الأصول، منها أنه معارض لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخراج بالضمان)) وهو أصل متفق عليه، ومنها أن فيه معارضة منع بيع الطعام بالطعام نسيئة، وذلك لا يجوز باتفاق، ومنها أن الأصل فى المتلفات إما القيم، وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر فى لبن، ليس قيمة ولا مثلا، ومنها بيع الطعام المجهول أى الجزاف بالمكيل المعلوم، لأن اللبن الذی دلس به البائع غير معلوم القدر، وأيضًا: فإنه يقل ويكثر، والعوض ههنا محدود (١) اهـ". وقال العينى فى "العمدة": قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف فى المشهور عنه، ومالك فى رواية، وأشهب من المالكية، وابن أبى ليلى فى رواية، وطائفة من أهل العراق: "ليس للمشترى رد المصراة بخيار العيب، ولكنه يرجع بالنقصان؛ لأنه وجد ما يمنع الرد، وهو الزيادة المنفصلة عنها"، وفى الرجوع بالنقصان روايتان عن أبى حنيفة، فى رواية "شرح الطحاوى" يرجع على البائع بالنقصان من الثمن لتعذر الرد، وفى رواية "الأسرار" لا يرجع لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيبا اهـ" (٥١٠:٥). وفى "الدر المختار": اشترى جارية لها لبن فأرضعت صبيا له، ثم وجد بها عيبا كان له أن يردها، لأنه استخدام، بخلاف الشاة المصراة، فلا يردها مع لبنها أو صاع تمر، بل يرجع بالنقصان على المختار، "شرح مجمع" قال محشى الشامى: "والحاصل كما فى "الحقائق" أنه إذا اشتراها فحلبها فوجدها قليلة اللبن، ليس أن يردها عندنا، وعند الشافعى وغيره له أن يردها مع اللبن لو قائما، أر مع صاع تمر لو هالكا، وهل يرجع بالنقصان عندنا فعلى رواية "الأسرار" لا، وعلى رواية الطحاوى نعم، قال فى "شرح المجمع": وهو المختار، لأن البائع بفعل التصرية غر المشترى، فصار كما إذا غره بقوله: إنها لبون اهـ" (١٤٩:٤). وفى "فواتح الرحموت": "وهذا الحديث أى حديث المصراة مخالف، للأقيسة بأسرها، فإن حلب اللبن تعد أولا، على الثانى فلا وجه لرد بدل اللبن، وعلى الأول، فضمان التعدى يكون بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس بواحد منهما، بل ربما يكون صاع التمر مثل قيمة الشاة مع اللبن المحلوب، فيلزم رد الشاة مع رد القيمة، وهذا مما لا نظير له فى الشرع، فالحديث سقط عن الحجية، فسقط احتجاج الشافعى (وغيره به) على أن التصرية عيب يرد به الشاة، وبقى دليلنا سالما عن (١) قال ابن رشد: "ولكن الواجب أن يستثنى هذا من هذه الأصول كلها لموضع صحة الحديث اهـ" (١٠٦:٢)، قلت: فيه دلالة على دينه وورعه، وأنه لم يكن فلسفيا محضا. ١٢ظ ٩٠ تتمة باب بيع المصراة ج - ١٤ المعارضة، وهو أن اللبن ثمرة من ثمرات المبيع، وبفوات الثمرة لا يفوت وصف السلامة فى المبيع، فبقلتها أولی اهـ" (٤٣٢). وفى "نور الأنوار": "ذهب مالك والشافعى إلى ظاهر الحديث، وابن أبى ليلى وأبو يوسف إلى أنه ترد قيمة اللبن، وأبو حنيفة إلى أنه ليس له أن يردها، ويرجع على البائع بأرشها ويمسكها". قال المحشى: هكذا نقله على القارى فى "شرح مختصر المنار" وابن الملك فى " شرح المنار"، وفى التحقيق: "التصرية ليست بعيب عندنا، وليس للمشترى ولاية الرد بسبها من غير شرط، لأن البيع يقتضى سلامة المبيع، وبقلة اللبن لا يفوت صفة السلامة، لأن اللبن ثمرة وبعدمها لا ينعدم صفة السلامة، فبقلتها أولى اهـ" (١٧٩)، فالذى عزاه ابن حزم إلى أبى حنيفة ومحمد أنهما قالا: إن كان اللبن حاضرا لم يتغير ردها رد معها اللبن اهـ لم أجده فى كتب القوم، ولعله رواية عنهما، أو أخذ ذلك من مفهوم قولهما: يرجع على البائع بالنقصان لتعذر الرد .. وفى "الخلاصة" عن "شرح الطحاوى": "رجل اشترى شاة على أنها لبون، فحلبها مرة بعد مرة، فتبين له بنقصان لبنها أنها مصراة يرجع بالنقصان، وليس له أن يردها مع اللبن، ولا بدون اللبن، ولو