Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
بیع عبد له مال
ج - ١٤
الحديث، حيث شرط فى المال أن لا يكون أكثر من الثمن مع إطلاق الحديث، لأن أبا
حنيفة لم يقيد الإطلاق برأى نفسه، إنما قيده بحكم الشارع، فالمخالف للحديث هو ابن
بذهب مفرد كما إذا اشترى جارية مع حليتها وحليها ذهب ونحو ذلك، أنه لا يجوز مجازفة
عندنا، بل يراعى فيه طريق الاعتبار وهو أن يكون وزن الفضة المفردة أو الذهب المفرد أكثر من
المجموع مع غيره، ليكون قدر كان وزن المفرد بمثله من المجموع والزيادة بخلاف جنسه، فلا يتحقق
الربا، فإن كان وزن المفرد أقل من وزن المجموع لم يجز، لأن زيادة وزن المجموع مع خلاف الجنس
لا يقابله عوض فى عقد البيع، فيكون ربا، وكذلك إذا كان مثله فى الوزن، لأنه يكون الفضة
بمثلها، والذهب بمثله، فالفضل یکون ربا اهـ (١٩٥:٥).
والعجب من المحدثين أنهم لم يجوزوا بيع القلادة فيها ذهب وجوهر وخرز ما لم يفصل
ويميز بذهب مفرد، وأجازوا بيع العبد أو الجارية مع مالهما بجنسه مطلقًا، سواء كان المفرد أقل منه
أو أكثر أو مساويا، وإنما هذا كبيع القلادة سواء، ومن ادعى الفرق فعليه البيان.
وأما قول ابن حزم: "إن رسول الله عّ لّه ذكر بلفظ الاشتراط، والاشتراط غير البيع، فليس
له حكم البيع، ولم يخص عليه السلام معلوما من مجهول، ولا مقدارا من مقدار، ولا مالا من
مال، فلا يجوز تخصيص شىء من ذلك " اهـ (٤٢٣:٨). فهذا لو قاله صبى فى أول فهمه لئيس من
فلاحه ولوجب أن يستعدله بغل، فإن كون المشروط فى العقد داخلا تحت العقد لا يخفى على أحد
له مسكة عقل، وأيضًا: فإن مجرد الشرط، ليس من أسباب الملك فى شىء، ومن ادعى فليأتنا بنظير
فى الشرع غير ما نحن فيه يكون الملك قد ثبت فيه بمجرد الشرط من غير بيع ولا هبة ولا صدقة.
فإن قيل: هذا الاشتراط ليس ببيع، بل هبة واستيهاب. قلنا: فشرط الهبة والصدقة فى البيع مفسد له
اتفاقًا بيننا وبين ابن حزم حيث قال: لا يحل بيع عبد أو أمة على أن يعطيهما البائع كسوة، قلت أو
كثرت، ولا بيع دابة على أن يطعيها البائع إكافها أو أسنها أو بردعتها، وهذا قول أبى حنيفة
والشافعى وأبى سليمان وأصحابهم" (٤٢٨:٨).
قال محمد فى "الحجج" له: "عن أبى حنيفة، قال: من اشترى عبدًا وله مال، فماله للبائع
إلا أن يشترط المبتاع، فإن اشترط المبتاع ذلك نظر فى ماله، فإن كان الثمن ورقا وكان فى مال العبد
ورق يكون مثل الورق (الثمن) أو أكثر، أو دين للعبد على إنسان لم يحل البيع، لأن الدين غرر
لا يدرى أ يخرج أم لا يخرج، والورق إن كان مثل الثمن أو أكثر فهذا الورق بمثلها زيادة، فهذا
ونحوه الذى نهى رسول الله عّ لّه عنه، وقال أهل المدينة: إذا اشترط المبتاع مال العبد نقدا كان،

٤٢
بيع عبد له مال
إعلاء السنن
أبى شيبة نفسه، حيث جوز بيع الدين من غير من عليه، وجوز بيع المجهول، وأباح الربا،
فتدبر، والله أعلم.
أو دينا أو عرضا فهو جائز.
قال محمد: زعم أهل المدينة أن رجلا لو اشترى من رجل عبداً وكان للعبد من المال ألف
درهم، فاشترى العبد واشترط ماله بخمس مائة درهم أن ذلك جائز، يكون العبد للمشترى والألف
الدرهم التى له بخمسمائة، ما أعظم هذا القول؟ وقالوا أيضًا: إن كانت الألف دينا للعبد جازت فى
البيع، و کان للمشترى العبد والألف الدین بخمسمائة نقدا فصار خمسمائة نقد بألف درهم دین
وبعبد، قلنا لهم: أرأيتم رجلا اشترى عبدا، واشترط ماله ألف درهم، فاشترى ذلك (العبد والألف
كليهما) بخمسمائة، فقبض العبد والألف، ثم أعطى البائع من الألف بعينها الخمسمائة الثمن،
أليس يبقى له عبد وخمسمائة بغير ثمن أداه إلى البائع؟ ويدخل عليهم أشد من هذا، رجل اشترى
عبدا بألف درهم إلى سنة، واشترط ماله، وللعبد ألف دينار على رجل إلى سنة إن ذلك فى قولهم
جائز، فيكون له العبد بألف إلى سنة، ويكون له ألف أيضًا إلى أجلها، فألف إلى أجل بدنانير إلى
أجل، (وهو بيع الكالئ بالكالئ وقد نهى عنه) ويدخل عليهم أشد من هذا، رجل اشترى من رجل
عبدا بخمسمائة درهم إلى سنة، وللعبد على المشترى ألف درهم إلى سنة، فاشترى العبد، واشتراط
ماله فحل المال أنه يؤدى خمسمائة بخمسمائة مما علیه، ويكون له خمسمائة، ويأخذ العبد بغير شىء،
فإذا كانت الدراهم الدین یجوز بالدراهم الدین، وهی أکثر منها، فأين الربا الذى نهى عنه عز وجل
فى كتابه؟ وأين الربا الذى نهى رسول الله مرّه عنه، فقال: كل ربا موضوع تحت قدمى هاتين.
قالوا: إنما ذلك الدراهم بالدراهم إلى أجل، قيل لهم: فهذا دراهم بدراهم إلى أجل (أيضًا).
قالوا: هذا اشترى العبد بماله (ولم يشتر الدراهم بالدراهم)، قيل لهم: وإنما حلت الدراهم بالدراهم
إلى أجل، لأنها معها عبد، ما أهون هذه الحيلة فى الربا إن كانت تجوز، إذا أراد الرجلان أن يربيا
أدخلا مع أحد المالين عبدا، فإن كان العبد مع أكثر المالين، قالوا: إنما اشترى العبد بماله، قيل لهم:
أفيتبعه ماله إن لم يشترط فى البيع؟ قالوا: لا، قيل لهم: فإنما يتبعه إذا اشترطه، قالوا: نعم، قيل لهم:
فهذا يدلكم على أن المال قد دخل فى البيع، لأنه لم يدخل قبل الاشتراط (وإذا كان كذلك، فقد
وجد دراهم بدراهم إلى أجل وهو عين الربا) أرأيتم رجلا اشترى نخلة بموضعها من الأرض،
وفيها ثمر يكون ثلاثة آصع، فاشتراها وثمرها بصاعين من تمرة، أ يجوز هذا؟ فينبغى أن يجوز فى
قولكم، فيكون قد أخذ نخلة، وموضعها من الأرض وثلاثة آصع من تمر بصاعين، قالوا: وهذا

