Indexed OCR Text

Pages 301-320

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣٠١
وقال: رواه الإمام البيهقى بإسناد صحيح اهـ وأفرط ابن حزم فى تضغيفه لجهالة.
الصحابی وهی لا تضر، ثم تناقض فقال: هو صحابى معروف هكذا ورجل من بلقين
هو اسمه، والبسط فى الحاشية.
حبيب البخارى صاحب أبى ثور عن محمد بن سهل سمعت على بن المدينى يقول فذ کر له قصة
مع المأمون فيمن سب النبى معَّه وذكر فيها. حديث رجل من بلقين هذا قال على (هو ابن حزم
نفسه): بهذا يعرف هذا الرجل وهو اسمه، وقد وفد على النبى معَّ ◌ُّه وبايعه، وادعى أن هذه اللفظة
علم عليه سماه بنها أهله وهو صحابى معروف" (٤١٣:١١). ونسى ما قاله من قبل فى "باب الجهاد"
فهل هذا إلا خبط عمياء، يجعل الرجل مجهولا إذا احتج به الخصم، ومعروفا معلوما إذا احتج به
هو نفسه. وبمثل ذلك يبتلى من أسرف وجاوز الحد فى الطعن على الأئمة بدهق لسانه، وذلق بيانه،
وأشار إليهم بينانه، ورماهم بجراحات لسانه. هذا، "ومحمد بن سهل" قال الحافظ فى "الإصابة":
ما عرفته، وفى طبقته محمد بن سهل العطار رماه "الدار قطنى" بالوضع اهـ (٢٣٢:٢) فأحسن الله
عزاءنا فيك يا ابن حزم فما أجرأك على تخطئة الأعلام والاحتجاج بمن لم يعرفه أحد من بين الأنام.
الرد على ابن حزم:
قال ابن حزم: "ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة، لأن الخمس من جملة الغنيمة يستحقه
دون أهل الغنيمة من لم يشهد الغنيمة بلا خلاف. فالسلب مضموم إلى ذلك بالنص اهـ". قلت: ما
أغفله عن معنى الحديث وأبعده عن فهمه، فإن الخمس قد أخرجه هذا الحديث نفسه عن الغنيمة لله
فكيف يصح إيراده علينا، وقوله: فهل أحد أحق بشىء من المغنم من أحد؟ ولفظ أبى عبيد: فالغنيمة
يصيبها الرجل، راجع إلى ما سوى الخمس حتمًا، وعام للسلب وغيره قطعًا، لا سيما قوله: فالغنيمة
يصيبها الرجل، فإن عمومه للسلب ظاهر، قال ابن حزم: "ثم يقال لهم: هلا احتججتم بهذا الخبر
على أنفسكم فى قولكم: إن القاتل أحق بالسلب من غيره، إذا قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه؟
فكان هذا الخبر عندكم مخصوصا بقول من لا وزن له عند الله إلخ (٣٣٨:٧).
قلنا: ليس هذا من التخصيص فى شىء، بل هو يحقق معنى قوله مظله: "ليس أحدكم أحق
به من أخيه" أى بل السلب موكول إلى رأى الإمام وإذنه، وما يأخذه القاتل بعد قول الإمام: من
قتل قتيلا فله سلبه، لا يأخذه على وجه الاستحقاق بنفسه بل بطريق التنفيل والنحلة من الإمام. وإذا
کان قول الإمام على وجه الاستنان بسنة الرسول والتأسی بفعله فى المغازی فله وزن عند الله، فهل
نسيت ما قدمت يداك فى أول الجهاد، وأن من أمره الأمير بالجهاد إلى دار الحرب، ففرض عليه أن

٣٠٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
٣٩٩٦- عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد
سلبه، فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله عَ ◌ّه عوف بن مالك
فأخبره، فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله! قال: ادفعه
إليه. فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول
الله عَ ◌ّه عليه وسلم؟ فسمعه رسول الله عَّ له فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد! هل
أنتم تاركون لى أمرائى؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنما ثم تحين
يطيعه وأفتيت بأن يغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق اهـ. فكيف جعلت إطاعة
من لا وزن له عند الله فرضا على المسلمين. فالجواب الجواب، والدليل الدليل. وأما قول ابن حزم:
ولم تخصوه بقول من لا إيمان لكم إن لم تسلموا لأمره إلخ. ففيه إن قوله مرّ ◌ُله: ((من قتل قتيلا فله
سلبه)) ليس على وجه نصب الشرع للأبد عندنا، بل على وجه التنفيل للتحريض على القتال،
مختصا بالموضع الذى قاله فيه. ولم نقل ذلك بالقياس، بل بدلالة الآثار على ذلك، منها أثر ابن
عباس الذى فتحنا به الباب، وحديث عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين هذا. ومنها ما سيأتى،
ومن جعله حكما عاما على وجه نصب الشرع للأبد لا دليل له على ذلك، إلا مجرد الظن
والقياس. وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا، لا سيما إذا عارضته النصوص، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عوف بن مالك إلخ" فيه عدة أمور، الأول: رد قول من قال: إنه عليه الصلاة
والسلام لم يقل: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) إلا فى حنين. فإن قصة عوف وخالد كانت فى مؤتة،
وغزوة موتة كانت قبل حنين. وقد اتفق عوف وخالد أنه عليه الصلاة والسلام نفل القاتل السلب
قبل ذلك.
والثانى: أنه مرّ منع خالدا من رد السلب إلى القاتل بعد ما أمره به فدل أن ذلك (أى قوله:
((من قتل قتيلا))) حيث قاله عَّه كان تنفيلا، وإن أمره خالدا بذلك كان تنفيلا، ولو كان شرعا.
لازما لم يمنعه من مستحقه قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: دل ذلك على أن السلب غير.
مستحق للقاتل، لأنه لو استحقه لما جاز أن يمنعه، ودل ذلك على أن قوله بديا: "ادفعه إليه" لم يكن
على جهة الإيجاب، وإنما كان على وجه النفل، وجائز أن يكون ذلك الخمس اهـ (٣: ٥٥). وأما
قول الخطابى: إنما منع عليه السلام خالدا فى الثانية أن يرد على عوف سلبه زجرا لعوف، لئلا يتجرأ
الناس على الأئمة لأن خالدا كان مجتهدا فى صنعه، لما رأى فيه من المصلحة فأمضى عليه السلام
اجتهاده واليسير من الضرر يحتمل للكثير من النفع إلخ (زيلعى ١٤٤:٢). ففيه الاعتراف بأن قول

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣٠٣
سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره
عليهم. رواه مسلم فى "صحيحه" (٨٨:٢) والطحاوى ولفظه: فعلاه (أى الحميرى)
بالسیف فقتله، فأقبل بفرسه وسيفه وسرجه ولجامه ومنطقته وسلاحه، كل ذلك
مذهب بالذهب والجوهر إلى خالد بن الوليد، فأخذ منه خالد طائفة ونفله بقيته. فقلت:
يا خالد! ما هذا؟ أما تعلم أن رسول الله عَّه نفل القاتل السلب كله؟ قال: بلى! ولكنى
استكثرته، فقلت: أما والله لأعرفنكها عند رسول الله عَ ليه " الحديث ورواته ثقات
عوف أن رسول الله عَ لّه قضى بالسلب للقاتل، كما هو عند أبى داود ومسلم فى "صحيحه".
لم يكن صريحًا فى استحقاق القاتل سلب قتيله عند خالد، وإلا لم يجز له الاجتهاد بمعرض النص،
ولم يمض النبى معَّ اجتهاده الباطل وإذا كان كذلك بطل احتجاج من احتج بحديث عوف هذا
على استحقاق القاتل السلب وجعله قوله معَّاء: ((من قتل قتيلا فله سلبه، حكما عاما على طريق
نصب الشرع للأبد فافهم. على أن قوله معنظيره: ((هل أنتم تاركون لى أمرائى؟ إنما مثلكم مثلهم -إلى
قوله- فصفوه لكم، وكدره عليهم صريح فى تحسين فعل خالد وتصويب رأيه كما لا يخفى على
من له مسكة باللسان. وأنه عَّ إنما أمره أو لا بالدفع لتطبيب قلب عوف ورفيقه، فلما اطلع على
ما كان قد جرى بينهم وأنهم جعلوا سلب القتيل للقاتل حقا مستحقا له، ونازعوا فيه أميرهم منع
خالد آن يرد عليه سلبه، هذا هو الظاهر المتبادر من لفظ الحديث. ولا يجوز صرف الكلام عن
ظاهره إلا بدليل.
الرد على ابن حزم:
وأما قول ابن حزم: إن النبى معَّه إنما أمره بأن لا يرد، لأنه علم أن القاتل صاحب السلب،
أعطاه بطيب نفس ولم يطلب خالدا به وإن عوفا يتكلم فيما لا حق له فيه. هذا هو نص الخبر
(المحلى ٣٣٨:٧). ففيه أن كل ذلك دعوي بلا دليل، وأين فى الحديث أن صاحب السلب أعطاه
بطيب نفس؟ هل مجرد ذكره يدل على طيب نفسه، كلا فإن سياق أبى داود صريح فى أن
صاحب السلب كان رفيق عوف ابن مالك، وأنه حاز فرس الرومى وسلاحه بعد قتله، فلما فتح الله
على المسلمين بعث إليه خالد فأخذ منه سلب الرومى (زيلعى ١٤٤:٢). والذى يجوزه الرجل أولا
ثم يؤخذ منه ثانيا، لا يوجد فيه طيب النفس ظاهرا، ولم يكن عوف ليتكلم خالدا فى شىء أعطاه
صاحبه بطيب نفس منه، ولا ليشكوه عند النبى عّ لّه فى مثله، بل إنما عرفه النبى عَّه ورفع إليه
القصة لعلمه بأن صاحب السلب لم يطب نفسا بما أخذ منه هذا هو نص الحديث والذى قاله ابن

