Indexed OCR Text

Pages 241-260

16
ج - ١٢
بیان تقسيم الغنائم وسهامها
٢٤١
٣٩٥٥- حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة فى قوله تعالى:
﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآية قال: كانت الغنيمة
تخمس بخمسة أخماس فأربعة أخماس لمن قاتل عليها ويخمس الخمس الباقى على
خمسة أخماس فخمس لله وللرسول وخمس لقرابة رسول الله عَّ ◌ُّه فى حياته وخمس
لليتامى وخمس للمساكين وخمس لابن السبيل، فلما قبض رسول الله عَ ليه جعل أبو
بكر وعمر رضى الله عنهما هذين السهمين سهم الله والرسول وسهم قرابته فحملا عليه
فى سبيل الله صدقة عن رسول الله عَّ له، أخرجه الطبرى فى "تفسيره" (٢٥:٢٩)
(زيلعى ١٣٣:٢). قلت: رجاله كلهم ثقات وسنده صحيح وهو شاهد حسن لما رواه
الكلبى عن ابن عباس والحسن بن محمد ابن الحنفية من الإجماع.
أو تضعيفه. وإن اتفق المتقدمون على توثيق أحد جاء المتأخرون يضعفونه. وهكذا شأن الأمور
الظنية مدارها على الرأى والظن فلا يلحقهم بذلك عاب، ولكن لا يجوز لهم الطعن على أحد من
المجتهدين، إذا احتج بحديث من تركه هؤلاء أو ترك حديث من احتجوا به، فإن المحدثين كلهم
كذلك يفعلون. فكما أن للمحدثين أصولا فى قبول الحديث ورده وتوثيق الرواة وجرحهم، كذلك
المجتهدون لهم أصول أيضا فى ذلك الباب. ومن أراد البسط، فليراجع مقدمة هذا الكتاب.
قال الحافظ فى "التهذيب" فى ترجمة الكلبى: روى عنه ابنه هشام والسفيان وحماد بن
سلمة وابن المبارك وابن جريج وابن إسحاق، وأبو معاوية وهشيم وأبو عوانة ويزيد بن زريع
وإسماعيل بن عياش ویعلی ومحمد ابنی عبيد، ومحمد بن فضيل بن غزوان ويزيد بن هارون
وآخرون (١٧٨:٩). وهؤلاء أجلة المحدثين، فهل تراهم يروون عن رجل لا تحل الرواية عنه؟ هذا
لا يكون، وإن سلمنا أنه ضعيف غير صالح للاحتجاج به فقد بينا أن لما رواه شواهد عديدة. منها
ما رواه الحسن بن محمد بن الحنفية من اجتماع آراء الصحابة فى زمن أبى بكر وعمر رضى الله
عنهما على إسقاط سهم النبى معَّ وسهم ذى قرباه بعد وفاته، وجعلهما فى الخيل والعدة فى سبيل
الله (أى التصدق بهما على أهل الحاجة من المجاهدين فيحملون على الخيل ويسلحون بالأسلحة،
بدليل ما يأتى أن أبا بكر رضى الله عنه جعلهما صدقة عن رسول الله مر له ﴿إنما الصدقات للفقراء
والمساكين﴾ الآية، وإذا كان كذلك فقد ردهما على الأصناف الثلاثة الباقية وقسم الخمس على
ثلاثة أسهم. كما رواه الكلبى، فافهم، ومنها ما سيأتى.
قوله: "حدثنا محمد بن بشار إلخ" فيه دلالة على أن سهم الرسول وسهم ذى القربى إنما

٢٤٢
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
٣٩٥٦- حدثنا: ابن وكيع ثنا عمر بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان
أبو بكر وعمر رضى الله عنهما يجعلان سهم النبى عَّم فى الكراع والسلاح فقلت
لإبراهيم: ما كان على رضى الله عنه يقول فيه؟ قال: ".كان على أشدهم فيه" رواه
كان فى حياته عَّه ولم يبق بعد وفاته، بل جمنهما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما فى سبيل الله
صدقة عن رسول الله عَّه وهما المرءان يقتدى بهما فى تفسير معانى الكتاب، ومعرفة مقاصد
السنة النبوية. وهذا ما يقوله أبو حنيفة رحمه الله، فأين من ادعى أن ما قاله أبو حنيفة لم يقله أحد
من أهل الإسلام قبله؟ وماذا يقول فى قتادة؟
ولا يعارضه ما رواه عبد بن حميد أخبرنا عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفى عن سعيد
هو ابن أبى عروبة عن قتادة "قال: تقسم الغنائم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ثم
يقسم الباقى على خمسة أخماس فخمس منها لله تعالى وللرسول وخمس لقرابة الرسول عد له
وخمس لليتامى وخمس لابن السبيل وخمس للمساكين، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٩:١)
فإن عبد بن حميد قد اختصر الحديث، ولم يسقه تاما كما ساقه ابن جرير، وإنما هو كان الغنائم
تقسم بخمسة أخماس إلخ فحذف لفظة كانت وجعل الرواية من قبيل الرأى وعبد الوهاب بن عبد
المجيد اختلط بآخره حتى كان لا يعقل قاله عمرو بن على، كما فى "التهذيب" (٤٥٠:٦).
فالاعتماد على ما رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وقد سمع سعيد بن أبى عروبة قبل اختلاطه
ولم يتهم بالاختلاط، فافهم.
قوله: "حدثنا ابن وكيع إلخ" قلت: قد تظافرت الروايات بأن أبا بكر وعمر رضى الله
عنهما لم يجعلا سهم النبى معَِّ لأنفسهما بل جعلاه فى سبيل الله صدقة عن رسول الله عَ له.
یقرض للحاکم من بيت المال ما یکفیه:
أخرج البخارى عن عائشة قالت: " لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومى إن حرفتى
لم تكن تعجز عن مؤنة أهلى، وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبى بكر فى هذا المال، ويحترف
للمسلمين فيه"، قال الحافظ: وفى قصة أبى بكر أن القدر الذى كان يتناوله فرض له باتفاق من
الصحابة، فروى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى
السوق على رأسه أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقال: كيف تصنع
هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالى؟ قالوا: نفرض لك. ففرضوا له كل يوم
شطر شاة اهـ من "الفتح" (٢٥٨:٤). وهذا للأكل، وأما للكسوة وغیرها فقد روى ابن سعد بسند

٢٤٣
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
ج - ١٢
الطبرى (٦:١٠) أيضا ورجاله كلهم ثقات، وفى ابن وكيع مقال وذكرناه اعتضادًا،
ومرسل إبراهیم گالمسند كما مر غير مرة.
صحيح إلى ميمون الجزرى والد عمرو (بن ميمون بن مهران) قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له
ألفين قال: زيدونی فإن لى عيالا وقد شغلتمونى عن التجارة فزادوه خمس(١) مائة، كذا فى
"التلخيص الحبير" (٤٠٦:٢).
قال الحافظ فى "الفتح": أخرج ابن أبى شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب(٢) قال:
قال عمر: "إنى أنزلت نفسى من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت
إليه أكلت بالمعروف"، وسنده صحيح وأخرج الكرابيسى بسند صحيح عن الأحنف قال: كنا
بباب عمر، فذكر قصة (وهى ما ذكره السيوطى فى "التاريخ" عن ابن سعد عن الأحنف بن قيس
قال: فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين فقالت: ما هى لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له، إنها
من مال الله إلخ). وفيها فقال عمر: أنا أخبر كم بما استحل ما أحج عليه واعتمر وحلتى الشتاء
والقيظ، وقوتى وقوت عيالى كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم اهـ (١٣٣:١٢).
فلو كان لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما سهم فى الخمس كسهم النبى عرّ لم يفرضوا
لهما من بيت المال شيئا، وقد مر قول الحسن بن محمد بن الحنفية: إن مما قد أجمع أصحاب رسول
الله عَّه أنه (أى سهم النبى معَّه) رجع إلى الكراع والسلاح الذى تكون عدة للمسلمين لقتال
عدوهم، وكذا سهم ذى القربى ولو كان ذلك للخليفة بعد النبى ◌ّبه أو لذى قرباه لما منعوا منه،
ولما صرفوهما إلی غیرهم ولا خفی ذلك علی الحسن بن محمد مع علمه فی أهله و تقدمہ فیہم
(شرح معاني الآثار ١٣٦:٢)، وأيده أثر إبراهيم هذا فى أن سهم النبى مرّبه سقط بموته، ورد على
أهل الصدقة فى سبيل الله، ولا يعارضه ما رواه عبد ابن حميد أخبرنا عمرو بن عون عن هشيم عن
المغيرة عن إبراهيم النخعى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى﴾
الآية، قال: كل شىء لله تعالى، وخمس الله تعالى ورسوله مُ ◌ّه واحد، ويقسم ما سوى ذلك على
(١) وفى "تاريخ ابن جرير" (٥٤:٤) وكان الذى فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم اهـ. وأسنده أبو عبيد فى "الأموال " عن
يزيد بن هارون عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة، قال لعائشة: إنى لم أرد أن أصيب من هذا المال
شیئا فلم یدعنی عمر بن الخطاب حتى أصبت منه ستة آلاف اهـ (ص٢٦٧). وهذا مجمل یمکن إرجاعه إلی روایتی ابن سعد،
وابن جرير كليهما.
(٢) ضبطه الحافظ بضم الميم وفتح الضاد وتشديد الراء.

