Indexed OCR Text

Pages 1-20

حا
٧
إغلا السُّنْنَ
تأليف
الحَّالتَّاقِ الْعَلامِ مُو ◌َلاَنَاظّفِرَ اجِدِالجُمَا فِى الَّهَانُوِيَّاللّ
على ضوء ما أفاده
نجَكْمِ الأُفِالأمرِالفِفَةِ الدَّاعِيِكَبِيرَنا السَّيْع الشُّفَ بَلَى التّائِ
أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى
أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة
الجزء الثالث عشر
إدارة القُرَارِوَالَعَاوُ الإسْلاَمِيَ
أشرف منزل د/ ٤٣٧، كماردن السبت، كراتشى، باكستان

إدارة القرآن كراتشى
باكستان
جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن
منع طبع هذا الكتاب أو حرا س بخر طرق الطبع
والتصوير والنقل ، التسخير المرضى و غيرها.
VIA RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QU KAN
NO part of this book min Fo reproduced or
tithzed m amy hamen by my the tts
الطبعة الأولى
١٤٠١ هـ
الطبعة الثانية :
١٤٠٥ هـ
الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر:
١٤١٥ هـ
بإدارة القران كراتشى.
الصفي والطبع:
نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين
نعیم أُشرف نور أحمد
٠٠٠
على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه:
فهیم اشرف نور أحمد
أشرف على طباعته :
من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گارژن ایست کراتشي ٥ باکستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً من :
باب العمرة مكة المكرمة
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
مكتبة الإيمان
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد
١٩٠ انار كلى لاهور
إداره اسلاميات

٣
ج - ١٣
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب اللقيط
باب أن نفقة اللقيط فی بیت المال وهو حر
٤٣٩٥- مالك: عن ابن شهاب الزهرى عن سنين(١) أبى جميلة رجل من بنى
سليم أنه وجد منبوذًا فى زمن عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب،
فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعةً فأخذتها، فقال له عريفه:
يا أمير المؤمنين! إنه رجل صالح، قال: كذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: اذهب به فهو حر
وعلينا نفقته. رواه مالك فى "الموطأ" فى كتاب الأقضية، وعن مالك رواه الشافعى فى
مسنده ومن طريق الشافعى رواه البيهقى فى "المعرفة"، وقال: وعن الشافعى يرويه عن
مالك ويقول فيه: وعلينا نفقته من بيت المال. قال الدارقطنى: وقد رواه عن مالك
جويرية بن أسماء، وزاد فيه زيادة حسنة، وذكر أبو جميلة أنه أدرك النبى عدة، وحج
معه حجة الوداع قال: وهى زيادة صحيحة، انتهى (زيلعى ١٦٢:٢).
باب أن نفقة اللقيط فی بیت المال و هو حر
قوله: مالك إلى قوله حدثنا سفيان إلخ، دلالة الأثرين على معنى الباب ظاهرة، واللقيط فى
اللغة: ما يلقط، أى يرفع من الأرض فعيل بمعنى مفعول، ثم غلب على الصبى المنبوذ؛ لأنه على
عرض أن يلقط من باب وصف الشىء بالصفة المشارفة، مثل "من قتل قتيلا فله سلبه" وفى
الشريعة: اسم لمولود طرحه أهله خوفاً من الغيلة، أو فرارا من تهمة الزنية، مضيعه آثم، ومحرزه
غانم لما فى إحرازه من إحياء النفس، فإنه على شرف الهلاك، وإحياء الحى بدفع سبب الهلاك عنه،
قال الله تعالى: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾، ولهذا كان رفعه أفضل من تركه، لما فى
تركه من ترك الترحم على الصغار، قال عليه الصلاة والسلام: ((من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر
(١) توفى "الموطأ ض: ٣٠° عن ستين بن أبى جميلة اهـوفى "التقريب ص: ٨٠°: سنين مصغراً أبو جميلة بفتح الجيم صحابى
صغير، له فى البخارى حديث واحد اه، وفى "التلخيص الحبير": وقع فى نسخ الرافعى سنين ابن جميلة، والصواب: سنين
أبو جميلة، وهو صحابى معروف لم يصب من قال: إنه مجهول اهـ (٢٦٢:٢).

٤
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
٤٣٩٦- حدثنا: سفيان الثورى عن زهير بن أبى ثابت عن ذهل بن أوس عن تميم
أنه وجد لقيطا، فأتى به إلى على فألحقه على على مائة رواه عبد الرزاق (زيلعى ١٦٢:٢)
كبيرنا فليس منا)) وفى رفعه إظهار الشفقة على الأطفال، وهو من أفضل الأعمال، فلهذا ندب
التقاط اللقيط، ووجب إن غلب على ظنه ضياعه، قال المحقق فى "الفتح": وإلزام التقاطه إذا خيف
هلاكه مجمع عليه اهـ (٣٤٣:٥).
قال فى "الهداية": واللقيط حر، ونفقته فى بيت المال، لأن ميراثه لبيت المال، والخراج
بالضمان اهـ. وقال الحافظ فى"الفتح": أشار البخارى إلى ترجيح قول الجمهور: إن اللقيط حر،
وولاءه فى بيت المال وإلى ما جاء عن النخعى، أن ولاءه للذى التقطه، واحتج بقول عمر لأبى
جميلة فى الذى التقطه: اذهب فهو حر، وعلينا نفقته، ولك ولاءه، رواه عبد الرزاق عن مالك،
وفى آخره: هو حر وولاءه لك ونفقته من بيت المال (دراية ص: ٢٧٤). وتقدم هذا الأثر معلقا
بتمامه فى أوائل الشهادات، وذكرت هناك من وصله، وأجبت عنه بأن معنى قول عمر: لك ولاؤه
أى أنت الذى تتولى تربيته والقيام بأمره، فهى ولاية الإسلام لا ولاية العتق، والحجة لذلك صريح
الحديث المرفوع: ((إنما الولاء لمن أعتق)) (متفق عليه) فاقتضى أن من لم يعتق لا ولاء له؛ لأن العتق
يستدعى سبق ملك، واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط؛ لأن الأصل فى الناس الحرية، إذ
لا يخلو المنبوذ أن يكون ابن حرة فلا يستزق، أو ابن أمة قوم فميراثه لهم، فإذا جهل وضع فى بيت
المال، ولا رق عليه للذى التقطه، وجاء عن على: "أن اللقيط مولى من شاء" (أى بعد ما يبلغ.
الحلم)، وبه قال الحنفية إلى أن يعقل عنه، فلا ينتقل بعد ذلك عن من عقل عنه اهـ (٣٤:١٢).
قال المحقق فى "الفتح": وقول الشافعى وباقى الأئمة: التقاطه فرض كفاية إلا إذا خاف
هلاكه ففرض عين يحتاج إلى دليل الوجوب قبل الخوف اهـ، أى فالصحيح قولنا: إن الالتقاط
مندوب إليه)، وإن غلب على ظنه ضياعه فواجب، ودليله قول عمر لأبى جميلة: " ما حملك على
أخذ هذه النسمة؟ إلخ، فلو كان الالتقاط واجبًا قبل الخوف لم يكن لهذا السؤال معنى، وقال فى
"الهداية": فإن التقطه رجل لم يكن لغيره أن يأخذه منه اهـ. ودليله ما ذكره محمد من حديث
الحسن البصرى: أن رجلا التقط لقيطا، فأتى به عليا رضى الله عنه، فقال: هو حر، ولأن أكون
وليت من أمره مثل الذى وليت منه أحب إلى من كذا وكذا، فحرص على ذلك، ولم يأخذه منه
بالولاية العامة وهى الإمامة، لأنه لا ينبغى للإمام أن يأخذه من الملتقط إلا بسبب يوجب ذلك، لأن
يده سبقت إليه فهو أحق به، ذكره المحقق فى "الفتح" (٣٤٣:٥). والحديث ب. به محمد كتاب

