Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
ج - ١٢ يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
٤٢٣٢- عن أبي بردة قال: "أغلظ رجل لأبى بكر الصديق قلت: ألا أقتله؟ فقال
صرح به الشامى نقلا عن أئمتنا (٣: ٤٣٠).
فأنشد كم الله هل قتل أهل العهد بعد النبذ إليهم أحوط أم بدونه؟ ولا يرتاب مؤمن فضلا
عن عالم عاقل فى أن ذلك بعد النبذ إليهم أحوط وأقسط إذا لم نكن شرطنا عليهم ترك العهد،
ولكن أهل الظاهر لا يفقهون. قال ابن حزم: "واحتج الحنفيون لضلالهم وإفكهم لما حدثنا إلخ".
قلت: وإذا كان ذلك قول سفيان أيضا - كما حكيته- فلم خصصت الحنفية بالضلال والإفك.
وهل هذا إلا كلام المجادلين بالباطل فإن المناظرة لإظهار الحق لا تكون هكذا بالسب والشتم، ولكن
الظاهرية قد حرموا الأدب، وخلعوا ربقة الوقار عن أعناقهم، فلا يدرون ما يخرج من رؤوسهم،
ولا يشعرون بما يلفظون من قول، فإلى الله المشتكى.
ثم اعلم: إن قتل من سب الله ورسوله ودينه ليس بمتعين عند الشافعى وأحمد بل يخير الإمام
فيه بين أربعة أشياء: القتل، والاسترقاق، والفداء، والمن صرح به الموفق فى "المغنى" (٦٠٩:١٠).
وذكر نحوه فى "رحمة الأمة" (ص١٣٥) وعندنا يتعين تعزيره فإن تكرر منه أو أظهره قتله الإمام
سياسةً صرح به ابن كمال باشا نقلا عن سير الذخيرة كما مر. وهو مدلول الآثار التى ذكرناها فى
المتن. فإن الأعمى لم يقتل أم ولده إلا بعد ما تكرر منها كما هو ظاهر، واليهودية التى خنقها رجل
من المسلمين كانت تعلن بالسب ولا دلالة فى الأثرين على انتقاض العهد به، فإن النبى عد له لم
يجعل أموال هؤلاء فيئا للمسلمين. وأيضا فإن اليهود لم يكونوا أهل ذمة وإنما كانوا أصحاب
موادعة بلا جزية تؤخذ منهم دفعا لشرهم إلى أن أمكن الله منهم، لأنه لم توضع جزية قط على
اليهود المجاورين من قريظة والنضير. ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. وشتان بين أهل الموادعة
وأهل الذمة، فافهم.
الرد على ابن حزم:
والعجب من ابن حزم أنه قال فى "المحلى" (٣٢١:٧): "إن سلمان كان مملوكًا لرجل من
بنى قريظة وهم ممتنعون لا يجرى عليهم حكم رسول الله مرّ له بل هم فى حصونهم مالكون
لأنفسهم اهـ". وفيه اعتراف بأنهم لم يكونوا أهل ذمة للمسلمين بل كانوا ممتنعين فى حصونهم
وجعلهم ههنا من أهل الذمة، واحتج بقتل من سب الرسول من يهود المدينة على انتقاض العهد
والذمة بذلك وهل هذا إلا تهافت من القول وتناقض بجعلهم من أهل الحرب مرة، ومن أهل الذمة
أخرى. فانظروا من هو المتلاعب.
قوله: "عن أبى برزة إلخ" دلالته على قتل من شتم الرسول ظاهرة. وإنما ذكر الأثر فى المتن

٥٤٢
يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
إعلاء السنن
أبو بكر: ليس هذا إلا لمن شئتم النبى معَّ أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٤١٠:١١).
الاحتجاج ابن حزم به، وإلا فالحديث بهذا اللفظ شاذ عندى والمعروف إنما هو لفظ أبى داود
والنسائى. ولا دلالة فيه على قتل الذمى بسب الرسول وشتمه بل معناه: لا يجوز قتل من أمر
الخليفة بقتله بمجرد أمره ما لم يتبين كونه مستحقا للقتل شرعًا، ولا حجة لابن حزم فى اللفظ الذى
اختاره أيضًا، لاحتمال أن يكون أبو بكر أراد من شتم الرسول من المسلمين، فإنه يصير بذلك مرتدا
مستحقا للقتل إجماعًا، ولا يصير مرتدا بشتم غيره من المسلمين كائنا من كان، اللهم إلا أن يقذف
عائشة رضى الله عنها، فإن قذفها كفر وردة.
أخرج ابن حزم من طريق هشام بن عمار "قال: سمعت مالك بن أنس يقول: من سب أبا
بكر وعمر جلد، ومن سب عائشة قتل. قيل له: لم يقتل فى عائشة؟ قال: لأن الله تعالى يقول فى
عائشة رضى الله عنها: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين﴾". قال مالك: فمن
رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل اهـ (٤١٥:١١). قال ابن حزم رحمه الله: قول
مالك ههنا صحیح وهی ردة تامة، وتکذیب لله تعالی فی قطعه ببرائتها، وكذلك القول فى سائر
أمهات المؤمنين، ولا فرق، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك
مبرؤون مما يقولون﴾، فكلهن مبرءات من قول إفك، والحمد لله رب العالمين اهـ.
قلت: وهذا مما أدين الله به، وأما ما وقع فى كتب أصحابنا من تخصيص حكم الردة بقذف
عائشة رضى الله عنها كما فى "الشامية" (٤٥٣:٣) فسبب ذلك أنهم إنما تكلموا فى حكم
الروافض وكفرهم، وأولئك لا يسبون غير عائشة من بين أزواجه مُ ◌ّ، لكونها قاتلت عليا رضى
الله عنه يوم الجمل، فافهم. واحتج من قال بانتقاض عهد الذمى إذا سب الله أو رسوله أو استخف
بشىء من دين الإسلام، بأنه إنما تذمم وحقن دمه بالجزية على الصغار قال الله تعالى: ﴿قاتلوا الذين
لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ -إلى قوله- ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، وقال
تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر﴾ الآية. فكان
هاتان الآيتان نصا جليًا لا يحتمل تأويلا فى أن أهل الكتاب يقاتلون ويقتلون حتى يعطوا الجزية،
وعلى أنهم إذا عوهدوا وتم عهدهم وطعنوا فى ديننا فقد نقضوا عهدهم ونكثوا أيمانهم وعاد حكم
قتالهم كما كان، وبضرورة الحسن والمشاهدة ندرى أنهم إن أعلنوا سب الله تعالى وسب
رسوله عَّه أو شىء من دين الإسلام فقد فارقوا الصغار بل قد أصغرونا، وأذلونا وطعنوا فى ديننا
فنکثوا أيمانهم ونقضوا ذمتهم فقد حلت دماؤهم وسبیهم وأموالهم بلا شك. قاله ابن حزم فی