٢٤٤
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
٣٩٥٧- عن ابن شهاب أنا يزيد بن هرمز أن نجدة الحرورى حين حج فى فتنة ابن
الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذى القربى ويقول لمن تراه؟ قال ابن عباس:
القربى رسول الله عَّ قسمه لهم رسول الله عَ ليه، وقد كان عمر عوض علينا من ذلك
أربعة أسهم. كذا فى "المحلى" (٣٢٩:١١). فإنه ذكر ذلك فى تفسير الآية، ولا ننكر أن ذلك هو
تفسيرها، وأنه كان كذلك فى حياة النبى معَّ له، وإنما الخلاف فى بقاء السهمين بعد وفاته عّ لّه،
ولم يتعرض النخعى لذلك فى ما أخرجه عبد بن حميد لا نفيا ولا إثباتا، وصرح فى الأثر الذى
أخرجه ابن جرير، بأن أبا بكر وعمر جعلا سهم النبى معَّ فى الكراع والسلاح، فلا منافاة بينهما.
وأيد أثر النخعى هذا ما رواه أبو داود وأحمد فى قصة أبى بكر مع فاطمة رضى الله عنها قال أبو
بكر: سمعت رسول الله عَّه يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة، ثم قبضه جعلها أى صرفها للذى
يقوم من بعده، فرأيت أن أُرده على المسلمين، وقد مر ذكره فى هذا الباب، فتذكر.
قوله: "عن ابن شهاب إلخ". قلت: هذا ما احتج به الجمهور على أن سهم ذوى القربى باق
بعد وفاته مرّه. قالوا: فهذا ابن عباس لما سئل عن سهم ذى القربى قال: هو القربى رسول الله عَ ليه.
وفى رواية: إنا كنا نقول: هو لنا فأبى علينا قومنا ذاك، أخرجه مسلم (١١٧:٢)، وفى رواية: كنا
نقول: إنا نحن بنو هاشم هم، فأبى ذلك علينا قومنا. وقالوا: قريش كلها أخرجه أبو عبيد فى
"الأموال" (ص٣٣٣) عن الحجاج عن أبى معشر عن سعيد بن أبى سعيد قال: كتب نجدة إلى ابن
عباس إلخ. وهذا سند حسن فأخبر ابن عباس أنهم رأوا فى ذلك رأيا أباه عليهم قومهم، أى عمر
ابن الخطاب ومن وافقه من الصحابة، وأن عمر دعاهم إلى أن يزوج منه أيمهم ويكسو منه عاريهم.
قال: فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله! فدل ذلك أنهم قد كانوا على هذا القول فى خلافة عمر بعد
أبى بكر وأنهم لم يكونوا نزعوا عما رأوا من ذلك لرأى أبى بكر، ولا رأى عمر رضى الله عنهما.
فدل ما ذكرنا أن حكم ذلك كان عند أبى بكر وعمر وعند سائر الصحابة كحكم الأشياء التى
تختلف فيها التى يسع فيها اجتهاد الرأى (طحاوى ١٣٨:٢).
ولا حجة لهم فيه أما أولا فلأن ابن عباس رضى الله عنهما ومن وافقهما إنما أظهروا الخلاف
فى خلافة عمر رضى الله عنه، وقد قام الإجماع على سقوط سهم ذوى القربى بموت النبى عَ ليه
فى زمن أبى بكر رضى الله عنه. فقد روى أبو داود من طريق ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن
الزهرى أخبرنى سعيد بن المسيب أخبرنى جبير بن مطعم "فذكر الحديث -وفيه- قال: وكان أبو
بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله عَ ليه، غير أنه لم يكن يعطى قربى رسول الله مَّ له ما كان

٢٤٥
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
ج - ١٢
عوضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله. رواه أبو داود النسائى وزاد: وكان
النبى معَّ ◌ُّه يعطيهم. قال: وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه وعثمان بعده" اهـ (عون
المعبود ١٠٦:٣). وسنده صحيح وقد روى ابن عباس أيضا "أن أبا بكر رد نصيب القرابة فى
المسلمين فجعل يحمل به فى سبيل الله" ولم ينكر ذلك عليه منكر بل سكتوا واتفقوا معه، ومن
ادعى أنهم أنكروا علیه، فليأت برهان.
وإن عارضوه بما سيأتى عن على رضى الله عنه" قال: ولأنى رسول الله عَ لِّ خمس الخمس،
فوضعته مواضعه فى حياة رسول الله عَ لّه وحياة أبى بكر وحياة عمر إلخ" وقالوا: فيه دلالة على
أن أبا بكر كان يقسم الخمس فى ذوى القربى، ولم يجعله فى سبيل الله قلنا: حديث جبير بن
مطعم أصح إسنادًا منه وأيده ما رواه ابن عباس، وحديث على هذا فى إسناده أبو جعفر الرازى. قال
المنذری: قد وثقه ابن معین و على بن المدینی ونقل عنهما خلاف ذلك، وتكلم فيه غیر واحد (عون
المعبود ١٠٧:٣)، وحديث جبير بن مطعم أخرجه أبو داود بإسناد رجاله رجال الصحيح وقد جاء
عن ابن عباس بأسانيد مختلفة أن أبا بكر رضى الله عنه رد سهم ذى القربى فى المسلمين فجعل
يحمل فى سبيل الله فلا بد من التأويل فى حديث على بأنه كان يقسم خمس الخمس على ذوى
القربى حسب ما رآه أبو بكر وعلى أى قسمه على ذوى الحاجة منهم لا على الأغنياء والفقراء
جميعًا، كما كان رأى ابن عباس، فيوافق ما قاله جبير بن مطعم أن أبا بكر لم يكن يعطى قربى
رسول الله عّ لّه، كما كان يعطيهم رسول الله عَ ليه وإلا فحديث جبير أصح ولا يقاومه حديث
على فى الصحة، فلا يصح المعارضة. قال الحافظ المنذرى: وفى حديث جبير بن مطعم أن أبا بكر
لم يقسم لذوى القربى، وفى حديث على أنه قسم لهم، وحديث جبير صحيح، وحديث على
لا يصح اهـ من "فتح القدير" (٢٤٥:٥).
وأما ما قاله البيهقى: وأما رواية يونس عن الزهرى، فلم أعلم بعد أن الذى فى آخرها من
لفظة "قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله عَ ◌ّه غير أنه لم يكن يعطى إلخ" من
قول جبير فيكون موصولا أو من قول ابن المسيب أو الزهرى فيكون مرسلا اهـ فرده العلامة ابن
التركمانى فى "الجوهر النقى" بأنه قد تقدم قبل ذلك قال جبير بن مطعم ثم قال: قال: وكان أبو
بكر إلخ، فالقائل ثانيا: هو جبير القائل أولا، وهذا ظاهر، فكيف لا يعلمه البيهقى، ويتردد
فيه اهـ (٦١:٢). ويعكر عليه ما قاله الحافظ فى "الفتح": وهذه الزيادة بين الذهبى فى جمع
حديث الزهرى أنها مدرجة من كلام الزهرى، وأخرج ذلك مفصلا من رواية الليث عن
:

