Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
ج - ١٢
حميد ((أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد
الله بن مسعود على قضاءهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. قال: فمسح
عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل خمسة
دراهم. وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب البراء أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير
درهمین)) الحدیث قال أبو محبید: وحدثنی عفان عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبی هند عن
الشعبى ((أن عمر بعث ابن حنيف إلى السواد فطرز الخراج فوضع على جريب الشعير درهمین،
وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب القصب سنة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية،
وعلى جريب الكرم عشرة، وعلى جريب الزيتون اثنا عشر. الحديث.
قال: وحدثنا أبو معاوية عن الشيبانى عن محمد بن عبيد الله الثقفى، قال: وضع عمر بن
الخطاب رضى الله عنه على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا، وعلى جريب
الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة، وعلى جريب الشجرة عشرة دراهم وعشرة أقفزة
وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة أقفزة. قال: ولم يذكر النخل (ص ٦٩) اهـ.
فلو كان أهل السواد عمالا للمسلمين بكراء معلوم يؤدونه فإن ذلك لا يجوز إلا فى الأرض
البيضاء، ولا يكون فى الشجر. لأن قبالة الشجر لا تطيب بشىء مسمى، وكذا قبالة الزرع النابت
قبل أن يستحصد ويدرك، فيكون بيع الثمر قبل أن يبد وصلاحه وقبل أن خلق ولا نعلم المسلمين
اختلفوا فى كراهة القبالات، فأما المعاملة على الثلث والربع وكراء الأرض البيضاء فليستأمن
القبالات قاله أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٧٠ و ٧١).
٥
فلا بد من القول بأن ما وضعه عمر على أرض السواد من الخراج لم يكن إجارة قط،
بل خراجا موظفا يجب على صاحب الأرض أداءه كائنا من كان، ولو كان ذلك بطريق الإجارة
لا نفسخ بموت أحد العاقدين، ولا قائل به.
قال يحيى بن آدم فى "الخراج" له: حدثنا ابن المبارك عن سفيان بن سعيد (هو الثورى) قال:
إذا ظهر على بلاد العدو، فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسبى بعد ما يخرج الخمس
من ذلك. وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال وكانوا ذمة للمسلمين. كما صنع عمر رضى
الله عنه بأهل السواد. فإن تركهم صاروا عهدا يتوارثون وباعوا أراضيهم. قال يحيى: سمعت
حفص بن غياث يقول: تباع ويقضى بها الدين، وتقسم فى المواريث اهـ (ص ٤٧). وفيه دلالة

٨٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
على أن قول سفيان الثورى فى أرض السواد مثل قول أبى حنيفة خلاف ما نسبه إليه أبو عبيد أنها
فى عنده كلها، ولو كانت فيئا للمسلمين لم يتوارثها أهلها ولم يصح بيعهم إياها، والثورى قائل
بجواز ذلك كله، وهو مقتضى ما ثبت فى الآثار من ضرب عمر الخراج على الكروم والشجر،
وعدم ذكره فى رواية لا يستلزم بطلان ما ورد فيه ذكر، كما هو معلوم من أصول الزيادة فى
الحديث. والله تعالى أعلم.
وأثر عتبة بن فرقد الذى احتج به الجمهور يعارضه ما نقله الزيلعى فى "نصب الراية"
(١٤٩:٢) من "كتاب المعرفة" للبيهقى عن أبى يوسف، قال: حدثنا مجالد بن سعيد عن عامر هو
الشعبى عن عتبة بن فرقد السلمى"، "أنه قال لعمر بن الخطاب: إنى اشتريت أرضا من أرض
السواد، فقال عمر: أنت فيها مثل صاحبها اهـ). فلا بد للجمع بينه وبين ما مر سابقا من القول بأن
عتبة اشترى مرة أرضا من الصوافى فأنكره عمر رضى الله عنه ثم اشترى أرضا من غير الصوافى
فأجازه والله أعلم. واحتج ابن حزم بقوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾، فسوى
تعالى بين كل ذلك ولم يفرق اهـ، من "المحلى" (٣٤٤:٧).
قلت: هذا قول من لم يعرف مذهب خصمه ولا تأويل ما احتج به، فإن الآية قد نزلت فى
بنى قريظة، يدل على ذلك سباق الآية وسياقها قال تعالى: ﴿ورد الله الذين كفروا (أى الأحزاب)
بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ ﴿وأنزل الذين ظاهروهم
من أهل الكتاب (أى قريظة) من صياصيهم (حصونهم)، وقذف فى قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون
(منهم وهم المقاتلة) وتأسرون فريقا (منهم أى النساء والذرارى)، وأورثكم أرضهم وديارهم
وأموالهم وأرضا لم تطؤها (بعد وهى خيبر أخذت بعد قريظة)، وكان الله على كل شىء قديرا﴾،
كذا فى "الجلالين" (ص ٣٥١)، ولا ننكر أن أرض قريظة وخيبر قسمت بين المسلمين، بل
ولا يجوز عندنا للإمام أن يضرب الخراج والجزية على أرض الحجاز وأهلها وهم مشركون، فإن
المشركين من أهل العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأهل الكتاب منهم لا يقرون على
سكنى الحجاز ويملك أرضها بل يجلون عنها لقوله عّ لّه: ((لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب))
وسيأتى. والنزاع إنما هو فى أرض غير أرض الحجاز. ولا دليل فى الآية على حكمها لما بينا.
الجواب عن إيراد ابن حزم فى الباب على الحنفية:
قال ابن حزم. "يبين ما قلنا قول الله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾، ففيه أن الأرض
١

ج - ١٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
٨٣
المغنومة فيها الخمس وهذا موضع الاحتجاج بالآية حقا اهـ" (٣٣٧:٧).
قلنا: ولكن النبى ◌ّه فتح مكة عنوة ولم يخمس أرضها، بل من بها على أهلها. وهذا مما
تواتر واشتهر، فإما أن يقال بتخصيص قوله: ما غتمتم بما سوى الأرض كما قلتم بتخصيصه بما
سوى الأسلاب. أو يقال كما قال ابن القيم: بكون الأرض غير داخلة فى الغنائم بدليل حرمها على
الأمم قبلنا، ولم تكن الأرض محرمة عليهم كما سيأتى، وقد سبقت الإشارة إليه، قال ابن حزم:
وقد روينا عن عمر أنه قال: إن عشت إلى قابل لا تفتح قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله عَ ليه
خيبر، فهذا رجوع من عمر إلى القسمة اهـ من "المحلى" (٣٤٣:٧).
قلت: رواه أحمد من طريق أسلم مولى عمر عنه، أنه قال: لئن عشت إلى هذا العام المقبل
لا تفتح قرية للناس إلا قسمتها بينهم، كما قسم رسول الله مَّ ◌ُّه خيبر (نيل (٢١٥:٧). وليس فيه
رجوع منه إلى القسمة كما زعمه ابن حزم، ولو كان كذلك لقسم أرض السواد وأرض الشام
ومصر التى جعلها بأيدى أهلها، وضرب عليها الخراج بين المسلمين. فإن الإمام إذا ظهر له الخطأ فى
حكمه يجب عليه إبطاله، وعمر لم يفعل ذلك، فلم يكن قوله هذا رجوعا منه ولا إبطالا لما فعله من
قبل. بل غاية ما فيه أن السبب الذى كان مانعا من قسمة الأراضى بين الغانمين وهو النظر لآخر
المسلمين كان قد ارتفع إذ ذاك، وظن أن ما ترك قسمتها من الأراضى تكفى مادة لهم وخزانة
لآخرهم، فعزم على قسمة ما يفتح عليه بعد ذلك، وليس فيه ما يضاد ما ذهبنا إليه، فإنا نقول:
يكون الإمام مخيرا بين قسمة الأراضى وتركها، فأخذ عمر رضى الله عنه بالترك أولا والقسمة
آخرا، حجة لنا لا علينا.
ثم احتج ابن حزم بما روى البخارى عن أبى هريرة يقول: افتتحنا خيبر، فلم نغنم ذهبا
ولا فضة، إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط. فصح أن الحوائط وهى الضياع والبساتين مغنومة
كسائر المتاع فهى مخمسة بنص القرآن، والمخمس مقسوم بلا خلاف اهـ (٣٤٤:٧).
قلنا: قد ثبت فى "السنن" و"المستدرك": ((أن رسول الله عَّ له لما ظهر على خيبر قسمها
على ستة وثلثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فجعلها نصفا لنوائبه وحاجته ونصفا بين
المسلمين)). ولو كان حكمها حكم الغنيمة لقسمها كلها بعد الخمس، ولم يثبت عن رسول
الله عزِّ ذلك أنه قسم خيبر كلها بين الغانمین بعد ما خمسها ومن ادعى ذلك فعليه البيان ودون
إثباته خرط القتاد. ولا حجة له فى قول عمر رضى الله عنه كما قسم رسول الله ماێ( خبير اهـ. فإن