٤٣
ج - ١٤
باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح ووضع الجوائح
٤٦١١- عن زيد بن ثابت قال: "كان الناس فى عهد رسول الله عَ لّه يتبايعون
الثمار، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه
مراض، قشام عاهات يحتجون بها. فقال رسول الله عَّ له لما كثرت عنده الخصومة فى
ذلك: فأما لا فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم"
(بخاری ٢٩٢:١).
كيف يشبه العبد بماله؟ قيل لهم: الحديث عن رسول الله عَ ظله: ((من باع نخلا مؤبرا فتمرته للبائع
إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع))، أخرجه عبد
الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كما فى "المحلى" (٤١٣:٨)، وهذا من
اصح الأسانید.
فالحديث واحد، وليس ينبغى لهذين أن يتفرقا، فإنما تفسير حديث رسول الله عَ ليه عندنا
على ما يحل من ذلك، ويجوز فيه البيع، فأما ما يكون ربا، فليس على هذا تفسير الحديث، والله
أعلم اهـ ملخصا (٢٠٠ و٢٠١). ولو تنبه ابن أبى شيبة وابن حزم لما ذكره محمد رحمه الله لقال
له كما قال الأعمش لأبى يوسف رحمه الله: يا معشر الفقهاء! أنتم الأطباء، ونحن الصيادلة، ولقد
صدق رسول الله عَّ له: ((فرب مبلغ أوعى من سامع)).
باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح ووضع الجوائح
أقول: دلت الأحاديث على جواز بيع الثمار قبل بدو الصلاح، وجه الدلالة أنه لو لم يجز
لم يكن لقول رسول الله مرّ ◌ُله: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة بما يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) معنى، لأنه
على تقدير عدم صحة البيع لا يجوز أخذ المال مطلقًا، وكذا الأمر بوضع الجوائح أيضًا مبنى على
صحة البيع، فالأحاديث حجة على من منع صحة البيع قبل بدو الصلاح، وأما الأمر بوضع الجوائح
فهو عندنا أمر ندب بعد القبض، وأمر وجوب قبله، والدليل عليه أنه قبل القبض يكون المبيع فى
ضمان البائع، ويوجب هلاكه انفساخ البيع، فلا يحل للبائع أخذ الثمن لا محالة.
وأما بعد القبض فتخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشترى، وهلا که فی ضمانه لا یوجب
سقوط الثمن، كما فى غير الثمر من المبيعات، ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان الأمر بوضع
الجائحة للوجوب مطلقًا لم يكن لنهى رسول الله عّ لّه عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح معنى، لأن
علته هو حفظ مال المسلم عن التلف، كما يدل عليه قوله: ((أ رأيت إذا منع الله الثمرة بما يأخذ

٤٤
بيع الثمار قبل بدو الصلاح ووضع الجوائح
إعلاء السنن
٤٦١٢- وعن أنس بن مالك: ((أن رسول الله عَ لّه نهى عن بيع الثمار حتى
تزهى، فقيل له: وما تزهى؟ قال: حتى تحمر فقال رسول الله عَّ ◌ُله: أرأيت إذا منع الله
الثمرة بما يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) (بخارى ٢٩٣:١).
٤٦١٣- وعن جابر، أن رسول الله عَّ له قال: ((إن بعت من أخيك ثمرا
فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق)) (معانى
الآثار ٢١٥:٢).
٤٦١٤- وعن جابر أن رسول الله عَّ له أمر بوضع الجوائح(معانى الآثار ٢١٥:٢).
أحدكم مال أخيه؟)) وبعد قانون وضع الجائحة لا يبقى هذا المعنى، فلا معنى للنهى، ويدل عليه
أيضًا رواية زيد بن ثابت، لأنه يعلم منه أنه لما اعتذر المشترون بالجوائح ولم يرض البائعون بوضعها
لم يجبرهم رسول الله عٍَّ على الوضع، بل أشار عليهم بعدم البيع قبل بدو الصلاح، وقال: إن
لا ترضوا بالوضع فلا تبيعوا الثمر قبل بدو الصلاح، تدل هذا على أن أمر الوضع ليس للوجوب.
وما قال الشوكانى: "إن الراجح هو الوضع مطلقًا من غير فرق بين القليل والكثير، وبین
البيع قبل بدو الصلاح وبعده" اهـ، فكلام فاسد ناش من قلة التدبر، إذ على تقدير وجوب وضع
الجوائح لا یفید هذا النهی شیئا، كما لا يخفى.
وحاصل الكلام فى هذا الباب أنهم كانوا يبيعون الثمار قبل بدو الصلاح، فتصيبها الجوائح
ويعتذر على المشترين أداء الثمن، فيعتذرون بالجوائح، ويطلبون من البائعين وضعها، فأمرهم رسول
الله عَ لّه بوضعها على وجه المواساة، فلما لم يرضوا بالمواساة نهاهم عن البيع قبل بدو الصلاح
كالمشورة لهم، هذا هو المعلوم من الأحاديث، وليس فيه ما يدل على بطلان البيع قبل بدو الصلاح،
ولا على وجوب الجوائح قبل بدو الصلاح ولا بعده، فسقط ما قال ابن شيبة: إن أبا حنيفة قال: لا
بأس ببيعه بلحا، وهو خلاف الأثر (كتاب الرد على أبى حنيفة ص ١٤) فتدبر والله أعلم بالصواب.
فائدة: اعلم أن قوله فى حديث أنس بن مالك: "إنه نهى عن بيع الثمار حتى تزهى"،
وقوله: ((أ رأيت إذا منع الله الثمرة بما يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) يشمل بعمومه السلم أيضًا، لأن
البيع قبل بدو الصلاح، قد يكون فى صورة السلم، وقد يكون فى صورة غيره، فيكون شاملا لكلتا
الصورتين، وكذا علة النهى عنه أنها شاملة لهما، فيصح الاحتجاج به على عدم جواز السلم فى
ثمرة نخلة معينة، وكذا على على عدم جوازه فى طعام قرية معينة، كما فعله صاحب "الهداية"،
ولا يرد عليه ما أورده الزيلعى من أنى لم أر هذا اللفظ فى السلم، بل هو فى البيع، ويؤيده

٤٥
ج - ١٤
باب النهى عن الاستثناء فى البيع
٤٦١٥- عن جابر، عن النبى معَّه: ((أنه نهى عن الثنيا إلا أن تعلم)). أخرجه
الترمذى، وقال: "حسن صحيح"، وقال فى "النيل": أخرجه النسائي وابن حبان فى
"صحيحه" (١١:٥).
باب بیع الحب فى السنبل
٤٦١٦- عن ابن عمر ((أن النبى عّ لّه نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن
بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة))، أخرجه الجماعة إلا البخارى
(زيلعى ١٧١:٢ و١٧٢).
ما أخرجه "البخارى" عن ابن عباس وابن عمر، أنهما سئلا عن السلم فى النخل، فأجابا بعدم
الجواز، واحتجا بحديث النهى عن بيع النخل قبل بدو الصلاح، وقد مر فى باب بيع النخل المثمر
بالتعلق بهذا الباب، فتذکر.
باب الاستثناء فى البيع
قوله: "عن جابر إلخ"، أقول: دل الحديث على أن جهالة الاستثناء فى البيع مفسد للبيع،
لأنه مفضٍ إلى جهالة المبيع، فيكون معنى قوله: "إلا أن تعلم" أن يكون الاستثناء معلوما،
ولا يفضى إلى جهالة المبيع، فيلزم منه أنه لو استثنى أرضا معلومة لا يجوز لأنه مفضٍ إلى جهالة
المبيع، وحينئذ يكون مصداق الاستثناء المعلوم هو الاستثناء بالربع أو الثلث ونحوهما، كما قال
محمدٌٌ فى "الموطأ".
باب بيع الحب فى السنبل
قوله: "عن بيع السنبل"، أقول: دل الحديث على جواز بيع الحب فى السنبلة، ودلالته على
ظاهرة، وهو موافق لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والكوفيون وأكثر العلماء، كما فى "شرح
مسلم" للنووى (٨:٢). وقال الشافعى: إن كان السنبل شعيرا أو ذرة أو ما فى معناهما مما ترى
حياته جاز بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما تستر حباته بالقشور التى تزال بالدياس، ففيه قولان له،
الجديد أنه لا يصح وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح (شرح مسلم ٢ :٨)، ومتمسكه أنه من بيوع
الغرر، والجواب عنه أنه لا غرر فيه أصلا، إذ وجود الحنطة فى السنابل معلوم بالمشاهدة والعادة،
والتستر بالقشور لا يمنع العلم، والله أعلم.