٢٤٦
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
الذى عرض عليهم أن يعين ناكحهم، ويقضى عن غارمهم ويعطى فقيرهم، وأبى أن
يونس اهـ (١٧٤:٦)، ولكن دعوى الإدراج لا تقبل إلا ببينة، ومجرد ذكر الليق مفصلا ليس
بحجة فإن ابن المبارك من أثبت الناس وقد ذكره موصولا فيحمل قول الليث: قال الزهرى على أنه
بهذا الإسناد الذی ذکره، ومثل ذلك فى الحدیث کثیر.
فقد أخرج البخارى حديث جبير بن مطعم هذا عن عبد الله بن يوسف، ثنا الليث عن عقيل
عن ابن شهاب عن ابن المسيب عنه ثم قال: قال الليث: حدثنى يونس وزاد: قال جبير: "ولم يقسم
النبى معَّه لبنى عبد شمس إلخ" وقال الحافظ فى شرحه: "أى بهذا الإسناد، وهو عندى من رواية
عبد الله بن يوسف أيضا عن الليث فهو متصل اهـ". فكذلك قول الليث: قال الزهرى: وكان أبو
بکر إلخ بهذا الإسناد أيضا، وهو عندنا متصل یدل على ذلك سکوت أبى داود ثم المنذری عن
الزيادة وعدم حكمهما بإدراجها، بل حكم المنذرى بصحتها صريحا حيث رد بها حديث على
برواية أبى جعفر الرازى كما ذكرنا آنفا. فتذكر! وأيضا فقد جعل ابن حزم هذا الحديثَ فى غاية
الصحة والبيان مع الزيادة التى فيه. وأما ثانيا: فلأن أبا بكر رضى الله عنه إنما رد نصيب القرابة فى
المسلمين وجعل يحمل به فى سبيل الله لقول النبى معَّ ليه((لا نورث ما تركنا صدقة)) كما رواه ابن
عباس نفسه. أخرجه الطبری بسند حسن، كما سيأتى، فلا يقدح خلاف ابن عباس فى ذلك،
ولا يكون قوله مسموعا كما لم يقدح خلاف سيدتنا فاطمة رضى الله عنها فى ذلك أصلا، فقد
روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها "أن فاطمة بنت رسول الله على أبيها وعليها
السلام، سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله عَّ ◌ُلّه، قال: أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول
الله عَّ ◌ُلّه مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله عَّ له قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة))،
فغضبت فاطمة بنت رسول الله عّ لّ فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت". الحديث،
قال الحافظ فى "الفتح": وأما سبب غضبها مع احتجاج أبى بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها
تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم فى قوله:
((لا نورث))، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن يورث عنه، وتمسك أبو بكر
بالعموم اختلفا فى أمر محتمل للتأويل اهـ (١٤٠:٦).
قلت: ومع ذلك لم يكن خلافها رضى الله عنها قادحا فى الإجماع على ما رواه أبو بكر
وعمل به فليكن كذلك خلاف ابن عباس أيضا ومن ادعى الفرق فليأت ببيان. وأما ثالثا: فلأن قول
ابن عباس: كنا نرى أنه لنا إخبار بأنه قال ذلك من طريق الرأى (وقد اعترف بأن أبا بكر رضى الله

٢٤٧
بیان تقسیم الغنائم و سهامها
ج - ١٢
يزيدهم على ذلك، قال المنذرى: وأخرجه مسلم (عون المعبود")، قلت: حديث صحيح
رجاله كلهم ثقات.
عنه، إنما رد نصيب القرابة فى المسلمين لقول رسول الله عَ لـ ((لا نورث ما تركنا صدقة))،
ولاحظ للرأى مع السنة واتفاق جل الصحابة من الخلفاء الأربعة، قاله الجصاص فى "أحكام
القرآن" له (٦٣:٣).
وأما ما قاله الموفق فى "المغنى": "ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب
والسنة كان أولى، وقول ابن عباس موافق للكتاب والسنة فإن جبير بن مطعم روى " إلخ. ففيه أن
قول ابن عباس فى موافقة الكتاب ليس بأولى من قول من قال: إن ذوى قربى رسول الله عَ ليه
قريش كلها، وهذا ابن عباس نفسه قد روى: "أنه لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد
النبى معَّ على الصفا فجعل ينادى يا بنى فهر! يا بنى عدى! لبطون قريش حتى اجتمعوا".
الحديث أخرجه الشيخان والترمذى (جمع الفوائد ٢: ١٠٦) " ولما سئل ابن عباس عن قوله تعالى:
﴿إلا المودة في القربى﴾ قال ابن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبى معد له
لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال: إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة"
أخرجه البخارى والترمذى (جمع الفوائد ١١:٢). فإذا اتفق ابن عباس مع القوم فى أن المراد
بالأقربين وبالقربى فى الآيتين قريش كلها، فما له لا يوافقهم على ذلك فى آية الغنيمة؟ ويقول: إن
ذوى القربى ههنا بنو هاشم لا غير. فإن كان هذا الأمر يؤخذ بموافقة الكتاب فقول من قال: إن
ذوى القربى هم قريش كلها أولى من قول ابن عباس رضى الله عنهما. وأيضا فقد اختلف أبو بكر
وفاطمة رضى الله عنهما فى ميراث النبى معَّه، وكان قولها موافقا لكتاب الله لآية الميراث منه فهل
لكم أن تقولوا: إن قول فاطمة رضى الله عنها أولى من قوله لموافقته الكتاب؟ فإن لم تقولوا ولن
تقولوا بذلك، فما هو جوابکم، فهو جوابنا.
وأما إن قول ابن عباس موافق للسنة التى رواها جبير بن مطعم فكلا! فإن ابن عباس يقول:
إن ذوى القربى هم بنو هاشم لا غير، كما مر فى أثر سعيد بن أبى سعيد. أخرجه أبو عبيد فى
"الأموال"، وفى "الاستذكار" (لابن عبد البر): أدخل بنى المطلب مع بنى هاشم الشافعى وأحمد
وأبو ثور. وأما سائر الفقهاء فيقتصرون بسهم ذوى القربى على بنى هاشم، وهو مذهب عمر بن
عبد العزيز، وروى عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية (الجوهر النقى ٦٢:٢). وحديث جبير
قد أدخل بنى المطلب مع بنى هاشم فى سهم ذى القربى فثبت أن قول ابن عباس مخالف للكتاب

٢٤٨
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
٣٩٥٨- حدثنا محمد بن خزيمة نا يوسف بن عدى ثنا عبد الله بن المبارك عن
محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر فقلت: أرأيت على بن أبى طالب حيث ولى
العراق وما ولى من أمور الناس، كيف صنع فى سهم ذوى القربى؟ قال: سلك به والله
والسنة جميعا. فليس ما قاله أولى مما قاله أبو بكر وعمر رضى الله عنهما. كيف وقد اعترف هو
نفسه أن أبا بكر إنما رد نصيب القرابة فى المسلمين، لقول النبى معَّ لـ ((لا نورث ما تركنا صدقة)).
فالعجب أن مقلدی ابن عباس یرون قول أبى بكر وعمر خلاف السنة، وابن عباس یری
أنهما فعلا ما فعلا اتباعا لقول النبى معَّ ل هذا، وقول ابن عباس فى حديث المتن وقد كان عمر
عوض علينا من ذلك عوضا رأيناه دون حقنا إلخ. قال فى "فتح الودود" فى معناه: لعله مبنى على
أن عمر رآهم مصارف وابن عباس رآهم مستحقين لخمس الخمس. كما قال الشافعى فقال: بناء
على ذلك أنه عوض دون حقهم، والله أعلم انتهى (عون المعبود ص١٠٧).
قلت: بل هو مبنى على أن عمر رضى الله عنه رأى فقراءهم مصارف دون أغنياءهم، وابن
عباس رأى جميعهم مستحقين، وبهذا لم يكن أبو بكر رضى الله عنه يعطى قربى رسول الله معد له
لأنه رآهم أغنياء فى وقته ورأى غيرهم أحوج المصارف وأحقها وأيضا كان عمر رضى الله عنه لا
یری لذوى القربى خمس الخمس كاملا، بل كان يرى أن الله جعل الخمس لأصناف سماها، ولم
يوجب قسمته عليهم بالسوية بل ذلك إلى رأى الإمام أن يقسمه عليهم أخماسا أو أرباعا أو أثلاثا
حسب حاجتهم إليه. وكان ابن عباس يرى أن لذوى القربى خمس الخمس كاملا لا ينقص منه
شىء يدل على ذلك ما سيأتى من مرسل يحيى بن سعيد، فانتظر.
قوله: "حدثنا محمد بن خزيمة إلخ" فيه دلالة صريحة على أن على بن أبى طالب رضى الله
عنه وكرم الله وجهه، سلك فى سهم ذوى القربى سبيل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعلى أن
سبيل أبى بكر وعمر كان معلوما عندهم ومعروفا وهى خلاف ما كان عليه أهل البيت بعد على
رضى الله عنه قال المحقق فى "الفتح": ولنا أن الخلفاء الأربعة الراشدين قسموه أى الخمس على
ثلاثة أسهم على نحو ما قلناه. وكفى بهم قدوة ثم أنه لم ينكر عليهم ذلك أحد مع علم جميع
الصحابة بذلك وتوافرهم فكان إجماعا، إذ لا يظن لهم خلاف رسول الله عَّ له. (وبقى) الكلام فى
إثباته، فروى أبو یوسف عن الكلبی فذ کر ما ذکرناه فى المتن ثم قال: وروى الطحاوى عن محمد
ابن خزيمة، فذكر حديث محمد بن على هذا، وقال: وكون الخلفاء فعلوا ذلك لم يختلف فيه، وبه
تصح رواية أبى يوسف عن الكلبى؛ فإن الكلبى مضعف عند أهل الحديث إلا أنه وافق الناس، وإنما

