Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ما يفعل بالعدو بعد الدعوة ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم أدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم الذى يجرى على المسلمين ولا يكون لهم فى الفىء والغنيمة شىء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم)). الحديث رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذى وصححه (نيل الأوطار ١٣٣:٧). الإسلام، وكانوا ممن تقبل منه الجزية، وأما من لا تقبل منه كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب فلا فائدة فى دعائهم إلى الجزية، لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، قال الله تعالى: ((تقاتلونهم أو يسلمون)) كذا فى "الهداية". (٣٤٠:٢). وفى "المنتقى" متن " نيل الأوطار": إن الحديث حجة فى أن قبول الجزية لا يختص بأهل الكتاب اهـ. أى بل تقبل من المجوس وعبدة الأوثان من العجم أيضا. وأما من العرب ففيه خلاف سيأتى تحقيقه فيما سيأتى، وفى "نيل الأوطار" (١٣٤:٧): قوله: ((ولا يكون لهم فى الفىء والغنيمة شىء إلخ)). ظاهر هذا أنه لا يستحق من كان بالبادية ولم يهاجر نصيبا فى الفىء والغنيمة إذا لم يجاهد. وبه قال الشافعى وفرق بين مال الفىء والغنيمة وبين مال الزكاة، وقال: إن للأعراب حقا فى الثانى دون الأول، وذهب مالك وأبو حنيفة والهادوية إلى عدم الفرق بينهما، وأنه يجوز صرف كل واحد منها فى مصرف الآخر. وزعم أبو عبيد أن هذا الحكم منسوخ، وإنما كان فى أوائل الإسلام، وأجیب بمنع دعوى النسخ اهـ. قلت: وسيأتى البحث فيه أيضا فى بابه فانتظر. ولا شك أن الولاية كانت منوطة بالهجرة فى أوائل الإسلام منقطعة عمن لم يهاجر إلى المدينة، قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يتهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾، والفىء والغنيمة إنما هى لأهل الولاية من المسلمين فكان من أسلم من أهل البادية، ولم يهاجر محروما عن الفىء والغنيمة، ثم لما نسخت الهجرة ولم تبق فريضة على أهل العرب نسخ حكم تعلق الولاية بها لزوال الحكم بزوال العلة، فالأعراب المقيمون بسواد دار الإسلام من مصارف الفىء أيضا، وأما المسلمون المقيمون بدار الحرب فلا حق لهم فى الفیء أصلا. ٢٢ ما يفعل بالعدو بعد الدعوة إعلاء السنن ٣٨٠٨- عن أنس أن النبى عّ لّم كان إذا بعث جيشا قال: ((انطلقوا بسم الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين)) أخرجه أبو داود (جمع الفوائد ٨:٢). ٣٨٠٩- عن سمرة رفعه: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم يعنى من لم ينبت منهم)) أخرجه الترمذى وأبو داود، كذا فى "جمع الفوائد (٨:٢). قوله: "عن أنس وعن . مرة إلخ" قلت: والمراد بالشيوخ فى حديث سمرة المقاتلة منهم، وأما من كان شيخا فانيا هرما فلا يقتل كما دل عليه حديث أنس إلا أن كان ذا رأى فى الحرب وتدبير. فلا يرد قتل الصحابة دريد بن الصمة وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة، ولكنه كان ذا رأى فى الحرب حضر حنينا يدبر أمر قومه. وقصة قتله أخرجها الشيخان والتفصيل فى "فتح البارى" (٣٤:٦). ودلالة الأحاديث على حرمة قتل الولدان والنساء ظاهرة. ويستثنى منه تبييت العدو إذا أغير عليه، فقتل من الذرية من غير قصد ضرورة التوصل إلى العدو، بدليل ما أخرجه الأئمة الستة عن الصعب بن جثامة: ((أنه سأل رسول الله عَ لّم عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونساءهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((هم منهم))، وفى لفظ ((من آباءهم))، وأما مع عدم الحاجة فالعمل على حديث أنس وسمرة وابن عمر وغيرهم. والمنع من قتلهم لوجهين، أحدهما أنهم غنيمة للمسلمين فلا يجوز إتلافها والثانى أن الشارع ليس من غرضه فساد العالم وإنما غرضه إصلاحها، وذلك يحصل بإهلاك المقاتلة، وما يثبت للضرورة يتقدر بقدرها، قاله الزيلعى فى "نصب الراية" (١١٨:٢). وفى حديث ابن بريدة النهى عن المثلة وهو مجمع عليه. وقد اختلف فى أن المثلة التى وقعت من النبى عّ لّ. كانت جزاء مثلة ارتكبها المرتدون مع المسلمين أو وقعت ابتداء ثم نسخت، ففى "فتح