Indexed OCR Text
Pages 1-20
إغلا الشُّنْن ٧ N ، ٧ ١ تأليف الحَّ النَّائِدِالْعَلَامِ مُوْلاَنا ظّفَةَ أَجِدَاء الجُتَانِى الَّهَانُوِيَّالله على ضوء ما أفاده جَه الأمر الأَخْرِالفِةِ الدَّاعَة ◌ِمَكَبِيرَالإِنَا الشَّيْعَ الَّفِع ◌َلى النّارِ أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة الجزء الرابع عشر الخَارَةُ القُرْ وَالْعَائِ الإِثْلَمَةَ أشرف منزل د/٤٣٧، كاردن الست ، كراتشىء، باكستان جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها. ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QURAN No part of this book may be reproduced or utilized in any form or by any means جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى : ١٧١٧ هـ بإدارة القرآن كراتشي الصف والطبع والإخراج: فهیم أشرف نور أشرف على طباعته: من منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية D/ ٤٣٧ گار ذن ایسٹ کراتشي ٥ - باكستان الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ فاكس: ٧٢٢٣٦٨٨-٠٠٩٢٢١ E. Mail: quran@biruni.erum.com.pk ويطلب أيضا من: باب العمرة مكة المكرمة - السعودية المكتبة الإمدادية السمانية، المدينة المنورة - السعودية مكتبة الإيمان . الرياض - السعودية مكتبة الرشد انار كلي لا هور - باكستان إدارة إسلاميات ج - ١٤ بسم الله الرحمن الرحيم ديباجة تتمة كتاب البيوع الحمد لله فاطر السماوات ورافعها، وباسط الأرض وواضعها، وعالم الأسرار وسامعها، ومعطى الأنوال ومانعها، أحمده حمد شاكر لأنعمه راض بقسمه، معترف بكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو النعم الغامرة، والحكم الباهرة، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المرسل بكتابه، ونبیه الناطق بحكمه وصوابه، صلى الله تعالى عليه وعلى أهل بيته وأصحابه، وأنصاره وأحبابه وأحزابه، وعلى خلفائه ونوابه، كما ألزمنا ذلك وأمرنا به. أما بعد: فلما شرعت فى تأليف الجزء العاشر من "إعلاء السنن" المشتمل على كتاب الحج والزيارة بعون الله ذى المنن، دعتنى داعية إلى رنغون (عاصمة بورما) ففوضت تأليف أبواب المعاملات من البيوع إلى ما يتعلق بالمنون، إلى الحب الأغر الميمون، مولانا حبيب أحمد الكيرانوى، صاحب اليد الطولى فى العلوم والفنون، فألف أطال الله بقائه تلك الأبواب على ترتيب الهداية، أحسن تأليف وأجمله بما فيه غنية وكفاية، بيد أنه سلك مسلك الاختصار، فى تأييد المذهب بالأحاديث والآثار، وأطال فى تقويته بالقياس والاعتبار، فخرج بذلك فى أكثر المواضع من موضوع الكتاب، مع توريكه على نقله المذهب، وتأويله الأحاديث على غير مؤولها فى بعض الأبواب؛ فمست الحاجة إلى استدراك ما فاته من الدلائل، وإزاحة ما درك به على السلف الأوائل، فأمرنى سيدى حكيم الأمة كاشف الغمة، ذى مناقب جمة، أن أكتب لكل جزء ألفه ٤ إعلاء السنن الحبيب تتمة، وهذه تتمة كتاب البيوع إلى أبواب الحوالة، فخذها مدمجمة بتلك الرسالة، وعلامة ما زدته على تأليف الحبيب فى الحاشية لفظة "قال العبد الضعيف" فى أوله، وعدد "١٢ ظ" فى آخره، أو كونه بين القوسين وفى آخره "١٢ ظ". وأمارة ما زدته فى المتن ذكر مأخذه مقيدا بالصفحات على الهامش مع عدد "١٢ ظ (١)" فإن المولى الحبيب لا يقيد المأخذ بالصفحات فى أكثر المواضع، وإذا قيده قيده بها فى داخل المتن، والمولى الحبيب، هو المراد ببعض الأحباب فى كلامى، وكان تأليفه لكتاب البيوع فى زهاء مائة خمس وثمانين صفحة، وجاءت التتمة سوى ما ألحق بها من "كشف الدجى" وتقاريظها فى أزيد من أربعمائة وخمسين صفحة والحمد لله الذى بعزته وجلاله ونعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى وسلم على أشرف الكائنات، وأفضل المخلوقات، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وذريته الطيبات الطاهرات. کتبه بقلم أسير وصمة ذنبه وألمه العبد المذنب الجانى ظفر أحمد التهانوى العثمانى غفر الله له ولوالديه ولمن تعلق به من القاصى والدانى ٢٩ / صفر ١٣٥٦ هـ (١) ولكن لما تتبعنا هذه التتمات وجدنا أن المصنف العلام رحمه الله تعالى لم يلتزم بذكر "١٢ظ" فى آخر جميع المواضيع التى زادها من نفسه بل فى بعضها ذكر وفى بعضها ترك، كما يشاهد فى الطبعة الأولى من هذا الكتاب التى صدرت فى حيات المؤلف رحمه الله، إلا أن يكون سهو من الناسخ، والله أعلم. الناشر ج - ١٤ أبواب البيوع باب التر غيب فى الصدق فى التجارة والترهيب عن الكذب فيها ٤٥٩١- عن قيس بن غرزة قال: ((خرج علينا رسول الله عليه ونحن نسمی السماسرة، فقال: يا معشر التجار! إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة)). قال الترمذى: "حديث حسن صحيح". ٤٥٩٢- وعن أبى سعيد عن النبى معَّ له: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء)). قال الترمذى: "حديث حسن". ٤٥٩٣- عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، ((أنه خرج مع النبى عَّ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار! فاستجابوا لرسول الله عَّ ◌ُله، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق)). قال الترمذى: "حديث حسن صحيح". ٤٥٩٤- وعن أبى ذر، عن النبى معَّهِ: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قلت: من هم يا رسول الله! فقد خابوا وخسروا. قال: المنان، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)). قال