ج - ١٣
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
قلت: أما زهير بن أبى ثابت فثقة، كما فى "اللسان" (٤٩٢:٢)، وأما ذهل بن أوس
فلم أجد من ترجمه.
اللقيط فى مبسوطه، كما فى "مبسوط السرخسى" (٢٠٩:١٠)، واحتجاج المجتهد بحديث
تصحيح له، والله تعالى أعلم.
وأخرج محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: ما أنفقت على
اللقيط تريد به وجه الله تعالى فليس عليه شىء، وأما ما أنفقت عليه تريد أن يكون لك عليه فهو لك
عليه، قال محمد: هذا كله تطوع، لا يرجع على اللقيط بشىء، وهو قول أبى حنيفة (جامع
المسانيد ٧٦:٢)، ومن لم يتبرع بالإنفاق وقصد أن ينفق عليه من بيت المال لزمه أن يأتى به الإمام
كما فعل أبو جميلة، وإذا جاء به الإمام لا يصدقه، فيخرج نفقته من بيت المال إلا أن يقيم بينة على
الالتقاط، لأنه عساه يكون ابنه، ولذا قال عمر: عسى الغوير أبوسًا.
أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عنه (زيلعى ١٦٢:٢) والوجه أنه لا يتوقف على
البينة بل ما يرجح صدقه ألا ترى أن عمر لما قال عريفه: إنه رجل صالح أنفق عليه، فإن هذه البينة
لم تكن على أوضاع البينات، قاله المحقق فى "الفتح" (٣٤٣:٥) وإذا فرض الإمام نفقته من بيت
المال ثم أنفق الملتقط عليه شيئًا من عند نفسه لحاجة اللقيط إليه، ونوى الرجوع فله أن يرجع فى
نفقته ولم يكن متبرعا، والله تعالى أعلم.
وقال الموفق فى "المغنى": إن اللقيط حر فى قول عامة أهل العلم إلا النخعى، قال ابن المنذر:
"أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر" روينا هذا القول عن عمر وعلى رضى الله عنهما، وبه
قال عمر بن عبد العزيز والشعبى والحكم وحماد ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وأصحاب
الرأى ومن تبعهم، وقال النخعى: إن التقطه للحسبة فهو حر، وإن كان أراد أن يسترقه فذلك له،
وذلك قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح فى النظر، فإن الأصل فى الآدميين الحرية،
فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق للعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم
الأصل اهـ (٦: ٢٧٤).
قلت: وقد عرف فى الأصول أن الخلاف اللاحق لا يرفع الإجماع السابق، بل لا يجوز
للمتأخرين خلاف ما أجمع عليه المتقدمون، وقد قال عمر وعلى رضى الله عنهما: بأن اللقيط حر،
ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا، ولعل النخعى ذهب إلى جواز استرقاقه لكون
اللقيط ولد الكافر فى الغالب، فإن المؤمن لا يجترئ على إلقاء الولد مضيعا، وخصوصًا فى زمن

٦
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
٤٣٩٧- عن: سعيد بن المسيب قال: كان عمر إذا أتى باللقيط فرض ما يصلحه
التابعين، وإنما كان ذلك من ديدن الكفار، كانوا يئدون البنات، ويقتلون الأولاد خشية الإملاق،
فلما جاء الإسلام وظهر على الدين كله تركوا الوأد والقتل، وأخذوا يلقون أطفالهم على الطرقات،
وللجمهور أن الرق بمنزلة القتل أيضًا، فلا يسترق المنبوذ ما لم يثبت رقه، والله تعالى أعلم.
ثم راجعت "المحلى" لابن حزم فوجدت النخعى يروى ذلك عن عمر رضى الله عنه.
قال ابن حزم: روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا سفيان عن سليمان هو أبو إسحاق
الشيبانى عن حوط عن إبراهيم النخعى قال: قال عمر: هم مملوكون -يعنى اللقطاء-، (وفى
نسخة: هو مملوك يعنى اللقيط) ومن طريق ابن أبى شيبة نا سفيان هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار
عن الزهرى عن رجل من الأنصار قال: "إن عمر أعتق لقيطا"، ومن طريق ابن أبى شيبة نا و کیع نا
الأعمش عن زهير العبسى أن رجلا التقط لقيطا، فأتى به على بن أبى طالب فأعتقه قال أبو محمد
ابن حزم: لا يعتق إلا مملوك اهـ (٢٧٤:٨). وللجمهور أن هذا مرسل، والخير الموصول عن عمر
وعلى ورد على خلافه، ومعنى ما رواه الزهرى عن رجل عن عمر أنه أعتق لقيطا، وما روی زهير
عن على أنه أعتقه أى حكم بعتقه وحريته فقد روى ابن أبى شيبة: نا وكيع نا شعبة سألت حماد
ابن أبى سليمان والحكم عن اللقيط فقالا جميعًا: هو حر فقلت: عن من؟ فقال الحكم: عن الحسن
عن على، كذا فى المحلى (ص مذكور).
حكم إسلام اللقيط
فائدة فى حكم إسلام اللقيط:
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد فى بلاد المسلمين ميتا فى أىّ ..
مكان وجد أن غسله ودفنه فى مقابر المسلمين يجب، وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين فى مقابر ..
المسلمين، (فهذا كالإجماع على إسلام لقيط وجد فى دار الإسلام) قال: وإذا وجد لقيط فى قرية
ليس فيما إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر، هذا قول الشافعى وأصحاب الرأى،
كذا فى "المغنى" (٢٧٦:٦).
قلت: وعندنا فيه تفصيل، ففى كتاب اللقيط من "المبسوط": العبرة بالمكان فإذا وجده فى
مصر من أمصار المسلمين أو فى قرية من قراهم فهو مسلم، لا فرق فى ذلك بين كون ذلك المصر
كان مصرا للكفار وظهرنا عليهم أولا، ولا بين كونه فيه كفار كثيرون أولا، وإن وجد فى قرية من
قرى أهل الذمة أو فى بيعة أو كنيسة فى دار الإسلام كان ذميا، وفى كتاب الدعوى: اختلفت

