Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ إعلاء السنن باب الإشهاد على الوقف وكتابته ٤٥٤٣- عن ابن عباس رضى الله عنهما أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب، فأتى النبى عَ ◌ّه، فقال: يا رسول الله! إن أمى توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شىء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم. قال: فإنى أشهدك أن حائطى المخراف صدقة عليها. رواه البخارى (فتح البارى ٢٩٢:٥). ٤٥٤٤- عن أبى غسان المدنى قال: هذه نسخة صدقة عمر، أخذتها من كتابه الذى عند آل عمر، فنسختها حرفًا حرفًا: هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين فى ثمغ أنه إلى حفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإنى ذوى الرأى من أهلها. فذكر الشروط نحو الذى تقدم فى الحديث المرفوع (عند البخارى) ثم قال: والمائة وسق الذى أطعمنى النبى ◌ّ فإنها مع ثمغ على سننه الذى أمرت به، وإن شاء ولى ثمغ أن يشترى من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل؛ وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم. وكذا أخرج أبو داود فى رواية نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذه الكتاب. (فتح البارى ٣٠١:٥). أو ساطها، والله تعالى أعلم. ودلالة الأثر على جواز وقف المريض على ورثته بالتقرير الذى ذكره الموفق ظاهرة، وأما إنه يعتبر من الثلث فلكون تصرفات المريض بمنزلة الوصية، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث بدليل من سيأتى فى باب المواريث والوصايا، وهو إجماع المسلمين، والله تعالى أعلم. باب الإشهاد على الوقف و كتابته قوله: عن ابن عباس إلخ، قال العينى فى "العمدة": فيه مطلوبية الإشهاد، وإذا أمر بالإشهاد فى البيع وهو خروج ملك عن ملك بعوض، فالوقف أولى بذلك؛ لأن الخروج عنه بغير عوض. (ولأنه مظنة أن ينازع فيه لا سيما من الورثة) وقال ابن بطال: الإشهاد واجب فى الوقف لا يتم إلا به. وقال المهلب: العالم يبين الحدود فى الوقف إنما يجوز إذا كانت الأرض معلومة يقع عليها ويتعين به كما كان بيرحاء، والمخراف معينًا عند من أشهده، وأما إذا لم يكن الوقف معيناً، وكانت. له مخاريف وأموال كثيرة فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين ولا خلاف فى هذا اهـ (٥٠٣:٦). قوله: عن أبى غسان المدنى إلخ: ودلالته على كتابة الوة وكيفية كتابته ظاهرة، والإشهاد ج - ١٣ ١٨٢ كتاب ولاية الوقف باب طالب التولية لا یولی ٤٥٤٥- عن أبى موسى قال: دخلت على النبى عَّ أنا ورجلان من بنى عمى، فقال أحدهما: يا رسول الله! أمرنا على بعض ما ولاك الله. وقال الآخر مثل ذلك، فقال: ((إنا والله لا نولى هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه)) للشيخين وأبى داود والنسائى (جمع الفوائد ٣١٧:١)، وفى رواية قال: لا أخونكم عندنا من يطلبه (فتح البارى ٢٤٢:١٢). ٤٥٤٦- عن عبد الرحمن بن سمرة رفعه: يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أحنت عليها. للستة إلا مالكا. (جمع الفوائد ٣١٦:١). والكتابة ليسا من أركان الوقف عندنا، وإنما هما مستحبان، لا أعلم فى ذلك خلافًا غير ما قاله ابن بطال: إن الإشهاد واجب فى الوقف، لا يتم إلا به، ولا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار وافقه على ذلك، والله تعالى أعلم. كتاب ولاية الوقف باب طالب التولية لا يولى قوله: عن أبى موسى إلى آخر الباب، قال المحقق فى"الفتح": قالوا: لا يولى من طلب الولاية على الأوقاف كمن طالب القضاء لا يقلد اهـ (٤٤٩:٥). وفى الشامية: طالب التولية لا يولى، وهل المراد أنه أنه لا ينبغى أو لا يحل؟ استظهر فى البحر الأول، تأمل إلا لمشروط له النظر بأن قال: جعلت نظر وقفى لفلان؛ لأنه مولى فيريد التنفيذ، والظاهر أن مثله ما لو شرطه للذكور من الموقوف عليهم ولم يوجد غير ذكر واحد، وأما لو انحصر الوقف فى واحد لا يلزم أن يكون هو الناظر عليه بلا شرط الواقف اهـ (٦٣٥:٣). وقال المهلب: والحرص على الولاية هو السبب فى اقتتال الناس عليها، حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد فى الأرض، قال: ويستثنى من ذلك من تعين عليه كأن يموت الوالى ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل فى ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال :هـ. قال الحافظ فى الفتح: وفى التعبير بالحرص إشارة إلى أن من قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد الحرص غالبًا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص فى ١٨٣ إعلاء السنن باب لا يجعل المتولى من الأجانب ما دام أحد يصلح للتولية من أقارب الواقف ذكرا كان أو أنثى ٤٥٤٧- فيه حديث عمر أنه أوصى إن حدث به حدث أن ثمغًا وصرمة بن الأكوع والعبد الذى فيه والمائة سهم الذى بخيبر ورقيقه الذى فيه والمائة التى أطعمه محمد عَّ بالوادى تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأى من أهلها أن لا يباع ولا يشترى الحديث رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وقد تقدم فى أول باب الوقف. ٤٥٤٨- أخبرنى غير واحد من آل عمر وآل على أن عمر ولی صدقته حتى مات، وجعلها بعده إلى حفصة، وولى على صدقته حتى مات، وولينها بعده الحسن بن على، ذكره الإمام الشافعى فى "الأم" (٢٨١:٣) معلقًا، كما تقدم، وتعليق مثله حجة. ٤٥٤٩- قال الواقدى: وحدثنا خالد بن أبى بكر قال: رأيت سالم بن عبد الله يهدى إلى صديقه من صدقة عمر بن الخطاب وهو يومئذ يليها. رواه الخصاف فى الأوقاف له (ص ٨)، وسنده حسن. ٤٥٥٠- قال: وحدثنى عبد الله بن مرداس عن أبيه قال: رأيت على بن الحسين يأكل ويهدى من صدقته رضى الله عنه. (الخصاف أيضًا ص: ١٠) وعبد الله بن مرداس لم أجد من ترجمه. حق من تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه أهـ (١١٢:١٣). باب لا يجعل المتولى من الأجانب ما دام أحد يصلح للتولية من أقارب الواقف ذكرًا كان أو أنثى قوله: فيه حديث عمر إلخ، دلالته ودلالة الآثار بعده على معنى الباب ظاهرة، فإن عمر رضى الله عنه كان لا يولى أحدًا من أهله