ج - ١٢
يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
٥٤٣
واحتج به والحديث أخرجه أبو داود والنسائى بلفظ "قال: لا، والله ما كانت(١) لبشر بعد
"المحلى" (٤١٧:١١).
والجواب أن العلماء قد اختلفوا فى معنى الصغار الذى ذكره الله فى قوله: ﴿حتى يعطوا
الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ فقال بعضهم: إعطاؤهم الجزية -أى قبولها- وإطاعتهم لولاة
الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات - هو الصغار وقد تقدم الكلام فى ذلك مستوفى ولا يزول ذلك
ما داموا تحت يد الإمام ولم يحاربوه أو يلحقوا بدار الحرب. وهذا إذا لم نشترط عليهم ترك ما فيه
عضاضة ونقيصة على الإسلام وأهله. وأما إذا شرطنا عليهم تركه وخالفوه ينتقض عهدهم بذلك
كما هو ظاهر ذكره "الشامى" عن الخير الرملى وغيره من فقهائنا (٤٢٩:٣).
وتذكر ما أسلفناه أن عدم الانتقاض لا يستلزم عدم القتل فللإمام أن يقتله تعزيراً أو ينبذ
إليهم على سواء. وأما قوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا
أئمة الكفر﴾ الآية فليس بنازل فى حكم أهل الجزية بل هو فى حق المشركين من أهل العرب أو فى
كفار قريش ليس إلا بدليل قوله تعالى بعده: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج
الرسول وهم بدأو كم أول مرة﴾، والحنفية أول قائل بما فى هذه الآية وأفضل عامل به فقد قالوا: بأن
لا يقبل من الوثنى العربى إلا الإسلام أو السيف، ولا يجوز استرقاقهم، ولا ضرب الجزية عليهم.
أما إنه فى حق هؤلاء دون أهل الذمة فقد صرح به الطبرى فى "تفسيره" (٦٢:١٠ و ٦٣ و ٦٤).
وحكاه عن أجلة المفسرين من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أجمعين، فليراجع، وسنذكر شيئا
منه فيما سيأتى. وإن سلمنا عمومه لأهل الذمة فلنا أن نقول: إن حكم القتال منوط بمجوع نكث
الأيمان والطعن فى الدين، فلا دلالة فيه على كون الطعن وحده سببا للنقض، بل نكث الأيمان
ومخالفة العهد الذی عاهدناهم عليه هو السبب فى إباحة قتالهم، وتأكد بطعنهم فى الدين ومن
ادعى غير ذلك فعليه البيان. وأيضا فإن كان معنى الصغار ترك ما فيه عضاضة ونقيصة على
الإسلام وأهله كما قاله ابن حزم ومن وافقه من المالكية لزم أن ينتقض عهده بسب خليفة الإسلام
وسلطان المسلمين فإن فى ذلك من إهانة المسلمين وتذليلهم ما لا يخفى، ولا ينتقض العهد بذلك
إجماعًا، بل يعزر ويؤدب. ولا عبرة بأهل الظاهر ومنهم ابن حزم حيث حكم بانتقاض العهد بسب
(١) ليس قتل من أمر الإمام بقتله جائزا، إلا بعد ظهور موافقة أمره للشرع إلا من أمر النبى معَ ◌ّه بقتله، فيجوز قتله بلا شك لأنه
﴿لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى﴾.

٥٤٤
يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
إعلاء السنن
محمد عدّةٍ، (عون المعبود ٢٢٧:٤).
مسلم من عرض الناس فإنهم لا يفقهون اللهم إلا أن يكون مشروطا عليهم أن لا يسبوا مسلما،
فینتقض العهد بذلك، کما مر.
واحتجوا أيضا بما أخرجه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل عن
عروة بن محمد عن رجل من بلقين ((قال: كان رجل يشتم النبى معَّ له، فقال النبى عدّ ◌ُله: من
يكفينى عدوا لى؟ فقال خالد بن الوليد: أنا، فبعثه النبى معَّ ◌ُلّه إليه فقتله اهـ)) (٤١٣:١١) . - وفيه-
أنه ليس بنص فى الذمى فيجوز أن يكون حربيا كما يشعر به قوله: "من يكفينى عدوا لى" وأيضا
فالأثر أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" من طريق معمر بسنده بلفظ: أن امرأة سبت رسول الله عَ ليه
فقتلها خالد بن الوليد» وليس فيه أن خالدا قتلها بأمر النبى مڅلآ فى حياته أو بعده باجتهاده وسند
ابن حزم إلى عبد الرزاق فيه محمد بن سهل لا يعرف، وفى طبقته محمد بن سهل العطار رماه
"الدارقطنى"، كذا فى "الإصابة" (٢٣٢:١٠). فلا حجة فيه.
والعجب من ابن حزم أنه جعل الحديث مسندا صحيحا والحال هذه وهو عن رجل من بلقين
جعله ابن حزم مجهولا فى كتاب الجهاد من "المحلى" (٣٣٨:٧). وجعله ههنا مشهوراً معروفًا
يعرف بهذا الاسم وهو اسمه فياله من تناقض فى القول، وتهافت نسأل الله العافية. وبما فى "كنز
العمال": وبيض من خرجه عن ابن عمر أنه تفلت على راهب سب النبى معَّ بالسيف، وقال: إنا
لم نصالحكم على سب نبينا معّ ◌ُلّ (٣٠٤:٣). وقال ابن حزم فى "المحلى" ولم يسند: قد روى عن
ابن عمر أنه يقتل ولا بد اهـ" (٤١٥:١١). وفى "فتح القدير": روى أبو يوسف عن حفص(١) بن
عبد الله عن ابن عمر ((أن رجلا قال له: سمعت راهبا سب النبى عّ لّه فقال: لو سمعته لتقتله، أنا لم
نعطهم العهود على هذا. قالوا: وإسناده ضعيف. وجاز أن يكون شرط عليهم أن لا يظهروا
سبه عَّ (٣٠٣:٥). قلت: يدل عليه أنه شرط عليهم أن لا يشتموا مسلما، ولا يخفى أن من سب
أبا أحد أو أمه فقد سبه، بل ذلك أشد من سبه نفسه وبالأولى إذا سب رسول الله عّ لّ فقد سب
المسلمين أجمعين، فينتقض بذلك عهده لأجل مخالفة الشرط، فافهم.
واحتج من قال: لا ينتقض عهده بما فيه غضاضة ونقيصة على الإسلام وأهله (وذلك أربعة
(١) هكذا فى "الفتح" وفى "أحكام القرآن" للجصاص: روى أبو يوسف عن حصين بن عبد الرحمن، عن رجل عن أبى
عمران إلخ" (٣: ٨٥).

٥٤٥
ج - ١٢ يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
أشياء ذكر الله عز وجل أو ذكر كتابه المجيد أو ذكر دينه القويم أو ذكر رسوله الكريم، بما لا ينبغى
كما فى "رحمة الأمة" (ص١٥٢). بحديث أبى هريرة ((قال رسول الله من طل: كذبنی ابن آدم ولم
یکن له ذلك، فأما تكذيبه إیای فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى وليس أول الخلق بأهون على من
إعادته، وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذی لم ألد ولم أولد ولم یکن لی
كفرا أحد)». وفى رواية ابن عباس. وأما شتمه إياى فقوله: لى ولد وسبحانی أن أتخذ صاحبة أو
ولد)). رواه البخارى كما فى "المشكاة" (ص٥). وحديث أبى هريرة أخرجه أحمد والنسائى
أيضا، كما فى "العزیزی" (٣٨:٣). قالوا: فإذا كان من قال: اتخذ الله ولدا شاتما له سبحانه، وهو
من قول أهل الكتاب كما لا يخفى ومع ذلك جاز لنا إقرارهم وما يدينون إذا أعطوا الجزية عن يد
وهم صاغرون، ثبت أن سب الله وشتم رسوله ونحوه لا ينافى عقد الذمة وإلا لم يجز إقرار أهل
الكتاب بالجزية وهم يقولون اتخذ الله ولدا وهذا هو ما قاله صاحب الهداية: "إن سب النبى معَّ له
كفر منه والكفر المقارن لا يمنعه فالطارئء لا يرفعه اهـ" (٣٠٣:٥ مع "الفتح").
نعم يجوز لنا أن نشترط عليهم شروطا نمنعهم بها عما فيه غضاضة ونقيصة على الإسلام
وأهله، فإِن خالفوا الشرط انتقض العهد، وحل لنا منهم ما يحل من الحربى. وأما بدون الشرط،
فلا ينتقض العهد به، بل يعزر ويؤدب ويقتل سياسة لا نقضا للعهد. وبحديث عائشة عند الشيخين
قالت: ((دخل رحط من اليهود على رسول الله عَ لّه فقالوا: السام عليك ففهمتها. فقلت: عليكم
السأم واللعنة. فقال رسول الله عَظُّ: مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق فى الأمر كله. فقلت:
يا رسول الله! أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله مرّه: فقد قلت عليكم)) إلخ. وفى رواية ابن أبى
مليكة عنبها عند البخارى فى "الأدب": ((فقالت: عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، ولمسلم من
طريق أخرى عنها: بل عليكم السأم والذم)) (فتح البارى ٣٥:١١).
قالوا: فقد سب اليهود نبينا مّ ◌ُلّه بما لو تكلم به مسلم لصار به مرتدا مستحقا للقتل،
ولم يقتلّهم النبى بذلك، بل وأنكر على عائشة حين سبتهم ولعنتهم.
وأجاب ابن حزم بأن السام هو الموت فمعنى السام عليك الموت عليك. وهذا كلام حق،
وإن كان فيه جفاء، ولأن الله تعالى يقول: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون وكل نفس ذائقة الموت﴾.
وإنما يحصل بالجفاء على النبى ◌ّ الكفر من المسلم، دون الذمى لأنه كان كافرا وهو كافر،
ولا يحل دمه بكفره إذا صحت نيته لكن بمعنى آخر غير الكفر، وهو مفارقة الصغار اهـ