٣٠٤
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
كلهم. ورواه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد
الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك نحوه، إلا أنه قال: فلما فتح الله
الفتح أقبل بسلب القتيل، وقد شهد له الناس أنه قاتله. فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك
سائره، فلما قدم المدينة استعدى رسول الله مَّ ◌ُّ فدعا خالدًا)) فذكر الحديث
(المغنى ١٣٤:٢) لابن قدامة"، وإسماعيل بن عياش حجة فيما رواه عن أهل الشام وهذا
منه فإن صفوان بن عمرو من أهل الحمص (تهذيب ٤٢١:١٠).
حزم إنما هو من تحريف الكلام تمشية لمذهبه، ومن رمى الصحابى بما هو برىء منه تقوية لرأيه.
والعجب ممن يبطل القياس، ويذمه ويطعن أهله ويرميهم بكل سوء كيف يجترئ على تحريف
الحديث، وصرفه عن ظاهره وبمثل هذا يبتلى من لا دراية له ولا فهم على أن سياق سعيد بن منصور
صريح فى أن القاتل صاحب السلب لما قدم المدينة استعدى رسول الله مرّ له ويمكن الجمع بينه وبين
سياق مسلم وأبى داود بأن عوفا ورفيقه كلاهما استعد يا رسول الله مَّ له وتولى عوف الكلام
أشار إلى ذلك النووى فى "شرح مسلم" له بقوله: وإنما أخره تعزيرا له، ولعوف بن مالك لكونهما
أطلقا ألسنتهما فى خالد رضى الله عنه، وانتهكا حرمة الوالى ومن ولاه اهـ (٨٨:٢). فانهدم بناء
ابن حزم على ظنه وتخمينه بلا دليل رأسا وأساسا.
والثالث: أن الحديث قد رواه أبو داود ومسلم بلفظ: "قال عوف: فأتيت خالدا فقلت له:
يا خالد! أما علمت أن رسول الله عَّ له قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى إلخ" "(زيلعى ١٤٤:٢).
واحتج به الشافعى ومن وافقه على أن قول رسول الله عَ ليه: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) كان بطريق
القضاء ونصب الشرع على وجه إيجاب السلب للقاتل. وفيه أن خالدا قد علم به ولم يكن ذلك
عنده على وجه الإيجاب وأقره على ذلك النبى معَّ له كما مر، فدل على ما قلنا: إن هذا القضاء
والقول لم يكن على وجه نصب الشرع بل على وجه التنفيل. يؤيده أن الطحاوى أخرج الحديث
بسند رجاله ثقات كلهم، بلفظ: ((يا خالد! ما هذا؟ أما تعلم أن رسول الله عّ لّه نفل القاتل السلب
كله؟ قال: بلى ولكنى استكثرته)) الحديث ليس فيه قضى بالسلب للقاتل فلعل بعض الرواة عبر عن
التنفيل بلفظ القضاء، وطرق الحديث يفسر بعضها بعضها. فالحديث حجة لنا لا علينا. وبه اتضح
أن عوفا لم يكن يرى السلب حقا للقاتل كما هو رأى خالد بل كان ذلك له على وجه النفل
عندهما، وإنما أنكر على خالد لكونه لم ینفله السلب کله بل بعضه يؤيده سياق سعيد بن منصور
وهو مذكور فى المتن أيضا. فاندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى": لا حجة لهم أى للمالكية

ن -
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣٠٥
٣٩٩٧- عن عبد الرحمن بن عوف فى قصة قتل أبى جهل قتله غلامان من
الأنصار حديثه أسنانهما، ثم انصرفا إلى رسول الله عّ لّه فأخبراه فقال: أيكما قتله؟
فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل سحتما سيفيكما؟ قالا: لا! فنظر فى
السيفين فقال: كلا كما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح متفق عليه (نيل
الأوطار ١٦٨:٧).
٣٩٩٨- عن ابن مسعود قال: ((نفلنى رسول الله عَّ له يوم بدر سيف أبى جهل
والحنفية فى هذا بل هو حجة عليهم، لوجوه أولها: أن فيه نصا جليا أن النبى مرّ لّه قضى بالسلب
للقاتل، وهذا قولنا وثانيها: أنه عليه السلام أمر خالدا بالرد عليه إلخ (٣٣٨:٧). وفيه دليل على قلة
مراجعته لطرق الحديث وعدم نظره فى جملة سياقها، ولو اطلع على لفظ الطحاوى وسعيد بن
منصور لم يقل ما قال ونكس رأسه خاشعا، وأما إنه أمر خالدا بالرد عليه، فإنه منعه ثانيا عن الرد
إليه. قال: ((ولو كان كما يوهمون لما كان لهم فيه حجة لأن يوم حنين الذى قال فيه عليه السلام:
من قتل کافرا فله سلبه کان بعد يوم مؤتة بلا خلاف فیوم حنین حکمه ناسخ، لما تقدم لو كان
خلافه)) اهـ. قلت: يا لها من جرأة على دعوى النسخ بلا دليل! وهل فى قوله مرّ له((من قتل قتيلا
فله سلبه)) ما يدل على كونه بطريق القضاء ونصب الشرع للأبد، وما ينفى كونه على وجه التنفیل
للتحريض على القتال بهذا الموضع؟ وإذا جاء الاحتماا بطل الاستدلال.
قوله: "عن عبد الرحمن بن عوف".
قوله: "عن ابن مسعود إلخ". قال الجصاص: "فلما قضى به لأحدهما مع إخباره أنهما قتلاه
دل على أنهما لم يستحقاه بالقتل، ألا ترى أنه لو قال: "من قتل قتيلا فله سلبه". ثم قتله رجلان
استحقا السلب نصفين اهـ (٣: ٥٥). قال الحافظ فى "الفتح": احتج به من قال إن إعطاء القاتل
السلب مفوض إلى رأي الإمام، وقرره الطحاوى وغيره بأنه لو كان يجب للقاتل لكان السلب .
مستحقا بالقتل، ولكان جعله بينهما لاشتراكهما فى قتله، فلما خص به أحدهما دل على أنه
لا يستحق بالقتل، وإنما يستحق بتعين الإمام (أو تنفيله قبل القتال أو فى أثناءه)، وأجاب الجمهور
بأن فى السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن فى القتل ولو شاركه غيره فى الضرب أو
الطعن، قال المحلب: نظره مرِّ فى السيفين، واستدلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما،
ومقدار عمق دخولهما فى جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان فى ذلك أبلغ، ولذلك سألهما
أولا هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك وإنما قال: كلا كما