وأقاربه شيئًا من العمل، وذلك معروف من سيرته، ومع. ذلك جعل ولاية صدقته إلى بنته، وبعدها إلى ذى الرأى من أهله، وكذا جعل على رضى الله عنه ولاية صدقته إلى أهله، وكذا غيرهما من الصحابة رضى الله عنهم جعلوا ولاية صدقاتهم إلى أهليهم، كما لا يخفى على من تتبع الآثار. وفى كل ذلك دليل لما قاله أصحابنا أنه مادام أحد يصلح للتولية من أقارب الواقف لا يجعل المتولى من الأجانب لأنه أشفق، أو لأن من قصد الواقف نسبة الوقف إليه، وذلك فيما ذكرنا. ٠ ج - ١٣ لا يجعل المتولى من الأجانب ما دام أحد يصلح من أقارب الواقف ١٨٤ ٤٥٥١- قال: وحدثنى مالك عن ابن أبى الرجال عن أبيه أن عمرة بنت عبد الرحمن تصدقت بصدقة وأشهدت عليها، وأخرجتها من يدها؛ فكان ابنها يليها. (الخصاف أيضاً ص ١٨)، وسنده حسن. ولفظ الحاكم فى "الكافى": فإن لم يجد فيهم من يصلح لذلك فجعله إلى أجنبى ثم صار فيهم من يصلح له صرفه إليه اهـ، ومفاده تقديم أولاد الواقف وإن لم يكن الوقف عليهم بأن كان على مسجد أو غيره، ولو شرط الواقف كون المتولى من أولاده وأولادهم ليس للقاضى أن يولى غيرهم بلا خيانة، ولو فعل لم يكن متوليًا، ولو لم يكن شرط ذلك فالأفضل أن لا يولى أجنبيًا ما دام فى أقاربه من يصلح لها، ولو فعل صح، كذا فى "رد المحتار" ملخصًا (٢٣٦:٣). وقد تقدم أن الواقف لو جعل الولاية لنفسه جاز، وفى "الدر المختار": بالإجماع، وكذا لو لم يشترطه لأحد فالولاية له عند أبى يوسف، وهو ظاهر المذهب، ثم لوصيه، وإلا فللحاكم اهـ (٥٩٤٣). وقال الموفق فى "المغنى": وينظر فى الوقف من شرطه الواقف، لأن عمر رضى الله عنه جعل وقفه إلى حمصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوى الرأى من أهلها، ولأن مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف فكذلك الناظر فيه، فإن جعل النظر لنفسه جاز، وإن جعله إلى غيره فهو له، فإن له يجعله لأحد أو جعله الإنسان فمات نظر فيه الموقوف عليه (وهو رواية عندنا أيضًا كما فى "الهندية"، ومحملها ما إذا كانت الموقوف عليه من أقارب الواقف، وكان الواقف قد مات، وإلا فالولاية له، وكذا إذا مات من جعل الولاية له فى حياته من غير تولية، أو كان قد ولاه من غير تفويض أمر التولية إليه) ويحتمل أن ينظر فيه الحاكم اختاره ابن أبى موسى. ويحتمل أن يكون الوجهان مبنيين على أن الملك هل ينتقل فيه إلى الموقوف عليه أو إلى الله تعالى؟ فإن قلنا: هو للموقوف عليه فالنظر فيه إليه، لأنه ملكه عينه ونفعه. وإن قلنا: هو لله فالحاكم ينوب فيه ويصرفه إلى مصارفه؛ لأنه مال الله، فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين كالوقوف على المساكين. وأما لوقف على المساكين والمساجد ونحوها أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم والبط فيه إلى الحاكم، لأنه ليس له مالك متعين ينظر فيه، وله أن تستبيب فيه، لأن الحاكم لا يمكنه تولى النظر بنفسه أهـ (٢٤٢:٦). قلت: ومذهب الحنفية فى الباب أن ولاية النظر للواقف، سواء شرطه لنفسه أولا، ثم لوصيه، تم للحاكم، سواء كان الوفد على أقارب الواقف، ثم على المساكين أو للمساكين ابتداءً وانتهاءً، أو للمسجد ونحوه، كما تقدم. ١٨٥ إعلاء السنن باب لا يولى إلا أمين عادل ذو رأى ٤٥٥٢- فيه حديث عمر. ثم يليه ذو الرأى من أهلها. وفى رواية: من أهله. وقد تقدم مرارًا. وفى رواية عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون: وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر وفى رواية أيوب عن نافع عند أحمد: يليه ذوو الرأى من آل عمر. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣٠٠:٥). سيرة عمر فى أمراءه باب لا يولی إلا أمين عادل ذو رأی قوله: فيه حديث عمر إلخ، دلالته على اختيار ذوى الرأى للولاية ظاهرة، وهم المرادون بقوله: ثم إلى الأكابر من آل عمر فإن الآثار بعضها يفسر بعضًا، والغالب فى الأكابر كونهم من ذوى الرأى كما هو ظاهر، وإن كان الصغير أفضل رأيًا من الكبير مع كونه أمينًا عادلا كان أحق بالولاية منه. قال الحافظ فى "الفتح": والذى يظهر من سيرة عمر فى أمرائه الذين كان يؤمرهم فى البلاد أنه كانت لا يراعى الأفضل فى الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم فى أمر الدين والعلم، كأبى الدرداء بالشام وابن مسعود فى الكوفة اهـ (١٧٢:١٣). وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا محمد بن عباد عن سفيان عن شيخ قال: قال عمر: إياكم والفرقة يعدى، فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام فإذا واكلتم إلى رأيكم كيف يستنبرها منكم. كذا فى "الإصابة" (١١٤:٦) - أى كيف ينزعها ويسلبها منكم - وكان كما قال رضى الله عنه؛ فإنه حين وقعت الفرقة بين أمير المؤمنين على رضى الله عنه وأصحاب الجمل استقل معاوية بالشام، واستنبرها من على رضى الله عنه، وفيه معرفة عمر رضى الله عنه بأرباب السياسة من أصحابه وتفضيلهم على غيرهم من أصحاب الفضل إذا كانوا أمناء على الشريعة مجتنبين عما يخالفها، والله تعالى أعلم. الصحابة كلهم أمناء على الشريعة عدول ثقات: والصحابة كلهم أمناء على الشريعة عدول ثقات، كما أجمعت الأمة عليه، ودحل عائد بن عمرو على عبيد الله بن زياد فقال: أى بنى! إنى سمعت رسول الله عَ ليه يقول: إن شر الرعاء الخطمة، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس؛ فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله عَ ليه، . ١٨٦ ج - ١٣ لا يولى إلا أمين عادل ذو رأى ٤٥٥٣- قال الواقدى: حدثنا كثير بن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كان يولى أقواما كثيرًا ولذى القربى صدقة عمر، فإذا رأى منهم خيراً أقرهم؛ وإن كان غير ذلك عزلهم رواه الخصاف فى الأوقاف له (ص ٨). كثير بن عبد الله ضعفه الجمهور، وحسن له البخارى حديثًا. وقال: قد روى يحيى بن سعيد الأنصارى عنه. (تهذيب التهذيب ٤٢٢:٨)، وأكثر ما نقموا عليه روایته عن أبيه عن جده نسخةً ولیس ذلك منها. قال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما النخالة بعدهم وفى غيرهم، رواه مسلم. قال النووى: هذا من جزل الكلام وفصيحه، وصدقه