٥٤٦
يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
إعلاء السنن
بمعناه (٤١٦:١١). وفيه أن قوله: "إنما يحصل بالجفاء على النبى عّ لّ الكفر من المسلم". لا يصح
بإطلاقه، ألا ترى أن الأعراب كانوا يجفون على النبى عّ لّه ويغلظون له الكلام، ويجذبون ردائه
حتى تؤثر حاشيته فى عنقه، ولم يكن ذلك كفرا وإنما يكفر المسلم بالجفاء عليه إذا كان فيه
استخفاف بشأنه، وتحقير بجانبه وإذا تقرر ذلك فلم يكن قول اليهود السام عليك جفاء محضا، بل
كان مشتملا على الاستخفاف به والتحقير واللعن ولذا أجابتهم عائشة بقولها: "عليكم السأم
ولعنكم الله وغضب عليكم" وأيضًا فإن السأم كما يطلق على الموت يطلق على الهوان والذلة،
كالذام وبهذا ورد تفسيره عن قتادة موقوفًا مرفوعًا. ذكر الخطابى: أن قتادة تأوله على خلاف ذلك
أى خلاف ما قاله أبو عبيد السأم -الموت- ففى رواية عبد الوارث بن سعيد عن سعيد بن أبى
عروبة، قال كان قتادة يقول: تفسير السأم عليكم - تسأمون دينكم -.
قال ابن بطال: ووجدت هذا الذى فسره قتادة مرويا عن النبى مظله. أخرجه بقی بن مخلد
فى تفسيره، قال الحافظ: "وأخرج البزار وابن حبان فى "صحيحه" من طريق سعيد بن أبى عروبة
عن قتادة عن أنس ((مر يهودى بالنبى معَّ له وأصحابه فسلم عليهم فرد عليهم فرد عليه أصحاب
النبى معَ ◌ّه، فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: نعم سلم علينا. فإنه قال: "السأم عليكم" أي تسأمون
دینکم إلخ (فتح البارى ٣٥:١١ و ٣٦).
ويؤيده رد عائشة عليهم بقولها: "عليكم السام والذام" كما فى رواية "مسلم" - التى مر
ذكرها- ولا شك فى كونه من السب والشتم الذى يفارق الصغار. وبحديث أنس رواه أحمد
ومسلم ((إن امرأة يهودية أتت رسول الله مرّ له، بشاة مسمومة، فأكل منها، فجىء بها إلى رسول
الله عَّ فسألها عن ذلك فقالت: أردت أن أقتلك. فقال: ((ما كان الله ليسلطك على ذلك)) قال:
فقالوا: ألا نقلتها؟ قال: لا فما زلت أعرفها فى لهوات رسول الله عَّ)). قال ابن تيمية فى
"المنتقى": "وفيه دليل على أن العهد لا ينتقض بمثل هذا الفعل" اهـ. وفى "النيل" " استدل به
المصنف رحمه الله أن إرادة القتل من الذمى لا ينتقض بها عهده، لأن النبى ◌ّ لآه لم يقتلها بعد ما
اعترفت بذلك. والقصة معروفة فى كتب السير والحديث. والخلاف فيها مشهور، وقد جزم بعض
أهل العلم بأنه يقتل من سب النبى مرّ له، من أهل الذمة واستدل بأمر النبى معَ لّه بقتل من كان
يشتمه من كفار قريش كما سبق وتعقبه ابن عبد البر بأن كفار قريش المأمور بقتلهم يوم الفتح كانوا
حربیین اهـ" (٢٧٤:٧).

ج - ١٢
. يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
٥٤٧
قال الجصاص فى "الأحكام" له: "ولا خلاف بين المسلمين أن من قصد النبى عّ لّه بالقتل
ممن ينتحل الإسلام فهو مرتد يستحق القتل ولم يجعله النبى عّ لّه مبيحا لدمها بما فعلت بذلك أى
فكذلك إظهار سب النبى من الذمى مخالف لإظهار المسلم له اهـ (٨٦:٣). أى فيقتل المسلم حداً
لكونه بذلك مرتدًا ولا يجب قتل الذمى لعدم انتقاض عهده به، بل يعزر ويجوز فى التعزير الترقى
إلى القتل إن رآه الإمام.
الرد على ابن حزم:
والعجب من ابن حزم أنه جعل سب الذمى النبى عّ لّ منافيا للصغار، ولم يجعل إرادة قتله
بالسم والسحر منافيا له وهل هذا إلا تحكم. وبحديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: لما
كان يوم حنين آثر النبى معَّه ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله قال: فأتيت النبي عَ لّه
فأخبرته فتغير وجهه ثم قال: ((رحمة الله على موسى لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر)). أخرجه
البخارى ومسلم وغيرهما وفى رواية الواقدى: إن الرجل هو معتب بن قشير وكان من المنافقين،
كما فى "فتح البارى" (٤٤:٨)، ولا يخفى أنها كلمة لو تكلم بها مسلم لصار بها مرتدا مستحقا
للقتل، ولكنه معّه لم يقتل المنافق بها لكونه من أهل العهد، فدل على أن العهد لا ينتقض بمثل هذا،
فافهم. وكذلك قصة لبيد بن الأعصم الزرقى اليهودى، وسحره النبى معَّ تدل على أن العهد
لا ينتقض بكل ما يرتد به المسلم، ويستحق القتل.
وأجاب ابن حزم عن كل ذلك بأنه كان قبل أن يؤمر النبى عّ لّه بأن لا يثبت عهد الذمى إلا
على الصغار فحديث السام والسحر منسوخان بلا شك كحديث السم اهـ (٤١٧:١١). وفيه أن
صحة هذه الدعوى موقوفة على بيان معنى الصغار، وهو مختلف فيه، كما تقدم فمن قال: إن
الصغار هو قبول الجزية فقط لا يسلم النسخ، كما هو ظاهر، وأيضا كيف يصح دعوى النسخ،
وأنتم تقولون: إن من سم اليوم طعامًا لأحد من المسلمين فلا قتل عليه، وإن من سحر مسلما،
فلا قتل عليه، ولو قال لنا اليهود اليوم: السام عليكم لا يقتلون، فما نراكم تحكمون إلا بما ذكرتم أنه
منسوخ، وأجاب ابن حزم عن ذلك بأن الذى نسخ من هذه الأحاديث هو حكم خطابهم
للنبى عَّ ◌ُلّه خاصة، وحكم سم طعامه وحكم قصده بالسحر خاصة فهذا هو الذى نسخ منه وحده،
ولا مزید (١١: ٤١٧). وفیه أن مدلول هذه الأحادیث لیس إلا ما قد حكمت بنسخة فإنها لیس
فيها إلا خطابهم للنبى معَّه وسم طعامه، وقصده بالسحر خاصة، ولا يؤخذ منها حكم غيره عدّ له
إلا بالمقايسة، فإن كان حكمها منسوخًا فى الأصل بطل قياس الغير عليه رأسا، كما لا يخفى.

