Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ لا يقسم الغنيمة فى دار الحرب إعلاء السنن الله عَّ شيئا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه، إنما كان الناس يتبعون غنائمهم ويقسمونها فى أرض عدوهم، ولم يعقل عن رسول الله عَّ له غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسه، وقسمه من قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بنى المصطلق وهوازن وخيبر، كذا فى "المغنى" (٤٦٦:١٠)، وفيه أيضا: يجوز قسم الغنائم فى دار الحرب. وبهذا قال مالك والأوزاعى والشافعى وابن المنذر وأبو ثور. وقال أصحاب الرأى: لا تنقسم إلا فى دار الإسلام؛ لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا بإحرازها فى دار الإسلام، وإن قسمت أساء قاسمها، وجازت قسمته لأنها مسألة مجتهد فيها، فإذا حکم الإمام فيها بما يوافق قول بعض المجتهدین نفذ حكمه اهـ. والجواب عن قول الأوزاعى: "لا أعلمه إلخ" إنه ناف وأبو حنيفة مثبت، والمثبت مقدم على النافى، كما تقرر فى الأصول وعن قوله: "إلا خمسه وقسمه من قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بنی المصطلق إلخ" إن البيهقى ذكر عن أبى يوسف أنه أجاب بأن بلادهم -أى بلاد بنى المصطلق - صارت دار الإسلام، وبعث أبو وليد بن عقبة بأخذ صدقاتهم ثم ذكر عن الشافعى أنه أجابه بأنها كانت سنة خمس، وأنهم أسلموا بعدها بزمان وإنما بعث إليهم الوليد مصدقا سنة عشر، ثم ذكر أن الوليد كان زمن الفتح صبيا وذلك سنة ثمان ولا يبعثه مصدقا إلا بعد أن يصير رجلا، ثم استدل على ذلك بحديث أبى موسى الهمدانى (مجهول) عن الوليد بن عقبة أنه جيئ به إلى النبى مد لآ. حين فتح مكة، وقد خلق بالخلوق فلم يمسه. ثم قال: قال ابن حنبل: وروى أنه سلخ يومئذ فتقذره رسول الله عَّه إلى آخره. قلت: فى "التمهيد" فى ترجمة الوليد قال أبو موسى: هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح. وفى "كتاب" ابن أبى حاتم عن البخارى لا يصح حديثه قال أبو عمر (ابن عبد البر): ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقا فى زمن النبى عدّ له صبيا يوم الفتح. ويدل أيضا على فساد حديثه أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير ذكروا أن الوليد وعمارة ابنى عقبة خرجا ليردا اختها أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها فى الهدنة بين النبى عدّ له، وبين أهل مكة (أو كانت قبل الفتح بسنتين). ومن كان غلاما فحلق يوم الفتح ليس يجيئ منه مثل هذا. وذكر الحاكم فى "المستدرك" بسنده عن مصعب بن عبد الله الزبيرى. قال: كان الوليد فى زمن رسول الله عَ ◌ّه رجلااهـ. من "الجوهر النقي" (١٩٨:٢) ملخصا. a قال الحافظ فى "الإصابة": ومما يؤيد أنه كان فى الفتح رجلا، أنه كان قدم فى فداء ابن عم أبيه الحارث بن أبى وجزة، وكان أسر يوم بدر فاقتداه بأربعة آلاف حكاه أصحاب ج - ١٢ لا یقسم الغنیمة فى دار الحرب ١٢٢ المغازى اهـ (٣٢٢:٦) والدليل على أن أرض بنى المصطلق صارت دار إسلام مع فتحها ما ذكره ابن إسحاق وغيره، أن الحارث بن أبى ضرار - وهو قائد القوم- جمع جموعا وأرسل عينا تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به، فقتلوه، فلما بلغه ذلك هلع وتفرق الجمع وانتهى النبى عدّ إلى الماء، وهو المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل، ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجالا ونساء، كذا فى "فتح البارى" (٣٣٣:٦). قال ابن إسحاق: وحدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((لما قسم رسول الله مَّيه سبايا بنى المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث فى السهم لثابت بن قيس ابن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله عّ لّه تستعينه فى كتابتها. قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها مّطّه ما رأيت فدخلت عليه. فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه، وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك. فوقعت فى السهم لثابت ابن قيس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسى فجئتك استعينك على كتابتى. قال: فهل لك فى خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضى عنك كتابتك، وأتزوجك. قالت: نعم! يا رسول الله! قال: قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس، أن رسول الله معد له قد تزوح جويرية بنت الحارث. فقال الناس: أصهار رسول الله عَّهِ، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق. فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة منها على قومها))، كذا فى "سيرة ابن هشام" (١٤٩:٢). والحديث أخرجه أبو داود فى "سننه" من طريقه (١٩٢:٢). وسكت عنه قال ابن إسحاق: وحدثنى يزيد بن رومان «أن رسول الله عَ ليه بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط مصدقا) اهـ. وفى كل ذلك دليل على أنه مَّ كان قد ظهر على دار بنى المصطلق وأسرهم جميعا غير ما قتل منهم ولم يفلت منهم إنسان، وبذلك يصير الدار دار الإسلام كما سيأتى. ثم أسلموا وتزوج رسول الله عّ لّم جويرية بنت الحارث بعد ما أسلمت ثم من الصحابة على الأسارى جمعا، فأطلقوهم وأعتقوهم لكونهم قد صاروا أصهار رسول الله عَ ليه، فلما أسلموا بعث النبي عدّ له عليهم مصدقا، وكون الوليد قد بعث عليهم فى السنة العاشرة لا ينفى بعث مصدق آخر عليهم قبله. فالظاهر من حال القوم أنهم رجعوا إلى بلادهم مسلمين بعد ما أعتقهم المسلمون لكونهم أصهار رسول الله عَّ فمن ادعى تأخير إسلامهم عن إسلام جويرية رضى الله عنها فليأت ١٢٣ لا يقسم الغنيمة فى دار الحرب إعلاء السنن بيرهان، والله المستعان. وأما خيبر فإن النبى عّ لّ فتحها عنوة كما تقدم وقسمها بين المسلمين سهمانا، وأراد إجلاء اليهود عنها ثم أقرهم أكرة للأرض، وعاملهم بشطر ما يخرج منها. وقال: نقركم فيها ما شئنا كما صرح به أرباب السير، ودلت عليه الأحاديث التى قد مناها فى الأبواب السالفة، ولا شك أن مثل تلك الأرض تكون دار الإسلام بعد فتحها معا فيجوز قسمة غنائمها فيها من غير حاجة إلى النقل. وأما غنائم هوازن فقد صرح الحافظ فى "التلخيص" بأنها قد قسمت بالجعرانة وهى من دار الإسلام. قال العلامة العينى فى "العمدة" فى باب من قسم الغنيمة فى غزوه وسفره: قال بعضهم (وهو الحافظ ابن حجر فى "الفتح"): أشار البخارى بذلك الرد على قول الكوفيين: لا تقسم الغنائم فى دار الحرب واعتلوا بأن الملك لا يتم عليها إلا باستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بإحرازها