الذى ينقاد له كل مسلم؛ فإن الصحابة رضى الله عنهم كلهم صفوة الناس وسادات الأمة وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة، لا نخالة فيهم؛ وإنما جاء التخليط ممن بعدهم، وفيمن بعدهم كانت النخالة اهـ (١٢٢:٢). وإنما المعصوم من عصم الله، وليست العصمة الكاملة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولأصحابهم من بعدهم عصمة دون عصمة الأنبياء، وفوق عصمة سائر الناس، والله أعلم. قوله: قال الواقدى إلخ، دلالته على عزل المتولى إذا رأى منه الشر ظاهرة، والشر الخيانة وكل ما ينافى العدالة مما يفضى إلى الفسق قال فى "الدر": وينزع وجوبًا لو الواقف، فغيره بالأولى غير مأمون، أو عاجزًا أو ظهر به فسق كشرب خمر ونحوه (فتح). قال الشامى: قال فى الإسعاف: ولا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه، لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود. وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به، ويستوى فيه الذكر والأنثى، وكذا الأعمى والبصير، وكذا المحدود فى القذف إذا تاب، لأنه أمين إلخ. قال الشامى: والظاهر أنها شرائط الأولوية لا شرائط الصحة، وإن الناظر إذا فسق استحق العزل ولا ينعزل، كالقاضى إذا فسق لا ينعزل على الصحيح المفتى به، ويشترط للصحة بلوغه وعقله لا حريته وإسلامه، لما فى "الإسعاف": لو أوصى إلى صبى تبطل فى القياس مطلقًا، وفى الاستحسان هى باطلة ما دام صغيرًا، فإذا كبر تكون الولاية له، ولو كان عبداً يجوز قياسًا واستحسانًا لأهليته فى ذاته، ثم الذمى فى الحكم كالعبد اهـ ملخصًا (٥٩٥:٣). قلت: وهذا فى ولاية الأوقاف، وأما ولاية القضاء والإمامة العظمى فيشترط لهما الحرية والإسلام، كما سيأتى ذلك فى موضعه. ١٨٧ إعلاء السنن باب نفقة القيم للوقف ٤٥٥٤- فيه حديث عمر أنه اشترط فى وقفه أن يأكل من وليه، ويؤ كل صديقًا غير متمول مالا. رواه البخارى وغيره. (فتح البارى ٣٠٤:٥) وقد تقدم مرارًا. باب نفقة القيم للوقف قوله: فيه حديث عمر إلخ، قال القرطبى: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه يستقبح منه ذلك. وفى رواية: لا جناح على من وليبها أن يأكل منها بالمعروف، والمراد بالمعروف القدر الذى جرت به العادة. وقيل: القدر الذى يدفع به الشهوة. وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأول أولى اهـ من فتح البارى (٥: ٣٠٠). قلت: وهذا إذا لم يعين له الواقف قدرًا معلومًا، فإن عين شيئًا فهو له، وإلا فله القدر الذى جرت به العادة، وفى موضع آخر من "فتح البارى" ما نصه: واحتجوا أيضًا بأن الذى يدل عليه حديث الباب أن عمر اشتراط الناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عمالته ولذلك منعه أن يتخذ لنفسه منه مالا، فلو كان يؤخذ منه صحة الوقف على النفس لم يمنعه من الاتخاذ، وكأنه اشترط لنفسه أمرًا لو سكت عنه لكان يستحقه لقيامه، وهذا على أرجح قولى العلماء: إن الواقف إذا لم يشترط للناظر قدر عمله جاز له أن يأخذ بقدر عمله، ولو اشترط الواقف لنفسه النظر واشترط أجرة ففى صحة هذا الشرط عند الشافعية خلاف، كالهاشمى إذا عمل فى الزكاة هل يأخذ من سهم العاملين؟ والراجح الجواز اهـ (٣٠٣:٥). وفى "الدر المختار": ليس للمتولى أخذ زيادة على ما قرر له الواقف أصلا، ويجب صرف ما يحصل من نماء وعوائد شرعية وعرفية لمصارف الوقف الشرعية اهـ. قال الشامى: لكن أفتى فى "الخيرية" بأنه إذا كان فى ريع الوقف عوائد قديمة معهودة يتناولها الناظر بسعيه له طلبها لقول الأشباه. والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، فهو صريح فى استحقاق ما جرت به العادة اهـ. قال الشامى: ويؤيده ما فى "البحر" من جواز أخذ الإمام فاضل الشمع فى رمضان إذا جرت به العادة، وقد ظهر لى أنه لا ينافى ما ذكره المصنف، لأن هذا فى المتعارف أخذه من ريع الوقف بأن تعورف مثلا أن هذا الوقف يأخذ المتولى عشر ريعه، فحيث كان قديمًا يجعل كأن الواقف شرطه له، وما ذكره المصنف فيما يأخذه المتولى من أهل القرية کالذی یهدى له من دجاج وسمن فإن ذلك رشوة أهـ ملخصًا (٢٦٠:٣) وفى الدر المختار أيضًا: ومر أن للمتولى أجر مثل عمله فتنبه اهـ. قال الشامى: استدراك على قول المصنف فى فتاواه، ليس للمتولى أخذ زيادة على ما قرر له الواقف. ج - ١٣ ١٨٨ ٤٥٥٥- وفى حديث أبى هريرة مرفوعا: ((ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فهو صدقة)) رواه البخارى (فتح البارى أيضا ٣٠٤:٥)، وقد تقدم ذكره. باب إذا مات المتولى فى حياة الواقف عادت الولاية إليه ٤٥٥٦- قال الواقدى: حدثنى شعبة بن عبادة قال: قرأت فى صدقة عمر بن خالد الزرقی: فإن مات فلان والی صدقتی فالأمر إلی فی صدقتی أو إلی من رأيت. رواه الخصاف فى الأوقاف له. قلت: والجواب أن كلام المصنف فيمن شرط له الواقف شيئًا معينًا، وما سيجىء فى الوصايا، ومر أيضًا فيمن نصبه القاضى ولم يشترط له الواقف شيئًا كما قدمناه؛ لكن قدمنا أيضًا عن أنفع الوسائل بحثًا أن الأول لو عين له الواقف أقل من أجر المثل فللقاضى أن يكمل له أجر المثل بطلبه، فهذا مقيد لإطلاق المصنف كما قدمناه هناك اهـ (٦٦١:٣). وحاصله: أن الواقف إذا عين للمتولى شيئًا لا يجوز له الزيادة عليه إلا بإذن القاضى إذا كان أقل من أجر المثل، وإلا بما جرت به العادة القديمة فى هذا الوقف بعينه، وإذا لم يعين الواقف شيئًاً فله أجر مثل عمله وما جرت به العادة، وفى قول عمر: ولمن وليه أن يأكل منه بالمعروف أو يؤكل صديقًا له إشارة إلى ذلك، فافهم. قوله: وفى حديث أبى هريرة مرفوعًا إلخ، مطابقته للترجمة فى قوله: مؤنة عاملى، والعامل القيم، ويدخل فيه الأجير والناظر. ودلالته على أن نفقة القيم ثابتة فى الوقف ظاهرة، وقوله: بعد نفقة نسائى. قال الخطابي: بلغنى عن ابن عيينة كان يقول: أزواج سيدنا رسول الله مع ليه فى معنى المعتدات، لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا، فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لمن يسكنها، كذا فى "عمدة القارى" (٥١٧:٦) قلت: وهذا ما قلته بعينه كما تقدم، ولله الحمد على موافقة السلف. باب إذا مات المتولى