٨٤
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
المراد به بعض خيبر لا كلها بدلالة ما فى السنن والمستدرك عن سهل بن أبى حثمة وبشير بن يسار
مفسرا وهو قاض على المجمل حتما وليس تأويلنا قول عمر إلى هذا للجمع بينه وبين سائر الروايات
تكذيبا له كما موه ابن حزم فلم يزل الأئمة يجمعون بين مختلف الأحاديث ولم يكن ذلك تكذيبا
لشىء منها وإنما التكذيب أن يؤخذ بحديث واحد ويرد ما سواه كما هو دأب ابن حزم رحمه الله.
ثم احتج بما رواه أحمد وإسحاق بطريق عبد الرزاق نا معمر عن همام بن منبه نا أبو هريرة
قال: قال رسول الله عَ ليه: أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله
ورسوله، فإن خمسها لله ورسوله ثم هى لكم)). قال ابن حزم: وهذا نص جلى لا محيص عنه أهـ
(٣٤٤:٧). قلت: قال القاضى عياض فى "شرح مسلم": يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى
الفىء الذى لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه، فيكون
سهمهم فيها أى حقهم من العطايا كما يصرف الفىء - ويكون المراد بالثانية- ما أخذت عنوة،
فيكون غنيمةٍ بخرج منها الخمس والباقى للغانمين وهو معنى قوله "هى لكم" أى باقيها اه من
"شرح مسلم للنووى (٨٩:٢).
قلت: وهذا كما ترى تفسير للحديث بالاحتمال فعجبا لجرأة ابن حزم حيث جعله نصا
جليا مع كونه محتملًا للوجوه، فإن قوله: ((أيما قرية عصت الله ورسوله)) ليس بواضح فى أن المراد
به ما أخذت عنوة من الكفار، بل يعم ما عصت أمير الإسلام من بلاد المسلمين بالبغى والفساد
أو الردة، ولا خمس فى أموال البغاة ولا أراضيهم اتفاقا وكذا قوله: ((أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها))
إلخ ليس بصريح أنه فى الفىء وإن سلمنا فإن ما فتح من بلاد الكفرة صلحا فإنما للغانمين فيه ما
صولح عليه ليس لهم حظ فى أموالهم ولا أراضيهم فلا بد من تأويله بأن المراد من السهم فيه أن
للمسلمين حقا فى العطايا التى تقرر فيه كما قاله عياض، وإذا كان كذلك فيجوز لنا التأويل فى
قرينة، بأن المراد أيما قرية عصت الله ورسوله وفتحتموها عنوة فما أخدتم من أموال أهلها من السلاح
والكراع والسبى والدراهم والدنانير والمتاع فهو لكم بعد أن يخرج الخمس منها الله ورسوله،
وليس المراد من القرية عينها بل أهلها كما فى قوله تعالى: ﴿واسئل القرية التى كنا فيها﴾ ومن
أجاز التأويل فى الجملة الأولى ومنعه فى قرينتها وادعى الفرق بينهما فليأت ببرهان، وإذا جاء
الاحتمال بطل الاستدلال، وإن سلمنا أن الأرضى مغنومة مخمسة فإنها ليست بأولى من السبى
وقد قالوا إن الإمام بالخيار فى السبى بين القتل والمن والاسترقاق والمفاداة. فما لهم لا يخيرونه بين

٨٥
ج - ١٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
٣٨٦٦- عن أنس بن مالك ((أن رسول الله عَ لَّه غزا خيبر فأصبناها عنوةً فجمع
السبى)) أخرجه أبو داود قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى أتم منه (عون
المعبود ١١٩:٣).
٣٨٦٧- عن سهل بن أبى حثمة قال: قسم رسول الله عَ لّه خيبر نصفين نصفا
لنوائبه وحاجته ونصفا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما. أخرجه أبو
داود وسكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ١١٩:٣). وقال صاحب "التنقيح":
إسناده جيد (زيلعى ١٢٤:٢).
ذلك فى الأراضى؟ مع أن قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن لله خمسه﴾ يعم السبى
والأراضى سواء ومن ادعى الفرق فعليه البيان. ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه ويحتج
بما لا حجة فيه ويتكلم فى شأن الأئمة بما لا يليق ليغرر به السفهاء ومن لا دراية له.
قوله: "عن أنس بن مالك إلخ". قلت: فيه دلالة على أن خيبر فتحت كلها عنوة وسيأتى أن
النبى عَّ لم يقسم كلها بين المسلمين سهمانا بل نصفها فدل على أن الإمام مخير فى ما فتحها
عنوة بين أن يقسمها بين المسلمين وأن لا يقسمها بل يتركها مادة للمسلمين كالوقف.
قوله: "عن سهل بن أبى حثمة وعن بشير بن يسار إلخ" فيه دلالة على أنه عّ لّ لم يقسم
خيبر كلها بين الغانمين فما فى أثر زيد بن أسلم المذكور أولا من قول عمر: كما قسم النبى عد اله
خيبر إلخ أراد به بعض خيبر لا جميعها قاله الطحاوى، كما فى "فتح البارى". (١٥٨:٦).
ولتمد أشكل الحديث على الخطابى حيث قال: ((والظاهر من أمر خيبر أن رسول الله عد اله
فتحها عنوة، فإذا كانت عنوة فهى مغنومة وإذا صارت غنيمة فإنما حصته من الغنيمة خمس
الخمس، وهو سهمه الذى سماه الله تعالى، فكيف يكون له النصف منها أجمع، حتى يصرفه فى
حوائجه ونوائبه على ظاهر ما جاء فى الحديث)) اهـ من "عون المعبود" (١١٩:٣). والجواب بمنع
المقدمة القائلة: "فإذا كانت عنوة فهى مغنومة" فهذه هى محل النزاع، فإن الأرض لا تكون غنيمة
وإن فتحت عنوة وبمنع قوله: "فكيف يكون له النصف منها أجمع" حتى يصرفه فى حوائجه،
فليس فى الحديث أن هذا النصف كان كله لرسول الله عَ ليه ومصروفا فى حوائجه بل لفظ الحديث
صريح فى أنه عزل النصف لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس وفيه دليل على أنه كان
يصرفه فى حوائج المسلمين، وحديث ابن عمر قبله عند أبى داود صريح أنه مرّ ◌ّ كان يأخذ الخمس
من تمر النصف فيطعم منها أهله (١١٨:٣ مع "العون")، وقد خفى كل ذلك على صاحب

٨٦
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
-را سنى
٣٨٦٨- عن بشير بن يسار مولى الأنصار عن رجال من أصحاب رسول
الله عَّه((أن رسول الله عَ لَّه لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع
كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله عَّ ◌ُله وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف
"العون" فأجاب بأن بعض خيبر كان قد فتح صلحا وهو خلاف ما ذهب إليه أهل التحقيق.
قال ابن القيم فى "الهدى": ومما يدل على ذلك (أى على عدم وجوب قسمة الأراضى
المفتوحة بين الغانمين) أن النبى مرّ له قسم نصف خيبر خاصة، ولو كان حكمها حكم الغنيمة
يقسمها كلها بعد الخمس ففى "السنن" و"المستدرك": أن رسول الله عَ ليه لما ظهر على خيبر
قسمها على ستة وثلاثین سهما جمع کل سهم مائة سهم) فذ کر حدیث بشیر بن يسار المذكور فى
المتن رابعا اهـ (٣٢٥:١). قال الحافظ فى "الفتح": والمراد بالذى عزله ما افتتح صلحا وبالذى
قسمه ما افتتح عنوة وسيأتى بيان ذلك فى المغازى إن شاء الله تعالى اهـ (١٥٨:٦) قال ابن القيم:
وقسم رسول الله مّ ◌ُّر خيبر على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف
وستمائة سهم، فكان لرسول الله مرّه وللمسلمين النصف من ذلك، وهو ألف وثمان مائة سهم
لرسول الله ◌ّ ◌ُّه سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر لنوائبه وما ينزل به من أمور
المسلمين، قال البيهقى: وهذا لأن خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحا، فقسم ما فتح عنوة بين
أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحا لنوائبه، وما يحتاج إليه من أمور المسلمين. قلت: وهذا
بناء منه على أصل الشافعى - رحمه الله - أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة كما تقسم سائر
الغنائم فلما لم يجده قسم النصف من خيبر قال: إنه فتح صلحا ومن تأمل السير والمغازى حق
التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة وأن رسول الله عّ لّ استولى أرضها كلها بالسيف عنوة، ولو
فتح شىء منها صلحا لم يجلهم رسول الله ◌ّ له منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا: نحن
أعلم بالأرض منكم، دعونا نكون فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها. وهذا صريح جدا فى
أنها إنما فتحت عنوة، وقد حصل بين اليهود والمسلمين بها من الحراب والمبارزة والقتل من الفريقين
ما هو معلوم، ولكن لما الجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذى بذلوه أن لرسول الله مد .
الصفراء والبيضاء والحلقة والسلاح ولهم رقابهم وذريتهم ويجلوا من الأرض، فهذا كان الصلح
ولم يقع بينهم صلح أن شيئا من أرض خيبر لليهود ولا جرى ذلك البتة، ولو كان كذلك لم يقل:
نقركم ما شئنا، فكيف يقرهم فى أرضهم ما شاء؟ ولا كان عمر أجلاهم كلهم من الأرض،
ولم يصالحهم أيضا على أن الأرض للمسلمين، وعليها خراج يؤخذ منهم، هذا لم يقع فإنه

٨٧
ج - ١٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
الباقى لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو
والمنذرى (عون المعبود ١٢٠:٣).
لم يضرب على خيبر خراجا البتة.
فالصواب الذى لا شك فيه أنها فتحت عنوة، والإمام مخير فى أرض العنوة بين قسمها
ووقفها وقسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله مرّ ◌ُّه الأنواع الثلاثة فقسم قريظة
والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها اهـ من "زاد المعاد" (٣٩٦:١).
ثم اعلم أنه اختلف فى فتح خيبر هل كان عنوة. كما قال أنس رضى الله عنه وابن شهاب
فى رواية يونس عنه، أو صلحا، أو بعضها صلحا والباقى عنوة؟ كما رواه مالك عن الزهرى عن
سعيد بن المسيب. وفى حديث عبد العزيز بن سهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة. قال حافظ
المغرب ابن عبد البر: هذا هو الصحيح فى أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوبا عليها، بخلاف
فدك فإن رسول الله مرّه قسم جميع أرضها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب، وهم
أهل الحديبية. ولم يختلف أحد من العلماء أن أرض خيبر مقسومة، وإنما اختلفوا هل تقسم الأرض
إذا غنمت البلاد أو توقف؟ فقال الكوفيون: "الإمام مخير بين قسمتها كما فعل رسول الله عَ ليه
بخيبر وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق". (قلت: وهذا ما ذكره فى الهداية بعينه) وقال
الشافعى: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله عَّه خبير، لأن الأرض غنيمة كسائر أموال
الكفار (وأجيب بمنع كون الأرض غنمة وإلا لم تكن أحلت لأمة من الأمم قبلنا لما قال النبى معَ له:
(أحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى)) والأرض قد أحلت لمن قبلنا بدليل ما ذكرناه من قبل، فثبت
أن الأرض ليست بغنيمة فافهم)! وذهب مالك إلى إيقافها اتباعا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من
سائر الغنيمة بما فعل عمر فى جماعة من الصحابة من إيقافها لمن يأتى بعده من المسلمين وأما من
قال: إن خيبر كان بعضها صلحا وبعضها عنوة فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليهم الشبهة(١)
بالحصنين: الذين أسلمهما أهلهما، وهما الوطيح والسلالم فى حقن دماءهم، فلما لم يكن أهل
(١) قال الحافظ فى "الفتح": والذى يضا أن الشبهة فى ذلك قول ابن عمر "إن النبى ◌ّ له قاتل أهل خيبر فغلب على النخل
وألجأهم إلى القصر فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء على أن لا يكتموا ولا يغيبوا، وفى آخره: فسبى النساء
والذرية وقسم أموالهم للنكث الذى نكثوا، وأراد أن يجليهم فقالوا: دعنا فى هذه الأرض بصلحها. الحديث أخرجه أبو داود
والبيهقى وغيرهما وأبو الأسود فى المغازى فعلى هذا كان قد وقع الصلح ثم حديث النقض منهم، فزال أثر الصلح ثم من
عليهم بترك القتل وإبقائهم عمالا بالأرض ليس لهم فيها ملك ولذلك أجلاهم عمر فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا
منها والله أعلم اهـ (٧: ٣٦٦).

٨٨
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
٣٨٦٩- عن الزهرى قال: قال عمر: "وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم
عليه من خيل ولا ركاب" قال الزهرى: قال عمر: هذه لرسول الله عّ لّه خاصة، قرى
عرينة فدك وكذا وكذا، ﴿وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذى
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ﴿وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم
وأموالهم﴾. ﴿والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾،
فاستوعبت هذه الآيات الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق قال أيوب: أو
قال حظ إلا بعض ما تملكون من أرقائكم" أخرجه أبو داود قال المنذرى: وهذا منقطع،
الزهرى لم يسمع من عمر (عون المعبود ١٠٢:٣). قلت: وهو حجة عندنا والقصة
مشهورة عن عمر، رواه ابن إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر عند أبى عبيد فى
"كتاب الأموال" (فتح البارى ١٥٨:٦). والزهرى عن مالك بن أوس بن الحدثان عنه
عند أبى داود (١٠٣:٣ مع "عون المعبود")، وعمرو بن قيس السكونى عن أبيه عن عبد
الله بن عمرو العاص عن عمر عند الطحاوى (٢: ١٤٥). ووصله يحيى بن آدم فى
"كتاب الخراج (ص ٤٣)" له، فرواه بطريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وسنده
صحيح ووصله النسائى بطريق أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس عن عمر.
ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك صلح. ولعمرى إن ذلك فى
الرجال والنساء والذرية كضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا الأرض إلا بالحصار والقتال فكان
حكم أرضها حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها، وليست الحصون التى
أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحا، ولو كانت صلحا لملكها أهلها كما يملك أهل الصلح
أرضهم وسائر أموالهم."فالحق فى هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن
شهاب اهـ من "عون المعبود" (١٢٢:٣)، ومن الزيلعى (١٢٥:٢) ملخصا. قلت: وقد ذهب ابن
عبد البر إلى كون خيبر كلها مقسومة، وهو ظاهر ما فى "الهداية" وادعى الطحاوى كون شطرها
مقسوما وشطرها موقوفا للنوائب غير مقسوم، ووافقه على ذلك ابن القيم والحافظ فى "الفتح".
ويؤيده ما ذكرنا فى المتن من أثر سهل بن أبى حثمة وبشير بن يسار، فتدبر.
قوله: "عن الزهرى إلخ". قلت: دلالته على أن الفىء لا يجب قسمته بين الغانمين، وفيه حق
للمسلمين جميعا ظاهرة، وقد مر فى قول أبى يوسف أن الأراضى المفتحة من الفىء عندنا دون

ج - ١٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
٨٩
٦
٣٨٧٠- عن: عمر بن عبد العزيز: "أنه كتب إلى من سأل عن مواضع الفىء فهو
ما حكم فيه عمر بن الخطاب فرآه المؤمنون عدلا موافقا لقول النبى عدّ له جعل الله الحق
على لسان عمر وقلبه، فرض الأعطية، وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض عليهم من
الجزية، ولم يضرب فيها بخمس ولا مغنم". رواه أبو داود (نيل الأوطار ٢٨٥:٧). قال
المنذرى: فيه رجل مجهول، وعمر بن عبد العزيز لم يدرك عمر بن الخطاب. والمرفوع
منه مرسل (عون المعبود ٩٩:٣). وذكرنا ما يتعلق به فى الحاشية.
٣٨٧١- حدثنا: أبو بكر بن عياش عن الحسن: "أنه كان يقول: ما كان فى
الغنيمة، فكان حكم الأراضى المفتوحة عنوة حكم الفىء سواء.
قوله: "حدثنا أبو بكر بن عياش إلخ". قلت: قوله: ما كان فى العسكر فهو للذين غلبوا
عليه. أى -للغانمين بعد إخراج الخمس منه - وقوله. "والأرض للمسلمين" أى فىء لهم أجمعين
غير مختصة بمن غلبوا عليها، لكونها مما لم يوجف عليه الخيل والركاب، وإنما تحرز بعد وضع
الحرب أو زارها فكانت مما أفاء الله من أهل القرى فافهم، والحسن من أجلة الفقهاء التابعين، وقد
وافق قوله قول الحنفية فى الباب، وروى أبو عبد فى "كتاب الأموال" من طريق ابن إسحاق عن
حارثة بن مصرب عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد فشاور فى ذلك فقال له على: دعهم، يكونوا
مادة للمسلمين فتركهم، ومن طريق عبد الله بن أبى قيس أن عمر أراد قسمة الأرض فقال له معاذ:
إن قسمتها صار الربع العظيم فى أيدى القوم يبتدرون فيصير إلى الرجل الواحد أو المرأة ويأتى القوم
يسدون من الإسلام مسدا فلا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أو لهم وآخرهم فاقتضى رأى عمر
تأخير قسم الأرض وضرب الخراج عليها للغانمين، ولمن يجيئ بعدهم فبقى ما عدا ذلك -أى ما عدا
الأرض- على اختصاص الغانمين به. وبه قال الجمهور: وقد تقدم بيان الاختلاف فى الأرض التى
يملكها المسلمون عنوة.
قال ابن المنذر: ذهب الشافعى إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض
السواد أن الحكم فى أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبى معَّ ◌ُلّه خيبر. وتعقب بأن ذلك مخالف
لتعليل عمر بقوله: "لو لا آخر المسلمين" (ولاحتجاجه بآيات فى سورة الحشر، على أنها استوعبت
الناس كلهم، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق أو حظ) لكن يمكن أن يقال: معناه لو لا آخر
المسلمين ما استطبت أنفس الغانمين اهـ ملخصا من "فتح البارى" (١٥٨:٦).
قلت: لا يمكن التأويل بذلك ولا يصح، فلم يثبت عن عمر أنه استطاب أنفس الغانمين الذين

٩٠
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
العسكر فهو للذين غلبوا عليه، والأرض للمسلمين". رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" له
(٤٨:٢٧)، وهذا أثر حسن.
كانوا قد طلبوا منه القسمة بل الثابت عنه أنه تركها فيئا غير مقسوم على الرغم منهم، وذمهم ودعا
عليهم. قال الحافظ فى الفتح: وروى البيهقى من وجه آخر عن ابن وهب عن مالك فى هذه القصة
سبب قول عمر هذا (لو لا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها إلخ)، ولفظة: لما افتتح عمر
الشام، قام إليه بلال فقال: لتقسمنها أو لنضاربن عليها بالسيف، فقال عمر، فذكره اهـ (١٤:٥).
قال العلامة ابن القيم فى "زاد المعاد": وأما قولكم إنها أى مكة لو فتحت عنوة لقسمت بين
الغانمين فهذا مبنى على أن الأرض داخلة فى الغنائم التى قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد
تخميسها، وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك، وأن الأرض ليست داخلة فى
الغنائم التى يجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإن بلالا وأصحابه لما طلبوا من
عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يقسم بينهم الأرض التى فتحوها عنوة وهى الشام وما حولها
وقالوا له: خذ خمسها واقسمها! فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحبسه يجرى عليكم وعلى
المسلمين، فقال بلال، وأصحابه رضى الله عنهم: اقسمها بيننا (أو لنضاربن عليها بالسيف كما فى
رواية البيهقى) فقال عمر: اللهم اكفنى بلالا وذويه فما حال الحول ومنهم عين تطرف ثم وافق
سائر الصحابة رضى الله عنهم وعمر رضى الله عنه على ذلك وكذا جرى فى فتوح مصر والعراق
وأرض فارس وسائر البلاد التى فتحت عنوة ولم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة.
ولا يصح أن يقال: إنه استطاب نفوسهم، ووقفها برضاهم فإنهم قد نازعوه فى ذلك وهو
يأبى عليهم ودعا على بلال وأصحابه رضى الله عنهم (فماتوا كلهم فى طاعون عمواس فى هذا
العام) وكان الذى رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق إذ لو قسمت لتوارثها ورثة أولئك
وأقاربهم فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبى صغير والمقاتلة لا شىء بأيديهم،
فكان فى ذلك أعظم الفساد وأكبره، وهذا هو الذى خاف عمر رضى الله عنه منه. فوفقه الله
سبحانه لترك قسمة الأرض وجعلها وقفا على المقاتلة تجرى عليهم فيها (أعطيتاتهم وأرزاقهم وقد
تقدم تفسير كونها وقفا من قول ابن القيم نفسه فتذكر) حتى يغزو منها آخر المسلمين وظهرت
بركة رأيه ويمنه على الإسلام وأهله ووافقه جمهور الأئمة، وليس هذا الذى فعل عمر رضى الله عنه
بمخالف للقرآن، فإن الأرض ليست داخلة فى الغنائم التى أمر الله بتخميسها وقسمتها. ولهذا قال
عمر: إنها غير المال، (ثم ذكر مثل ما مر من الاحتجاج بالحديث المتفق على صحته ((أحلت لى

ج - ١٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
٩١
الغنائم، ولم تحل لأحد قبلى)) وقد أحل الله سبحانه أراضى الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا
استولوا عليها عنوة إلخ، (٤٣٢:١ و٤٣٣). وروى أحمد فى "مسنده" عن مالك ابن أوس قال:
((كان عمر يحلف على أيمان ثلاث: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد
ووالله ما من المسلمين أحد إلا وله فى هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا ووالله! لئن بقيت لهم لأوتين
. الراعى بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه)). كذا فى "النيل" (٢٨٦:٧). فكيف
يصح أن يؤول قوله: "لو لا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بينهم" بأنه ترك قسمتها بعد
ما استطاب نفوس الغانمين، وهو يحلف بالله ما من المسلمين أحد إلا وله فى هذا المال نصيب. وإذا
كان كذلك فأى حاجة له إلى استرضاء نفوس الغانمين عنه فافهم.
قال القاضى الشوكانى: إن مذهب الشافعى أن الإمام يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم
المنقول إلا أن يتركوا حقهم منها، بناء منه على أن آية الأنفال وآية الحشر متواردتان، وأن الجميع
يسمى فيئا وغنيمة. ولكنه يرد عليه أن ظاهر سوق آية الحشر أن الفىء غير الغنيمة، وأن له مصرفا
عاما، ولذلك قال عمر إنها عمت الناس بقوله: ((والذين جاؤوا من بعدهم)) ولا يتأتى حصة لمن جاء
من بعدهم إلا إذا بقيت الأرض محبسة للمسلمين، إذ لو استحقها المباشرون للقتال. وقسمت
بينهم توارثها ورثة أولئك فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبى صغير اهـ
(٢١٨:٧). ويؤيد عمر رضى الله عنه ومن وافقه من جمهور الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى من
بعدهم ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله مَ له
((منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أرد بها ودينارها.
وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم شهد على ذلك لحم أبى هريرة
ودمه)). ففيه من إعلام النبوة لإخباره مَّه بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم ووضعهم
الجزية والخراج ثم بطلان ذلك إما بتغلبهم وهو أصح التأويلين، وإما بإسلامهم ووجه الاستدلال منه
لحكم الأراضى المغنومة أن النبى معَّه قد علم بأن الصحابة بضعون الخراج على الأرض،
ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرره وحكاه لهم اهـ من "النيل" ملخصا (٢١٨:٧).
وقال الإمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له: حدثنى بعض مشايخنا عن يزيد بن أبى
حبيب أن عمر رضى الله عنه كتب إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد! فقد بلغنى كتابك تذكر
فيه أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابى هذا فانظر ما أجلب

٩٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
الناس عليك به إلى العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين
والأنهار لعمالها ليكون ذلك فى أعطيات المسلمين. فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن
· بعدهم شىء الحديث (ص ٢٩). قال: وحدثنى الليث بن سعد عن حبيب بن أبى ثابت قال: ((إن
أصحاب رسول الله عَّه وجماعة من المسلمين أرادوا عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يقسم
الشام كما قسم رسول الله عَ ليه خيبر، وأنه كان أشد الناس عليه فى ذلك الزبير بن العوام وبلال
ابن رباح قفال عمر رضى الله عنه إذن أترك من بعدكم من المسلمين لا شىء لهم، ثم قال: اللهم
اكفنى بلالا وأصحابه، قال: فرأى المسلمون أن الطاعون الذى أصابهم بعمواس كان عن دعوة
عمر قال: وتر کهم عمر رضى الله عنه ذمة يؤدون الخراج للمسلمین)). قال: وحدثنى محمد بن
إسحاق عن الزهرى أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه استشار الناس فى السواد حين افتتح
فرأى عامتهم أن يقسمه، وكان بلال بن رباح من أشدهم فى ذلك وكان رأى عمر رضى الله تعالى
عنه أن يتركه ولا يقسمه فقال: اللهم اكفنى بلالا وأصحابه ومكثوا فى ذلك يومين أو ثلاثة أو
دون ذلك. ثم قال عمر: إنى قد وجدت حجة قال الله تعالى فى كتابه)) وما أفاء الله على رسوله
منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب)) حتى فرغ من شأن بنى النضير فهذه عامة فى القرى
كلها ثم قال: ((وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذى القربى واليتامى
والمساكين)) ثم قال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ ثم لم يرض حتى
خلط بهم غيرهم فقال: ﴿والذين تبؤوا الدار والإيمان﴾ فهذا فيما بلغنا - والله أعلم- للأنصار
خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ فكانت هذه عامة
لمن جاء من بعدهم فقد صار هذا الفىء بين هؤلاء جميعا فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف
بعدهم بغير قسم فأجمع على تركه وجمع خراجه آهـ (ص ٣٢).
قال أبو يوسف: وحدثنى غير واحد من علماء أهل المدينة قالوا: لما قدم على عمر بن
الخطاب رضى الله عنه جيش العراق من قبل سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، شاورهم فى قسمة
الأرضين التى أفاء الله على المسلمين من أرض العراق والشام فتكلم قوم فيها، وأرادوا أن يقسم لهم
حقوقهم، وما فتحوا، فقال عمر رضى الله عنه: فكيف بمن يأتى من المسلمين فيجدون، الأرض
بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ ما هذا برأى. فقال له عبد الرحمن بن عوف:
فما الرأى؟ ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم. فقال عمر: ما هو إلا كما نقول (وذلك قبل

٩٣
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
ج - ١٢
أن يجد حجته من كتاب الله تعالى، مؤلف)، ولست أرى ذلك والله لا يفتح بعدى بلد فيكون فيه
كبير نيل بل عسى أن يكون كلا على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام
بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره. من أهل الشام والعراق،
فأكثروا على عمر رضى الله تعالى عنه وقالوا: أ تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يشهدوا
ولم يحضروا ولأبناء القوم ولأبناء إبناءهم ولم يحضروا فكان عمر لا يزيد على أن يقول: هذا
رأى قالوا: فاستشر قال فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا فأما عبد الرحمن بن عوف رضى الله
عنه فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأى عثمان وعلى وطلحة وابن عمر رضى الله عنهم رأى
عمر فأرسل إلى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم.
فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إنى لم ازعجكم إلا لأن تشتركوا فى أمانتى
فيما حملت من أموركم، فإنى واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفنى من خالفنى
ووافقنى من وافقنى، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذى هواى، معكم من الله كتاب ينطق بالحق فوالله
لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريده به إلا الحق. قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين! قال: قد سمعتم
كلام هؤلاء القوم الذين زعمو أنى أظلمهم حقوقهم وإنى أعوذ بالله أن أركب ظلما لئن كنت
ظلمتهم شيئا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت. ولكن رأيت أنه لم يبق شىء يفتح بعد أرض
كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجته
الخمس فوجهته على وجهه وأنا فى توجيهه. وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم
فيها الخراج وفى رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتى من بعده.
أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام، كالشام والجزيرة والكوفة
والبصرة ومصر لا بد لها أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت
الأرضون والعلوج؟ فقالوا جميعًا: الرأى رأيك فنعم ما قلت، وما رأيت أن لم تشحن هذه الثغور
وهذه المدن بالرجال وتجرى عليهم ما يتقودون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم فقال: قد بان لی
الأمر. الحديث (ص ٣٠).
٠
قلت: وهذا مما كان رأى عمر رضى الله تعالى عنه أولا بمحض الاجتهاد، ووافقه عليه فقهاء
المهاجرين وكبراء الأنصار ثم تبين له موافقة ما رآه لكتاب الله تعالى فقال: إنى قد وجدت حجة
فقرأ آيات الفىء من سورة الحشر كما تقدم. قال أبو يوسف: والذى رأى عمر رضى الله عنه من