٣٠٦
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
كان قتله)) رواه أبو داود ولأحمد معناه وإنما أدرك ابن مسعود أبا جهل وبه رمق فأجهز
عليه روى معنى ذلك أبو داود وغيره (نيل ١٦٨:٧، ١٦٤:٧) وفيه أيضًا - قال فى
"مجمع الزوائد": إن رجال أحمد رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبى كريمة
وهو ثقة اهـ.
قتله وإن كان أحدهما هو الذى أثخنه ليطيب نفس الآخر، وقال الإسماعيلى: إن الأنصاريين ضرباه
فأتخناه، وبلغا به المبلغ الذى يعلم معه أنه لا يجوز بقاءه على تلك الحال إلا قدر ما يطفا، وقد دل
قوله كلامكما قتله على أن كلا منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من
سيفيهما كعمل الأخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار فی حکم المثبت جراچه حتى وقعت
به ضربة الثانى فاشتركا فى القتل إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت فلذلك
قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه اهـ (١٧٦:٦، ١٧٧) قلت: ولكن يرد عليه تنفيله مَ لآه ابن
مسعود سیف أبی جهل وإنما أدر كه وبه رمق فأجهز علیه، وقد اتفقوا أن سلاح القتیل من سلبه،
فإن كان القاتل يستحق السلب لكونه قاتلا من غير أن ينفله الإمام لم يجز أن يمنع معاذ بن عمرو
سيفه، ويعطاه غيره. فالحق ما قلنا: إن القاتل لا يستحق السلب بالقتل وإنما يستحق بتعيين الإمام
وتنفيله، وأما ابن حزم فقد سلك سبيله فى دعوى النسخ بلا دليل. وقال: لا حجة لهم فى هذا كله
وأین یوم بدر من یوم حنین، وبينهما أعوام وما نزل حكم الغنائم إلا بعد يوم بدر فكيف يكون
السلب للقاتل؟ (١٣٣:٧ المحلى)، وقد أُشبعنا الكلام فى جوابه، فلا نعيده.
وقوله: "وما نزل حكم الغنائم إلا بعد يوم بدر" ففيه أن حکم الأنفال کان قد نزل يوم
بدر يدل عليه حديث سعد ((جئت إلى النبى عّ لّ يوم بدر بسيف -إلى قوله- إنك سألتنى هذا
السيف، وليس هو لى ولا لك وإن الله قد جعله لى فهو لك ثم قرأ ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾
أخرجه أبو داود ومسلم والترمذى والنسائى كما تقدم فى الباب السابق والسلب من الأنفال كما
هو ظاهر فمن ادعى نزول حكم الغنائم بعد يوم بدر فليأت ببرهان، وإن سلم فتأخر حكم الغنائم
لا يستلزم تأخر حكم الأنفال، فافهم. قال الحافظ فى "الفتح": وتعقب بأنه مَ ◌ّه لم يقل: ((من قتل
قتيلا فله سلبه)) إلا يوم حنين قال مالك: لم يبلغنى ذلك فى غير حنين، وأجاب الشافعى وغيره بأن
ذلك حفظ عن النبى مّ له فى عدة مواطن منها يوم بدر، كما فى أول حديثى الباب، ومنها حديث
حاطب بن أبى بلتعة "أنه قتل رجلا يوم أحد فسلم له رسول الله سلبه" أخرجه البيهقى ومنها
حديث جابر أن عقيل بن أبى طالب قتل يوم مؤتة رجلا فنفل النبى عدّ لـ درعه، وكما روى البيهقى

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣٠٧
٣٩٩٩- عن مكحول عن جنادة بن أبى أمية قال: كما معسكرين بدابق فذكر
ابن مسلمة الفهرى "أنه نبيه القبرصى، خرج بتجارة من البحرين يريد بها بطريق أرمينية
فخرج عليه حبيب بن مسلمة فقاتله فقتله فجاء بسلبه يحمله على خمسة أبغال من
الديباج والياقوت والزبرجد، فأراد حبيب أن يأخذه كله وقال: إن رسول الله عّ لّه قال:
(من قتل قتبلا فله سلبه)) فقال أبو عبيدة: خذ بعضه فإنه لم يقل ذلك للأبد وسمع بذلك
والحاکم یاسناد صحیح عن سعد بن أبى وقاص أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: «تعال بنا ندعو
فدعا سعد فقال: اللهم ارزقنى رجلا شديدا بأسه فأقاتله ويقاتلنى ثم ارزقنى عليه الظفر حتى أقتله
وآخذ سلبه)) و كما روى أحمد بإسناد قوى عن عبد الله بن الزبير: " كانت صفية فى حصن حسان
بن ثابت يوم الخندق فذكر الحديث فى قصة قتلها اليهودى وقولها لحسان: انزل فأسلبه فقال:
مالى بسلبه حاجة"، وكما روى ابن إسحاق فى المغازى فى قصة قتل على بن أبى طالب عمرو بن
عبد ود يوم خندق أيضا، فقال له عمر: هلا استلبت درعه فإنه ليس للعرب خير منها؟ فقال: إنه
أتقانی بسوءته، ثم کان ذلك مقررا عند الصحابة، کما روی مسلم من حديث عوف بن مالك فی
قصته مع خالد بن الوليد وإنكاره عليه أخذه السلب من القاتل الحديث بطوله اهـ (١٧٦:٦) قلت:
قد تقدم تقرير ما كان مقررا عند الصحابة، فتذكر.
وبالجملة فقد ثبت عن النبى عّ لّ تنفيل القاتل السلب فى غير موطن واحد سوى حنين
فقوله: يوم حنين ليس إلا كقوله: فى مواطن أخر سواها، وقد ثبت أن قوله فى ما سواها لم يكن
على طريق الإيجاب بل على طريق التحريض عند الحاجة، فكذا قوله هناك. ومن ادعى غير ذلك
معليه البيان فإن مجرد تأخر قول لا يستلزم كونه ناسخا لما تقدمه من الأقوال والأفعال ما لم يثبت
كونه منافيا للمتقدم مبطلا له صراحا.
قوله: "عن مكحول عن جنادة إلخ" ليعلم الناظر فى كتابنا هذا إنا لا نذكر الضعاف
والمراسيل فى المتن احتجاجا بها، فقد نعلم أن المحدثين أكثرهم لا يجيزون الاحتجاج بمثلها، وإن
كان الفقهاء من المالكية والحنابلة يوافقوننا فى الاحتجاج بها، بل وفقهاء الشافعية أيضا كما ذكرناه
فى "المقدمة" وإنما نذكرها اعتضادًا، أو تفسيرا للحديث الصحيح المحتج به اتفاقا، فإن تفسير
الحديث وتأويله يجوز بالقياس والرأى أيضا، فبالحديث الضعيف أو المرسل بالأولى، فإنه مقدم على
آراء الرجال عندنا. وذلك، كتأويل الآيات بأخبار الآحاد ومراسيل التابعين، فإن ذلك جائز اتفاقا،
فلا بدع فى تأويل الأحاديث الصحاح وتفسيرها بالمراسيل والضعاف، ومن ادعى الفرق، فليأت

٣٠٨
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
معاذ بن جبل فقال معاذ لحبيب: ألا تنقى الله وتأخذ ما طابت به نفسك لك فإنما لك ما
طابت به نفس إمامك، وحدثهم بذلك معاذ عن النبى معَّ فاجتمع رأيهم على ذلك
فأعطوه بعد الخمس فباعه حبيب بألف دينار" أخرجه إسحاق بن راهويه عن بقية بن
الوليد حدثنى رجل عن مكحول فذكره وأعله البيهقى بالانقطاع بين مكحول ومن
فوقه وبجهالة الراوى عن مكحول (زيلعى ١٤٣:٢) و(دراية ص٢٦٥) قلت: مكحول
فى الدرجة الثانية من المدلسين فى عداد من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له فى
الصحیح لإمامته کذا فى طبقات المدلسین (ص ١٦:٢) والراوى عن مكحول هو موسى
ابن يسار فقد أخرجه الطبرانى فى "الكبير والأوسط" بطريق عمرو بن واقد عن موسى
عن مكحول إلخ (زيلعى ١٤٣:٢)، وسيأتى الكلام على تراجم الرواة فى الحاشية.
ببيان. فإن الحديث الضعيف والمرسل بالنسبة إلى الحديث الصحيح كالصحيح من الآحاد بالنسبة
إلى الآيات، بل فوقه، كما هو ظاهر. وبعد ذلك فنقول: إن حديث مكحول هذا لم نذكره
احتجاجا به بل لتفسير الحديث الصحيح فحسب. فقد قدمنا أن قوله مّ لّ يوم حنين: "من قتل
قتيلا فله سلبه" محتمل أن يكون على وجه نصب الشرع للأبد، وأن يكون على طريق التنفيل
للتحريض على القتال مختصا بهذا الموضع، كقوله يوم الفتح: ((من دخل المسجد فهو آمن ومن
أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن»، ونحوه وحديث مكحول هذا يفسر هذا الإجمال
ويرفع ما فيه من الاحتمال، ويبين أن قوله ذلك لم يكن للأبد. ألا ترى أن حبيب بن مسلمة أراد أن
يأخذ السلب كله محتجا بقوله مَّ له: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) فقال أبو عبيدة: خذ بعضه فإنه مرّ له.
لم يقل ذلك للأبد، وقال معاذ: إنما لك ما طابت به نفس إمامك أى من النفل الذى هو موكول إلى
رأى الإمام.
الرد على ابن حزم:
ولم يدرك ابن حزم هذا المعنى فجعل يورد على الحنفية ما لا يرد عليهم أصلا. فقال: إنه
مبطل لقولهم: إن الذى وجد الركاز له أن ينفرد بجميعه، دون طيب نفس إمامه (هذا إذا كان
وجده فى دار الحرب وإلا فلا) ثم نقول للمحتج بهذا الخبر: أرأيت إن لم تطب نفس الإمام لبعض
الجيش بسهمهم من الغنيمة، أيبطل بذلك حقهم، إن هذا لعجب إلى آخر ما أتى به من دهق لسانه
المحلى ٣٣٩:٧).
وهذا كله كلام من لا دراية له فى معانى الحديث، ولا فقه فإن قول معاذ: إنما لك ما طابت