فى دار الإسلام. قلت: هذا الرد مردود لأن الباب فيه حديثان ليس واحد منها يدل على أن قسمة الغنيمة كانت فى دار الحرب. أما حديث رافع (كنا مع النبى معَّ بذى الحليفة فأصبنا غنما وإبلا إلخ)، فيدل على أنها كانت بذى الحليفة، وأما حديث أنس (اعتمر النبى معَّ ◌ُله من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين)، فيدل على أنها كانت فى الجعرانة وكل من ذى الحلفية والجعرانة من دار الإسلام، ففى الحقيقة الحديثان حجة الكوفيين لأنه لم يقسم إلا فى دار الإسلام اهـ (١٠٣:٧ و١٠٤). وبالجملة فلم يثبت أنه عَِّ قسم الغنائم فى دار الحرب مرة من الدهر، بل الثابت عنه قسمتها فى دار الإسلام والقياس يقتضى عدم جوازها فى دار الحرب، فلا تقسم إلا بدار الإسلام، والله تعالى أعلم. واحتج الموفق للجمهور: بأن كل دار صحت القسمة فيها جازت كدار الإسلام اهـ. وهذا ناظر إلى قولنا: "وإن قسمت أساء قاسمها وجازت قسمنه، لأنها مسألة مجتهد فيها إلخ" ولا يخفى أن الصحة بعد القضاء لا يستلزم الجواز فى الأصل فما أورده علينا ليس بوارد أصلا، فنحن إنما قلنا بصحة القسمة إذا قسمها الإمام بدار الحرب عن اجتهاد لقيام الإجماع على نفاذ حكم الحاكم فى المجتهد فيه. فلو قلنا: بعدم صحة هذه القسمة لزم خرق الإجماع ولا يلزم منه جواز هذه القسمة عندنا. ألا ترى أن "البتة" رجعية عندك وبائن عندنا فلو قضى قاض يرى ذلك بائنا ببينونة المرأة بانت عن زوجها إتفاقا، ولا يلزم منه كون البتة بائنة عندك فافهم. قال فى "شرح ١٢٤ لا یقسم الغنيمة فى دار الحرب ج - ١٢ السير": فى التنفيل بعد الإصابة أنه ينفذ إذا أمضاه الإمام باجتهاده، لأن المختلف فيه بإمضاء الإمام باجتهاده يصير كالمتفق عليه (١٣٢:٢)، وفيه أيضا: ويحل للمتنفل له أن يأخذ ذلك وإن كان هو ممن لا يرى التنفيل بعد الإصابة لأن الرأى يسقط اعتباره إذا جاء الحكم بخلافه، فإن قضاء القاضى ملزم غيره ومجرد الاجتهاد غير ملزم غيره اهـ (١٢٧:٢)، وفيه أيضا: لو جعل الأمير للقاتلين من أسلاب القتلى من غير تنفيل ثم رفع ذلك إلى من يرى خلاف رأيه (كالحنفى) فإنه لا يبطل شيئا مما فعله لأنه أمضى باجتهاده فصلا مجتهدا فيه وإبطال القضاء فى المجتهدات يكون قضاء بخلاف الإجماع فيكون باطلا اهـ ملخصا (٢: ٢٥٠). والحكم فى هذه الفصول كلها عدم الجواز عندنا وإنما قلنا بجوازها بعد القضاء للوجه الذى قد مر ذكره. قال: ولأن الملك مثبت فيها بالقهر والاستيلاء فصحت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام اهـ. قلنا: إنما ثبت بهذا القهر حق الملك وأما الملك فلا بدليل إباحة تناول الطعام فى دار الحرب بلا ضرورة كما سيأتى، فلو كان الغانمون قد ملكوا الغنائم وهم فى دار الحرب لم يجز لأحد منهم أن يتناول الطعام من الغنيمة قبل قسمتها، لكونه مشتركا بين القوم ولا يجوز أن يستأثر بمثله أحد قبل القسمة فافهم. قال: والدليل على ثبوت الملك فيها أمور ثلاثة: أحدها أن سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فإنا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة، وقهرناهم ونفيناهم عنها. والاستيلاء يدل على حاجة المستولى فيثبت الملك كما فى المباحات اهـ. قلنا: لا نسلم تمام الاستيلاء فإن تمامه بثبوت اليد الناقلة أمی قدرة النقل والتصرف کیف شاء نقلا وادخارا له وهذا منتف عنه ما دام فى دار الحرب لأن ظهور العدو واستنقاذه من الإمام ليس ببعيد ألا ترى أن الدار مضافة إليهم فدل أنه مقهور ما دام فيها نوعا من القهر بدليل أن له أن يتركها دار حرب وينصرف عنها فكان قاهرا من وجه مقهورا من وجه وإلا لوجب عليه أن يجعل الدار دار الإسلام ولا ينصرف عنها حتى يولی عليها أميرا من قبله يقيم هناك شعائر الإسلام وينفذ الحدود ويجرى الأحكام. قال فى "المبسوط": والدليل عليه أنه يحل للإمام أن يرجع ويترك هذه البقعة فى أيديهم، وإنما حل له ذلك لعجزه عن القيام بهذا الموضع. فعرفنا أنا نحسن العبارة فى قولنا: إنه هزم المشركين وفى الحقيقة هو المنهزم منهم حين ترك هذا الموضع فى أيديهم. والدليل عليه أن بالأخذ يملك الأراضى كما يملك الأموال، ثم لا يتأكد الحق فى الأراضى التى نزلوا فيها ما لم يصيرها دار الإسلام، فكذلك فى الأموال والقصد إلى التملك وجد فى الكل، فإنه ما دخل دار الحرب إلا قاصدا لملك الأراضى والأموال ١٢٥ لا يقسم الغنيمة فى دار الحرب إعلاء السنن ٣٨٨٦- عن: رافع بن خديج: ((أن النبى عِّ ظلّ قسم غنائم بدر بالمدينة مع غنائم عليهم بحسب الإمكان" اهـ (٣٣:١٠). قال: الثانى أن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم فى العبيد الذين حصلوا فى الغنيمة ولا يصح تصرفهم فيها ولم يزل ملكهم إلى غير مالك إذ ليست فى هذه الحال مباحة علم أن ملكهم زال إلى الغانمين اهـ قلنا: هى فى الأصل مباحة ما دامت فى دار الحرب، ولكن الشارع جعلها كالحمى، فلا يجوز لأحد التصرف فيها قبل قسمته. ودليل الإباحة جواز تصرف الغانمين فيما يؤكل ويشرب ويدهن به من الغنائم كما سيأتى. قال: الثالث أنه لو أسلم عبد الحربى. ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر، وثبوت الملك لمن قهره أهـ (٤٧٦:١٠). قلنا: كان مقتضى القياس أن لا يصير حرا ما دام فى دار الحرب، ولكنا تركناه بالنص وهو قوله معَ ◌ّه فى عبيد الطائف: "هم عتقاء الله تعالى" أو نقول: إن ذلك يد على نفسه ويكفى فيه امتناعه ظاهرا فى الحال. والنزاع إنما هو فى اليد على غير نفسه أنها لا تتم بالاستيلاء عليه فى دار الحرب قال فى "المبسوط": "ولا نسلم أن سبب الملك نفس الأخذ بل هو قهر يحصل به إعلاء كلمة الله تعالى، وبهذا كان المصاب غنيمة يخمس وهذا القهر لا يتم بنفس الأخذ ولا بقهر الملاك، بل بقهر جمیع أهل دار الحرب، وذلك بالإحراز لیکون حينئذ جمیع دارهم مقابلا بجمیع دارنا. فأما قبل الإحراز يقابل جميع دارهم بالجيش وليس بهم قوة المقاومة مع جميع أهل الحرب. وبه فارق المراغم إذا أحرز نفسه بمنعة أهل الجيش، فإنه يعتق لأن حاجته إلى قهر مولاه فقط، وذلك يتم بالجيش. ألا ترى أنه لا يجب الخمس فى رقبته اهـ (٣٣:١٠). وهذا كله فيما إذا لم يتحقق الضرورة إلى قسمة الغنائم وإذا تحققت جازت القسمة فى دار الحرب عندنا أيضا. قال فى " شرح السير": فإن نهى الإمام الجيش أن يأكلوا شيئا من البقر والغنم أو غيرهما وأقسم عليهم أن لا يفعلوا ذلك حتى يقسم، فعليهم طاعته ولا يحل لهم بعد ذلك أن يتعرضوا بشىء منه إلى أنه ينبغى للإمام أن ينظر لهم، فإذا عرف حاجتهم إلى ذلك أخذ منه الخمس. وقسم ما بقى بينهم فإن الحاجة إلى " ذلك قد تحققت وعند الضرورة يجوز القسمة فى دار الحرب اهـ (٢: ٢٦١). قوله: "عن رافع بن خديج إلخ". فإن قيل: ذكر ابن إسحاق فى المغازى وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: (إن لرسول الله عَّ ◌ُّه مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله عَّ خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه)) اهـ من "سيرة ابن هشام" (٣٤٤:١). ١٢٦ ج - ١٢ لا يقسم الغنيمة فى دار الحرب أهل النخلة)). أخرجه محمد فى "السير الكبير" له، واحتج به (شرح السير ٢٥٤:٢). وفيه دلالة على أن مغانم النخلة (١) كانت قد قسمت قبل رجوع السرية إلى المدينة خلاف ما أخرجه محمد بن الحسن عن رافع بن خديج قلنا: فیه بعض آل عبد الله بن جحش مجهول ولم يجزم ابن إسحاق بهذه الرواية بل ذكره بعد ما ذكر أولا بالجزم، أن عبد الله ابن جحش أقبل هو وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله عَّ المدينة اهـ. هذا هو الراجح الصحيح ولم يذكر أحد من أصحاب السير أن رسول الله عَّه قسم غنائم النخلة ساعة وصولها المدينة قبل بدر. فصح ما رواه محمد ((أنه مرِّ قسمها بالمدينة مع غنائم بدر)) والله تعالى أعلم. قال فى "شرح السير": ولا ينبغى للإمام أن يقسم الغنائم، ولا أن يبيعها حتى يخرجها إلى دار الإسلام. لأن بالقسمة(٢) ينقطع الشركة فى حق المدد، فيكون فيها تقليل رغبة المدد فى اللحوق بالجيش، وفيها تعريض المسلمين لوقوع الدبرة عليهم، بأن يتفرقوا ويشتغل كل واحد بحمل نصيبه، فيكرر عليهم العدو. ثم القسمة والبيع تصرف والتصرف إنما يكون بعد تأكد الحق بتمام السبب، وذلك لا يكون إلا بالإحراز بالدار، وإن قسمها فى دار الحرب(٣) جاز لأنه أمضى فصلا مختلفا فیه باجتهاده. ثم استدل بحديث رافع ابن خدیج رضی الله عنه (وقد ذ کرناه فى المتن) ثم قال: و کانت تلك غنيمة أصیبت قبل بدر، فوقفها رسول الله م﴾ ومضی إلی بدر، ثم رجع فقسم الغنيمتين بالمدينة جملة. وفى رواية قال: قسمها بسير، وهى شعب المضيق الصغير (وهى المرادة بقول ابن إسحاق: حتى إذا خرج من مضيق الصفراء إلخ). فإن كانت القسمة بالمدينة فهو دليل ظاهر لما قلنا، وإن كانت بسير فقد بينا أن دار الإسلام يومئذ كان الموضع الذى فيه رسول الله عَ ليه وأصحابه. (بل الموضع الذى فيه رسول الله عَّ ◌ُّه، ولو كان وحده، ولذا كان الفرار عن الزحف حراما على المسلمين مطلقا فى غزوة فيها رسول الله عَّه، لأنه كان فئة المسلمين فمن فرعن مثل هذه الغزوة لم يكن متحيزا إلى فئة أصلا. وما فر رسول الله عرّ له عن الزحف ولم يتأخر عن عدوه قط قليلا كان أو كثيرا، ولو أضعافا مضاعفة لكونه مأمورا بقتال المشركين ولو كان وحده قال (١) موضع بن مكة والطائف بعث إليها رسول الله منّالله سرية فى رجب مقفلة من بدر الأولى قبل بدر الكبرى بشهرين. وأمر عليها عبد الله بن جحش الأسدى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ويمضى لما أمر به اهـ. من سيرة ابن هشام (٣٤٣:١). (٢) قلت: وما أحسن تعليل المسألة بهذه العلة فلله دره من فقيه، خلقه الله للفقه وأتاه الحكمة وفصل الخطاب. (٣) قوله: جار أى صحت القسمة. ١٢٧ لا یقسم الغنیمة فى دار الحرب إعلاء السنن ٣٨٨٧- عن جبير بن مطعم "أنه بينا هو مع النبى عّ لّه ومعه الناس مقفله من حنين علقت برسول الله عّ لّه الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت ردائه فوقف النبى معَّ ◌ُله، ثم قال: أعطونى ردائى فلو كان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بینکم، ثم لا تجدونی بخيلا وكذوبا ولا جبانا" أخرجه البخارى (٤٤٦:١-٤٣١)، وأخرج أيضا عن أنس اعتمر النبى عّ لّه من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين اهـ. تعالى: ﴿وقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرّض المؤمنين﴾ وقال: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فافهم لأنه ما كان للمسلمين يؤمئذ منعة سوى ذلك، فأما غنائم حنين فإنه لم يقسمها حتى أتى الجعرانة، وروى أنهم طالبوه بالقسمة حتى ألجأوه إلى سمرة، فتعلق بها رداءه، ثم جذبوا برداءه فتخرق (وكانوا من أعراب المسلمين) فقال: اتركوا لى ردائى فوالله لو كانت هذه العضاة إبلا وبقرا وغنما لقسمتها بينكم. ثم لا تجدونی جبانا ولا بخيلا فقد أخر القسمة مع كثرة سوالهم حتى انتهى إلى دار الإسلام. فإن جعرانة قرية من قرى مكة، وقد صارت مفتوحة بفتح مكة ففى هذا بيان أنها لا تقسم فى دار الحرب اهـ. (٢٥٤:٢). قلت: والقصة أخرجها ابن إسحاق فى "المغازى" مفصلة، كما فى "سيرة ابن هشام" (٢٩٩:٢). عن: "عن جبير بن مطعم إلخ". قلت: دلالته على معنى الباب بالتقرير الذى ذكره شارح "السير الكبير" وقد ذكرناه أنفا ظاهرة. فإنه مرّ ◌ُّ لم يقسم غنائم حنين حتى أتى الجعرانة مع أنهم طالبوا بالقسمة، وجذبوا رداءه وألجأوه إلى سمرة ومع ذلك كله فلم يحبهم إلى ما سألوا ولم يقسمها لهم حتى انتهى إلى الجعرانة وهى من دار الإسلام. وفى كل ذلك دليل على أن المغانم لا تقسم بدار الحرب بل بدار الإسلام، هذا وظنى أن مذهب الإمام أبى حنيفة فى هذه المسألة قوى جدا والله تعالى أعلم. وفى "المبسوط" للسرخسى: وقد أطال رسول الله مَ ◌ّه المقام بخيبر بعد الفتح، وأجرى أحكام الإسلام فيها فكانت من دار الإسلام القسمة فيها كالقسمة فى غيرها من بقاع دار الإسلام، قال: وقسم غنائم بنى المصطلق فى ديارهم، وكان قد افتتحها يعنى - صيرها داز الإسلام ودل على ذلك حديث مكحول قال: ((ما قسم رسول الله ګ﴾ الغنائم إلا فى دار الإسلام)) اهـ (١٩:١٠)، قلت: وهذا يإزاء ما رواه الموفق عن الأوزاعى، فإن مكحولا من أجل علماء الشام، وأعلمهم بالسنة والله تعالى أعلم. وقال إمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له: وإذا غنم المسلمون غنيمة من أهل الشرك فأحب إلى أن لا تقسم حتى تخرج من دار الحرب إلى دار الإسلام وإن قسمت فى دار الحرب ١٢٨ ج - ١٢ باب إذا لحق عسکر الإسلام مدد فی دار الحرب قبل أن يقسموا الغنيمة أو يحرزوها بدار الإسلام شار کوهم فيها ٣٨٨٨- أبو يوسف عن مجالد عن الشعبى وزياد بن علاقة: أن عمر كتب إلى سعد قد أمددتك بقوم فمن أتاك منهم قبل أن تفنى القتلى، فأشركه فى الغنيمة" ذكره الحافظ فى "التلخيص" (٢٧٥:٢). قال: وقال الشافعى: هذا غير ثابت اهـ. قلت: ولعله نفذت لأنها ليست بمحرزة ما دامت فى دار الحرب، وقد قسم رسول الله څے غنائم بدر بعد منصرفه إلى المدينة، وقسم رسول الله عّ لّه غنائم حنين بعد منصرفه من الطائف بالجعرانة، وقد قسم أيضا غنائم خيبر بخيير، ولكنه كان ظهر عليها وأجلى عنها أهلها فصارت مثل دار الإسلام وقسم غنائم بنى المصطلق فى بلادهم، فإنه