ج - ١٢
يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن
٥٤٨
٤٢٣٣- عن عرفة بن الحارث "أنه دعا إلى الإسلام نصرانيا فذكر النصرانى
النبى معَّةٍ فتناوله فرفع ذلك إلى عمرو بن العاص "فقال: قد أعطيناهم العهد. فقال
عرفة: معاذ الله! أن نكون أعطيناهم العهود والمواثيق على أن يؤذونا فى الله ورسوله، إنما
أعطيناهم على أن نخلى بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم. فقال عمرو:
صدقت" مختصرا، رواه الطبرانى فى الكبير بلين (جمع الفوائد ١٤:٢)، وفى "مجمع
الزوائد" (٢٦:٢): رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث،
وقد وثق وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات اهـ. قلت: فالإسناد حسن.
فکان بقاء حكمها فى حق الغير دليلا على بقاءه، وعدم نسخه فى حقه مێ وإلا فدعوى
نسخهما فى حق الأصل المقيس عليه وبقاءها فى حق الغير الذى هو المقيس تحكم لا يلتفت إليه أصلا،
وبمثل هدا يبتلى أهل الظاهر إذا استعملوا القياس الذى يحرمونه علينا، ويحلونه لأنفسهم متى شاءوا.
قوله: "عن عرفة بن الحارث إلخ". قلت: فيه دليل على أن انتقاض العهد بسب النبى معَّ له
لم یکن معروفا بین الصحابة، إذا لم يشترط عليهم تر که. ألا تری عمرو بن العاص یقول حین رفع
إليه ذلك: قد أعطيناهم العهد، فكان عنده أن السب كفر منه، والكفر المقارن لا يمنعه، فالطارئ
لا يرفعه، وهذا هو ما قاله الحنفيون بعينه فرده عرفة بن الحارث، وقال: معاذ الله أن نكون أعطيناهم
العهود والمواثيق على أن يؤذونا فى الله ورسوله إنما أعطيناهم على أن نخلى بينهم وبين كنائسهم،
يقولون فيها: ما بدا لهم. فوافقه عمرو بن العاص على ذلك وقال: صدقت.
وحاصله أن عقد الذمة ولو كان مطلقًا غير مشروط بالشروط يقتضى ترك إيذاء المسلمين
فى الله ورسوله وفى دينهم، فإذا خالفوا ذلك انتقض العهد، وهذا هو ما أفتى به المتأخرون منا،
والأثر يؤيدهم، وهو نص فى الباب. ولعله لم يبلغ القدماء من علماءنا أو بلغهم، ولم يروه صالحًا
للاحتجاج له، لما فى بعض رواته من المقال فاحتاطوا فى الإفتاء بدليل لا ينتهض للاحتجاج به،
وأفتى المتأخرون بما تضمنه لتأيده بنصوص، قد مر ذكرها فى دلائل الخصوم، فتأمل، قال فى
"الدر": قال العينى: واختيارى فى السب أن يقتل. وتبعه ابن الهمام. قلت: "وبه أفتى شيخنا الخير
الرملى اهـّ قال الشامى: "فلو أعلن بشتمه، أو اعتاده قتل، ولو امرأة وبه يفتى اليوم (در منتقى)
إلى أن قال- فصار الحاصل أن عقد الذمة لا ينتقض بما ذكروه، ما لم يشترط انتقاضه به، فإذا
اشترط انتقض، وإلا فلا إلا إذا أعلن بالشتم، أو اعتاده لما قدمناه، ولما يأتى من المعروضات (لأبى
السعود أنه ورد الأمر السلطان بالعمل بقول أئمتنا القائلين بقتله إذا ظهر أنه معتاده اهـ، أو بما إذا

٥٤٩
إعلاء السنن
باب لا ينتقض العهد بدلالة الذمى أهل الحرب على عوراتنا إلا
إذا شرطنا عليهم تركها، وينتقص بمحاربة الإمام أو باللحوق بدار الحرب مطلقًا
٤٢٣٤- حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن ابن سيرين "أن عمر بن
أعلن به كما يأتى، وبه أفتى أى أبو السعود مفتى الروم بل أفتى به أكثر الحنفية) ولم ذكره ظ عز
الشلبى عن حافظ الدين النسفى إذا طعن الذمى فى دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله، لأن
العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة اهـ (٣: ٤٣٠).
ومقتضى هذا التعليل كون عدم الطعن مشروطًا بمجرد عقد الذمة دلالةً وهذا هو عين ما قاله
عرفة بن الحارث، ووافقه عليه عمرو بن العاص رضى الله عنهما، قال المحقق فى "الفتح": "والذى
عندى أن سبه مرّه أو نسبة ما لا ينبغى إلى الله تعالى إن كان مما لا يعتقدونه كنبسة(١) الولد إلى الله
تعالى وتقدس عن ذلك، إذا أظهره يقتل به وينتقض عهده وإن لم يظهر ولكن عثر عليه، وهو
يكتمه(٢) فلا وهذا لأن دفع القتل والقتال عنهم بقبول الجزية مقيد بكونهم صاغرين أذلاء بالنص
ولا يخفى أن المراد استمرار ذلك لا عند مجرد القبول، وإظهار ذلك منه ينافى قيد قبول الجزية
دافعًا لقتله، لأنه الغاية فى التمرد، والاستخفاف بالإسلام والمسلمين فلا يكون جاريا على العقد
الذى يدفع عنه القتل. وهو أن يكون ضاغرا ذليلا وهذا البحث منا يوجب أنه إذا استعلى على
المسلمين على وجه صار متمردا عليهم حل للإمام قتله أو يرجع إلى الذل والصغار اهـ (٣٠٣:٥).
قال الشامى بعد ما ذكر قول ابن الهمام هذا، وجمع بينه وبين كلام غيره من الأئمة ما نصه:
فلم يكن كلامه مخالفًا للمذهب، بل صرح به محرر المذهب الإمام محمد، كما يأتى (٣: ٤٣١).
قلت: وكلام محمد قد ذكرناه أول الباب، فليراجع، وبما ذكرنا من أقوال الحنفية متقدميهم
ومتأخريهم يتضح غاية مراعاتهم دلالات الأحاديث، واعتناءهم بالعمل بالجمع بين مختلفها، وهذا
" هو الفقه الذى قد خصهم الله به من بين سائر العلماء، ولله الحمد.
باب لا ينتقض العهد بدلالة الذمى أهل الحرب على عوراتنا إلا
إذا شرطنا عليهم تركها، وينتقض بمحاربة الإمام أو باللحوق بدار الحرب مطلقا
قوله: "حدثنا يزيد بن هارون إلخ". قال أبو عبيد: "وإنما نرى عمر عرض عليهم ما عرض
من الجلاء، وأن يعطوا الضعف من أموالهم لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو إن النكث كان
(١) مثال للمنفى دون النفى فافهم.
.(٢) يدل عليه قول عرفة بن الحارث: إنما أعطيناهم على أن نخلى بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم.