البارى" (٢٩٣:٢) فى شرح حديث المثلة ما نصه ومال جماعة منهم ابن الجوزى إلى أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص لما عند مسلم من حديث سليمان التيمى عن أنس: ((إنما سمل النبى معَ ◌ِّ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة)) وقصر من اقتصر فى عزوه للترمذى والنسائى وتعقبه ابن دقيق العيد، بأن المثلة فى حقهم وقعت من جهات وليس فى الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية قلت: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازى أنهم مثلوا بالراعى وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ. قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين فى النهى عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثله وتعقبه ابن الجوزى، بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ، قلت: يدل عليه ما رواه البخارى فى الجهاد من حديث أبى هريرة فى النهى عن ٢٣ ج - ١٢ باب نصب المنجنيق على الكفار ٣٨١٠- عن مكحول ((أن النبى معَّه نصب المنجنيق على أهل الطائف)) أخرجه أبو داود فى "المراسيل"، ورجاله ثقات، ووصله العقيلى بإسناد ضعيف عن على كرم التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبى هريرة ((وقد صدر الإذن والنهى)) وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، ولموسى بن عقبة فى المغازى وذكروا أن النبى معَّ نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التى فى سورة المائدة، وإلى هذا مال البخارى وحكاه إمام الحرمين فى النهاية عن الشافعى اهـ. قلت: ولعلك قد عرفت بما ذكر أن المثلة التى وقعت من النبى عّبّ لم تكن ابتداء بل إنما كانت قصاصا ثم نسخت مطلقا أى ولو على سبيل القصاص إذا كان مرتكبها يستحق القتل فلا يمثل به بل يقتل فقط. وإذا كان لا يستحق القتل فيمثل به قصاصا لقوله تعالى ﴿إن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾، فافهم ذلك فلعل الحق لا يتجاوز عنه، وهذا هو مذهب الحنفية فى الباب والله أعلم بالصواب. ولو وقفت امرأة فى صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم أو كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال، جاز رميها قصدا لأنها فى معنى المقاتل وكذلك الحكم فى الشيوخ والولدان وسائر من منعنا من قتله منهم لما روى سعيد (هو ابن منصور) ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: لما حاصر رسول الله عَ ◌ّه الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها، فقالت: هادونكم فارموا! فرماها رجل من المسلمين فما اخطأ ذلك منها كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٤٠٢:١٠). قال: ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها لأنه من ضرورته اهـ، وقواعدنا تساعده. باب نصب المنجنيق على الكفار قوله: "عن مكحول إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وقال الواقدى فى المغازى: وقال سلمان الفارسى يومئذ: يا رسول الله! أرى أن ينصب عليهم المنجنيق، فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيق على الحصون، فنصيب من عدونا وإن لم يكن منجنيق طال المقام، فأمره رسول الله عَ ◌ّ فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف، ويقال قدم به يزيد بن ربيعة وقبل غيره اهـ (زيلعى ١١٥:٢). وفى "الدر مع الشامية": "وإلا يقبلوا الجزية نستعين بالله، ونحاربهم بنصب المجانيق ورمينهم بنبل ونحوه اهـ". قال الشامى: وهو جمع منجنيق بفتح الميم عند الأكثر، وإسكان ٢٤ نصب المنجنيق على الكفار إعلاء السنن الله وجهه (بلوغ المرام ١٥:١٢)، قلتُ: والمرسل إذا أورد بسند آخر موصولا ولو ضعيفا فهو حجة عند الكل كما ذكرناه فى المقدمة. النون الأولى وكسر الثانية فارسية معربة تذكر وتأنيثها أحسن، وهى آلة ترمى بها الحجارة الكبار قلت: وقد تركت اليوم للاستغناء عنها بالمدافع الحادثة. قوله: ونحوه كرصاص (أى البندقة) وقد استغنى به عن النبل فى زماننا اهـ (٣٤٤:٣). قلت: وأما محاربة الرعية المسلمة ملكها الكافر بالمقاطعة الجوعية(١)، أو المظاهرة العامة فليس لها أصل فى الشرع لم يستعملها