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣٠٩
٤٠٠٠- عن غالب بن حجرة عن أم عبد الله بنت الملقام بن التلب عن أبيها حن
أبيه ((أن رسول الله عَّ قال: من أتى بمول فله سلبه)) أخرجه ابن حزم فى "المحلى"
(٣٣٩:٧)، وأعله بجهالة هؤلاء الرواة كلهم، وغالب ذكره ابن حبان فى "الثقات"
(تهذيب ٢٤٢:٨)، والملقام بن التلب ذكره البخارى وغيره فى التابعين وابن قانع فى
به نفس إمامك ليس بوارد إلا فى الذى هو موكول إلى رأى الإمام کما دل عليه محل الكلام
وقرينة المقام، وبداهته أن طيب نفس الرجل إنما يعتبر فيما هو موكول إليه شرعا، وليس من الورع
الإيراد على الخصم قبل فهم الحديث، وإدراك معناه.
الكلام مع ابن حزم فى إسناد الحديث:
وقال أيضا: هذا خبر سوء كذب بلا شك لأنه من رواية عمرو بن واقد، وهو منكر الحديث
قاله البخاري وغيره - (قلت: لم ينفرد بل تابعه بقية بن الوليد عند إسحاق بن راهويه)- وهو ثقة
من رجال.مسلم إلا أنه مدلس وقد صرح بالتحديث، وأيضا فعمرو بن واقد سئل عنه محمد بن
المبارك فقال: کان یتبع السلطان و کان صدوقا، وقال ابن عدی: هو ممن يكتب حديثه مع ضعفه،
کذا فی "التهذيب" (١١٦:٨) عن موسی بن یسار وقد تر که یحیی القطان، وقد روینا عن موسی
هذا أنه قال: كان أصحاب محمد رسول الله عَّه أعرابا حفاة فجئنا نحن أبناء فارس فلخصنا هذا
الدين فانظروا بمن يحتجون على السنن الثابتة (قلت: نظرنا فأحسن الله عزاءنا فيك يا ابن حزم فما
أجرأك على تكذيب الأحاديث وردها من غير علم، فإن الذى تركه يحيى القطان وقال ما قاله من
كلمة شنيعة إنما هو موسى بن يسار الأسوارى وصوابه ابن سيار صرح به الذهبى فى "الميزان"،
وفرق بينه وبين موسی بن یسار الدمشقی صاحب مکحول فقال فیه "لا بأس به (٢: ٢٢٠) ثم عن
مكحول عن جنادة ومكحول لم يدرك جنادة وقد أجبنا عن ذلك فى المتن فلا نعيده وبينا أن الحنفية
لم يحتجوا بهذا الحديث بل إنما ذكروه تفسيرا للحديث الصحيح الذى وقع النزاع فى معناه،
ولا ريب فى كونه صالحا له، كما تقدمت الإشارة إليه فثبت ما قلنا: إن القاتل لا يستحق السلب
بالقتل بتنفيل الإمام، وإن قوله مَّ ◌ُّه: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) لم يكن على وجه نصب الشرع للأبد
بل على طريقة التنفيل تحريضا على القتال.
قوله: "عن غالب بن حجرة إلخ". قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: إن النبى عد له:
قال: من أتى بمول فله سلبه، ومعلوم أن ذلك حكم مقصور على الحال فى تلك الحرب خاصة إذا
لا خلاف أنه لا يستحق السلب بأخذه موليا (فكذا قوله: "من قتل قتيلا فله سلبه مقصورا على

٣١٠
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
الصحابة "الإصابة" (٢١٤:٦) والتلب له صحبة وأحاديث وقد استغفر له رسول الله
مَّ اله ثلاثا (الإصابة ١٩٠:١) وقد أخرج أبو داود لغالب بن حجرة عن الملقام عن أبيه
حدیثا فى الأطعمة، وسكت عنه وقال المنذری: قال البيهقى: هذا إسناد غير قوى (عون
المعبود ٢١٧:٣)، وهذا تليين هين، وليس فى النساء من اتهمت، ولا تركت صرح به
الذهبى فى "الميزان" (٣٩٥:٢) ولم نذكر الحديث احتجابه، بل اعتضادًا وتفسيرًا لغيره
من الأحاديث، ولا ريب أنه صالح لذلك.
٤٠٠١- عن عبادة بن الصامت فى حديث مرفوعًا ((وكان عَّ له يكره
الأنفال ويقول: ليرد قوى المؤمنين على ضعيفهم)) رواه أحمد وصححه ابن حبان
(نيل ١٧٣:٧-١٧٤).
الحال فى تلك الحرب خاصة ولم يكن على طريق نصب الشرع للأبد) وهو كقوله يوم الفتح ((من
دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن، ومن أات.
سلاحه فهو آمن)) اهـ (٣: ٥٤) وأتى ابن حزم من دهق لسانه هاهنا بما يأباه الورع ويأنف عن ذكره
العلم فجهل غالب بن حجرة، وقد وثقه ابن حبان وجهل ملقام بن التلب وقد ذكره البخارى
وغيره فى التابعين واحتج أبو داود بغالب وملقام، والحنفية لم يذكروا الحديث للاحتجاج بل
لتفسير الأحاديث الصحيحة به ولا ريب أنه صالح لذلك حتما وليس من العمى الاحتجاج
الصحيح من الأحاديث، وتعيين إحدى محامله بما روى من المراسيل والحسان والضعاف التى لم
يتهم أحد من رواتها بالكذب، والوضع اتفاقا. وإنما العمی أن یحتج بظاهر حدیث واحد ویعین له
محمل بالرأى خلاف ما نطقت به الأحاديث الكثيرة المروية عن النبى معَّ آله وأصحابه فى الباب.
قوله: "عن عبادة بن الصامت إلخ" قال فى "البدائع": إن القياس يأبى جواز التنفيل
والاختصاص بالمصاب من السلب وغيره لأن سبب الأختصاص إن كان هو الجهاد وجد من الكل
وإن كان هو الاستيلاء والإصابة والأخذ فذلك حصل بقوة الكل فيقتضى الاستحقاق للكل
فتخصيص البعض بالتنفيل يخرج مخرج قطع الحق عن المستحق فينبغى أن لا يجوز إلا إنا استحسنا
الجواز بالنص وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها النبى حرّض المؤمنين على القتال﴾ والتنفيل تحريض
على القتال بإطماع زيادة المال، لأن من له زي، غنا وفضل شجاعة لا يرضى طبعه بإظهار ذلك إلا
ياطماع زيادة لا يشاركه فيه غيره، فإذا لم يطمع لا يظهر فلا يستحق الزيادة اهـ (١١٥:١).
: حاصله ترجيح كون قوله عدّ له: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) على سبيل التحريض عند الحاجة