اشترى بقرة ممتلئة الضرع، وهو يرى أنها لبون بغير شرط، فحلبها فتبين أنها مصراة اختلف المشايخ فيه، وهذا كله على قول الطحاوى، وأما عند الكرخى فقد ذكرنا أن الشراء على أنها لبون لا يجوز" ملخصا (٧٢:٣). وفى "المبسوط": وأما إذا اشترى محفلة بغير شرط خيار، فليس له أن يردها بسبب التحفيل عندنا، وقال الشافعى رحمه الله: له أن يردها ويرد معها صاعا من تمر لأجل اللبن، وكذلك لو اشترى ناقة فوجدها مصراة، فليس له أن يردها، والتصرية ليست بعيب عندنا، وقال الشافعى: له أن يردها، وكذلك لو سود أنامل العبد حتى ظنه المشترى كاتبا، أو ألبسه ثياب الخبازين حتى ظنه خبازا، استدل الشافعى بالحديث، وهو حديث صحيح مشهور عن أبى هريرة رضى الله عنه: أن النبى معَّ قال، فذكر الحديث، وبعد ما صح الحديث فكل قياس متروك، مع أن الحديث موافق للأصول؛ لأنه أثبت الخیار لغرور کان من البائع، والتدليس والغرور یثبت للمشتری حق الرجوع، كما لو اشترى صبرة حنطة فوجد فى وسطها دكانا، أو اشترى قفة من الثمار فوجد فى أسفلها حشيشا، ثم ذكر الأيام الثلاثة ليس للتوقيت فى خيار العيب، بل لبيان المدة التى يظهر فيها العيب، وأما رد التمر لمكان اللبن فلأن ما كان موجودا عند العقد من اللبن قد أتلفه المشترى، أو فسد فى ٩١ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن يده، ولا يعلم مقداره ليرد مثله، فأمره برد التمر مكانه للتحرز عن الربا، فالقوت فيهم كان هو التمر واللبن، فلذا أقام أحدهما مقام الآخر، وأكثر ما فيه أن هذا مخالف للقياس، فيجعل کالمسكوت عنه، فیبقی أول الحديث معمولا به. واختلف أصحاب الشافعى فيما إذا سقى البائع الدابة وعلفها حتى ظنها المشترى حاملا، فمنهم من يقول: له حق الرد، ومنهم من يقول: ليس له حق الرد هنا، لأن اكتساب سبب هذا الغرور يجعل كالشرط فيما يجوز اشتراطه، وشرط الحبل فى بيع الدابة لا يجوز، فلا يجعل ذلك كالمشروط، وأما شرط كون الناقة(١) لبونا والعبد كاتبا أو خبازا يجوز، فيجعل البائع بما اكتسب من السبب كالشارط. وحجتنا فى ذلك أن مطلق البيع يقتضى سلامة المبيع، وبقلة اللبن لا تنعدم صفة السلامة لأن اللبن ثمرة، وبعدمها لا تنعدم صفة السلامة فبقلتها أولى، وإذا ثبت صقة السلامة انتفى العيب ضرورة، ولا يجوز أن يثبت الخيار للغرور؛ لأن المشترى مغتر لا مغرور، فإنه ظنها غزيرة اللبن بالبناء على شىء مشتبه، فإن انتفاخ الضرع قد يكون بكثرة اللبن فى الضرع، وقد يكون بالتحفیل، وعلى ما ظهر من عادات الناس احتمال التحفيل فيه أظهر، فيكون هو مغترا فى تباطنه على المحتمل، والمحتمل لا يكون حجة، وقد كان متمكنا من أن يسأل البائع ليبنى على النص الذى سمع منه، فحين لم يفعل كان مغترا، ولئن كان مغرورا فلا يمكن أن يجعل هذا كشرط غزارة اللبن عندنا، لأن اشتراط ذلك مفسد للبيع كشرط الحمل، فأكثرهما فى الباب أن يجعل ذلك بمنزلة خبر يخبره البائع أنها غزيرة اللبن من غير أن يجعل ذلك مشروطًا فى العقد، والغرور بالخبر لا يثبت حق الرجوع على الغار، كمن أخبر إنسانا بأمن الطريق فسلكها فأخذ اللصوص متاعه، وإنما يثبت للمغرور حق الرجوع، إذا كان مشروطًا فى عقد الضمان، ولم يوجد ذلك، بخلاف الصبرة، فقد شرط له أن جميع الصبرة حنطة، وأن جميع ما فى القفة عنب، فإذا وجده بخلاف ما شرط كان له حق الرد. (١) يجوز مثل هذا الشرط أى شرط كون الناقة لبونا، والشاة حلوبا عندنا أيضًا فى رواية الطحاوى، وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة، ولا يجوز فى رواية الكرخى، وأما شرط أنها تحلب كذا وكذا، فلا يجوز رواية واحدة، كما فى "المبسوط" (٢٠:١٣). مؤلف ٩٢ تتمة باب بيع المصراة ج - ١٤ ثم ذكر السرخسي لحديث المصراة تأويلين: الأول: أنه يحتمل أنه اشتراها على أنها غزيرة اللبن فكان العقد فاسداً بالشرط، فأمره رسول