٤٦
إعلاء السنن
باب خيار الشرط ونفى خيار الغبن
٤٦١٧- عن أنس: "أن رجلا اشترى من رجل بعيرا واشترط الخيار أربعة أيام
فأبطل رسول الله عَ ليه البيع، وقال: الخيار ثلاثة أيام". أخرجه عبد الرزاق فى
"مصنفه"، قاله ابن حجر فى "التلخيص" (ص٢٤٠). وسكت عنه، فهو حسن أو
صحيح، كما ذكرنا فى "المقدمة".
باب خيار الشرط ونفى خيار الغبن
أقول: حديث أنس نص فى الباب، وأما حديث ابن عمر، فتقریر الاستدلال به أن رسول
الله عَّه خير منقذا مع ضعف عقله ثلاثة أيام، فعلمنا أن الخيار لا يجوز أزيد منه، لأنه لو جازت
الزيادة لكان منقذا أولى به، فحددناه بثلاثة أيام فى جانب الزيادة، ولما لم يكن التحديد فى جانب
القلة قلنا: إنه على ما اتفق عليه الفريقان، وأشار ابن رشد فى كتابه "بداية المجتهد" إلى هذا
الاستدلال، حيث قال: "وأما جواز الخيار، فعليه الجمهور إلا الثورى، وابن شبرمة، وطائفة من أهل
الظاهر، وعمدة الجمهور حدیث حبان بن منقذ، وفيه: ولك الخیار ثلاثا، وما روی من حديث ابن
عمر: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا مع الخيار))" (١٢٦:٢).
وأما ما روى عن ابن عمر أنه باع جارية، وجعل للمشترى الخيار إلى شهرين، فالجواب عنه
أنه لم يكن على وجه الشرط، بل هو كان وعدا بالإقالة إلى شهرين، ولا كلام فيه إنما الكلام فى
خيار الشرط. واستدل من أجاز خيار الغبن بهذا الحديث على جوازه، وأجاب عنه محمد فى
"الموطأ" بأنه كان ذلك خاصا بذلك الرجل، ومعناه أنه لا دليل على العموم، بل هو يحتمل
الخصوص بذلك الرجل فيحمل عليه. ويمكن أن يستدل بهذا الحديث على نفى خيار الغبن، ويقال:
إن خيار الغبن، لو كان ثابتًا لم يكن هناك حاجة إلى قوله: ((لا خلابة))، كما فی خیار العيب،
وخيار الرؤية عند قائليه، وإذ قال له عَّ له: ((إذا ابتعت شيئا فقل: لا خلابة))، دل على أنه خيار
الشرط، ولیسٍ بخيار الغبن.
قال العبد الضعيف: والذى روى عن ابن عمر أنه أجاز الخيار إلى شهرين غريب جداً، قاله
الزيلعى (١٧٣:٢)، وفى "البناية" للعينى: إن هذا كله لم يثبت بإسناد صحيح، كذا فى "التعليق
الممجد" (٣٤٣)، ومن حجتنا أيضًا ما رواه الدار قطنى من حديث طلحة بن يزيد بن ركانة أنه
كلمه عمر فى البيوع، فقال: "لا أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله عَ ليه لحبان بن منقذ، أنه كان
ضرير البصر، فجعل له رسول الله عَّ له عهدة ثلاثة أيام"، وفيه ابن لهيعة (وهو حسن الحديث،

٤٧
ج - ١٤
خيار الشرط ونفى خيار الغبن
٤٦١٨- وعن ابن عمر: "أن منقذا سفع فى رأسه فى الجاهلية مأمومة. فخبلت
لسانه، فكان إذا بايع يخدع فى البيع، فقال له رسول الله عَ ليه: بايع وقل لا خلابة.
ثم أنت بالخيار ثلاثا. قال ابن عمر: فسمعته يبايع ويقول: لا خذابة لا خذابة"، رواه
الحميدى فى "مسنده"، فقال: حدثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن
عمر، فذكره (نيل الأوطار ٤٣:٥). وقال ابن حجر: فى "الفتح" (٢٨٣:٤) فى رواية
أحمد من طريق محمد بن إسحاق: حدثنى نافع عن ابن عمر فانتفى شبهة التدليس من
ابن إسحاق.
كما قد مر غير مرة) وكذا هو رواية ابن ماجة والبخارى فى "تاريخه" من طريق محمد بن يحيى
بن حبان قال: كان جدى منقذ بن عمرو، فذكر الحديث، وفيه: ((ثم أنت فى كل سلعة ابتعتها
بالخيار ثلاث ليال))، کذا فی "التلخيص الحبير " وسكت عنه (٢: ٢٤٠). فھو صحیح أو حسن،
فقول عمر: لا أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله عَّ له لحبان بن منقذ، صريح فى نفى الخيار فوق
ثلاثة أيام، وحديث أنس الذى فتحنا به الباب نص فى ذلك.
ويؤيده ما رواه الدار قطنى فى "سننه" عن أحمد بن عبد الله بن ميسرة، ثنا أبو علقمة
الفروى، ثنا نافع، عن ابن عمر، عن النبى معَّله، قال: ((الخيار ثلاثة أيام)). وأجاب عنه ابن الجوزى
فى "التحقيق" بأن الدارقطنى قد ضعف أحمد بن عبد الله بن ميسرة هذا، "زيلعى" (١٧٣:٢).
قلت: قال الدارقطنى: "كان يحدث من حفظه فيهم، ولسش ممن يتعمد الكذب اهـ" من
"اللسان" (١٩٥:١)، ومثله يعتبر به، ولا بأس به فى المتابعات.
فالتقدير الشرعى إما أن يكون لمنع الزيادة والنقصان، أو لمنع أحدهما، وهذا التقدير ليس لمنع
النقصان (اتفاقًا) فاشتراط الخيار دون ثلاثة أيام يجوز، فعرفناه أنه لمنع الزيادة، إذا لو لم تمنع الزيادة
لم يبق لهذا التقدير فائدة، وما نص عليه صاحب الشرع من التقدير لا يجوز إخلاؤه عن الفائدة،
ثم بسبب اشتراط الخيار يتمكن معنى الغرر وبزيادة المدة يزداد الغرر، وقد كان القياس أن لا يجوز
اشتراط الخيار فى البيع أصلا، وهو قياس يشده الأثر، لأن عّ لّه نهى عن بيع الغرر إلا أن تركنا
القياس فى مدة الثلاثة لورود الأثر فيه وجواز العقد مع القليل من الغرر لا يدل على الجواز عند
كثرة الغرر، كذا فى "المبسوط" (٤٢:١٣)، وفيه أيضًا: والقياس يأبى ذلك، لأن شرط الخيار تعليق
العقد، وعقود المعاوضات لا تحتمل التعليق، ويبقى مقتضى العقد ووهو اللزوم، وموجبه وهو
الملك، ولكنا نقول: تركنا القياس للحديث، ولحاجة الناس إلى ذلك (٤٠:١٣) ...
1

٤٨
خيار الشرط ونفى خيار الغبن
إعلاء السنن
٤٦١٩- عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا تبايع
الرجلان فهما بالخيار ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار))، وكان ابن عمر أو عمر
ينادى: "البيع صفقة أو خيار". رواه البيهقى فى "سننه" وسكت عنه ولم يعله ابن
التر كمانى بشىء فهو حسن أو صحيح.
٤٦٢٠- وروى: عن مطرف بن طريف تارة عن الشعبى عن عمر، وتارة عن
عطاء بن أبى رباح، عن عمر رضى الله عنه: "البيع صفقة أو خيار"، رواه البيهقى فى
"سننه" وقال: وكلاهما مع الأول ضعيف لانقطاع ذلك اهـ قلت: لا يضرنا الانقطاع
فى القرون الفاضلة، لا سيما ومراسيل الشعبى صحاح، كما ذكرناه فى المقدمة، وجعله
محمد بن الحسن الإمام "فى الحجج" له حديثا معروفا مشهورا عن عمر بن الخطاب
رضی الله عنه، وإذا اشتهر الحدیث استغنى عن الإسناد.
ومما يدل على أن خيار الغبن كان مختصا بحبان بن منقذ أو بأبيه على اختلاف الروايات أنه
كما روى عاش إلى زمن عثمان رضى الله عنه، فكان يبايع الناس ثم يخاصمهم، فيمر بهم بعض
الصحابة فيقول لمن يخاصمه: ويحك! إن النبى معَّ جعل له الخيار ثلاثا، "زيلعى" وعزاه إلى
"تاريخ البخارى" (١٧٢:٢)، وهذا يدل على اختصاصه به، لأنه لو كان للناس عامة لقال: إن
النبى معَّه جعل الخيار لمن قال: ((لا خلابة وقال بعض أصحاب الشافعى: إن كانا عالمين أن ذلك
عبارة عن خيار الثلث ثبت، وإن علم أحدهما دون الآخر فعلى وجهين، كذا فى "المغنى"
(١١٥:٤). قلت: فالمختص بحبان بن منقذ ثبوت الخيار له بقوله: ((لا خلابة)) ثلاثا مطلقا، سواء كان
صاحبه عالما بكونه عبارة عن شرط الخيار أم لا، وأما إذا كانا عالمين جميعًا فثبوت الخيار بهذا اللفظ
لا يكون مختصا به، بل يعمه وسائر الناس، ولعل النبى عّ لّه إنما اختار له هذه اللفظة لثقل كان فى
لسانه، والله تعالى أعلم ١٢ ظ.
قوله: "عن نافع وروى عن مطرف إلخ" » قال العبد الضعيف: دلالة قول عمر: "البيع صفقة
أو خيار" على مشروعية خيار الشرط ظاهرة، فإن الصفقة هى العقد اللازم والعهد الموثق، كما فى
الحديث: ((أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك)) "مجمع البحار" (٢٥٣:١)، فمعناه أن البيع إما
لازم لا خيار فيه، أو غير لازم للخيار، ففيه زد على من أثبت خيار المجلس فى كل بيع، كما تقدم،
وعلى من أنكر خيار الشرط، وأتى ابن حزم ههنا أيضًا من ظاهريته بأعاجيب وأغاليط، كما هو
دابه، فقال: "واحتج هو أی الشافعى وأبو حنيفة فى أن الخیار لا یکون أکثر من ثلاث بخبر

٤٩
خيار الشرط ونفى خيار الغبن
ج - ١٤
٤٦٢١- أخرج: ابن حزم من طريق عبد الرزاق: أنا ابن جريج، أخبرنى سليمان
بن البرصاء، قال: "بايعت ابن عمر، فقال لى: إن جاءتنا نفقتنا إلى ثلاث ليال فالبيع
بيننا. وإن لم تأتنا نفقتنا إلى ذلك فلا بيع بيننا وبينك، ولك سلعتك" (المحلى ٣٧٣:٨)،
ولم یعلہ بشیء، فهو صحیح أو حسن.
المصراة، وبخبر الذى كان يخدع فى البيوع، ثم قال: أما احتجاج أبى حنيفة بخبر المصراة فطامة
من طوام الدهر، وهو أول مخالف له وزار عليه، وطاعن فيه، مخالف كل ما فيه"، إلى آخر ما قال
وأطال وأقذع وأفظع (٣٧٢:٨)، وكله فرية بلا مرية، تدل على سخافة رأى قائلها وقلة فهمه،
وخفة عقله، فإن أبا حنيفة لم يخالف الحديث، ولم يزر عليه، ولم يطعن فيه، بل حمله على محامل
حسنة توافق الأصول، ولم يفعل كفعل غيره أن يترك الأصول المستنبطة من الكتاب والسنة
المشهورة بخبر واحد مضطرب المتن جدا، كما تقدم. قال: وأما احتجاج أبى حنيفة والشافعى
بحديث منقذ فعجب عجيب جدا أن يكونا أول مخالف لهذا الحديث، وقولهما بفساد بيعه جملة
إن كان يستحق الحجر، ولا يرده إلا من عيب إن كان لا يستحق الحجر (٣٧٢:٨).
قلت: ليسا بأول مخالف له، بل جعلا ثبوت الخيار بقوله: ((لا خلابة)) مختصا بهذا الرجل
كما مر، ولو تعارف الناس هذه اللفظة فيما بينهم لشرط الخيار لثبت بها الخيار عامة عندهما كما
تقدم، وقد روى البيهقى من طريق ابن لهيعة: ثنا حبان بن واسع، عن طلحة بن يزيد بن ركانة "أنه
كلم عمر بن الخطاب فى البيوع، فقال: ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله عّ لّه لحبان بن
منقذ، أنه كان ضرير البصر، فجعل له رسول الله عَّ له عهدة ثلاثة أيام، إن رضى أخذ، وإن سخط
ترك"، قال: "والحديث ينفرد به ابن لهيعة اهـ" (٢٤٧:٧).
وقد مر غير مرة أنه حسن الحديث، فهذا عمر قد احتج الخيار الشرط ثلاثة أيام بحديث
الذى كان يخدع فى البيع، وجعله أوسع شىء فى الباب، فما ذا على أبى حنيفة والشافعى لو
احتجا بما احتج به عمر قبلهما، وفيه دلالة أيضًا على كون الخيار بلفظ ((لا خلابة)) مخصوصا
بالرجل غير متعارف بين الصحابة، وإلا لم يحتجوا أن یکلموا عمر فى ذلك، ولم يحتج أن يثبت
لهم مدة الخيار ثلاثة أيام بهذا الحديث قياسًا واستنباطًا، فافهم. فإن الفقه بالدراية لا بمجرد
الرواية، والله تعالى أعلم.
قوله: أخرج ابن حزم من طریق عبد الرزاق إلخ، قلت: فلو كان اخيار فى البيع جائزا فوق
ثلاثة أيام لم يقصره ابن عمر على الثلاثة مع احتياجه إلى التوسيع لتأخر نفقته، فدل على أن الخيار

٥٠
خیار الشرط ونفی خیار الغبن
إعلاء السنن
٤٦٢٢- وروى البيهقى من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة: ثنا أبو علقمة
الفروى، ثنا نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّ له: ((الخيار ثلاثة أيام)). وسكت
عنه، وأعله ابن الجوزى بأن أحمد بن عبد الله بن ميسرة قد ضعفه الدار قطنى، وقال ابن
حبان "لا يحل الاحتجاج به" اهـ (زيلعى ١٧٣:٢).
قلت: قال الدارقطنى: " کان یحدث من حفطه فيهم، وليس ممن يتعمد الكذب"،
وقال ابن أبى حاتم: "تكلموا فيه" كما فى "اللسان"، وهذا تلیین هین، وأما ابن حبان
فهو قصاب كما ذكرنا فى" المقدمة": ولما رواه شواهد فالحديث صالح للاحتجاج به.
٤٦٢٣- وأخرج: ابن حزم من طريق وكيع: نا زكريا بن أبى زائدة عن الشعبى
قال: "اشترى عمر فرسا واشترط حبسه إن رضيه، وإلا فلا بيع بينهما بعد، فحمل عمر
عليه رجلا فعطب الفرس، فجعلا بينهما شريحا، فقال شريح لعمر: سلم ما ابتعت، ورد
ما أخذت. فقال عمر: قضيت بمر الحق" (المحلى ٣٧٣:٨)، وهذا مرسل صحيح.
لا بد أن یکون موقتا بها لا بأزيد منهما.
قوله: "وروى البيهقى إلخ"، فيه تصريح بما دل عليه أثر ابن عمر بالمفهوم، وإن سلمنا
ضعف إسناده فقد تأيد المرفوع بالموقوف، وبما ذكرنا أول الباب عن أنس رضى الله عنه، فلا شك
فى صلاحية المجموع للاحتجاج.
قوله: "وأخرج ابن حزم من طريق وكيع إلخ"، أورده ابن حزم علينا، لأنه ليس فيه ذكر
مدة أصلا، قال: "فهذا بيع عندهم فاسد مفسوخ" (٢٧٤:٨)، وكل ذلك من عدم معرفته بمذهب
القوم، فإن المتبايعين إذا لم يذكرا للخيار مدة، ينصرف إلى ثلاثة أيام، ولا يفسد البيع، ولا يفسخ إذا
أنفذاه فى المدة، ولو هلك المبيع فيها بيد المشترى ضمنه بالقيمة، وإذا هلك بعدها يضمن بالثمن،
كذا فى "فتح القدير" (٥٠١:٥)، فأين فى حديث عمر أن الفرس لم يعطب فى الثلاثة، كيف؟
وعمر هو الذى جعل مدة الخيار ثلاثة أيام، ولم يجد شيئا أوسع مما جعل رسول الله عَّ له لحبان بن
منقذ كما مر، فلا بد من حمل فعله على قوله كي لا يتضادا، وفيه دليل على أن تلف المبيع وهلاكه
فى يد المشترى مبطل لخياره كما هو المذهب، والله تعالى أعلم.
ثم راجعت "السنن الكبرى" للبيهقى، فوجدته قد بوب للحديث بقوله: "باب المأخوذ على
طريق السوم"، فرواه من طريق شعبة: ثنا سيار أبو الحكم، عن الشعبى، قال: أخذ عمر بن الخطاب
فرسا من رجل على سوم، فحمل عليه رجلا فعطب عنده، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بينى