٣١١
ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٤٠ ٤٠٠٢- ويفسره ما روى سعيد عن قتادة مرسلا وعمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده ((أن النبي ◌ُّ لِّ كان ينفل الرجل من المسلمين سلب الكافر إذا قتله فأمرهم أن يرد
بعضهم على بعض قال: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم أى ليردن بعضكم على بعض))
أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٣٣٩:٧)، وقال: هذا لا شىء لأنها صحيفة ومرسل اهـ
قلت: لم يزل الأئمة يحتجون بهذه الصحیفة، کما فی "تهذيب" (٤٩:٨-٥٥) عن
البخارى وعن على بن المدينى وغيرهما. والمرسل إذا اعتضد بموصول كان حجة عند
الكل، كما ذكرناه فى المقدمة، وفى هذا الكتاب غير مرة.
٤٠٠٣- وكيع عن سفيان عن الأسود بن قيس العبدى "أن شبر بن علقمة قتل
لا بطريق نصب الشرع بالقياس الذى ذكره، وحديث عبادة هذا يؤيد هذا القياس لما فيه من
التصريح بأنه مَ ◌ّ كان يكره الأنفال أن ينفل القاتل سلب الكافر إذا قتله وكان يحب أن يرد قوى
المؤمنين على ضعيفهم أى ولكنه كان ينفل فى بعض منازيه إذا دعت الحاجة إليه للتحريض عملا
بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى حرّض المؤمنين على القتال﴾، فثبت أنه لم يقل: ((من قتل قتيلا فله سلبه))
نصبا للشرع، بل إنما قاله تحريضا على القتال عند الحاجة لأن المكروه إذا أبيح للضرورة فإنما يتقدر
بقدرها، فافهم.
وأما ابن حزم فلم يطلع إلا على مرسل قتادة، وموصول عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
ولم يطلع على لفظ أحمد وابن حبان ولو اطلع عليه لم يقل: ولو صح لكان فى أمر بدر، وقد قلنا:
إن القضاء بالسلب للقاتل كان فى حنين بعد ذلك بأعوام اهـ (المحلى ٧: ٣٤٠). لأن قوله يوم حنين:
"من قتل قتیلا فله سلبه" لا يدل على أنه لم يكن يحب يومئذ أن يرد قوى المؤمنين على ضعيفهم،
وأنه قال ذلك من غير حاجة داعية إليه. ومن ادعى فعليه البيان كيف وإن استحباب رد القوى على
الضعيف مما لا يقبل النسخ اتفاقا، ودعوى النسخ لا تقبل إلا ببينة فتذكر.
قوله: "وكيع عن سفيان إلخ" احتج به ابن حزم على أن سلب القتيل لقاتله وأنه يستحقه،
ولا حجة له لما فيه من قوله: فنفله إياه سعد "والتنفيل" نغة هبة ما لا يستحقه الرجل زيادة على حقه
كما هو ظاهر، ولو كان حقا له لم يحتج إلى نفله ولا إلى الإعلام به فى الخطبة والقصة أخرجها
ابن جرير الطبرى فى "تاريخه" كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن المغيرة
العبدى عن الأسول بن قيس عن أشياخ لهم شهدوا القادسية "قالوا: لما كان يوم عماس (يوم من
أيام القادسية) خرج رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفین هدر وشقشق ونادی من یبارز

٣١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
يوم القادسية عظيما من الفرس مبارزة وأخذ سلبه فأتى به إلى سعد بن أبى وقاص فقومه
اثنى عشر ألفا فنفله إیاه سعد " أخرجه ابن حزم (المحلی ٣٣٦:٧)، واحتج به، ورواه
سعيد ابن منصور بإسناده عن شبر بن علقمة نحوه -وفيه- فقتلته وأخذت سلبه فأتيت
فخرج رجل منا، يقال له شبر بن علقمة - وكان قصيرا قليلا دميما، فقال: يا معشر المسلمين! قد
أنصفكم الرجل فلم يجبه أحد، فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وجحفته وتقدم، فذكر الحديث
بطوله - إلى أن- قال: فذبحه وسلبه ثم أتى به سعدا، فقال: إذا كان حين الظهر فأتنى فوافاه
بالسلب، فحمد الله سعد وأثنى عليه ثم قال: إنى قد رأيت أن أنحله إياه، وكل من سلب سلبا، فهو
له. فباعه باثنى عشر ألفا اهـ (١٢٧:٤).
وهذا صريح فى ما قلنا: "إن القاتل لا يستحق السلب بالقتل بل بتنفيل الإمام" وإلا لم يكن
لقول سعد: إنى قد رأيت أن أنحله معنى، ولا لقوله: "وكل من سلب سلبا فهو له". وقد ذكر
صاحب "التمهيد" قضية شبر هذه ثم قال: "وهذا يدل على أن أمر السلب إلى الأمير؛ ولو كان
للقاتل قضاء من النبى ◌ّ له ما احتاج الأمراء إلى أن يض مها ذلك إلى أنفسهم بإجتهادهم، ولأخذه
القاتل بدون أمرهم" اهـ من "الجوهر النقى" (٥٩:٢) -وفيه أيضا- الرواية بالتخميس عن عمر
صحيحة أخرجها ابن شيبة من طريقين صحيحين وأخرجها أيضا غيره اهـ وثبت به أن الإمام إذا
لم يكن تقدم إلى الجيش بالتنفيل ثم أراد أن ينفل أحدا من جملة الغنيمة لزمه استطابة نفوس الغانمين
به، وأما إذا تقدم إليهم بقوله: ((من قتل قتيلا فله سلبه))، ولم ينكره عليه أحد فقد طابت أنفسهم
باختصاص القاتل بالسلب، فلا حاجة إلى استطابتها ثانيا، فافهم.
فإن ابن حزم لم يدرك هذا المعنى وزعم أن الحنفية قد أحلوا السلب بقول من لا وزن له عند
الله، ولم يدر حقيقة قولهم هذا. وقد نبهناك عليه فتيقظ وأما إذا أراد أن ينفل أحدا من الخمس،
وكان من مصارفه فلا حاجة إلى استطابة نفوس الغانمين، فإن الخمس موكول قسمته إلى رأى
الإمام، كما تقدم. وأخرج ابن جرير أيضا كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن سعيد بن
المرزبان "قال: خرج زهرة حتى أدرك الجالنوس ملكا من ملوكهم، وعليه يارقان وقلبان وقرطان
على برذون له، قد خضد فحمل عليه فقتله فجاء بسلبه إلى سعد فعرف الأسارى الذين عند سعد
سلبه فقالوا: هذا سلب الجالنوس، فقال له سعد: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم قال: من؟ قال:
الله! فتفله سلبه" كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن عبيدة عن إبراهيم "قال: كان سعد
استکثر. له سلبه فکتب فیه إلی عمر أنی قد نفلت من قتل رجلا سلبه، فدفعه إلیه فباعه بسبعين
ألفا" وعن سيف عن البرمكان والمجالد عن الشعبى "وذكر قصة قتله - وفيه- فتفرع زهرة ما كان