ج - ١٢
نقض عهد الذمی
٥٥٠
الخطاب استعمل عمير بن سعيد أو سعد على طائفة من الشام، فقدم عليه قدمة فقال:
يا أمير المؤمنين! إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها: "عرب السوس"، وأنهم لا يخفون
عل عدونا من عوراتنا شيئا ولا يظهروننا على عوراتهم، فقال له عمر: فإذا قدمت
فخيرهم بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل
شىء شيئين فإن رضوا بذلك، فأعطهم وخربها فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة، ثم
خربها فقال: اكتب لى عهدا بذلك فكتب له عهدا، فلما قدم عمير عليهم عرض عليهم
ذلك فأبوا فأجلهم سنة ثم أخربها". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٦٩). وهو
من طوائف منبهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك شيئا إلا القتال
والمحاربة اهـ" (ص١٧٠).
قلت: احتمال بعيد فإن عمير بن سعد من أفاضل الصحابة وزهادهم، و کان عمر معجبا به،
ومن عجبه به کان یسمیه نسيج وحده، و کان یتمنی أن یکون له رجال مثل عمیر یستعین بهم
على أمور المسلمين كما فى "التهذيب" (١٤٥:٨). فيبعد من مثله أن يقول ما ليس له به علم أو
يكذبه عمر فيما قال له، والظاهر المتبادر من كلامه إجماع القوم على ما ذكره عنهم، وإذا كان
كذلك ففيه دليل لأبى حنيفة رحمه الله ومن وافقه أن دلالة الذمى أهل الحرب على عورات
المسلمين لا تنقض العهد إذا لم يكن تركها مشروطا عليهم.
قال فى "المحيط": "لو كان يخبر المشركين بعيوب المسلمين أو يقاتل رجلا من المسلمين
ليقتله لا يكون نقضًا للعهد اهـ". وهذا إذا كان ذميا أصليا وطرأ عليه هذا القصد، وأما لو بعثه
العدو طليعة بأن يدخل دارنا مستأمن ويقيم، وتضرب عليه الجزية، وقصده التجسس على
المسلمين، انتقض عهده، وبطل أمانه، كما فى "الدر" و"الشامية" (٤٢٨:٣). وذلك لأن المستأمن
الحربى لا يعطى له الأمان إلا بشرط أن لا يكون عينا وطليعة لأهل الحرب، فإذا تبين خلافه انتقض
عهده وأمانه، كما تقدم فى باب الجاسوس، فليراجع.
وأما عقد الذمة فقد يكون مشروطًا بذلك، وقد لا، فإن كان مشروطا به فكذلك، لأن المعلق
بالشرط يكون معدوماً بفواته وإلا فلا ينتقض به عهدهم، وللإمام أن ينبذ إليهم على سواء، كما
فعله رضى الله عنه بأهل عرب سوس، فإنه أمر عمير بن سعد أن يعرض عليهم الجلاء، وأن يعطوا
الضعف من أموالهم فإن أبوا ينبذ إليهم ويؤجلهم سنةً، ثم يخربها، ويخلى عنها أهلها. وهذه منه
غاية المراعاة للعهد احتياطًا، وإلا فلم يكن له حاجة إلى التأجيل بل كان له أن يقاتلهم، ويسبى

٥٥١
نقض عهد الذمی
إعلاء السنن
مرسل صحيح.
٤٣٣٥- عن الزهرى أخبرنى عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن
رجل من أصحاب النبى عَّه قال: فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش إلى اليهود
إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى
رسول الله عّه: أخرج إلينا فى ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا
بك اتبعناك، ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بنى النضير إلى
أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بنى النضير، فأخبر أخوها النبى عّ لّه قبل أن يصل
إليهم، فرجع وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بنى قريظة، فحاصرهم
فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى نبى النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء". الحديث
رواه ابن مردويه بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهرى أطول منه، وكذا أخرجه عبد بن
حمید فى تفسیره عن عبد الرزاق (فتح البارى ٢٥٥:٧).
٤٣٣٦- عن ابن عمر "أن يهود النضير وقريظة حاربوا رسول الله عَّ له فأجلى
ذريتهم، ويضبط أموالهم بعد ما نبذ إليهم معًا، كما سيأتى.
قوله: "عن الزهرى إلخ". دلالته على انتقاض العهد بالمحاربة ظاهرة قال الحافظ فى "الفتح":
وعند "ابن سعد أن رسول الله عّ لّه أرسل إليهم محمد بن مسلمة، أن أخرجوا من بلدى،
فلا تساکنونی بعد أن هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتکم عشرا (٢٥٥:٧). وزاد ابن
القيم: "فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه فأقاموا أياما يتجهزون وأرسل إليهم عبد الله بن أبى
أن لا تخرجوا من دیار کم، فإن معی ألفين يموتون دونكم وتنصر كم قريظة، وحلفائكم غطفان،
وطمع رئیسھم حیی بن أخطب فیما قال له، وبعث إلى رسول الله يقول: إنا لا نخرج من ديارنا
فاصنع ما بدا لك فكبر رسول الله عّ لّه وأصحابه ونهضوا إليهم وعلى بن أبى طالب يحمل اللواء
فلما انتهى إليهم أقاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبى
وخلفاءهم من غطفان، فأرسلوا إليه نحن نخرج من المدينة فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم،
وذراريهم، وإن لهم ما حملت الإِبل إلا السلاح، وقبض النبى معَّ الأموال والحلقة، وهى السلاح
اهـ" (٣٢٧:١) زاد المعاد: وفيه أنه معَّ كان لا يبطش بمن غدر بالعهد وحار به إلا بعد النبذ إليه
وهذا هو النهاية فى الإعذار وإقامة الحجة.
قوله: "عن ابن عمر إلخ". قلت: أما محاربة بنى النضير فقد مر ذكرها، وأما محاربة قريظة

ج - ١٢
نقض عهد الذمى
٥٥٢
رسول الله عَ له بنى النضير، وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك،
فقتل رجالهم وقسم نسائهم وأموالهم وأولادهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا برسول
الله عَّ له فأمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله عَ ليه يهود المدينة كلهم - بنى قينقاع وهم
قوم عبد الله بن سلام، ویهود بنی حارثة - و کل یهودی کان بالمدينة". رواه أبو داود
وسكت عنه قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم (عون المعبود ١١٧:٣).
٤٣٣٧- حدثنى الزهرى عن عروة عن المسور بن مخرمة "أنه كان فى الشرط
من أحب أن يدخل فى عقد رسول الله عَّ له وعهده فليدخل ومن أحب أن يدخل فى
عقد قريش وعهدهم فليدخل. فدخلت بنو بكر فى عهد قريش ودخلت خزاعة فى عهد
رسول الله عَّه، فكان بينهم قتال فأمدتهم قريش بسلاح وطعام فظهروا على خزاعة
وقتلوا منهم قال: وجاء وفد خزاعة إلى النبى عرّ فدعاه إلى النصر وذكر الشعر قال ابن
إسحاق: فقال له رسول الله مګے: «نصرت یا عمرو بن سالم فكان ذلك ما هاج فتح
مكة اهـ)) ملخصا، رواه ابن إسحاق، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣٩٩:٧)، وهو إسناد
حسن موصول.
فكان سببها نقضهم العهد أيضا بمظاهرتهم الأحزاب على النبى معَّ له فى غزوة الخندق، قال ابن
پإسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله مګێ الخبر بنقضهم العهد بعث إليهم سعد بن معاذ وسعد بن
عبادة معهما عبد الله بن رواحة، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم نالوا من رسول الله عَّ ه، وقالوا: من
رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد، ولا عقد". كذا فى سيرة ابن هشام (٢: ٩٥). وفيه دليل على
أن المعاهد والذمى إذا نقض العهد، وظاهر العدو على المسلمين صار حربيا وجرت عليه أحكام أهل
الحرب وللإمام سبی من أراد منهم وقتله.
قوله: "حدثنى الزهرى عن عروة إلخ" فيه دلالة على أن المعاهد إذا التحق بالعدو المحارب
انتقض عهده، فإن بنى بكر حاربوا حلفاء رسول الله منظفي أى خزاعة فصاروا بذلك حربا على
المسلمين، وأمدتهم قريش بالسلاح والطعام فصاروا بذلك مثل بنى بكر محاربين فهاج ذلك فتح
مكة وقتال أهلها، قال فى "الدر": وينتقض عهدهم بالغلبة على موضع للحرب أو باللحاق بدار
الحرب (ولا يبعد أن يقال: انتقاله إلى المكان الذی تغلبوا فیه کانتقاله إلى دار الجرب إن لم تكن