أسلافنا المقيمون بدار الحرب مع ملكها قط، وإنما أخذها أبناء زماننا من أوربا ويجوز استعمال ما سوى الأول بعد النبذ إليهم على سواء إذا كنا نرجو الشوكة عليهم بذلك، وكان المقصود إعلاء كلمة الله، والدعاء إلى الدين، دون إحرار الوطن وإقامة السلطنة الجمهورية المركبة من أعضاء بعضهم مسلمون وبعضهم كفرة مشركون فإن بذل الجهد لذلك ليس من الجهاد فى شىء لخلوه عن غرضه الأصلى وهو إعلاء كلمة الله، والدعاء إلى الدين القويم. والسلطنة المركبة من الأعضاء المسلمين والكافرين لا تكون سلطنة إسلامية قط، وإنما هى سلطنة الكفر لا سيما إذا كانت الكثرة لهم لا لنا فإن المركب من الخسيس والشريف خسيس ومن الطيب والخبيث خبيث وأما مسائلة الاستعانة بالكفار فسيأتى بيانها فانتظر! والله يتولى هداك. وهل يجوز رمى النار بالمنجنيق ونحوها عليهم؟ وظاهر ما فى الدر جواز ذلك لكنه مقيد كما فى "شرح السير" بما إذا لم نتمكن من الظفر بهم بدون ذلك بلا مشقة عظيمة، فإن تمكنوا بدونها فلا يجوز لأن فيه إهلاك أطفالهم ونسائهم ومن عندهم من المسلمين، كذا فى "الشامية" (٣٤٤:٣). قلت: ولى فيما علله به نظر، فإن الرمى بالحجارة والمدافع يقضى إلى ذلك أيضا بل العلة هى النهى عن التعذيب بالنار. فلا يجوز ارتكاب المنهى عنه بدون الاضطرار وحديث النهى رواه البخارى عن أبى هريرة: ((أنه قال بعثنا رسول الله عَّم فى بعث فقال: ((إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار)) ثم قال رسول الله عَ ظيم حين أردنا الخروج ((إنى أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما اهـ (١٠٥:٦ " مع الفتح"). قلت: وتحريق من حرق من الصحابة بعض أهل الردة محمول على أن خبر النهى لم يبلغهم، ودليل ذلك معارضة تجويز الصحابى يمنع صحابى آخر فإن عمر وابن عباس وغيرهما كرهوا ذلك مطلقا سواء (١) ومعناها: أن يترك الطعام والشراب ويموت جوعاً لإغاظة الملك وإظهار النفرة والكراهة من قوانينه، وهذا لا يجوز أصلا بل هو حرام حتما، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن كان بكم رحيما﴾. ٢٥ ج - ١٢ باب تحريق أشجار دار الحرب وقطعها عند الحاجة ٣٨١١- عن ابن عمر قال: ((حرق رسول الله بعث نخل بنى النضير وقطع وهى البويرة)) رواه البخارى (٥١٥:٢). ٣٨١٢- عن يحيى بن سعيد "أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام، فخرج يمشى مع يزيد بن أبى سفيان وكان أمير ربع من تلك الأرباع، فزعموا أن يزيد قال لأبى بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إنى احتسبت خطاى هذه فى سبيل الله ثم قال له: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا له، وستجد قومًا فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإنى موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لأكله، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن)) رواه مالك فى "الموطأ" (ص١٦٧). قال فى "النيل" (١٤٩:٧): منقطع لأن يحيى بن سعيد لم يدرك زمن أبى بكر اهـ. قلت: ولكن مقاطيع "الموطأ" وبلاغاته وجدت مسندة من غير طريق مالك، فهى حجة، كما ذكرناه فى المقدمة. كان بسبب كفر أو فى حال مقاتلة أو كان قصاصا وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها قاله الثورى والأوزاعى، ولكنه مقيد بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو، قاله الحافظ فى "الفتح" (١٠٥:٦). باب تحريق أشجار دار الحرب وقطعها عند الحاجة قوله: "عن ابن عمر إلخ" قلت: دلالته على تحريق الأشجار وقطعها ظاهرة وقيد ذلك بالحاجة لأنه بغير ضرورة إتلاف الأموال وإضاعتها، وقد نهى عنه ويؤيد التقييد المذكور ما فى أثر الصديق من النهى عنه أى عند عدم الحاجة إليه. وفى "فتح القدير" (١٩٧:٥). ولأن المقصود كبت أعداء الله وكسر شوكتهم، وبذلك يحصل ذلك فيفعلون ما يمكنهم من التحريق وقطع الأشجار وإفساد الزرع. هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح باد كره ذلك، لأنه إفساد فى غير محل الحاجة، وما أبيح إلا لها" اهـ. قلت: وإنما جاز إضاعة أموال المحاربين عند الحاجة، ٢٦ إعلاء السنن باب النهى عن السفر بالقرآن إذا أخیف علیه ٣٨١٣- حدثنا أبو الربيع العتكى وأبو كامل، قالا: نا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عَ ليه ((لا تسافروا بالقرآن، فإنى لا آمن أن يناله العدو)) رواه مسلم فى "صحيحه" (١٣١:١). قلت: ورواه الإمام أحمد بلفظ: (نهى - النبى عَّه - أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو))، كما فى "فتح البارى" (٩٣:٦). وأخرجه البخارى بلفظ: ((نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)). لكونها غير معصومة قبل استيلائنا عليهم. وأما بعد الاستيلاء وغلبة المسلمين فلا يجوز إضاعتها (١) أصلا، وبهذا تبين خطأ المسلمين الذين أحرقوا ثيابا مملوكة لأنفسهم لتحريض الناس على مقاطعة التجارة فى البز عن الممالك الأجنبية "فإن الله كره لكم" قيل: وقال: "وكثرة السؤال وإضاعة المال"، رواه الشيخان وغيرهما عن المغيرة بن شعبة كذا فى "العزيزى" (٣٥٢:١). باب النهى عن السفر بالقرآن إذا خيف عليه قال المؤلف: وفى "شرح النووى" لمسلم (١٣١:٢): فيه النهى عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة فى الحديث، وهى خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل فى جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع عنه حينئذ، لعدم العلة هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخارى وآخرون. قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف فى السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا فى الكبير المأمون عليه، فمنع مالك ذلك أيضا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما. وقال بعضهم كالمالكية: واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف فى تحريم ذلك. وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا؟ واستدل به على منع تعلم الكافر القرآن فمنع مالك مطلقا، وأجاز الحنفية مطلقا، وعن الشافعى قولان اهـ (٩٤:٦). قلت: أجازه الحنفية إذا كان يرجى إسلامه وإن تعلمه الكافر لأجل الإيراد على أهل الإسلام بالوقوف على مذاهبهم فلا! وإذا لم يعرف هذا من ذاك فمكروه الله تعالى أعلم. (وليراجع شرح السير). (١) وأما ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو "أنه حرق ثوبا له موردا. أو معصفرًا" فقد ثبت إنكار النبى عبٍّ على ذلك، كما بينته فى غير هذا الموضع من الفتاوى .. ٢٧ باب جواز المبارزة إذا علم أنه ینکی فیهم ٣٨١٤ - عن أسلم أبى عمران "قال: كنا بالقسطنطنية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا، فصاح الناس سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس إنكم تأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التى أردناها. رواه مسلم والنسائى وأبو داود والترمذى والحاكم وابن حبان (فتح البارى ١٣٨:٨). باب جواز المبارزة إذا علم أنه ینکی فيهم قوله: "عن أسلم إلخ" قال الحافظ: وصح عن ابن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك من التأويل - إلى أن قال : وهذا أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد فى نزولها. وأما قصرها عليه ففيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ (أى لا بخصوص المورد اهـ). ثم قال: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن فى المسلمين والله أعلم اهـ ملخصا (١٣٩:٨). وفى "رد المحتار" عن شرح السير أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئا بقتل أو بجرح أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدى رسول الله عَِّ يوم أحد، ومدحهم على ذلك. فأما إذا علم أنه لا ينكى فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحملته شىء من إعزاز الدين بخلاف نهى فسقة المسلمين عن منكر إذا علم أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام وإن رخص له السكوت، لأن المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به فلا بد أن يكون فعله مؤثرا فى باطنهم بخلاف الكفار اهـ (٣٤٢:٣). قلت: وهذا انجاز ما وعدته من قبل من الفرق بين الجهاد والأمر بالمعروف وأن الثانى ليس من باب مجاهدة الكفار، بل من باب مجاهدة الفسقة من المسلمين، فافهم، فقد