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
١
به سعدا فخطب سعد أصحابه وقال: إن هذا سلب شبر خير من اثنى عشر ألفا، وإنا قد
نفلناه إياه (المغنى لابن قدامة ٢٢٧:١٠).
على الجالنوس فبلغ بضعة وسبعين ألفا، فلما رجع إلى سعد نزع سلبه، وقال: ألا انتظرت إذنى
وتكاتبا فكتب إلى سعد أمض له سلبه؛ وفضله على أصحابه عند العطاء بخمسمائة" وعن سيف
عن عبيدة عن عصمة قال: كتب عمر إلى سعد أنا أعلم بزهرة منك وأن زهرة لم يكن ليغيب من
سلب سلبه شيئا، وإنى قد نفلت كل من قتل رجلا سلبه فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا اهـ (٤: ١٢٤
و ١٣٥) مختصرا.
وفى قول سعد "ألا انتظرت إذنى" دليل واضح على ما قلنا: إن القاتل لا يستحق السلب إلا
بإذن الإمام وتنفيله إياه وفى قول عمر: "لم يكن زهرة ليغيب من سلب سلبه شيئا" دليل على أن
القاتل لا يجوز له أن يستبد بقبض السلب قبل أن ينفله الإمام إياه. ويرحم الله ابن حزم، حيث أجاز
للقاتل إذا لم تكن له بينة أو خشى أن ينتزع السلب منه، أو أن يخمس أن يغيبه أو يخفى أمره.
فليت شعرى من أين أخذ هذا القول الفاسد؟ والصحابة لا يجيزونه فهل هو أدرى بمعنى قوله معد له
من قتل قتيلا فله سلبه، وأعرف بحقيقته من الصحابة؟ والعجب ممن يبطل القياس ويذمه أن يفسر
الحديث برأيه ولا يعول على ما فسره به الصحابة وهم أقرب الناس إلى رسول الله مَّ له وأعرفهم به
وبأقواله فإلى الله المشتكى. وأعجب من ذلك كله أنه قال: كل من قتل قتيلا من المشركين فله سلبه
قال ذلك الإمام أو لم يقله. كيف ما قتله صبرا، أو فى القتال اهـ (المحلى ٣٣٥:٧).
وقد علمنا أن رسول الله عّ لّه أمر بقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط بعد بدر صبرا
وأمر بقتل العرنيين بعد ذلك، وبضرب أعناق المقاتلة من بنى قريظة وهم زهاء سبعمائة رجال،
وبقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ولم يثبت قط أن أحدا سلبهم، أو أنه عرِّ نفل من قتلهم
أسلابهم ومن ادعى فعليه البيان. فلا ندرى من أين أخذ ابن حزم حكم سلب القتيل صبرا.
قال الموفق فى "المغنى": " وإن انهزم الكفار كلهم فأدرك إنسان منهزما منهم فقتله فلا سلب
له لأنه لم يغرر فى قتله. وقال أبو ثور وداود وابن المنذر: السلب لكل قاتل لعموم الخبر. ولنا أن ابن
مسعود ذفف على أبى جهل فلم يعطه النبى عرّ له سلبه، وأمر بقتل عقبة ابن أبى معيط والنضر بن
الحارث صبرا ولم يعط سلبهما من قتلهما، وقتل بنى قريظة صبرا فلم يعط من قتلهم أسلابهم، وإنما
أعطى السلب من قتل مبارزا وكفى المسلمين شره، وغرر فى قتله، والمنهزم بعد انقضاء الحرب قد
كفى المسلمين شر نفسه ولم يغرر قاتله بنفسه فى قتله فلم يستحق سلبه كالأسير اهـ (٣٢٥:١٠).

٣١٤
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
٤٠٠٤- عن: أوس بن حارثة قال: لم يكن أحد أعدى للعرب من هرمز (١)، فلما
فرغنا من مسيلمة وأصحابه، أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة فى جمع
عظیم، فبرز له خالد ودعا للبراز فبرز له هرمز فقتله خالد بن الوليد. و کتب بذلك إلى
أبى بكر الصديق فنفله سلبه، فبلغت قلنسوته مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا أشرف
الرجل جعلوا قلنسوته مائة ألف درهم. أخرجه الحاكم فى "المستدرك"، وسكت عنه
هو والذهبی.
٤٠٠٥- حدثنا يونس ثنا سفيان عن أيوب عن ابن سيرين عن أنس بن مالك
ولا يخفى على من له أدنى مسكة بالعمل وإلمام باللسان أن قوله معدّ لله: من قتل قتيلا فله سلبه
لا يعم قتيلا كافرا من أهل الذمة أمر الإمام بقتله فى عود أو محاربة أو الزنا بمسلمة ونحوه، وإنما يعم
من قتله فى معترك القتال. فكيف يعم من قتله مسلم صبرا لا فى القتال؟ وهل هذا إلا أنهم أوهموا
أنهم اتبعوا الحديث، ولم يفعلوا بل خالفوه، لأن رسول الله عّ لّه لم يقل ذلك إلا فى مواطن الحرب
للضرورة الداعية إلى التحريض، فافهم.
الرد على ابن حزم:
وبما ذكرنا من الآثار خرج الجواب عن قول بعضهم ومنهم ابن حزم أن عمر رضى الله عنه
قضى بالسلب للقاتل دون أن يقول ذلك قبل القتال. فقد أثبت أهل السير والتاريخ أن عمر كان
قد كتب إلى سعد "إنى قد نفلت من قتل رجلا سلبه" كما مر، وهم العمدة فى هذا الباب وأعرف
بأمر المغازى والسير. والمثبت مقدم على النافى، وإذا لم يكن تقدم إليهم بذلك خمس السلب إذا
استكثره ونفله بقيته من الأخماس أو أخذه كله ولم يعط القاتل منه شيئا، وسيأتى ما يدل على
ذلك، فانتظر.
قوله: "عن أوس بن حارثة إلخ" فى قوله: كتب بذلك إلى أبى بكر، وفى قوله: فنفله سلبه
دليل على ما قلنا: إن القاتل لا يستحق السلب بالقتل، وإلا لم يحتج خالد إلى الكتابة، ولم يكن
لتنفیل أبی بکر معنی.
قوله: "حدثنا يونس" إلخ: قد اختلفت الروايات فى أن سلب البراء خمسه عمر رضى الله
عنه، أو أمير العسكر بأمره، والجمع ممكن بأن يكون الأمیر أخذ خمسه، ثم رده إليه ليسلمه إلى
(١) فى "الدراية" هزبر.

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣١٥
أن البراء(١) بن مالك أخا أنس بن مالك بارز مرزبان الزأرة فطعنه طعنة فكسر القربوس
وخلصت إليه فقتله فقوم سلبه ثلاثين ألفًا، فلما صلينا الصبح غدا علينا عمر فقال لأبى
طلحة: إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلب البراء بلغ مالا ولا أرانا إلا خامسيه فقومناه
ثلاثين ألفا فدفعنا إلى عمر ستة آلاف أخرجه الطحاوى (١٣٢:٢) وسنده صحيح، وابن
أبى شيبة، كما فى "المحلى" (٣٣٧:٧) ولم يعله ابن حزم بشىء، وفى لفظ للطحاوى
بسند رجاله ثقات بطريق مكحول: وسئل أيخمس السلب؟ فقال: حدثنى أنس بن
مالك أن البراء بن مالك بارز رجلا من عظماء فارس فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر
إلى الأمير أن اقبض إليك خمسه وادفع إليه ما بقى فقبض الأمير خمسه اهـ.
عمر رضى الله عنه بالمدينة، والجمع أولى من أعمال إحدى الروايتين وإهمال الأخرى.
وبالجملة ففيه أبين دليل على ما قلنا: إن القاتل لا يستحق السلب بالقتل، بل بتنفيل الإمام
إياه، وإلا لم يجز لعمر أن يخمسه ويأخذ منه شيئا، وموه ابن حزم بأنه خمسه ولم يمانعه البراء
فصح أنه طابت نفسه (المحلى ٣٣٧:٧). وهذا التأويل يرده قول عمر: "ولا أرانا إلا خامسيه" فإنه
صريح فى أنه كان خمسه طابت به نفس البراء أو لم تطب - وأيضا- فإن كان السلب كله للبراء
شرعا فما الذى دعا عمر إلى أن يأخذ الخمس منه لبيت المال ويجهد فى استطابة نفسه لذلك؟ وهل
هذا إلا مجرد دعوى بلا دليل تمشية للمذهب نعوذ بالله منه. وأما قوله: إن عمر قضى بالسلب
للقاتل دون أن يقول ذلك قبل القتال، فقد تقدم الجواب عنه.
لا يقال: فيه دليل على تخميس السلب وأنتم لا تقولون به. لأنا نقول: قول عمر: إنا كنا
لا نخمس الأسلاب، يدل على ما ذهبنا إليه أن السلب لا يخمس بشرط أن يكون الإمام قد تقدم
إليهم بالتنفيل، وإذا لم يكن كذلك، فالسلب من الغنيمة ولا ينفل كله أو بعضه للقاتل إلا من
الخمس وفعل عمر محمول على هذا كما تقدمت الإشارة إليه، ويحتمل أن يكون رأى عمر رضى
الله عنه أن بتقديم التنفيل إلى الجيش يطيب للقاتل أربعة أخماس السلب التى هى حق الغانمين منه،
ولا يطيب له خمسه الذى هو حق الله إلا إذا لم يستكثره الإمام بعد علمه به وأيا ما كان فلم يكن
يرى السلب للقاتل حقا مستحقا له وهو المطلوب، وأما أن السلب يخمس أم لا فقد بينا ما يدل
على قولنا فيه من الآثار المرفوعة الصحيحة المسندة إلى النبى معَّ. وأيده أن أبا بكر نفل خالد بن
(١) كان شجاعًا ذا صنائع عجيبة فى الحرب. من طالع سيرته فى التراجم اندهش من نوادره فى الشجاعة والبسالة.