٥٥٣
إعلاء السنن
باب إذا کان العهد مشروطا بشرط انتقص بتركه
٤٢٣٨- عن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن النبى عدّ له قاتل أهل خيبر فغلب على
الأرض والنخل وألجأهم إلى قصرهم فصالحوه على أن لرسول الله عّ لّه الصفراء
والبيضاء والحلقة ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا
فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا لحمى بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر كان
احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فيه حليهم فقال رسول الله عَ ليه لعم حبى
ذلك المكان مواخما لدار الإِسلام، أى بأى كان متصلا بدار الحرب وإلا فعلى قولهما كما فى
"الفتح")، أو بالامتناع عن قبول الجزية لا بالإباء عن أدائها، أو يجعل نفسه طليعة للمشركين بأن
ببعث ليطلع على أخبارنا فلو لم يبعثوه لذلك لم يتنتقض عهده وصار الذمى فى هذه الأربع صور
كالمرتد (ولا يبطل أمان ذريته بتقض عهده، كذا فى "الفتح") إلا أنه لو أسر يسترق (أى يجوز
استرقاقه)، والمرتد يقتل اهـ (٤٢٨:٣ مع "الشامية").
قلت: ودليل عدم انتقاض العهد بالامتناع عن أداء الجزية بعذر ما مر فى حاشية "باب كيف
يجتبى الجزية" عن أبى يوسف: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه "أن عمر بن الخطاب مر على قوم قد
أقيموا فى الشمس يصب على رؤوسهم الزيت فقال: ما بال هؤلاء؟ قالوا: عليهم الجزية لم يؤدوها
فهم يعذبون حتى أدوها، فقال عمر: فما يقولون؟ يقولون لا نجد قال: فدعوهم إلى آخرهم".
باب إذا کان العهد مشروطًا بشرط انتقض بتر كه
قوله: "عن ابن عمرو قوله: حدثنا عبد الله بن صالح إلخ" قال أبو عبيد: وجه هذا الحديث
أن عمر كان صالحهم على أن لا يكتموه أموالهم كحديث النبىمعَ ◌ّه فى بنى أبى الحقيق وإنما
يكون التقدم على محاربة أهل العهد واستحلال دمائهم إذا صح نكثهم كما صح للنبى معَ له من
كتمان الكنز بظهوره عليه وكظهور عمرو بن العاص على الكنز، وكما وضح أمر بنى قريظة، ومما
لاتهم الأحزاب عليه عَّ له، فأما الظنة والشبهة، فلايجوز ذلك اهـ" (ص١٦٩).
قلت: ويجوز حبس الذمی إذا اتهم بذلك و كذا حبس كل متبهم بريبة كما فعله عمرو بن
العاص بعظیم صعید حين أنکر المال فسجنه لکونه متهما بکتمان المال عنده فافهم. وفی "نیل
الأوطار": وإنما قتلهما أى ابنى أبى الحقيق لعدم وفائهما بما شرطه عليهم، لقوله فى أول الحديث
"فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد" (٢٦١:٧). وقال سفيان بن عيينة فيما كتب إلى عبد الملك بن
صالح ما نصه: إنا لا نعلم النبى عّ لّه عاهد قومًا فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم غير أهل مكة، فإنه

ج - ١٢
إذا كان العهد مشروطا بشرط انتقص بتركه
٥٥٤
واسمه سعية: ما فعل مسك حبى؟ قال: أذهبته الحروب والنفقات. فقال: العهد قريب
والمال أكثر من ذلك فوجدوا المسك فى خربة فقتل النبى عّ لّه ابنى أبى الحقيق وأحدهما
زوج صفية بنت حيى بن أخطب، وسبى رسول الله مرّ ◌ُلّه نسائهم وذراريهم وقسم
أموالهم للنکث الذی نکثوا)). الحديث رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذری (عون
المعبود ١١٧:٣). وعزاه فى "المنتقى" إلى البخارى وقد وهم فى نسبة جميع ما ذكره
من ألفاظ الحديث بطوله إلى البخارى وإنما هو فى "مستخرج" البرقانى من طريق حماد
أبن سلمة وقد نبه الإسماعيلى على أن حمادا كان يطوله تارة ويختصره أخرى (نيل
الأوطار ٢٦١:١٧ و٢٦٢).
٤٢٣٩- حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن الحسن بن ثوبان عن
هشام بن أبى رقية -وكان ممن افتتح مصر - "قال افتتحها عمرو بن العاص فقال: من
كان عنده مال فليأتنا به قال: فأتى بمال كثير، وبعث إلى عظيم أهل الصعيد، فقال: ما
عندى مال، فسجنه قال: وكان عمرو يسأل من يدخل عليه هل تسمعونه يذكر أحدًا؟
قالوا: نعم! فأخبر بأن المال تحت الفسقينية فبعث عمرو الأمناء إليها فحضروا
فاستخرجوا خمسين أردبا دنانير. قال: فضرب عنق النبطى وصلبه". رواه أبو عبيد فى
"الأموال" (ص١٦٨) مطولا. قلت: سند حسن والحسن بن ثوبان صدوق فاضل
(تقريب ص٣٨). قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (تهذيب
٢٥١:٢). وهشام بن أبى رقية وثقه ابن حبان (حسن المحاضرة ١٠٧:١).
من عليهم، وإنما كان نقضهم الذى استحل به غزوهم إن قاتلت حلفاؤهم من بنى بكر حلفاء
رسول الله عَّ خاليه من خزاعة فنصر أهل مكة بنى بكر على حلفائه فاستحل بذلك غزوهم ونزلت فى
الذين نقضوا: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا(١) أيمانهم وهموا بإخراج الرسول﴾، الآية. ونزلت فيهم
أيضا: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون، فإما تتقفنهم فى
الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون﴾ والذى انتهى إلينا من العلم أن من نقض شيئا مما
عوهد عليه ثم أجمع القوم على نقضه فلا ذمة لهم، ذكره أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٧٢).
(١) فيه تأييد لما قدمنا أن الآية لا تدل على أن الطعن فى الدين بمجرده ناقض للعهد بل إذا كان مقرونًا بالنكث والمراد بالنكث ههنا
ما فعلته قریش بخزاعة حیث أمدت بنی بکر عليها.

٥٥٥
إعلاء السنن
باب أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا ويجوز
أن يؤذن لهم بدخولها لحاجة ولا يطيلون فيها المكث
٤٢٤٠- أخبرنا النضر بن شميل حدثنا صالح بن أبى الأخضر حدثنا الزهرى عن
سعيد بن المسيب عن أبى هريرة ((أن النبى معَّه قال فى مرضه الذى مات فيه:
((لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب))، رواه إسحاق بن راهويه فى "مسنده" (زيلعى
١٥٦:٢)، وابن أبى الأخضر ضعيف يعتبر به، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى
عن سعيد بن المسيب مرسلا ((لا تجتمع بأرض العرب أو قال بأرض الحجاز دينان)).
وذكره البلاذرى فى "الفتوح" أيضًا مختصرا وفيه: وكان فيه أخذ على أهل نجران أن لا يأكلوا
الربا فحكم فيهم عمر رحمه الله حين أكلوه بإجلائهم فإجماع القوم أنه من نقض عهدا فلا ذمة
له اهـ (ص١٦٢). وقد مر عن "الشامية" نقلا عن الخير الرملى والشرنبلالى وغيرهما أن عدم
انتقاض الذمة بالسب ونحوه، إنما هو إذا لم يشترط عليهم تركه أما إذا شرط به انتقض كما هو
ظاهر. قال الشرنبلالی بعد ذکر ما ألحقه عمر رضى الله عنه (فى العهد أن لا يشتروا من سبایانا شيئا
ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده): إن هذا دليل لما قاله الكمال بن الهمام من نقض العهد
بتمردهم واستعلائهم على المسلمين اهـ. قال الشامى: ولعلهم أى المتقدمون لم يقيدوا كلامهم بهذا
القيد لظهوره، كما تقدم عن الرملى لأن المعلق على أمر لا يوجد بدونه إلخ (٤٣٠:٣). قلت:
ومفاده أن أهل الذمة إذا نكثوا الشرط وأجمعوا عليه انتقض ذمتهم جميعاً، وإن لم يجمعوا انتقض
عهد الناكثين دون غيرهم، وهذا ظاهر بالتأمل فيما ذكرنا من الآثار، والله تعالى أعلم.
باب أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا ويجوز
أن يؤذن لهم بدخولها لحاجة ولا يطيلون فيها المكث
تواتر حدیث لا تجتمع فى جزيرة العرب دینان:
قوله: "أخبرنا النضر بن شميل إلى قوله: عن أبى عبيدة إلخ". قلت: وفى الموطأ قال مالك:
"قال ابن شهاب: فتفحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله مد لله
قال: لا تجتمع دينان فى جزيرة العرب، فأجلى يهود خيبر. قلل مالك وقد أجلى عمر بن الخطاب
يهود نجران وفدك" اهـ (ص ٣٦٠). وفيه ما يدل على كون الحديث متواترا فى زمن عمر رضى الله
عنه، ولا يخفى تواتره وإجماع المسلمين عليه بعده أيضًا فافهم.
قال محمد فى "السير الكبير" (٢٥٧:٣): وليس ينبغى أن يترك فى أرض العرب كنيسة،