٧
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو جر
ج - ١٣
رزقا يأخذه وليه فى كل شهر، ويوصى به خيرًا، ويجعل رضاعه فى بيت المال ونفقته.
النسخ ففى بعض النسخ: اعتبر الواجد فى الفصلين، لأن اليد أقوى من المكان، ألا ترى أن الصبى
المسبى مع أحد الأبوين إلى دار الإسلام يكون كافرا لا يصلى عليه إذا مات، وفى بعض نسخه:
اعتبر الإسلام أى ما يصير الولد به مسلمًا نظرًا للصغير.
قال المحقق فى "الفتح": "ولا ينبغى أن يعدل عن ذلك، فعلى هذا إذا وجده كافر فى
دار الإسلام أو مسلم فى كنيسة كان مسلمًا، فصارت الصور أربعا: اتفاقيتان، وهو ما إذا وجده
مسلم فى قرية من قرى المسلمين فهو مسلم، أو كافر فى نحو كنيسة فهو كافر، واختلافيتان: وهما
مسلم فى نحو كنيسة، أو كافر فى نحو قرية للمسلمين اهـ (٣٤٦:٥).
قلت: وقد علمت أن الراجح فى الاختلافيتين كونه مسلما، ويستأنس لهذا بقول
النبى معَّ: ((كل مولود يولد على الفطرة))، وقوله: ((الإسلام يعلو ولا يعلى))، رواه الحاكم وأحمد
وأبو داود عن معاذ بلفظ: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) رواته ثقات إلا أنه منقطع، كما فى "العزيزى"
. (١٢٠:٢) وليس يد الواجد كيد أحد الأبوين، فلا يقاس على الصبى المسبى مع أحد أبويه، فافهم.
حكم الإنفاق على اللقيط:
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إن اللقيط إذا لم يوجد معه شىء لم يلزم الملتقط الإنفاق
عليه فى قول عامة أهل العلم. وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة
اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة الولد، وذلك لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة
والزوجية والملك والولاء منتفية، والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك وتبرع بحفظه، فلا يوجب
ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط، وتجب نفقته فى بيت المال، لقول عمر رضى الله عنه فى
حديث أبى جميلة: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه وعليه نفقته.
وفى رواية: من بيت المال، ولأن بيت المال وارثه، وماله مصروف إليه، فتكون نفقته عليه
كقرابته ومولاه، فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال لكونه لإ مال فيه أو كان فى مكان لا إمام فيه
أو لم يعط شيئا فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه، لقول الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر
والتقوى﴾، ولأن فى ترك الإنفاق عليه هلاكه، وحفظه عن ذلك واجب كإنقاذه من الغرق، وهذا
فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين فإن تركه الكل أثموا، ومن أنفق عليه متبرعا فلا شىء له
سواء كان الملتقط أو غيره، وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع
عليه إذا أيسر، وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف، وبهذا

٨
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
رواه ابن سعد بسند فيه الواقدى. (دراية ص: ٢٧٤) قلت: وهو مختلف فيه وقد وثق.
قال الثورى والشافعى وأصحاب الرأى، وإن أنفق بغير أمر الحاكم محتسبا بالرجوع عليه فقال ....
أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال. وقال شريحَ والنخعى: يرجع عليه بالنفقة إذا أُشهد عليه، وقال "
عمر بن العزيز: يحلف ما أنفق احتسابا فإن حلف استسعى، وقال الشعبى ومالك والثورى
والأوزاعى وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعى وابن المنذر: هو متبرع به اهـ (٦: ٣٨٠).
قلت: وقد مر دلیل ما ذهبنا إليه، فتذكر.
لا یکون الحكم بإسلام اللقيط يقينًا بل ظاهرا.
فائدة: وفى الموضع الذى حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا لا يقينًا لأنه يحمل أن يكون
ولد كافر، فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على فراشه حكمنا له به، وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه
إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره وإن وصف الكفر.
وهو ممن حكم بإسلامه فهو مرتد لا يقر على كفره، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر القاضى وجها أنه.
يقر على كفره، وهو منصوص الشافعى، لأن قوله أقوى من ظاهر الدار، وهذا وجه مظلم؛ لأن .
دلیل الإسلام وجد عریا عن المعارض وثبت حكمه واستقر، فلم يجز إزالة حكمه بقوله، كما لو.
كان ابن مسلم، وقوله: لا دلالة فيه أصلا، لأنّه لا يعرف فى الحال من كان أبوه؟ ولا ما كان دينه؟
وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه، فعلى هذا إذا بلغ استثيب ثلاثا وإلا قتل اه من "المغنى" (٣٨٦:٦) ..
حكم ميراث اللقيط:
فائدة: ميراث اللقيط لبيت المال، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وأكثر أهل العلم، وقال
شريح وإسحاق: عليه الولاء لملتقطه، لما روى واثلة بن الأسقع مرفوعًا: ((المرأة تحوز ثلاثة مواريث :.
عتيقها ولقيطها وولدها الذى لاعنت عليه)) أخرجه أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن، وقال
عمر لأبى جميلة فى لقيطه: هو حر ولك ولاءه وعلينا نفقته، ولنا: قول النبى ◌ّ: (إنما الولاء لمن
أعتق)) متفق عليه. ولأنه لم يثبت عليه رق ولا على آباءه فلم يثبت عليه ولاء كالمعروف نسبه،
وحديثُ واثلة لا يثبت، قال ابن المنذر: وخبر عمر يحتمل أنه عنى بقوله:"لك ولاؤه" أى لك
ولايته والقيام به وحفظه، ولذلك ذكره عقيب قول غريفه؛ إنه رجل صالح، وهذا يقتضى تفويض
الولاية إليه لكونه مأمونا عليه دون الميراث، إذا ثبت هذا فإن حكم اللقيط فى الميراث حكم من
ثبت نسبه، وانقرض أهله يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث اهمن "المغنى" ملخصا
(٣٨٣:٦). ودليله قوله عَّ: ((فالسلطان ولى من لا ولى له))، وقد تقدم فى كتاب النكاح.

ج - ١٣٫
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو: حر
٠
٩
وأما حديث واثلة ففيه عمر بن روبة التغلبى، قال البخارى: فيه نظر، وسئل عنه أبو حاتم الرازى، ...
فقال: صالح الحديث، قيل: تقوم به الحجة؟ فقال: لا، ولكن صالح، وقال الخطابي: هذا الحديث.
غير ثابت عند أهل النقل، وقال البيهقى: لم يثبت البخارى ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض
رواته، كذا فى "النيل" (٣٢٠:٥). وقال الحافظ فى الفتح": قال البيهقى: ليس بثابت، وحسنه.
الترمذى وصححه الحاكم، وليس فيه سوى عمر بن روبة مختلف فيه، قال البخارى: فيه نظر، ...
ووثقه جماعة اهـ (٢٦:١٢).
قلت: وهو على تقدير صحته مؤول بأن المراد باللقيط الحميل أى ولد الزنا، فإن سياق ...
الحديث مشعر باختصاص المرأة بتلك المواريث، ولا تختص بميراث لقيطها إلا إذا حمل على ما ..
ذكرنا، فإن قيل: إنها تختص بميراث العتيق، قلنا: تختص به حيث لا ترث معتق الغيرة بخلاف .....
الرجل فإنه يرث عتيقه وعتيق أبيه وابنه مثلا، ويحتمل أن يقال فى وجه تخصيص المرأة بالذكر:
إنها تأخذ من هذه الثلاثة كل المال بخلاف عامة المواريث، كذا فى "الإرشاد الرضى"، وفيه: أنه
لا يستقيم فى ولد لاعنت عليه، ومات عن أم وابن، فللأم السدس، وللابن ما بقى، هذا هو مذهب
الحنفية، كما سيأتى فى باب الفرائض، فافهم.
وفى حاشية الترمذى عن "المجمع: الحديث غير ثابت عند أهل النقل، وأخذها ميراث
عتيقها متفق عليه، وأما ميراث اللقيط، فمحمول على أنها أولى الناس بأن يصرف إليها تركته،
لا على طريق التوارث، انتهى (٣٣:٢). وحاصله: أنها تجوز ميراث عتيقها بالعصوبة وميراث
لقيطها بالتبرع، وميراث من لاعنت عنه بالفريضة، والله تعالى أعلم.
جـ
- قلت: وإذ عرفت معنى قول عمر: ولك ولاؤه، ففيه دليل لما قاله علماؤنا: إن للملتقط
الإنفاق عليه من ماله بغير إذن الحاكم، لأنه ولى له كوصى اليتيم، وقال الشافعى: ليس له أن ينفق
بغير إذن الحاكم فى موضع يجد حاكما، وإن أنفق ضمن بمنزلة ما لو كان لأبى الصغير ودائع عند .
إنسان فأنفق عليه منه، وذلك لأنه لا ولاية له على ماله، وإنما له حق الحضانة، ولنا ما ذكرناه،
ولا نسلم أنه لا ولاية له على ماله، فقد بينا أن له أخذه وحفظه وهو أولى الناس به، والفرق بين
اللقيط وبين ما قاسوه عليه أن الملتقط ينفق عليه من ماله بخلاف المستودع؛ فإنه ينفق على ولد
المودع لا من ماله بل من مال أبيه، والله تعالى أعلم.
فائدة: قال الموفق فى "المغني" (٣٩١:٦): إذا ادعى أحد نسب اللقيط، فلا تخلو من