٩٤
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عند ما عرفه الله ما كان فى كتابه من بيان ذلك توفيقًا
من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك
وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس فى الأعطيات
والأرزاق لم تشحن الثغور، ولم تفوا الجيوش على السير فى الجهاد. ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى
مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة والله أعلم بالخير حيث كان اهـ (ص ٣٢).
وقال الطحاوى: "حدثنا عبد الله بن محمد بن سعید بن أبی مريم ثنا نعيم بن حماد ثنا
محمد بن حميد عن عمرو بن قيس السكونى عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ((قال: لما
فتح عمرو بن العاص أرض مصر جمع من كان معه من أصحاب رسول الله مرّ له واستشارهم فى
قسمة أرضها بين من شهدها كما قسم بينهم غنائمهم، وكما قسم رسول الله معد له خيير بين من
شهدها أو يوقفها حتى راجع فى ذلك رأى أمير المؤمنين، فقال نفر منهم فيهم الزبير بن العوام: والله
ما ذاك إليك ولا إلى عمر إنما هى أرض فتح الله علينا، وأوجفنا عليها خيلنا ورجالنا، وحوينا ما
فيها، فما قسمتها بأحق من قسمة أموالها. وقال نفر منهم: لانقسمها حتى نراجع رأى أمير المؤمنين
فيها، فاتفق رأيهم على أن يكتبوا إلى عمر فى ذلك ويخبروه فى كتابهم إليه بمقالتهم فكتب إليهم
عمر: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد! فقد وصل إلى ما كان من إجماعكم على أن تغتصبوا عطايا
المسلمين ومؤن من يغزوا أهل العدو وأهل الكفر. وإنى إن قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم من
المسلمين مادة يقوون به على عدوكم، ولو لا ما أحمل عليه فى سبيل الله وأدفع عن المسلمين من
مؤنهم وأجرى على ضعفائهم وأهل الديوان منهم لقسمتها بينكم، فأوقفوها فيئًا على من بقى من
المسلمين حتى ينقرض آخر عصابة تغزوا من المؤمنين والسلام عليكم (٢: ١٤٦). رجاله كلهم
ثقات غير عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبى مريم شيخ الطحاوى فقال فيه ابن عدى حدث من
الفريابى بالبواطيل، قال ابن عدى: إما أن يكون مغفلا، أو متعمدا فإنى رأيت له مناكير، كذا فى
"اللسان" (٣٣٧:٣) قلت: وهذا ليس من حديثه عن الفريابى ولا هو منكر، فإن له شواهد،
والحكم فى مثله أن يعتبر به، والله تعالى أعلم.
قال الطحاوى: ففى هذا الحديث ما قد دل فى حكم الأرضيز المفتتحة على ما ذكرنا، وإن
حكمها خلاف حكم ما سواها من سائر الأموال المغنومة من العدو، (وفيه دلالة على أن الحديث مما
يحتج به عند الطحاوى، واحتجاج مثله بحديث حجة عندنا، مولف) فإن قال قائل: ففى هذا

٩٥
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
ج - ١٢
الحديث ذكر أصحاب رسول الله عَ ◌ّه عن رسول الله عرّ: أنه كان قسم خيبر بين من كان
شهدها! فذلك ينفى أن يكون فيما فعل رسول الله عّ لّل فى خيبر حجة لمن ذهب إلى إيقاف
الأرضين المفتتحة لنوائب المسلمين قيل له: هذا حديث لم يفسر لنا فيه كل الذى كان من رسول
الله عَّ ◌ُلِّه فى خيبر، وقد جاء غيره فذكر حديث سهل بن أبى حثمة المذكور فى المتن بسند صحيح
ثم قال: ففى هذا الحديث ما كان من رسول الله عَّه فى خيبر، وأنه أوقف نصفها لنوائبه وحاجته
وقسم نصفها بين من شهدها من المسلمين، وفيما بيننا من ذلك تقوية لما ذهب إليه أبو حنيفة
وسفيان فى إيقاف الأرضين، وترك قسمتها إذا رأى الإمام ذلك اهـ ملخصا من "شرح معانى
الآثار" (١٤٦:٢).
قوله عن عمر بن عبد العزیز إلخ قلت: وفیه ابن عدی بن عدی الکندی شیخ عیسی ابن
يونس مجهول من السادسة، وقد عرف فى أصول الحديث أن المجهول فى القرون الثلاثة مقبول
عندنا، وكذا عند ابن حبان إذا كان الراوى عنه وشيخه ثقتين. ولم يكن ما رواه منكرا، وههنا
كذلك كما لا يخفى، وأما أن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب منقطع فنعم ولكنه من أهل
بيته وأعرف الناس بقضاياه وهديه وسيرته وممن عده العلماء من الخلفاء الراشدين ولقبوه بخامس
الخلفاء فإرساله وإسناده سواء، بل وإرساله أولى وأوثق من إرسال إبراهيم النخعى والشعبى ومالك
والشافعى ونحوهم. وأيضا فإن أبا داود قد سكت عن هذا الأثر فى سننه لم يعله بشىء وسكوته
عن شىء فى سننه حجة، كما ذكرناه فى "المقدمة"، وسيأتى فى باب الخمس أن الطحاوى أخرج
كتاب عمر بن عبد العزيز هذا مفصلا، بسند رجاله ثقات، وعلق البخارى بعضه، فهو صالح
للاحتجاج به حتما، هذا ودلالته على عدم وجوب الخمس فى الفىء والجزية ظاهرة، وهو المذهب،
وقد عرفت أن الأراضى المفتتحة عنوة من الفىء عندنا فلا خمس فيها، ولا يجب قسمتها. قال
يحيى بن آدم فى "الخراج" له: قال بعض الفقهاء: الأرض لا تخمس، لأنها فىء وليست بغنيمة
لأن الغنيمة لا توقف والأرض إن شاء الإمام وقفها، وإن شاء قسمها كما يقسم الفیء فليس فى
الفىء خمس، ولكنه لجميع المسلمين كما قال الله عز وجل ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل
القرى﴾ -حتى قال- و﴿للفقراء المهاجرين﴾ -ثم قال- ﴿والذين تبؤوا الدار والإيمان﴾ -ثم قال-
﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾، فلم يبق أحد من المسلمين إلا دخل فى ذلك فإن خمسها فقد
صارت غنيمة فيقسم أربعة أخماسها بين من حضرها اهـ (ص ١٩-١٢). أى فلا يكون فيئا

٩٦
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
للمسلمين كلهم قلت: ولم يذكر أحد أن رسول الله عَّ ◌ُل خمس خيبر، غير الزهرى عند يحيى
ابن آدم فى الخراج له (ص: ٢٠) وعند أبى داود (١٢٢:٣ مع "العون"). والصحيح الثابت فى
السنن والمستدرك، أنه معّ قسم نصفها بين المسلمين وحبس نصفها للنوائب نعم! كان يأخذ
الخمس من تمر النصف فيطعم منها أهله، وأما أنه خمس الأرض وقسمها بين أهل الخمس فلا!
ومرسل الزهرى لا يقادم الآثار الصحيحة المتصلة الإسناد فافهم! وفى "الجوهر النقى": قال
الشافعى: الغنيمة والفىء يجتمعان فى أن فيهما معا الخمس. قلت: ذكر النووى أن جماعة العلماء
سوی الشافعی قالوا:
لا خمس فی الفیء:
وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قبل الشافعى قال بالخمس فى الفىء وقال أبو عمر فى
"التمهيد": وهو قول ضعيف لا وجه له من جهة النظر الصحيح ولا الأثر. وفى "المعالم"
للخطابى: كان رأى عمر فى الفىء أن لا يخمس لكن يكون لجماعة المسلمين لمصالحهم. وإليه
ذهب عامة أهل الفتوى غير الشافعى، فإنه كان يرى أن يخمس فيكون أربعة أخماسه للمصالح
وخمسه على خمسة أقسام كخمس الغنيمة، إلا أن عمر أعلم بالمراد بالآية. وقد تابعه عامة
العلماء ولم يتابع الشافعى على ما قاله.
المصير إلى قول الصحابى:
وهو الإمام العدل المأمور بالاقتداء به فى قوله معَ ◌ّه: ((اقتدوا بالذين من بعدى "أبو بكر
وعمر " أولى وأصوب وفى "قواعد بن رشد" قال قوم: الفىء يصرف لجميع المسلمين - الفقير
والغنى- ويعطى الإمام منه المقاتلة، والولاة والحكام، وينفق منه فى النوائب التى تنوب المسلمين
كبناء القناطر وإصلاح المساجد ولا خمس فى شىء منه. وبه قال الجمهور وهو الثابت عن أبى بكر
وعمر رضى الله عنهما وأحسب أن قوما قالوا: الفىء غير مخمس ولكن يقسم على الأصناف
الخمسة الذين يقسم عليهم الخمس (وممن ذهب إلى ذلك الطحاوى منا كما سيأتى) ولم يقل أحد
بتخميس الفىء قبل الشافعى، وإنما حمله على ذلك أنه رأى الفىء قسم فى الآية على عدد
الأصناف الذين قسم عليهم فاعتقد أن فيه الخمس لأنه ظن أن هذه القسمة مختصة بالخمس،
وليس ذلك بظاهر، بل الظاهر أن هذه القسمة تخص جميع الفىء لا جزء منه، وهو الذى ذهب
إليه فيما أحسب قوم.

٩٧
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
ج - ١٢
وفى "التجريد" للقدورى ما ملخصه: قال أصحابنا: الفىء: كل مال وصل إلينا من
المشركين بلا قتال كالأراضى التى أجلوا عنها، وهو والخراج والعشر والجزية تصرف إلى مصالح
المسلمين. وقال الشافعى: أربعة أخماسه للنبى عرّ له وخمسه يقسم كما يقسم خمس الغنيمة. لنا
قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ الآية ثم قال: ﴿للفقراء المهاجرين﴾، ثم قال: ﴿والذين تبؤوا
الدار والإيمان من قبلهم﴾ يعنى الأنصار ثم قال: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ فدل على أن لجميع
المسلمين حقا فى الفىء ولو قسم على ما قال لم يبق لمن بعد المهاجرين والأنصار فيه شىء، وأيضا
فلو ملك عليه السلام أربعة أخماسه وخمس خمسة جاز أن يملكه لمن شاء فيصير دولة بين الأغنياء،
وهذا خلاف الآية وقوله عليه السلام: ((ما لى فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود
عليكم)) ينفى أن يكون له ◌َّ أربعة أخماسه (والحديث رواه أبو داود والنسائى عن عمرو بن
عبسة وأحمد عن عبادة بن الصامت والثلاثة كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
((أنه معَّ ◌ُّ صلى بهم فى غزوتهم، فى حديث عمرو بن شعيب فى قصة هوازنة ((إلى بعير من المغنم،
فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: إن هذا من غنائمكم، ولا يحل لى من غنائمكم مثل
هذا إلا الخمس مردود فيكم)) وفى حديث عبادة: وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم إلا الخمس
والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر)) وفى حديث عمر وعن أبيه عن
جده: ((فأخذ وبرة من سنامه ثم قال: يا أيها الناس إنه ليس لى من هذا الفىء شىء، ولا هذه إلا
الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط)) كذا فى "نيل الأوطار": وقال فى الأول:
رجال إسناده ثقات، وفى الأخرين حسنهما الحافظ فى "الفتح" (٧: ١٦٠). قال القدورى: "فإن
قيل: فهو يدل على أن له مَّه فيه (أى فى الفىء) الخمس. قلنا: ذكر الطحاوى فى "مختصره" أن
الفىء يقسم كخمس الغنيمة فعلى هذا قلنا بظاهر الخبر (وهذا على التنزل) وإلا فلا دلالة فى
الحديث على تخميس الفىء لكونه واردا فى قصة هوازن فى بعير من المغنم، فالمراد من الخمس إنما
هو خمس الغنيمة وقد أطلق عليها لفظ الفىء فى حديث عمرو عن أبيه عن جده توسعا وهو من
"تصرفات الرواة، كما لا يخفى.
لا خمس فى الجزية:
قال القدورى: ودلت سنته عليه السلام وسنة الخلفاء بعده على أن الجزية توضع فى بيت
المال، ولا تخمس. واتفق العلماء على ذلك فمن قال بتخميسها ابتدع وخالف السنة والإجماع.
1

٩٨
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
وإذا ثبت ذلك فى الجزية وهى مال وصل إلينا منهم بلا قتال، فكذا الفىء انتهى كلام القدورى:
قال صاحب الجوهر النقى: وما ذكره الطحاوى فى قسمة الفىء حكاه مكى فى "الناسخ
والمنسوخ" عن الثورى ثم ذكر البيهقى فى هذا الباب عن قرة ((أنه عليه السلام بعث إياه إلى رجل
عرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله (واستدل به على تخميس الفىء لكون مال الرجل
مأخوذا منه بلا قتال) قلت: فى سنده خالد بن أبى كريمة وفيه ضعف وقد أخرج ابن ماجة هذا
الحديث فى "سننه" عن قرة ((قال: بعثنى النبى معَّه إلى رجل تزوج بامرأة أبيه أن أضرب عنقه
وأصفى ماله)) أى اخذه فلم يذكر التخميس وجعل المبعوث قرة لا أباه. وأخرجه البيهقى فى باب
ميراث المرتد عن البراء بن عازب عن عمه ((قال: بعثنى النبى معَّه إلى رجل نكح امرأة أبيه، أن
أضرب عنقه وآخذ ماله)). وليس فيه أيضا التخميس ثم ذكر البيهقى حديث عمر فى أموال بنى
النضير ((وأنها كانت لرسول الله عَ ◌ّ خالصا دون المؤمنين)) متفق على صحته وذكر عن الشافعى
أن المزاد بذلك ما يكون للموحدين، وذلك أربعة أخماسه قلت: هذا الحديث يدل على أنها
لم تخمس وأن الجميع كان لرسول الله عَّه وهو يشهد لمذهب الجمهور أنه لا خمس فى الفىء
كذا ذكر النووى وغيره. وقول الشافعى المراد أربعة أخماسه يرده الظاهر. قال القدورى فى
التجريد: "قوله: كانت لرسول الله عَّ خالصا أى له التصرف فيها بخلاف الغنيمة التى تقسم
فيتصرف فيها أهلها كيف شاءوا، فحملنا الخبر على وجه صحيح وجعلنا الآية على ظاهرها يعنى
قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ الآية وهم تركوا ظاهرهما اهـ (٥٧:٢ و٥٨) ملخصا.
وقال الرافعى فى "الشرح الكبير": الفىء مال يقسم خمسة أسهم متساوية، ثم يؤخذ سهم
فيقسم خمسة أسهم متساوية، فتكون القسمة من خمسة وعشرين سهما. هكذا كان يقسم
لرسول الله عَ لّه ثم قال: كانت " بعد أخماس الفىء لرسول الله عَ ليه مضمومة إلى خمس الخمس،
فجملة ما كان له أحد وعشرون سهما من خمسة وعشرين سهما، وكان يصرف الأخماس الأربعة
إلى المصالح. ثم قال فى موضع آخر: وكان ينفق من سهمه على نفسه وأهله ومصالحه وما فضل
جعله فى السلاح عدة فى سبيل الله، وفى سائر المصالح. قال: ولم يكن رسول الله عَ ليه يملكه،
ولا ينتقل منه إلى غيره إرثا، بل وما يملكه الأنبياء لا يورث عنهم، كما اشتهر فى الخبر.
قال الحافظ فى "التلخيص الحبير": أما مصرف أربعة أخماس الفىء، فبوب عليه البيهقى،
واستنبطه من حديث مالك بن أوس عن عمر، وورد ما يخالفه، ففى "الأوسط للطبرانى" وتفسير

ج - ١٢
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
٩٩
ابن مردويه" من حديث ابن عباس" قال: كان رسول الله عّ لّه إذا بعث سرية قسم خمس الغنيمة
فضرب ذلك الخمس فى خمسة ثم قرأ ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء﴾ الآية فجعل سهم الله
ورسوله واحدا وسهم ذوى القربى هو والذى قبله فى الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى وسهم
المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم، ثم جعل الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهمان ولراكبه
سهم وللراجل سهم. وروى أيضا أبو عبيد فى "الأموال" نحوه (٢٧١:٢). وذكر الحديث
الشوكانى أيضا فى "النيل" (١٦٠:٧).
قلت: وحديث مالك بن أوس الذى احتج به البيهقى متفق على صحته، كما تقدم،
ولا يجوز معارضته إلا بحدیث صحیح مثله، فصنیع الحافظ يدل على صحة حديث ابن عباس هذا
عنده وفيه دلالة على أن أربعة أخماس الغنيمة (والفىء مثلها عند الشافعى) لم تكن لرسول الله عَ ليه
بل للغانمين، وإنما كان لرسول الله عّ لّه الخمس وكان يجعل سهمه وسهم ذوى القربى منه فى الخيل
والسلاح. فدل على أن سهمه عَّ وسهم ذوى قرباه لم يكن لهم ملكا، بل بقدر الحاجة
فما فضل عنها رده إلى مصالح المسلمين ولو كان لهم من حيث الملك لم يجعل سهم ذوى القربى
فى الخيل والسلاح بل أعطاهم ولو كانوا أغنياء فافهم، وسيأتى بسط الكلام فى المسألة فى باب
الخمس، إن شاء الله تعالى.
وفى "الهداية" و"البناية"، و "فتح القدير" من كتب الأئمة الحنفية: وما أوجف المسلمون
عليه من أموال أهل الحرب بغير قتال يصرف فى مصالح المسلمين، كما يصرف الخراج والجزية
قالوا: وما أوجف المسلمون عليه هو مثل الأراضى التى أجلوا أهلها عنها ومثل الجزية ولا خمس فى
ذلك. ومذهب الشافعى أن كل مال أخذ من الكفار بلا قتال عن خوف، أو أخذ منهم للكف عنهم
يخمس، وما أخذ من غير خوف كالجزية وعشر التجارة ومال من مات ولا وارث له ففى القديم
لا يخمس، وهو قول مالك وفى الجديد يخمس، ولأحمد فى الفىء روايتان: الظاهر منهما
لا يخمس، ثم هذا الخمس يصرف عند الشافعى إلى ما يصرف إليه خمس الغنيمة عنده وذكروا أن
قوله فى الجزية مخالف للإجماع قال الكرخى: "ما قال به أحد قبله ولا بعده ولا فى عصره". قال
ابن الهمام: واستدل صاحب الهداية بعمله عّ لّه، فإنه أخذ الجزية من مجوس هجر ونصارى نجران
وفرض الجزية على أهل اليمن على كل حالم دينارا ولم ينقل قط من ذلك أنه خمسة بل كان بين
جماعة المسلمين ولو كان لنقل ولو بطريق ضعيف على ما قضت به العادة، ومخالفة ما قضت به

١٠٠
ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة
إعلاء السنن
العادة باطلة فوقوعه باطل. وقد ورد فيه خلافه وإن كان فيه ضعف، ثم أورد رواية عمر بن عبد
العزيز هذه انتهى (٢٧٣:٥).
قلت: وليذكر الناظر ما أسلفناه مما يتعلق بهذا الأثر إسنادا ومتنا، وقد أخرج الطحاوى فى
"معانى الآثار" له (١٧٢:٢) نسخة طويلة لكتاب عمر بن عبد العزيز بطريق مالك بن أنس عن
عمه أبى سهل بن مالك وفيها تقوية لما رواه أبو داود عنه فى نفى الخمس عن الفىء والجزية وفى
سندها داود بن سعيد بن أبى الزبير لم أجد من ترجمه ولكن الأثرين إذا ضم أحدهما بالآخر
حصلت قوة وصلحا للاحتجاج بهما، والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": "ظاهر المذهب -أى مذهب أحمد- أن الفىء لا يخمس نقلها أبو
طالب فقال: إنما تخمس الغنيمة، وعنه یخمس، کما تخمس الغنيمة اختارها الخرقى، وهو قول
الشافعى لقول الله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾، فظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء وهم أهل الخمس، وجاءت
الأخبار دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه عن عمر رضى الله عنه مستدلا بالآيات التى بعدها
فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض وفى إيجاب الخمس فيه جمع بينهما
وتوفيق، فإن خمسه لمن سمى فى الآية. وسائره يصرف إلى ما ذكر فى الآيتين الأخيرتين والأخبار.
والرواية الأولى هى المشهورة قال القاضى: لم أجد بما قال الخرقى: من أن الفىء مخموس نصا
فأحكمه، وإنما نص على أنه غير مخموس. وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر: "لا نحفظ عن
أحد قبل الشافعى فى أن فى الفيئ خمسا كخمس الغنيمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وما
أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ الآيات -إلى قوله- ﴿والذين
جاؤوا من بعدهم﴾ فجعله كله لهم ولم يذكر خمسا، ولما قرأ عمر هذه الآية قال: هذه استوعبت
جمیع المسلمین اه ملخصا ( ٥٤٩:١٠ و ٥٥٠).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: لا تخلوا الأرض المفتتحة عنوة من أن تكون
للغانمين، لا يجوز للإمام صرفها عنهم بحال إلا بطيبة من أنفسهم، أو أن يكون الإمام مخيرا بين
إقرار أهلها على أملاكهم فيها، ووضع الخراج على رقاب أهلها على ما فعله عمر رضى الله عنه فى
أرض السواد. فلما اتفق الجميع من الصحابة على تصويب عمر فيما فعله بعد خلاف من بعضهم
عليه. دل ذلك على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين ولا رقاب أهلها إلا بأن يختار الإمام