٥١
ج - ١٤
خيار الشرط ونفى خيار الغبن
٤٦٢٤- من طريق عبد الرزاق: نا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه فى الرجل
يشترى السلعة على الرضا، قال: الخيار لكليهما حتى يفترقا عن رضى".
٤٦٢٥- وبه إلى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: "إذا بعت شيئا على الرضا
فلا تخلط الورق بغيرها حتى تنطر أ يأخذ أم يرد".
٤٦٢٦- ومن طريق سعيد بن منصور: نا هشيم، أنا يونس، عن الحسن، قال:
"إذا أخذ الرجل من الرجل البيع على أنه فيه بالخيار فهلك منه، فإن كان سمى الثمن
وبينك رجلا، فقال الرجل: فإنى أرضى بشريح العراقى، فقال شريح لعمر: أخذته صحيحاً سليما،
وأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سالما، فأعجب عمر بن الخطاب فبعثه قاضيا، وذكر الحديث
(٢٧٤:٥) وعلى هذا فالحديث من باب القبض على سوم الشراء وهو مضمون عندنا بالقيمة أيضًا،
كما سيأتى، وليس من باب البيع بشرط الخيار، فلا يضرنا عدم ذكر المدة فيه، وإذا كان ذلك حكم
المقبوض على سوم الشراء، فالمقبوض على الخيار فى البيع قياس عليه، لكون القبض على السوم
أدنى منزلة منه، فإذا ثبت الضمان فى الأول ثبت فى الثانى بالأولى.
قوله: "من طريق عبد الرزاق نا معمر"، وقوله: "به إلى معمر إلخ"، قلت: أورد ابن حزم
هذه الآثار علينا، لأنه ليس فى شىء منها ذكر مدة أصلا، وهى فى الحقيقة حجة لنا، فإ البيع
والاشتراء على الرضا، ليس من البيع بشرط الخيار، بل من القبض على سوم الشراء، وتفسيره ما فى
أثر عكرمة: أن يأخذ رجل من رجل ثوبا، فيقول: اذهب به، فإن رضيته أخذته، كما سيأتى، وهذا
ليس من البيع فى شىء لانعدام الإيجاب والقبول بلفظ: "بعت واشتريت"، وقد يطلق البيع
والشراء على المساومة كما لا يخفى، والآثار يفسر بعضها بعضا، فهى مؤيدة لما ذكره علماءنا أن
المقبوض على سوم الشراء مضمون بالقيمة بعد بيان الثمن، وإذا لم يذكر الثمن من أحد الجانبين،
فلا ضمان، كما فى "الدر مع الشامية " (٧٦:٤ و ٧٧)، فقول طاوس: الخيار لكليهما حتى يفترقا عن
رضا، معناه أن المقبوض على سوم الشراء لا يخرج من ملك البائع، ولا يدخل فى ملك المشترى،
فلكل واحد منهما أن يرده ويسترده حتى يتفرقا عن إيجاب وقبول، وهو معنى قول ابن سيرين: فلا تخلط
الورق بغيرها حتى تنظر أ يأخذ أم يرد فإن مريد الشراء لو أدى الثمن، وقال: إن رضيته أخذته، كان
الثمن مقبوضًا على سوم البيع غير مملوك للبائع، إلا أنه ضامن له إن هلك عنده أو استهلكه.
قوله: "ومن طريق سعيد بن منصور إلخ" صريح فى أن المراد بالخيار إنما هو القبض على
سوم الشراء، لقوله: "فإن کان سمی الثمن فهو ضامن، وإن لم یسمه فهو أمین"، فإن البيع بخيار

٥٢
إعلاء السنن
خيار الشرط ونفى خيار الغبن
فهو له ضامن، وإن لم يسمه فهو أمين ولا ضمان عليه".
٤٦٢٧ - ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، قال: سألت
عكرمة مولى ابن عباس عن رجل أخذ من رجل ثوبًا فقال: اذهب به، فإن رضيته
أخذته، فباعه الآخذ قبل أن يرجع إلى صاحب الثوب، فقال عكرمة: لا يحل له الربح"،
أخرج الآثار كلها ابن حزم فى المحلى (٣٧٤:٨ -٣٧٥)، واحتج بها وأسانيدها صحاح.
الشرط لا بد فيه من ذكر الثمن، فالأثر دليل لما ذكره الفقيه أبو الليث فى "العيون" فى رجل أخذ
ثوبا، فقال: اذهب به، فإن رضيته اشتريته، فضاع فى يده لم يلزمه شىء، وإن قال: إن رضيته
اشتريته بعشرة كان ضامنا للقيمة، كذا فى "فتح القدير" (٥٠٤:٥).
قوله: "ومن طريق عبد الرزاق عن معمر إلخ"، قلت: قوله: "اذهب به فإن رضيته أخذته"
صريح فى القبض على سوم الشراء، وبه لا يملك القابض ما قبله كما قدمنا، بل هو فى ملك
صاحب الثوب كما كان، فلا يحل للقابض أن يبيعه ويستربح منه قبل أن يرجع إلى صاحب الثوب
ويتفرقا عن رضا، فالأثر حجة لنا لا علينا، ولكن ابن حزم اغتر بما فى بعض الآثار من لفظ
"الخيار"، فحملها به على خيار الشرط، ولم يتنبه لما نبهناك عليه أن خيار الشرط لا يحتمل عدم
ذكر الثمن، وأن قوله: إن رضيته أخذته ليس من باب بيع الخيار فى شىء، وإنما هو من القبض على
سوم الشراء، ولو قال صاحب الثوب: هذا الثوب لك بعشرة، فقال: هاته حتى أنظر إليه، أو أريه
غيرى، ولم يقل: إن رضيته أخذته، وضاع فلا شىء عليه، لكونه مقبوضا على سوم النظر لا على
سوم الشراء، حكاه صاحب "القنية" عن أبى حنيفة، ونبه ابن عابدين بذلك على الفرق بين
المقبوض على سوم الشراء، وبينه على سوم النظر، كما فى "رد المحتار" (٧٦:٤ و ٧٨)، ولكن ابن
حزم يلزمه خصمه بما لا يرد عليه لعدم معرفته بمذهبه، ولو راجع أقوال أبى حنيفة كلها لعرف
بكونه أتبع الناس للأثر، مع أن أقوال التابعين لا حجة فيها إذا خالفت أقوال الصحابة رضى الله
عنهم، والله تعالى أعلم.
٠
وأما ما رواه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: "كل بيع فيه شرط،
فليس بيعا" (٣٧٥:٨)، فهو عين مذهبنا، وبه نقول لما ورد من النهى عن بيع وشرط، ولكنه
محمول على شرط غير شرط الخيار، لكونه لا ينافى مقتضى العقد عند الجمهور القائلين بخيار
المجلس فی کل بیع، ومستثنى عندنا من النهى المذکور استحساناً، لما ثبت عن النبى عێ، وعن
الصحابة من مشروعية الخيار ثلاثة أيام بالشرط، كما مر، فافهم.

٥٣
ج - ١٤
باب خيار الرؤية
٤٦٢٨- قال الدار قطنى: حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمود بن خرزاد القاضى
الأهوازى، نا أحمد بن عبد الله بن أحمد بن موسى عبدان، نا داهر بن نوح، نا عمر بن
قال العبد الضعيف: والحديث جعله محمد بن الحسن معروفا لا يشك فيه عن النبى معَ له
كما سيأتى، فخرج داهر وابن إبراهيم من البين، وثبت أن للحديث أصلا أصيلا، وإذا اشتهر
الحديث وتلقته العلماء بالقبول استغنى عن الإسناد، كما مر غير مرة ١٢ ظ .
وقال الدارقطنى (٢٩٠) أيضًا: حدثنا وعلج بن أحمد، ثنا محمد بن على بن زيد، نا سعيد
ابن منصور، نا إسماعيل بن عياش، عن أبى بكر بن عبد الله ابن أبى مريم عن مكحول، رفع
الحديث إلى النبى عّ لّه، قال: قال: ((من اشترى شيئا فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء
تركه))، قال أبو الحسن: "هذا مرسل، وأبو بكر ابن أبى مريم ضعيف" انتهى.
قال ابن همام فى "فتح القدير" (٥٣١:٥): المرسل حجة عند أكثر أهل العلم، وتضعيف ابن
أبى مريم بجهالة عدالته لا ينفى علم غير المضعفين بها اهـ. أقول: لم أر من وثقه، والذين ضعفوه
لم يقدحوا فى عدالته، ولم يضعفوه بجهالة عدالته، بل كان من ضعفه إنما ضعفه من جهة الحفظ.
قال العبد الضعيف: كان أبو بكر من العباد، وكان كثير البكاء، وكان أحد أوعية العلم،
قال الجوزجاني: "متماسك"، وقال ابن عدى: أحاديثه صالحة، ولا يحتج به، كما فى
"الميزان" (٣٤٥:٢) ١٢ ظ.
وقال الدار قطنی (٢٩٠) أيضًا: حدثنا وعلج بن أحمد، ثنا محمد بن علی (ابن زيد)، نا
سعيد (ابن منصور)، نا هشيم، نا يونس عن الحسن، وإسماعيل بن سالم عن الشعبى، ومغيرة عن
إبراهيم مثله سواء، (يعنى مثل ما روى مكحول عن النبى عّ لّه)، وقال الطحاوى: حدثنا أبو بكرة
بكار بن قتيبة، ومحمد بن شاذان، قالا: ثنا هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا عبد الرحمن بن
مهدى، عن رباح بن أبى معروف المكى عن ابن أبى مليكة، عن علقمة بن وقاص الليثى، قال:
"اشترى طلحة بن عبيد الله عن عثمان بن عفان مالا، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، وكان الملك
بالكوفة وهو مال آل طلحة الآن لها، فقال عثمان: لى الخيار لأنى بعت ما لم أر، فقال طلحة: لى
الخيار لأنى اشتريت ما لم أر، فحكما بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار.
لعثمان، انتهى.

٥٤
خيار الرؤية
إعلاء السنن
إبراهيم بن خالد، نا وهب اليشكرى، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، قال: قال
رسول الله عَّه: ((من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه))، قال عمر: وأخبرنى فضيل
ابن عياض، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُّه بمثله:
المنقطع حجة ما لم يعارضه متصل:
وقال أيضًا: " والآثار فى ذلك قد جاءت متواترة، وإن كان أكثرها متقطعا، فإنه منقطع
لم يضاده متصل، وقال أيضًا: إن خيار الرؤية لم نوجبه قياسا، وإنما وجدنا أصحاب رسول الله عَ ليه
أثبتوه، وحكموا به وأجمعوا عليه، ولم يختلفوا فيه، وإنما جاء الاختلاف فى ذلك ممن بعدهم،
فجعلنا ذلك خارجا من قول النبى عّ لّه: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) وعلمنا أن النبى معَّ ◌ُلّ لم يعن
ذلك لإجماعهم على خروجه منه، انتهى.
قال العبد الضعيف: أما أثر علقمة بن وقاص الليثى فسنده متصل حسن، فإن علقمة من
الثانية، ولد فى عهد النبى مّ ◌ُّه، روى عن عمر وغيره من الصحابة، وروى ابن مندة بسند حسن
عنه أنه قال: "شهدت الخندق، وكنت فى الوفد الذين وفدوا على رسول الله عَّ له"، كما فى
"التهذيب" (٧: ٢٨١)، فروايته عن عثمان وطلحة متصلة حتما، ورجال الإسناد كلهم ثقات من .
رجال الجماعة غير أبى بكرة، وهو ثقة مأمون کما مر غير مرة، وغیر هلال بن یحیی الرائى، وهو
من كبار العلماء الحنفية من أصحاب أبى يوسف وزفر، حدث عن أبى عوانة وابن مهدى، ذكره
ابن حبان فى الضعفاء كما فى "اللسان" (٢٠٢:٦)، ولكنه ثقة عندنا معشر الحنفية، ولم ينفرد به
بل رواه أبو قلابة، عن عبيد الله بن عبد المجيد، عن رباح بن أبى معروف به عند البيهقى (٢٢٨:٥)،
فالحدیث حسن١٢ظ.
أقول: وقد وافق أبا حنيفة فى هذه المسألة أهل الحديث أيضًا، حيث قال الشوكانى فى
رسالته المسماة بـ "الدرر البهية": "من اشترى شيئا لم يره فله رده إذا رآه"، وأقره عليه شارحه
صاحب "الروضة الندية". واستدل عليه بوجهين: الأول: أن فيه نوع غرر، وهو جهل منه، لأنه لو
كان كما قال لكان هذا البيع من البيوع المنهية، لنهى رسول الله عَ لّه عن بيع الغرر، فهذا يقتضى
کونه منہیا عنه لا کونه مقتضیا للخيار، فتدبر.
والثانى: أنه لا بد فيه من حصول المناط الشرعى وهو التراضى، فإذا لم يرض المشترى بالبيع
فقد فقد الرضا، وعدم المصحح، وهو فاسد أيضا؛ لأن المناط الشرعی هو حصول التراضى عند
العقد فإذا حصل التراضى عند العقد وتم هو به فلا يضر عدم بقاؤه، وإلا لزم أن يتحقق الخيار فى

ج - ١٤
خيار الرؤية
٥٥
قال عمر: وأخبرنى القاسم بن الحكم، عن أبى حنيفة، عن الهيثم، عن محمد بن سیرین،
عن أبى هريرة، عن النبى عّ ◌ُّه مثله، عمر بن إبراهيم يقال له الكردى يضع الأحاديث،
كل بيع إذا ندم المشترى، سواء كان رآه أو لم يره، ولا يقول به أحد.
والصحيح أن يقال: إن عدم الرؤية مؤثر فى نقصان الرضا لا فى انعدامه، فمن جهة نفس
وجود الرضا عند العقد تم العقد، ومن جهة عدم تمامه كان العقد غير لازم، وقابلا للفسخ إلى أن
يتم الرضا بالرؤية، وهذا هو خيار الرؤية، فثبت المدعى، وقال: إن بيع ما لم يره وشراؤه باطل للنهى
عن بيع الغرر. والجواب عنه أن الغرر ان یحتمل أن یکون وأن لا یکون، وهذا ليس، کذلك فهو
لیس من بيوع الغرر.
قلت: وأثر علقمة قد بلغ أبا حنيفة، فاحتج به ورجع عن قوله أولا: "للبائع الخيار إذا باع ما
لم يره" حين بلغه الحديث، وقال: "لا خيار للبائع"، كذا فى "المبسوط" (٧١:١٣)، ولا يخفى أن
احتجاج المجتهد بحديث تصحيح له كما مر فى الأصول، وأيضًا: فالحديث عن رسول الله مرّه فى
ذلك عندنا من المشاهير، صرح به فى "المبسوط" أيضًا (٢٩:١٣)، وهو مقتضى قول الطحاوى:
"الآثار فى ذلك قد جاءت متواترة، وإن كان أكثرها منقطعا إلخ"، وقد مر.
وقال محمد بن الحسن الإمام فى "الحجج" له (٢٣٦)، الحديث المعروف الذی لا يشك فيه .
عن النبى عَّ ◌ُله، وعليه أمور المسلمين إلى يومهم هذا فى الآفاق، أن رسول الله عّ لّه قال: ((من
اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه)). وقال أهل المدينة فى الرجل يقدم له أصناف من البز،
فيحضره السوام ويقرأ عليهم بارنامجه، ويقول: فى كل عدل كذا وكذا ملحفة مصرية، وكذا
وكذا ريطة سابرية، ذرعها كذا وكذا، ويسمى أصناف البز لهم بأجناه، فيقول: اشتروا منى على
هذه الصفقة فيشترون على ما وصف لهم، إن ذلك لازم لهم إذا كان موافقا للبارنامجه الذى
باعهم عليه، وأن ما يجده موافقا للبارنامجه التسمية، وأن الصفة لا تغنى شيئا حتى يرى، فإذا رأى
بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وبذلك جاءت الآثار، وعليه أمر الناس عامة اهـ، ملخصا.
وفيه دلالة على كون الحديث معروفا بالصحة غير مشكوك فيها عند أهل العراق، وكونه
مجمعا عليه عندهم، فكفى بذلك حجة فى الباب، وفى قول محمد: "وعليه أمور المسلمين إلى
يومهم هذا"، وقوله: وعليه أمر الناس عامة تأييد لقول الطحاوى: "إن خيار الرؤية لم نوجبه قياسا،
وإنما وجدنا أصحاب النبى معَِّ أثبتوه وحكموا به، وأجمعوا عليه، ولم يختلفوا فيه، وإنما جاء
الاختلاف فى ذلك ممن بعدهم إلخ"، فبطل قوم بعض الأحباب "إن دعوى الإجماع دعوى