فى حياة الواقف عادت الولاية إليه قوله: قال الواقدى إلخ، لا خلاف فى عود الولاية إلى الواقف فى مسألة الباب إذا كان صرح بذلك فى شروطه، فإن شروط الواقف مرعية كما تقدم، ودل أثر الزهرى على عودها إلى الواقف بدون شرطه أيضًا، قال فى "الدر": ثم إذا مات المشروط له النظر بعد موت الواقف ولم يوص لأحد فولاية النصب للقاضى، إذا لا ولاية لمستحق إلا بتوليته كما مراهـ. قال الشامى: قيد به -أى بموت الوقف- لأنه لو مات قبله قال فى "المجتبى": ولاية النصب ١٨٩ إذا مات المتولى فى حياة الواقف عادت الولاية إليه إعلاء السنن ٤٥٥٧- وقال وحدثنى: محمد بن عبد الله قال: حبس الزهرى أموالا له ودفعها للواقف. وفى "السير الكبير": قال محمد: النصب للقاضى، وفى "الفتاوى الصغرى": الرأت للواقف لا للقاضى، فإن كان الواقف ميت موصيه أولى من القاضى، فإن لم يكن أوصى، فالرأى للقاضى، وقوله: ولم يوص، أى المشروط له. فال فى البحر. ذا مات المتولى المشروط له بعد الواقف فالقاضى ينصب غيره، شرط فى المحسى أن لا يكون المتولى أوصى به لآخر عند موته، فإن أوصى لا ينصب القاضى اهـ (٦٣٥:٣) وهى الدر" أيضًا: أراد المتولى إقامة غيره مقامه أى بطريق الاستقلال(١) فى حياته وصحته إن كان التفويص له عامًا أصح، ولا يملك عزله إلا إذا كان الواقف جعل له التفويض والعزل وإلا أى وإن لم يكن التفويض له عاما فإن فوض فى صحته لا يصح. وإن فى مرض موته صح اهـ. قال الشامى: وإنما صح إذا فوض فى مرض موته وإن لم يكن التفويض له عامًا؛ لما فى الخانية من أنه بمنزلة الوصى، وللوعى أن يوصى إلى غيره اهـ (٦٣٧:٣. قلت: وهذا إذا فوض فى مرض موته وقد مات الواقف قبله، وإلا عادت الولاية إلى الواقف، لأنه لا يكون بمنزلة الوصى إلا بعد موته لا فى حياته، والله تعالى أعلم. قلت: وفى أثر الزهرى دلالة على أن الصغير لا يصلح لولاية الوقف، فإنه ولى صدقة مولاه؛ لكون محمد بن عبد الله غير مدرك، ثم ولاه بعد ما أدرك، وهو المذهب، كما ذكرنا فيما مضى، فتذكر. شرط البيع أو الهبة أو الرجوع فى الوقف يبطله: فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وإن شرط (الواقف) أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه لم يصح الشرط ولا الوقف، لا نعلم فيه خلافًا، لأنه ينافى مقتضى الوقف؛ وإن شرط الخيار فى الوقف فسد، نص عليه أحمد، وبه قال الشافعى (ومحمد بن الحسن) وقال أبو يوسف فى رواية عنه: يصح، لأن الواقف تمليك المنافع، فجاز شرط الخيار فيه كالإجارة، ولنا أنه شرط ينافى مقتضى العقد فلم يصح، كما لو شرط أن له بيعه متى شاء؛ ولأنه إزالة ملك لله تعالى، فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالعتق، ولأنه ليس بعقد معاوضة، فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالهبة، ويفارق الإجارة، فإنها عقد معاوضة، وهى نوع من البيع، ولأن الخيار إذا دخل فى العقد منع ثبوت حگمه قبل انقضاء الخيار، أو التصرف فيها، وههنا لو ثبت الخيار لثبت مع ثبوت حكم الوقف، ولم يمنع التصرف فافترقا. (١) وأما بطريق التوكيل فلا يتقيد بمرض الموت، وفى "الفتح": للناظر أن يؤكل من يقوم بما كان إليه من أمر الوقف، ويجعل له من جعله شيئًا، وله أن يعزله ويستبدل به أو لا يستبدل اهـ ملخصًا من رد المحتار (٦٣٦:٣). ١٩٠ إذا مات المتولى فى حياة الواقف عادت الولاية إليه ج - ١٣ إلى مولى له فمات المولى فى حياته فجعلنى مكانه وكنت يوم تصدق بها ودفعها إلى وإن سرط فى الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل س شاء من غيرهم لم يصح، لأنه شرط ينافى مقتضى الوقف فأفسده، كما لو شرط أن لا ينتفع به، وإن وإن شرط للناظر أن يعطى من يشاء من أهل الوقف ويحرم من يشاء جاز، لأن ذلك ليس بإخراج للموقوف عليه من الوقف، وإنما علق استحقاق الوقف بصفة أهـ (١٩٥:٦). قلت: وهذا بناء على جواز اشتراط الاستبدال بالوقف وعدمه، فالذى يقول بجواز ذلك يقول بجواز شرط الواقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل من شاء من غيرهم، ومن لا فلا، قال المحقق فى "الفتح" (٤٣٩:٥). وعلى وزان هذا -أى شرط الاستبدال- لو شرط - الواقف- لنفسه أن ينقص من المعاليم إذا شاء ويزيد ويخرج من شاء ويستبدل به كان له ذلك، (أى عند أبى يوسف وهلال حلافًا لمحمد رحمه الله فقال: يصح الوقف ويبطل الشرط). وليس يقيمه إلا أن يجعله له، وإذا أدخل مرة ليس له ثانيًا إلا بشرطه، ولو شرطه للقيم ولم يشرطه لنفسه كان له أن يستبدل؛ لأن إفادته الولاية لغيره بذلك فرع كونه يملكها اه ملخصًا. والعجب من الموفق أنه قائل بجواز شرط الاستبدال بالوقف، ولا يقول بجواز شرط الإخراج والإدخال فى الموقوف عليهم. لا يصح الوقف على مجهول ولا على معصية: فائدة: إذا لم يكن الوقف على معروف وبر فهو باطل، وحاصله: أن الوقف لا يصح إلاّ على من يعرف كولده وأقاربه ورجل معين، أو على بر كبناء المساجد والقناطر وكتب الفقه والعلم والقرآن والمقابر والسقايات وسبيل الله، ولا يصح على غير معين كرجل وامرأة، لأ الوقف تمليك للعين أو للمنفعة، فلا يصح على غير معين كالبيع والإجارة. (وفيه ما فيه فإن الوقف بالإِعتاق أشبه منه بالبيع والإجارة، وإذا أعتق عبدًا من عبيده فعليه البيان فينبغى أن يكون كذلك ههنا). ولا (يصح) على معصية، كبيت النار والبيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك معصية، فإن هذه المواضع بنيت للكفر، وهذه الكتب مبدلة منسوخة، ولذلك غضب النبى عل ◌ّ. حين رأى مع عمر صحيفة فيها شىء من التوراة، ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه، والوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ويعمرها دموقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها. أوقاف أهل الذمة على بيعهم وكنائسهم ورهبانهم باطلة: وسواء كان الواقف مسلمًا أو ذميا، وهذا مذهب الشافعى، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمى كالوقف على غير معين. ١٩١ إذا مات المتولى فى حياة الواقف عادت الولا يه إليه إعلاء السنن المولى لم أبلغ ثم أدركت بعده، رواه الخصاف أيضا. فإن قيل: فقد قلتم: إن أهل الكتاب إذا عقدوا عقوداً فاسدةً وتقابضوا ثم أسلموا وترافعوا إلينا لم ننقض ما فعلوه، فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه علی کنائسهم؟ قلنا: الوقف ليس بعقد معاوضة، وإنما هو إزالة للملك فى الموقوف على وجه القربة، فإذا لم يقع صحيحاً لم يزل الملك فيبقى بحاله كالعتق اهـ من "المغنى" (٢٤٠:٦)، ولا يخفى ما فى كلامه من التناقص، فيفيس الوقف بالبيع والإجارة مرةً وبالعتق أخرى. الأصل الكلى فى صحة أوقاف أهل الذمة وبطلانها: والأصل فى ذلك عندنا: أن ما كان قربة عند المسلمين وعند أهل الذمة جميعًا يجوز وقف الذمى له، كما لو وقف أرضه ضيعة، أو داره لعمارة بيت المقدس أو وقف أرضًا أو دارًا له أو عقارًاً على ولده وولد ولده ونسله وعقبه أبدًا ما تناسلوا وجعل آخر ذلك للمساكين، أو قال: جعلت أرضى هذه صدقة موقوفة على مساكين أهل الذمة، أو على فقراء المساكين، أو على الفقراء عامة، فإن ذلك جائز (لأن التصدق على مساكين أهل الذمة قربة عندنا أيضًا حتى جاز صرف الصدقات النافلة سوى الزكاة والعشر إليهم). وما كان قربة عند أهل الذمة وليس هو قربة عندنا أو بالعكس لم يجز، كما إذا جعل داره بيعة أو كنيسةً أو بيت نار، أو وقف أرضًا له أو دارًا له، أو مستغلا على بيعة أو كنيسة، أو بيت نار أو على الرهبان والقسيسين الذين فى بيعة كذا وكذا فالوقف باطل، و کذا لو وقف أرضًا له أو مستغلا علی أن یحج عنه بغلته كل عام كان باطلا؛ لأنه ليس مما يتقرب. به أهل الذمة إلى الله تعالى، كذا فى أحكام الأوقاف للإمام الخصاف (ص ٣٣٧،٣٣٥) يصح الوقف على أهل الذمة أى على فقرائهم وابن السبيل منهم: فائدة: قال الموفق فى "المغنى". ويصح الوقف على أهل الذمة لأنهم يملكون ملكاً محترماً، ويجوز أن يتصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم كالمسلمين ويجوز أن يقف المسلم عليه (إذا كان قريبًا، وإلا ينبغى للمسلم أن يخص أهل الذمة بوقفه دون المسلمين، لكون ذلك مظنة الميل إلى أهل الشرك بلا سبب شرعى، فيكون تبهمة فى دينه، وقد أمرنا أن نتقى مواضع التهم، فافهم) لما روى أن صفية بنت حيى زوج النبى عدّ وقفت على أخ يهودى، قال: ولوٍ وقف على من ينزل. كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين صح أيضًا لأن الوقف عليهم (وهم أبناء السبيل) لا على الموضع اهـ (٢٤٢:٦) قلت: وقواعدنا تساعده ولا تأباه، كما لا يخفى على من له مسكة بالفقه، والله تعالى أعلم. ١٩٢ ج - ١٣ كتاب وقف الأرض وجعلها مسجدا باب فصل بناء المسجد وقول الله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، وقوله سبحانه: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذى بيكة مباركًا وهدى للعالمين﴾، وقوله: ﴿والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾، وقوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بار كنا حوله﴾، وقوله: ﴿ومن أظلم ممن مع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها﴾، وقوله: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يحش إلا الله﴾، وقوله: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾. ٤٥٥٨- عن أنس رضى الله عنه مرفوعًا: ((سبع يجرى للعبد أجرهن وهو فى قبره باب فضل بناء المسجد وقول الله تعالی إلخ ... دلالة الآيات على معنى الباب ظاهرة، وروى الطبرانى فى "الأوسط" عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله مَ له: لما أهبط الله آدم إلى الأرض بكى على الجنة مائة خريف، ثم نظر إلى سعة. الأرض فقال: أى رب! أما لأرضك عامر يسكنها غيرى؟ فأوحى الله إليه: "أن بلى، فإنها سترفع بیوت یذ کر فیہا اسمی، وسأبوك منها بیتا اختصه بکرامتی، وأخلله عظمتی، وأسمیه بیتی، وأنطقه بعظمتى، ولست أسكته، وليس ينبغى لى أن أسكن البيوت، ولا يسعنى، ولكن على عرشى .. وكرسى عظمتى، وليس ينبغى لشىء مما خلقت أن يخرج من قبصتى ولا من قدرتى، وتعمره يا آدم ما کنت حیا، ثم تعمره القرون من بعدك أمة بعد أمة قرنًا بعد قرن، حتى ينتهى إلى ولد من أولادك يقال له: إبراهيم أجعله من عماره وسكانه"، وفيه إسماعيل بن عمرو البجلى وإسماعيل بن عياش، و كلاهما فیه كلام وقد وثقها، كذا فى "مجمع الزوائد" (٢٨٨:٤). قلت: والمساجد كلها من توابع بيت الله الحرام متوجهة إليه، فلها حظ من كل فضل اختص به البيت، كما سيأتى عن ابن عباس: ((المساجد بيوت الله فى الأرض، الحديث. قوله: عن أنس إلخ موضع الترجمة منه قوله: أو بنى مسجدًا، وفيه دلالة على فضل بناء المسجد ظاهرة، ولا ينافيه حديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) لأنه أخبر بالقليل ١٩٣ فضل بناء المسجد إعلاء السنن بعد موته: من علم علمًا أو أجرى نهرًاً أو حفر بيرًا أو غرس نخلا أو بنى مسجدًا، أو ورث مصحفًا، أو ترك ولدًا مسلمًا یستغفر له بعد موته. رواه البزار وسمویه. قال الشيخ: حديث صحيح. كذا فى "العزيزى" (٣٠٨:٢) قلت: ورواه ابن ماجه أيضًا، كما فى "الإتقان" (١٧٨:٢). ٤٥٥٩- عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهما مرفوعًا: ((سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله)). فذكر فيهم رجلا قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه. رواه مالك والترمذى ومسلم عنهما معًا، وأحمد وابن ماجه والنسائى عن أبى هريرة، كذا فى "العزيزى" أيضًا (ص ٣٠٩). ٤٥٦٠- عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله مَّ له: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله تعالى يقول: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله﴾ الآية. رواه الترمذى وابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه، وابن حبان والحاكم والنسائى ثم بالكثير، على أن الثلاثة المذكورة فى ذاك شاملة لهذه السبع، إذ الصدقة الجارية تشمل ذلك، وقوله: أو غرس نخلا أى بقصد التصدق بثمره أو وقفه، أما إذا غرسه بقصد تکثیر المال فليس له فى سلك التفضيل انتظام قاله الحفنى، قلت: والأولى إجراؤه على عمومه وإبقاؤه على إطلاقه، فقد روى يحيى بن آدم فى الخراج عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَ لّه: ((من غرس غرساً فما أكل منه وما محرق منه وما أكل السبع والطير فهو له صدقة، ولا يرزا منه أحد لا كان له صدقة)) (ص٨٢)، ورواه مسلم فى "صحيحه" (٤٥٧:١). قوله: عن أبى هريرة إلخ، قوله: قلبه معلق بالمسجد، أى شديد الحب لها ولملازمة الجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود فيها، قاله النووى. قلت: ولا يخفى أن بانى المسجد يكون قلبه معلقًا به أزيد من غيره كما هو مشاهد، فدلالته على معنى الباب ظاهرة قوله: عن أبى سعيد إلخ، قال العلقمى: وفى رواية: يتعاهد المسجد، والمراد باعتياد المساجد أن يكون قلبه معلقًا بها. وقال التوربشتى: هو بمعنى التعهد، وهو التحفظ بالشىء وتجديد العهد، وقال الطيبى: يتعاهد أشمل وأجمع لما يناط به أمر المساجد من العمارات واعتياد الصلاة وغيرهما، أی کتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح اهـ من "العزیزی". وقوله: ((فاشهدوا له بالإيمان)) أى اشهدوا له بأنه مؤمن حقًا، فإن الشهادة قول صدر عن ج - ١٣ فضل بناء المسجد ١٩٤ والبيهقى، وهو حديث صحيح. (العزيزى ١٢٥:١). ٤٥٦١- عن أبى ذر الغفارى قال: قلت: يا رسول الله! أى مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أى؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مصلى، فصل حيثما أدركتك الصلاة. للشيخين والنسائى، كما فى جمع الفوائد (١٩٥:١). ورواه ابن ماجه (ص: ٥٥) أيضًا، واللفظ له. ٤٥٦٢٠- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: المساجد بيوت الله فى الأرض، تضىء لأهل السماء كما تضىء نجوم السماء لأهل الأرض. رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ٧:٣). ٤٥٦٣- عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أنه قال عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله عَ ليه: إنكم أكثرتم على، وإنى سمعت رسول الله عل به يقول: ((من بنى مسجدًا يبتغى به وجه الله بنى الله له بيتا فى الجنة)). وفى رواية: ((بنى الله له مثله فى مواطاة القلب اللسان على سبيل القطع، قاله الحفنى، ودلالته على معنى الباب ظاهرة بالتقرير الذى ذكرناه أن بانى المسجد يتعاهده أكثر من غيره غالبًا، والله تعالى أعلم. قوله: عن أبى ذر الغفارى إلخ، فالمسجدان من المعاهد القديمة والمشاهد العظيمة التى لا شىء من البناء أقدم منهما ولا أعظم حرمة وبركةً فيلزمنا تعاهدهما واعتيادهما ما أمكن، وقاتل الله قومًا من النصارى تسلطوا على أرض فلسطين فى زماتنا، وكادوا يجعلونها وطنًا لليهود، شحنوها بهم بعد ما أجلوهم من بلادهم لكونهم سماعين للكذب أكالين للسحت فتراهم قد تسلطوا على أراضى المسلمين، وقبضوا على أموالهم وديارهم يسفكون دماءهم، ويهتكون حرماتهم، حتى بلغت القلوب الحناجر، فإلى الله المشتكى، وبه المستغات، اللهم فأعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علینا، وامکر لنا ولا تمکر علینا، آمين." قوله: عن ابن عباس إلخ: دلالته على كون المساجد كلها بيوت الله ظاهرة، ولا يخفى من بني بيتا لله فيه اسمه ويسبح له فيه بالغدو، والآصال. معنى قوله: ((من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة)). قوله: عن عثمان إلخ، قد تقدم شرحه وما يتعلق به من الأحكام فى الجزء الخامس من · "الكتاب"، فليراجع، وزاد ابن أبى شيبة فى حديث الباب من وجه آخر عن عثمان: ولو كمفحص ١٩٥ فضل بناء المسجد إعلاء السنن الجنة)) رواه الشيخان وغيرهما (الترغيب للمنذرى ص: ٥٠). قطاة، وهذه الزيادة أيضًا عند ابن حبان والبزار من حديث أبى ذر، وعند أبى مسلم الكجى من حديث ابن عباس، وعند الطبرانى فى "الأوسط" من حديث أنس، وابن عمر وعند أبى نعيم فى "الحلية" من حديث أبى بكر الصديق، ورواه ابن خزيمة من حديث جابر بلفظ: كمفحص قطاة أو أصغر، وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذى لفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه يكفى مقداره للصلاة فيه. وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد فى مسجد قدراً. يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر أو يشترك جماعة فى بناء مسجد فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر (فإن كل بقعة من المسجد مسجد، كما لا يخفى). وقد شاهدنا كثيراً من المساجد فى طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة وهى غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود (وروى البيهقى فى الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان وزاد: قلت: وهذه المساجد التى فى الطرق؟ قال: نعم. وللطيرانى نحوه من حديث أبى قرصافة وإسنادهما حسن اهـ من "فتح البارى" ملخصًا (٤٥٤:١). وفيه أيضا قوله: يبتغى به وجه الله أى يطلب به رضا الله، والمعنى بذلك الإخلاص. قال ابن الجوزى: من كتب اسمه على المسجد الذى يبينه كان بعيداً من الإخلاص اهـ وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدًا بأن يكتفى بتحويطها من غير بناء، وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدًا؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو المتجه. وكذا قوله: بنى حقيقة فى المباشرة بشرطها لكن المعنى يقتضى دخول الأمر بذلك أيضًا، وهو المنطبق على استدلال عثمان رضى الله عنه، فإنه استدل بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه، وقوله: مثله أى مثله فى الشرف. والمراد: أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا، قاله النووى، أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا غير مع قطع النظر عن غير ذلك. (فلا يرد أن الحسنة بعشر أمثالها فكيف يكون مثله؟) مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة، إذ موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها، كما ثبت فى الصحيح. وقد روى أحمد من حديث واثلة: ((بنى الله له فى الجنة أفضل منه)). وللطبرانى من حديث أبى أمامة بلفظ: أوسع منه. وهذا يشعر بأن المثلية لم يقصد بها المساواة من كل وجه، وفيه إشارة إلى دخول فاعل ذلك الجنة، إذ المقصود بالبناء له أن يسكنه إلا بعد