ج - ١٢
أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا
٥٥٦
٤٢٤١- ورواه ابن هشام فى "السيرة" عن ابن إسحاق حدثنى صالح بن كيسان
عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة "قالت: كان آخر ما عهد به
رسول الله عَّ ◌ُّه أن لا يترك بجزيرة العرب دينان". قال الدار قطنى فى "علله": وهذا
حدیث صحیح (زیلعی ١٥٦:١٧).
ولا بيعة ولا بيت نار فى شىء من الأمصار والقرى، وكذلك لا ينبغى أن يظهر فيها بيع الخمر
والخنزير بحال من الأحوال لأن هذا كله يبتنى على سكنى أهل الذمة فيها، وهم لا يمكنون من
استدامة السكنى فى أرض العرب كرامة لرسول الله مَّه، وإلى ذلك أشار بقوله: ((لا يجتمع فى
أرض العرب دينان)). وقال: ((لئن بقيت لأخرجن أهل نجران من جزيرة العرب))، ثم أجلاهم عمر
بن الخطاب إلى الشام وقد كان لهم عهد من رسول الله مګ، و کذلك اجلی يهود خيبر ويهود
وادى القرى وغيرهم ممن كان يسكن أرض العرب من اليهود والنصارى، حتى لحق بعضهم بالشام
وبعضهم بالعراق. وإذا دخلها مشرك تاجرًا على أن يتجر ويرجع إلى بلاده لم يمنع من ذلك، وإنما
يمنع من أن يطيل فيها المكث؛ لأن حالهم فى أرض العرب مع التزام الجزية كحالهم فى المقام فى
دار الإسلام بغير التزام الجزية، وهناك لا يمنعون من التجارة وإنما يمنعون من إطالة المقام،
فكذلك حالهم فى أرض العرب حتى إذا أراد رجل من أهل الذمة أن ينزل أرض العرب مثل المدينة
ومكة والطائف والربذة ووادى القرى، فإنه يمنع من ذلك؛ لأن هذا كله من أرض العرب،
وقد بينا أن أرض العرب من عذيب إلى مكة طولا ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن
بمهرة عرضاً اهـ" ملخصا (٢٥٨:٣).
تحديد جزيرة العرب:
وقال الحافظ فى "الفتح": قال الزبير بن بكار وغيره: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى
حضرموت، قال الزبير: وهذا أشبه وحضرموت آخر اليمن، وقال الأصمعى: جزيرة العرب ما بين
أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا، ومن جده وما والاها إلى أطراف الشام عرضا. وسميت
جزيرة لإحاطة البحار بها، يعنى بجر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة وأضيفت إلى
العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام، وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذى يمنع المشركون من
سكناه الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم
جزيرة العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب. هذا
مذهب الجمهور، وعن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد (فيه نظر، كما سيأتى)، وعن مالك يجوز

٥٥٧
أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا
إعلاء السنن
٤٣٤٢- عن ابن عباس قال: ((اشتد برسول الله عَ لّه وجعه يوم الخميس
وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، الحديث متفق عليه
(نيل الأوطار).
دخولهم الحرم للتجارة، وقال الشافعى: لا يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين
خاصة اهـ وعلق البخارى عن يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب
فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن اهـ" (١٢٨:٦). وقال العينى فى "العمدة": ههنا فرع ذكره
فى التوضيح، وهو يمنع كل كافر عندنا وعند مالك من استيطان الحجاز ولا يمنعون من ركوب
بحره ولو دخل بغير إذن الإمام أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع. فإن استأذن فى دخوله أذن الإمام
أو نائبه فيه، إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة وحمل ما يحتاج إليه، وعن أبى حنيفة " جواز
سكناهم فى الحرم" (قلت: فى هذه النسبة نظر، والصحيح عنده جواز دخولهم الحرم لحاجة
لا جواز سكناهم). ومنع دخول حرم مكة قال تعالى: ﴿إنما المشركون نجس لا يقربوا المسجد
الحرام﴾، والمراد به هنا جميع الحرم.
قلت: مذهب أبى حنيفة أنه لا بأس بأن يدخل أهل الذمة المسجد الحرام، لأن النبى عد اله
أنزل وفد ثقيف فى مسجده وهم كفار رواه أبو داود وقد ذكرنا الحديث مع عدة أحاديث فى
معناه فى باب جواز نثر المال وتقسيمه فى المسجد، وجواز إنزال الكافر وربطه فيه من الجزء الخامس
لهذا الكتاب (ص ١٧٦ من هذه الطبعة)، فليراجع، والآية محمولة على منعهم أن يدخلوها
مستولين عليها ومستعلين على أهل الإسلام من حيث التدبير، والقيام بعمارة المسجد، فإن قبل
الفتح كانت الولاية والاستعلاء لهم، ولم يبق ذلك بعد الفتح، أو هى محمولة على كونهم طائفين
الكعبة حال كونهم عراة كما كانت عادتهم فى الجاهلية اهـ (٩٢:٧).
قال الموفق فى "المغنى": ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز، وبهذا قال مالك والشافعى
إلا أن مالكا قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله عَ لّه قال: ((لا يجتمع دينان
فى جزيرة العرب)) وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله عَ ليه يقول: ((لأخرجن
اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما)) قال الترمذى: حديث حسن صحيح،
وعن ابن عباس ((أوصى رسول الله عَ ◌ّ بثلاثة أشياء قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))
الحديث رواه أبو داود (قلت: بل متفق عليه كما فى المتن). وجزيرة العرب ما بين الوادى إلى أقصى
اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز، وقال أحمد: جزيرة العزب المدينة وما والاها يعنى أن الممنوع من

ج - ١٢
أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا
٥٥٨
٤٢٤٣- عن عمر رضى الله عنه "أنه سمع رسول الله عَ لّه يقول: لأخرجن
اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا". رواه أحمد ومسلم
والترمذى وصححه، (نیل).
سكنى الكفار المدينة، وما والاها، وهو مكة، واليمامة، وخيبر، والينبع، وفدك، ومخاليفها،
وما والاها وهذا قول الشافعى. لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن وقد روى عن أبى عبيدة
قال: آخر ما تكلم به النبى معَ ◌ّه أنه قال: ((أخرجوا اليهود من الحجاز)) فأما إخراج أهل نجران منه
فلأن النبى معَّ ◌ُلِّ صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكان جزيرة العرب فى تلك الأحاديث أريد
بها الحجاز، وإنما سمى حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد، ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز،
كتيماء، وفيد، ونحوهما لأن عمر لم يمنعهم من ذلك اهـ ملخصا (٦١٣:١٠ و٦١٤).
تحقيق مذهب الحنفية فى استيطان أهل الذمة أرض العرب:
قلت: مذهب الحنفية على ما يفيده كلام محمد بن الحسن فى "السير الكبير" و "الموطأ"
((منع أهل الذمة من استيطان أرض العرب كلها وإطالة المكث فيها)) فإنه استعمل لفظ جزيرة العرب
وأرض العرب وأطلق، ولم يقيده بالحجاز، وهذا هو مدلول الأحاديث التى ذكرناها فى المتن. وأما
ما قاله الحافظ فى "الفتح": إن الذى يمنع المشركون من سكناه، منها الحجاز خاصة لاتفاق الجميع
على أن اليمن منها مع أنها من جزيرة العرب" إلخ، فممنوع لما ذكره الموفق عن مالك أنه قال: أرى
أن يجلو من أرض العرب كلها، فكيف يصح دعوى الاتفاق مع خلاف مالك؟ وإما احتجاج
الموفق، ومن وافقه بحديث أبى عبيدة بلفظ أخرجوا اليهود من الحجاز، فلا يخفى أنه باللفظ الذى
ذكره لا يدل على أن المراد بجزيرة العرب هو الحجاز فقط.
فإن قيل: إن النبى عّ لّ لما قال: ((أخرجوهم من جزيرة العرب))، ثم قال: ((أخرجوهم من
الحجاز)) عرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط.
أجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة: منها: أن حمل جزيرة العرب على الحجاز وإن صح
مجازا من إطلاق اسم الكل على البعض فهو معارض بالقلب، وهو أن يقال: المراد بالحجاز جزيرة
العرب إما لانحجازها بالحرار الخمس، وإما مجازا من إطلاق اسم الجزء على الكل. فترجيح أحد
المجازين مفتقر إلى دليل، ولا دليل إلا ما ادعاه من فهم أحد المجازين. ومنها: أن فى خبر جزيرة
العرب زيادة لم تغير حكم الخبر والزيادة كذلك مقبولة. ومنها: أن علة التقرير فى غير الحجاز هى
المصلحة فرع ثبوت الحكم أعنى التقرير لما علم أن المستنبطة إنما تؤخذ من حكم الأصل بعد ثبوته