١٠
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
قسمين: أحدهما: أن يدعیه واحد ينفرد بدعواه، فإن كان المدعى رجلا مسلما حرا لحق نسبه به
بغير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن أن يكون منه، لأن الإقرار محض نفع للطفل لاتصال نسبه،
ولا مضرة على غيره فيه فقبل، كما لو أقر له بمال، فإن كان المقر به ملتقطه أقر فی یده، وإن كان
غيره فله أن ينزعه من الملتقط، لأنه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق بولده، كما لو قامت به بينة، وإن
كان المدعى له عبدا لحق به أيضًا، واللقيط حر لأن لمائه حرمة فلحق به نسبه كالحر، وهذا قول
الشافعى وغيره، غير أنه لا يثبت له حضانة لأنه مشغول به بخدمة سيده، ولا تجب عليه نفقته لأنه
لا مال له، ولا على سيده لأن الطفل محكوم بحريته، فتكون نفقته فى بيت المال، وإن كان المدعى
ذميا لحق به لأنه أقوى من العبد فى ثبوت الفراش (واللقيط مسلم)، وقال أبو ثور: لا يلحق به لأنه
محكوم بإسلامه، ولنا أنه أقر بنسب مجهول النسب، وليس فى إقراره إضرار بغيره فيثبت إقراره
كالمسلم، وإنما يلحق به فى النسب لا فى الدين، ولا حق له فى حضانته، (بل ينزع من يده إذا
قارب أن يعقل الأديان، كما قلنا فى الحضانة إذا كانت أمه المطلقة كافرة (فتح القدير).
قلت: والقسم الثانى: أن يدعى نسبه اثنان، أحدهما الملتقط، فإن كان دعواهما معًاً فالملتقط
أولى، لأنهما استويا فى الدعوى، ولأحدهما يد فكان صاحب اليد أولى، لما رواه أبو داود والضياء
عن أم جندب بنت نميلة عن أمها سويدة بنت جابر عن أمها عقيلة بنت أسمر عن أبيها أسمر بن
نصر بن الطائى مرفوعًا: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له، كذا فى العزيزى (٣٣٩:٣).
وأحاديث الضياء صحاح عند السيوطى، كما ذكره فى مقدمة "كنز العمال"، وأما إذا
ادعياه على التعاقب فالسابق من الملتقط والخارج أولى للحديث المذكور، قال المحقق فى "الفتح":
"وإن ادعياه معا فالملتقط أولى، ولو كان ذميا والخارج مسلما لاستوائهما فى الدعوى ولأحدهما
يد فكان صاحب اليد أولى، ويحكم بإسلام الولد، ثم ثبوت النسب بمجرد دعوى الخارج
استحسان، والقياس أن لا يثبت إلا ببينة، لأنه يتضمن إبطال حق ثابت بمجرد دعواه، وهو حق
الحفظ الثابت للملتقط، وحق الولاء الثابت لعامة المسلمين، وجه الاستحسان أنه إقرار للصبى بما
ينفعه لأنه يتشرف بالنسب، ويتأذى بانقطاعه إذ يعير به، ويحصل له من يقوم بتربيته ومؤنته راغبا
فى ذلك غير ممتن به، ويد الملتقط ما اعتبرت إلا لحصول مصلحته هذه لا لذاتها، ولا لاستحقاق
ملك، وهذا مع زيادة حاصل بهذه الدعوة، فيقدم عليه.
ولو ادعاه اثنان خارجان معاً ووصف أحدهما علامة فى جسده فطابق فهو أولى به من

١١
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
ج - ١٣
الآخر، إلا أن يقيم الآخر البينة فيقدم على ذى العلامة، أو كان مسلما وذو العلامة ذمى فيقدم
المسلم، ولو أقاما البينة وأحدهما ذمى كان ابنا للمسلم، لأن للعلامة أصل فى الشريعة، قال الله
تعالى: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ وقال: ﴿إن كان قميصه قد من قبل﴾ الآية، وإنما شأن العلامة ترجيح
أحد سببى الاستحقاق على الآخر لا إثبات الاستحقاق بها، فلا يرد دعوى اللقطة بالوصف لأن
سبب الاستحقاق هناك ليس مجرد الدعوى بل البينة، فلو قضی له لكان إثبات الاستحقاق ابتداء
بالعلامة وذلك لا يجوز، ولو لم يصف أحدهما علامة کان ابنهما لاستوائهما فى سبب
الاستحقاق وهو الدعوى، وكذا لو أقاما وهما مسلمان، ولو كان دعوة أحدهما سابقة على
الأخرى كان ابنه، ولو وصف الثانى علامة لثبوته فى وقت لا منازع له فيه، وإنما قدم ذو العلامة
للترجيح بنها بعد ثبوت سببى الاستحقاق بينهما، وكلما لم يترجح دعوى واحد من المدعيين يكون
ابن لهما، وعند الشافعى (وأحمد) يرجع إلى القافة على ما قدمنا فى باب الاستيلاء، كذا فى فتح
القدير" (٣٤٤:٥ و ٣٤٥).
تضعيف ما عزاه ابن المنذر إلى الحنفية فى هذا الباب:
قلت: وبهذا التفصيل ظهر ضعف ما ذكره ابن المنذر، كما فى "المغنى": إذا كان عبد امرأته.
أمة فى أيديهما صبى، فادعى رجل من العرب امرأته عربية أنه ابنه من امرأته فأقام العبد بينة بدعواه
أنه ابنه فهو ابنه فى قول أبى ثور وغيره، وقال أصحاب الرأى: يقضى به للعربى للعتق الذى يدخل
فيه اهـ (٣٩٥:٦).
فنسبة هذا القول إلى الحنفية بهذه الصورة باطلة قطعا، فإن ذا اليد عندهم أولى من الخارج
إذا لم يكن لواحد منهما بينة، وكذا السابق فى الدعوى مقدم على المتأخر، وإنما يقدم المسلم على
الكافر، والحر على العبد إذا لم يكن دعوى أحدهما مرجحة على الآخر باليد أو بالسبق أو بالبينة
بأن ادعيا معًا وكلاهما خارجان، أو أقاما البينة وليست إحداهما أكثر إثباتا، قال فى "العناية شرح
الهداية": إذا ادعى اللقيط الحر والعبد وهما خارجان أو المسلم والذمى وهما خارجان دعوى
مجردة فالحر أولى من العبد والمسلم أولى من الذمى، وكذلك إذا أقاما البينة وليست إحداهما أكثر.
إثباتا، وأما إذا كان النزاع بين الملتقط والخارج فالترجيح باليد لقوتها، فإن الملتقط إذا كان ذميا فهو
أولى من المسلم الخارج أهـ. وقال المحقق فى "الفتح": والحر فى دعوته للّقيط أولى من العبد، يعنى
إذا أدعياه، وهما خارجان اهـ (٥: ٣٤٦). فلو كان العبد صاحب اليد كان أولى من الحر، فافهم.