الترمذى: "حديث حسن صحيح". باب التر غيب فى الصدق فى التجارة والنرهيب عن الكذب فيها قوله: "عن قيس بن غرزة"، أقول: الأحاديث نص فى الباب. قوله: "التاجر الصدوق إلخ"، أقول: معناه أن الصدق والأمانة فى التجارة من جنس أفعال الأنبياء والصديقين والشهداء، فهو يقتضى أن يكون التاجر الصدوق الأمين معهم، إلى أن يمنع منه مانع، كعدم الخلوص فى النية، أو قلته، أو الكفر أو الفسق، فتنبه له، وهذا هو الوجه فى أمثاله من فضائل الأعمال. معنى البيع لغةً وشرعًا: قال العبد الضعيف: والبيع مبادلة المال بالمال تمليكًا وتملكا، واشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن يكون كل واحد يبايع صاحبه ٦ باب كتابة البيع ٤٥٩٥- عن عبد المجيد بن وهب: قال: "قال لى العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرأك كتابا كتبه لى رسول الله عَّ ليه؟ قال: قلت: بلى! فأخرج لى كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله عَ ليه، اشترى منه عبدا أو أمة، لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم المسلم" قال الترمذى: "هذا حديث حسن". أى يصافحه عند البيع، ولذلك سمى البيع صفقة، وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وغيره من الآيات، وأما السنة فقد ذكرناها فى المتن فى أحاديث كثيرة سواها، وأجمع المسلمون على جوازه، والحكمة تقتضيه، لأن حاجة الإنسان تتعلق بما فى يد صاحبه وهو لا يبذله بغير عوض، ففى شرع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته، ملخصًا من "المغنى" (٣:٤)١٢ ظ. باب كتابة البيع مستحبة غير واجبة قوله: "عن عبد المجيد إلخ"، أقول: الحديث نص فى الباب. قال العبد الضعيف: وكتابة البيع مستحبة كالإشهاد عليه، لقول الله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولأنه أقطع للنزاع وأبعد من التجاحد فكان أولى، ويختص ذلك بما له خطر، فأما الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال والعطار وشبههما فلا يستحب ذلك فيها لأن العقود فيها تكثر، فيشق الإشهاد عليها، وتقبح إقامة البينة عليها، والترافع إلى الحاكم من أجلها، (إلا أن يكون البيع إلى أجل، فيستحب كتابته مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ الآية)، بخلاف الكثير، وليس الإشهاد بواجب فى واحد منهما ولا شرطا له، روى ذلك عن أبى سعيد الخدرى، وهو قول الشافعى، وأصحاب الرأى، وإسحاق، وأبى أيوب، وقالت طائفة: ذلك فرض لا يجوز تركه، روى ذلك عن ابن عباس، وممن رأى الإشهاد على البيع عطاء، وجابر بن زيد، والنخعى لظاهر الأمر، ولأنه عقد معاوضة فيجب الإشهاد عليه كالنكاح، ولنا قول الله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذى اؤتمن أمانته﴾، قال أبو سعيد: صار الأمر إلى الأمانة، وتلا هذه الآية، ولأن الصحابة كانوا يتبايعون فى عصره مّ ◌ُلِّ فى الأسواق، فلم يأمرهم بالإشهاد، ولا نقل عنهم فعله، ولم ينكر عليهم النبى معَّه، ولو كانوا يشهدون فى كل بياعاتهم لما أخل ٧ ج - ١٤ باب الشراء بثمن مؤجل ٤٥٩٦- عن عائشة، قالت: ((كان على رسول الله ع لآ توبین قطریین غلیظین، فكان إذا قعد فعرق ثقلا عليه فقدم بز من الشام لفلان اليهودى، فقلت: لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة، فأرسل إليه، فقال: قد علمت ما يريد، إنما يريد أن يذهب بمالى أو بدراهمى، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: كذب، قد علم أنى من أتقاهم وأداهم للأمانة)). قال الترمذى: "حديث حسن صحيح". ٤٥٩٧- وعن ابن عباس، قال: ((توفى النبى ◌ُّّه ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله)). قال الترمذى: "هذا حديث حسن صحيح". ٤٥٩٨- وعن أنس، قال: مشيت إلى رسول الله عَّ ◌ُّه بخبز شعير، وإحالة سنخة، ولقد رهن له درع مع يهودى بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد تمر ولا صاع حب، وأن عنده يومئذ لتسع نسوة)). قال الترمذى: "هذا حديث حسن صحيح. بنقله، ولأن النبی مێ اشتری من یهودی طعاما ورهنه درعه، واشترى من رجل سراويل، ومن أعرابى فرسا، فجحده الأعرابى حتى شهد له خزيمة بن ثابت، ولم ينقل أنه أشهد فى شىء من ذلك، وقد أمر النبى معَِّ عروة بن الجعد أن يشترى له أضحية ولم يأمره بالإشهاد، وأخبره عروة أنه اشترى شاتين، فباع إحداهما ولم ينكر عليه ترك الإشهاد، ولأن المبايعة تكثر بين الناس فى أسواقهم وغيرها، فلو وجب الإشهاد فى كل ذلك أفضى إلى الحرج المخطوط عنه بقول الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم فى الدين من حرج) الآية (التى فيها الأمر بالإشهاد) المراد بها الإرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم، كما أمر بالرهن والكتابة، وليس ذلك بواجب وهذا ظاهر اهـ ملخصا من "المغنى" (٣١١:٤)، وسيأتى بقيته فى أبواب القرض، فانتظر ١٢ ظ. باب الشراء بثمن مؤجل قوله: "عن عائشة إلخ" أقول: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، قوله: "إلى الميسرة" أقول: هذا يوهم بظاهرة جواز البيع إلى أجل مجهول، وتأويله أن الأجل لم يكن مشروطا فى العقد، بل كان البيع حالا، وإنما كان هذا استدعاء للتبرع المستأنف أى النظرة إلى الميسرة. فالحاصل أن البيع إلى الميسرة غير جائز، والبيع حالا والإنظار إلى الميسرة جائز، والحديث محمول على ٨ إعلاء السنن باب اشتراء الطعام والحبوب