٥٥٩
أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا
إعلاء السنن
٤٢٤٤- عن أبى عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به رسول الله عّ لّه: أخرجوا
يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب)). رواه أحمد والبيهقى ومسدد
والجميدى فى "مسنديهما"، وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص".
والدليل لم يدل إلا نفى التقرير لا ثبوته لما ورد فى حديث ((لا يترك بجزيرة العرب دينان)) ونحوه.
فهذا الاستدلال واقع فى مقابلة النص المصرح فيه بأن العلة كراهة اجتماع دينين، فلو فرضنا أنه
لم يقع النص إلا على إخراجهم من الحجاز لكان المتعين إلحاق بقية جزيرة العرب به لهذه العلة
فكيف؟ والنص الصحيح مصرح بالإخراج من جزيرة العرب -وأيضًا- هذا الحديث الذى فيه
الأمر بالإخراج من الحجاز فیه الأمر یإخراج أهل نجران کما وقع فى حديث الباب وليس نجران من
الحجاز فلو كان لفظ الحجاز مخصصا للفظ جزيرة العرب على انفراده أو دالا على أن المراد
بجزيرة العرب الحجاز فقط لكان فى ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض، وإنه باطل.
وأيضًا غاية ما فى حديث أبى عبيدة الذى صرح فيه بلفظ أهل الحجاز مفهومه معارض
لمنطوق ما فى حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ: "جزيرة العرب"، والمفهوم لا يقوى على
معارضة المنطوق فكيف يرجح عليه؟ اهـ من "النيل" ملخصا (٢٧٧:٧).
وحديث أبى عبيدة بلفظ الباب يرد على الموفق قوله: "فأما إخراج أهل نجران منه، فلأن
النبى عّ لِّ كان صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده"، بل الظاهر إخراجهم لوصية النبى عّ لّ
بذلك، وبه قال مالك فى "الموطأ" كما مر أول الباب وبه صرح شارح "السير الكبير" منا، كما مر
أيضا، وبه قال أبو عبيد فى "الأموال" ونصه: وإنما نرى عمر استجاز إخراج أهل نجران، وهم
أهل صلح لحديث يروى عن النبى مَّ ◌ُلّه فيهم خاصةً، ثم ذكر أثر أبى عبيدة المذكور (ص٩٩). وبه
قال عمر بن عبد العزيز، قال البلاذرى فى "الفتوح": عبد الأعلى بن حماد الترسى (من رجال
الشیخین تق ص١١٦). حدثنا: حماد بن سلمة عن یحیی بن سعید عن إسماعيل بن حکیم (ابن
أبى حكيم من رجال مسلم ومالك فى "الموطأ" ثقة تق ص١٦) عن عمر بن عبد العزيز أن رسول
الله عَّ قال فى مرضه: ((لا يبقين دينان فى أرض العرب)) فلما استخلف عمر بن الخطاب رضى الله
عنه أجلى أهل نجران إلى النجرانية واشترى عقاراتهم وأموالهم (ص٧٣). والراجح أن الباعث على
إجلائهم كان ذلك وانضم إليه أكلهم الربا واتخاذهم الخيل والسلاح، فخافهم عمر رضى الله عنه
على المسلمين، فأجلاهم عن نجران اليمن إلى نجران العراق. إذا عرفت ذلك، فما ذكره ابن عبد البر
فى "الاستذكار" قال الشافعى: جزيرة العرب التى أخرج عمر اليهود والنصارى منها مكة،

ج - ١٢
أهل الذمة يمنعون من أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنًا
٥٦٠
٤٢٤٥- أخبرنا مالك أخبرنا نافع عن ابن عمر "أن عمر رضى الله عنه ضرب
للنصارى واليهود والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون، ويقضون حوائجهم،
ولم يكن أحد منهم يقيم بعد ذلك". أخرجه محمد فى "الموطأ". وقال: إن مكة
والمدينة، واليمامة، ومخاليفها.
فأما اليمن فليس من جزيرة العرب، كذا فى "النيل" (٢٧٦:٧). لا حجة فيه فإن نجران فى
مخاليف اليمن من ناحية مكة، كما فى معجم البلدان، وقد أجلى عمر اليهود والنصارى منها.
وبالجملة فمذهب الحنفية فى هذا الباب هو ما ذكره فى "البدائع" ونصه: أما أرض العرب
فلا يترك فيها كنيسة ولا بيعة ولا يباع فيها الخمر والخنزير مصرا كان أو قرية أو ماء من مياه
العرب ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنا كذا ذكره محمد تفضيلا الأرض
العرب على غيرها وتطهيرًا لها عن الدين الباطل. قال عليه السلام: ((لا يجتمع دينان فى جزيرة
العرب)) اهـ (١١٤:٧).
التنصيص على بعض أفراد العام لا يكون مخصصًا للعام:
فائدة: قال الشوكانى: وظاهر حديث ابن عباس رضى الله عنهما أنه يجب إخراج كل
مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، ويؤيد هذا ما فى حديث عائشة
المذكور بلفظ ((لا يترك بجزيرة العرب دينان)) وكذلك حديث عمر وأبى عبيدة لتصريحهما
بإخراج اليهود والنصارى، وبهذا يعرف أن ما وقع فى بعض ألفاظ الحديث من الاقتصار على الأمر
بإخراج اليهود لا ينافى الأمر العام لما تقرر فى الأصول أن التنصيص على بعض أفراد العام لا يكون
مخصصا للعام المصرح به فى لفظ آخر، وما نحن فيه من ذلك اهـ (٢٧٥:٧).
فائدة: أخرج البخارى عن ابن عمر أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز إلى
أن قال: أجلاهم إلى تيماء وأريحاء اهـ من "النيل" مذكور. وهما قريتان بالشام، كما فى "مجمع
البحار" (١٥٠:١). قلت: وكذلك الفيد من أطراف الحجاز مما يلى الشام فلا يثبت من إخراج عمر
واليهود والنصارى إليه جواز تقرير الكفار فى أرض العرب وإن سلمنا فيحتمل أن يكون أجلاهم
أولا إليه قبل أن يأتيه الثلج واليقين أن رسول الله عّ لّه قال: ((لا يجتمع دينان بجزيرة العرب»
فأجلاهم بعد إلى تيماء وأريحاء من الشام والله تعالى أعلم.
قوله: "أخبرنا مالك إلخ". فيه دلالة على أن عمر رضى الله عنه كان لا يترك الكفار يقيمون
فى المدينة فوق ثلاث للتجارة ونحوها قال أحمد، كما فى "المغنى" ونصه: ويجوز لهم أى لأهل
: