Indexed OCR Text
Pages 161-180
١١ إعلاء السنن حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين ١٦١ ٣٩١١- عن أبى سعيد الأعشم قال: ((قضى رسول الله عَ ◌ّه فى العبد إذا جاء فأسلم ثم جاء مولاه فأسلم أنه حر، وإذا جاء المولى ثم جاء العبد بعد ما أسلم مولاه فهو أحق به)) رواه أحمد وقال: أذهب إليه، وهو مرسل (نيل الأوطار ٢١٣:٧). واحتج به محمد فى "السير الكبير" له (١٥:٣). إليهم، ومنوا بها عليهم. واختلف العلماء فى معنى هذا المن والرد هل كان تمليكا لهم؟ كما قال أبو حنيفة وأصحابه، أو إجارة والأرضون والدور وقف للمسلمين كما قاله الجمهور والزهرى، وعمر بن عبد العزيز منهم، وأما مرسل بن المسيب بلفظ: ((من منحه المشركون دارا فلا دار له)). فإنما ورد فى المنيحة والهبة ويحتمل أن يكون المعنى النهى عن مساكنة المشركين والمنع من قبول ما منحوا المسلم من الدار لا نفى ملكه عنه إذا قبله، وكذلك كل ما ذكرناه فى دليل الإمام ليس بصريح فيما استدل به عليه، وإنما هو مما يستأنس به فحسب فلا يجوز لأحد أن يطعن عليه لأجل هذه المسألة، فإن له سلفا فى ذلك من قول مجاهد كما سيأتى ويستأنس لما قاله بالآيات والآثار، والمسألة ظنية يكتفى لمثلها بأمثالها إذا إطمأن إليها قلب المجتهد والله تعالى أعلم. وقد صرح فقهاءنا فى رسول المفتى أنه إذا كان فى المذهب قول هو أرفق بالناس مما فى ظاهر الرواية يؤخذ بما هو أرفق بالناس، ورأينا قول أبى يوسف كذلك فرجحناه على قوله الإمام لأجل هذا المعنى أيضا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. قوله: "عن أبى سعيد الأعشم إلخ" قال الموفق فى "المغنى": روى سعيد بن منصور حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج (هو ابن أرطاة) عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله عَّ يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم)). (قلت: سند حسن) وعن أبى سعيد الأعشم قال: ((قضى رسول الله عَّ فى العبد وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج سيده بعد لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده)) رواه سعيد أيضا اهـ (٤٧٧:١٠). واحتج به الجمهور على أن الحربى إذا دخل دار الإسلام بأمان فأسلم فإنه يحرز أمواله بدار الحرب. قال فى "النيل": ومن أسلم (من العبيد) بعد إسلام سيده كان مملوكا لسيده، لأن إسلام السيد قد أحرز ماله ودمه والعبد من جملة أمواله والحديث المذكور وإن كان مرسلاً إلا أنه يدل على معناه الحديث المتفق عليه ((فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم)) فلو حكم بحرية ج - ١٢ الحربى إذا أسلم فى دار الإسلام، ثم جاء عبده إليه ١٦٢ ٣٩١٢- عن: عبد الله بن المبارك عن الوضين بن عبد الله الخولانى عن محمد بن الوليد الزهرى عن ابن هشام عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من منحه المشركون أرضا فلا أرض له)). أخرجه محمد فى "السير الكبير" له (٢٣٨:٤). قلت: سند حسن مرسل، والوضين مختلف فيه، ومحمد بن الوليد هو الزبيدى يروى عن الزهرى، فقوله: محمد بن الوليد الزهرى فيه تصحيف، وكذا ابن هشام تصحيف وإنما هو محمد بن الوليد عن الزهرى عن هشام أى ابن عروة، عن سعيد بن المسيب. وهؤلاء كلهم ثقات معروفون ومراسيل ابن المسيب صحاح عند القوم، وقد احتج به محمد وهو إمام مجتهد فناهيك به حجة. عبد الرجل المسلم إذا أسلم لكان بعض ما له خارجا عن العصمة اهـ (٢١٥:٧). قلت: لا دلالة فيه على إحراز السيد عبده بدار الحرب بإسلامه فى دار الإسلام، بل فيه أن الحربى إذا أسلم فى دار الإسلام، ثم جاء عبده بنفسه قبل أن يستولى عليه أحد من المشركين، أو المسلمين فى دار الإسلام فهو عبده، لكونه لم يأت دار الإسلام ولا عسكره مراغما لسيده. فغاية ما فيه أن الحربى يحرز بإسلامه فى دارنا من أمواله ما وصل إليه قبل الاستيلاء عليه. وهذا مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا ظهرنا على أمواله وعبيده الذين خلفهم فى دار الحرب ولا دلالة فى الحديث على كونهم عبيدا لسيدهم فى هذه الصورة. ومن ادعى فليأت ببرهان فإن قوله مد ظله: (إذا جاء المولى ثم جاء العبد بعد ما أسلم مولاه إلخ" لا يدل إلا على مجيئه بنفسه لا على ما إذا جئنا به أسيرا فافهم! فإن قيل: إن قوله: "ثم جاء العبد" مطلق عن مجيئه طوعا أو أسيرا قلنا: فليكن كذلك قوله: "إن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده" مطلقا عن خروجه بنفسه أو خروجه مأسورا بعد ظهور المسلمين عليه؟ وقد أجمعوا على أنه لا يكون حرا إلا فى الصورة الأولى دون الثانية. وإذا قيدوه فى أول الكلام بالخروج بنفسه فليكن كذلك فى قرينه. ومن ادعى الفرق فليأت بدليل، والله تعالى أعلم. قوله: "عن عبد الله بن المبارك إلخ" قال شارح " السير": وفى رواية أخرى من منحه المشركون دارا فلا دار له، ولم يرد بهذا أنه لم يملكه بالمنحة (أى بالهبة) لكن أراد به أنه لا يدوم ملكه فيها، فإن المسلمين إذا ظهروا عليها تصير لهم. والله الموفق اهـ (٢٣٨:٤). قلت: وقوله: "من منحه المشركون" يعم المسلم الداخل فى أرض الحرب بأمان وهو أرفع حالا من الذى أسلم فى دار الحرب، وهو من أهلها فلما لم يملك الأول أرضه بدار الحرب، فالثانى ١٦٣ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله إعلاء السنن ٣٩١٣- عن سمرة بن جندب رضى الله عنه: ((أما بعد! قال رسول الله عد له: ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)) رواه أبو داود وسكت عنه وقال العلقمى فى الكوكب المنير: إسناده حسن اهـ. وسليمان بن موسى الذى فيه إنما هو أبو داود الزهرى الكوفى، وثقه ابن حبان وأبو حاتم وقال الذهبى: صويلح الحديث، وليس بسليمان الأموى الأشدق كما توهمه العلامة المناوى فى "شرح الجامع الصغير" (عون المعبون ٤٨:٣). أولى به، وهذا قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الذى أسلم بأرض الحرب ومن دخلها بأمان تصير دورهما وعقارهما فيئا للمسلمين إذا ظهروا عليهما، والله أعلم. قوله: "عن سمرة بن جندب إلخ". قال العلامة الشوكانى فى "النيل": "حديث سمرة، قال الذهبى: إسناده مظلم لا تقوم بمثله حجة اهـ". قلت: وليس منشأه توهم أن سليمان بن موسى الذى فيه هو سليمان بن موسى الأموى الأشدق كما توهمه العلامة المناوی، فإن الأشدق لیس بمتروك الحديث، ولا هو من أجمع على ضعفه بل كان أعلم أهل الشام بعد مكحول. وقال عطاء ابن أبى رباح: هو سيد شباب أهل الشام. وقال الزهرى: هو أحفظ من مكحول، وثقه دحيم، وقال ابن معين: ثقة فى الزهرى، وقال أبو حاتم: محله الصدق وفى حديثه بعض الاضطراب (قلت: وقل من سلم