٥٦
خيار الرؤية
إعلاء السنن
وهذا باطل لا يصح، لم يروها غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين موقوفا من قوله انتهى،
وقال ابن القطان فى كتابه: "والراوى عن الكردى داهر بن نوح وهو لا يعرف، ولعل
الجنایة منه"، انتهى.
مجردة، وقصة طلحة مع عثمان لا يدل على الإجماع اهـ"، قلت: ومن أنبأك أنه بنى دعواه
على هذه القصة وحدها؟ والطحاوى أعرف الناس بمذاهب العلماء وأقوالهم، وقد ادعى أن
الصحابة لم يختلفوا فى هذا الباب، وإنما جاء الاختلاف ممن بعدهم، وله سلف فى ذلك من قول
محمد بن الحسن الإمام المجتد، فمن رام تخطئته فى ذلك فليرنا نصا من الصحابة بخلافه، وإلا
فلا يلومن إلا نفسه.
وأما قوله: "وإن جاز للطحاوى دعوى الإجماع بمثل هذه القصة فللخصوم أن يدعوه فى
خيار المجلس، لأنه لم يعلم مخالف لابن عمر وأبى برزة فى الصحابة اهـ، فدليل على قلة معرفته
بأقوال الصحابة والتابعين، وقد قدمنا خلاف عبد الله بن عمرو لابن عمر فى المفارقة خشية أن
يستقيله صاحبه، وأن أثر أبى برزة لا حجة فيه للخصم، لكونه قد أثبت الخيار مع قيام البائع من
مجلس البيع إلى فرسه وثومه مع الجارية، وروينا عن عمر أنه قال: "إنما البيع عن صفقة أو خيار"،
وهو حديث معروف مشهور عنه، وعن شريح قال: "إذا كلم الرجل بالبيع وجب عليه البيع"
وشريح من أجلة التابعين الذين كانوا ينازعون الصحابة فى فتاواهم، فلا ينعقد إجماع الصحابة مع
خلافهم، قال فى "شرح المهذب": والصحيح المختار أن قول التابعى الذى نشأ فى عصر الصحابة،
وصار من أهل الاجتهاد قبل إجماعهم لا ينعقد إجماعهم بدونه، وهذا قول أكثر أصحابنا، وهو
المنسوب إلى الحنفية، وأكثر الحنابلة، وأكثر المتكلمين (٤٨:١٠)، وقد مر عن الدار قطنى أنه روى
القول بخيار الرؤية عن الشعبى، وعن الحسن وعن إبراهيم النخعى.
وروى البيهقى فى "سننه" حديث أبى حنيفة، عن الهيثم، عن محمد ابن سيرين، عن أبى
هريرة مرفوعًا: ((من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه))، تم تكلم فى رفعه لأجل الكردى،
وقال: "إنما يروى عن ابن سيرين من قوله اهـ" (٢٦٨:٥)، فلا حجة فيما رواه من طريق سعيد بن
منصور، عن هشيم: أنا يونس وابن عون عن ابن سيرين أنه كان يقول: "إن كان على ما وصفه له
فقد لزمه" لاختلاف أصحاب ابن سيرين عليه، فثبت ما قاله الطحاوى ومحمد بن الحسن: إن
الصحابة ومن عاصرهم لم يختلفوا، وإنما جاء الاختلاف ممن بعدهم. وذهب الشافعى إلى عدم
جواز بيع العين الغائبة، وفى "المحلى": إذا وصف الغائب عن رؤية وخبرة وملكه المشترى، فأين

ج - ٣٤
٥٧
أبواب بيع العيب
باب حرمة الغش
٤٦٢٩- عن أبى هريرة: ((أن رسول الله عَ ◌ّه مر على صبرة من طعام، فأدخل يده
فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: يا صاحب الطعام! ما هذا؟ قال: أصابته السماء يا رسول
الله! قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال: من غش فليس منا)). قال
الترمذى "حسن صحيح"، وأخرجه مسلم والحاكم، كما فى "التلخيص" (٢٤:٢).
باب خیار العیب
٤٦٣٠- عن عائشة: أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله، ثم وجد به عيبا فرده بالعيب،
الغرر؟ ولم يزل المسلمون يتبايعون الضياع فى البلاد البعيدة بالصفة، باع عثمان لطلحة أرضا.
بالكوفة ولم يرياه، فقضى جبير بن مطعم أن الخيار لطلحة، وما نعلم للشافعى سلفا فى منع بيع
الغائب الموصوف، ولا خلاف فى اللغة أن ما فی ملك بائعه فهو عنده، وما لیس فی ملكه، فليس
عنده، وإن كان بيده، وفى نوادر الفقهاء لابن بنت نعيم: "أجمع الصحابة على جواز بيع الغائب
المقدور على تسليمه، وأن لمشتريه خيار الرؤية إذا رآه اهـ" ملخصًا من "الجوهر النقى" (٢٧٤:٥).
باب حرمة الغش
قوله: "عن أبى هريرة"، أقول: النص صريح فى الباب.
باب خيار العيب
قوله: "عن عائشة إلخ"، أقول: قال أبو داود: "إسناده ليس بذاك"، وقال ابن المنذر: "يشير
إلى ما أشار إليه البخارى من تضعيف مسلم بن خالد الزنجى". أقول: مسلم بن خالد ثقة، وثقه
يحيى بن معين والدار قطنى، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن عدى: "حسن الحديث لا بأس
به"، وضعفه البخارى وغيره، فهو مختلف فيه، والاختلاف غير مضر فى المسائل الاجتهادية.
ثم الحديث مشتمل على أمرين: الأول: خيار الرد بالعيب، وهو مؤيد بالإجماع، وآثار
الصحابة، والقياس، لأن الرضا لم يتم من المشترى مع وجود العيب وعدم علمه به. والأمر الثانى:
هو عدم رد الغلة للضمان، ولم يتفرد به مسلم بن خالد، بل تابعه عليه عمر بن على المقدمی، وهو
متفق على الاحتجاج به، كما فى "النيل"، وتابعه أيضًا مخلد بن خفاف عن عروة، فلا معنی لرد
الرواية من أجل مسلم بن خالد، وإذا ثبت الحديث فهو يدل على خيار الرد بالعيب، وهو المدعى.

٥٨
خيار العيب
إعلاء السنن
فقال البائع: غلة عبدى، فقال عّ ◌ُله: الغلة بالضمان". رواه "أبو داود، وابن ماجه،
وأحمد"، وفى "التلخيص الحبير": رواه الشافعى، وأحمد، وأصحاب السنن، والحاكم
وأما قوله: "الغلة بالضمان"، فقال صاحب "المنتقى": "إن فيه حجة لمن يرى تلف العبد
المشترى قبل القبض من ضمان المشتری اهـ"، ولا أدرى وجه الحجية له فيه، لأنه ليس فيه ما يدل
على أنه متى ينتقل البيع من ضمان البائع إلى ضمان المشترى؟ أ بنفس العقد أم بالقبض؟ وإذا ليس
فيه هذا، فكيف يكون حجة لمن يرى تلف المبيع قبل القبض من ضمان المشترى؟ وقال الشوكانى:
ظاهر الحديث عدم الفرق بين الفوائد الأصلية والفرعية اهـ"، وهو أيضًا غير ظاهر، لأن الفوائد
الأصلية من أجزاء المبيع، والفرعية من المنافع، وقياس الأجزاء بالمنافع ظاهر البطلان، لأن الأولى
داخل فى البيع دون الأخرى، ثم قال: "قالت الحنفية: إن الغاصب كالمشترى قياسا، ولا يخفى ما
فى القياس، لأن الملك فارق يمنع الإلحاق، والأولى أن يقال: إن الغاصب داخل تحت عموم اللفظ،
ولا عبرة بخصوص السبب، كما تقرر فى الأصول اهـ". وفيه أنه لما كان الغاصب داخلا فى عموم
اللفظ، فلم قلت: إن الحنفية قالوا ذلك بالقياس؟ ثم لما كان المؤثر فى ملك الغلة هو الضمان فأى
دخل لملك العين فيه؟ فكيف يصلح لكونه فارقا؟ فتنبه له.
قال العبد الضعيف: وقال الموفق فى "المغنى": من علم بسلعته عيا لم يجز بيعها حتى يبينه
للمشترى، فإن لم يبينه فهو آثم عاصٍ، نص عليه أحمد، لما روى حكيم بن حزام عن النبى عَ ◌ّه،
أنه قال: ((البيعان بالخيار لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما وإن كذبا وكتما محق بركة
بيعهما)) "متفق عليه". وقال عليه السلام: ((المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا إلا
بينه له))، وقال: ((من باع عيبا لم يبينه لم يزل فى مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه)) رواهما " ابن
ماجه"، وروى "الترمذى" مرفوعا: ((من غشنا فليس منا))، وقال: حديث حسن صحيح، والعمل
عليه عند أهل العلم كرهوا الغش، وقالوا: هو حرام، فإن باعه ولم يتبينه فالبيع صحيح فى قول أكثر
أهل العلم، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعى، وحكى عن أبى بكر بن عبد العزيز أن البيع باطل،
لأنه منهى عنه والنهى يقتضى الفساد، ولنا أن النبى ◌ّ له نهى عن التصرية، وصحح البيع، وقد
روى عن أبى بكر أنه قيل له: ما تقول فى المصراة؟ فلم يذكر جوابا، (قلت: فثبت أن النهى عن
الأفعال الشرعية لا يقتضى فساد العمل، بل هو يقرره خلافا للجمهور، كما تقرر فى الأصول،
فتراهم قد خرجوا ههنا من أصلهم ١٢ظ.
قال الموفق: وأنه متى علم بالمبيع عيبا لم يكن عالما به فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء

ج - ١٤
خيار العيب
٥٩
من طريق عروة عن عائشة مطولا ومختصرا، وصححه ابن القطان اهـ.
كان البائع علم العيب وكلمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم فى هذا خلافًا، قال: ولا يخلو المبيع
من أن يكون بحاله، فإنه يرده ويأخذ رأس ماله، أو يكون قد زاد بعد العقد، أو جعلت له فائدة
فذلك قسمان: أحدهما: أن تكون الزيادة متصلة، كالسمن، والكبر، والتعلم، والحمل قبل الوضع،
والثمرة قبل التأبير، فإنه يردها بنماءها؛ لأنه يتبع فى العقود والفسوخ.
القسم الثانى: أن تكون الزيادة منفصلة، وهى نوعان: أحدهما: أن يكون الزيادة من غير
عين المبيع كالكسب، وهو معنى قوله: واستغلها، أى أخذ غلتها، وهى منافعها الحاصلة من جهتها،
كالخدمة، والأجرة، والكسب، وكذلك ما يوهب أو يوصى له به، فكل ذلك للمشترى فى مقابلة
ضمانه، لأن العبد لو هلك هلك من مال المشترى، وهو معنى قوله عليه السلام: ((الخراج بالضمان))
ولا نعلم فى هذا خلافًا، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعى، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
النوع الثانى: أن تكون الزيادة من عين المبيع، كالولد، والثمرة، واللبن، فهى للمشترى أيضًا، ويرد
الأصل دونها، وبهذا قال الشافعى. وقال مالك: إن كان النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولدا رده
معها. وقال أبو حنيفة: النماء الحادث فى يد المشترى يمنع الرد، لأنه لا يمكن رد الأصل بدونه، لأنه
من موجبه، فلا يرفع العقد مع بقاء موجبه، ولا يمكن رده معه، لأنه لم يتناوله العقد اهـ.
قلت: قد تسامح رحمه الله فى نقل علة المنع من الرد فى قول أبى حنيفة، والصحيح ما فى
"العناية شرح الهداية": أن الزيادة نوعان: متصلة ومنفصلة. والمتصلة نوعان: متولدة كالسمن،
والجمال، وهى لا تمنع الرد بالعيب اتفاقا، ومتصلة غير متولدة كالصبغ، والخياطة واللت، وهى تمنع
الرد بالعيب اتفاقًا، والمنفصلة نوعان: متولدة، كالولد، والثمرة، وهى تمنع بالعيب؛ لأنه لا سبيل إلى
فسخه مقصودًا، لأن العقد لم يرد على الزيادة، ولا سبيل إلى فسخه تبعا، لانقطاع التبعية
بالانفصال، وغير متولدة من المبيع كالكسب، وهى لا تمنع الرد بالعيب، بل يفسخ العقد فى الأصل
دون الزيادة ويسلم الزيادة للمشترى مجانا، بخلاف الولد.
والفرق أن الكسب ليس بمبيع بحال؛ لأنه تولد من المنافع، وهى غير الأعيان، والولد تولد
من المبيع، فيكون له حكم المبيع، فلا يجوز أن يسلم له مجانا، لما فيه من الربا؛ لأنه يبقى فى يده
بلا عوض فى عقد المعاوضة، والربا اسم لما يستحق بالمعاوضة بلا عوض يقابله (١٣:٦)، وعلى هذا
فلا يرد على الحنفية ما أورده الموفق عليهم من أن قولهم: "إن النماء موجب العقد" غير صحيح،
إنما موجبه الملك اهـ، فقد رأيت أنهم لم يعللوا الجواب بما علله به، والعلة التى ذكروها سالمة عن
الإيراد، والله تعالى أعلم ١٢ ظ.

٦٠
ج - ١٤
باب بيع المصراة
٤٦٣١- حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال
باب بيع المصراة
قوله: "لا تصروا الإبل إلخ"، أقول: هذا الحديث من مطارح أنظار العلماء، ومبارك آراء
الفضلاء، فلننقل أولا كلامهم، ثم نقول: ما هو الحق عندنا، فنقول: قال ابن دقيق العيد فى "إحكام
الأحكام شرح عمدة الأحكام": النهى ورد عن فعل المكلف، وهو ما يصدر باختياره وتعمده،
فرتب عليه حكم مذكور فى الحديث، فلو تحفلت الشاة بنفسها، أو نسيبها المالك بعد أن صراها
لا لأجل الخديعة، فهل يثبت الحكم؟ فيه اختلاف بين أصحاب الشافعى، فمن نظر إلى المعنى أثبته؛
لأن العيب مثبت للخيار، ولا يشترط فيه تدليس البائع، ومن نظر إلى أن الحكم المذكور خارج عن
القياس خصه بمورده، وهو حالة العمد اهـ.
ثم قال بعد ذلك: "الفقهاء تصرفوا فيما يثبت فيه هذا الحكم من الحيوان، ولم يختلف
أصحاب الشافعى أنه لا يختص بالإبل والغنم المذكورين فى الحديث، ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم
من عداه إلى النعم خاصة، ومنهم من عداه إلى كل حيوان مأكول اللحم، وهذا نظر إلى المعنى،
فإن مأكول اللحم يقصد لبنه، فتفويت المقصود الذى ظنه المشترى بالخديعة موجب للخيار،
فلو حفل أتانا ففى ثبوت الخيار وجهان لهم، من حيث إنه غير مقصود لشرب الآدمى إلا أنه
مقصود لتربية الجحش، وإذا اعتبر المعنى فلا ينبغى أن يصح إلا هذا الوجه، لأن إثبات الخيار يعتمد
فوات أمر مقصود، ولا يتخصص ذلك بأمر معين أعنى الشرب مثلا، وكذلك اختلفوا فى الجارية
من الآدميات لو حفلها، وإذا ثبت الخيار فى الأتان، فالظاهر أنه لا يرد لأجل لبنها شيئا ومن هذا
تبين لك أن الأتان لا تقاس على المنصوصث عليه فى الحديث، أعنى الإبل والغنم، لأن شرط القياس
اتحاد الحكم، فينبغى أن يكون إثبات الخيار فيها من القياس على قاعدة أخرى، وفى رد شىء لأجل
لبن الآدمية خلاف أيضًا اهـ.
ثم قال: "قوله عليه السلام": ((بعد أن يحلبها)) مطلق فى الحلبات، لكن قد يقيد فى رواية
أخرى إثبات الخيار بثلاثة أيام، واتفق أصحاب مالك أنه إذا حلبها ثانية، فأراد الرد أن ذلك له،
واختلفوا إذا حلب الثالثة، هل يكون رضا يمنع الرد؟ ورجحوا أنه لا يمنع بوجهين: أحدهما:
الحديث. والثانى: أن التصرية لا تتحقق إلا بثلاث حلبات، فإن الحلبة الثانية إذا انتقصت عن
الأولى جوز المشترى أن يكون ذلك لاختلاف المرعى، أولا من غير التصرية، فإذا حلبها الثالثة