الدخول والله أعلم اهـ ودلالته على معنى الباب ظاهرة. ج - ١٣ فضل بناء المسجد ١٩٦ ٤٥٦٤- عن عائشة رضى الله عنها فى حديث الهجرة ومقدم النبى عيّةٍ المدينة قالت: فلبث رسول الله عَ لّ فى بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلةً وأسس المسجد الذى أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله عليه، ثم ركب راحلته، فسار يمشى معه . الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول عّ لّه بالمدينة ،وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدًا للتمر لسهيل وسهل - غلامين يتيمين فى حجر سعد بن زرارة- فقال رسول الله عَ ◌ّم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل. ثم دعا رسول الله عَّه الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله! فأبى رسول الله عَّ الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله عَ ل ينقل معهم اللبن فى بنيانه، ويقول: أهذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: «اللهم إن الأجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة» الحديث، أخرجه البخارى مطولا. قال الحافظ فى "الفتح" (١٩٣:٥): وذكر الزبير من طريق مجمع بن يزيد قال قائل من المسلمین فى ذلك: ذاك إذا للعمل المضلل لئن قعدنا والنبى يعمل قوله: عن عائشة إلخ، دلالته على فضل بناء المسجد ومنزلته عند الله ظاهرة، وأى عمل أفضل من عمل قد باشره النبى معَّ ◌ُلٍّ بيده الكريمة فدينا بأبنائنا وأمهاتنا. هو الروح فى هذا الوجود المصور فدته نفوس العالمین فإنه وفيه: أن المسجد النبوى مما قد وقفه النبى عّ لّه بنفسه بعد ما ابتاع البقعة من الغلامين، فيالها من منقبة ظاهرة وفضيلة باهرة ورفعة نيرة زاهرة قد حواها هذا المسجد الشريف والمحل المبارك المنيف. تحقیق مسجد أسس على التقوى من أول يوم: وكون مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم لا يستلزم أفضليته من المسجد النبوى؛ فإنه قد أسسه النبى عَّه ولم يعمل فيه بيديه ولم ينقل معهم اللبن فى بنيانه، وهذا قد أسسه النبى معَّ ◌ُلِّ بعد ما اشترى أرضه ووقفه لله عز وجل، وعمل فيه بيديه الكريمتين، ونقل معهم اللبن فى بنيانه مع ما اتفق من طول إقامته عّ لّه بمسجد المدينة بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أيامًا قلائل، ١٩٧ فضل بناء المسجد إعلاء السنن ومن طريق أخرى عن أم سلمة نحوه وزاد: قال: وقال على بن أبى طالب: يذاب فيها قائما وقاعدا لا يستوى من يعمر المساجدا ومن يرى عن التراب حائدا وكان بناؤه بأمر جزم من الله لنبيه، بخلاف مسجد قباء فإن بنائه كان برأى بعض الصحابة رضى الله عنهم، فقد روى يونس بن بكير فى زيادات المغازى عن المسعودى عن الحكم بن عتيبة قال: لما قدم النبى معَّ ◌ُلّه فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله مُّه بد من أن نجعل له مكانًا يستظل به إذا استيقظ ويصلى فيه؟ فجمع حجارة فبنى مسجد قباء اهـ فهو أول مسجد بنى يعنى بالمدينة، وهو فى التحقيق أول مسجده صلى رسول الله عَ لّه فيه بأصحابه جماعةً ظاهرا، أو أول مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة وإن كان قد تقدم بناء غيره من المساجد، لكن لخصوص الذى بناها. كما فى حديث عائشة فى بناء أبى بكر مسجده، وروى ابن أبى شيبة عن جابر قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله عَّ له بسنين نعمر المساجد ونقيم الصلاة. وقد اختلف فى المراد بقوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء. وهذا هو ظاهر الآية، وروى مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه سألت رسول الله عَ ◌ّه عن المسجد الذى أسس على التقوى؟ فقال: هو مسجدكم هذا اهـ. والحق أن كلا منهما أسس على التقوى (ولمسجد المدينة مع هذه الفضيلة فضائل كثيرة قد اختص به دون مسجد قباء. منها أنه من المساجد الثلاثة التى لا تشد الرحال إلا إليها، وصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، ومن صلى فيه أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار وبراءة من العذاب، وبرىء من النفاق، رواه أحمد والطبرانى بسند رجاله ثقات، كما فى "مجمع الزوائد" (٨:٤) وما بين منبره وبيته عّ لّ روضة من رياض الجنة) وقوله تعالى فى بقية الآية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ يؤيد كون المراد مسجد قباء. وعند أبى داود بسند صحيح عن أبى هريرة مرفوعًا: نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ فى أهل قباء. وعلى هذا فالسر فى جوابه معَّه بأن المسجد الذى أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء، والله أعلم. قال الداودى وغيره: ليس هذا اختلافًا لأن كلا منهما أسس على التقوى اهـ "فتح البارى" ملخصًا (١٩١:٧). وقد تقدم عن الحافظ فى "الفتح" أنه قال فى (باب وقف الأرض للمسجد): لم يختلف العلماء فى مشروعية ذلك لا من أنكر الوقف ولا من نفاه اهـ (٣٠٣:٥) ولعل ذلك هو منشأ رغبة ١٩٨ ج - ١٣ باب الوقف على مصالح المسجد وحكم ما یمهدی إليه من الأموال ٤٥٦٥- قال الواقدی: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزیز عن حكيم بن حكيم عن أبى جعفر أنه حبس مالا على سقى ماء فى المسجد. رواه الخصاف فى أحكام الأوقاف له (ص:١٧)، وسنده حسن. ٤٥٦٦- عن أبى وائل قال: جلست إلى شيبة فى هذا المسجد فقال: جلس إلى عمر فى مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. فقال: هما المرآن يقتدى بهما: رواه أحمد والبخارى (نيل ٢٧٤:٥). الناس فى بناء المساجد أكثر من رغبتهم فيما سواه عن الوقوف، لكون وقف المسجد مجمعًا عليه دون ما سواه، والله تعالى أعلم. باب الوقف على مصالح المسجد وما يهدى إليه من الأموال قوله: قال الواقدى إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، والوقف على المسجد ليس كالمسجد فى حرمة البيع والاستبدال مطلقًا، ففى "الفتاوى الظهيرية": سئل الحلوانى عن أوقاف المسجد إذا تعطلت وتعذر استغلالها هل للمتولى أن يبيعها ويشترى بثمنها أخرى؟ قال: نعم. وروى هشام عن محمد إذا صار الوقف بحيث لا ينتفع به المساكين فللقاضى أن يبيعه ويشترى بثمنه غيره، وعلى هذا فينبغى أن لا يفتى على قوله برجوعه إلى ملك الواقف وورثته بمجرد تعطله أو خرابه، بل يشترى بثمنه وقف يستغل، ولو كانت غلته دون غلة الأول كذا فى "البحر" (٢٥٢:٥)، وسيأتى بسط ذلك فى الباب الآتى، إن شاء الله تعالى. حكم كنز الكعبة: قوله: عن أبى وائل إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": قوله: صفراء ولا بيضاء أى ذهبًا ولا فضةً. قال القرطبى: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز الذى بها، وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة. وأما الحلى فمحبسة عليها كالقناديل فلا يجوز صرفها فى غيرها. وقال ابن الجوزى: كانوا فى الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيمًا لها فيجتمع فيها اهـ. قال الحافظ: ودار نحو هذه القصة بين عمر أيضًا وأبى بن كعب أخرجه عبد الرزاق وعمر بن شبة من طريق الحسن أن عمر أراد أن يأخذ كن الكعبة فينفقه فى سبيل الله، ١٩٩ الوقف على مصالح المسجد وما يهدى إليه من الأموال إعلاء السنن ٤٥٦٧- عن عائشة رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة فى سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأُدخلت فيها من الحجر)). رواه مسلم (نيل الأوطار ٢٧٤:٥). فقال له أبى بن كعب: قد سبقك صاحباك، فلو كان فضلا لفعلاه، لفظ ابن شبة وفى رواية عبد الرزاق: فقال له أبي بن كعب: والله ما ذاك لك، قال: ولم؟ قال: أقره رسول الله عَّ ◌ُّه، قال ابن بطال: أراد عمر لكثرته -أى لكثرة الكنز - إنفاقه فى منافع المسلمين، ثم لما ذكر بأن النبى معد له لم يتعرض له أمسك وإنما تركا ذلك -والله أعلم- لأن ما جعل فى الكعبة وسبل لها يجرى مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفى ذلك تعظيم الإسلام وترهيب العدو اهـ، قال الحافظ: أما التعليل الأول فليس بظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تركه مرّ ه لذلك رعايةً لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم .. ويؤيده ما وقع عند مسلم فى بعض طرق حديث عائشة فى بناء الكعبة: لأنفقت كنز الكعبة، ثم ذكر الحديث المذكور فى المتن. وقال: فهذا التعليل هو المعتمد. وحكى الفاكهى فى كتاب مكة أنه معَ ◌ّه وجد فيها يوم الفتح ستين أوقيةً (ولعل هذا غير ما فيه(١) من الكنز المدفون فإنه أزيد من ذلك بكثير) فقيل له: لو استعنت بها على حربك! فلم يحر كه، وعلى هذا فإنفاقه(٢) جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم، لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله فى الحديث: فى سبيل الله لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما يتعلق بها، فيرجع إلى أن حكمه حكم التحبيس، ويمكن أن يحمل قوله: فى سبيل الله على ذلك، لأن عمارة الكعبة يصدق عليه أنه فى سبيل الله اهـ ملخصًا (٣٦٤:٣). قلت: هذا الذى ذكره الحافظ احتمالا جزم به النووى فى "شرح مسلم" له حيث قال: فيه دليل لجواز إنفاق "كنز الكعبة" ونذورها الفاضلة عن مصالحها فى سبيل الله لكن جاء فى (١) وأخرج الأزرقى فى تاريخه أن النبى مَنَ ◌ّه وجد فى الجب الذى فى الكهبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى للبيت وإن على أبى طالب رضى الله عنه قال: يا رسول اللها لو استعنت بهذا المال على حربك! فلم يحركه، ثم ذكر لأبى بكر فلم يحركه، وأخرج أيضًا أن الحسين بن الحسين العلوى عمد إلى خزانة الكعبة فى سنة مائتين من الفتنة حين أخذ مكة فأخذ مما فيها مالا عظيمًا وقال: ما تصنع الكعبة بهذا المال؟ نحن أحق به تستعين به على حربنا، كذا فى تاريخ مكة لابن ظھیرة (ص٩٤). (٢) قلت: كلا وإلا لأخذه ابن الزبير وأنفقه فى حروبه وله حاجة إليه فدل بناؤه البيت وتركه "الكنز" على جواز هذا دون ذلك، ولا حجة فى فعل الحسين بن الحسين العلوى فى سنة مائتين، كما لا يخفى. ٢٠٠ ج - ١٣ باب حکم حصیر المسجد وحشیشه ونقضه إذا استغنى عنه ٤٥٦٨- روى الفاكهى فى كتاب مكة من طريق علقمة بن أبى علقمة عن أمه رواية: لأنفقت "كنز الكعبة" فى بنائها، وبناؤها من سبيل الله، فلعله المراد بقوله: فى الرواية الأولى: فى سبيل الله، والله أعلم. ومذهبنا أن الفاضل من وقف المسجد أو غيره لا يصرف فى مصالح مسجد آخر ولا غيره، بل يحفظ دائمًا للمكان الموقوف عليه الذى فضل منه، فربما احتاج إليه والله أعلم اهـ (٤٢٩:١). التمليك للمسجد صحيح: قلت: وفى الحديث دليل لما قاله علماءنا من أن التمليك للمسجد صحيح ففى "الهندية": رجل أعطى درهمًا فى عمارة المسجد، أو نفقة المسجد، أو مصالح المسجد صح، لأنه إن كان لا يمكن تصحيحه وقفًا يمكن تصحيحه تمليكًا للمسجد، وإثبات الملك للمسجد على هذا الوجه صحيح، فيتم بالقبض كذا فى الواقعات. وقال: وهبت دارى للمسجد أو أعطيتها له صح ويكون تمليكًا، ويشترط التسليم. كما لو قال: وقفت هذه المائة للمسجد يصح بطريق التمليك إذا سلمه للقيم، كذا فى "الفتاوى العتابية" اهـ (٣: ٢٤٠). حکم الفاضل من وقف المسجد: ومذهبنا فى الفاضل من وقف المسجد كمذهب الشافعية بعينه لا يجوز صرفه فى مصالح مسجد آخر ولا غيره، بل يحفظ له دائمًا. قال ابن ظهيرة الحنفى فى تاريخ مكة: تختص الكعبة الشريفة بما يهدى إليها وما ينذر لها من الأموال، وامتناع صرف شىء منها إلى الفقراء والمصالح إلا أن يعرض لها لنفسها عمارة فيصرف فيه وإلا فلا یغیر شىء عن وجهه نبه علیه الزر کشی من الشافعية اهـ (ص٩٤) أى وقواعدنا تساعده قال فى الهندية: مال موقوف على المسجد الجامع واجتمعت من غلته، ثم نابت الإسلام نائبة مثل حادثة الروم، واحتج إلى النفقة فى تلك الحادثة إن لم يكن للمسجد حاجة للحال فللقاضى أن يصرفه فى ذلك، لكن على وجه القرض فيكون دينًا فى مال الفىء اهـ (٢٤٢:٣)، وبالجملة فكنز الكعبة لا يجوز صرفه لا فى مصالحها دون ما سواها من منافع المسلمين، اللهم إلا أن يكون على وجه القرض، فيكون دينًا فى بيت مال المسلمين، والله تعالى أعلم. باب حکم حصیر المسجد وحشیشه ونقضه إذا استغنى عنه قوله: روى الفاكهى إلخ، قال الموفق فى "المغنى": وما فضل من حصر المسجد وزينته،