كان افتتحها وجرى حكمه عليها وكان القسم فيها بمنزلة القسم فى المدينة (ص ٢٣٣). باب إذا لحق عسکر الإسلام مدد فی دار الحرب قبل أن يقسموا الغنيمة أو يحرزوها بدار الإسلام شار کوهم فيها قوله: "أبو يوسف إلخ". قلت: ذكر الموفق أثر الشعبى هذا فى "المغنى" وتكلم فيه لأجل مجالد قال: وحدیث الشعبی مرسل یرویه المجالد، وقد تكلم فيه ثم هم لا يعملون به ولا نحن، فقد حصل الإجماع منا على خلافه، فكيف يحتج به اهـ (٤٦٣:١٠)، قلت: أما كونه مرسلا فلا يضرنا، فقد علمت أن مرسل القرون الفاضلة حجة عندنا، وكذا عند مالك وأحمد لا سيما إذا كان المرسل لا يرسل إلا عن ثقة والشعبى كذلك، فقد ذكرنا فى المقدمة أن مراسيله صحاح عند بعض المحدثين وأما مجالد فمن رجال مسلم والأربعة، وقد روى عنه شعبة وهو لا يروى إلا عن ثقة وإسماعيل بن أبى خالد وناهيك به جلالة وجرير بن حازم والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من أجلة العلماء، قال أحمد: قد احتمله الناس وقال النسائى: ليس بالقوى، ووثقه مرة وقال ابن عدى: له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه، وهو صدوق (وهذا تعدیل مفسر قد عرف قائله بالجرح فلم يعبأ به) وقال محمد بن المثنى يحتمل حديثه بصدقه، وقال العجلى، جائز الحديث إلا أن ابن المهدى كان يقول: أشعث بن سوار كان أقرأ منه قال العجلى: بل مجالد أرفع من أشعث. وقال البخارى: صدوق اهـ ملخصا من "التهذيب" (٤١:١٠). وتكلم فيه آخرون والاختلاف فى التوثيق والتعديل لا يضر لكون الجرح غالبه مبهما وهو لا يؤثر والتعديل المبهم أولى منه بالقبول فالرجل حسن الحديث، وأما قول الموفق: "ثم هم ١٢٩ استحقاق الغنيمة إعلاء السنن لما فى مجالد من المقال، ولكنه قد وثق کما سنذكره. واحتج أبو يوسف بحديثه، فهو حسن الحديث، وأما الإرسال فلا يضرنا. لا يجهلون به إلخ" فمبنى على أنه روى الأثر بلفظ أن عمر كتب إلى سعد اسهم لمن أتاك قبل أن تتفقأ قتلى فارس اهـ ولم يتبين معناه وذكره محمد فى السير الكبير له بلفظ: من وافاك من الجند ما لم تتفقأ القتلى فأشركه فى الغنيمة أى ما لم تتفقأ القتلى بتطاول الزمان أو معناه ما لم يتميز قتلى المشركين من قتل المسلمين بالدفن وفى بعض الروايات ما لم تتقفأ القتلى (بتقديم القاف على الفاء) أى تجعلهم على قفاك بالانصراف إلى دار الإسلام والأشهر هو الأول فإن الفقأ عبارة عن التميز والتشقق ومنه سمى الفقيه (بإبدال الهمزة هاء) لأنه يميز الصحيح من السقيم، ومنه قول القائل: تفقأ فوقه القلع السوار وجن الخاز بازيه جنونا (٢٥٢:٢) وبالجملة فقوله: لم تتفقأ القتلى بكلا معنييه دليل على استحقاق المدد الغنيمة وإن تحضر الوقعة كان قد لحق بالقوم بعدها فإن تشقق القتلى أو تميز المسلمين منهم عن المشركين إنما يكون بعد الوقعة ووضع الحرب أوزارها كما هو الظاهر، وهذا خلاف ما ذهب إليه أحمد أن الغنيمة لمن شهد الوقعة فمن تجدد بعد ذلك من مدد يلحق بالمسلمين فلا حق لهم فيها وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة فى المدد إن لحقهم قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام شاركهم، لأن تمام ملكها بتمام الإستيلاء وهو الإحراز بدار الإسلام أو قسمتها فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها فاستحل منها كما جاء فى أثناء الحرب وإن مات أحد من العسكر قبل ذلك فلا شىء له قاله الموفق فى "المغنى" (٤٦٢:١٠). قال فى "شرح السير": فأما إذا أصابوا الغنائم فى دار الحرب، ثم لحقهم مدد قبل الإحراز، وقبل القسمة والبيع فإنهم يشاركونهم فى المصاب عندنا لأن الحق لا يتأكد بنفس الأخذ فإن سبب ثبوت الحق القهر وهو موجود من وجه دون وجه، لأنهم قاهرون یدا مقهورون دارا ألا ترى أنهم لا يتمكنون من القرار فى تلك البقعة وتصيرها دار الإسلام، فإنما تم السبب بقوة المدد فكانوا شركاءهم. وبهذا قلنا: من مات منهم فى هذه الحالة، لا يورث نصيبه وهو قول على رضى الله عنه لأن الإرث فى المتروك بعد الوفاة والحق الضعيف لا يبقى بعد موته ليكون متروكا عنه، وعلى قول عمر رضى الله عنه يورث نصيبه. لأن وارثه يخلفه فيما كان حقا مستحقا له اهـ (٢٥١:٢). ج - ١٢ استحقاق الغنيمة ١٣٠ ٣٨٨٩- عن العباس قال: "شهدت مع النبى عَ لّه يوم حنين، فلما التقى المسملون والكفار ولى المسملون، فطفق عّ لّ يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها إرادة أن لا يسرع، وأبو سفيان بن الحارث أخذ بر كابه عّ لّهِ، فقال ◌َ له: أى عباس ناد أصحاب السمرة، وكان رجلا صيتا. قال عباس: فقلت بأعلى صوتى: أين أصحاب السمرة؟ فو الله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! فاقتتلوا والكفار)) الحديث رواه مسلم (جمع الفوائد ٢: ٦٥). زاد ابن إسحاق قال: ورسول الله عَّه يقول، حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شىء. فقال: يا عباس! اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة! قال: فأجابوا لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل يثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه، فيقذفهما فى عنقه ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله. فيؤم الصوت، حتى ينتهى إلى رسول الله صَ لّم حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا. فأشرف رسول الله عَ لّره فى ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمى الوطيس اهـ (سيرة ابن هشام ٢٦٧:٣) بسند صحيح. قوله: "عن العباس إلخ" قلت: وإذا رجع قطعة من العسكر إلى دار الإسلام لم يستحق الغنيمة، قال ابن دقيق العيد: وإن المنقطع من الجيش عن الجيش الذى فيه الإمام ينفرد بما يغنمه قال: وإنما قالوا هو بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبا منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا انتهى. "نيل الأوطار" (١٧١:٧)، ولا نعلم فيه خلافا. إذا تبينت ذلك فنقول: إن المنهزمين يوم حنين لما رجعوا إلى مكة وبعدوا عن جيش الإسلام زالت مشاركتهم الجيش فى الغنيمة. ولكنهم رجعوا ولحقوا برسول الله عَ لّه قبل قسمة الغنائم وإحرازها فاستحقوها لأجل ذلك. قال محمد فى "السير الكبير": إن المنهزمين يوم حنين قد كانوا بلغوا إلى مكة، ثم جاءت النصرة فرجعوا إلى رسول الله فأسهم لهم، وأن حرب حنين كان بعد فتح مكة، فقد وصلوا إلى دار الإسلام، ثم رجعوا فأسهم لهم فيهذا تبين أن للمدد شركة مع الجيش إذا أدركوا قبل إحراز الغنيمة بدار الإسلام اهـ (٢٥٤:٢). قلت: واحتج الجمهور بحديث الغنيمة لمن شهد الواقعة وهذا الحديث بهذا اللفظ إنما يعرف ١٣١ استحقاق الغنيمة إعلاء السنن . ٣٨٩٠- وزاد أحمد والموصلى عن جابر "واجتلد الناس فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين، عند النبى(عّ لّه" (جمع الفوائد ٦٦:٢). وهو حسن أو صحيح على أصله وزاد محمد فى "السير الكبير" (٢٥٢:٢): إن المنهزمين يوم حنين قد كانوا بلغوا إلى مكة اهـ. وقال القطب الحلبى فى "السيرة". (١٢٧:٣): وقد وصلت الهزيمة إلى مكة فسر بذلك قوم منها، وأظهروا الشماتة اهـ. موقوفا. رواه ابن أبى شيبة نا وكيع نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب الأحمسى ((أن أهل البصرة غزوا "نهاوند" فذكر القصة فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وأخرجه الطبرانى والبيهقى مرفوعا وموقوفا. وقال: الصحيح موقوف، وأخرجه ابن عدى من طريق بحترى بن مختار عن عبد الرحمن بن مسعود عن على موقوفا "التلخيص الحبير" (٢٧٢:٢) ولا حجة فيه أما أولا فلتعارض الروايات عن عمر رضى الله عنه، فقد روى مجالد عن الشعبى وزياد بن علاقة عنه ما يعارضه كما ذكرناه فى المتن. وأما ثانيا فلأن معنى قوله لمن شهدا الوقعة ليس أن الغنيمة لمن شهد القتال حقيقة وإلا لم يكن للردأ الذى لم يباشر القتال شىء، وهو خلاف الإجماع. الردء والمقاتل سواء فى استحقاق الغنيمة: فقد أجمعوا على أن الردء والمباشر للقتال سواء فى استحقاق الغنيمة. وأجمعوا أيضا على أنها إذا انفردت قطعة من الجيش فغنمت شيئا كانت الغنيمة للجمع. قال ابن عبد البر: لا يختلف الفقهاء فى ذلك أى إذا خرج الجيش جميعه، ثم انفردت منه قطعة انتهى من "نيل الأوطار" (١٧١:٧). بل معناه إن الغنيمة لمن شهد الوقعة على قصد القتال وشهوده على قصد القتال إنما يعرف بأحد أمرين بإظهار خروجه للجهاد، والتجهيز له لا لغيره ثم المحافظة على ذلك القصد الظاهر، وإما بحقيقة قتاله إذا كان خروجه ظاهرا لغيره كالسوقى والسائس، فلا يستحق بمجرد شهوده ما لم يقاتل، كذا فى "فتح القدير" (٢٢٧:٥). وقد وجد من المدد شهود الوقعة بالمعنى الأول، وقد شارك العسكر فى إحراز الغنيمة، وحفظها من أيدى الكافرين، فكان کالردء له فيستحق الغنيمة بخلاف ما إذا لحقه بعد الإحراز بدار الإسلام، أو بعد قسمة الغنائم فى دار الحرب فلم يوجد منه شهود هذه الواقعة لانقضاءها بالكلية بالإحراز والقسمة، فلا يستحق من غنيمتها شيئا. والله تعالى أعلم. · واحتجوا أيضا بما رواه البخارى وأبو داود من حديث أبى هريرة ((أن النبى معَ له بعث إبان بن سعيد بن العاصى فى سرية قبل نجد فقدم إبان بعد فتح خيبر فلم يسهم له))، ٠ ٠٠ ٠٣٫ ١٣٢ ج - ١٢ استحقاق الغنيمة ٣٨٩١- ولأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع: فلما غشوا رسول الله عّ لّه نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب ثم استقبل به وجوه القوم فقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ الله عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين فهزموهم الله تعالى. وقسم رسول الله عَ ظّم غنائهم بين المسلمين (الدر المنثور٢٢٦:٣). كذا فى "التلخيص" (٢٧٢:٢). ولا حجة لهم فيه، أما أولا فلما تقدم أن خيبر صارت دار إسلام بمجرد فتحها فكان قدومهم والغنيمة فى دار الإسلام، ووصول المدد فيها لا يوجب شركة. وأما ثانيا فلما فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال: ((بلغنا مخرج رسول الله مآے، ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لى أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخرِ أبو رهم فى بضع وخمسين رجلا من قومى. فركبنا فى سفينة فألقتنا إلى النجاشى فوافينا جعفر بن أبى طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله عَّه بعثنا ههنا وأمرنا بالإقامة فاقيموا معنا فأقمنا حتى قدمنا جميعا، فوافينا رسول الله مَّ حين افتتح خيبر فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر إلا أصحاب سفينتنا اهـ من "فتح القدير" (٢٢٦:٥). قال الشوكانى فى "النيل": "وقد استدل به أبو حنيفة على قوله إنه يسهم للمدد (إذا لحق بالعسكر قبل القسمة أو الإحراز وجمع بينه وبين الأول بأن سرية إبان لحقته بعد تمام الفتح وقسمة الغنائم فلم يقسم لها وأصحاب السفينة لحقوه قبل القسمة فأسهم لهم يدل على ذلك قول أبى هريرة: فقدم إبان بعد فتح خيبر إلخ" وقول أبى موسى: فوافيناه حين افتتح خيبر فافهم) وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أعطاهم برضا بقية الجيش، وبهذا جزم موسى بن عقبة فى "مغازيه"، ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من الخمس، وبهذا جزم أبو عبيد فى "كتاب الأموال". (قلت: وكل ذلك لا دليل عليه فى لفظ الحديث، وإنما هو تمشية للمذهب فلا يلتفت إليه والأولى فى الجمع بين مختلف الحديث ما ذكرناه آنفا لدلالة لفظ الحديث عليه مؤلف). ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من " جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل القسمة وبعد حوزها (قلت: وهذا خلاف مذهبهم، فإنه لا فرق عندهم فى عدم الاستحقاق بين كون الوصول قبل الحوز أو بعده بعد كونه بعد الفتح قاله المحقق فى "الفتح" (٢٢٦:٥). وقال ابن بطال: لم يقسم النبى معَّ فى غير من شهد الوقعة، إلا فى خيبر، فھی مستثناة من ذلك فلا تجعل أصلا يقاس عليه اهـ (١٨٧:٧). قلت: وهذا کما تری من دعون التخصيص بلا دليل وليس إلا تحكما محضا. وهل يستطيع ابن بطال أن يثبت لحوق المدد برسول الله عَ لِّ فى غزوة بعد الفتح، وقبل القسمة وإنه لم يسهم له؟ كلا لن يجد إلى ذلك سبيلا. ١٣٣ استحقاق الغنيمة إعلاء السنن ٣٨٩٢- عن: أبى بكر رضى الله عنه أنه بعث عكرمة بن أبى جهل فى خمس مائة نفر مددًا لأبى أمية وزياد بن لبيد البياضى، فأدركوهم حين افتتحوا البحير فأشركهم معهم فى الغنيمة. أخرجه محمد بن الحسن الإمام فى "السير الكبير". (٢٥١:٢)، واحتج به. ٣٨٩٣- عن: ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: " إنما تغيب عثمان عن بدر، قوله: "عن أبى بكر إلخ" قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. ويعكر عليه أن الشافعى رواه من طريق يزيد بن عبد الله بن قيط بلفظ: أن أبا بكر بعث عكرمة بن أبي جهل فى خمس مائة من المسلمين مددا لزياد بن لبيد، فذكر القصة وفيها: فكتب أبو بكر إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة، وفيه انقطاع، كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٧٥:٢). ويمكن الجمع بأن قوله: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" لا يدل على عدم استحقاق المدد الغنيمة، بل على استحقاقه إياها إذا لحق بالعسكر قبل القسمة لشهوده الوقعة بقصد القتال، وعلى عدم استحقاق السوقى والسائس، ونحوهما ما لم يباشروا القتال. كما ذكرناه فيما مضى. ويؤيد لفظ محمد فى "شرح السير" ما ذكره ابن الأثير فى "كامله" وقيل: إن عكرمة قدم بعد الفتح" فقال زياد والمهاجر لمن معهما: إن إخوانكم قدموا مددا لكم، فأشركوهم فى الغنيمة. ففعلوا وأشركوهم (١٨٦:٢). ويؤيده ما أخرجه الطبرى فى تاريخه فى حوادث السنة السابعة عشر "أن الروم قصدت أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين بحمص، فكتب إلى عمر فأمده بالقعقاع بن عمرو فى أربعة آلاف، واستشار أبو عبيدة خالدا فى الخروج والمناجزة أو التحصن إلى أن يأتى المدد، فأمره بالخروج ففتح الله عليهم، وقدم القعقاع فى أهل الكوفة فى ثلاث من يوم الوقعة وقدم عمر فنزل الجابية فکتبوا إلی عمر بالفتح وبقدوم المدد علیہم فی ثلاث وبالحكم فى ذلك. فکتب إليهم أشركوهم فإنهم قد نفروا إليكم وتفرق لهم عدوكم (فإنهم أرعبوا لما بلغهم أن الجنود قد ضربت من الكوفة فتفرقوا). وقال: جزى الله أهل الكوفة خيرا، يكفون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار اهـ (٤: ١٩٦). أخرجه عن السرى عن شعيب عن سيف عن زكريا بن سياه عن الشعبى، وسيف مقبول فى المغازى. والله تعالى أعلم. قوله: "عن ابن عمر إلخ" قال الحافظ فى "الفتح" فى عدة أهل بدر والجمع بين مختلف الروايات فيها: وإذا تحرر هذا الجمع فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما شهده منهم ثلاثمائة وخمسة أو ستة. كما أخرجه ابن جرير، وقد بين ذلك ابن سعد، فقال: إنهم كانوا ثلاثمائة ١٣٤ استحقاق الغنيمة ج - ١٢ فإنه كان تحته بنت رسول الله عَّ له وكانت مريضة فقال له النبى عدّ له: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه". رواه الإمام البخارى (فتح البارى ١٦٧:٦). وخمسة، وكأنه لم يعد فيهم رسول الله عّ لّه وبين وجه الجمع بينه وبين ما روى أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدة أصحاب طالوت بأن ثمانية أنفس عدوا فى أهل بدر ولم يشهدوها، وإنما ضرب لهم رسول الله عَّه معهم بسهامهم لكونهم تخلفوا لضرورات لهم (بل لضرورة الإسلام وعسكره). وهم عثمان بن عفان تخلف عن زوجته رقية بنت رسول الله عَ ل بإذنه، وكانت فى مرض الموت (وكان فى ذلك فراغ قلب رسول الله مع طلة. وفى فراغ قلبه وجمع فؤاده من أعظم أنواع المدد لعسكر الإسلام كما لا يخفى). وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسان غير فريشين، فهؤلاء من المهاجرين وأبو لبابة رده من الروحاء واستخلفه على المدينة، وعاصم بن عدى استخلفه على أهل العالية. والحارث بن حاطب على بنى عمرو بن عوف والحارث بن الصمة وقع فكر بالروحاء فرده إلى المدينة وخورت ابن جبير كذلك هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد اهـ (٢٢:٧). قلت: فكل أولئك كانوا كالمدد لعسكر الإسلام، أما طلحة وسعيد، فقد كانا فى دار الحرب عازمين على اللحوق بالمسلمين، وكذلك عثمان وغيره، فإنهم وإن كانوا بالمدينة فالمدينة إنما كان لها حكم دار الإسلام فى ذلك الوقت، إذا كان رسول الله عَّه مع المسلمين فيها. فأما بعد خروجهم فقد كانت الغلبة فيها لليهود والمنافقين، قاله فى المبسوط، قال: وهو دليل لنا على أن المدد إذا لحق الجيش فى دار الحرب شركهم فى الغنيمة وإن لم يشهد الواقعة اهـ (١٨:١٠). قال فى "النيل": وقد احتج أبو حنيفة بإسهامه معدّ لعثمان يوم بدر. وأجيب عن ذلك بأجوبة، منها أن ذلك خاص به وبمن کان مثله (قلت: لا يقبل دعوى التخصيص بلا دليل. ومنها أن ذلك كان حيث كانت القسمة كلها للنبى مّ عند نزول قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ (قلنا: إنما كان للنبى ◌ٍّ أن يقسمها بين المستحقين كما شاء، ولم يكن له أن يقسمها . على من لا يستحقها. ألا ترى أنه لم يقسم غنائم بدر على الذين تخلفوا عن الغزو من غير ضرورة ولم يعط منها ابنتها فاطمة رضى الله عنها خادما مع احتیاجها إليه، كما سيأتى. ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان وكيف يقال: إن الغنيمة كانت كلها للنبى مّ ◌ُلّه يوم بدر، بدليل ما رواه على ابن أبى طلحة عن ابن عباس كما فى "التلخيص" (٢٧٢:٢). وقد روى أحمد والترمذى وابن ماجة والحاكم وصححه عن ابن عباس ((أن النبى عّ لّه تنفل ١٣٥ استحقاق الغنيمة إعلاء السنن ٣٨٩٤- عن: سعد بن مالك قال: "يا رسول الله! الرجل يكون حامية القوم أ يكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد وهل ترزقون وتنصرون سيفه ذا الفقار يوم بدر)). (نيل الأوطار ١٧٨:٧). وهو يدل على كون ذى الفقار من الصفى وهو ما كان يؤخذ له من الغنيمة قبل كل شىء. قال الشعبى: كان لرسول الله عَ ليه سهم يدعى الصفى إن شاء عبدا وإن شاء عبدا وإن شاء أمة، وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس، رواه أبو داود والنسائى وهو مرسل رجاله ثقات (نيل الأوطار ١٧٧:٧). والعجب من الرافعى أنه يرى أن غنيمة بدر كانت كلها للنبى عّ يقسمها فكيف يلتئم مع قوله: إن ذا الفقار كان من صفاياه والكلام فى الصفى بعد فرض الخمس. قال الحافظ فى "التلخيص": وعلى هذا فيحمل قول ابن عباس تنفل بمعنى أنه أخره لنفسه ولم يعطه أحدا (٢٨٦:٢). قلت: وهذا كما ترى تمشية للمذهب وإلا فالتنفل فى الأصل أخذ شيء زائدا على سهمه كما هو ظاهر. وفيه دلالة على أن غنائم بدر لم تكن كلها للنبى معَ لّه، بل كان له سهم فيها كغيره من الغانمين وأخذ ذا الفقار زائدا عن سهمه ذلك فكان من صفاياه. والله تعالى أعلم. وفى "الجوهر النقى" قال البيهقى: إنها كانت لرسول الله عّ لّه يضعها حيث يراه ممن شهد الوقعة، وممن لم يشهدها حتى نزل قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء﴾. قلت: مراده أن قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن الأنفال﴾ منسوخة. وهو قول جماعة منهم ابن عباس، وقال مكى فى "الناسخ والمنسوخ": أكثر الناس على أنها محكمة واختلفوا فى معناها. فقال ابن عباس فى رواية أخرى عنه: هى محكمة وللإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن يشاء لبلاء أبلاه. وأن يرضخ لمن لم يقاتل إذا كان فيه صلاح للمسلمين. وقيل: الأنفال أنفال السرايا انتهى كلامه فكأنه تعالى قال: ما غنمتم من شىء سوى النفل فللّه خمسه إلى آخره. وظاهر ما ذكره البيهقى فى هذا الباب من حديث ابن عباس وعبادة يدل على أن الآية نزلت فى تنفيل رسول الله لا فى أهل الغنيمة، وهذا هو الحقيقة المفهومة من قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله﴾ الآية فظهر بهذا أن الغنيمة