١٢
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
والعجب من "الموفق" أنه كيف يطعن الحنفية بأن قولهم هذا غير صحيح؛ لأن العرب
وغيرهم فى أحكام الله ولحوق النسب بهم سواء، وقد ذكر قبل ذلك بورقتين أنه ليس للعبد التقاط
الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقط سواه، لأن منافعه لسيده فلا يذهبها فى غير نفعه إلا بإذنه، ولأنه
لا يثبت على اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية للعبد، فإن التقطه لم يقر فى يديه إلا أن يأذن له السيد اهـ
(٣٨٧:٦). فإذا كان العبد ممنوعًا من التقاط اللقيط فكيف يكون ادعاءه نسب اللقيط أرجح من
ادعاء الحر نسبه، وهما خارجان ليس واحد منهما سابقا، ولا صاحب اليد، ولا لأحد منهما بينة
تشهد له؟ فافهم.
حكم ما لو ادعت اللقيط امرأة:
فائدة: قال المحقق فى "الفتح": ولو ادعته امرأة لا يقبل إلا ببينة، لأن فيه تحميل النسب على
الغير وهو الزوج، وإن ادعته امرأتان وأقامتا البينة، فهو ابنهما عند أبى حنيفة فى رواية أبى حفص،
وعندهما لا يكون ابن واحدة منهما، وهو رواية أبى سليمان عنه اهـ (٣٤٥:٥).
وذكر الموفق فى "المغنى" عن أحمد فى دعوة المرأة ثلاثة وجوه: الأولى: أن دعوتها تقبل،
ويلحقها نسبه لأنها أحد الأبوين فيثبت النسب بدعوتها كالأب. الثانية: إن كان لها زوج لم يثبت
النسب بدعوتها بغير إقراره ورضاه وإن لم يكن لها زوج قبلت دعواها. الثالثة: إن كان لها إخوة،
أو نسب معروف لا تصدق إلا ببينة، وإن لم يكن لها دافع لم يحل بينها وبينه. قال الموفق:
ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعوتها بحال، وهذا قول الثورى والشافعى وأبى ثور وأصحاب
الرأى، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا يثبت بدعوة المرأة
لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده، ثم نصر الموفق الرواية الأولى، واحتج
بما فى قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب الذئب
بأحدهما فادعت كل واحدة منهما أن الباقى ابنها وأن الذى أخذ الذئب ابن الأخرى، فحكم به
داود للكبرى، وحكم به سليمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما اهـ (٣٩٣:٦). والحديث أخرجه
الشيخان والنسائى، كما فى " جمع الفوائد" (١٧٥:٢).
الرد على الموفق حيث احتج على صحة ادعاء المرأة اللقيط
بقصة قضاء داود وسليمان عليهما السلام
ولا حجة له فيه لكونه واردا على خلاف ما ذهب إليه فى دعوة المرأتين، فقد نص على أنهما

١٣
ج - ١٣
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إن كانتا جميعًا ممن تسمع دعوتهما فهما فى إثباته بالبينة، أو كونه يرى الثقافة مع عدمها
كالرجلين اهـ (٤٠٤:٦).
· وقد اعترف بأن داود وحکم به للکبری، وحكم به سلیمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما
من غير بينة ولا رجوع إلى القافة، فإن احتج به على ثبوت النسب بدعوة المرأة احتججنا به على
بطلان الفيافة، وعدم جواز الحكم بها، لا يقال: لعلهما حكما بالنص، فلم يكن لهما حاجة إلى
القافة، لأنا نقول: لو كان داود حكم بالنص ما ساغ لسليمان أن يحكم بخلافه، وعدم حكم
سليمان بالنص ظاهر من احتياله على إظهار الحق بالتهديد، حيث قال: التونى بالسكين أشقه
بينهما، فالصحيح أن كلاهما حكم بالاجتهاد، فإن قيل: فكيف حكم داود للكبرى من غير دليل؟
قلنا: يحتمل أن الولد الباقى كان فى يد الكبرى، وعجزت الأخرى عن إقامة البيئة.
قال القرطبى: وهذا تأويل حسن جار على القواعد الشرعية، وليس فى السياق ما يأباه،
ولا يمنعه، فإن قيل: فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؟ فالجواب أنه لم يعمد إلى نقض الحكم،
وإنما احتمال بحيلة لطيفة أظهرت ما فى نفس الأمر، وذلك أنهما لما أخبرتا سليمان بالقصة فدعا
بالسكين ليشقه بينهما ولم يعزم على ذلك فى الباطن وإنما أراد استكشاف الأمر فحصل مقصوده
لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة وعدم جزع الكبرى وقولها: نعم، اقطعوه، كما فى
رواية عند النسائى من طريق مسکین بن بكير عن شعيب (فتح البارى ٤٧:١٢).
ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها: "هو ابن الكبرى" لأنه علم أنها آثرت حياته، فظهر له من
قرينة شفقة الصغرى وعدمها فى الكبرى، مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة الدالة على صدقها ما
هجم به على الحكم ببصغرى، ويحتمل (بل هذا هو الظاهر) أن تكون الكبرى فى تلك الحالة
اعترفت بالحق حين قال لها سليمان: لو كان ابنك لم ترض أن يقطع، زاده النسائى من طريق بشير
ابن نهيك عن أبى هريرة (فتح البارى ض ٤٨).
قال النووي: إن سليمان فعل ذلك تحيلا على إظهار الحق، فكان كما لو اعترف المحكوم
بعد الحكم أن الحق لخصمه، وفيه استعمال الخيل فى الأحكام لاستخراج الحقوق، ولا يتأتى ذلك
"إلا بمزيد الفطنة وممارسة الأحوال، كذا فى "فتح البارى" ملخصًا (٣٣٥:٦).
قلت: ولا يخفى أن كل واحدة من المرأتين كانت ذات ولد عند أهل بلدها معروفة بذلك،
وكان ولد كل منهما معروف النسب قبل هذه الدعوة، وقبل التحاكم إلى السلطان، وإنما كان