منه) ولا أعلم أحدا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. وقال ابن عدى: هو عندى ثبت صدوق. وقال الدار قطنى: من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهرى. وقال ابن سعد: كان ثقة أثنى عليه ابن جريج وقال ابن حبان فى الثقات: كان فقيها ورعا. وعن ابن المدينى: كان من كبار أصحاب مكحول. وقال يحيى بن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيح عندنا، كذا فى "تهذيب التهذيب" (٢٢٧:٤). بل منشأه جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، قال ابن حزم: مجهول وقال عبد الحق: ليس ممن يعتمد عليه. وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من یعرف حاله یعنی جعفر وشيخه وشیخ شيخه، وقد جهد المحدثون فیهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة وذكر ابن حبان فى الثقات، وكذا شيخه وشيخه وأورد الحافظ المقدسى فى الأحاديث المختارة حديثا لابن سمرة عن أبيه، كذا فى "تهذيب التهذيب" (٩٣:٢ ٩٤). والعجب من المناوى أنه أورد على تحسين السيوطى لهذا الحديث من أجل الأشدق ولم يتنبه لجعفر وشيخه وشيخ شيخه ولعل السيوطى اعتمد توثيق ابن ١٦٤ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ج - ١٢ ٣٩١٤- عن: جرير بن عبد الله أن رسول الله عَّ له بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبى معَّ. فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا حبان لهم، وسكوت أبى داود عنه لا سيما وقد أخرجه الضياء فى "المختارة" كما فى كنز العمال" (٢٧٥:٢). والأحاديث التى فيها صحاح عند السيوطى، قال الشو کانی: فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم. والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم ولكن يشهد لصحته قوله تعالى: ﴿فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾ وحديث(١) بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا: ((لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين) اهـ (٧: ٢٣٠). قلت: ودلالة قوله معّ: ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)) على أن الحربى إذا أسلم فى دار الحرب وأقام بها مثل الحربى فى الأحكام ظاهرة. فهو مما يستأنس به لقول أبى حنيفة: إن الحربى إذا أسلم فى الأحكام ثم ظهر عليها يترك له ما بيده حقيقة وأولاده الصغار دون العقار وأولاده الكبار. وإنما لم نجعله كالحربى فى جميع الأحكام للجمع بين قول النبى ◌ّ هذا وبين قوله «من أسلم علی شیء فهو له)) وأخرج یحیی بن آدم فى "كتاب الخراج" له عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: أيما مدينة أخذت عنوة فأسلم أهلها قبل أن يقتسموا فهم أحرار وأموالهم للمسلمين)) اهـ (ص٤٧-٤٨). فهذا سند صحيح فهذا مجاهد يقول فى الحربى: إذا أسلم فى دار الحرب أن ماله للمسلمين، فإن الدار قبل الاقتسام دار الحرب، وبعده دار الإسلام وبهذا تبين أن للإمام أبى حنيفة سلفا فيما قاله، والله تعالى أعلم. قوله: "عن جرير بن عبد الله إلخ" قال ابن عائشة: هو الرجل يسلم فيقيم مع المشركين فيغزون، فإن أصيب فلا دية له لقوله عليه السلام: ((فقد برئت منه الذمة)) وقوله: ((أنا برئ منه)) يدل على أن لا قيمة لدمه كأهل الحرب الذين لا ذمة لهم، بنصف الدية، إما لأن الموضع الذى قتلوا فيه كان مشكوكا فى أنه من دار الحرب، أو من دار الإسلام أو أن يكون النبى معَُّلِّ تبرع به، لأنه لو كان جميعه واجبا لما اقتصر على نصفه، كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٢٤٢:٢). وهذا مما يستأنس به أيضا لقول أبى حنيفة رحمه الله تعالى: إن الحربى إذا أسلم فى دار الحرب، فهو كالحربى فى بعض الأحكام)) فلزم الجمع بينه وبين قوله مّ له: ((من أسلم على شىء فهو له)) فما كان بيده (١) والحديث ذكره الحافظ فى "الفتح"، وعزاه إلى النسائى (٢٩:٦)، فهو صحيح أو حسن على أصله. ١٦٥ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله إعلاء السنن برىء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله! ولم؟ قال: لا تتراأى ناراهما، رواه أبو داود والترمذى وابن ماجة، ورجال إسناده ثقات ولكن صحح حقيقة كان له، وما كان بيده حكما كالعقار والزوجة كان فيئا للمسلمين. إذا ظهروا على الدار كسائر أموال الحربيين، وإذا قتله مسلم أو أتلف ماله كان أثما ولم يكن ضامنا، لأن الضمان يعتمد الذمة ولا ذمة له، فافهم. أحكام الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام: لا يقال: إن ذلك إنما كان حين كانت الهجرة فرضا على المسلمين، فلما نسخت بقوله عَ له: ((لا هجرة بعد الفتح)) انتسخ هذا الحكم أيضًا؛ لأنا نقول: إن معنى ذلك لا هجرة من بلد قد فتح بعد الفتح، وأما إنها لا تجب من دار الحرب إلى دار الإسلام فلما لما روى أحمد وأبو داود عن معاوية ((سمعت رسول الله مرّ له يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)). وروى أحمد والنسائى عن عبد الله السعدى مرفوعا ((لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو)) اهـ من "نيل الأوطار" (٢٢٩:٧) وقد حاول جماعة من المحدثين والفقهاء الجمع بين هذا وبين قوله معدّ لّه ((لا هجرة بعد الفتح)) كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٧٩:٧). وفيه دلالة على صحة حديثى معاوية وعبد الله السعدى وإلا لم يحتج إلى الجمع وترجيح ما فى الصحيح على ما فى غيره قال الحافظ: وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلى بلفظ ((انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله عَ ةٍ ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)) أى ما دام فى الدنيا دار كفر فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشى أن يفتن عن دينه، ومفهومه أن لو قدر أن لا يبقى فى الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع، لانقطاع موجبها وأطلق ابن التين أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة وإن من أقام بمكة بعد هجرة النبى معَّ إلى المدينة بغير عذر كان كافرا وهو إطلاق مردود اهـ. (أى بل كان منقطع الولاية عن المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يها جروا ما لكم من ولا يتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ وكان آثما؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين توفتهم الملائكة ظالى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض﴾. قال الحافظ فى قول عائشة رضى الله عنها: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى رسول الله عَّ ◌ُلّه مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام والروم يعبد ربه حيث شاء" إشارة إلى بيان مشروعية الهجرة. وأن سببها خوف الفتنة ولالحكم يدور مع علته. فمقتضاه ١٦٦ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ج - ١٢ البخارى وأبو حاتم والترمذى وأبو داود والدار قطنى إرساله ورواه الطبرانى موصولا أن من قدر على عبادة الله فى أى موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه. وإلا وجبت. ومن ثم قال الماوردى: إذا قدر على إظهار الدين فى بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام. فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره فى الإسلام اهـ (١٧٩:٧). ورد عليه الشوكانى فى "النيل" بقوله: ولا يخفى ما فى هذا الرأى من المصادمة لأحاديث الباب القاضية بتحريم الإقامة فى دار الكفر اهـ (٢٣١:٧). قلت: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء! أو لا ترى أن الحبشة كانت دار كفر قبل هجرة النبى معَِّ إلى المدينة بل بقيت كذلك بعد إسلام النجاشى أيضا. لكونه كاتما إسلامه ولم تكن الإقامة بها محرمة على المسلمين بل أمروا بالهجرة إليها قبل هجرتهم إلى المدينة. فالحق ما قاله الماوردى لكونه مؤيدا بأمر النبى معَ ◌ّ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ومتأيدا بقول عائشة رضى الله تعالى عنها فى بيان مشروعية الهجرة وإن سببها خوف الفتنة، والله تعالى أعلم. قال الإمام الشافعى رحمه الله فى "الأم": ودلت سنة رسول الله عَّة. على أن فرض الهجرة على من أطاقها إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذى يسلم بها، لأن رسول الله عَ لّه أذن القوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم العباس بن عبد المطلب وغيره" إذ لم يخافوا الفتنة وكان يأمر جيوشه إلى أن يقولوا لمن أسلم: إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب. وليس يخيرهم فيما لا يحل لهم اهـ (٨٤:٤). قلت: وقد مر الحديث فى أوائل الجهاد فتذكر! قال الشوكانى: " وقد حكى فى البحر أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعا حيث حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الإمام تقوية لسلطانه". وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهادوية إلى وجوبها عن دار الفسق قياسا على دار الكفر، وهو قياس مع الفارق، والحق عدم وجوبها من دار الفسق، لأنها دار إسلام وإلحاق دار الإسلام بدار الكفر بمجرد وقوع المعاصى فيها على وجه الظهور ليس بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية اهـ (٢٣٢:٧). قلت: إن كان الفاسقون يحملونه على معصية فعل أو ترك، فلا شك فى كون دار الفسف هذه فى حكم دار الكفر، لكونه قد فتن عن دينه فيها وإن كانوا لا يحملونه على المعاصى لكنه يخاف على دينه من مجالستهم ومواكلتهم ومشاربتهم لكون الطباع متسرقة فالهجرة منها إلى دار الصلاح والصلحاء مستحبة حتما بدليل ما فى حديث "رجل كان قد قتل تسعة وتسعين نفسا ثم أراد التوبة فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول ١٦٧ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله إعلاء السنن أيضا (نيل الأوطار ٢٣٠:٧)، قلت: ورواه عبد الباقى بن قانع موصولا أيضا بلفظ: بينه وبين التوبة إنطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء الحديث - وفيه- فقبضته ملائكة الرحمة فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها". رواه البخارى ومسلم وابن ماجة بنحوه من "الترغيب والترهيب" (ص٥٠٦) وأخبار من قبلنا إذا ذكرها الشارع صلاة الله وسلامه عليه ولم ينكرها فهى شريعة لنا كما ذكره الأصوليون، فليس ما قاله جعفر بن مبشر وبعض الهادوية مخالفا لعلم الرواية ولا لعلم الدراية كما زعمه الشوكانى رحمه الله تعالى. وقال الموفق فى "المغنى": فالناس فى الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب عليه وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه وإقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار. الثانى: من لا هجرة عليه وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه. والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها لکنه یتمکن من إظهار دينه وإقامته فى دار الكفر فتستحب له ليتمكن من جهاد وتكثير المسلمین ومعونتهم ویتخلص من تکثیر الكفار ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة. وقد كان العباس عم النبى معَّ ◌ِّ مقيما بمكة مع إسلامه، وروينا أن نعيم النحام لما أراد الهجرة جاءه قومه بنو عدى فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك. ونحن نمنعك ممن يريد أذاك واكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بيتامى بنى عدى وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة. ثم هاجر بعد فقال له النبى معَّ: قومك كانوا خيرا لك من قومى لى أخرجونى وأراد واقتلى وقومك حفظوك ومنعوك فقال: يا رسول الله! بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله، وجهاد عدوه، وقومى ثبطونى عن الهجرة، وطاعة الله، أو نحو هذا القول اهـ (٥١٥:١٠). قلت: ذكره الحافظ فى "الإصابة" (٢٤٨:٦) نحوه عن مصعب الزبيرى والزبير بن بكار، والله تعالى أعلم. وهذا إيفاء ما وعدته فى حاشية بعض الأجزاء من هذا الكتاب من بيان أحكام الهجرة والله الموفق والمعين هذا، ولا حجة لمن جعل الحربى المسلم بدار الحرب كالمقيم فى دار الإسلام فى جميع الأحكام فى قوله تعالى: ﴿ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم﴾ الآية؛ لأن أكثر ما فيه أن الله كف المسلمين عنهم لأنه كان فيهم قوم من المسلمين المستضعفين لم يقدروا على الهجرة بعد ولو دخل أصحاب النبى مَّه مكة بالسيف لم يأمنوا أن ١ ١٦٨ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ج - ١٢ من أقام مع المشركين، فقد برئت منه الذمة، أو قال لا ذمة له (أحكام القرآن للرازی ٢٤٢:٢)، وسنده حسن. ٤ يصيبوهم، وذلك إنما يدل على إباحة ترك الإقدام على المشركين والحال هذه لا على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضا إباحة الإقدام على وجه التخيير. فإذا لا دلالة فيها على حظر الإقدام ولا على أن المسلمين المقيمين بدار الحرب كأهل دار الإسلام فى الأحكام. فإن قيل: فى فحوى الآية ما يدل على الحظر وهو قوله: ﴿لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم﴾، فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم. قيل له: قد اختلف أهل التأويل فى معنى المعرة ههنا، فروى عن ابن إسحاق أنه عزم "الدية" وقال غيره: الكفارة". وقال غيرهما: أنعم باتفاق قتل المسلم على يده، لأن المؤمن يغتم لذلك. وإن لم يقصده. وقال آخرون: "العيب" حكى عن بعضهم أنه قال: المعرة "الإثم". وهذا باطل لأنه تعالى أخبر أن ذلك لو وقع لكان بغير علم منا، ولا مأتم على المسلم فيما لم يعلمه ولم يضع الله عليه دليلا. قال الله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ فعلمنا أنه لم يرد المأثم. ويحتمل أن يكون ذلك خاصا فى أهل مكة لحرمة الحرم ألا ترى أن المستحق للقتل إذا لجأ إليها لم يقتل عندنا وكذلك الكافر إذا لجأ إلى الحرم لم يقتل، وإنما يقتل من انتهك حرمة الحرم بالجناية فيه فمنع المسلمين من الإقدام عليهم خصوصية لحرمة الحرم قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٣: ٣٩٦). قلت: وقد روى البخارى ومسلم وأحمد والترمذى وصححه عن أنس، "قال: كان رسول الله عَّه إذا غزا قوما لم يغر حتى أصبح، فإذا سمع أذانا أمسك، وإذا لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح" وعن عصام المزنى قال: ((كان النبى معَّه إذا بعث السرية يقول إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مناديا فلا تقتلوا أحدا))، رواه الخمسة إلا النسائى، وحسنه الترمذى، كذا فى "نيل الأوطار" (١٤٥:٧). وفيه دلالة على أنه إذا كان بأرض الحرب مسلمون لا نعرفهم، ولا مسجد لهم، ولا مؤذن يجوز الإغارة على أهلها، ولا نتعمد قتل المسلم منهم، وإن قتل إتفاقا، فلا ضمان، ولا دية لقوله مرّ له: ((من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة) فافهم! فإن فيه حجة لأبى حنيفة فى ((أن من كثر سواد قوم فهو منهم)) وفى حكمهم فلو دخل قوم من أهل العدل فى عسكر البغاة، ثم قتل بعضهم بعضا لا يقتض من القاتل إذا ظهرنا عليهم لكون المقيم بأرض فى حكم أهلها فاللاحق لعسكر البغاة ١٦٩ ج - ١٢ باب للفارس سهمان وللراجل سهم ٣٩١٥- عن: مجمع بن جارية الأنصارى رضى الله عنه. وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله عَ لّه فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر. فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحى إلى النبى عّ لّ فخرجنا فى حكمهم، وإن كان من أهل العدل. اللهم إلا أن يدخل عسكرهم مستأمنا أو بإذن الإمام، فيجب على قاتله القود فى العمد والدية فى الخطأ، فإن المسلم المستأمن من أهل دار الإسلام حيث ما كان والداخل بإذن الإمام فى حمايته ورعايته بكل حال، والله تعالى أعلم. ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى فجعل يقدح فى شأن أبى حنيفة، ويذكره بكل سوء، ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله. باب للفارس سهمان وللراجل سهم قوله: "عن مجمع بن جارية الأنصارى إلخ" دلالته على معنى الباب ظاهرة من قوله: "فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما" قال أبو داود: أرى الوهم فى حديث مجمع أنه قال: ثلاث مائة فارس وكانوا مائتى فارس اهـ. وقال البيهقى: "والذى رواه مجمع ابن يعقوب بإسناده فى عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه ففى رواية جابر وأهل المغازى أنهم كانوا ألفا وأربعمائة وهم أهل الحديبية، وفى رواية ابن عباس وصالح بن كيسان وبشير بن يسار وأهل المغازى "أن الخيل كانت مائتى فارس وكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم ولكل راجل سهم)) اهـ (عون المعبود ٢٦:٣). قلت: قد روى عن جابر فى عدد الجيش مثل ما رواه مجمع بن يعقوب بإسناده عن مجمع ابن جارية، والزيادة من الثقة مقبولة والمثبت للزيادة أولى من النافى لها، فالراجح فى عدد الجيش ألف وخمسمائة وفى عدد الفرسان ثلاث مائة. قال الحافظ فى "الفتح": حديث البراء ذكره البخارى من وجهين عن أبى إسحاق ووقع فى رواية إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء " كنا أربع عشرة مائة" وفى رواية زهير عنه "أنهم كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر"، ووقع فى حديث جابر الذى بعده من طريق سالم بن أبى الجعد عنه "أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ومن طريق قتادة قلت لسعيد بن المسيب: بلغنى عن جابر "أنهم كانوا أربع عشرة مائة" فقال سعيد: حدثنى جابر أنهم كانوا خمس عشرة مائة" ، ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر " كانوا ألفا وأربعمائة"، ومن طريق عبد الله بن أبى أوفى " كانوا ألفا وثلاث مائة" ، ووقع عند ابن أبى شيبة من حديث مجمع بن جارية كانوا ألفا وخمس مائة إلى أن قال -بعد ذكر وجه الجمع بينها-، وأما قول ابن أبى أوفى: ١٧٠ للفارس سهمان وللراجل سهم إعلاء السنن مع الناس نوجف فوجدنا النبى معَّ واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ فقال رجل: يا رسول الله! أفتح هو؟ قال: نعم! والذى نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها "ألفا وثلاث مائة" فيمكن حمله على ما اطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم. والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذى ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة والزوائد تلاحقوا بهم بعد ذلك وأما قول ابن إسحاق "أنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه لأنه قال استنباطا من قول جابر "نحرنا البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة" وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن مع أن بعضهم لم يكن أحرم اهـ لما سيأتى فى هذا الباب فى حديث المسور ومروان أنهم خرجوا مع النبى معَِّ "بضع عشر مائة" ولفظ البضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف وجزم موسى ابن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة (وهو أوثق الناس فى المغازى فبطل ما عزاه البيهقى إلى أهل المغازى من أن عدد الجيش كان أربع عشرة مائة) وفى حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبى شيبة ألفا وسبعمائة، وحكى ابن سعد "أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين". وهذا إن ثبت تحرير بالغ ثم وجدته موصولا عن ابن عباس عند ابن مردوية (وقد التزم الحافظ أن لا يذكر فى "الفتح" من الأحاديث المزيدة إلا ما كان منها حسنا أو صحيحا ولا يسكت فيه عن ضعيف، كما ذكره فى "المقدمة"، فأثر ابن عباس هذا حسن عنده أو صحيح فافهم)، قال: وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف فى عددهم، أن الذى ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين اهـ (٧: ٣٤٠). قلت: ولعلك قد تفطنت من كلام الحافظ أن الراجح عنده ما ذكره