الله عَّه بردها مع ما حلب من لبنها، لأن المشتراة شراءً فاسدًا ترد بزوائدها، وقد كان المشترى أكل اللبن فدعاهما إلى الصلح، ورد مكان اللبن صاعا من تمر بطريق الصلح، فظن الراوى أنه ألزمه ذلك، وقد يقع مثل هذا اهـ (٤٠:١٣). قلت: يعكر عليه ما فى الحديث: ((فهو بخير النظرين إلى ثلاثة أيام، إن رضيها أمسكها))، فهو يدل على صحة العقد دون فساده، وإلا لكان الرد واجبا لا مخيرا فيه. والثانى: ما حكاه عن محمد أنه حمله على خيار الشرط، وقال: "بلغنا عن رسول الله عَّ له أنه قال: ((من اشترى محفلة فهو يؤخر النظرين ثلاثة أيام)) وفى رواية: ((بخير النظرين)). ففيه دليل جواز اشتراط الخيار فى البيع، والمراد خيار الشرط ولهذا قدره بثلاثة أيام، وذكر التحفيل لبيان السبب الداعى إلى شرط الخيار، والمحفلة التى اجتمع اللبن فى ضرعها، واجتماع اللبن، قد يكون لغزارة اللبن، وقد يكون بتحفیل البائع، فیحتاج إلى أن يشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام حتى يدفع الغرور به عن نفسه، فجوز له الشرع ذلك، وجعله يؤخر النظرين ثلاثة أيام، وأما إذا اشتراها بغير شرط خيار، فليس له أن يردها بسبب التحفيل" (٣٨:١٣). قلت: ولا يخفى أن حمله على خيار الشرط أولى من حمله على خيار العيب، وأما صاع التمر فلم يكن ذكره للإلزام، بل لتحسين معاملة المسلم، فإن التقدير بثلاثة أيام إنما يناسب خيار الشرط، دون خيار العيب كما هو ظاهر، وتبين بكلام المبسوط أن الراجح رواية "الأسرار" أن التصرية ليست لعيب عندنا، دون رواية الطحاوى، وأن أبا حنيفة ومحمدا لم يردا حديث المصراة، بل حملاه على شرط الخيار، كى لا يخالف الأصول المجمع عليها، وإرجاع الأحاديث بعضها إلى بعض عند التعارض، والاختلاف ليس بأول قارورة كسرها أبو حنيفة فى الإسلام، بل الأئمة المجتهدون كلهم كذلك يفعلون. أجمع الجمهور على ترك حديث أبى هريرة فى الانتفاع بالمرهون لمخالفة القياس والأصول: والعجب أنهم قد أجمعوا على ترك ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه عند "البخارى" وغيره مرفوعًا: ((الرهن يركب بنفقته ويشرب لبن الدر إذا كان مرهونا))، فذهب الجمهور إلى أن المرتهن ٩٣ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن لا ينتفع من المرهون بشىء، وتأولوا الحديث(١) لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. والثانى: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها، وآثار ثابتة لا يختلف فى صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الماضى فى أبواب المظالم: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه، كذا فى "الفتح" (١٠٢:٢)، فماذا على أبى حنيفة لو ترك حديث المصراة بمثل ما تركوا به هذا الحديث؟ مع أنه لم يترك هذا ولا ذاك، ولم يرد شيئا منهما، بل حمل كلا منهما على محمل حسن لا يخالف الأصول، أما حديث المصراة، فقد مر تقريره. وأما حديث لبن الدر، فنقول: "إن ذلك كان حيث يأذن الراهن للمرتهن فى الانتفاع. بالمرهون بطيب نفس منه، ولا يكون الانتفاع به مشروطًا، ولا العرف جاریا به، و کان فى زمان رسول الله عَّ ◌ُِّ كذلك، فكان المسلمون إذ ذاك أبعد خلق الله عن الشح والبخل، فلم يكن المرتهن يريد الانتفاع بالمرهون، ولم يكن الرهن يمنع أخاه المسلم من الانتفاع بماله مطلقا، فكيف إذا كان مرهونا عنده، وهو ينفق عليه؟ فإذنه بانتفاع المرتهن بماله كان متيقنا به والحال هذه، ثم تبدلت الأمور، وقل الخير، وغلبت الشرور ورأينا شحا مطاعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذى رأى برأيه، وانفراد كل امرئ بماله، فتبدل الحكم فلا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون والحال هذه، اللهم إلا أن يأذن له الراهن فيه بطيب نفس منه، وأنى له ذلك؟ فإن طيب النفس بذلك اليوم نادر بل أندر، قال فى "الهداية": وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن، لا باستخدام ولا سكنى ولا لبس، إلا أن يأذن له المالك". وفى "الدر المختار": "(لا يجوز) الانتفاع به مطلقا إلا بإذن، وقيل: لا يحل للمرتهن لأنه ربا، وقيل: إن شرطه كان ربا وإلا لا". ونظير ذلك ما رواه مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا (١) تراهم قد ارتكبوا ههنا كل ما نسبوه إلى أبى حنيفة فى حديث المصراة، فردوا الحديث الصحيح المتفق على صحته، لكونه واردًا على خلاف القياس، وخلاف الأصول المجمع عليها، ولكونه مخالفا لحديث ابن عمر، فجاز لهم ههنا كل ما أنكروه على أبى حنيفة وأصحابه من رد الحديث بالقياس وبالأصول، وبحديث آخر معارض له، فلم لم يجز ذلك لأبى حنيفة فى حديث المصراة عندهم، وجاز لهم ههنا؟ ولأى شىء رفعوا السماء فوق الرؤوس، وزلزلوا والأرض بكلمات فظيعة، وأقوال شنيعة فى حق هذا الإمام الذى طبق علمه الشرق والغرب من بلاد الإسلام؟ وهل هذا إلا تحامل وتعصب مفرط، نعوذ بالله منه.١٢ظ ٩٤ تتمة باب بيع المصراة ج - ١٤ حتى النهر الصغير من العريض، فأراد أن يمر به فى أرض لمحمد بن مسلمة، فأبى محمد بن مسلمة، فقال الضحاك: لم تمنعنى؟ وهو لك منفعة تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك، فأبى، فكلم فيه عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، فدعا محمد بن مسلمة فأمره أن يخلى سبيله، فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك؟ قال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يجريه"، أخرجه محمد فى "الموطأ" (٣٥٦). والمشهور من مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى عدم القضاء بشىء من ذلك إلا بالرضاء، لحديث: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه))، ذكره الزرقانى، وقال مالك: " كان يقال تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور، فلو كان الشأن معتدلا فى زماننا كاعتداله فى زمن عمر رأيت أن يقضى له بإجراء مائه فى أرضك، لأنك تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك، ولكن فسد الناس فأخاف أن يطول وينسى ما كان عليه جرى الماء، فيدعى به جارك فى أرضك"، كذا فى "شرح الموطأ" للباجى اهـ من "التلعيق الممجد" ملخصا (٣٥٦). ولكن ابن حزم وأمثاله من المحدثين لا يتنبهون لهاتيك المعانى، ولا يتدبرونها، ولا يعرفون علل الأحكام ولا يفقهونها، وإنما وظيفتهم الرواية والطعن على أبواب الدراية، يصيحوين إذا رأوا إماما ترك العمل بحديث، قد أخذوا به، أو حمله على غير ما حملوه عليه، وإن كان مع ذلك قد عمل بأحاديث كثيرة هم تركوها وردها، فإنما ترك الذى تركه لانتهاء الحكم بانتهاء علته، أو لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وغير ذلك من الأعذار التى يعرفها أهل الاعتبار، ولا يهتدى إليها إلا أولوا الأبصار، فافهم، ولا تزل، ولا تضل، ولا تضل، فإن المقام من مزال الأقدام، والحمد لله الملك العلام، على متواتر الإحسان والإنعام، على هذا الغريق فى بحر الآثام، حيث علمه وفهم من معانى الكتاب ومقاصد سنة سيد الأنام، عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة ، وأزكى السلام. إيراد على نقلة المذهب لاختلافهم فى تعليل الجواب فى المصراة: فائدة: يرد على قولهم: "إن التصرية ليست بعيب، وإن اللبن ثمرة من ثمرات المبيع، وبفوات الثمرة لا يفوت وصف السلامة فى المبيع، فبقلتها أولى اهـ". أن العيب هو كل ما أوجب نقصان الثمن فى عادة التجار (هداية). ولا يخفى أن اللبون من شاة القنية أغلى من غير اللبون ثمنا، فقلة اللبن إنما لا تكون عيبا فى شاة اللحم، وأما فى شاة القنية فعيب حتما، وفى حكمها الناقة والبقرة والجاموسة ونحوها، ألا ترى أن خيار الرؤية لا يسقط فى شاة اللحم بدون الجس؟ لأن ٩٥ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن المقصود وهو اللحم يعرف به، وفى شاة القنية لا بد من رؤية الضرع أيضًا، صرح به فى "الهداية" و "فتح القدير" (٥٣٧:٥)، أى لأن المقصود من شاة القنية الدر والنسل، وهو لا يعرف بمجرد الجس، بل برؤية الضرع، فتراهم قد فرقوا بين شاة القنية وغيرها فى باب الرؤية، فما لهم لا يفرقون بينهما فى باب العيب؟ وهذا يقتضى ترجيح رواية الطحاوى على رواية "الأسرار": أن المشترى يرجع على بائع المصراة بأرش العيب، أى بنقصان ما بين غزيرة اللبن وقليلتها. ويعكر عليه أن قلة اللبن إن كان عيبا فينبغى أن يملك المشترى ردها، ولو لم تكن مصراة إذا وجدها أقل لبنا من أمثالها، ولا قائل به، بل ولم يذهب إلى ذلك أحد من العاملين بحديث المصراة أيضًا، كما يدل عليه كلام الموفق فى "المغنى" (٢٣٣:٤)، ونقل ابن رشد الاتفاق عليه، وقد تقدم ذكره، فليراجع. فإن قيل: إن الفرق بين المصراة وغيرها أن البائع بفعل التصرية قد غر المشترى، فصار كما إذا غره بقوله: إنها لبون، كما فى "الشامية" عن "شرح المجمع"، وقد مر أيضًا، ففيه أن هذا إنما يصح بعد تسليم أن قلة اللبن عيب، وإلا فالتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار، كما لو غلفها فانتفخ بطنها فظن المشترى أنها حامل، أو سود أنامل العبد فظنه كاتبا، لا يقال: إن انتفاخ البطن قد يكون من الأكل والشرب، فلا معنى لحمله على الحمل، والمحتمل لا يكون حجة، لأنا نقول: كذلك انتفاخ الضرع قد يكون لكون الشاة أو الناقة غزيرة اللبن، وقد یکون بتحفیل البائع وتصریته، وعلى ما ظهر من عادات الناس احتمال التحفيل فيه أظهر، فلا معنى لحمله على كونها غزيرة اللبن، والمحتمل لا یکون حجة، فافهم. ويرد على ما فى رواية الطحاوى من قوله: "يرجع على البائع بنقصان العيب لتعذر الرداه" أن تعذر الرد إن كان لأجل أن اللبن جزء منها فاستيفاؤه دليل الرضا، كما ذكره صاحب "البحر". "أن من جملة ما يدل على الرضا بالعيب بعد العلم به إرسال ولد البقرة عليها ليرتضع منها، وحلب لبنها أو شربه، وهل يرجع بالنقصان قولان اهـّ من "الشامية" (١٤٠:٤). ففيه أن ذلك إنما يصح فى عيب لا يتوقف معرفته على الحلب، وأما العيب الذى لا يمكن معرفته بدونه فلا يكونه الحلب دليل الرضا به، لكونه لا يعلم قبله، ولا يخفى أن قلة اللبن وكثرته، لا تعرف إلا بالحلب ثلاثا، لأنه إذا حلب المصراة فى اليوم الأول، لا يتبين له شىء، و کذلك فی اليوم الثانى، فلعل النقصان لعارض تبدل المكان والمرعى والعلف، فإذا حلبها فى اليوم الثالث، ج - ١٤ نتمة باب بيع المصراة ٩٦ وكان مثل اليوم الثانى علم أن لبنها هذا القدر، وأن الزيادة فى اليوم الأول كان للتحفيل، وهذا ظاهر جدا، فلا يصح جعل الحلب دليل الرضا، وإن كان لأجل أن اللبن زيادة منفصلة متولدة من المبيع، ومثل هذه الزيادة فى المبيع يمنع الرد، فالجواب بالمنع. أما أولا فلما قال المحقق فى "الفتح": " والمنفصلة المتولدة منه كالولد واللبن والثمر، وهى تمنع الرد لتعذر الفسخ عليها، لأن العقد لم يرد عليهما، ولا يمكن التبعية للانفصال، فيكون المشترى بالخيار قبل القبض، إن شاء ردهما جميعا، وإن شاء رضى بهما بجميع الثمن، وأما بعد القبض فيرد المبيع خاصة، لكن بحصته من الثمن بأن يقسم الثمن على قيمته وقت العقد على قيمة الزيادة وقت القبض، فإذا كانت قيمته ألفا، وقيمة الزيادة مائة، والثمن ألف سقط عشر الثمن إن رده، وأخذ تسعمائة" (١٤:٦). فتراه بعد القول بتعذر الرد جعل المشترى بالخيار قبل القبض فى ردهما جميعًا، أو قبولهما بجميع الثمن، وبعد القبض فى رد المبيع خاصة بحصته من الثمن، أى ولا يرد الزيادة، بل يسقط من الثمن بقدرها. ولا يخفى أن رد المبيع بحصته من الثمن بعد إسقاط قيمة الزيادة، ورده مع الزيادة إن كانت قائمة، أو مع قيمتها وهى صاع من تمر ونحوه، لو هالكة سواء، فما فى حديث المصراة من رد صاع من تمر مع المصراة راجع إلى رد المبيع بحصبه من الثمن بعد إسقاط قيمة الزيادة، كما لا يخفى. وقال فى "الخلاصة": " هذا إذا كانت الزيادة قائمة (أى المنفصلة المتولدة) فى يد المشترى، فإن كانت هالكة ينظر، إن كانت هالكة بآفة سماوية جعل كان لم يكن، وله أن يرد المشترى، وإن هلكت بفعل المشترى إن شاء البائع قبل ورد جميع الثمن، وإن شاء لم يقبل ورد حصة المعيب، سواء كان حدوث الزيادة يورث نقصانا فى الأصل أولا اهـ" (٧١:٣-٧٢. وهذا معارض لما فى "فتح القدير" فإنه جعل المشترى بالخيار بعد القبض فى رد المبيع، وههنا جعل الخيار للبائع، ويمكن التطبيق بحمل ما فى "الفتح" على ما إذا كانت الزيادة قائمة، ولكن يعكر عليه ما فى "الخلاصة" أيضًا: "واشترى أمة ترضع فوجد بها عيبا، فأمرها أن ترضع صبيا، لا يكون هذا رضا، لأن استخدام اهـ (٧٣:٣). وفى "الدر المختار": " كان له أن يردها، لأنه استخدام، وفيه أيضًا عن "المبسوط" الاستخدام بعد العلم بالعيب، ليس برضا استحسانا، لأن الناس يتوسعون فيه، فهو للاختبار اهـ، أى لأجل أن يختبره ويمتحنه ليعلم أنه مع العيب يصلح له أم لا؟ اهـ" (الشامى ١٤٩:٤). فتراهم قد جعلوا ٩٧ تتمة باب بيع المصراة إعلاء السنن 7 الاستخدام غير مانع من الرد، وعدوا الأمر بالإرضاع من الاستخدام مع أن فيه استيفاء زيادة منفصلة متولدة من المبيع، فهذا وحلب المصراة وشرب لبنها سواء. والفرق بينهما لا يخلو عن تمحل وتعسف، فإن جواز هذا التصرف فى المبيع بعد العلم بالعيب لأجل اختبار يقتضى جواز ما لا يتأتى الاختبار إلا به ضرورةً، اللهم إلا أن يقال: إن الأمر بإرضاع الولد ليس باستيفاء الزيادة، لكون الجارية مختارة فى فعلها، فلا ينسب فعلها إلى الأمر، بخلاف حلب المصراة وشرب لبنها، فإنه من الاستيفاء قطعًا، ولكن الظاهر أن الجارية لا تبقى مختارة بعد أمر المولى عادة، بل تصير مضطرة إلى امتثال الأمر أو كالمضطرة، فيكون فعلها منسوبا إلى المولى، يشعر به عدهم إياه من الاستخدام، فعاد الإشكال بأنه لما جاز عندهم الاستخدام، بما فيه استيفاء للزيادة المنفصلة المتولدة من الجارية ولا يمنع الرد، فلم لا يجوز الانتفاع بمثل هذه الزيادة فى المصراة، ولا یکون غیر مانع من الرد؟ الأحسن فى الاعتذار عن أبى حنيفة أن يقال: إن حكم حديث المصراة معلل بعلة قد انتفى بانتفاءها: وأيضًا: فإن امتناع الرد بعد هلاك الزيادة لا يستلزم امتناعه إذا كانت قائمة فى يد المشترى، فيلزمهم أن يقولوا برد المصراة مع اللبن المحلوب إذا كان حاضرا، كما عزاه ابن حزم إلى أبى حنيفة، ولكن المصرح فى كتب القوم عدم الرد مع اللبن ولا بدونه، فلو انحلت العقدة، وإلا فالأحسن فى الاعتذار عن أبى حنيفة فى تركه العمل بحديث المصراة أن يقال: إن ذلك حيث تكون قلة اللبن معدودة فى العيوب عند التجار، ولا يكون حلب الشاة والناقة ونحوها دليل رضا المشترى بها، وكان كذلك فى زمان النبى معَّ ◌ُّه، ثم تبدل العرف فى زمان أبى حنيفة رحمه الله، فقال: بأن المشترى لا يملك الرد لأجل التصرية بعد ما حلبها، وإنما يرجع بالنقصان، فالحكم معلول عنده بعلة كون التصرية عيبًا، وعدم كون الحلب دليل الرضا، وهذا مما يبنى على العرف والعادة، وإذا كان الحكم معلولا بعلة، أو مشروطا بشرط، أو مبنيا على عرف ينعدم بانعدامه. ولا يخفى أن الأصل فى الأحكام التعليل، فما ذا على أبى حنيفة إن أجرى الحديث على الأصل، وجعل الحكم معللا کی لا يخالف الأصول، بخلاف من جرى على ظاهره، ولم يبال بمخالفة المشهور المعروف من النصوص والمنقول، ورحم الله امرأ عرف قدره ولم يطعن فى من سلف العلماء الفحول، وأيقن بأنهم أعلم منه بمعانى كلام الرسول عليه صلاة الله وسلامه