١٤
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
النزاع فى تعيين الباقى بعد أخذ الذئب واحداً من ولديهما، فالحديث ليس من باب دعوة المرأة
اللقيط فى شىء، لأنه لم يكن الولد لقيطا، ولا المرأة مدعية نسبها، وإنما كانت كل واحدة منهما
تدعى أن الباقى ولدها والهالك ولد الأخرى، فلا حجة فيه لمن يجيز استلحاق المرأة بالزوج، فافهم.
قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن بطال: أجمعوا على يأن الأم لا تسلتحق بالزوج ما ينكره
(إذا لم يكن ولد على فراشه)، فإن أقامت البينة قبلت حيث تكون فى عصمته، فلو لم تكن ذات
زوج، وقالت لمن لا يعرف له أب: هذا ابنى، ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها
ويرثه إخوته لأمه، ونازعه ابن التين، فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط اهـ
(٤٧:١٢)، أى إلا إذا أقامت البينة، كما تقدم.
إذا استوت دعوتا المرأتین من کل وجه کان الولد بينهما:
قلت: وفى قول سليمان: اقطعوه نصفين لهذه نصف ولهذه نصف، دليل على أنه إذا
استوت دعوة المرأتين من كل وجه بأن أقامت كل واحدة منهما البينة على أن اللقيط ولدها كان
الولد بينهما، كما قاله أبو حنيفة فى رواية أبى حفص عنه، فإنه إنما قال: انتونى بالسكين واقطعوه
نصفين لاكتشاف الأمر، ولم ينكشف الأمر بهذه الحيلة جعله بينهما، هذا هو الظاهر المتبادر من
كلامه، وقال الموفق فى "المغنى": وإن ألحقته القافة بأمين لم يلحق بهما وبطل قول القافة، لأنا نعمل
خطأه بيقين، وقال أصحاب الرأى: يلحق بهما بمجرد الدعوى، ولنا أن كونه منهما محال يقينًا،
فلم يجز الحكم به، وفارق الرجلين، فإن كونه منهما ممكن، فإنه يجوز اجتماع النطفتين لرجلين فى
رحم امرأة، فيمكن أن يخلق منهما ولد، كما يخلق من نطفة الرجل والمرأة اهـ (٤٠٥:٦).
قلنا: قد تقرر فى الأصول إذا تعارضت الدعوتان أو البينتان ولم يترجح إحداهما على
الأخرى تساقطتا وصارتا كالعدم، وحكم الحاكم بالمدعى بينهما لاستوائهما، وعدم جواز الترجيح
بلا مرجح، بدليل ما رواه الخمسة إلا الترمذى عن أبى موسى: أن برجلين اختصما إلى رسول
الله عز له فى دابة ليس لواحد منهما بينة فجعله بينهما نصفين، ورواه أبو داود عنه بلفظ: أن رجلين
ادعيا بعيرا فبعث كل منهما بشاهدين، فقسمه النبى معَّه بينهما نصفين، كذا فى "نيل الأوطار"
(٥٦٧:٨). هذا هو الأصل فى تعارض الدعوتين أو البينتين، وبه حكم سليمان عليه السلام فى الولد
: الذى تنازعت فيه المرأتان، فهو الحق الذى لإيحاد عنه، وما ذكره "الموفق" من التعليل لا يسمع
بمعرض النص، والعجب منه يحتج بقصة سليمان على قبول دعوة المرأة نسب اللقيط، ولا يحتج

١٥
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
ج - ١٣
به فى جعل الولد بين المرأتين إذا استوت دعوتاهما، فافهم، ولا تعجل فى الإنكار على الحنفية،
فإنهم أشد الناس اتباعًا للآثار ولله الحمد.
الرد على ابن حزم فى طعنه على أبى حنيفة فى الباب :.
وظهر بما ذكرنا سخافة قول ابن حزم فى "المحلى"، حيث قال: والعجب أنهم قالوا:
لم يحكم أبو حنيفة بأن الولد يكون ابن امرأتين محققا أن كل واحدة منهما ولدته، ولكن أوجب
لكل واحدة منهما حق الأمومة، فقلنا: وهذا جور وظلم وباطل بلا شك أن يوجب بغير أم حكم أم
بلا نص قرآن ولا سنة، ولا قول أحد من خلق الله تعالى قبله إلخ (١٥٢:١٠).
قلنا: فما تقول فى رجلين اختصما إلى رسول الله مَّ له فى دابة ليس لواحد منهما بينة،
أو بعث كل منهما بشاهدين هل كانا صادقين جميعًا؟ كلا بل كان أحدهما كاذبا بيقين، ولكن
النبى عَّه جعلها بينهما نصفين، فهل تقول هذا جور وظلم أن يوجب بغير المالك حكم المالك؟
فما هو جوابك فهو جوابنا، ولا يخفى أنه معَّ إنما جعلها بينهما لعدم علمه بالصادق من الكاذب،
وعدم معرفته بالمالك عينا، فكذلك جعل أبو حنيفة الولد بين المرأتين لعدم العلم بالصادقة من
الكاذبة وعدم المعرفة بالأم عينا، وأيضًا فما تقول فى سليمان عليه الصلاة والسلام حين قال: اقطعوه
نصفين لهذه نصف ولهذه نصف. ولم يقل كقولك: اقرعوا بينهما، أو ادعوا له القافة فهل لأحد
بعد ذلك أن يرمى أبا حنيفة بأنه أتى بقول لم يقله أحد قبله، ولا يساعده نص قرآن ولا سنة؟ وأى
نص أقوى من هذا الحديث الذى مما أخرجه الشيخان والنسائى مرفوعًا، وأيده النصوص الواردة فى
تعارض البينتين والدعوتين؟ وأيضًا فما تقول فى رجلين أو رجال تزوجوا بجهالة امرأة ووطئوها فى
طهر واحد، أو ابتاع رجلان أو رجال أمة فوطئوها كلهم فى طهر واحد، ولم يعرف أيهما الأول
فظهر بها حمل فأتت بولد فتداعوه جميعا؟
فإن قلت: يقرع بينهم فأيهم خرجت قرعة ألحق به الولد وقضى عليه لخصومه بحصتهم
من الدية، كما فى "المحلى" (١٤٨:١٠). قيل: هذا جور وظلم أن يغرم الأب دية ابنه لغير
الآباء، فإن قلت: قد روى ذلك عن على، قلنا: فقد روى التشريك عن سليمان عليه السلام
وأقره النبی مبآ.
وأما قول الموفق: وفارق الرجلين فإن كونه منهما ممكن، ويجوز اجتماع النطفتين لرجلين