جزافًا ٤٥٩٩- عن ابن عمر، قال: "لقد رأيت الناس فى عهد رسول الله عّ لّه يبتاعون جزافا يعنى الطعام، يضربون أن يبيعوه فى مكانهم حتى يأووه إلى رحالهم"، أخرجه البخارى (٢٨٧:١). باب ثبوت خیار القبول دون خیار المجلس ٤٦٠٠- عن حكيم بن حزام، عن النبى عَّ له: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة (زيلعى ١٧٠:٢). الثانى دون الأول فاندفع الإبهام. دلیل فساد البيع إلى أجل مجهول قال العبد الضعيف: وذهب ابن حزم ومن وافقه من الظاهرية إلى جواز البيع إلى الميسرة مع كونه أجلا مجهولا، ونسى أن البيع إلى أجل مجهول لو كان جائزا لكان السلم إلى أجل مجهول أولى بالجواز، لكونه مبنيا على المسامحة لأجل الحاجة مشروعًا على خلاف القياس، كما سيأتى، وقد أجمعوا على فساد السلم إلى أجل مجهول ففساد البيع كذلك أولى، وقد مر معنى الحديث، فلا حجة لهم فيه؛ لأن الاحتمال يضر الاستدلال، والعلم لله الملك المتعال ١٢ ظ. باب اشتراط الطعام والحبوب جزافًا قوله: "عن ابن عمر إلخ"، أقول: دلالته على الباب ظاهرة، وسيأتى الكلام على قوله: ((حتي يأووه إلى رحالهم)). ويعلم منه جواز البيع بإناء بعينه لا يعرف مقداره، وبحجر بعينه لا يعرف وزنه، لأنه ليس بأدنى من البيع جزافا، وإذ جاز ذلك فجواز هذين بالأولى. باب ثبوت خیار القبول دون خیار المجلس قوله: "البيعان بالخيار"، أقول وبه نسعين: اضطربت الآراء فى تأويل هذا الحديث، فمنهم من استدل به على نفى خيار المجلس، كأبى حنيفة، ومحمد، وأبى يوسف، وإبراهيم النخعى، ومالك، وربيعة الرائى، والثورى، والليث، وزيد بن على، وغيرهم، كما فى "النيل" (٤٧:٥). ومنهم من استدل به على ثبوته، كالشافعى، وأضرابه، والنزاع بينهم فى مقامين: المقام الأول قوله: "البيعان". فقال الشافعى فى "الأم" "هما اللذان تبايعا، وافترقا فى الكلام على ج - ١٤ ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس ٩ التبايع حيث قل فيه، قلت: إنما يكونان قبل التساوم غير متساومين، ثم يكونان متساومين قبل التبایع، ثم يكونان بعد التساوم متبايعين، ولا يقع عليهما اسم متبايعين حتى يتباينا ويفترقا فى الكلام على التبايع، انتهى بلفظه، " كتاب الأم" (٥:٣). وقال أبو حنيفة: "هما الآخذان فى البيع بعد التساوم إلى انقضاء الإيجاب والقبول". الكلام فى معنى قوله: ((البيعان)) وقوله: ((ما لم يتفرقا)) إذا عرفت هذا فاعلم أن الحق فى هذا المقام مع أبى حنيفة؛ لأن قوله: ((البيعان)) تثنية للبيع، والبيع صفة مشبهة عن البيع، وللبيع معنيان أحدهما بذل السلعة بالثمن، وبهذا المعنى يقال له: البائع وللآخر المشترى، ولا يقال لهما بائعين. والآخر العقد المعروف القائم بالمتعاقدين، وبهذا المعنى يقال لأحدهما البيع، ولهما البيعان، ولا يقال لأحدهما بائع ولهما بائعان بهذا المعنى، وبهذا تبين فساد ما قال العينى: من "أنه أراد بهما البائع والمشترى، وإطلاقه على المشترى بطريق التغليب، أو هو من باب إطلاق المشترك وإرادة معنييه معا، إذ البيع جاء لمعنيين وفيه خلاف" اهـ "عينى شرح البخارى" (٤٣٦:٥)، لأنه ليس فى هذا الإطلاق تغليب ولا استعمال مشترك بين المعنيين، بل هو استعمال للبيع فى العقد (١)، وظاهر أن العقد قائم بالمتعاقدين، فيكونان كلاهما بيعين حقيقة، وإذا كان البيع صفة مشبهة من البيع بمعنى العقد المعروف، فيكون هو حقيقة فى العاقد حين العقد، لا بعد العقد ولا قبله، بل هو مجاز فيها كالأحمر فإنه حقيقة فيما قام به الحمرة، لا ما كان أحمر، أو ما يكون كذلك، وهو ظاهر جدا، وقال به الشافعية أيضًا . . والجواب عنه بأن المتبايعين لا يكونان متبايعين حقيقة إلا فى حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد الأمرين، إما بإبرام العقد، أو التفرق على ظاهر الخبر، فصح أنهما متعاقدان ما داما فى مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة (فتح ٢٧٧:٥). مصادرة على المطلوب؛ لأن هذا الجواب مبنى على ثبوت خيار المجلس، وهو أول النزاع، ومع قطع النظر عن المصادرة هو فاسد (١) قلت: قال الراغب فى "المفردات" له: "البيع إعطاء المثمن وأخذ الثمن، والشراء إعطاء الثمن وأخذ المثمن، ويقال للبيع الشراء وللشراء البيع، وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمن" اهـ (ص٦٧). فهذا هو الحقيقة، وما عدا ذلك من الإطلاقات مبناه التوسع فى الكلام، فالحق ما قاله العينى، لا سيما وهو معدود فى النحاة اللغويين، له ترجمة حسنة فى "طبقات النحاة" للسیوطی. ١٠ ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس أيضا؛ لأن العقد هو الإيجاب والقبول، فلما انقضيا انقضى العقد، وبقاء حق الفسخ لا يقتضى وجوده إلى ذلك الوقت، كما فى خيار العيب، وخيار الشرط، فثبت بهذا أن الحق فى هذا المقام مع أبى حنيفة. والمقام الثانى قوله: ((ما لم يتفرقا))، فقال الشافعى: "التفرق هو تفرق الأبدان". وقال أبو حنيفة: "هو تفرق الأقوال". وتحقيق هذا المقام أن التفرق ضد الاجتماع، والاجتماع هو تحقق الاتصال بين الشيئين، والاتصال بينهما يتحقق بالعلاقة، والعلاقة أنواع؛ لأن العلاقة بينهما قد تكون بأن يكونا فى مكان واحد، وتكون بأن يكونا مربوطين بحبل، وقد تكون بأن يكونا مربوطين بعقد كالزوجين؛ فإنهما مربوطان بحبل الزواج، وقد تكون بأن يكونا متحدين فى الرأى، وقد تكون بأن يكونا متشاركين فى الفعل، ولما كان الاتصال متنوعًا بهذه الأنواع كان الاحتمال