Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ج - ١٢ من یصح أمانه. -البخارى- عن هذا الحديث، فقال: "هو حديث صحيح. ٣٨٣٣- عن أم هانئ بنت أبى طالب، قلت: يا رسول الله! زعم ابن أمى على بن أبى طالب أنه قاتل رجلا أجرته فلان بن هبيرة، فقال رسول الله مَ له: ((قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانىء». رواه مسلم ، وهو قطعة من حديث طويل. ٣٨٣٤- حدثنا معمر عن عاصم بن سليمان عن فضيل بن يزيد الرقاشى قال: شهدت قرية من قرى فارس يقال لها " شاهرتا" فحاصرناها شهرًا حتى إذا كنا ذات يوم والسلام: ((المسلمون تتكافأ دماءهم) ولا حساسة مع الإسلام، والثانى لا يتناول المحجور لأنه لا يكون فى صف القتال فلا يكون أقرب إلى الكفرة، وأيضا فإن المراد بالأدنى الأقل عددا، وهو الواحد وهو احتراز عن اشتراط الجماعة فى الأمان، فالمعنى أن أمان الواحد من المسلمين جائز لا يشترط له الجماعة. وعلى هذا فالحديث ساكت عن أمان العبد بل المتبادر منه الواحد الحر، لأن المطلق إذا أطلق يراد به الفرد الكامل، وأيضا فلما كان الأمان فى معنى القتال فلا يصلح له إلا من كان من أهل القتال بالمسابقة، والعبد المحجور بمعزل عن ذلك، وأما المرأة فهى أهل له وإنما منعت عن القتال لعارض ظهور العورة، واستدلال الكفرة بقتالهن على ضعف المسلمين، فإذا حضرت القتال زال العارض وظهر حكم الأهلية فافهم. قوله: حدثنا معمر إلخ قلت: استدل محمد والشافعى بظاهره على صحة أمان العبد المحجور، وهو محمول عند أبى حنيفة وأبى يوسف على أن هذا العبد الذى كتب لأهل الحصن كتاب الأمان فى سهمه كان مأذونا له فى القتال وهو الظاهر، فإن المحجور لا يحضر القتال غالبا. ولا يجترأ على تأمين أهل الحصن فافهم، ولو تأمل الخصم فى القضية حق التأمل يقضى بأن أثر الرقاشى حجة لأبى حنيفة لا عليه، فقد قالوا - أى الصحابة، ومن معهم من المسلمين: إن هذا عبد والعبد لا يقدر على شىء، وإنما أجاز عمر بن الخطاب أمان هذا العبد لقول أهل الحصن: "لا ندرى عبدكم من حركم"، -أى - ولم يعرفوا منه غير أنه رجل من المسلمين فقال عمر: صدقوا فى قولهم هذا، فإن العبد إذا حضر القتال ورمى كتاب الأمان بالسهم لم يعرف العدو كونه حرا أو عبدا، وإنما يعرف أنه رجل من المسلمين فأمانه أمانهم، والله تعالى أعلم بالصواب. وفى مسألة الباب. تفصيل فقهى مذكور فى "الهداية"، فليراجع. ولو آمن الصبى وهو لا يعقل، لا يصح كالمجنون، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف، وإن كان مأذونا له فى القتال فالأصح أنه ٤٢ من يصح أمانه إعلاء السنن وطمعنا أن نصبحهم، انصرفنا عنهم عند المقيل فتخلف عبد منا فاستأمنوه، فكتب إليهم فى سهم أمانا، ثم رمى به إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا فى ثيابهم ووضعوا أسلحتهم، فقلنا: ما شأنكم؟ فقالوا: آمنتمونا وأخرجوا إلينا السهم فيه كتاب أمانهم. فقلنا: هذا عبد والعبد لا يقدر على شىء. قالوا: لا ندرى عبدكم من حركم، وقد خرجنا بأمان، فكتبنا إلى عمر، فكتب عمر ((أن العبد المسلم من المسلمين وأمانه أمانهم)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" قال فى "التنقيح": وفضيل بن يزيد الرقاشى وثقه ابن معین. ٣٨٣٥- قال: وقد روى البيهقى بإسناد ضعيف عن على مرفوعًا: ((ليس للعبد من الغنيمة شىء إلا خرثى المتاع، وأمانه جائز وأمان المرأة جائز إذا هى أعطت القوم الأمان))، انتهى (زيلعى ١٢٣:٢-١٢٤). يصح بالاتفاق كذا فى "الهداية" (٥٤٥:٢). وفى "الجوهر النقى" فى شرح حديث ((المسلمون تتكافأ دماءهم، وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) - ما نصه: قلت: العبد لم يدخل فى الحديث، لأن دمه لا يكافئ دم الحر ولا ديته ديته. فإن قيل: المرأة تدخل وإن لم تكافئ ديتها دية الرجل. قلنا: دمها یکافئ دمه و دیتها تكافئ دية النساء، ودية العبد لا تكافئ دية غيره من العبيد لاختلاف قيمهم. ويدل على أن العبد لم يدخل فى الحديث قوله: "وهم يد على من سواهم" إذ العبد لا يد له على غيره، وإنما اليد للأحرار، فإذن المراد بالأحرار أعم من الموالى، ومن لا عشيرة له ردا على الجاهلية، لأنهم كانوا لا يعتدون بإجازة من لا عشيرة له أهـ (٢٠٢:٢)، قلت: وقد ذكر أصحاب المغازى فى وقعة جنديسابور "أن أهل الحصن لما خرجوا إلى المسلمين بأمان العبد وكتبوا قصتهم إلى عمر أجابهم بأن الله عظم الوفاء فلا تكونون أوفيا حتى تفوا ما دمتم فى شك، أجيزوهم وفوا لهم، فوفوا لهم وانصرفوا عنهم)). "كذا فى "تاريخ الطبرى" (٢٢١:٤)، وعلى هذا فلا دلالة فى هذه القصة على جواز أمان العبد ووجوب العمل به بل غاية ما فيه أن عمر رضى الله عنه إنما أجاز أمانه احتياطا، لكون العدو لا يعلم عبدنا من حرنا و کان فى إبطاله مفسدة فأجازه، ولا خلاف فى استحسان ذلك والحال هذه، وإنما الكلام فى صحة أمان المحجور ووجوب العمل بأمانه، ولا دلالة لأثر عمر على ذلك، فافهم، والله تعالى أعلم. ٤٣ ج - ١٢ قلت: رجاله رجال الجماعة غير فضيل بن يزيد، وقد وثق. وفى "التلخيص الحبير" (٣٧٧:٢): حديث فضیل الرقاشی قال: جهز عمر جيشا كنت فيهم فحضرنا قرية "رامهرمز" فكتب عبد أمانا فى صحيفة شدها مع سهم رمى به إلى اليهود، فخرجوا بأمانه، فكتب إلى عمر فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين، ذمته ذمتهم. البيهقى بسند صحيح إلى فضيل قال: كنا نصاف العدو قال: فكتب عبد فى سهم له أمانه، فذ کر نحوه. باب ما جاء فى الوفاء بالأمان ولو هازلا أو مخطئا أو بإشارة ٣٨٣٦ - مالك عن رجل من أهل الكوفة أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش كان بعثه: "إنه بلغنى أن رجالا منكم يطلبون العلج(١) حتى إذا أسند فى الجبل وامتنع قال رجل: مترس يقول: لا تخف، فإذا أدر كه قتله، وإنى والذى نفسى بيده لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه". أخرجه مالك فى "الموطأ" (١٦٨)، وفيه من لم يسم، ولكن قد عرف أن مالكا لا يروى إلا عن ثقة، فالأثر حسن الإسناد. باب ما جاء فى الوفاء بالأمان ولو هازلا أو مخطئا أو بإشارة قوله: مالك عن رجل إلخ. فيه دلالة على وجوب الإيفاء بالأمان بقوله: مترس، فإن معناه: لا تخف وإزالة الخوف أمان فلا يجوز القتل بعد ذلك، ولو كان المسلم قاله هازلا أو لاعبا. وقد روى أصحاب المغازى أن عمر رضى الله عنه كتب إلى سعد بن أبى وقاص إنى ألقى فى روعى أنكم إذا لقيتم العدو وهزمتموهم فمتى لاعب أحد منكم أحدا من العجم، بأمان أو بلسان كان عندهم أمانا فأجروا ذلك مجرى الأمان والوفاء، فإن الخطأ بالوفاء بقية وإن الخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم، كذا فى "إشاعة الإسلام" (ص ١٨٩). وفى "شرح السير الكبير": مبنى الأمان على التوسع، حتى يثبت بالمحتمل من الكلام فكذلك يثبت بالمحتمل من الإشارة اهـ (١٧٦:١). قلت: وفى أثر عمر برواية مالك دلالة على جواز قتل المسلم بالمستأمن وبالمعاهد، وسيأتى تحقيقه فى باب القصاص والدية. (١) بالكسر الرجل من كفار العجم. ٤٤ ما جاء فى الوفاء بالأمان ولو هازلا أو مخطئا أو پإشارة إعلاء السنن ٣٨٣٧- عن أنس بن مالك قال: "حاصرنا "تستر" فنزل الهرمزان على حكم عمر، فقدمت به على عمر، فقال له: تكلم! فقال: كلام حى أم كلام ميت؟ قال: تكلم! لا بأس. فتكلم فلما أحسست أنه يقتله، قلت: ليس إلى قتله سبيل، قد قلت له: "تكلم لا بأس" فقال عمر: ارتشيت وأصبت منه، فقلت: والله ما ارتشيت وأصبت منه، فقال: لتأتين على ما شهدت به بغيرك أو لأبدأن بعقوبتك، فخرجت، فلقيت الزبير بن العوام فشهد معى، وأمسك عمر وأسلم الهرمزان وفرض له". رواه الإمام الشافعى والبيهقى (كنز العمال ٢٩٨:٢)، وسنحقق إسناده فى الحاشية، وهو سند صحيح. قوله: عن أنس إلخ قلت: رواه الإمام الشافعى عن الثقفى عن حميد عن أنس. والثقفى هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى من رجال الجماعة "ثقة" تغير قبل موته بثلاث سنين مات سنة أربع وتسعين (بعد المائة) كذا فى "التقريب" (ص ١٣٤). ولكن رواية الشافعى عنه قبل تغيره، وحميد هو -الطويل- من رجال الجماعة، ثقة مدلس كثير التدليس عن أنس حتى قيل: إن معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتادة، وقد وقع تصريحه عن أنس بالسماع، وبالتحديث فى أحاديث كثيرة فى البخارى وغيره، كذا فى "طبقات المدلسين" (ص ١٢). قلت: ولما عرف أن الواسطة بينهما ثقة فلا بأس بتدليسه، ويحتمل أن يكون سمع منهما أولا ثم سمع من أنس. وبالجملة فهو ممن احتمل تدليسه لإمامته. وقصة إسلام الهرمزان ذكرها ابن الأثير فى "الكامل"، بأنه لما أتى به عمر قال له: يا هرمزان! كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر! إنا وإياكم فى الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم فلما كان (١) الآن معكم علبتمونا. قال له: ما حجتك وما عذرك فى انتقاضك مرة بعد أخرى؟ فقال: إنى أخاف أن تقتلنى قبل أن أخبرك قال: لا تخف ذلك! واستسقى ماء، فأتى به فى قدح غليظ، فقال: لومت عطشا لم أستطع أن أشرب فى مثل هذا، فأتى به إناء يرضاه، فقال: إنى أخاف أن أقتل وأنا أشرب فقال: عمر لا بأس عليك حتى تشربه! فاكفاه فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش، فقال: لا حاجة لى فى الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إنى قاتلك فقال: قد آمنتنى. فقال: كذبت قال أنس: صدق يا أمير (١) هذا حقيق بأن يكتب بماء الذهب، فوالله ما غلب المسلمون على عدوهم، إلا بأن كان الله معهم حين أطاعوه وعبدوه حنفاء مخلصین له الدین. ج - ١٢ ما جاء فى الوفاء بالأمان ولو هازلا أو مخطئا أو بإشارة ٤٥ ٣٨٣٨- عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، قال: كتب عمر بن الخطاب "أيما رجل دعا رجلا من المشركين وأشار إلى السماء فقد آمنه الله، فإنما نزل بعهد الله وميثاقه". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (كنز العمال ٢٩٨:٢). المؤمنين! قد أمنته. قال عمر: يا أنس! أنا أو من قاتل مجزأة بن ثور، والبراء بن مالك. والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرنى، (أى ولم يخبرك بشىء ولا يخبرك أبدا فهو آمن حتى يخبر به). ولا بأس عليك حتى تشربه (وقد أكفأ الإناء بما فيه، ولا يستطيع أن يشربه فهو آمن أبدا). وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتنى والله! لا أنخدع إلا لمسلم. فأسلم، ففرض له فى ألفين اهـ (٢: ٢٧٠) وذكره محمد فى "السير الكبير" بنحو هذا وفيه: فقال عمر رضى الله عنه: قاتله الله أخذ الأمان ولم أفطن به، فهذا دليل على التوسع فى الأمان اهـ (١٧٦:١). ودلالة الأثر على أن الأمان يستوى فيه الخطأ والعمد، ويجب الإيفاء به فى كل حال ظاهرة، ولا يجوز قتل المستأمن كذلك إلا بعد النبذ إليه على سواء، وإنما يتحقق منه طرح الأمان بإعلامهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه قبل الأمان، كذا فى "شرح السير الكبير" (١٧٧:١). قوله: عن طلحة إلخ. قلت: دلالته على إيفاء الأمان ولو بالإشارة ظاهرة، وفى "المدونة الكبرى " لمالك برواية سحنون قال ابن وهب: عن الحارث بن نبهان عن محمد بن سعيد بن عبادة ابن نسى عن عبد الرحمن بن غن الأشعرى قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب فقرئ علينا كتابه إلى سعيد بن عامر بن حذيم ونحن محاصروا قيسا ية: إن من آمنه منكم حر أو عبد (١) من عدوكم فهو آمن حتى تردوه إلى مأمنه أو يقيم فيكون على الحكم فى الجزية، وإذا آمنه بعض من تستعينون به على عدوكم من أهل الكفر فهو آمن حتى تردوه إلى مأمنه، أو يقيم فيكم، وإن نهيتم أن يؤمن أحد أحدا فجهل أحد منكم أو نسى أو لم يعلم أو عصى فآمن أحدا منهم فليس لكم عليه سبيل من أجل أنكم تهتموه، فردوه إلى مأمنه، إلا أن يقيم فيكم، ولا تحملوا إساءتكم على الناس، فإنما أنتم جند من جنود الله، وإن أشار أحد منكم إلى رجل منهم أن هلم! أنا أقاتلك، فجاء على ذلك ولم يفهم ما قيل له، فليس لكم عليه سبيل، حتى تردوه إلى مأمنه إلا أن يقيم فيكم وإذا أقبل الرجل إلیکم منهم مطمئنا فأخذتموه فليس لكم عليه سبيل إن كنتم علمتم أنه جاء کم متعمدا فإن شککتم (١) المراد به لبعد المقاتل دون المحجور بدليل أن الخطاب للمقاتلين. ٤٦ ما جاء فى الوفاء بالأمان ولو هازلا أو مخطئا أو بإشارة إعلاء السنن فيه وظننتم أنه جاءكم ولم تستيقنوا ذلك فلا تردوه إلى مأمنه واضربوا عليه الجزية، وإن وجدتم فى عسکر کم أحدا لم يعلمكم بنفسه حتى قدرتم علیه فليس له أمان ولا ذمة، فاحكموا عليه بما ترون أفضل للمسلمين اهـ)) (١: ٤٠١). قلت: وبهذا كله نأخذ إلا فى خصلة وهى قوله: ((إذا آمنه بعض من تستعينون به على عدوكم من أهل الكفر)) ففى "شرح السير": فأما أمان الذمى باطل وإن كان يقاتل مع المسلمين بأمرهم، لأنه مائل إليهم للموافقة فى الإعتقاد، فاظاهر أنه لا يقصد بالأمان النظر للمسلمين، ثم هو ليس من أهل نصرة الدين، والاستعانة بهم فى القتال عند الحاجة بمنزلة الاستعانة بالكلاب. وهذا المعنى لا يتحقق فى تصحيح أمانهم بل فى إبطاله اهـ (١٧٢:١). فتأويل أثر عمر رضى الله عنه عندنا أنه محمول على ما إذا لم يعلم العدو الكافر من المسلم، أو علم ولم يعلم أن الكافر ليس من أهل اللأمان فى قانون الإِسلام، أو يقال: إن عمر أجاز أمانه للمصلحة وأمر عسكر الإسلام بإجازة أمانه لأجل ذلك لا لأنه من أهل الأمان فافهم، وفى سند هذا الأثر الحارث بن نبهان ضعيف، ومحمد بن سعيد بن عبادة لم أقف على من ترجمه. ولكن محمدا احتج ببعض أجزاءه فى "السير الكبير"، فالظاهر أنه حسن عنده والله تعالى أعلم. قال فى "شرح السير": ولو أن مسلما من أهل العسكر فى منعتهم أشار إلى مشرك فى حصن أو منعة لهم أن "تعال" أو أشار إلى أهل حصن أن " افتحوا الباب"، أو أشار إلى السماء وظن المشركون أن ذلك أمان ففعلوا ما أمرهم به، وكان هذا الذى صنع معروفا بين المسلمين وبين أهل الحرب من أهل تلك الدار أنهم إذا صنعوا ذلك كان أمانا أو لم يكن معروفا فهو أمان جائز بمنزلة قوله: "قد آمنتكم" (١٩٤:١). واستدل عليه بحديث عمر رضى الله عنه وفيه أيضا: أيما رجل من العدو أشار إليه رجل باصبعه إنك إن جئت قتلتك فجاءه فهو آمن فلا يقتله (١٧٦:١). واستدل عليه بحديث عمر رضى الله عنه أيضا، وفيه أيضاً ولو أن عسكر المسلمين فى دار الحرب وجدوا رجلا فقال حين وجدوه جئت أطلب الأمان فإن لم يكن لهم به علم حتى هجموا عليه فهو فيئ. ولا يصدق فى ذلك لأن الظاهر يكذبه، فإنه كان مختفيا منهم إلى أن هجموا عليه، وإن لم يتعرض له المسلمون بقتل ولا أسر فأقبل إليهم حتى أتاهم فهو آمن، لأن إقباله إليهم دليل المسالمة فهو بمنزلة النداء بالأمان بخلاف الأول، فإقباله بعد قصد المسلمين دليل على أنه قصد رد قصدهم ٤٧ ج - ١٢ باب إذا كان الأمان بشرط فخالفوه جاز لنا قتلهم ٣٨٣٩- عن ابن عمر أن النبى عَّه لما ترك من ترك من أهل خيبر على أن لا يكتموه شيئا من أموالهم، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، قال: فغيبوا مسكا فيه مال وحلى يحيى بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر، فسألهم عنه فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك. قال: فوجد بعد ذلك فى خربة، فقتل رسول الله عَ طَّ ابنى أبى الحقيق وأحدهما زوج صفية. رواه البيهقى بإسناد رجاله ثقات (فتح بالقتال وأما إقباله قبل قصد المسلمين دليل على أنه قصد المسالمة اهـ (١٩٥:١). وهذا هو معنى أثر عمر رضى الله عنه بعينه. باب إذا كان الأمان بشرط فخالفوه جاز لنا قتلهم قوله: عن ابن عمر إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة وفى شرح السير: وإذا آمن المسلمون رجلا على أن يدلهم على كذا وكذا ولا يخونهم، فإن خانهم فهم فى حل من قتله فخرج إليهم من مدينته أو حصنه على ذلك حتى صار فى أيديهم، ثم خانبهم أو لم يدلهم فاستبانت لهم خيانته فقد برئت منه الذمة، وصار الرأى فيه إلى الإمام إن شاء قتله وإن شاء جعله فيئا، لأن تعليق أسباب التحريم بالشرط صحيح كالطلاق والعتاق، فإن انعدم الشرط بقى حل دمه على ما كان، ولأن النبذ بعد الأمان والإعادة إلى مأمنه إنما كان معتبرا للتحرز عن الغدر وبالتصريح بالشرط قد انتفى معنى الغدر، واستدل عليه بقصة خيبر المذكورة فى المتن فقال: وصالحهم على حقن دماءهم، ويخرجون من خيبر وأرضها، ويخلون بين النبى معَ ◌ّ وبين ما كان لهم من مال، وعلى الصفراء والبيضاء والحلقة (أى السلاح)، وعلى البز إلا ثوب على ظهر إنسان، ثم كتم ابن أبى الحقيق آنية من فضة وما لا كثيرا فى مسك الجمل، وهذه كانت أنواعا من الحلى كانوا يعيرونها أهل مكة ربما قدم القادم من قريش ويستعيرها شهرا للعرس يكون فيهم، حتى ذكر أنه ضاع منها شىء بمكة فغرم من ضاع على يده قيمة ذلك عشرة آلاف دينار. فأطلع الله نبيه على ذلك ووجدوها فى خربة، إلى آخر ما ذكره من القصة بتفصيل (١٨٦:١). قلت: وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد والبيهقى وغيره عن عمر أنه صلب يهوديا زنى بامرأة مسلمة، كما فى "كنز العمال" (٢٩٩:٢). فلعل عمر كان قد شرط حين أخذ العهد عليهم أن لا يزنى ذمى بمسلمة، فلما خالفوا الشرط بقى حل دماءهم على ما كان، يدل عليه ما فى "كنز العمال" (٢٩٨:٢) من قول عمر: "إن لهؤلاء عهدا فإذا لم يفوا لكم /٤٨ إعلاء السنن البارى ٣٦٦:٧)، وقد رواه البخارى أيضا فى "صحيحه" مطولا، (نيل الأوطار ٢٥٩:٧). باب إنزال العدو على حكم الله فيه ٣٨٤٠- عن سليمان بن بريدة عن أبيه فى حديث طويل مرفوعًا ((وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون ( بعهدهم فلا عهد لهم فصلبه اهـ". ولا دلالة فيه على أن الزنا بالمسلمة ينقض الذمة مطلقا بل إذا شرطنا عليهم أن لا يرتكبوا ذلك فافهم، وسيأتى بسط الكلام فيه فى بابه. باب إنزال العدو على حكم الله فيه قوله: عن سليمان إلخ. قلت: فيه دلالة على النبى عن الإنزال على حكم الله، فى " شرح ( السير": أنه مرّه إنما كره ذلك لا على التحريم، بل للتحرز عن الإخفاء عند الحاجة إلى ذلك وأن ينقضوا عهدهم فهو أهون من أن ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، وقد أشار إلى ذلك بقوله: ((فإنكم أن تخفروا ذممكم وذم. أصحابكم خير من أن تخفروا ذمة الله تعالى)) أهـ (٣٢:١). وهذا هو قول أبى يوسف قال: يجوز إنزالهم على حكم الله تعالى، والخيار إلى الإمام إن شاء قتل مقاتلتهم وسبی نساءهم وذراريهم، وإن شاء سبى الكل وإن شاء جعلهم ذمة وعند محمد لا يجوز الإنزال على حكم الله تعالى فلا يجوز قتلهم واسترقاقهم ولكنهم يدعون إلى الإسلام فإن أبو جعلوا ذمة، واحتج محمد بما روى عن رسول الله معرّ فليه فى وصايا الأمراء (منها ما ذكرناه فى المتن) قال: نهى رسول الله عَ لّ عن الإنزال على حكم الله تعالى، ونبه عليه الصلاة والسلام على المعنى وهو أن حكم الله تعالى عير علوم فكان الإنزال على حكم الله تعالى من الإمام قضاء بالمجهول، وإنه لا يصح، وإذا لم يصح الإنزال فيدعون إلى الإسلام فإن أجابوا فهم أحرار مسلمون لا سبيل على أنفسهم وأموالهم، وإن أبوا لا يقتلهم الإمام ولا يسترقهم ولكن يجعلهم ذمة، فإن طلبوا من الإمام أن يبلغهم مأمنهم لم يجبهم إليه لأنه لو ردهم إلى مأمنهم لصاروا حربابنا. وجد قول أبى يوسف: : إن الاستنزال على حكم الله تعالى هو الاستنزال على المكان المشروع للمسلمين فى حق الكفرة، والقتل والسبی وعقد الذمة کل ذلك حكم مشروع فى حقهم فجاز الإنزال عليه، قوله: إن ذلك مجهول لا يدرى لمنزل عليه أى حكم هو؟ قلنا: نعم! لكن يمكن الوصول إليه والعلم به لوجود ٤٩ ج - ١٢ إنزال العدو على حكم الله فيه 4 من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا))، رواه أحمد ومسلم والترمذى وصححه (نيل ١٣٣:٧). وقد تقدم أوله فى باب الدعوة قبل القتال. سبب العلم. كما قلنا فى الكفارات: إن الواجب أحد الأشياء الثلاثة، وذلك غير معلوم، ثم لم يمنع ذلك وقوع تعلق التكليف به لوجود سبب العلم به، وهو اختيار المكفر المكلف كذا هذا يدل عليه أنه يجوز الإنزال على حكم العباد بالإجماع، والإنزال على حكم العباد إنزال على حكم الله تعالى حقيقة؛ إذ العبد لا يملك إنشاء الحكم من نفسه، قال الله تعالى: ((ولا يشرك فى حكمه أحدا)) وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ ولكنه يظهر حكم الله عز وجل المشروع فى الحادثة، ولهذا قال رسول الله عّلّه لسعد بن معاذ رضى الله عنه: ((لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)). وأما الحديث (فهو محمول على النهى لا على وجه التحريم، بل للتحرز عن دعوى القضاء بحكم الله فيما لم يعلم حكمه فيه على وجه التعين، وهذا مما لا ينبغى. فإن الإمام إذا اختار لهم واحدا من الأمور المشروعة من القتل أو السبى أو عقد الذمة يحسب الجاهل أن هذا هو حكم الله فى حق الكفرة لا غير، فيكون قد غر الكفرة والجهلة من المسلمين عن دينهم والاحتراز عن الغرور ولو بأدنى شىء أولى وأحرى (وأيضا) فيحتمل أنه أى الحديث مصروف إلى زمان جواز ورود النسخ، وهو حال حياة النبى عليه الصلاة والسلام، لانعدام استقرار الأحكام الشرعية فى حياته لئلا يكون الإنزال على الحكم المنسوخ، عسى لاحتمال النسخ فيما بين ذلك، وقد انعدم هذا المعنى بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. وإذا جاز الإنزال على حكم الله سبحانه عند أبى يوسف فالخيار فيه إلى الإمام، فأيما كان أفضل للمسلمين من القتل والسبى والذمة فعل، لأن كل ذلك حكم الله سبحانه وتعالى المشروع للمسلمين فى حق الكفرة، فإن أسلموا قبل الاختيار فهم أحرار مسلمون لا سبيل لأحد عليهم ولا على أموالهم، والأرض لهم وهى عشرية اهـ من "البدائع" ملخصا (١٠٧:٧ و١٠٨). قلت: وقول محمد عندى أولى وأحوط، وقول أبى يوسف أقيس وأضبط وقد احتج بعض العلماء بقوله ملہ: فإنك لا تدری أ تصیب حكم الله فیہم أم لا؟ علی أن لیس کل مجتهد مصيبا بل الحق عند الله واحد، والحديث لا ينتهض للاستدلال به على ذلك لاحتمال أن يكون منصرفا ٥٠ إعلاء السنن باب إذا استنزل العدو على حكم واحد من المسلمين یقضی بحکمہ فیہم ٣٨٤١- عن أبى سعيد رضى الله عنه ((قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد، فأرسل النبى معٍَّ إلى سعد فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم أو قال: خير كم فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال: نقتل مقاتلتهم، ونسبى ذراريهم)) للشيخين وأبى داود (جمع الفوائد ٥٣:٢). وقد مر ذكر نزول الهرمزان على حكم عمر، فأراد قتله ولكنه استأمنه من حيث لا يشعر ثم أسلم. باب رسول أهل الحرب آمن لا يجوز قتله ٣٨٤٢- عن نعيم بن مسعود الأشجعى قال: سمعت حين قرئ كتاب مسيلمة الكذاب قال للرسولين: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله عد له: ((والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)). رواه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو والمنذرى والحافظ فى "التلخيص" (نيل الأوطار ٢٣٥:٧). " إلى زمان جواز ورود النسخ، كذا فى "النيل" (١٣٥:٧). باب إذا استنزل العدو علی حکم واحد من المسلمین یقضی بحکمه فيهم قوله: عن أبى سعيد إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة. ولو حكم الذى نزل القوم على حکمه بما يخالف حكم الشرع فهو باطل، قال فی "البدائع": ولیس للحاكم ان یحکم بردهم إلى دار الحرب، فإن حكم فهو باطل، لأنه حكم غير مشروع لما بينا لأنهم بالرد يصيرون حرببين لنا اهـ (١٠٨:٧). وإذا بطل حكمه فيهم لا يجوز قتل أهل الحصن إلا بعد النبذ إليهم وإبلاغهم مأمنهم حتى يصيروا كما كانوا من قبل، كما ذكرناه فيما تقدم. والله تعالى أعلم. باب رسول أهل الحرب آمن لا یجوز قتله قوله: عن نعيم إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. وفى "شرح السير" (٣٢٠:١): ولو أن رسول ملك أهل الحرب جاء إلى عسكر المسلمين، فهو آمن حتى يبلغ رسالته بمنزلة مستأمن جاء للتجارة، لأن فى مجيئ كل واحد منهما منفعة للمسلمين، عسى فإن أراد الرجوع فخاف الأمير أن يكونا قد رأيا للمسلمين عورة فيدلان علیه العدو، فلا بأس بأن يحبسهما عنده حتى يأمن من ذلك، لأن فى جسمها نظرا للمسلمين ودفع الفتنة عنهم. وإذا جاز حبس الداعر لدفع فتنة، ٥١ ج - ١٢ رسول أهل الحرب آمن لا يجوز قتله وإن لم يتحقق منه خيانة فلأن يجوز حبس هذين كان أولى اهـ" - إلى أن قال -: لا نعنى بالحبس أن يحبسهما فى السجن، فإن ذلك تعذيب وهما فى أمان منه، بل نعنى به أن يمنعهما من الرجوع ويجعل معهما حراسا يحرسونهما، وإن كان فيه نوع تعذيب فالمقصود دفع ضرر هو أعظم من ذلك، فإن حضر قتال وخاف انفلاتهما فلا بأس بأن يقيدهما للضرورة. فإذا ذهب الخوف حل قيودهما، لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، وإن رجع الإمام إلى دار الإسلام فله أن يذهب بهما معه حتى يبلغ الموضع الذى يأمن فيه ما يخاف منهما، ثم يخلى سبيلهما، فإن سألاه أن يعطيهما مالا يتجهزان به إلى بلادهما فإنه ينبغى أن يعطيهما من النفقة ما يبلغهما إلى مكان الذى أبيا أن يصحبا معه، وإن كانا لا يأمنان اللصوص فينبغى له أن يرسل معهما قوما يبلغو بهما مأمنهما اهـ. ملخصا (٣٢٠:١ و٣٢٢). وفيه دلالة على أن رسول أهل الحرب إنما يأمن من القتل ولا يأمن من الحبس بالحراس إذا كان فى إرجاعه فتنة. فإذا ذهب الخوف نرده إلى مأمنه. هذا إذا كان الرسول يريد الرجوع، وأما إذا أبى هو الرجوع إلى أهله وأراد القيام عندنا، فليس على الإمام إرجاعه إلى ملكه كرها، لأنه بإبائه عن الرجوع إليه لم يبق رسولا له وانتهت رسالته هذا، ولا دلالة فى حديث نعيم بن مسعود إلا على أن الرسل لا تقتل وأما أنها لا تحبس فلا. وفى الإصابة فى ترجمة وبر بن مشهر الحنفى: قال البخارى، وابن السكن وابن حبان: "له صحبة" وأخرج هو وابن أبى عاصم وابن السكن والطبرانى من طريق حاجب بن قدامة عن عيسى بن خيثم عن وبر بن مشهر الحنفى أنه أخبره أن مسيلمة بعثه هو وابن النواحة وابن الشعاف الحنفى حتى قدموا على رسول الله عّ لّه قال وبر: وهما كانا أسن منى فتشهدا ثم شهدا لرسول الله عَّه أنه رسول الله وأن مسيلمة من بعده. قال فأقبل على فقال: بم تشهد يا غلام؟ فقلت: أشهد بما شهدت به، وأكذب بما كذبت به. قال: فإنى أشهد عدد ترب الدهناء أن مسيلمة كذاب. قال وبر: شهدت بما شهدت به، فأمر بهما فأخرجا. وأقام وبر بن مشهر عند رسول الله عَ ◌ّه يتعلم القرآن حتى قبض رسول الله عَ ليه ورجع صاحباه الـ (٣١٣:٦)، وفى "التلخيص الحبير" عن "معرفة الصحابة" لأبى نعيم: أما وبر فأسلم، وأما الآخران فشهدا أنه رسول الله، وأن مسيلمة من بعده. فقال: خذوهما، فأخذا فأخرج بهما إلى البيت فحبسا، فقال رجل: هبهما لى يا رسول الله! ففعل اهـ (٣٧١:٢). ٥٢ رسول أهل الحرب آمن لا يجوز قتله إعلاء السنن ٣٨٤٣- عن أبي رافع مولى رسول الله عَ ◌ّه قال: بعثنى قريش إلى النبى عَ لّ فلما رأيت النبى معَّةٍ وقع فى قلبى الإسلام، فقلت: يا رسول الله! لا أرجع إليهم قال: ((إنى لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان فى قلبك الذى فيه قلت: وسكوت الحافظ عن حديث فى "التلخيص الحبير" حجة كما ذكرناه فى المقدمة فثبت جواز حبس الرسول إذا كان فى تخليته ضرر بالمسلمين . - وفيه أيضا: أن الرسول إذا أراد القيام عندنا لا يجبر على العود إلى دار الحرب، فإن رسول الله عَ ليه لم يجبر وبرا عليه، وأقره على المقام عنده فافهم. قوله: عن أبى رافع إلخ. قلت: ظاهره يفيد عدم جواز حبس الرسول، ولو أبى عن الرجوع إلى أهل الحرب. قال الشوكانى: فيه دليل على أنه يجب الوفاء بالعهد للكفار، لأن الرسالة تقتضى جوابا يصل على يد الرسول فكان ذلك بمنزلة عقد العهد اهـ (٢٣٦:٧). قلت: إذا كان بيننا وبين المرسل عهد وأراد الرسول الرجوع إليه فلا شك فى وجوب الوفاء بالعهد وإرجاع الرسول إليه، وأما إذا لم يكن بيننا وبينه عهد ولم يرد الرسول الرجوع إليه، أو أراد وكان فى إرجاعه ضرر بالمسلمين، فلا كما فى قصة رسل مسيلمة حيث أقر النبى معَ لّه وبر بن مشهر على المقام عنده، وأمر بحبس الإثنين منهم فى البيت (لئلا يطلعا على عورة المسلمين) ولما فى إرجاعه يخاف منه أن يدل العدو على عورتنا ضرر عظيم، ويرجح أهون الضررين على أعظمهما. وأما حديث أبى رافع فكان كما قال أبو داود فى المدة التى شرط لهم رسول الله عّ لّ أن يرد إليهم من جاءه منهم، وإن كان مسلما وأما اليوم فلا يصلح هذا" (عون المعبود ٣٧:٣). وأورد عليه فى "بذل المجهود": "بأن هذا عجيب فقد صرح العلماء وأهل السير أن إسلام أبى رافع كان قبل بدر وقالوا: إنه شهد أحدا وما بعدها، فكيف يمكن أن وقوع هذه القصة فى زمان صلح الحديبية، ولم يتنبه لذلك صاحب "العون" اهـ (٥٦:٤). قلت: أبو رافع مولى رسول الله عَ لّه إثنان، قد نبه على ذلك الحافظ فى"تهذيب التهذيب" (٩٣:١) وصرح بذلك فى الإصابة فذكر أولا أبا رافع القبطى، وإسلامه قبل بدر، ثم ذكر آخر وقال: أبو رافع مولى النبى مرّ آخر غير القبطى، كان عبدا لأبى أحبحة سعيد بن العاص بن أمية، فأعتق كل من بنيه نصيبه منه إلا خالد بن سعيد، فإنه وهب نصيبه للنبى عّ لِّ فأعتقه (فيه دلالة على تجزى العتق وإلا لم تصح الهبة ولا قبولها، وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف) فكان يقول: أنا مولى ج - ١٢ رسول أهل الحرب آمن لا يجوز قتله ٥٣ الآن فارجع))، رواه أحمد وأبو داود وقال: هذا كان فى ذلك الزمان واليوم لا يصلح، ومعناه- والله أعلم -. إنه كان فى المرة التى شرط لهم فيها أن يرده من جاء منهم مسلما، (منتقى ٢٣٥:٧ مع "النيل"). وفى "النيل": أخرجه أيضا النسائى وصححه ابن حبان اهـ. رسول الله صيد، وذكر قصة طويلة (٦٥:٧). فلا يصح ردما قاله أبو داود إلا إذا ثبت أن أبا رافع هذا - هو القبطى - دون آخر غيره. ودون إثباته خرط القتاد. فإن كثيرا من المحدثين لم يفرقوا بينهما وظنوهما واحدا، فذكروا فى ترجمة كل منهما ما يتعلق بالآخر. وأيضا فأبو رافع القبطى كان مولى العباس بن عبد المطلب، كما هو الظاهر من "الإصابة" وغيرها، فإسلامه قبل بدر كان كإسلام العباس مختفيا، كانا يكتمان إسلامهما بمكة. قال الحاكم فى "المستدرك": كان أبو رافع مولى رسول الله عّ لّه للعباس بن عبد المطلب، فلما أسلم العباس وهبه للنبى معٍَّ أسلم قبل بدر، ولكنه كان مقیما بمكة مع العباس اهـ (٥٩٧:٣). وفيه أيضا عن عكرمة عن ابن عباس حدثنى أبو رافع قال: "كنا آل العباس قد دخلنا الإسلام وكنا نستخفى بإسلامنا" الحديث (٣٢٣:٣). ولا شك أن ظهور إسلام العباس كان قبل الفتح بشىء، والظاهر أن أبا رافع لم يهاجر إلى المدينة قبله، بل هاجر حين هاجر العباس وآله، وإلا لكان حرا ولم تصح هبته إياه للنبى عّ لّه لما سيأتى - أن عبد الحربى إذا هاجر قبل مولاه فهو حر، وقال الحافظ فى "الإصابة": والمحفوظ أنه أعتق لما بشر العباس بأن النبى معَّه انتصر على أهل خيبر وذلك فى قصة جرت اهـ (٦٥:٧). قلت: والقصة قصة الحجاج بن علاط أخرجها الطحاوى فى "مشكله" بسند صحيح (٢٤٢:٤). وستأتى فى باب "الحرب خدعة" وفى باب "المسلم إذا دخل دار الحرب كاتما إسلامه، فأخذ ماله من الأموال بها فهو له كله، ولا يخمس". وفيه دلالة على كون أبى رافع مقيما بمكة مع العباس بعد فتح خيبر أيضا. وعلى هذا فيتجه قدومه على النبى معد له فى زمن الصلح رسولا من قريش، وإنما رده النبى معَّه إليهم لأجل الشرط الذى شرطوه عليه، ولكونه مولى عم النبى معَ ◌ّ الذى كان حاميا له وناصرا قبل إظهار إسلامه وبعده، فكان لا يخاف منه على أبى رافع فى دينه، ومعنى قوله: فلما رأيت النبى معَّ ◌ُله وقع فى قلبى الإسلام -أى الهجرة- وحب القيام بالمدينة، أراد بالإسلام الهجرة، لكونها فريضة أو شرطا لقبول الإسلام قبل الفتح، كما سيأتى فى بيان الهجرة إن شاء الله تعالى، ولم يتبين لى بعد أن أبا رافع الذى شهد أحدا وما بعدها ٥٤ إعلاء السنن باب الصلح مع الكفار يا عطاءهم المال أو بقبول ما فيه غضاضة على المسلمين عند الحاجة ما لم يكن فيه انتهاك حرمة من حرمات الله ٣٨٤٤- عن الزهرى "قال: لما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله عَ لّه إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن أبى عوف المزنى - وهما قائدا غطفان- فأعطاهما ثلث تمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجری بينه وبينهما الصلح، ولم تقع الشهادة فلما أراد ذلك، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فيه -فذكر الحديث مفصلا - وفيه: قد علمتم أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فهل ترون أن ندفع إليهم شيئا من تمار المدينة؟ قالوا: يا رسول الله! إن من المشاهد هو أبو رافع مولى العباس أو غيره، ولا تعيين أبى رافع الذى بعثته قريش إلى رسول الله عَّ بريدا، ولا يمكن رد ما قاله أبو داود إلا بعد تعيينه. ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. باب الصلح مع الكفار بإ عطاءهم المال أو بقبول ما فيه غضاضة على المسلمين عند الحاجة ما لم یکن فيه انتهاك حرمة من حرمات الله قوله: عن الزهرى إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة، لكونه مرّ رضى بإعطائهم ثلاث تمار المدينة، ولو لم يكن جائزا لم يرض به أصلا، وإنما امتنع من ذلك لما رأى من عدم الحاجة إليه حيث شاهد من قوة الأنصار وعدم وهنهم، وعدم مخافتهم من تألب العرب واجتماع الأحزاب عليهم والله تعالى أعلم. وفى "شرح السير": ولا بأس بدفع بعض المال على سبيل الدفع عن البعض إذا خاف ذهاب الكل، فأما إذا كان بالمسلمين قوة عليهم، فإنه لا يجوز الموادعة بهذه الصفة، لأن فيها التزام الريبة والتزام الذل، وليس للمؤمن أن يذل نفسه وقد أعزه الله تعالى ثم استدل عليه بقصة الأحزاب فإنه أحصر رسول الله عرّ ضله وأصحابه يومئذ بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرأ منهم الكرب، وبلغ من حالهم ما قال الله تعالى: ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا﴾ ثم أرسل رسول الله مرّلة. إلى عيينة بن حصين فذكر القصة ج - ١٢ حكم الصلح مع الكفار ٥٥ قلت عن وحى فسمع وطاعة، وإن قلت عن رأى فرأيك متبع، كنا لا ندفع إليهم تمرة إلا بشرى أو قرى، ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟ فسر النبى عدّ له بقولهم. أخرجه ابن إسحاق فى المغازى: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا اتهم عن الزهرى، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٨١:٢) وسكت عنه. وعاصم من رجال الجماعة، ثقة، والزهری لا يسأل عنه فهو مرسل قوی. ٣٨٤٥- عن أنس أن قريشا صالحوا النبى معَّ ه فيهم سهيل بن عمرو فذكر الحديث وفيه: فاشترطوا فى ذلك أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ومن جاء منا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله! أ نكتب هذا قال: نعم! إنه من ذهب منا إليهم بطولها (٤:٤) إلى أن قال: ففى هذا الحديث بيان أن عند الضعف لا بأس بهذه الموادعة، فقد رغب فيها رسول الله عَّ عليه وآله وسلم حين أحس بالمسلمين ضعفا، وعند القوة لا يجوز، فإنه لما قالت الأنصار ما قالت علم رسول الله عَ ليه منهم القوة، فشق الصحيفة. وفيه دليل أن فيها معنى الاستغلال، ولأجله كرهت الأنصار دفع بعض الثمار، والاستدلال لا يجوز أن يرضى به المسلمون إلا عند تحقق الضرورة اهـ (٦:٤). قوله: عن أنس إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": واختلف العلماء هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم! على ما دلت عليه قصة أبى جندل وأبى بصير. وقيل: لا! وإن الذى وقع فى القصة منسوخ وإن ناسخه حديث ((أنا برئ من مسلم بين مشركين)) وهو قول الحنفية، وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبى فلا يردان، وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب والله تعالى أعلم (٢٥٤:٥). قلت: ومذهب الحنفية مذكور فى "شرح السير" (٦٤:٤ و٦٥) نحو ما ذكره الحافظ فى "الفتح"، وما فعله رسول الله عَ ليه مخصوص به لكونه مستوثقا بأن الله يجعل فرجا ومخرجا لمن جاءه مسلما ورده إليهم، ولا سبيل لأحد بعد رسول الله عَّ إلى الاستيقان به وفى رده إليهم عرض المسلم للهلاك والقتل والفتنة فى الدين، ولا يجوز لنا ذلك، فافهم. ٥٦ حكم الصلح مع الكفار إعلاء السنن فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا)). رواه مسلم فى "صحيحه"، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٨٢:٢)، و "فتح البارى" (٢٥٣:٥). وقد استدل بعض الجهلاء من أبناء زمانا بواقعة الحديبية على جواز الموادعة مع الكفار والمشركين، بإبطال شعائر الإسلام. والعياذ بالله! قال: فقد كتب رسول الله عَّ له فى كتاب الصلح "بسمك اللهم" مكان "بسم الله الرحمن الرحيم" وكتب "محمد بن عبد الله" مكان"محمد رسول الله" فقد ترك شعائر الإسلام وهو "بسم الله الرحمن الرحيم" و"محمد رسول الله" وكتب ما قاله المشركون. والجواب أن كتاب الصلح يتعلق به حق الفريقين، ويكون عليه شهادتهما وخطوطهما، وينسب إلى كل فريق كل ما يكتب فيه وكان فى كتابه "محمد رسول الله". و"بسم الله الرحمن الرحيم" فى كتاب الصلح وشهادة الفريقين عليه نسبة تصديق رسالته إلى المشركين وليس من شعار الإسلام إجبارهم على تصديق ذلك، فإن كتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" و"محمد رسول الله" إنما يكون من شعار الإسلام إذا كان الكتاب منسوبا إلى المسلمين فقط. وإذا تعلق به حق الفريقين فلا، على أن كون الكتابة من الشعائر محل نظر أيضا. وأما شرط رد من جاء منهم مسلما فلم يكن فيه إبطال شعار الإسلام، إذا تحقق الأمن من قتله وصار الدار دار الصلح والمسالمة، على أن قد سبق أن مثل هذا الشرط لا يجوز لأحد بعده عّ لّه، وكان ذلك مخصوصا به لما قد تقدم فافهم !. وقد بسطت الكلام فى الباب "فى الخير النامى" بالهندية وكيف يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: بأن رسول الله عَّ له صالح المشركين بإبطال شعائر الإسلام وقد قال عب له فى الحديسة حين بركت به ناقته وقالوا: خلأت القصواء: ((ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن ما حابس الفيل)). ثم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم ذلك)) إلخ أخرجه الشيخان، كما فى "النيل" (٢٣٧:٧). وفيه دليل ظاهر أن النبى معَّه لم يرض فى هذا الصلح بانتهاك حرمة فى حرمات الله أصلا. نعم! رضى بما كان فيه غضاضة ما على المسلمين فى الظاهر وغلبتهم فى الباطن. ٥٧ ج - ١٢ باب(١) ما جاء فى الاستعانة بالمشر کین فی الجهاد ٣٨٤٦- عن عائشة رضى الله عنها "قالت: خرج النبى عَّ ◌ُّه قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل كان تذكر منه جرأة ونجدة ففرح به أصحاب رسول الله عد اله حين رأوه فلما أدركه قال: جئت لأتبعك فأصيب معك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا! قال: فارجع فلن أستعين بمشرك)) الحديث. وفيه: فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم! فقال له: فانطلق. رواه أحمد ومسلم (نيل الأوطار ١٢٨:٧). باب ما جاء فى الاستعانة بالمشر كين فى الجهاد قوله: عن عائشة إلخ: قال فى "النيل": وإلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين ذهب جماعة من العلماء، وهو مروى عن الشافعى. وحكى فى "البحر" عن أبى حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه، واستدلوا بإستعانته عدّ يه بناس من . اليهود كما تقدم وباستعانته عَّ بصفوان بن أمية يوم حنين، وبإخباره عَ ◌ّ بأنها ستقع من المسلمين مصالحة الروم ويغزون جميعا عدوا من وراء المسلمين. قال فى "البحر": وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا، (لكونه من أهل الإسلام فى حكم الظاهر من هنا صلى النبى معَ ظّهم على بعض من مات من المنافقين ثم نهى عنه). وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعا وعلى البغاة عندنا، وقد روى عن الشافعى المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين، لأن فى ذلك جعل سبيل للكافر على المسلم وقد قال تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾، وأجيب: بأن السبيل هو اليد، وهى للإمام الذى استعان بالكافر. وشرط بعض أهل العلم أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم فى إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين كما كان عبد الله بن أبى ومن معه من المنافقين، يخرجون مع النبى عَّ للقتال وهم كذلك. ومما يدل على جواز الاستعانة بالمشركين أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله عّ لّ يوم أحد وهو مشرك، فقتل ثلاثة من بنى عبد الدار حملة لواء (١) من ههنا إلى أبواب قسمة الغنائم أبواب متفرقة لا تتعلق بالصلح ولا بالأمان، بل هى مرتبطة بكيفية القتال وما يناسبها، زدناها على ترتيب الهداية ليزداد طالب العلم بها بصيرة فى أبواب السير، وتكون عبرة لمن اعتبر، وحثنا على ذلك بحث محمد عن هذه الأبواب فى السیر الکبیر" له، فليتنبه له. ٥٨ ما جاء فى الاستعانة بالمشركين فى الجهاد إعلاء السنن . ٣٨٤٧- عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي عّ لّه وهو يريد غزوا أنا ورجل من قومى ولم نسلم فقلنا: إنا نستحبى أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم. فقال: أسلمتما؟ فقلنا: لا! فقال: ((إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)) فأسلمنا وشهدنا معه. رواه أحمد والشافعى والبيهقى والطبرانى وأورده الحافظ فى "التلخيص"، وسكت عنه، وفى "مجمع الزوائد": رجال أحمد والطبرانى ثقات اهـ (نيل الأوطار ١٢٥:٧). المشركين حتى قال عّ لّه: ((إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر)) كما ثبت ذلك عند أهل السير (قلت: والحديث فى "الصحيحين" قاله العزيزى (٣٧٣:١). وخرجت خزاعة مع النبى عبّ: على قريش عام الفتح. والحاصل: أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركا مطلقا، لما فى قوله عَّ: (إنا لا نستعين بالمشركين)) من العموم، وكذلك قوله: ((أنا لا أستعين بمشرك)) ولا يصلح مرسل الزهرى لمعارضة ذلك لما تقدم من أن مراسيله ضعيفة(١)، والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف وأما استعانته عَّ ◌ُلِّ بابن أبى فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام، وأما مقاتلة قزمان مع المسلمين فلم يثبت أنه عَِّ أذن بذلك فى ابتداء الأمر، وغاية ما فيه أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين اهـ (١٢٨:٧). قلت: وقد بقی علیه حدیث ذی مخبر، فتأمل. وفى "شرح السير" (١٨٦:٣): ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم، لأن رسول الله عَ ليه استعان بيهود قينقاع على بنى قريظة، وخرج صفوان مع النبى معَّ. حتى شهد حنينا والطائف وهو مشرك. فعرفنا أنه لا بأس بالاستعانة بهم وما ذلك إلا نظير الاستعانة بالكلاب على المشركين، وإلى ذلك أشار رسول الله عَّةِ بقوله: ((إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم فى الآخرة اهـ)). أخرجه الطبرانى عن ابن عمرو بن العاص، ولفظه - برجال ما هم من أهله- وهو حديث ضعيف، كذا فى "العزيزى" (٣٧٣:١). ولكنه تأيد بشاهد صحيح قد تقدم. قلت: وعبارة "شرح السير" تفيد جواز الاستعانة بالكفار إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر، سواء كانوا مشركين أو أهل الكتاب، وكلام الطحاوى فى "مشكل الآثار" يدل على (١) قلت: هذا لا يتمشى على أصلنا، وبعد معاضدته بالموصول لا يصلح رده على أصل المحدثين أيضا. ج - ١٢ ما جاء فى الاستعانة بالمشركين فى الجهاد ٥٩ ٣٨٤٨- عن ذى مخبر قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم))، رواه أحمد وأبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى، ورجال إسناد أبى داود رجال الصحيح (نيل ١٢٧:٧). ٣٨٤٩- عن الزهرى أن النبی مګ استعان بناس من اليهود فی خییر فی حربه فأسهم لهم. رواه أبو داود فى "مراسيله"، كذا فى "المنتقى". الفرق بين الاستعانة بأهل الكتاب على المشركين فيجوز، وبين الاستعانة بالمشركين على المشركين فلا يجوز، حيث قال: ولا مخالفة بين حديث صفوان وبين قوله: لا نستعين بمشرك لأن صفوان قتاله كان باختياره دون أن يستعين به النبى عّ لّم فى ذلك، والاستعانة بالمشرك غير جائزة، لكن تخليتهم للقتال جائزة لقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ والاستعانة اتخاذ منه له بطانة. فأما قتالهم معه بدون استعانة فبخلاف ذلك، وكذلك دعاء النبى عّ لّله اليهود لما بلغه جمع أبى سفيان ليس بخلاف؛ لأن الممتنع الاستعانة بالمشرك، واليهود الذين دعاهم إلى قتال أبى سفيان معه أهل كتاب ليسوا من المشركين. فلما اجتمع أهل الكتاب معنا فى الإيمان بالكتب الذى أنزلها الله على من أنزل من أنبيائه، وفى الإيمان بالبعث بعد الموت كانت أيدينا واحدة فى قتال عبدة الأوثان، والغلبة لنا لأننا الأعلون، وهم تباع لنا فى ذلك، وهكذا حكمهم إلى الآن عند أبى حنيفة وأصحابه، إذا كان حكمنا هو الغالب بخلاف ما إذا لم يكن حكمنا غالبا اهـ من "المعتصر" (١٤٦:١). قلت: وفيه إن قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ نهى عن اتخاذ البطانة من دون المسلمين عموما، سواء كانوا أهل الكتاب أو مشركين فإن كانت الاستعانة بأحد اتخاذا منه له بطانة فكيف يجوز الاستعانة باليهود ولا يجوز اتخاذهم بطانة لنا؟ فلیحرر. قوله: عن ذى مخبر إلخ. قلت: فيه جواز الاستعانة بالكفار، فمن خصصه بأهل الكتاب كالطحاوى يتخلص عنه بأن الروم من أهل الكتاب فلا إشكال، ومن قال بالعموم يقيده بكون الإسلام هو الظاهر عليهم يومئذ، والله تعالى أعلم. قوله: عن الزهرى إلخ. قال البيهقى بعد تضعيف الأثر: والصحيح ما أخبرنا الحافظ أبو عبد الله، فساق بسنده إلى أبى حميد الساعدى، قال: خرج رسول الله عَ لّه حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة! قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنى قينقاع رهط عبد الله بن سلام! قال: وأسلموا؟ قالوا: لا. قال: قل لهم: فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين كذا فى "التلخيص" (٣٦٩:٢). قلت: وهذا يرد ٦٠ ما جاء فى الاستعانة بالمشركين فى الجهاد إعلاء السنن ٣٨٥٠- ورواه الشافعى عن أبى يوسف أنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: استعان رسول الله عَّ فذكره وزاد ولم يسهم لهم، قال البيهقى: ظاهرا على من جوز الاستعانة بأهل الكتاب، فإن بنى قينقاع من اليهود، ولكن له أن يتخلص عنه بأنه مَِّ سماهم مشركين، لأمر علمه منهم. فخرجوا من أهل الكتاب، وصاروا كمن ارتد عن الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، فإنه ليس له حكم أهل الكتاب، ولعله مرّ ◌ُلّه إنما سماهم مشركين لكونهم من حلفاء عبد الله ابن أبى بن سلول، فهؤلاء لما حالفوا المنافق صاروا كالمشركين، فكان لهم حكمهم، فلذلك منعوا وسموا مشركين قاله الطحاوى كما فى "المعتصر" (١٤٦:١). ومن جوز الاستعانة بالكفار عموما أجاب عنه، بأن بنى قينقاع كانوا أهل منعة يومئذ، وكانوا لا يقاتلون تحت رأية رسول الله عَّه، وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة، فإنه يكره الاستعانة بهم كذا فى "شرح السير" (١٨٧:٣). وأيضا فإنهم لم يخرجوا لإعانة النبى عَّهِ، بل لإعانة حلفاءهم عبد الله بن أبى وأصحابه إن قاتلوا قاتلوا وإن انعزلوا عن القتال انعزلوا، ولا يجوز الاستعانة وإنما قلنا بجوازها إذا مست الحاجة إليها، ولم يخف ترتب فتنة عليها، فغاية ما فى الحديث أنه عّ لّه لم يستعن بهم ولم ير حاجة إلى إعانتهم. وأما أنه لا يجوز عند الحاجة إذا كانوا تحت رأيتنا وحكمنا، فالحديث ساكت عنه. قلت: وما عزاه فى "النيل" إلى الشافعى ذكر الحازمى فى "الناسخ والمنسوخ" والبيهقى عنه خلافه. قال الحازمى: قال الشافعى: الذى روى مالك: أن النبى عرّ ◌ُّه رد مشركا أو كشركين، وأبى أن يستعين بمشرك، كان فى غزوة بدر، ثم أنه عليه السلام استعان فى غزوة بيهود من بنى قينقاع واستعان فى غزوة حنين بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد إن كان لأجل أنه مخير فى ذلك بين أن يستعين به ويرده كماله أن يرد المسلم لمعنى يخافه فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان لأجل أنه مشرك، فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين، ولا بأس أنه يستعان بالمشركين على قنال المشركين، إذا خرجوا طوعا، ويرضخ لهم ولا يسهم لهم، ولم يثبت عن النبى معَِّ أنه أسهم لهم قال: ولعله عليه السلام إنما رد المشرك الذى رده رجاء إسلامه. (وكان كما رجا. مؤلف)، قال: وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك، ويأذن له. قال الزيلعى: وكلام الشافعى كله نقله عنه البيهقى (١٣٩:٢). قلت: وذكر الشافعى نحوه فى "الأم" (٨٩:٤ و٩٠). هل يجوز قتال المسلمين مع المشركين تحت رايتهم: تذييل: ذكر محمد فى السير الكبير حديث الزبير رضى الله عنه حين كان عند النجاشى،