ابن سعد ووصله ابن مردوية عن ابن عباس، فالحق أن عدد الجيش الذين أسهم لهم النبى معَّةٍ كانوا ألفا وخمسمائة والزيادة عليها كانت من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان لم يبلغوا الحلم ولم يسهم لهم. ودليل ذلك ما صح عن رسول الله عَ ليه "أنه قسم خيبر على ثمانية(١) عشر سهما كل سهم يجمع مائة سهم فكانت ألفا وثمانية عشر سهاما" ولا يستقيم هذه القسمة إلا بأحد أمور: إما بأن يكون عدد الجيش ألفا وأربعمائة فيهم مائتا فارس فجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما، أو بأن يكون عدد الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاث مائة فارس، فجعل للفارس سهمين وللراجل سهما أو بأن (١) قد مر الحديث فى باب "إذا فتح الإمام بلدة عنوة فهو بالخيار" إلخ. زـ ١٧١ ج - ١٢ للفارس سهمان وللراجل سهم رسول الله عَ لّم على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما أخرجه أبو داود (٢٨:٣ مع "العون")، وتكلم فيه، والحاكم فى "المستدرك" (١٣١:٢)، وقال: هذا حديث كبير صحيح الإسناد، وأقره عليه الذهبى. يكون عدد الجيش ألفا وستمائة والفرسان منهم مائتان، للفارس سهمان وللراجل سهم. وقد عرفت أن الراجح فى عدد الجيش ألف وخمسمائة فلم يكن للفارس إلا سهمان كما قاله مجمع بن جارية رضى الله عنه، وبه قال أبو حنيفة رضى الله عنه، كما فى "الهداية" و"فتح القدير" (٣٣٥:٥) ونصه: ثم للفاس سهمان وللراجل سهم عند أبى حنيفة وقالا: للفارس ثلاثة أسهم، وهو قول الشافعى -رحمة الله عليه-، لما روى ابن عمر رضى الله عنه ((أن النبى عليه الصلاة والسلام أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما» ولأن الاستحقاق بالغناء غناءه على ثلاثة أمثال الراجل لأنه للكر والفر والثبات والراجل للثبات لا غير، ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى ما روى أن النبى معَّ ((أعطى الفارس سهمين والراجل سهما))، فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله، وقد قال عليه الصلا والسلام: ((للفارس سهمان والراجل سهم)» (هذا غير معروف وأخطأ من عزاه لابن أبى شيبة). وقد روى عن ابن عمر رضى الله عنه: "أن النبى مّ قسم للفارس سهمين" وإذا تعارضت روايتاه ترجح رواية غيره ولأن الكر والفر من جنس واحد فيكون غناءه مثلى غناءه فيفضل عليه بسهم، ولأنه تعذر اعتبار مقدار الزيادة لتعذر معرفته (فكم من راجل أنفع من راجل فى الحرب وفارس من فارس ولا يستنكر زيادة إغناء راجل عن فارس فيدار الحكم على سبب ظاهر وللفارس سببان النفس والفرس وللراجل سبب واحد فكان استحقاقه على ضعفه اهـ (٣٣٧:٥). فإن قيل: إن حديث مجمع بن جارية الذى بدأت به الباب أعله الشافعى رحمه الله. فقال: "ومجمع بن يعقوب يعنى راوى هذا الحديث عن أبيه عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن عمه مجمع بن جاریة شیخ لا یعرف " فأخذنا فى ذلك بحدیث عبيد الله (عن نافع عن ابن عمر) نام نر مثله خبرا يعارضه ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله اهـ من "عن المعبود" (٢٩:٣). وقال ابن القطان فى "كتابه": وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف من روى عنه غير ابنه وابنه مجمع ثقة وعبد الرحمن بن یزید أخرج له البخاری انتهى ١٧٢ للفارس سهمان وللراجل سهم إعلاء السنن ٣٩١٦- حدثنا: أبو أسامة وابن نمير قالا: ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ((أن رسول الله عّ لّ جعل للفارس سهمين وللراجل سهما))، أخرجه ابن أبى شيبة ومن طريق (زيلعى ١٣٥:٢). وقلنا: أجاب عنه صاحب "الجوهر النقى" بأن هذا الحديث أخرجه(١) الحاكم فى "المستدرك"، وقال: حدیث کبیر صحیح الإسناد ومجمع بن يعقوب معروف، قال صاحب "الكمال": روى عنه القعنبى ويحيى الوحاظى وإسماعيل بن أبى أوس ويونس المؤدب وأبو عامر العقدى وغيرهم، وقال ابن سعد: توفى بالمدينة وكان ثقة، وقال أبو حاتم وابن معين: ليس به بأس وروى له أبو داود والنسائى انتهى كلامه، ومعلوم أن ابن معين إذا قال لا بأس به (أو ليس به بأس) فهو توثيق اهـ (٢: ٦٠). قلت: واحتج الجمهور بما رواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عند البخارى وغيره واللفظ له "قسم رسول الله مّ له يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما" فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم" كذا ذكره فى المغازى فى عزوة خيبر (٣٧١:٧ مع "الفتح"). ولا حجة فيه فإنه يحتمل أن يكون أراد بالفرس الفارس كما فى قوله تعالى: ﴿وأجلب عليهم بخيلك﴾ وقولهم: يا خيل الله اركبى ويؤيده مقابلة الفرس بالراجل فيوافق ما رواه مجمع بن جارية رضى الله عنه "أنه مَّ أعطى الفارس سهمين والراجل سهما" ولا حجة فى تفسير نافع ما لم يتحقق سماعه ذلك عن الصحابى ولا فيما رواه البخارى عنه فى باب الجهاد بلفظ "أن رسول الله عَّ ◌ُله جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما" (٥١:٦) مع "الفتح"، ولا فيما رواه أبو داود وابن ماجة عنه بلفظ "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه (زيلعى ١٣٣:٢) لاحتمال أن يكون نافع أو عبيد الله رواه بهذا اللفظ على ما فهمه لا على ما سمعه فإن لفظ زائدة الذى أخرجه البخارى فى غزوة خيبر أبين وأوضح وهو مفسر فارق بين لفظ ابن عمر وتفسير نافع فهو قاض على غيره من الألفاظ المحتملة للرواية بالمعنى دون اللفظ، فافهم. قوله "حدثنا أبو أسامة وابن نمير إلخ" قال "الدارقطنى": قال الرمادى (هو أحمد بن منصور): كذا يقول ابن نمير قال لنا النيسابورى: هذا عندى وهم من ابن أبى شيبة أو من الرمادى، لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن ابن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا، وقد تقدم (١) قلت: وكذا هو فى "المستدرك" المطبوع بدائرة المعارف من الهند. وصححه أيضا الذهبى فى "تلخيصه" كما ذكرناه فى المتن، فما فى "نصب الراية" للزيلعى، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" فى كتابه "قسم الفىء"، وسكت عنه اهـ لا يعول عليه. ج - ١٢ للفارس سهمان وللراجل سهم ١٧٣ ابن أبى شيبة أخرجه الدارقطنى (زيلعى ١٣٦:٢)، قلت: سند صحيح على شرط الشیخین. ذكره عنهما. ورواه ابن كرامة وغيره عن أبى أسامة خلاف هذا وقد تقدم اهـ". قلت: قد حزم الرمادى بأن ابن نمير كذا يقول، فلا يصح نسبة الوهم إلى ابن أبى شيبة، ولا إلى الرمادى لا سيما وابن أبى شيبة ثقة، حافظ إمام مصنف حجة ثبت، كان أحفظ أهل عصره. قال عمرو بن على: ما رأيت أحفظ من أبى بكر، روى عنه البخارى ثلاثين حديثا، ومسلم ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا، وهو من رجال الجماعة متقن حافظ دين ممن كتب وجمع وصنف وذاكر، ومن أراد البسط فى ترجمته، فليراجع (تهذيب التهذيب ٣:٦ و٤ و "تذكرة الحفاظ") وغيرهما، وأحمد بن منصور الرمادى قرنه يحيى بن معين بأبى بكر بن أبى شيبة فى الحفظ، روى عنه أبو حاتم وأبو عوانة وابن ماجة وغيرهم، وثقه أبو حاتم والدارقطنى، وكان عباس الدورى يجله، وقال مسلمة: ثقة مشهور، كذا فى "التهذيب" (٨٤:١). وكيف يصح نسبة الوهم إلى الرمادى ورواية ابن أبى شيبة هذه موجودة فى "مصنفه" کما ذکره الزیلعی، فهل قول النيسابورى: هذا عندی وهم من ابن أبى شيبة أو من الرمادى إلخ. إلا تخبط محض وتمشية للمذهب ورواية ابن أبى شيبة هذه أوردها عبد الحق فى "الأحكام"، وسكت عنها (ولا يسكت فيها إلا عن صحيح عنده). قال العلامة الزبيدى شارح "القاموس": ومثل ابن أبى شيبة لا يهم مع أن أبا أسامة وابن نمير لم ينفردا بل توبعا على ذلك کما سیأتی بیانه. وذكر ابن نمير مع أبى أسامة يشير إلى التقوية، وأنه ليس بوهم، كذا فى "عقود الجواهر" (٢١٩:١)، يعنى أن الراجح من لفظهما ما اتفقا عليه دون ما انفردوا به، فافهم على أن لفظ ابن نمير عند أحمد وعبد الرحمن بن بشر إنما هو ((أن رسول الله عَ ليه قسم للفرس سهمين وللرجل سهما)) رواه الدار قطنى (٤٦٧:٢)، وهو لا ينافى لفظ ابن أبى شيبة؛ فإن المراد بالفرس الفارس، والرجل الراجل. وأما لفظ ابن كرامة عن أبى أسامة أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، فمحمول على الرواية بالمعنى على نفسير نافع لا على الرواية باللفظ الذى قاله ابن عمر، كما تقدم. وسند ابن أبى شيبة صحيح على شرط الشيخين ودلالته على مذهب أبى حنيفة ظاهرة. فإن قيل: حجة الجمهور أخرجها الشيخان فهو أصح. قلنا: قد مر منا غير مرة أن كون الحديث فى "الصحيحين"، أو فى "البخارى" أصح من حديث آخر فى غيره مع فرض أن رجاله ١٧٤ للفارس سهمان وللراجل سهم إعلاء السنن ٣٩١٧- حدثنا: أبو بكر النيسابورى نا أحمد بن منصور (الرمادى) نا نعيم بن حماد نا ابن المبارك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبى عَ ليه- ((أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهما)) رواه الدار قطنى (٤٦٩:٢)، وهذا سند صحيح على شرط البخارى. ٣٩١٨- حدثنا: أبو بكر النيسابورى نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب أخبرنى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أن رسول الله مَّ ◌ُّه كان يسهم للخيل للفارس سهمين وللراجل سهما)). تابعه ابن أبى مريم وخالد بن عبد الرحمن عن العمری رواه الدارقطنى (٤٧:٢)، وسنده صحيح على شرط مسلم. رجال الصحيح روى عنهم البخارى تحكم محض؛ لا نقول به مع أن الجمع وإن كان أحدهما أقوى من الآخر أولى من إبطال أحدهما، وذلك فيما قلنا: إن لفظ ابن عمر إنما هو ما أخرجه البخارى من طريق زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه، وهو لا ينافى ما رواه أبو أسامة وابن نمير عند ابن أبى شيبة، وما رواه غير ابن أبى شيبة عن أبى أبى أسامة ليس من لفظ ابن عمر بل هو من رواية نافع أو عبيد الله بالمعنى على ما فهمه. يدل على ذلك قول زائدة: فسره نافع إلخ. ويتعين القول بذلك عند النظر فى المتابعات التى ذكرناها فى المتن. فإنها تؤيد لفظ ابن أبى شيبة وتنفى قول من نسبه إلى الوهم. قوله: "حدثنا أبو بكر النيسابورى أو لا إلخ". قلت: فيه متابعة ابن المبارك لابن نمير وأبى أسامة عن عبيد الله بن عمر على اللفظ الذى رواه ابن أبى شيبة عنهما فدل على أنه لم يهم وابن المبارك أثبت الناس وأتقنهم وأحفظهم وأوعاهم لما يروى ولا شك أن نعيما ثقة روى عنه البخارى والذهلى وابن معين وأبو حاتم الرازى وأحمد بن منصور الرمادى، وأبو زرعة وثقه كثيرون، وأثنوا عليه وقال الدار قطنى: قال أحمد: كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك والناس يخالفونه، وقال النيسابورى: لعل الوهم من نعيم بن حماد، لأن ابن المبارك من أثبت الناس اهـ قلت: ولا يضر الاختلاف فيه على حماد، لاحتمال أن يكون نافع، أو عبيد الله رواه مرة باللفظ، ومرة بالمعنى، كما مر، فما رواه نعيم عن ابن المبارك فهو من الأول وما رواه غيره عنه فمن الثانى، ورواية نعيم هذه ذكرها صاحب "التمهيد" كما فى "عقود الجواهر" (٢١٩:١). قال: وهو يدل على شهرته عندهم، و کیف یکون وهما، وقد توبع علیه، انتهى كلامه. قوله: "حدثنا أبو بكر النيسابورى ثانيا إلخ". قلت: فيه عبد الله بن عمر المكبر أخو عبيد الله ج - ١٢ للفارس سهمان وللراجل سهم ١٧٥ ٣٩١٩- حدثنا: أبو بكر النيسابورى نا أحمد بن ملاعب نا حجاج بن منهال نا حماد بن سلمة أنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبى عَ لّه قسم للفارس سهمين، وللراجل سهما. رواه الدار قطنى (٤٧:٢) وسنده صحيح على شرط مسلم. ٣٩٢٠- حدثنا عبد الباقى بن قانع حدثنا يعقوب (١) بن غيلان العمانى، ثنا محمد وهو حسن الحديث كما مر غير مرة ولم يختلف عليه فى اللفظ الذى رواه عنه ابن وهب بل تابعه عليه ثقتان ورواه القعنبى عن العمرى بالشك فى الفارس قاله الدار قطنى (٢: ٤٧٠). ولا شك أن من لم يشك قاض على من شك فالراجح من لفظ القعنبى ما وافق فيه الثقات من أصحابه، لا ما خالفهم فيه بالشك، وفيه دليل على أن الراجح من لفظ عبيد الله بن عمر المصغر ما وافق فيه المكبر دون ما خالفه فيه، فإن المكبر لم يختلف عليه أصحابه كما اختلف أصحاب المصغر عليه، فافهم. قوله: "حدثنا أبو بكر النيسابورى ثالثا إلخ". قال الدارقطنى: كذا قال (حجاج بن المنهال) وخالفه النضر بن محمد عن حماد وقد تقدم ذكره اهـ. قلت: وأيش يضر الحجاج مخالفته؟ وهو أو ثق منه بكثير فإن الحجاج من رجال الجماعة، وثقه أحمد وقال أبو حاتم: ثقة فاضل، وقال العجلى: ثقة رجل صالح وقال النسائى: ثقة، وقال خلف بن محمد: كان صاحب سنة يظهرها، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. وقال ابن قانع: ثقة مامون وقال الفلاس: ما رأيت مثله فضلا ودينا وقال أبو حاتم: من خيار الناس. وقال أبو داود: إذا اختلفا (أى عفان وحجاج) فعفان وحجاج من أفضل الرجلين اهـ من "التهذيب" (٢٠٧:٢). وبالجملة: فحجاج من أثبت الناس فى حماد بن سلمة بعد عفان، وأما النضر بن محمد اليمامى فليس من رجال الجماعة بل من رجال الخمسة لم يخرج له النسائى قال العجلى: ثقة وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ربما تفرد اهـ من التهذيب (٤٤٤:١٠). فتراه قد وثقه غيرهما والحجاج قد وثقه كثير من الأئمة كما عرفت، وقد فضله أبو داود على عفان. وهو من أثبت الناس فى حماد، فأيش يضره مخالفة النضر بن محمد له، فافهم. وفيه متابعة حماد بن سلمة أحد الحفاظ المتقنين لأبى أسامة وابن نمير عن عبيد الله بن عمر على اللفظ الذى رواه ابن أبى شيبة عنهما ونعيم ابن حماد عن ابن المبارك عنه، فبطل دعوى من نسب الوهم فيه إلى ابن أبى شيبة أو نعيم. قوله: "حدثنا عبد الباقى بن قانع إلخ". قلت: فيه متابعة سفيان الثورى وعفيف بن سالم (١) ذكره السمعانى فى "الأنساب" وقال: روى عنه أبو القاسم الطيرانى وعبد الباقى بن قانع ورق ٣٦٨. ١٧٦ إعلاء السنن ابن الصباح الجرجرائى ثنا عبد الله بن رجاء (هو المكى) عن سفيان الثورى عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر: ((أن رسول الله عَّ ◌ُلّه جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما)). ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" (٥٨:٣). ورجاله كلهم ثقات أما عبد الباقى فقد مر توثيقه، والعمانى من شيوخ الطبرانى الذين لم يضعفوا فى الميزان وهم ثقات كما صرح به الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٣:٢). والجرجرائى من شيوخ أبى داود وهم ثقات أيضا، كما ذكرناه فى المقدمة، قال ابن معين: ليس به بأس (وهو توثيق منه)، وقال أبو زرعة ومحمد بن عبد الله الحضرمى: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث وثقه البخارى وابن حبان، كذا فى "التهذيب" (٢٢٩:٩)، وعبد الله بن رجاء المكى من رجال مسلم. ومن شيوخ أحمد وابن معين وثقاه هما وغير واحد كما فى "التهذيب" (٢١١:٥) أيضا. قلت: وتابع سفيان الثورى عفيف بن سالم فرواه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر نحوه، ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" له أيضا بطريق عبد الله بن قانع بسنده وعفيف من الثقات كان الثورى يقدمه ويكرمه (تهذيب ٢٣٥:٧-٢٣٦). ٣٩٢١- حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزی، ومحمد بن علی ابن أبى روبة قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار (هو العطاردى) ثنا يونس بن بكير عن عبد الرحمن بن أمين عن نافع عن ابن عمر: ((أن النبى معَّ كان يقسم للفارس سهمين وللراجل سهما))، أخرجه الدارقطنى فى كتابه "المؤتلف والمختلف" "زيلعى" (١٣٦:٢). والعطاردى مختلف فيه، قال أبو عبيدة: ثقة، وقال الدار قطنى: لا بأس به. أثنى عليه لحماد بن سلمة وابن المبارك وابن نمير وأبى أسامة، فروياه عن عبيد الله بن عمر باللفظ الذى رووه عنه، وسفيان هو سفيان إمام من أئمة المسلمين فى الفقه والحديث، وعفيف من الثقات كان الثورى يقدمه، ويكرمه. وظنى أن من وقف على هذه المتابعات الكثيرة لم يشك قط أن الراجح فى لفظ عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر إنما هو "أن رسول الله عّ له جعل للفارس سهمين وللراجل سهما" وأيقن بأن أبا حنيفة الإمام الأعظم رحمه الله كان أعلم الناس بالحديث فى زمانه لا يقول قولا ولا يختار تأويلا إلا وله فيه حجة قوية لا ينازع فيها: إذا قال الإمام فصدقوه فإن القول ما قال الإمام قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزى إلخ": قلت: فيه متابعة عبد الرحمن 12 ج - ١٢ للفارس سهمان وللراجل سهم ١٧٧ أبو كريب وثبته الخطيب ورد على من طعن فيه. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال ابن عدى والخليلى: لا يعرف له حديث منكر اهـ. من "التهذيب" (٥١:١-٥٢)، وعبد الرحمن بن آمين وقيل: یامين ذكره ابن حبان وتكلم فيه آخرون (لسان ٤٤٢:٣)، وبقية رجاله معروفون فالإسناد حسن وذ کرناه اعتضادا. ٣٩٢٢- حدثنا: أبو حنيفة عن زكريا بن الحارث عن المنذر بن أبى خميصة الهمدانى: "أن عاملا لعمر بن الخطاب رضى الله عنه قسم فى بعض الشام للفرس سهمًا وللرجل سهمًا فرفع ذلك إلى عمر رضى الله عنه فسلمه وأجازه" رواه الإمام أبو يوسف القاضى فى "كتاب الخراج" (ص ٢٢) له قال: واحتج به أبو حنيفة واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له. وأخرجه الإمام محمد بن الحسن فى "الآثار" له (ص ١٤٢): أنا أبو حنيفة ثنا عبيد الله بن داود عن المنذر بن أبى خميصة قال: بعثه عمر فى جيش إلى مصر فأصابوا غنائم فقسم للفارس سهمين وللراجل سهما فرضى بذلك عمر اهـ)). قال محمد: وهذا قول أبى حنيفة اهـ. قال الحافظ فى الفتح (٥٢:٦): ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال، فقد جاء عن عمر وعلى وأبى موسى اهـ، فهو حسن أو صحيح على أصله. ابن آمين لعبد الله بن عمر المكبر على اللفظ الذى رواه عن نافع، فتبين بذلك أن الراجح من ألفاظ عبيد الله بن عمر المصغر عن نافع هو هذا دون ما رواه بعض أصحاب عبيد الله فى ألفاظه على ما ذكرنا أن عبيد الله رواه مرة باللفظ الذى سمعه، ومرة بالمعنى الذى فهمه من تفسير نافع، والله تعالى أعلم. قوله: "حدثنا أبو حنيفة إلخ" فيه دلالة على أن الإمام لم يخالف الجمهور فى المسألة إلا وله علی ذلك دلیل، قد ترجح عنده صحته وتقدمه على ما احتجوا به من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر لما قد عرفت من اختلاف أصحاب عبيد الله عليه فى لفظه، ولفظ محمد فى "الآثار" يدل على أن المراد بعامل عمر بن الخطاب؛ إنما هو المنذر بن أبى حمصة نفسه أفصح به عبيد الله بن داود ولم يصرح بذلك زكريا بن الحارث، وأما إنه قسم الغنائم على هذه القسمة بالشام أو بمصر، فهذا من الاختلاف الذى لا يضر بصحة الحديث لكونه فى أمر زائد. ويمكن الجمع بأن يكون قسم كذلك فى الموضعين. فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا العامل فعل ذلك برأيه، وأمضاه عمر بن الخطاب لكونه ١٧٨ للفارس سهمان وللراجل سهم إعلاء السنن ٣٩٢٣ - عن أبى موسى "أنه لما أخذ تستر وقتل مقاتلهم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما" أخرجه ابن جرير الطبرى فى "تهذيب الآثار"، (الجوهر النقى ٦٠:٢) وذكره الحافظ فى "الفتح" مختصرا فهو حسن أو صحيح عنده قلت: وكل ما فى "تهذيب الآثار" ما بين حسن أو صحيح وليس فيه ما أجمع على ضعفه ولا أحفظ الآن من صرح به. ٣٩٢٤- عن شريك عن أبى إسحاق قال: "قدم قثم بن العباس على سعيد بن قد اجتهد فى فصل مختلف فيه. قلت: احتمل ذلك لو لم يكن فى الباب أثر عن رسول الله مرّ له ينبئ عن فعله فى قسمة الغنائم، وأما إذا ثبت حكم عنه مرّ قولا أو فعلا فأفعال الصحابة وأتباعهم تحمل على الاتباع إذا وردت على وفق الأثر كما أشرنا إليه سابقا أيضا، فاعترافك بكون الفصل مجتهدا فيه عند عمر يلزمك القول باختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى الباب وهذا خلاف ما يحتج به للجمهور من قول خالد الحذاء لا يختلف فيه عن النبى معَّ لّه أنه أسهم هكذا " للفرس سهمين، ولصاحبه سهما وللراجل سهما" ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٤٣:١). وأخرجه "الدار قطنى" (٤٧:٢)، والحذاء ليس بأجل من أبى حنيفة ولا أعرف بالشرايع فيه فلا يرد بقوله على أبى حنيفة شىء، فافهم. قوله: "عن أبى موسى إلخ: دلالته على معنى الباب ظاهرة قد فعل ذلك أبو موسى رضى الله عنه فى زمن عمر رضى الله عنه، والصحابة متوافرون ولم ينكره عليه أحد منهم. وفيه دليل لصحة ما رويناه عن رسول الله مَّه أنه جعل الفارس سهمين والراجل سهما. ولو كان كما زعمه الجمهور أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم لنازعت الفرسان أبا موسى ولم يرضوا بانتقاص سهمهم الذى جعله الشارع لهم، فافهم. واحتج الجمهور أيضا بما أخرجه أبو داود فى سننه عن المسعودى حدثنى(١) أبو عمرة عن أبيه: "قال أتينا رسول الله مرّ له أربعة نفر ومعنا فرس. فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين". ثم أخرجه عن المسعودى عن رجل من آل أبى عمرة نحوه وزاد فكان للفارس ثلاثة أسهم اهـ. والمسعودى فيه مقال وقد استشهد به البخارى (زيلعى ١٣٣:٢). ولا دليل فيه على (١) هكذا هو فى "السنن" (٢٧:٣) مع العون وزاد فيه الزيلعى: حدثنى ابن أبى عمرة وليس فى "السنن"، هكذا وإنما هو عند الدار قطنى، فليتنبه له. ١٧٩ · للفارس سهمان وللراجل سهم ج - ١٢ عثمان بخراسان وقد غنموا فقال: أجعل جائزتك أن أضرب لك بألف سهم فقال: كونه حكما عاما، وغاية ما فيه أنه أعطى هؤلاء الأربعة كل فارس منهم ثلاثة أسهم تنفيلا، ولا نزاع فيه، والحديث مضطرب الإسناد، فإن لفظ السنن يفيد أن أبا عمرة روى هذا الحديث عن أبيه (اسمه) عمرو بن محصن ولفظ الدار قطنى يدل على أن أبا عمرة نفسه هو الراوى لهذا الحديث، كذا فى "التعليق المغنى" (٤٦٩:٢) على أن الحديث أخرجه ابن مندة فى "معرفة الصحابة" من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبيه عن جده بلفظ "أنه جاء إلى النبى مِّهِ ومعه أخ له يوم بدر أو يوم أحد فأعطى الرجل سهما سهما وأعطى الفرس سهمين" كذا فى "تهذيب التهذيب" (١٨٧:١٢). ولا حجة فيه فإن المراد بالرجل الراجل وبالفرس الفارس، بدليل المقابلة. وأيضا فغنائم بدر كانت لرسول الله مرّ له خاصة كما زعمه البيهقى وغيره والراوى قد شك فى أنه كان يوم بدر أو يوم أحد فلا يصح الاحتجاج بالمشكوك، فافهم. وبما أخرجه الطبرانى والدارقطنى عن قيس بن الربيع عن محمد بن على السلمى عن أبى حازم مولى أبى رهم "قال: شهدت أنا وأخى خيبر ومعنا فرسان فقسم لنا رسول الله معرّ له ستة أسهم للفرسين أربعة أسهم ولنا سهمين". قال فى "التنقيح": قيس ضعفه بعض الأئمة وأبو رهم مختلف فى صحبته وأخرجه الدارقطنى عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبى حازم به وإسحاق ضعیف. (زیلعی) قلت: وفيه أيضا ما فيما قبله من احتمال التنفيل، وبما أخرجه الدار قطنى والطبرانى أيضا عن محمد بن حمران ثنا عبد الله بن بشر السكسكى عن أبى كبشة الأنمارى مرفوعا ((إنى جعلت للفرس سهمين وللفارس سهما فمن نقصهما نقصه الله)) ومحمد بن حمران فيه مقال وعبد الله بن بشر قال فى "التنقيح": عبد الله بن بشر السكسكى تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال النسائى ليس بثقة وقال يحيى القطان: لا شىء، وقال أبو حاتم والدار قطنى: ضعيف، وذكره ابن حبان فى الثقات (زيلعى). وقال المحقق فى "الفتح" (٢٢٧:٥): وأما حديث أبى كبشة فلم يصح، لأن رواية محمد بن حمران القيسى (عن السكسكى) أكثر الناس على تضعيفه وتوهينه اهـ". قلت: ومثل هذا لا يجوز الاحتجاج به عند الجمهور ولا عندنا لكونه خلاف الآثار الثابتة الصحيحة عن النبى معَّ وقد ذكرناها فى المتن. وبما أخرجه البزار فى "مسنده"، والدارقطنى عن موسى بن يعقوب عن عمته قريبة عن أمها كريمة بنت المقداد عن ضباعة بنت الزبير عن المقداد ((أن النبى عّ لّر أعطى للفرس سهمين ولصاحبه ١٨٠ للفارس سهمان وللراجل سهم إعلاء السنن اضرب لى بسهم ولفرسى بسهم. أخرجه الجصاص فى "أحكام القرآن" (٥٨:٣) سهما))، زاد الدار قطنى فى لفظ: يوم خيبر. وموسى بن يعقوب فيه لين وشيخته قريبة تفرد هو عنها (زيلعى) أى فهى مجهولة. قلت: ولفظ الدارقطنى فى "سننه" عن المقداد قال: ((غزوت مع النبى عَ ليه يوم بدر على فرس لى أنثى فأسهم لى سهما ولفرسى سهمين)) اهـ (٤٦٨:٢). وليس هو حكما عاما، بل غايته أنه مرِّ أعطى المقداد كذلك، وهو يحتمل التنفيل، كما مر. وأيضًا فغنائم بدر كانت لرسول الله ◌َِّ خاصة، يفعل بها ما شاء كما زعمه البيهقى والرافعى، ونزلت القسمة بعدها صرح به فى "التلخيص الحبير" (٢٧٢:٢) وفى "الجوهر النقى" (٥٦:١)، فلا حجة لهم فيه. قال الجصاص: ويدل على أن قسمة غنائم بدر إنما كانت على الوجه الذى جعل النبى عدێم قسمتها لا على قسمتها الآن أن النبى عّ لّه قسمها بينهم بالسواء، ولم يخرج منها الخمس، ولو كانت مقسومة قسمة الغنائم التى استقر عليها الحكم لعزل الخمس لأهله، ولفضل الفارس على الراجل وقد كان فى الجيش فرسان أحدهما للنبى عّ لّه والآخر للمقداد. فلما قسم الجمع بينهم بالسوية علمنا أن قوله تعالى: ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾ قد اقتضى تفويض أمرها إليه ليعطيبها من يرى اهـ (٣: ٤٦). قلت: وكل ذلك مما سلمه الخصم وأذعن له كما لا يخفى على من راجع كلام البيهقى فى السنن والرافعى فى التلخيص، وكلام الموفق فى المغنى، فلا حجة لهم فى حديث المقداد، فإن قيل: قد ورد فى طريق عند الدار قطنى يوم خيبر قلت: تفرد به يحيى بن هانئ عن موسى بن يعقوب، وروی الواقدى ومحمد بن خالد بن عثمة كلاهما عن موسی يوم بدر فهو الراجح والواقدى وإن كان مختلفا. فيه فهو مقبول فى المغازى، صرح به الحافظ فى "التلخيص" (٢٣١:١). واحتجوا أيضا بما رواه الدارقطنى من طريق ياسين بن معاذ وسليمان أبى معاذ كلاهما عن الزهرى عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضى الله عنهما قالوا ((كان رسول الله عّ لّه يسهم للفرس سهمين وللرجل سهما)) (٤٦٨:٢). ولا حجة فيه، فياسين بن معاذ الزيات قال ابن معين: "ليس حديثه بشىء" وقال البخارى: "منكر الحديث" وقال النسائى وابن جنيد: متروك وقال ابن حبان: يروى الموضوعات، وسليمان بن أرقم أبو معاذ البصرى. قال البخارى: تركوه وقال أحمد: "لا يروى عنه" وعن ابن معين: ليس بشىء، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال أبو داود والدارقطنى: متروك، وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث، كذا فى "التعليق المغنى" عن "الميزان" (٤٦٨:٢). وأيضا فيحتمل أن يراد بالفرس