ما هبت الدبور والقبول. ١٢ ظ ٩٨ ج - ١٤ باب البيع بالبراءة من کل عيب ٤٦٣٥- قال محمد فى "الموطأ": أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سالم ابن عبد الله، "أن عبد الله بن عمر (كذا فى " موطأ" يحيى بن يحيى، وهو الصحيح باب البيع بشرط البراءة من كل عيب أقول: قد مر وجه الاستدلال فى المتن، لكن بقى ههنا أمران: الأول: أنه قال صاحب "الجوهر النقى": إن أثر زيد بن ثابت أخرجه الطحاوى بسنده فى "اختلاف العلماء" اهـ. فإن كان ثابتا عنه فیها وإلا فمذهب ابن عمر كان فيما نحن فيه على أن بلاغ محمد حجة عندنا كما مر فى "المقدمة"، وأثر زيد بن ثابت أخرجه البيهقى فى "سننه" من طريق شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن زيد بن ثابت: "أنه کان یری البراءة من کل عیب جائزا"، ورواه على بن حجر عن شريك، فقال عن زيد بن ثابت وابن عمر، ثم حكى عن ابن معين أنه قال: حديث شريك عن عاصم بن عبيد الله، عن زيد بن ثابت: "البراءة من كل عيب براءة"، ليس يثبت، تفرد به شريك، وكان فى كتابه عن أشعث بن سوار اهـ (٣٢٨:٥). قلت: أما تقرد بِه شريك فلا يضرنا، فإنه حسن الحديث عندنا، وهو من رجال مسلم والأربعة، وأما إنه حدث به على غير ما كان فى كتابه، فصاحب البيت أدرى بما فيه، فيحتمل أنه كان قد سمعه من أشعث بن سوار أولا ثم سمعه من عاصم، فرواه عن عاصم، وترك أشعث بن سوار، وشريك أجل من أن يكذب فى إسناد الحديث، والله تعالى أعلم ١٢ ظ. والثانى: أنه لم رجح مذهب ابن عمر على مذهب عثمان الذى كان يذهب إلى أن البائع لا يبرأ إذا تبرأ من عيب علمه، ولم يخبر المشترى به؟ فنقول: وجه الترجيح أنه أوفق بقول رسول الله عَّ له: ((المسلمون على شروطهم)) أخرجه "أبو داود" و"الحاكم" من حديث عمرو و "الدار قطنى" و"الحاكم" من حديث أنس، كما فى "التلخيص الخبير"، وأرجح من جهة القياس، لأنه لما صح من المشترى إبراء البائع من العيوب التى لا يعلمها هو، ولا البائع فلا بد أن يصح منه إبراؤه له من العيوب التى لا يعلمها هو، ويعلمها البائع، لأن الإبراء حق المشترى، وكلا الإبراءين سواسية فى حقه، وتفاوتهما فى حق البائع بالعلم، والجهل غير مؤثر. قال العبد الضعيف: وقال الطحاوى: كيف لم يقلد الشافعى ابن عمر، والقياس معه؟ وقوله: "القياس أن لا يبرأ من عيوب لم يرها ولو سماها" لم يقله أحد من أهل العلم قبله، وفى "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: "أجمع الفقهاء على أن البراءة من عيوب سماها للمشترى، ولم يرها ٩٩ البيع بشرط البراءة من كل عيب إعلاء السنن كما فى "التلعيق الممجد") باع غلاما له بثمان مائة درهم بالبراءة، وقال الذى ابتاع العبد لعبد الله بن عمر: بالعبد داء لم تسمه لى، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال جائزة، إلا رواية شذت عن الشافعى رح أنه لم يجزها عن عيوب غير موجودة" ، وفى "التجريد" للقدورى: "البراءة من العيوب توجب جهالة صفة المعقود عليه، وذلك لا يمنع من جواز العقد كجهالة قدر الصبرة (المشار إليها)، وهذا مبنى على أصلنا: أن البراءة من الحقوق المجهولة جائزة عندنا" انتهى. وسيأتى الدليل على ذلك فى باب صلح الإبراء، إن شاء الله تعالى، كذا فى "الجوهر النقى" (١٤:٢). دليل صحة البراءة من الحقوق المجهولة: وفيه أيضًا فى "باب صلح الإبراء": ذكر البيهقى فيه حديث جابر فى قضاء دين أبيه، قلت: فيه دليل على جواز البراءة عن الديون المجهولة، كما يقوله أبو حنيفة ومالك خلافا للشافعى، لأنهم إذا قبلوا ثمر حائط، وأبرأوه عن بقية الدين كان مجهولا، ثم قال فى "باب ما جاء فى التحلل": ذكر فيه أن رجلين جاءا يختصمان فى أشياء قد درست، وفى آخره: أنه عليه السلام قال: ((استهما وتوخيا ثم ليتحلل كل واحد منكما صاحبه)). قلت: هذا الحديث أخرجه "أبو داود"، وفيه