١٦
نفقة اللقيط فى بيت المال وهو حر
إعلاء السنن
فى رحم امرأةً إلخ. فباطل لا يساعده نص ولا برهان، غير ما رواه من قول القافة، وأخلق به أن
یکون غلطا وباطلا، والثابت عن رسول الله مګآم یکذب جواز کون ولد من منی رجلين، وهو ما
رواه مسلم بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه
أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك» ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح))
...... الحديث، فصح يقينًا أن ابتداء العدد من حين وقوع النطفة، وبلا شك أن الدقيقة التى تقع فيها
* * النطفة هى غير الدقيقة الى يقع فيها منى الواطئ الثانى، فلو جاز أن يجمع الماءان فيصير منها ولد
واحد لكان العدد مكذوبا فيه، لأنه إن عد من حين وقوع النطفة الأولى، فهو للأول وحده،
فلو استضاف إليه الثانى لابتداء العدد من حين حلول المنى الثانى فكان يكون فى بعض الأربعين
يوما نقص وزيادة بلا شك، والقافة أولى بالكذب، وأهله من النبى الصادق المصدوق عن بيده، فليس
تشريك الرجلين فى الولد لجواز كونه منهما، بل لتعارض الدعوتين واستواءهما من كل وجه،
وعدم جواز الترجيح بلا مرجح، فكذلك المرأتان، وقد تقدم اختلاف الرواية فى ذلك عن أبى
حنيقة، فقد روى أبو سليمان عنه كقولهما: إنه لا يكون ابن واحدة منهما، ولو ادعاه رجلان
لا يلحق بأكثر من اثنين عند أبى يوسف، وهو رواية عن أحمد، وعند محمد لا يلحق بأكثر من
ثلاثة، وقال الشافعى: لا يلحق بأكثر من واحد، كذا فى "المغني" (٤٠١:٦ و ٤٠٢) .. .
وأما ما ذكره ابن حزم فى "المحلى"، قال أبو حنيفة: هو ابنهم كلهم ولو كانوا ألفًا إلخ
(١٥٠:٦). فلم نجد له أصلا فى كتب القوم، وإن صح عنه ذلك، فلا لوم عليه لما عرفت أنه
قد ذهب فى ذلك إلى الآثار الواردة فى تعارض الدعويين والبينتين، وهى بالإجماع تعم الاثنين
والثلاثة والمائة والألف، فلو ادعى ألف دابة بعينها ولا بينه، أو أقام كل واحد منهم بينة حكم
الحاكم باشتراكهم كلهم فيها، فكذلك ههنا، وليس معنى ذلك كونهم كلهم آباء لهذا الولد
حقيقة، بل فيه بيان أن دعوى كل واحد متهم مساوية لدعوى الآخرين، ولا مرجح فجعلنا المدعى
بينهم لعدم جواز الترجيح بلا مرجح شرعًا وعقلا، والمرء يؤخذ بإقراره، فیرت الولد من كل واحد
منهم ميراث الابن كاملا، ولا يرثون منه إلا ميراث أب واحد فقط لاستحالة أن يكون الرجل ابنا
لأكثر من واحد، والله تعالى أعلم.

١٧
ج - ١٣
كتاب اللقطة
باب التقاط اللقطة أفضل بشرط الإشهاد عليها
ويجب إذا خاف الضياع
٤٣٩٨- أخبرنا عبد الوهاب الثقفى ثنا خالد الحذاء عن أبى العلاء يزيد بن
عبد الله بن الشخير عن مطرف بن عبد الله عن عياض بن حمار عن رسول الله عَ ليه
قال: ((من أصاب لقطة فليشهد ذا عدل ثم لا يكتم، وليعرفها سنة، فإن جاء صاحبها
وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء)) رواه إسحاق بن راهويه فى مسنده (زيلعى ١٦٢:٢).
قلت: رجاله رجال الصحيح إلا عياض بن حمار فهو من رجال مسلم صحابى سكن
البصرة (تقريب ١٦٥). والحديث أخرجه أبو داود من طريق الحذاء بسنده بلفظ:
فليشهد ذا عدل أو ذوى عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه
الحديث. قال المنذرى: وأخرجه "النسائى" و"ابن ماجة" (عون المعبود ٦٦:٢).
كتاب اللقطة
باب التقاط اللقطة أفضل بشرط الإشهاد عليها ويجب إذا خاف الضياع
قوله: حدثنا عبد الوهاب الثقفى إلخ قال المحقق فى "الفتح": ثم اختلف فى صفة رفعها،
فنقل عن المتقشفة: إنه لا يحل، لأنه مال الغير فلا يضع يده عليه بغير إذنه، وعن بعض التابعين وبه
قال أحمد: يحل، والترك أفضل، وعامة الفقهاء على أنه مندوب إليه، وقيده الطحاوى وغيره بما إذا
كان يأمن على نفسه، فإن كان لا يأمن يتركها، ولأنه يجوز أن تصل يد خائن إليها، فإن غلب على
ظنه ذلك إن لم يأخذها ففى "الخلاصة": يفترض الرفع، ولو رفعها ثم بدأ له أن يضعها مكانه ففى
ظاهر الرواية: لا ضمان عليه أهـ (٣٤٩:٥). وقال الحافظ فى "الفتح": أشار البخارى إلى الرد على
من كره اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعًا: ضالة المسلم حرق النار أخرجه النسائى
پاسناد صحیح، وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وحجتهم حدیث زید بن خالد عند
مسلم: من آوى الضالة(١) فهو ضال ما ملم يعرفها، ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن
ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فمتى رجح أخذها وجب أو استحب، و متى رجح
تركها حرم أو كره، وإلا فهو جائز اهـ (٦٧:٥).
13
بـم
(١) ويحتمل أن يكون المراد ضالة الإبل، ولم تكن تحتاج إلى الالتقاط فى زمانه معد له.

: ١٨
التقاط اللقطة أفضل بشرط الإشهاد عليها ويجب إذا خاف الضياع
إعلاء السنن
٤٣٩٩- عن: زيد بن خالد الجهنى قال: جاء رجل فسأل النبى عّ لّه عن اللقطة،
فذكر الحديث وفيه قال: فضالة الغنم؟ قال: هى لك أو لأخيك أو للذئب الحديث،
أخرجه الأئمة الستة فى كتبهم (زيلعى ١٦٣:٢)، وفى لفظ البخارى: "خذها فإنما هى
لك أو لأخيك أو للذئب " (فتح البارى ٦١:٥).
٤٤٠٠- حدثنا على بن شيبة ثنا يزيد بن هارون أنا سفيان الثورى عن سلمة بن
كهيل عن سويد بن غفلة أنه قال: خرجت حاجا فأصبت سوطا فقال لى زيد بن
صوحان: دعها. فقلت: لا أدعها للسباع لأخذنها فلأستنفعن بها. فلقيت أبى بن كعب
فذكرت ذلك له فقال لى: قد أحسنت فى ذلك الحديث. رواه الطحاوى (٢٧٦:٢)
ورجاله رجال الصحيح غير شيخه، وهو ثقة.
قلت: وفى الأثر دليل على أن من أخذ اللقطة فليشهد عليها، وإن لم يشهد وقال الآخذ:
أخذته للمالك، وكذبه المالك يضمن عند أبى حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يضمن، وبه قال
الشافعى ومالك وأحمد، قالوا: إن أخذ مال الغير إنما يكون سببا للضمان إذا لم يكن بإذن الشرع،
فأما یإذنه فلا، والجواب أن إذن الشرع مقید بالإشهاد عند الإمكان، نعمإذا لم یمکنه عند الرفع أو
خاف إن أشهد أخذها منه ظالم فتركه لا يضمن بالإجماع، والقول قوله مع يمينه كذا فى "فتح
القدير" (٣٥٠:٥). وفى"الهداية": ويكفيه فى الإشهاد أن يقول: من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه
على، كانت اللقطة واحدة أو أكثر لأنه اسم جنس اهـ، ولا يجب أن يعين ذهبا أو فضة خصوصًا
فى هذا الزمان (فتح القدير) وفى السبل: أفاد هذا الحديث زيادة وجوب الإشهاد بعدلين على
التقاطها، وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وهو أحد قولى الشافعى، وذهب مالك وأحد قولى
الشافعى إلى أنه لا يجب الإشهاد لعدم ذكره فى الأحاديث الصحيحة، فيحمل على الندب، وقال
الأولون: هذه الزيادة بعد صحتها يجب العمل بها فيجب الإشهاد، ولا ينافى ذلك عدم ذكره فى
الأحاديث، والحق وجوب الإشهاد (عون المعبود ٦٦:٢).
قوله: عن زيد بن خالد إلخ قلت: فى قوله ◌ّ: خذها فإنما هى لك أو لأخيك أو للذئب،
٠٠ دلالة على فضيلة رفع ما يتطرق إليه احتمال الضياع، وبه قال الجمهور كما مر، وإذا غلب على
ظنه يجب لما فيه من إضاعة المال المنهى عنها، والله تعالى أعلم.
قوله: حدثنا على بن شيبة إلخ دلالة قول أبى لقد أحسنت فى ذلك على معنى الباب ظاهرة،.
ويستوى فى ذلك القليل والكثير، فإن أبى بن كعب احتج لذلك بما وقع له بحضرة النبى عليه من