أيضًا متنوعا بها، ويقال: هما مجتمعان فى الدار، وفى الحبل، وفى الزواج، وعلى الرأى، وعلى الفعل، وإذا كان الاجتماع متنوعا بهذه الأنواع كان التفرق منقسما أيضًا إلى هذه الأنواع، ولما كان التفرق جنسا واحدا منقسما إلى أنواع حسب اختلاف أنواع العلاقات. ذهب الشافعى إلى نوع، وقال: معناه أن البيعين بالخيار ما لم يتفرقا عن المكان الذى تبايعا فيه. وذهب أبو حنيفة إلى نوع آخر منه، وقال: معناه أن البيعين بالخيار لم يتفرقا عن البيع الذى كانا مجتمعين عليه ومشتغلين به، وهذا هو المعنى الذى يعبر عنه بالتفرق بالكلام، أى التفرق عن البيع، والفراغ عنه بإتمام الإيجاب والقبول. والمراد الاختلاف فى الكلام، حتى يقال: إنه إذا قال البائع: بعتكه بعشرة، وقال الآخر: اشتريته بعشرة، اتفاق فى الكلام، وليس بتفرق فيه، وإذ لم يتحقق التفرق يجب أن يثبت لهما الخيار بعد العقد أيضًا، وهو خيار المجلس كما قال ابن حزم مغترا بالعنوان المذكور. ولا خفاء أن اللسان محتملة لكلا المعنيين، ودعوى الشافعى بأن هذا محال لا يجوز فى اللسان عارية عن الصحة كما لا يخفى، وإذا كان كل واحد محتملا فلا بد لنا أن نبين أن أى المعنيين ألصق بالشرع وأقرب إلى مقصود الشارع، وإن كان خلاف الظاهر فى بادى الرأى، فإن المقصود هو المعنى، ألا ترى أن اللفظ يصرف عن المعنى الحقيقى إلى المعنى المجازى برعاية المعنى، ولا ينظر إلى أن أى المعنيين هو المتبادر من اللفظ؟ وإذا كان كذلك فنقول: إن الألصق بمقصود الشارع وأقرب إلى قواعد الشرع هو لمعنى الذى قال به أبو حنيفة وأصحابه ٦- ١١ ج - ١٤ ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس. ٠ والدليل عليه من وجوه: الأول: أن العقد موضوع شرعا لثبوت الملك ولزومه، فإذا ثبت العقد ثبت الملك ولزومه لا محالة، هذا هو الأصل، ولا يعدل عنه إلا لمانع ولا مانع ههنا، لأن قوله معّ له: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» له محملان، محمل یقرر موضوع العقد ويؤ كده، ومحمل يخالف موضوعه. ولا يخفى على المنصف أن المحمل الذى يؤكد موضوعه ويقرره أولى من المحمل الذى يخالفه، فيكون الحمل عليه ألصق وأقرب وأرجح وأوجه، فلما رجع الحديث إلى أصله الكلى لم يبق للعدول عنه وجه. والوجه الثانى: أنهم لما نظروا إلى نظائر البيع كالإجارة، والنكاح، والخلع، والشركة، والمضاربة، وغيرها، وجدوا أنه ليس فيها خيار المجلس، فلو حمل قوله على التفرق بالأبدان ينفرد البيع عن نظائره، ولو حمل على التفرق بالأقوال يشترك معها، والاشتراك أولى من الانفراد، فوجب الحمل عليه. فإن قلت: البيع ينفرد فى بعض الأحكام عن نظائره كخيار الشرط وخيار العيب. قلنا: ذاك فى أحكام لها دلائل صريحة، والدليل المذكور ليس صريحا فى خيار المجلس، فلا يقاس عليها. والوجه الثالث: أنه لو حمل على التفرق بالأبدان لزم رفع الحكم الثابت بالأدلة الصحيحة -وهو ثبوت الملك ولزومه بالعقد- بحكم مشكوك فيه، أعنى خيار المجلس، وهو غير معقول، فلا بد من الحمل على التفرق بالأقوال. والوجه الرابع: أنه لما شرع الشارع خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب لم يبق حاجة إلى خيار المجلس، ولا فائدة فيه أيضًا إذا كان إسقاط هذا الخيار فى يد صاحبه بقيامه من المجلس، وهل يجوز أحد أن يشرع الشارع أمرا لمصلحة ويشرع معه ما يهدرها؟ فكيف يقال: إن الشارع شرع خيار المجلس ليثنى العاقدان النظر فى مصلحتهما، ويترديان فى أمرهما؟ ومع ذلك يشرع القيام عن المجلس لكل واحد منهما من غير رضى الآخر، ويفوت عليه تثنية النظر والتردى فى أمره، وهذا دليل قوى على أن مقصوده ليس هو الذى فهموه من كلامه. فإن قلت: لا يغنى خيار الشرط وخيار العيب، وخيار الرؤية عن خيار المجلس، لأنه قد يكون أن يرى بائع مصلحة فى البيع، ولا یکون له تردد فیها فلا یشترط اخیار، ثم یبدو له مفسدة فی البیع فی ذلك المجلس فیندم، فلا بد لدفع هذا الندم من خيار المجلس. قلنا: هذا نادر، والأحكام غير منوطة بالنوادر، ومع هذا فلا يندفع الحاجة به أيضًا؛ لأنه يحتمل أن يقوم صاحبه بعد العقد من غير تراخ، فلا يفيده الندم. ١٢ ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس إعلاء السنن والوجه الخامس: أنه قال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾. فالمراد من التراضى فى الآية إما أن يكون هو التراضى الذى يصدر عنه الإيجاب والقبول، أولا بد فيه من أمر آخر، وهو بقاء ذلك التراضى إلى القيام عن المجلس، أو الخيار، فإن قلتم بالشق الأول، فقد أبطلتم خيار المجلس؛ لأن الضرورة الداعية إلى شرعية البيع هو حل التصرفات، ولما حصل ذلك الحل بنفس العقد عن التراضى فأى حاجة إلى خيار المجلس؟ وأيضًا: لما ثبت ملك المشترى فى المبيع، وملك البائع فى الثمن بالعقد عن التراضى، ثم رد أحدهما العقد من غير رضى الآخر، يكون آكلا ماله من غير رضاه، فصارت التجارة التى كانت من قبل تجارة عن تراضٍ، أكل أموال الناس بالباطل. فإن قلتم: الأكل بالباطل ما لم يأذن به الشرع، وهذا مأذون من الشرع، قلنا: هذا أول المسألة، فهذا الجواب مصادرة على المطلوب، وإن قلتم بالشق الثانى، فقد أبطلتم التصرفات التى يفعل المتعاقدان فى المبيع والثمن قبل التفرق أو الخيار، لأنهما يندرج حينئذ فى أكل أموال الناس بالباطل، إذ ليس هو تجارة عن تراضٍ، ولا تقولون به (١) فثبت أن خيار المجلس يخالف لمدلول الآية، فكيف يحمل كلام الرسول عليه؟ فهذه الوجوه هى التى ألجأت أبا حنيفة إلى صرف الحديث عن معناه المتبادر فى بادئ الرأى إلى المعنى الذى يحتمله اللسان، ويطابق النصوص والأصول الشرعية، ويوافق المعقول. وأما الشافعى وأصحابه فاحتجوا أيضًا بوجوه: الأول: أنه روى الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله معرّ له: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)) "بخارى" (٢٨٤:١). قال الخطابي: هذا أوضح شىء فى ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث، وكذلك قوله فى آخره: ((وإن تفرقا بعد أن تبايعا)). فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة اهـ "فتح" (٢٧٩:٥). والجواب عنه أنه ليس فى الحديث ما يدل على خيار المجلس المتنازع فيه، لأنا نقول: معنى (١) ولكن ابن حزم قائل به، ولك أن تقول: لا عبرة بقوله لشذوذه بذلك عن الأمة ١٢. ظ ١٣ ج - ١٤ ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس ٠٫ الحديث إذا تعاقد الرجلان البيع فكل واحد منهما بالخيار حين التعاقد ما لم يتفرقا عن العقد، وكانا مجتمعين عليه ومشتغلين به، فلما تفرقا عنه، وحصل لهما الفراغ عنه بالإيجاب والقبول سقط الخيار، فلا خيار لهما إلا أن يخير أحدهما الآخر، فإنه يثبت لهما الخيار بذلك التخيير، فإن هما أسقطا الخيار وبقيا على البيع بعد حصول الخيار فقد وجب البيع، وعاد إلى حاله الأول، وإن تفرقا عن المجلس من غير تخيير وخيار فقد وجب البيع بالعقد السابق، لأنه لم يوجد ما يغيره، وهذا المعنى لا يضرنا ولا ينفعكم، فكيف قلت: إنه أوضح شىء فى ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث؟ وما قلت: إن قوله فى آخره: ((وإن تفرقا بعد أن تبايع)). فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار، فساقط، إذا ليس فيه ما يدل على أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار، بل ظهر مما قلنا: إن القاطع للخيار هو التفرق بالأقوال. والثانى: أنه روى الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، قال: ((بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادى بمال له بخيير، رجعت على عقبى حتى خرجت من بيته خشية أن يراد فى البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا)). وهذا الأثر يدل على أن ابن عمر فهم من الحديث التفرق بالأبدان وعمل به، وفهم راوى الحديث حجة، فلا يصح التأويل بتفرق الأقوال، ويدل الأثر على أن ابن عمر لم ينفرد بهذا الفهم وهذا العمل، بل عامة الصحابة فهموا منه ذلك وعملوا به، إذ كان هذا الصنع طريقة معروفة بينهم إذ ذاك. وأجاب عنه العينى فى شرحه للبخارى بأن معنى قوله: "وكانت السنة" أنه كان هكذا فى أول الأمر، وفعله ابن عمر، لأنه کان شدید الاتباع، ثم قال: واعترض بعضهم على هذا بأنه قد وقع فى رواية أيوب بن سويد: " كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرقا بالمتبايعان، فتبايعت أنا وعثمان". وفيه إشعار باستمرار ذلك. ثم أجاب عنه بأن قوله: " كنا إذا تبايعنا" ، يدل أيضا على أنه کان فى أول الأمر، وقوله: "فیها إشعار باستمرار ذلك" غير مسلم؛ لأن هذه دعوى بلا برهان على أنا نقول: ذكر ابن رشد فى "المقدمات" له أن عثمان قال لابن عمر: "ليست السنة بافتراق الأبدان، قد انتسخ ذلك". ثم قال: وقد اعترض عليه بعضهم، بأن هذه الزيادة لم أر لها إسنادًا. قلت: لا يلزم من عدم رؤية إسناده عدم رؤية قائلة، أو غيره، فهذا لا يشفى العليل، ولا يروى الغلیل اهـ (عینی ٤٦٧:٥). ١٤ ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس وفى هذا الجواب نظر، أما أولا فلأن قوله: "معناه أنه كان هكذا فى أول الأمر ولم يبق الآن" باطل، لأنه لو كان كذلك لزم أن ابن عمر كان يعلم بانتساخه، فلا معنى لاتباعه الأمر المنسوخ، وأى فائدة له فى اتباعه؟ لأنه كان لإقامة الحجعة على عثمان، وكيف يقيم الحجة بالمنسوخ؟ فإن معناه أنه کان مترو کا عملا لا مترو کا حكما، فالجواب عنه أنه أی فائدة له فى ذكر المتروك؟ وكيف يكون الأمر المتروك سببًا لفعله؟ وأما ثانيا فلأن قوله: "لا يلزم من عدم رؤيته عدم رؤية قائله أو غيره"، وإن كان صحيحا لكنه لا يجدبه نفعًا، لأن عليه أن يخرج السند ويتبينه، لیتم الاحتجاج به، ولم يفعل ذلك. فالجواب الصحيح أنه ليس معنى قوله: كانت السنة أن التفرق بالأبدان كان عملا متعارفًا بينهم، بل معنى السنة هنا هى السنة القولية، فيكون المعنى: وكان قال النبى معَّ له: إن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ففارقت بهذا عثمان، ليتم الحجة عليه بأكمل وجه، ولا يكون له إلا اعتذار بأن معنى التفرق ههنا التفرق بالأبدان لا التفرق بالأقوال، ولما كان هذا الفعل يقطع العذر منه فلا يدل على أنه فهم منه التفرق بالأبدان البتة، فلا حجة فيه أيضا للخصم. والثالث: أنه روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)) (عون المعبود ٢٨٨:٣). وقوله: ((ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله). يفسر المراد من التفرق فى قوله: ((ما لم يتفرقا)». والجواب عنه أما أولا فهو أن هذه زيادة تفرد بها عمرو بن شعيب، فلا تقبل عن مثله، وأما ثانيا فهو أنكم لا تقولون بمقتضاه لأنكم ما تقولون بحرمة المفارقة، فإذا ساغ لكم التأويل فى قوله: (لا يحل))، فكيف لا يسوغ لنا التأويل فى قوله: ((يستقيله))؟ وإذا ساغ لنا التأويل - فنقول: قوله: (ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)). مسألة مستأنفة غير متعلقة بقوله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، ومعناه أنه لا يليق لأحد أن يجتنب عن ملاقاته خشية الإقالة، وإذا كان معنى الفراق هنا الغيبوبة عنه مطلقا، سواء كان بالفراق عن مجلس العقد، أو بالاجتناب عنه بعد مجلس العقد، فلا يرد عليه أن خوف الإقالة لا يختص مجلس العقد، ولا يندفع بالفراق فكيف يصح حمله على الإقالة المعروفة؟ لأن هذا الإيراد يرد لو أولنا قوله: (خشية أن يستقيله)) فقط، وإن أولنا لفظ الفراق أيضا فلا يرد هذا الإيراد. ٠٠ ج - ١٤ ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس ١٥ والرابع: أنه قال أبو الوضى عباد بن نسيب: "إنا نزلنا منزلا، فباع صاحب لنا من رجل فرسا، فأقمنا فى منزلنا يومنا وليلتنا، فلما كان الغد قام الرجل يسرج فرسه، فقال له صاحبه: إنك قد بعتنى، فاختصما إلى أبى برزة، فقال: إن شئتما قضيت بينكما لقضاء رسول الله عدّ له، سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وما أريكما تفرقتما)) (طحاوى ٢٠٣:٢). وهذا صريح فيما ادعينا أن التفرق فى الحديث هو تفرق الأبدان لا تفرق الأقوال، إذ تفرق الأقوال أعنى الإيجاب والقبول لم يكن متنازعا فيه بينهم، بل كان هو مسلما عندهم. تأويل الصحابى ليس بحجة ملتزمة: والجواب عنه أنه لا حجة فيه لكم، لأن غاية ما فى الباب أن أبا برزة فهم منه تفرق الأبدان، وهو لا يضرنا، لأنه صرح الزيلعى وغيره من أصحابنا كما فى "التعليق الممجد على الموطأ للإمام محمد" لمولانا عبد الحى للكنوى "باب ما يوجب البيع بين البائع والمشترى": بأنه تقرر فى الأصول أن تأويل الصحابى لمحتمل التأويل واختياره لأحد التأويلين ليس بحجة ملزمة على غيره، ولا يمنعه عن اختيار تأويل يغايره (ص٣٣٩). وما قال صاحب "التعليق الممجد" بعد نقل هذا الجواب من: "أنه بعد تسليم ما حقق فى الأصول لا شبهة فى أن تأويل الصحابى أقوى وأحرى بالقبول من تأويل غيره"، ففاسد؛ لأنه ليس هذه الأولوية على الإطلاق، بل هو إذا لم تقم على خلافه دلائل صحيحة شرعية عند المجتهد، وتعارض الأدلة، فيكون الترجيح لما ذهب إليه أولى، وههنا ليس كذلك، كما عرفت فيما مر أن أبا حنيفة لم يترك القول بخيار المجلس إلا بالاضطرار، لأن الأدلة الشرعية ألجأته إليه. إذا عرفت هذا التفصيل علمت أن نظر الحنفية فى النصوص مبنى على الدقة، ونظر من خالفهم مبنى على الظاهر فقط، والحق فى هذه المسألة مع الحنفية إن شاء الله تعالى، ولو سلم أن التفرق فى الحديث هو تفرق الأبدان، فالحديث محمول على الاستحباب دون الاستحقاق، إذ لو كان الخيار حقا ثابتًا له لم يجز لصاحبه إسقاطه قصدا، لأنه تصرف فى حق الغير بالإتلاف قصدا به، ومعناه أن البيعان ما داما فى المجلس وكل واحد منهما مأمون برد البيع إذا اختار الآخر رده بأمر الندب والاستحباب، بخلاف ما بعد المجلس؛ فإنه لا أمر هناك، بل هو مندوب إليه، يقوله عليه السلام: ((من أقال نادما ببيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)) وبينهما فرق لا يخفى، وعليه يحمل فعل ابن عمر، وقضاء أبى برزة، وحينئذ لا يبقى للمخالف حجة علينا، والعجب منهم أنهم يقولون: . ١٦ إعلاء السنن تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس ٤٦٠١- عن هاشم بن القاسم، عن أيوب بن عتبة اليمامى، عن أبى كثير السحيمى، عن أبى هريرة، عن النبى معَّ له: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من بيعهما قد تقرر فى الأصول أن العمل بالرواية لا بالرأى (نيل ١٧٧:٥). ثم يحتجون علينا برأى ابن عمر وأبى برزة، ويقولون: الراوى أعرف بما رواه، وهل هذا إلا تهافت، وبالجملة الحديث المذكور موافق لمذهب أبى حنيفة، وليس بمخالف له، وهذه الموافقة إما بأن يحمل التفرق على تفرق الأقوال، أو يجعل الحكم على الاستحباب دون الاستحقاق، والثانى أوجه وأقرب كما لا يخفى، فتدبر فيه واحفظه، فإنه علق نفيس. تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس قوله: "عن هاشم بن القاسم إلخ"، قلت: دلالة قوله: ((ما لم يتفرقا من بيعهما))، على صحة ما قاله إبراهيم النخعى، ومحمد بن الحسن، فى معنى قوله مّ له: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، ظاهرة. وقول إبراهيم، ومحمد، قد ذكرناه فى المتن، وحاصله حمل الحديث على تفرق العاقدين بالقبول، أى انفصالهما عن الإيجاب والقبول بالتراضى دون التفرق بالأبدان، فبطل قول من حمله على التفرق من المكان، واندحض قول ابن حزم: "إن التفرق بالكلام کذب و دعوى بلا برهان، لا يحل القول بهما فى الدين" (المحلى ٣٥٥:٨). فقد ثبت هذا المعنى بحديث أبى هريرة هذا، فإن التفرق من البيع ليس إلا التفرق بالقول، فانظروا من هو الكاذب والمدعى بلا برهان؟ وأما قوله: "إن رواية الليث عن نافع، عن ابن عمر، رافعة لكل شغب، ومبنية أنه التفرق عن المكان بالأبدان ولا بد اهـ"، فيه أن لفظه المرفوع ليس بصريح فيما تقولون، وأما فعل ابن عمر فإن حديث أبى هريرة المرفوع أرجح وأقدم من رأيه، فإن التفرق بالبدن لم يروه ابن عمر مرفوعًا، كما تقدم فى كلام الحبيب، وإنما روى ذلك عنه فعلا، والفعل يحتمل الوجوه، كما سبقت الإشارة إليه فى كلامه أيضًا. ابن عمر لا يقول بالتفرق عن المکان بالأبدان: وأيضًا: فقد روى الترمذى عن نافع عن ابن عمر، بعد قوله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختار)). قال: "فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعًا وهو قاعد قام ليجب له"، وقال: "حديث حسن صحيح" (١٥٠:١). وهذا يدل على أن مجرد القيام عن قعود كان موجبًا للبيع مبطلا لخيار المجلس ١٧ ج - ١٤ تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس : أو يكون بيعهما بخيار)). رواه ابن أبى شيبة، كما فى "المحلى" (٣٦٢:٨). وأعله ابن حزم بأيوب بن عتبة، ولكنه حسن الحديث، فقد قال أحمد فى موضع: "هو ثقة إلا أنه عند ابن عمر، ولا يجب لتمامه التفرق عن المكان بالأبدان عنده، فمن أين قلتم بوجوب ذلك، ولا يقول به من قلد تموه فيه؟ ومن أين لابن حزم أن يقول: إن تفسير التفرق بالكلام كذب وباطل؟ وقد فسره بذلك النخعى، وبه قال الثورى، ومالك بن أنس، قال الترمذى: وقد قال بعض أهل العلم: معنى قول النبى معَّ له: ((ما لم يتفرقا)) يعنى الفرقة بالكلام. قد ذهب بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم إلى أن الفرقة بالكلام وهو قول الثوری، وهكذا روى عن مالك بن أنس اهـ (١: ١٥٠)، وبه فسره محمد بن الحسن الإمام، وهؤلاء كلهم أهل اللسان، ومحمد إمام فى اللغة حجة، كما هو إمام فى الفقه والحديث، فليس لابن حزم وأمثاله أن يكذبهم أو يبطل تأويلهم، وهم أعمدة الإسلام، وأركان الدين، وأعرف الناس بتصاريف الكلام ومعانى الحديث، وحمل الافتراق على الافتراق بالقول سائغ لغة، يقال: تشاور القوم فى كذا فافترقوا عن كذا يراد به الاجتماع على قول والرضا به، وإن كانوا مجتمعين فى المجلس، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (١٨:٢). ونظيره ما رواه ابن حزم فى "المحلى" عن معمر عن الزهرى (عن سعيد بن المسيب) وذكر قتل عمر، وقصة طويلة فى قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة وابنة أبى لؤلؤة، فلما ولى عثمان قال: "أشيروا على فى هذا الرجل الذى فتق فى الإسلام ما فتق، يعنى عبيد الله، فأشار عليه المهاجرون أن يقتله، وقال جماعة من الناس: قتل عمر بالأمس وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم؟ فقام عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك وعلى الناس من سلطان، إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين! قال: فتفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان الرجلين والجارية" اهـ. وقد مر الحديث فى أواخر كتاب السير، فليراجع. وليس معنى قوله: "فتفرق الناس على خطبة عمرو"، أنهم تفرقوا عن المجلس، بل معناه اجتمعوا على قوله، ورضوا به، وتر کوا ما عداه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. الرد على ابن حزم حيث قال إن الفرقة فى الصرف محمولة على التفرق بالأبدان فكذا فى خيار المتبايعين: قال ابن حزم: وأنتم تقولون: إن التفرق المراعى فيما يحرم به الصرف أو يصح إنما هو تفرق ١٨ = تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس إعلاء السنن لا یقیم حدیث یحیی بن أبی کثیر " اهـ. أی لکونه حدث عنه ببغداد من حفظه لم یکن معه كتبه، وأما كتبه فى الأصل فهى صحيحة عن يحيى بن أبى كثير، وهو أروى الناس الأبدان، فهلا قلتم على ذا ههنا، لولا التحكم البارد حيث تهوون اهـ؟ (٣٥٧:٨). قلنا: قياس مع الفارق، أن التفرق فى الصرف القبض مفسد للقعد موجب للزبا، وبعد القبض ليس بموجب للعقد ولا بمتم له، يدل على ذلك قوله عّ لّه: ((الذهب بالذهب إلى آخره ربا إلا مثلا بمثل يدا بيد)). وقول عمر: ((والله لا تفارقه حتى تأخذه)). رواه مالك كما سيأتى، بخلاف التفرق فى خيار المتبايعين، فهو موجب للعقد متم له عندكم، فافترقا، ولو حملنا فرقة المتبايعين على فرقة المصطرفين فالأولى أن يقال فى تأويل الحديث ما قاله أبو يوسف فى "الأمالى": "إن تأويل هذا الحديث إذا قال بغيره، يعنى هذا السلعة بكذا، فيقول الآخر: بعت، فقبل قول المشترى: اشتريت لكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا عن ذلك المجلس، وهذا صحيح، فهما متبايعان فى هذه الحالة لوجود التكلم بالبيع منهما، وعلى أصل الشافعى بهذا اللفظ ينعقد البيع بينهما، ثم يثبت الخيار لكل واحد منهما ما لم يتفرقا عن المجلس"، كذا فى "المبسوط" (١٥٧:١٣). وعندنا لا يتم العقد ما داما متبايعين، ليس واحد منهما مشتريا ولا بائعا، ولهما الخيار ما لم يتفرقا عن المجلس، فإن قال الآخر: اشتريت، بعد ما تفرقا عنه لم ينعقد البيع، وفسد الإيجاب، وهذا أولى مما حمل عليه هذا الحديث ابن حزم وغيره من الشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، لأنا رأينا الفرقة التى لها حكم فيما اتفقوا عليه هى الفرقة فى الصرف، فكانت تلك الفرقة إنما يجب بها فساد عقد متقدم (إذا كانت قبل القبض) ولا يجب بها صلاحه، (إذا كانت قبل القبض)، وكانت هذه الفرقة المروية عن رسول الله عّ لّه فى خيار المتبايعين إذا جعلناها على ما ذكره أبو يوسف فسد بها ما كان قد تقدم من عقد المتبايعين، وإن جعلناها على ما قال الذين جعلوا الفرقة بالأبدان يتم بها العقد كانت بخلاف فرقة الصرف، ولم يكن لها أصل فيما اتفقوا عليه. وبالجملة: فإنا عهدنا فى الشرع أن الفرقة موجبة للفساد، كما فى الصرف قبل القبض، وما ذكروه يوجب التمام، ولا نظير له فى الشرع، ولا يخفى أن حمل المختلف فيه على معنى له أصل فيما اتفقوا عليه أولى لكونه مرادًا، قاله عيسى بن أبان، كما فى "معانى الآثار" للطحاوى (٢٠٣:٢)، ولو تنبه ابن حزم لهذا المعنى لعرف من هو المتحكم حيث يهوى؟ الجواب عن احتجاج الخصم بفعل ابن عمر على تفرق الأبدان: وأما ما ذكروا عن ابن عمر من فعله الذى استدلوا به على مراد النبى عَّةٍ فى الفرقة فمع :٠ ١٩٠ تتمة باب ثبوت خيار القبول دون خيار المجلس ج - ١٤ عن يحيى وأصح الناس كتابا عنه، قاله سليمان بن داود بن شعبة، وكان عالما بأهل اليمامة، وقال المفضل الغلابى عن يحيى: "لا بأس به"، (وهو توثيق منه على ما عرف)، اختلاف الروایات فی فعله محمول عندنا علی أنه کان یفارق بایعه ببدنه احتیاطًا، کی لا یکون لبایعه نقض البيع علیه أصلا بعد ما وجد منه التفرق قولا وفعلا، يؤيد ذلك ما رواه ابن راهویه، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين: "أن عثمان بن عفان ابتاع حائطا من رجل، فساومه حتى قام على الثمن، فقال: أعطنى يدك، قال: وكانوا لا يستوجبون إلا بصفقة (أى بمصافحة اليد) فلما رأى ذلك البائع قال: لا والله لا أبيعه حتى تزيدنى عشرة آلاف، فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: سمعت رسول الله مَّه يقول: إن الله يدخل الجنة رجلا سمحا بائعا ومبتاعا، وقاضيا ومقتضيًا، ثم قال: دونك العشرة الآلاف، لأستوجب (أى لكى أستحق ١٢ ظ) هذه الكلمة سمعتها من التى عد ◌ّد. قال ابن حجر: مرسل، يؤيده الذى بعده، ثم أخرجه من طريق ابن راهويه، عن مطر الوراق: "أن عثمان بن عفان قدم حاجا فذكره نحوه". قال ابن حجر: "هذا مرسل حسن يؤيده الذى قبله، فاعتضد كل منهما بالآخر لاختلاف المخرجين"، كذا فى "كنز العمال" (٢٢٤:٣). فقوله: "وكانوا لا يستوجبون إلا بصفقة" نظير قول ابن عمر: " كنا إذا تبايعنا كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرقا المتبايعان "، وفى لفظ: ((وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا))، رواه البخارى أى كانت سنة التجار من الصحابة بدليل اللفظ الأول. وقد أجمعوا على أن البيع لا يتوقف على الصفقة وإعطاء اليد، فكذلك لا يتوقف عندنا على التفرق من المجلس، وإنما كانوا يفعلون كل ذلك احتياطًا واستيثاقًا منهم للعقد، فافهم. فإن الآثار يفسر بعضها بعضا، ولاح بذلك أن حمل الحديث وفعل ابن عمر على الاستحسان والاحتياط ليس خلاف الظاهر، كما زعمه الحافظ فى "الفتح" (٢٧٧:٥)، بل موافق للظاهر مؤيد بالآثار. الرد على ابن حزم فی رده الحدیث الذی فتحنا به الباب: ثم لنرجع إلى الحديث الذى فتحنا به الباب، ولنجب عن كلام ابن حزم فيه، قال: "وهذا عجب جدًا؛ لأنه عليهم لو صح، والتفرق من البيع لا يكون إلا بأحد أمرين لا ثالث لهما، إما - بتفرق الأبدان فيتم البيع حينئذ، وإما أن يتفرقا منه بفسخه وإبطاله لا يمكن غير هذا" اهـ (٣٦٢:٨). قلنا: تحكم بلا دليل، وقياس فى اللغة، وحصر للفظ فى أمرين بمجرد الرأى، بل وله ٢٠ تتمة باب ثبوت خیار القبول دون خيار المجلس إعلاء السنن كذا فى "التهذيب" (٤٠٩:١)، وليس هذا من حديثه عن يحيى بن أبى كثير، بل أبى كثير السحيمى، وهو ثقة من رجال مسلم والأربعة، وهاشم بن القاسم من رجال ثالث، وهو ما ذكرناه فى قصة قتل عمر من قول الراوى: "فتفرقوا عن خطبة عمرو بن العاص"، أى اتفقوا عليها، بل هذا هو المتعين، فإن البيع من العقود المتعلقة بالكلام، فالتفرق منه لا يكون إلا بالقول، فحمله على التفرق بالأبدان مصادرة على المطلوب، تمشية للمذهب بلا دليل، وحمله على التفرق بالفسخ والإبطال تحكم، فإن المتبادر كون التفرق المذكور مبطلا للخيار موجباً للعقد، كما قاله ابن حزم نفسه فى التفرق بالأبدان، فمن أين له أن يحمله ثانيا على التفرق المبطل للبيع؟ وهل هذا إلا تناقض من القول وتهافت. فالحق أن المراد فراغ العاقدين من الإيجاب والقبول، واتفاقهما على العقد، وحمل الكلام على هذا المعنى لا يدل على رقة دين القائل به، ولا على ضعف عقله، ولا هو من السفسطة فى شىء، وإنما السفسطة حمل الكلام على معنى لا يحتمله هو لغة ولا شرعًا، كيف؟ وقد حمله على ذلك النخعى، والثورى، ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، وهم أعرف بلسان العرب وتصاريفه من ألوف من أمثال ابن حزم وغيره. قال: "فكيف؟ وأيوب بن عتبة ضعيف لا نرضى الاحتجاج بروايته" اهـ. قلنا: ولكن الإسناد لا يؤخذ عن رضاك، ولا عن عدم رضاك به، وإنما يؤخذ عن الأئمة المتقدى بهم فى الدين، وقد عرفناك أن أحمد وثقه فى موضع، وقال ابن معين فى رواية: لا بأس به، وناهيك بهما قدوة، فالحديث حسن الإسناد، صالح للاحتجاج به حتما، وهو صريح فى المعنى الذى ذكره النخعى، ومحمد بن الحسن الإمام، وغيرهما فى تأويل حديث ابن عمر: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، أى ما لم يتفرقا من بيعهما، سواء تفرقا من المكان بالأبدان أو لم يتفرقا، والله تعالى أعلم. معنی حدیث عبد الله بن عمر والرد على ابن حزم فى تأويله: ويؤيد ما قلنا حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله عَ لّه قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله))، رواه "أبو داود، والترمذى، والنسائى". وقال الترمذى: حديث حسن (زيلعى ١٧٠:٢). ولا يخفى أن الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع، فإما أن يحمل التفرق على ما قلنا وهو التفرق بالأقوال، أو يقال: إن التفرق بالأبدان ليس بشرط لتمام البيع، وأن ابن عمر إنما كان يرى الإقالة إلى تمام المجلس على وجه الاستحسان.