٣١٦
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
٤٠٠٦- حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى (هو الحافظ المعروف بمطين(١) ثنا
جعفر بن محمد بن الحسن المعروف بابن التل ثنا أحمد بن بشر عن ابن شبرمة عن
الشعبى "أن جرير بن عبد الله بارز مهران فقتله. فقومت منطقته ثلاثين ألفا فكتبوا إلى
عمر فقال عمر: ليس هذا من السلب الذى يخمس، ولم ينفله وجعله مغنما"، أخرجه
الطبرانى فى "معجمه" (زيلعى ١٤٤:٢)، ولم يضعف أحد من رجال الإسناد فى
"الميزان"، فهم ثقات على ما صرح به الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٣:١).
٤٠٠٧- عن "أبى قتادة فى حديث طويل" ((أن النبى معَّ ◌ُّه قال يوم حنين: من قتل
الوليد سلب الهزبر وكان فوق مائة ألف ولم يخمس ونفل خالد واثلة بن الأسقع سلب ثلاثة من
الروم قتلهم على باب دمشق، وأخذ خيلهم وبيع سرج أحد بعشرة آلاف، ذكره(٢) ابن حزم فى
"المحلى" (٣٣٦:٧) ولم يخمس ونفل عمر زهرة سلب الجالنوس كله، وبلغ بضعة وسبعين ألفا،
ولم يخمس ونفل رسول الله مَّ ◌ُّه أبا طلحة سلب عشرين رجلا ولم يخمس، كما سيأتى، فالظاهر
أن عمر رضى الله عنه إنما خمس سلب البراء لكونه لم يكن تقدم إليهم فى ذلك بالتنفیل،
لا لاستكثاره إياه فحسب، والله تعالى أعلم.
قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى إلخ" فيه دلالة على ما قلنا: إن القاتل لا يستحق
السلب بالقتل بل بتنفيل الإمام إياه، وأثر جرير هذا كان قبل أن يكتب عمر إلى الأمراء: إنى
قد نفلت من قتل رجلا سلبه، ولهذا لم ينفله وجعله مغنما وأما بعد ما كتب إليهم بذلك فقد ثبت
أنه نفل زهرة سلبا قد بلغ بضعة وسبعين ألفا فلا بد من الجمع بين فعليه بما قلنا، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن أبى قتادة وقوله: قد تقدم عن أنس إلخ". فى الحديثين دلالة على أنه مَّ كان
(١) كذا فى "اللسان" (٢٢٣:٥).
(٢) واحتج ابن حزم بأثر واثلة هذا على أن القاتل يستحق السلب بدون تنفيل الإمام ولو راجع لفظ أبى عبيد لاستحيا من مثل هذا
القول قال أبو عبيد: حدثنا أبو أيوب الدمشقى حدثنا الحسن بن يحيى الخشنى عن زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله عن واثلة
ابن الأسقع فذكر الحديث. وفيه فأقبل واثلة بالبرذون فلما نظر إليه عظيم الروم عرفه فقال: اتبيعنى السرج قال: نعم! قال: لك
عشرة آلاف فقال خالد لواثلة: بعه فقال واثلة خالد: بعه أنت أيها الأمیر فباعه قال: وسلم إلى سلبه كله ولم يأخذ منه شيئا
(ص١٧٧) ولو كان السلب حقا للقاتل مستحقا له لم يكن لقول واثلة: "بعه أنت أيها الأمير" ولا لقوله: " وسلم إلى سلبه
كله ولم يأخذ منه شيئا معنى أصلا إذ لا يظن بمثل خالد أن يأخذ من نصيب أحد من المسلمين أو يظلمه شيئا فافهم فإن أهل
الظاهر قد حرموا ألفهم فى الدين.

٣١٧
ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) متفق عليه، وقد تقدم عن أنس ((أن النبى عّ لّه قال يوم حنين:
قد نفل مرة سلب القتيل قبل القتال أو فى أثنائه بلفظ "من قتل كافرا فله سلبه" ثم أعاده أخرى بعد
انقضاء الحرب بلفظ ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) يدل على ذلك ما بين اللفظين من الفرق
وما فى حديث أنس من الفاء الدالة على التعقيب فى قوله: فقتل أبو طلحة إلى آخره. فبطل قول من
زعم أن رسول الله مرّه لم يقل ذلك إلا بعد أن برد القتال، وإن القاتل يستحق السلب قال ذلك
الإمام أو لم يقله، ولعل ابن حزم رحمه الله لو اطلع على ما ذكرناه فى هذا الباب لاعترف بأن
الحنفية أتبع منه للسنة وأعرف بمعانيها ولندم على قوله: وهو قول لم يحفظ قط قبلهم لا عن
صاحب، ولا عن تابع إلخ (المحلى ٧: ٣٤٠). فقد بينا أن قولهم هذا ثابت محفوظ عن رسول
الله عَّةٍ وأصحابه وأتباعهم وبالله تعالى التوفيق. وبعد ذلك فلنجب عن بعض ما احتج به من قال
باستحقاق القاتل السلب مطلقا، ولم نذكره سابقا فمنه ما رواه ابن أبى شيبة نا عبد الرحيم بن
سليمان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك "قال: كان السلب لا يخمس
وكان أول سلب خمس فى الإسلام سلب البراء بن مالك الحديث".
الرد على ابن حزم:
قال ابن حزم: فهذا عمر يخبر عما سلف فصح أنه فعل أبى بكر ومن بعده وجميع
أمراءهم اهـ (٣٣٦:٧). قلت: فصار ماذا؟ فإن عمر كان أعرف منك بالسلف وبحقيقة أفعالهم،
ومعانى أقوالهم فلما خمس السلب مع علمه بأنه لم يكن يخمس دل على أن السلب لم يكن عند
السلف حقا مستحقا للقاتل، وإلا لم يخالفهم عمر ولم يكن ذلك يجوز له ولا للصحابة أن يقروه
على ذلك فلما وافقوه على ما رأى ولم يردوا عليه بفعل السلف، دل على أنه كان مصيبا عندهم.
وقال الموفق فى "المغنى": وقول الراوى كان أول سلب خمس فى الإسلام يعنى أن
النبى معَّه وأنا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا واتباع السنة أولى اهـ قلت: نعم
وأولى من ذلك كله أن لا تعيين للسنة محملا بالرأى بل بأقوال الصحابة وأفعالهم لكونهم أقرب
إلى رسول الله مَّه وأعرف منا بمعانى أقواله ومقاصد شرعه. فنقول: قد علم عمر رضى الله عنه أن
السلب لم یکن یخمس فى عهد النبی مێے وعهد أبی بکر ثم رأی ان یخمسه فكان ذلك عنده إذا
تقدم من الإمام تنفيل، وهذا إذا لم يتقدم منه فى ذلك أمر، قال: وقال الجوزجاني لا أظنه
يجوز لأحد فى شىء سبق فيه من الرسول مَ ◌ّه شىء إلا اتباعه، ولا حجة فى قول أحد مع قول
رسول الله م ◌ُلّ اهـ (٤٢٦:١٠).