ج - ١٢
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
٢٤٩
سبيل أبى بكر وعمر قلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: إنه والله ما كان أهله
يصدرون إلا عن رأيه قلت: فما منعه؟ قال: "كره والله أن يدعى عليه خلاف أبى بكر
الشافعى يقول: لا إجماع بمخالفة أهل البيت، وحين ثبت هذا حكمنا بأنه (يعنى علياً رضى الله
عنه)، إنما فعله لظهور أنه الصواب لا أنه لم يكن يحل له أن يخالف اجتهاده اجتهادهما وقد علم
أنه خالفهما فى أشياء لم توافق رأيه كبيع أمهات الأولاد وغير ذلك فحين وافقهما علمنا أنه رجع
إلى رأيهما إن كان ثبت عنه أنه كان يرى خلافه. وبهذا يندفع ما استدل به الشافعى عن أبى جعفر
محمد بن على قال: كان رأى على فى الخمس رأى أهل بيته، ولكن كره أن يخالف أبا بكر وعمر
قال: ولا إجماع بدون أهل البيت، لأنا نمنع أن فعله كان تقية من أن ینسب إليه خلافهما، وكيف
وفيه منع المستحقين من حقهم فى اعتقاده فلم يكن منعه إلا لرجوعه، وظهور الدليل له. وكذا ما
روى عن ابن عباس من أنه كان يرى ذلك محمولا على أنه كان فى الأول كذلك، ثم رجع ولئن
لم يكن رجع فالأخذ بقول الراشدين مع اقترانه بعدم النكير من أحد أولى اهـ (٣٤٤:٥).
قلت: وقد مر غير مرة أن أبا بكر إنما أسقط سهم ذوى القربى رسول الله عَ ليه ((لا نورث ما
تركنا صدقة)). وقد خالفته فى ذلك أولا فاطمة رضى الله عنها من أهل البيت، ومعلوم أن
الصحابة لم يعتدوا بخلافها، وأجمعوا على أن النبى لا يورث وأجمع على ذلك التابعون، والأئمة
المجتهدون من أهل السنة قاطبة فكذا لا يسمع خلاف أهل البيت لأبى بكر وعمر فى سهم ذوى
القربى أيضا، إن كان ثابتا لكونه مبينا على أن النبى معَّه يورث، فافهم.
فإن قيل: قال الشافعى: أخبرفا عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن حسنا وحسينا وعبد الله بن
عباس، وعبد الله بن جعفر سألوا عليا رضى الله عنه وعنهم نصيبهم من الخمس، فقال: هو لكم
حق، ولكنى محارب معاوية فإن شئتم تركتم حقكم منه"، قال الشافعى: فأخبرت بهذا الحديث
عبد العزيز بن محمد فقال: صدق هكذا كان جعفر يحدثه، أ فما حدثكم عن أبيه عن جده؟
قلت: لا! قال: ما أحسبه إلا عن جده، قال الشافعى: فقلت له أى لخصمه الذى كان يناظره فى
سهم ذوى القربى: أ جعفر أوثق وأعرف بحديث أبيه أم ابن إسحاق؟ قال: بل جعفر اهـ من
"كتاب الأم" (٧٢:٤).
قلت: وقبل الجواب عن الإيراد الذى يرد بهذا الأثر علينا، أرى أن أنبه الناظرين على أن
بهذا الأثر اندحض ما كان الخصم أورده علينا حين احتججنا بفعل أبى بكر وعمر وعثمان،
وقلنا: ثم أقضى الأمر إلى على رضى الله عنه فلم يغير شيئا من ذلك عما كان وضعه عليه أبو بكر

٢٥٠
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
وعمر"، أخرجه الطحاوى (٢: ١٣٦) وسنده حسن، وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال"
وعمر رضى الله عنهما. فذلك دليل على أنه كان قد رأى فى ذلك أيضا مثل الذى رأيا. قالوا:
فليس ذلك كما ذكرتم لأنه لم يكن بقى فى يد على مما كان وقع فى يد أبى بكر وعمر من ذلك
شىء، لأنهما لما كان ذلك وقع فى أيديهما أنفذاه فى وجوهه التى رأياه فى ذلك ثم أفضى الأمر
إلى على رضى الله عنه فلم يعلم أنه سبى أحدا ولا ظهر على أحد من العدو، ولا غنم غنيمة يجب
فيها خمس لله لأنه إنما كان شغله فى خلافته كلها بقتال من خالفه ممن لا يسبى ولا يغنم. وإنما
يحتج بقول على رضى الله عنه فى ذلك لو سبى وغنم ففعل فى ذلك مثل ما كان أبو بكر وعمر
فى الأخماس. وأما إذا لم يكن سبى ولا غنم فلا حجة لأحد فى عدم تغيير ما كان فعل قبله، ولو
كان بقى فى يده من ذلك شىء مما كان غنمه من قبله فحرمه ذوى قرابة رسول الله عّ لّه لما كان فى
ذلك أيضا حجة تدل على مذهبه فى ذلك كيف كان لأن ذلك إنما صار إليه بعد ما نفذ فيه الحكم
من الإمام الذى كان قبله فلم يكن له إبطال ذلك الحكم: وإن كان هو يرى خلافه، لأن ذلك الحكم
مما يختلف فيه العلماء اهـ من "معانى الآثار" للطحاوى (١٣٨:٢).
فنقول: إن لم يكن على رضى الله عنه غنم فى خلافته ولا سبى فلأيش سأله الحسنان
والعبدان نصيبهم من الخمس؟ فثبت أنه کان غنم وسبی مما يجب فيه خمس لله ثم عمل فيه بمثل ما
كان أبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم يفعلونه. وهذا ما قلناه أولا وأما أن رواية جعفر هذه
عن أبيه تخالف ما رواه ابن إسحاق عن أبى جعفر فكلا، ألا ترى أنه يقول: إن حسنا وحسينا
وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر سألوا عليا نصيبهم من الخمس ولو كان على لم يكن يرى
فيه ما رآه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما لأعطاهم نصيبهم قبل أن يسألوه، ولم يحوجهم إلى
السوال. وأما قوله: "هو لكم حق" إلخ فلا يدل على رؤيته خلاف ما رآه الشيخان، فإنهما كانا
يريان لفقراء ذوى القربى حقا فى الخمس ويقدمانهم على غيرهم من الفقراء، كما سيأتى، فلعل
عليا رضى الله عنه كان قد أطلع على حاجتهم إليه حين سألوه فقال: هو لكم حق.
کان علی رضی الله عنه یسیر سيرة عمر:
ويؤيد ما رواه ابن إسحاق عن أبى جعفر ما أخرجه أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا أبو
معاوية عن حجاج عن الشعبى قال: قال على: ما قدمت ههنا لأحل عقدة شدها عمر (وهذا سند
حسن) قال: وحدثنا أبو النضر عن شعبة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن على "اقضوا كما
كنتم تقضون فإنى أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة، أو أموت على ما مات عليه

ج - ١٢
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
٢٥١
(ص٣٣٢) عن ابن المبارك، وأبو يوسف الإمام فى "الخراج" له (ص٢٣) عن ابن
إسحاق نحوه.
أصحابى" وهذا سند صحيح (ص٣٣٢). رواه البخارى فى "صحيحه" أيضا وزاد " فكان ابن
سيرين يرى أن عامة ما يرى عن على الكذب اهـ" قال الحافظ فى "الفتح": والمراد بذلك ما ترويه
الرافضة عن على من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين اهـ (٧: ٦٠). وقال: حدثنا سفيان بن
عيينة عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى "أن عليا أتى برجل وجد فى خربة ألفا وخمسمائة
درهم بالسواد فقال: الأقضين فيها قضاء بينا إن كنت وجدتها فى قرية خربة (١) تحمل خراجها قرية
عامرة فهى لهم، وإن كانت لا تحمل فلك أربعة أخماسه ولنا خمسه، وسأطيبه لك جميعا" وهذا
سند صحيح (ص٣٤٣) فتراه قد غنم ما وجب فيه خمس الله وعمل فيه بمثل ما عمل به أبو بكر
وعمر رضى الله عنهما ولم ير لذوى القربى سهما معلوما يجب قسمه عليهم بل رده فى المسلمين
كما رداه وطيبه كله للذى وجد الكنز، ولو كان رأيه على ما رأياه كما زعمه الشافعى رحمة الله
عليه ومن وافقه لقسم الخمس على خمسة أسهم وعزل خمس الخمس لذوى القربى ولم يجزأن
بطيبه کله للرجل، فافهم.
وقال يحيى بن آدم فى "كتاب الخراج" له: "قال حسن (هو ابن صالح): ولا نعلم عليا
خالف عمر ولا غير شيئا مما صنع حين قدم الكوفة. قال يحيى: حدثنا ابن مبارك عن إسماعيل بن
أبى خالد أن عليا رضى الله عنه قال لأهل نجران حين كلموه(٢): إن عمر كان رشيد الأمر ولن أغير
شيئا صنعه عمر (زاد أبو يوسف عن الأعمش عن سالم بن أبى الجعد قال: وكانوا يرون أن عليا لو
كان مخالفا لسيرة عمر لردهم اهـ". لأنه مَّ ◌ُّه كان أعطاهم جوار الله، وذمة محمد النبى رسول
الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم، وكل ما تحت
أيديهم من قليل أو كثير. ذكره أبو يوسف فى "الخراج" له عن محمد ابن إسحاق وأبو عبيد فى
"الأموال" (ص١٨٧) حدثنی أیوب الدمشقی ثنی سعدان بن أبی یحی عن عبيد الله بن ابی حميد
عن أبى المليح الذهلى فذكر كتاب رسول الله عَّه لأهل نجران بطوله وأقرهم أبو بكر على ذلك ثم
(١) قال ابن حزم: وهذا خلاف الحنفين والمالكين، لأن السواد أخذت عنوة لا صلحا، و کانت دار إسلام فى أيام على، وقبل ذلك
بأدهر اهـ (المحلى ١١: ٣٣٦) قلت: ليس هو خلاف الحنفين، بل يوافقهم، ولكن ابن حزم لا يعرف مذهبهم فى ذلك، كما
سیأتی.
(٢) ليردهم إلى نجران اليمن، وقد كان عمر أجلاهم إلى نجران العراق كما فى "الخراج" لأبى يوسف (ص ٨٨).

٢٥٢
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
٣٩٥٩- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد "أن ابن
عباس قال "كان عمر يعطينا من الخمس نحوا مما كان يرى أنه لنا فرغبنا عن ذلك،
وقلنا: حق ذى القربى خمس الخمس، فقال عمر: إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها
فأسعدهم بها أكثرهم عددا وأشدهم فاقة. قال: فأخذ ذلك منا ناس وتر که ناس".
أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣٣٥)، ورجاله ثقات، وهو مرسل، ولكن يحيى
لا يأخذ إلا عن ثقة، كما فى "التهذيب" (٢١٩:١١)، وإرساله مثله حجة.
أجلاهم عمر لأكلهم الربا فلم يردهم على إلى نجران اليمن ولم يجبهم إلى ما سألوا ووافق عمر
على رأيه وصوبه) قال يحيى: حدثنا شريك عن زبيد (اليامى ثقة ثبت فى الحديث) قال: كان على
يشبه بعمر يعنى فى السيرة اهـ" (ص٢٣ و ٢٤).
فهذه وجوه عديدة وطرق مختلفة وآثار متنوعة تدل على صحة ما رواه ابن إسحاق عن أبى
جعفر ولا يصلح ما رواه الشافعى عن مجهول عن جعفر عن أبيه وتابعه عبد العزيز بن محمد
معارضاً له. فإنه خلاف ما تواترت الروايات به عن على أنه كان يسير سيرة عمر فى خلافته ويكره
خلاف الشيخين. وإن سلمنا فيمكن إرجاعه إلى ما رواه ابن إسحاق عن أبى جعفر من غير
تعسف، كما ذكرنا لك آنفا، والله تعالى أعلم.
قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وأيضا فإن الخلفاء الأربعة متفقون على أنه أى سهم
ذى القربى لا يستحق إلا بالفقر، قال محمد بن إسحاق: سألت محمد بن على (هو الباقر) فقلت:
ما فعل على رضى الله عنه بسهم ذوى القربى حين ولى؟ فقال: سلك به سبيل أبى بكر وعمر وكره
أن يدعى عليه خلافهما قال الجصاص: لو لم يكن هذا رأيه لما قضى به لأنه قد خالفهما فى أشياء
مثل الجد، والتسوية فى العطايا، وأشياء آخر، فثبت أن رأيه ورأيهما كان سواء فى أن سهم
ذوى القربى إنما يستحقه الفقراء منهم، ولما أجمع الخلفاء الأربعة عليه ثبتت حجته بإجماعهم،
لقوله عَ ◌ّ: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى)) اهـ (٦٣:٢) أخرجه الترمذى،
وقال: حسن صحيح وزاد: عضوا عليها بالنواجذ (٩٢:٢).
قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح إلخ". قلت: فيه دلالة صريحة على أن عمر رضى الله عنه
لم يقبل رأى ابن عباس ومن وافقه فى سهم ذى القربى ورده عليهم بما لم يستطيعوا رده فلا يجوز
لأحد أن يميل ويذهب إلى رأى ابن عباس إلا بعد إقامة الدليل على أن الله تعالى جعل الخمس
لأصناف سماها على طريقة الملك والاستحقاق لهم، لا من حيث أنهم مصارف له، وأن تقسيم

ج - ١٢
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
٢٥٣
٣٩٦٠- حدثنى المثنى ثنا عبد بن صالح ثنى معاوية عن على عن ابن عباس قوله:
﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى
والمساكين﴾ الآية، قال ابن عباس: فكانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس أربعة بين
الخمس على تلك الأصناف بالسوية واجب على الإمام. ودون إثباته خرط القتاد. فالحق ما قاله عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه "إن الله إنما جعل الخمس لأصناف سماها فأسعدهم بها أكثرهم عددا
وأشدهم فاقة" وهذا هو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى إن سهم ذوى القربى ليس حقاً مستحقا
لهم بعد النبى معَّهِ، وإنما يستحقونه للحاجة والفقراء منهم يقدمون على غيرهم من الفقراء فأين من
قال: إن ما قاله أبو حنيفة لم يقل به أحد من أهل الإسلام قبله؟ فماذا يقول فى يحيى بن سعيد؟
وفى عمر بن الخطاب رضى الله عنه؟ فإن قال: إن هذا مرسل قلنا: نعم ولکنه مرسل حسن قد تأید
بمراسيل وموصولات كثيرة قد تقدم أكثرها وسيأتى بعض منها والمرسل إذا تأيد بشواهد كثيرة،
ومراسیل وموصولات عديدة ، فهو حجة عند الکل، ولا ينكره إلا مکابر جاهد.
قوله: "حدثنى المثنى إلخ" قلت: قد مر غير مرة أن رواية على بن أبى طلحة عن ابن عباس
فى التفسير اعتمدها كثير من المحدثين قال السيوطى فى "الإتقان": "ورد عن ابن عباس فى التفسير.
ما لا يحصى كثرة وفيه روايات وطرق مختلفة فمن جيدها طريق على بن أبى طلحة الهاشمى،
عنه قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة فى التفسير رواها على بن أبى طلحة أو رحل فيها رجل إلى
مصر قاصدا ما كان كثيرا.
قال ابن حجر: ، هذه النسخة كانت عند أبى صالح (عبد الله بن صالح) كاتب الليث رواها
عن معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس وهى عند البخارى عن أبى صالح، وقد
اعتمد عليها فى صحيحه كثيراً فيما يعلقه عن ابن عباس (١٩٥:٢) ومن أراد البسط فى تصحيح
هذه النسخة فليراجعه. وفيه دلالة على أن الخمس كان يقسم فى عهد رسول الله عَّ له على أربعة
أسهم ولم يكن لرسول الله مرّه منه شىء بل ما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبى معَّه. فأين من
كان يدعى "أن قول ابن عباس موافق الكتاب والسنة ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم
يوافق الكتاب والسنة كان أولى" اهـ. فهل قول ابن عباس هذا موافق لظاهر الكتاب؟ وهل تأخذ به
وتذهب إليه؟ كلا لم يأخذ به أحد ولم يذهب إليه مجتهد. فما بالهم يرمون أبا حنيفة بمخالفة
ظاهر الآية، ولا يتأملون قول ابن عباس هذا ويدعون تقليده، وإتباعه فى حكم سهم ذوى القربى

٢٥٤
بیان تقسیم الغنائم و سهامها
إعلاء السنن
من قاتل عليها وخمس وأحد يقسم على أربعة لله وللرسول ولذى القربى يعنى قرابة
ولا يقلدونه(١) فى إسقاط سهم رسول الله عّ لّ فثبت أن ما ذهبوا إليه من تخميس الخمس بعد
رسول الله عَّ لا يوافق رأى الخلفاء، ولا رأى ابن عباس ولا ظاهر الآية: لإسقاطهم سهم الله
تعالى وتخصيصهم ذى القربى ببنى هاشم وبنى المطلب، ولا حديث جبير بن مطعم، فإنه ليس فيه
أنه مرّ قسم خمس الخمس على أغنياء بنى المطلب وبنى هاشم وفقراءهم وذكرهم وأنتاهم
وصغيرهم وكبيرهم وصالحهم وطالحهم بالسوية، أو للذكر مثل حظ الأنثيين أو أنه خص به
مسلميهم، ولم يعط منه كافريهم شيئا مع أن قوله: ((أنا وبنو المطلب لم تفترق فى جاهلية
ولا إسلام وإنما نحن وهم شىء واحد» يقتضى استحقاق کافرهم مع مسلمهم لكونهم دخلوا معه
شعب أبى طالب مسلمهم، وكافرهم سواء، فمن أين يقول ابن حزم وغيره: لا حظ فيه لمواليهم،
ولا لكافر منهم؟ مع أنه يحتج بحديث جبير بن مطعم هذا وبجعله بيانا جليا وإسنادا فى غاية
الصحة ولا يعمل بمقتضاه.
وأما نحن فنقول: كان الخمس يقسم فى حياة النبى عدّه على خمسة سهم وكان سهم ذى
القربى موكولا إلى رأيه عدّ له، يعطى من يشاء منهم، ويمنع من يشاء فلما كان هذا السهم منضما
إلى سهم الرسول صح قول ابن عباس وخمس واحد يقسم على أربعة. قال العينى فى "العمدة"
فقسم رسول الله مرّ ◌ُلّه لبنى المطلب وبنى هاشم وترك بنى نوفل وبنى عبد شمس فهذا يدل على أن
الخمس له وله فيه الخيار يضعه حيث يشاء اهـ (١٦٧:٦). وعلق البخارى عن عمر بن عبد العزيز،
وساقه عمر بن شبه فى "أخبار المدينة" موصولا مطولا، وقسم لهم قسما لم يعم عامتهم،
ولم يخص به قريبا دون من أحوج منه، ولقد كان يومئذ فيمن أعطى من هو أبعد قرابة أى ممن
لم يعط، وإن كان الذى أعطى لما يشكو إليه من الحاجة، ولما مستهم فى جنبه من قومهم
وحلفاءهم، کذا فی "فتح البارى" (١٧٣:٦).
وسكوت الحافظ عنه وتعليق البخارى إياه يدل على صحته أو حسنه عندهما، والأثر ذكره
(١) قال الحافظ فى "الفتح": وهذا (أى حديث عائشة فى قصة فاطمة وأبى بكر رضى الله عنهما) تمسك به قال: إن سهم النبى
عَ ظله يصرفه الخليفة بعده لمن كان النبى معَّه يصرفه له، وما بقى منه يصرف فى المصالح. وعن الشافعى يصرف فى وجه هو
للإمام. وقال مالك والثورى: يجتهد فيه الإمام، وقال أحمد: يصرف فى الخيل والسلاح، وقال ابن جرير: رده إلى الأربعة.
قال ابن المنذر: كان أحق الناس بهذا القول من يوجب قسم الزكاة فى جميع الأصناف فإن فقد صنف رد على الباقين يعنى
الشافعى، وقال أبو حنيفة: يرد مع سهم ذى القربى إلى الثلاثة اهـ (١٤١:٦).

ج - ١٢
بیان تقسیم الغنائم و سهامها
٢٥٥
عَ لَّه فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبى عَ ◌ّه، ولم يأخذ النبى عدّ من الخمس
الصحاوى أيضا موصولا مطولا واحتج به - وفيه- فأما قوله "ولذى القربى" فقد ظن جهلة من
الناس أن لذى قربى محمد عّ ◌ُّ سهما مفروضا من المغنم قطع عنهم ولم يؤته إياهم، ولو كان
كذلك لبينه كما بين فرائض المواريث فى النصف والربع والسدس والثمن ولما نقص حظهم من
ذلك غناء كان عند أحدهم أو فقر، كما لا يقطع ذلك حظ الورثة من سهامهم. ولكن رسول
الله عَ لّه قد نفل لهم فى ذلك شيئا من المغنم من العقار والسبى والمواشى والعروض والصامت،
ولكنه لم يكن فى شىء من ذلك فرض يعلم ولا أثر يقتدى به حتى قبض الله نبيه معَ ◌ّ إلا أنه قد
قسم فيهم قسما يوم خيبر لم يعم بذلك يومئذ عامتهم، ولم يخصص قريبا دون آخر أحوج منه،
لقد أعطى يومئذ من ليست له قرابة وذلك لما شكوا إليه من الحاجة، وما كان مسهم فى جنبه من
قومهم وما خلص إلى حلفائهم من ذلك فلم يفضلهم عليهم لقرابتهم، ولو كان لذى القربى حق
كما ظن أولئك لكان أخواله ذوى قربى وأخوال أبيه وجده وكل من ضربه(١) برحم، فإنها القربى
كلها، ولو كان ذلك كما ظنوا لأعطاهم إياه أبو بكر وعمر بعد ما وسع الفىء وكثر وعلى رضى
الله عنهم حین ملك ما ملك، ولم یکن علیه فیه قائل.
أ فلا أعلمهم من ذلك أمرا يعمل به فيهم ويعرف بعده ولو كان ذلك كما زعموا لما قال الله
تعالى ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ فإن من ذوى قرابة رسول الله عَ ليه لمن كان غنيا
وكان فى وسعة يوم ينزل القرآن وبعد ذلك فلو كان السهم ذلك السهم جائزا له ولهم كانت تلك .
دولة بل كانت ميراثا لقرابته لا يحل لأحد قطعها ولا نقضها. ولكنه يقول لذى قربى بحقهم
وقرابتهم فى الحاجة والحق اللازم کحق المسلمین فی مسکنته و حاجته فإذا استغنی فلا حق له
والیتیم فی یتمه وإن کان الیتیم ورث عن وارثه فلا حق له وابن السبيل فى سفره وصيرورته إن
كان كبير المال موسعا عليه فلا حق له فيه ورد ذلك الحق إلى أهل الحاجة كل هؤلاء هكذا لم يكن
نبى الله عَّ ◌ُّه ولا صالح من مضى ليدعوا حقا فرضه الله عز وجل لذى قرابة رسول الله عَ ليه
ويقومون لهم بحق الله فيه. وأما قول من يقول فى الخمس: إن الله عز وجل فرضه فرائض معلومة
فيها حق من سمى، فإن الخمس فى هذا الأمر بمنزلة المغنم. وقد آتى الله نبيه مرّ لآه سببا فأخذى منه
أناسا وترك ابنته وقد أرته يديها من مجل الرحى فو كلها إلى ذكر الله تعالى والتسبيح فهذه ادعت
(١) لبنى أمية وبنى نوفل.

٢٥٦
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
شيئا، فلما قبض الله رسوله عّ لّه رد أبو بكر رضى الله عنه نصيب القرابة فى المسلمين
حقا لقرابته، ولو كان هذا الخمس والفىء على ما ظن من يقول هذا القول كان ذلك حيفا على
المسلمين، واحتراما لما أفاء الله عليهم.
ولما عطل قسم ذلك فيمن يدعى فيه بالقرابة والنسب والوراثة ولدخلت فيه سهمان العصبة
والنساء أمهات الأولاد ويروى من تفقه فى الدين أن ذلك غير موافق لقول الله عز وجل لنبيه معد له
﴿ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ ﴿وما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ وقول الأنبياء
لقومهم مثل ذلك الحديث (١٧٣:٢) رجاله كلهم ثقات موثوقون غير داود بن سعيد بن أبى الزبير
فى أصحاب مالك فلم أجد من ترجمه ولكن تعليق البخارى قطعة منه وسكوت الحافظ عنه دليل
على صحته أو حسنه. فمن ادعى أن سهم ذوى القربى يجب قسمه على بنى هاشم وبنى المطلب
غنیهم وفقیرهم وذ کرهم وأنثاهم وصغيرهم و کبیرهم وصالحهم وطالحهم لا حق فیه لأحد من
خلق الله سواهم، كما ذكره ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٧:١١) فليأت ببرهان. فإن حديث جبير
ليس بنص فيه وأثر عمر بن عبد العزيز صريح فى أنه مێے لم يعم عامتهم ولم يخص قريبا دون من
أحوج منه إلخ أى بل كان يقسم على فقراء ذوى القربى قريبا كانوا أو بعيدا لكنه لم يستوعب
الصغير والكبير، والذكر والأنثى، كما ادعاه الخصم.
وفى أثر عمر بن عبد العزيز هذا دلالة على أن أبا بكر وعمر وعليا رضى الله عنهم لم يجعلوا
فى الخمس لذوى القربى سهما مفروضا بل أعطوهم لحاجتهم فإذا استغنوا عنه لم يعطوهم منه.
وهذا هو قول أبى حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، فأين من قال: إن قول أبى حنيفة لم يعرف
لأحد من أهل الإسلام قبله؟ فما ذا يقول فى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه؟ وهو شاهد لما رواه
الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، ولما رواه قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد ابن الحنفية،
فتذكر. وفيه دلالة أيضا أن قول أبى حنيفة موافق لقوله تعالى ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء
منكم﴾ فبطل قول من قال: إن قول أبى حنيفة مخالف لظاهر الكتاب والسنة وأما ما روى عن عمر
ابن عبد العزیز أنه رد سهم ذوی القربی إلی بنی هاشم کما فی "اخراج" لابی یوسف حدثنى
عطاء بن السائب أن عمر بن عبد العزيز بعث بسهم الرسول وسهم ذوى القربى إلى بنى هاشم اهـ
(ص٢٥)، فمعناه: أنه أعطى ذوى الحاجات منهم قدر الكفاية على ما رأى لا أنه رده إليهم على أنه
سهم مفروض لهم.
وأما قول ابن عباس: فما كان الله والرسول فهو لقرابة النبى معَّه ولم يأخذ النبى عَ ◌ّه من

ج - ١٢
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
٢٥٧
فجعل يحمل به فى سبيل الله. لأن رسول الله عَ لّه قال: ((لا نورث ما تركنا
الخمس شيئا فمعناه: أنه كان يصرف سهمه إليهم ولا يدخره لنفسه فافهم. وقوله: فلما قبض
رسول الله عَ ليه ود أبو بكر نصيب القرابة فى المسلمين فجعل يحمل به فى سبيل الله، لأن رسول
الله عَّه قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) صريح فى أن سهم القرابة كان للنبى معَّه ولذا جعله أبو
بكر فى المسلمين، ولو كان لذوى القربى لم يرده فى المسلمين، لأن قوله مرّ له: ((لا نورث ما تركناه
صدقة)) إنما يعم ما كان لرسول الله عَ لّه لا ما كان لغيره وهذا ظاهر غير خفى فلا بد من التأويل
فى قول ابن عباس "فما كان الله والرسول فهو لقرابة النبى معَّ له " كيلا يتضاد أول الكلام آخره.
ويؤيد ما أولنا به كلامه ما روى ابن أبى حاتم من حديث عبد الله ابن بريدة فى قوله:
﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول﴾ قال: الذى لله فلنبيه والذى للرسول
فلأزواجه "عمدة القارى" (١٤٠:٧). ولا يخفى أن نفقة الأزواج كانت واجبة على النبى عد الز.
فما كان لهن، فهو فى الأصل له، وإنما هن مصارف، وقد تظافرت الروايات بأنه كان الرسول
الله عَّ فى الغنائم خمس الخمس فروى عبد بن حميد أنا أبو نعيم عن زهير عن الحسن بن الحرنا
الحكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه "قال خمس الخمس سهم الله تعالى ومهم رسوله مع طل"
(المحلى ٣٢٩:١١). وهذا سند رجاله ثقات، وروى أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا جرير بن عبد
الحميد عن موسى بن أبى عائشة قال: سألت يحيى بن الجزار عن سهم النبى معَّ ◌ُّ فقال: خمس
الخمس قال: وحدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن موسى بن أبى عائشة عن يحيى بن الجزار مثل
ذلك. قال: وحدثنا محمد بن كثير عن زائدة بن قدامة عن عبد الملك عن عطاء قال: خمس الله
وخمس رسوله واحد كان رسول الله عَ ليه يحمل منه ويعطى ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء
(ص٣٢٦). وهذا سند رجاله كلهم ثقات وأثر يحيى الجزار وعطاء أخرجهما النسائى فى "المجتبى"
(١٧٨:٢). وأخرج البخارى فى المغازى عن عائشة رضى الله عنها ◌ٌأن فاطمة رضى الله عنها بنت
النبى معَّه أرسلت إلى أبى بكر تسأله ميراثها من رسول الله عَّ به مما آفاء الله عليه بالمدينة وفدك،
وما بقی من خمس خییر الحدیث بطوله (فتح البارى ٣٧٧:٧).
الجواب عن احتجاج ابن حزم بحدیث بریدة علی أن خمس الخمس لذوى القربى
واحتج ابن حزم على أن سهم ذوى القربى خمس الخمس، وأنه لهم ليس لأحد سواهم
بما أخرجه البخارى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه "قال: بعث النبى عرّ عليا إلى خالد ليقبض
الخمس، وكنت أبغض عليا وقد اغتسل فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبى معَ له

٢٥٨
بيان تقسيم الغنائم وسهامها
إعلاء السنن
صدقة)). أخرجه الطبری (٦:١٠)، سنده حسن جید.
ذكرت ذلك له. فقال: يا بريدة! أ تبغض عليا؟ قلت: نعم! قال: لا تبغضه، فإن له فى الخمس
أكثر من ذلك" ورواه ابن حزم فزاد: فاصطفى على منها سبية فأصبح يقطر رأسه. ثم قال:
وهذا إسناد فى غاية الصحة، وفى "غاية البيان" فى أن نصيب كل امرئ من ذوى القربى
محدود اهـ (٣٢٨:١١).
قلت: ولا حجة له فيه فيحتمل أن يكون رسول الله مَّ الآي أذن له أن يأخذ من الخمس قدرا.
معلوما فأخذ وصيفة كانت أقل مما أذن له فيه، ويؤيد ما قلنا ما رواه أحمد من طريق عبد الجليل عن
عبد الله بن بريدة عن أبيه "أبغضت عليا بغضا لم أبغض أحدا وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا
على بغضه عليا. قال: فأصبنا سبيا فكتب أى الرجل إلى النبى مرّ أبعث إلينا من يخمسه قال : .
فبعث إلينا عليا وفى السبى وصيفة هى أفضل السبى قال: فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر
فقلت: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال: ألم تر إلى الوصيفة فإنها صارت فى الخمس ثم صارت فى آل
محمد، ثم صارت فى آل على فوقعت بها. ذكره الحافظ فى الفتح، وسكت عنه (٥٢:٨ ر ٥٣).
ولا يخفى أن ما صار فى آل محمد لا يصير فى آل على إلا بإذنه معرّه وإذا جاء الاحتمال
بطل الاستدلال. والعجب من ابن حزم أنه احتج بهذا الحديث، ولم يتنبه لما فيه من العلة، فإن
الترمذى رواه فى "جامعه" بطريق يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن البراء أن النبى معَّ له
بعث جيشين، وأمر على أحدهما على بن أبى طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد وقال: إذا كان
القتال فعلى. قال: ففتح على حصنا فأخذ منه جارية فكتب معى خالد إلى النبى مێے بشىء به،
فقدمت على النبى معرّ فقرأ الكتاب فتغير لونه، ثم قال: ما ترى فى رجل يحب الله ورسوله ويحبه
الله ورسوله. قلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، وإنما أنا رسول، فسكت. قال
الترمذى: حديث حسن غريب (٢٠٣:٢) - وفيه - أن خالدا كتب الكتاب مع البراء وعند أحمد
عن الأجلح عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نحوه. وفيه: أنه كتب مع بريدة الأسلمى" (٣٥٦:٥).
وفى الروايتين جميعا أنه مرّ ◌ُلّه بعث خالدا وعليا على بعثين معا على أحدهما خالد، وعلى
الآخر على رضى الله عنهما. وفى رواية على بن سويد بن منجوف عند البخارى، وطريق عبد
الجليل عن عبد الله بن بريدة "أنه معرّ إنما بعث عليا إلى خالد، ليقبض الخمس" وفى حديث
عمران بن حصين رضى الله عنه عند الحاكم وصححه على شرط مسلم وسكت عنه الذهبى "قال:
بعث رسول الله عّ لّ سرية واستعمل عليهم على بن أبى طالب رضى الله عنه، فمضى على فى

ج - ١٢
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
٢٥٩
السرية، فأصاب جارية فأنكروا ذلك عليه، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله عَ ليه، إذا يأتينا
النبى معَّه أخبرناه بما صنع على، فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله عَ له فقام أحد الأربعة،
فقال: يا رسول الله! ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا، فأعرض عنه ثم قام الثانى، فأعرض عنه ثم قام
الثالث فأعرض عنه، ثم قام الرابع، فقال: يا رسول الله! ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا. فأقبل عليه
رسول الله عَّهِ، والغضب فى وجهه فقال: ما تريدون من على؟ إن عليا منى، وأنا منه. وولى كل
مؤمن" اهـ (١١٠:٣).
وليس فيه ذكر الكتاب، ولا ذكر من كتبه ومن جاء به ويبعد حمله على تعدد الواقعة، فإن
الصحابة لم يكونوا ليعترضوا على على رضى الله عنه بعد ما سمعوا النبى معَّ له مرة أن له حقا فى
الخمس، أو أنه منه. وهو عَّ منه. فهى لا محالة قصة واحدة اختلفت الرواة فى حكايتها اختلافا
منكرا، وأيضا فالقصة أخرجها الحاكم فى باب قسم الفىء بطريق أبى عوانة عن الأعمش عن سعد
ابن عبيدة، ثنى عبد الله بن بريدة الأسلمى عن أبيه بطولها، وليس فيه ما رواه على بن سويد بن
منجوف من قوله: فإن له فى الخمس أكثر من هذا وإنما فيه قوله عليه: من كنت وليه فإن علیا وليه.
قال بريدة: فذهب الذى فى نفسى عليه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين،
ولم يخرجاه بهذا السياقة. وإنما أخرجه البخارى من حديث على بن سويد بن منجوف عن عبد الله
ابن بريدة مختصرا. وليس فى هذا الباب أصح من حديث أبى عوانة هذا عن الأعمش عن سعد بن
عبيدة اهـ (١٣٠:٢).
وفيه إشارة إلى اطلاع الحاكم على اضطراب الحديث متنا وسندا، وارتفاعه بترجيح طريق
الأعمش عن سعد بن عبيدة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه على بقية الطرق. وإذا كان كذلك،
فلا حجة فيما سواه. لكونه مرجوحا معللا، وقوله إن له فى الخمس أكثر من هذا" لم يروه عن عبد
الله بن بريدة إلا على بن سويد بن منجوف. وليس له فى البخارى إلا هذا الحديث الواحد كما
صرح به فى "التهذيب"، وإلا عبد الجليل عند أحمد. قال البخارى: يهم فى الشىء بعد الشىء،
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس حديثه بالقائم. ووثقه ابن معين (التهذيب ١٠٧:٦). والحديث رواه
عن بريدة ابن عباس عند أحمد. وعن ابن بريدة سعد بن عبيدة عنده وعند الحاكم، والأجلح
الكندى عند أحمد (٣٥٦:٥). فلم يذكروا إلا قوله عدّ له: ((إنه منى وأنا منه ونحوه)) ولم يذكروا
ما ذكره على بن سويد وعبد الجليل وسعد بن عبيدة أبو ضمرة فوق على بن سويد، فإنه من رجال

٢٦٠
بیان تقسیم الغنائم وسهامها
إعلاء الشنن
الجماعة، ولم يخرج لعلى بن سويد غير البخارى. وكان ثقة كثير الحديث، والأجلح فوق عبد
الجليل. فقد روى عنه أجلة المحدثين -شعبة وسفيان الثورى وابن المبارك وأبو أسامة ويحيى القطان
وجعفر بن عون وغيرهم - وثقه ابن معین والعجلی، وابن عدى وعمرو بن على ويعقوب بن
سفیان. وتكلم فيه آخرون روى له أصحاب السنن والبخارى فى الأدب. وابن عباس أجل من ابن
بريدة، كما لا يخفى، وإن سلمنا صحة هذه الزيادة التى أتى بها على بن سويد، وتابعه عبد الجليل
فهو معارض للحديث الصحيح الذى أخرجه الخمسة عن على رضى الله عنه، "أن فاطمة جاءت
إلى النبى معَّه على أبيها وعليها فسألته خادما فلم يعطها" وفى رواية لأحمد برجال ثقات "أن عليا
وفاطمة كلاهما سألاه فقال ◌َّه: ((والله لا أعطيكم، وأدع أهل الصفة، تطوى بطونهم من الجوع،
ولا أجد ما أنفق عليهم)) كما سيأتى كل ذلك مفصلا. فلو كان لعلى فى الخمس حق محدود
- كما زعمه ابن حزم- لما منعه حقه ولم يقدم عليه أصحاب الصفة فى حقه، فثبت أن قوله ملے
لبريدة فى قصة الجارية: ((إن له فى الخمس أكثر من هذا)). محمول على أنه عّ لّه قد كان أذن له أن
يأخذ من الخمس شيئا، فأخذ الوصيفة وكانت دون ما أذن له فيه فافهم، والحديث رواه الطحاوى
فی مشكله حدثنا أحمد بن شعيب (هو النسائى صاحب السنن) ثنا إسحاق بن إبراهيم يعنى ابن
راهويه، أنا النضربن شميل ثنا عبد الجليل بن عطية ثنا عبد الله بن بريدة ثنى أبى فذكر الحديث
وفيه: فبعث إلينا عليا وفى السبى وصيفة من أفضل السبى، فلما خمسه صارت الوصيفة فى
الخمس، ثم خمس فصارت فى أهل بيت النبى ◌ّه، ثم خمس فصارت فى آل على، فأتانا ورأسه
يقطر الحديث (٤: ١٦١).
فإن كان لعلى فى الخمس حق محدود- كما زعمه ابن حزم ومن وافقه - فعليهم أن
يقولوا: بأن له خمس خمس الخمس أى سهم من خمسة وعشرين ومائة سهم، ولا نعرف أحدا
قال بذلك من السلف، ولا من الخلف، ولا أظن ابن حزم قائلا بذلك أيضا. فلا بد من القول
بأنه مرّه كان قد أذن له بشىء معلوم من خمس هذه الغنيمة. وأما وطى على رضى الله عنه
الوصیفة المذكورة بلا استبراء کان منه فيها فلعلها کانت قد حاضت قبل السبی وطهرت فى اليوم
الذى وقعت فيه فى الخمس. ويجتزئ بهذه الحيضة عند أبى يوسف فى الاستبراء للتيقن بفراغ
الرحم، ذكره فى "الهداية" (٤٤٩:٤) أو كانت عذراء لم تحض بعد وعلى لم يكن يرى الاستبراء
واجبا فى مثلها، كما هو مذهب ابن عمر ذكره الطحاوى فى "مشكله" (١٥٩:٤).