١٩
ج - ١٣
باب اللقطة وديعة عند الملتقط يغرمها
لمالكها إن تصرف فيها
٤٤٠١- عن زيد بن خالد الجهنى أن رجلا سأل رسول الله عَّ له عن اللقطة،
قال: عرفها سنة، ثمأعرف عفاصها ووكائها، ثم استتفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه.
الحديث رواه البخارى. (٣٣٩:١) زاد فى "فتح البارى": (٦٧:٥) ولتكن وديعة عندك،
وهو كذلك فيما أخرجه مسلم عن القعنبى والإسماعيلى من طريق يحيى بن حسان،
كلاهما عن سليمان بن بلال عن يحيى (عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد) فقال
فيه: فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، وكذلك جزم برفعها خالد بن مخلد
عن سليمان بن ربيعة عند مسلم، والفهمى عن سليمان عن يحى وربيعة جميعا عند ..
الطحاوى. وقد أشار البخارى إلى ترجيح رفعها اهـ، (فتح البارى ٦١:٥)، ولفظ
الطحاوى: "فإن لم تعرف فاستتفع بها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء لها طالب يوما.
من الدهر فأدها إليه" اه وسنده صحيح.
٤٤٠٢- أبو حنيفة عن أبى إسحاق السبيعى عن عاصم بن ضمرة عن على بن
أبى طالب رضى الله عنه أنه قال فى فى اللقطة: يعرفها صاحبها الذى أخذها سنة، إن
أنه وجد صرة فيها مائة دينار الحديث.
باب اللقطة وديعة. عند الملتقط يغرمها لمالكها إن تصرف فيها
قوله: عن زيد بن خالد إلخ دلالته على معنى الباب ظاهرة، وقد شك يحيى بن سعيد فى
رفع قوله: ولتكن وديعة عندك مرة كما ذكره البخارى، وجزم به أخرى، والراجح الرفع كما
ذكرناه فى المتن ...
قوله: عن أبى حنيفة إلخ قلت: ولفظ محمد فى الآثار أخبرنا أبو حنيفة قال: أخبرنا أبو
إسحاق عن رجل عن على قال فى اللقطة: يعرفها حولان فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها أو
باعها، وتصدق بثمنها غير أن صاحبها بالخيار إن شاء ضمنه وإن شاء تركه اهـ (١٢٦). وهذا كما
ترى فيه رجل لم يسم، ولكن وصله ابن خسرو، وسمى الرجل عاصما، والحكم للواصل والرافع
كما عرف فى الأصول، فالظاهر أن أبا حنيفة سمى الرجل مرة، ولم يسمه أخرى والله تعالى أعلم.
وقال البيهقى: وقدروى عن على من قوله ما يوافق قول العرقيين، ثم أسنده من حديث عاصم بن

٢٠
اللقطة وديعة عند الملتقط يغرمها لمالكها إن تصرف فيها
إعلاء السنن
جاء لها طالب وإلا تصدق بها، ثم إن جاء لها طالب بعد ذلك كان صاحبها بالخيار إن
شاء ضمنه مثلها وكان الأجر للذى تصدق بها، وإن شاء أمضى الصدقة وكان له
الأجر. أخرجه ابن خسرو فى مسنده للإِمام، وأخرجه الإمام محمد بن الحسن فى
الآثار، فرواه عن أبى حنيفة، وقال: وبه نأخذ وهو قول أبى حنيفة، وأخرجه الحسن بن
زياد فى مسنده عن أبى حنيفة. (جامع مسانيد الإمام ٧٦:٢) قلت: سند حسن صحیح،
وأخرجه البيهقى فى (السنن ١٨٨:٦) من طريق شعبة عن أبى إسحاق عن عاصم بن
ضمرة نحوه.
ضمرة عن على كذا فى "الجوهر النقى" (٤٤:٢) وفيه أيضاً: وقد روى من وجه آخر قد
ذكرنا اهـ. قلت: وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فثبت أن الأثر معروف من حديث عاصم
ابن ضمرة عن على، وأما قول البيهقى: عاصم بن ضمرة غير قوى اه ففيه أن عاصما لم يضعفه
غير الجوزجاني، وتعصبه على أصحاب على معروف، وتبعه ابن عدى وابن حبان، وقد وثقه على
ابن المدينى والعجلى وابن سعد، وفضله الثورى وأحمد وابن معين على الحارث وقدموه، وقال ابن
عمار: عاصم أثبت من الحارث وقال النسائى: لا بأس به وقال البزار: صالح وهؤلاء أقعد الناس
بهذا الشأن، ومن أراد البسط فليراجع "التهذيب" (٤٥:٥). وأما قوله: وسنة رسول الله عَ ◌ّه الثابتة
أولى بالاتباع اهـ. فقد ذكرنا فى المتن من سنته عّ لّل قوله: فإن جاء ربها فأدها إليه، وقوله: فلتكن
وديعة عندك رواه البخارى ومسلم، و «لالته على معنى الباب ظاهرة حيث جعل المالك بالخيار بعد
ما استنفقها أو تصدق بها الملتقط، إن شاء ضمنه مثلها وإن شاء تركه وكان له الأجر، فثبت أن
اللقطة لا تكون ملكا للملتقط بعد انقضاء مدة التعريف بل تبقى على ملك صاحبها.
قال الحافظ فى "الفتح" (٦١:٥): واختلف العلماء فيما إذا تصرف فى اللقطة بعد تعريفها
سنة ثم جاء صاحبها، هل يضمنها له أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة أو
البدل إن كانت استهلكت، وخالف ذلك الكرابيسى صاحب الشافعى، ووافقه صاحباه البخارى
وداود(١) بن على إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة، واحتجوا بما فى
حديث زيد بن خالد الجهنى: عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، وقال مالك فى لقطة
الشاة: إنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتج به بالتسوية بين الذئب
والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط.
(١) داؤد بن على إمام الظاهرية، هو صاحب الكرابيسى.