٣١٨
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة عشرين رجلا فأخذ أسلابهم))، رواه أحمد
قلنا: نعم ولكن تفسير قوله مَّه بأقوال أصحابه أولى وأقدم من تفسيره بآراء الرجال.
وههنا كذلك فإنا لم نحتج بقول(١) أحد مع قول رسول الله مَّ ه بل فسرنا قوله عَ لّه بأقوال
أصحابه وأفعالهم كما مر بيانه مستوفى. ومنه ما روى أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣١) من طريق
الحجاج عن ابن جرير، سمعت نافعا يقول: لم نزل نسمع منذ قط إذا التقى المسلمون والكفار
فقتل مسلم مشر كا فله سلبه إلا أن يكون فى معمة القتال أو فى زحف فإنه لا يدرى أحد قتل أحدا.
وذكره ابن حزم فى "المحلى" (٣٣٦:٧) واحتج به ولم يشعر أنه لا يقول بما فيه ولا يذهب إليه
ويظنه حجة له وهو حجة عليه لأنه يفيد تخصيص قوله مرّ له: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) بما إذا قتله
فى القتال بملتقى الصفين وهو يقول بعمومه للقتل صبرا أو فى معترك القتال سواء، ولا يذهب إلى
الاستثناء الذی ذ کره نافع.
وهو محمول عندنا على السماع من الأمراء وقادة الجيوش. وفيه جواب عن سؤال ابن حزم
وغيره من أين خرج لهم وأين وجدوا يوجب أن الإمام كان يقول قبل القتال: من قتل قتيلا فله
سلبه؟ قلنا: خرج ذلك من قول نافع. هذا فإنه يقول: لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون
والكفار إلخ" ولا يسمع ذلك عادة إلا من الأمراء أو القادة، أو ممن ينادى بأمرهم، فافهم، ومن
حمله على غير هذا المحمل فعليه البيان.
ومنه ما رواه مسلم فى "صحيحه" عن سلمة بن الأكوع " قال: غزونا مع رسول الله هوازن
فبينا نحن نتضحى مع رسول الله عَّ له إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ثم انتزع طلقا من
(١) وبهذا خرج الجواب عن اعتراض أكثر ابن حزم إيراده علينا إذا احتججنا بقول صاحب كعمر رضى الله عنه مثلا إن قوله إن
كان حجة عندكم فلم تركتم قوله فى باب كذا فى مسألة كذا فتحتجون به مرة وتخالفونه أخرى إلخ فإنا لا نحتج بقول
صاحب مع قول رسول الله مَّيّةٍ إلا إذا كان قوله تفسيرا لقوله وإذا اختلفت أقوال الصحابة فى مسألة نأخذ بما كان أقرب إلى
ما نطق به رسول الله مَّه ونحمل غيره على محامل حسنة. وأكثر ما ظن ابن حزم من أقوال الصحابة أن الحنفية قد تركوه
يكون الأمر فيه بخلاف ما ظنه بهم ولو تأمل هو فى القيودات التى يقيد بها أبو حنيفة جوابه فى المسائل نعلم أن الحامل له
على التقيد جمعه بين أقوال الصحابة بأسرها ولكن ابن حزم قد جهل على بعض التقييد والتقسيم فى الجواب وجب الإطلاق
فيه فتراه يقول فى غير موضع من "المحلى" ردا على الإمام: هذا تقسيم فى غاية الفساد، ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد قبل
أبى حنيفة، وهو صادق فى ذلك فإن طريق الجمع بين مختلف الحديث وأقوال الصحابة لم يتقنها أحد قبل الإمام أبى حنيفة
ولذا أكثر التقسيم والتقييد فى أقواله وقل الإطلاق. ومن فهم هذه الحقيقة أذعن لسعة نظره فى العلم وإحاطته بالأحاديث
والآثار، فافهم.

ج - ١٢
هل يستحق القاتل سلب القتيل
٣١٩
وأبو داود، ورجاله رجال الصحيح (نيل الأوطار ٢٦١:٢).
حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة ن الظهر وبعضنا
مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه فقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل" فذكر
الحديث وقال: ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته فى الأرض اخترطت
سيفى فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله، فاستقبلنى رسول الله مد ظله
والناس معه، فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع قال: له سلبه أجمع (٨٨:٢-٨٩). ورواه
أبو داود فى لفظه له مختصرا، وفيه: فجلس عند أصحابه ثم انسل، فقال النبى معَ له: ((اطلبوه
فاقتلوه). قال: فسبقتهم وأخذت سلبه فنفلنى إياه (٣:٣ مع "عون المعبود").
وفيه قال المنذرى: وأخرجه البخارى والنسائى. قال النووى: وفى هذا الحديث دلالة ظاهرة
لمذهب الشافعی وموافقیه ان القاتل یستحق السلب وأنه لا یخمس وقد سبق إيضاح ذلك كله اهـ.
قلت: ذكر ابن المنذر فى "الأشراف" ما ملخصه: أن هذا الحديث حجة على الشافعى، لأنه
قتل الرجل مدبرا غير مقبل والحرب ليست بقائمة. ومذهب الشافعية أن السلب إنما يكون لمن قتل
والحرب قائمة والمشرك مقبل انتهى كلامه. وقوله عليه السلام: ((من قتل قتيلا)) ليس فيه هذان
القنان اهـ من "الجوهر النقى" (٥٨:٢). وأما قال الموفق. وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم
فقتله إنسان فسلبه كقاتله لأن الحرب كر وفر وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة الكفار وهو منهزم
فقال النبى معَّ له: له سلبه أجمع اهـ (٤٢٤:١٠) ففيه أن سلمة لم يقتله والحرب قائمة بل قتله وقد
جاء القوم وهم يأكلون الطعام فجلس معهم يتغذى ثم خرج يشتد كما هو مصرح عند مسلم
وغيره، ومجلس الطعام ليس بمحل كر وفر وإنما محلهما معركة القتال على أن سياق أبى داود
والبخارى صريح فى أن سلمة جاء بسلبه إلى النبى معَّ ه فنفله إياه فأين فيه أنه كان يستحقه؟ وإن
سلمنا فالمسألة من باب إذا دخل الحربى دار الإسلام(١) بلا أمان فأخذه واحد من المسلمين لا يختص
به عند أبى حنيفة بل يكون فيئا لجماعة المسلمين وهو رواية بشر عن أبى يوسف. وظاهر قول أبى
یوسف هو قول محمد يختص به، کما فی "فتح القدير" (٢٧١:٥).
(١) فإنه ليس فى حديث سلمة هذا أن الرجل جاء عينا للمشركين بعد دخول جيش الإسلام فى دار الحرب، والظاهر أنه جاء
والجيش فى أرض الإسلام كما هو عادة الجواسيس يتجسسون الأخبار قبل وصول العدو إلى بلادهم وقبل اقتحامه فى عقر
دارهم ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان.
12

٣٢٠
هل يستحق القاتل سلب القتيل
إعلاء السنن
قلت: وإذا قتله فسلبه لا يكون غنيمة بل فيئا عند الإمام أبى حنيفة، ولا خمس فيه ويجوز
للأمير أن ينفله القاتل لكون قسمة الفيئ موكولة إلى رأيه ويختص به القاتل عندهما فالحديث حجة
لنا لا علينا، فافهم.
فائدة: والسلب ما علی المقتول من ثيابه، وسلاحه، ومر کبه، و کذا ما کان على مر کبه من
السرج، والآلة، وكذا ما معه على الدابة من ماله فى حقيبته أو على وسطه وما عدا ذلك فليس
بسلب. وما كان مع غلامه على دابة أخرى فليس بسلبه، كذا فى فتح القدير والهداية (٢٥٣:٥).
وقال الحافظ فى "الفتح": "السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة هو ما يوجد مع
المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد لا تدخل الدابة. وعن الشافعى يختص بأداة
الحرب اهـ" (١٧٥:٦). ولنا ما رواه أبو عبيد فى "الأموال" حدثنا حجاج عن ابن جريج عن
عثمان بن أبى سليمان عن الزهرى "أن رجلا قال لابن عباس: ما الأنفال؟ فقال: الفرس، الدرع،
الرمح، قال: فأعاد عليه الرجل. فقال: السلب من النفل والفرس من النفل" الحديث (ص٣٠٤)،
وما روى عوف بن مالك "قال: خرجت مع زيد بن حارثة فى غزوة موتة ورافقنی مددی من أهل
اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل
یفری بالمسلمین، وقعد له المددى خلف صخرة فمر به الرومى فعرقب فرسه فعلاه فقتله وحاز فرسه
وسلاحه" رواه أبو داود والأثرم (المغنى ٤٣٠:١٠)، وقد تقدم أنه حديث صحيح.
وفى حديث شبر بن علقمة "أنه أخذ فرس القتيل" كذلك قال أحمد هو فيه، ولأن الفرس
يستعان بها فى الحرب فاشبهت السلاح، وإن كان على فرس فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله
بعد نزوله عنها فھی من السلب وهکذا قول الأوزاعى، وإن کان ممسكا بعنانها غير راکب عليها
فعن أحمد روايتان أحدهما أنه من السلب وهو قول الشافعى (وأبى حنيفة أيضا) لأنه متمكن من
القتال عليها، فاشبهت سيفه ورمحه فى يده والثانية ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقى
واختيار الخلال لأنه ليس براكب عليها، فأشبه ما لو كانت مع غلامه كذا فى المغنى (٤٣٠:١٠).
قلت: ومذهب الحنفية فى الباب ذكره السرخسى فى "شرح السير الكبير" (١٨:٢)
واستدل على كون ما فى الحقيبة والوسط من الذهب والفضة داخلا فى السلب بحديث سلب
البراء بن مالك حين قتل مرزبان الزارة، وذكر أنه كانت عليه منطقة ذهب فيها جواهر مقومة فبلغ
ثلاثين ألفا، وقد روينا "أن النبى مّ نفل ابن مسعود رضى الله سيف أبى جهل يوم بدر، وكان