أيضًا دليل على ما ذكرنا من جواز البراءة عن الديون المجهولة، إذا الأشياء الدارسة الأظهر أنها تكون مجهولة (وقوله: ((استهما وتوخيا)) يدل على ذلك أيضًا، فإن التوخى والاستهام إنما يكون فيما لم يعلم)، ولأن الناس ما زالوا قديما وحديثا يتحاللون عند عند المعاقدات وعند الموت مع جهالة قدر ما يقع التحلل منه، وقد جرت العادة بالصلح على الإنكار دفعا للخصومة، وافتداء لليمين اهـ ملخصا (٢٨:٢-٢٩). وبهذا ظهر وجه آخر لترجیح قول ابن عمر علی قول عثمان فى الباب، فإن قول ابن عمر موافق للآثار المرفوعة الواردة فى جواز البراءة من الحقوق المجهولة، ولما جرى به التعامل قديما وحديثا فى التحالل عند المعاقدات وعند الموت مع جهالة قدر ما يقع التحالل منه، فافهم. وقال الموفق فى "المغنى": والرواية الثانية (عن أحمد) أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عیب علمه، ویروی ذلك عن عثمان ونحوه عن زيد بن ثابت، وهو قول مالك، وقول الشافعى فى الحيوان خاصة، لما روى: أن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة من العيب بثمان مائة درهم، الحديث (وهو مذكور فى المتن). ج - ١٤ البيع بشرط البراءة من كل عيب ١٠٠ الرجل: باعنى عبدا وبه داء، فقال ابن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على ابن عمر أن يحلف بالله لقد باعه وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله بن عمر أن يحلف، فارتجع الغلام، فصح عنده العبد، فباعه عبد الله بن عمر بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم". وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعًا، وروى عن أحمد أنه أجاز البراءة من المجهول فيخرج من هذا صحة البراءة من كل عيب، روى هذا عن ابن عمر، وهو قول أصحاب الرأى وقول الشافعى، لما روت أم سلمة: أن رجلین اختصما فی مواریث قد درست إلى رسول الله عَّ خيه، فقال: ((استهما وتوخيا وليحلل كل واحد منكما صاحبه))، فدل هذا على أن البراءة من المجهول جائزة، ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه، فصح من المجهول كالعتاق والطلاق، ولا فرق بين الحيوان وغيره، (رد على الشافعى) فما ثبت فى أحدهما ثبت فى الآخر، وقول عثمان قد خالفه ابن عمر، وقول الصحابى المخالف لا يبقى حجة اهـ (٢٥٩:٤). قلت: ولكن عثمان أجل وأفقه من ابن عمر، وإنما رجحنا قوله على قوله لما ذكرنا، والله تعالى أعلم. تصحيح حديث: ((المسلمون عند شروطهم)) والرد على ابن حزم فى إبطاله: وقال ابن حزم فى "المحلى": وأما قول أبى حنيفة فإنهم قالوا: قد صح الإجماع المتيقن على أنه إذا باع وبرئ من عيب سماه، فإنه يبرأ منه، ولا فرق بين تفصيله عيبًا عيبًا، وبين إجماله العيوب، وقالوا: قد روى قولنا عن بعض الصحابة، كما ذكرنا عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، ولعلهم يحتجون بالمسلمين عند شروطهم، قال ابن حزم: "فأما المسلمون عند شروطهم، فقد قدمنا أنه باطل لا يصح". (قلت: كلا! بل هو صحيح ثابت رواه "أبو داود" و"أحمد" و"الدارقطنى" من حديث الوليد بن رباح عن أبى هريرة به مرفوعًا، وصححه الحاكم، وله شاهد عند إسحاق بن راهويه، و"الدارقطنى" و "الحاكم" من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى، عن جده مرفوعًا، ولفظه: ((المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما)). وفى الباب عن أنس عند "الحاكم"، وعن رافع بن خديج عند "الطبرانى"، وعن ابن عمر عند "البزار"، وعن عطاء قال: بلغنا أن رسول الله عَّه قال: ((المسلمون عند شروطهم))، أخرجه ابن أبى شيبة، وكلها فيها مقال، وأمثلها أولها، وقد علقه البخارى جازما به، فقال فى الإجارة: وقال النبى معَّ له ((المسلمون عند شروطهم))، فهو صحيح على ما تقرر فى علوم الحديث، كذا فى "المقاصد الحسنة"