كانت للمسلمين وأنه عليه السلام كان ينفل منها وأن ذلك محكم ثابت لم ينسخ اهـ (٢: ٥٦). فإن قيل: قلنا أن نقول: إن ما أعطاه النبى معَّه عثمان ومن كان مثله كان من النفل والرضخ! لا من سهام الغنيمة فلا يكون فيه دليل لأبى حنيفة على أن المدد يستحق الغنيمة. (قلنا: يرده ما فى حديث ابن عمر عند البخارى أن النبى معَّ قال لعثمان ((إن لك أجر من شهد بدرا وسهمه)) وما فى رواية ابن سعد ضرب لهم رسول الله عّ لّه معهم بسهامهم إلخ. ذكره الحافظ فى ١٣٦ ج - ١٢ استحقاق الغنيمة إلا بضعفائكم". رواه أحمد وفى إسناده محمد بن راشد المكحولى قال فى "التقريب": "الفتح"، فهو حسن أو صحيح على أصله وقد تقدم، ولا يطلق السهم ولا ضرب السهم على ما يرضخ به أو يعطاه الرجل نفلا فافهم)! قال: ومنها أنه أعطاه من الخمس على فرض أن يكون ذلك بعد فرض الخمس (قلنا: فيرده ما فى رواية البخارى وابن سعد من إطلاق السهم وضرب السهم عليه) ومنها التفرقة بين من كان فى حاجة تتعلق بمنفعة الجيش أو بإذن الإمام فيسهم له بخلاف غيره (١٨٧:٧). قلنا: لا يمكن القول بأن المدد الذى لحق العسكر بعد الفتح لم يكن فى حاجة تتعلق بمنفعة الجيش فإن المدد إذا ضرب من معسكره ودخل الدرب انتشر الخبر وألقى فى قلوب · الأعداء الرعب فتضعف به عزائمهم وتتفرق به شملهم وتختلف كلمتهم، كما لا يخفى. والكلام فى المدد الذى بعثه الإمام أو نائبه، لا فيما خرج بغير إذنه فيلزمك القول باستحقاق ». مثل هذه المدد الغنيمة فافهم وانصف. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: واختلف فى المدد : يلحق الجيش فى دار الحرب قبل إحراز الغنيمة فقال أصحابنا: إذا غنموا فى دار الحرب ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار الإسلام (أو قبل قسمتها) فهم شركاء فيها، وقال مالك والثورى والأوزاعى والشافعى (وأحمد): لا يشار كونهم قال الجصاص: والأصل فى ذلك عند أصحابنا، أن حصول الغنيمة فى أيديهم فى دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا. والدليل عليه أن الموضع الذى حصل فيه الجيش من دار الحرب لا يصير مغنوما إذا لم يفتتحوها. ألا ترى أنهم لو خرجوا ثم دخل جيش آخر ففتحوها لم يصر الموضع الذى صار فيه الأولون ملكا لهم (عند من يقول بملك الغانمين ما فتحوه عنوة من الأراضى)، وكان حكمه حكم غيره من بقاع أرض الحرب (فى حق الجيش الأول) والمعنى فيه أنهم لم يحرزوه فى دار الإسلام، فكذلك سائر ما يحصل فى أيديهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام (أو قبل قسمتهم إياه) لم يثبت لهم فيه حق إلا بالحيازة فى دارنا (أو بالقمسمة). فإذا لحقهم جيش آخر قبل الإحراز (أو قبل القسمة) كان حكم ما أخذوه حكم(١) ما فى أيدى أهل الحرب فيشترك الجميع فيه. وأيضا قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من . شىء﴾ يقتضى أن يكون غنيمة لجميعهم إذ بهم صار محرزا فى دار الإسلام، ألا ترى أنهم ما داموا فى دار الحرب فإنهم محتاجون إلى معونة هؤلاء فى إحرازها كما لو لحقوهم قبل أخذها (١) فيه دليل على ما قلته فى جواب الموفق أن كل ذلك فى الأصل مباح لكن الشارع جعله كالحمى فلا يجوز لا حد التصرف فيه ما لم يقسم. ١٣٧ استحقاق الغنيمة إعلاء السنن "صدوق يهم" (نيل الأوطار ٧: ١٧٠). قلت: فالإسناد حسن. شاركوهم ولو كان حصولها فى أيديهم يثبت لهم فيها حقا (قبل القسمة أو الإحراز) لوجب أن يصير الموضع الذى وطئه الجيش من دار الإسلام، وفى اتفاق الجميع على أن وطأ الجيش لموضع فى دار الحرب لا يجعله من دار الإسلام (ما لم يفتتحوه ويحرزوه) دليل على أن الحق لا يثبت فيه إلا بالحيازة. واحتج من لم يقسم للمدد بما روى عن أبى هريرة ((أن النبى معَ ◌ّ لم يقسم لإبان ولا لسريته من غنائم خيبر شيئا» وهذا لا حجة فيه لأن خيبر صارت دار الإسلام بظهور النبى عَ ◌ّه عليها وهذا لا خلاف فيه. وبما روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند، فأمدهم أهل الكوفة وظهروا، فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة، وكان عمار على أهل الكوفة فقال رجل من بنى عطارد: أيها الأجدع! تريد أن تشاركنا فى غنائمنا؟ فقال: خير أذنى سببت (لأنها كانت قد جدعت مع النبى مَّ لّ فى غزوة) فكتب فى ذلك إلى عمر فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهذا أيضا لا دلالة فيه على خلاف قولنا لأن المسلمين ظهروا على "نهاوند" وصارت دار الإسلام إذ لم تبق للكفار هناك فئة، ومع ذلك فقد رأى عمار ومن معه أن يشركوهم (وفى قولهم حجة لنا كما لا يخفى). وإنما رأى عمر أن لا يشركوهم لأنهم لحقوهم بعد حيازة الغنيمة فى دار الإسلام اهـ (٥٧:٣). قلت: والدليل على أن "نهاوند" صارت دار الإسلام بعد ما افتتحها المسلمون معا ما ذكره ابن الأثير فى "الكامل" أن المشركين بعد ما قتلوا وانهزموا دخلوا "همدان" والمسلمون فى آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها ودخل المسلمون "نهاوند" يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ما فيه إلخ (٦:٣). وقال الطبرى: ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتووا ما فيها وما حولها اهـ (٢٤٣:٤). وأخرج الحاكم فى "المستدرك" عن عطية بن قيس وراشد بن سعد قال: سارت الروم إلى حبيب بن مسلمة، وهو بأرمينية فكتب إلى معاوية يستمده فكتب معاوية إلى عثمان بذلك، فكتب عثمان إلى أمير العراق يأمره أن يمد حبيبا فأمده بأهل العراق، وأمر عليهم سلمان بن ربيعة الباهلى (صحابى مختلف فى صحبته، والصحيح أن له صحبة كما فى "الإصابة") فساروا يريدون غياث حبيب، فلم يبلغوهم حتى لقى هو وأصحابه ففتح الله لهم فلما قدم سلمان وأصحابه على حبيب سألوهم أن يشركوهم فى الغنيمة وقالوا: قد أمددناكم، وقال أهل الشام: لم تشهدوا القتال ليس لكم معنا شىء فأبى حبيب أن يشركهم وحوى هو وأصحابه على غنيمتهم فتنازع أهل الشام وأهل العراق فى ذلك حتى كاد أن يكون بينهم فى ذلك : ١٣٨ ج - ١٢ باب إذا لحق المدد فى دار الإسلام أو فى بلدة من بلاد الحرب بعد ما صيرت دار الإسلام لم يستحقوا الغنيمة إلا إذا شهدوا الوقعة ٣٨٩٥ - نا وكيع نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب الأحمسى أن أهل البصرة غزوا "نهاوند" فذكر القصة فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الوقعة. رواه فقال بعض أهل العراق: وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل فإن تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم قال أبو بكر الغسانى: وسمعت أنها أول عداوة وقعت بين أهل الشام وأهل العراق سكت عنه الحاكم والذهبى (٣٤٧:٣). وفيه: أن أهل العراق من الصحابة والتابعين كانوا يرون للمدد شركة فى الغنيمة، وإن لم يشهدوا القتال وبقولهم أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق؛ وقصة استمداد أهل الشام من عثمان ذكرها الطبرى فى "تاريخه" (٤٦:٥) وفيه أنه أمدهم بأهل الكوفة وعليهم سلمان بن ربيعة الباهلى، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، وأنهم مضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم وأصاب الناس ما شاؤوا من سبى ومغنم، ولم يذكر ما رواه الحاكم من الاختلاف بين أهل الشام وأهل العراق إلا فى وقعة بلخجر ولم يكن سبب الاختلاف عدم إشراكهم إياهم فى الغنيمة، بل كان سببه أن سلمان تأمر على حبيب، وأبى عليه حبيب ذلك، والله أعلم. باب إذا لحق المدد فى دار الإسلام أو فى بلدة من بلاد الحرب بعد ما صيرت دار الإسلام لم يستحقوا الغنيمة إلا إذا شهدوا الوقعة قوله: "نا وكيع إلخ" قلت: قد تقدم منا أن "نهاوند" كانت قد صارت دار الإسلام بعد فتحها وانهزام المشركين عنها وكان المسلمون قد ظهروا على البلدة، واحتووا ما فيها وما حولها ولم تبق للكفار هناك فئة ولا قوة ومع ذلك فقد رأى عمار بن ياسر ومن معه أن يشاركوا الغانمين فى غنائمها. وكانوا قد لحقوهم مددا بعد الوقعة. فكتبوا إلى عمر فى ذلك، فكتب أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، وفسره علمائنا بأن غنيمة دار الإسلام لمن شهد الوقعة، بخلاف غنائم دار الحرب فهى لمن شهد الوقعة ولمن لحق بالعسكر مددا قبل قسمتها أو إحرازها بدار الإسلام. قال محمد فى "السير الكبير" له (١٩٥:٢). ولو أن جيشا من دار الحرب دخلوا دار الإسلام، فقاتلهم المسلمون حتى ظفروا بهم فإنما الغنيمة لمن شهد الوقعة، هكذا روى عن عمر رضى الله عنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة خاصة - أى وهذا محمله- وهذا بخلاف ما إذا دخل المسلمون ١٣٩ استحقاق الغنيمة إعلاء السنن ابن أبى شيبة وأخرجه الطبرانى والبيهفى مرفوعا وموقوفا وقال: الصحيح موقوف، (التلخيص الحبير ٢٧٢:٢). دار الحرب فهناك للمدد شركة فى المصاب وإن لم يشهد الوقعة لأنهم دخلوا دار الحرب على قصد الجهاد، فكانوا مجاهدين بذلك. ولأن دار الحرب موضع للقتال فكل من حصل فى دار الحرب على قصد القتال يجعل فى الحكم كمن شهد الوقعة، ودار الإسلام ليس بموضع القتال فإنما المقاتل فيها من شهد الوقعة خاصة، وهو بمنزلة ما لو وقف فى المسجد بالبعد من الإمام واقتدى به فإنه يصح الاقتداء لأن المسجد مكان الصلاة بخلاف ما إذا كان فى الصحراء. قال: ولو أن عسكرا من المسلمين افتتحوا بلدة وصيروها دار الإسلام، ثم لحق بهم مدد قبل قسمة الغنائم فلا شركة لهم فى المصاب، لأن الغنائم بما صنعوا صارت محرزة بدار الإسلام. فكأنهم أخرجوها ثم ألحق بهم مدد. وهذا لأن استحقاق الشركة للمدد باعتبار أنهم شاركوهم فى الإحراز وذلك غير موجود هنا اهـ. قلت: ولعلك عرفت بذلك غاية اعتناء الحنفية بالعمل بجميع الآثار، وحملهم مختلفها على محامل حسنة، كيلا تتضاد وتتخالف فافهم. والله یتولی هداك، ویرحم الله ابن حزم حيث لم يتنبه لذلك وجعل يطعن على الحنفية من غير فهم ولا دراية، فقال: والحنفيون يقولون: من مات من جيش الإسلام قبل الخروج إلى دار الإسلام أو قتل فى الحرب فلا سهم له. (قلت: قد اتفقوا على أن لا سهم لمن قتل فى الحرب فنسبته إلى الحنفية خاصته ليس فى موضعها) فلو خرجوا عن دار الحرب فلحق بهم مدد قبل خروجهم إلى دار الإسلام فحقهم معهم فى الغنيمة، وهذا ظلم لإخفاء به فهل سمع بظلم أقبح من منع من قاتل وغنم وإعطاء من لم يقاتل ولا غنم إلخ، كذا فى "المحلى" (٣٤٢:٧). قلت: لا نسلم كون المدد لم يقاتلوا، وقد خرجوا على عزم القتال وأرعبوا العدو بدخولهم أرضه واقتحامهم فيها، كما مر، وإن كان استحقاق الغنيمة على وجود القتال حقيقة لزم أن لا يستحقها من حضر القتال، ولم يقاتل بل وقف قائما تحت الراية لأمر الإمام إياء بذلك ولا قائل به. وأما من مات من الغانمين قبل قسمة الغنائم فى دار الحرب أو قبل إحرازها بدار الإسلام إذا لم تقسم هناك فهو كمن مات فى الحرب، فإن كان إعطاء من وقف قائما فى الصف ومنع من قاتل وقتل فى الحرب ظلما فالفقهاء ظالمون جميعا، وإلا فلا يجوز لأحد أن يطعن الحنفية بقول قال سائرهم بمثله، فافهم. ج - ١٢ ١٤٠ باب لا بأس بأن يعلف العسكر ويأكلوا ما وجدوه من الطعام ويستعملوا الحطب ويدهنوا بالدهن، ويقاتلوا بما يجدونه من سلاح أهل الحرب قبل القسمة ولا يجوز بيع شىء من المغانم قبل القسمة ٣٨٩٦- عن: ابن عمر رضى الله عنهما قال: "كنا نصيب فى مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه". رواه البخارى وزاد فيه أبو داود: فلم يؤخذ منهم الخمس. وصحح هذه الزيادة ابن حبان (نيل الأوطار ١٩١:٧ و ١٩٢). باب لا بأس بأن يعلف العسكر ويأكلوا ما وجدوه من الطعام ويستعملوا الحطب ويدهنوا بالدهن ويقاتلوا بما يجدونه من سلاح أهل الحرب قبل القسمة ولا يجوز بيع شىء منها قبل القسمة قوله: "عن ابن عمر إلخ" قال الحافظ فى "الفتح": هذه مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله، وكذلك علف الدواب سواء كان قبل القسمة أو بعدها، بإذن الإمام وبغير إذنه. والمعنى فيه أن الطعام يعز فى دار الحرب (ويتعذر إستصحابه من دار الإسلام)، فأبيح للضرورة. والجمهور أيضا على جواز الأخذ ولو لم تكن ضرورة ناجزة واتفقوا على جواز ركوب دوابهم، وليس ثيابهم واستعمال أسلحتهم فى حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاءها، وشرط الأوزاعى فيه إذن الإمام. وعليه أن يرده كلما فرغت حاجته ولا يستعمله فى غير الحرب ولا ينتظر برده انقضاء الحرب، لئلا يعرضه للهلاك. وحجته حديث رويفع بن ثابت مرفوعا)) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم)). وذكر فى الثوب مثل ذلك، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود (وابن حبان وأحمد والدرمى (نيل) والطحاوى ونقل عن أبى يوسف أنه حمله على ما إذا كان للآخذ غير محتاج يبقى دابته أو ثوبه بخلاف من ليس له ثوب ولا دابة، وقال الزهرى: لا يأخذ من الطعام ولا غيره. إلا بإذن الإمام، وقال سليمان ابن موسى: يأخذ إلا أن ينهى الإمام (وهو قولنا،). وقال ابن المنذر: قد وردت الأحاديث الصحيحة فى التشديد فى الغلول، واتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه. وأما العلف فهو فى معناه (قلت: وهذا أحوط) وقال مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل كما يجوز أخذ الطعام وقيده الشافعى بالضرورة إلى الأكل حيث لا طعام اهـ (١٨٢:٦).