زل هناك أقدام كثير من علماء زماننا. وفى "الهندية" (١١٩:٣): وأما شرط إباحته (أى إباحة الجهاد) فشيئان أحدهما امتناع العدو عن قبول ما دعى إليه من الدين الحق، وعدم الأمان والعهد بيننا وبينهم، والثانى أن يرجوا ٢٨ إعلاء السنن باب جهاد النساء عند الضرورة ٣٨١٥- عن أنس رضى الله عنه"أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا، فكان معها فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله مرّ له: ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا منى أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله عّ لّه يضحك قالت: يا رسول الله! أقتل من بعدنا من الطلقاء(١) انهزموا بك، فقال رسول الله عّ لّه: يا أم سليم! إن الله عز وجل قد كفى وأحسن، رواه مسلم (١١٦:٢). الشوكة والقوة لأهل الإسلام باجتهاده أو باجتهاد من يعتقد فى اجتهاده ورأيه، وإن كان لا يرجو القوة والشوكة للمسلمين فى القتال فإنه لا يحل له القتال لما فيه من إلقاء نفسه فى التهلكة" اهـ. قلت: ودلالة الحديث الذى بدأنا به الباب على معناه ظاهرة وقيده الجمهور بما إذا علم أنه ينكى فيهم، بدليل النهى عن إلقاء النفس فى التهلكة. والعبرة لعموم اللفظ كما تقدمت الإشارة إليه والله أعلم. باب جهاد النساء عند الضرورة قوله: "عن أنس رضى الله عنه إلخ". قلت: وفى قوله معَّه ((ما هذا الحنجر؟)) دلالة على أن النساء لا يقاتلن کالرجال وإلا لم يكن للسؤال معنى ثم سكوته م ے على قولها: ((اتخذته إن دنا منى أحد من المشركين بقرت به بطنه))، دليل على جواز قتالهن مدافعة إذا اضطررن إليه فافهم. قال فى الهداية: " والعجائز يخرجن فى العسكر العظيم لإقامة عمل يليق بهن كالطبخ والسقى والمداواة. فأما الشواب فمقامهن فى البيوت أدفع للفتنة، ولا يباشرن القتال لأنه يستدل به على ضعف المسلمين إلا عند ضرورة" اهـ. قلت: ويؤيده ما أخرجه ابن سعد كما فى كنز العمال" (٢٨٥:٢) عن أم كبشة مرفوعا قال لها رسول الله مرّ له: ((اجلسى! لا يتحدث الناس أن محمدا يغزو بامرأة اهـ)). ولعلها أرادت القتال مثل الرجال فنهاها عنه، وأما الدفاع عند الحاجة فليس بممنوع كما دل عليه حديث أم سليم، وكذا خروجهن لإقامة عمل يليق بهن فقد روى مسلم (٢: ١١٦) عن أنس قال: ((كان رسول الله عَّ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى)) اهـ. وأما تخصيص العجائز فلما فى خروج الشواب من الفتنة، (١) جمع طليق بمعنى عتيق، وهم الذين أعتقهم رسول الله مرّ له من أهل مكة من القتل وقد قدر عليهم، وقال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء»، كما ذكره أصحاب السير كافة. : ج - ١٢ . ٢٩ باب من لا يجوز قتله فی الجهاد ٣٨١٦- عن رباح(١) بن الربيع التميمى قال: كنا مع رسول الله عَ لّه فى غزوة، فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة، فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)). رواه أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه ومفهومه أنها لو قاتلت لقتلت (فتح البارى ١٠٣:٦). ٣٨١٧ - عن المرقع بن صيفى عن حنظلة الكاتب قال: "غزونا مع رسول الله عَّ فمررنا على امرأة مقتولة فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل(٢)؟ أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله عّ لّ يأمرك أن لا تقتل ذرية ولا عسيفا(٣))"، رواه أحمد والنسائي وابن والذى فى بعض الروايات من خروج عائشة رضى الله عنها ونحوها من الشواب يوم أحد، فإن النساء كن يحضرن الجماعات فى زمنه المبارك معَ ◌ّ لعدم الفتنة إذ ذاك ثم نهى عنه لأجل المخافة ٣٠ عليهن فكذلك حضورهن فى الجهاد على أن غزوة أحد كانت موضع النفير العام لما قددهم العدو دار الإسلام وفى مثل ذلك يصير الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ولا نزاع فيه وإنما النزاع فيما إذا لم يكن فرض عين فافهم. وأما العجائز فلا بأس بخروجهن للطبخ والسقى ومداواة الجرحى. قال النووى فى "شرح مسلم" (١١٦:٢): "وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لنيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا فى موضع الحاجة" اهـ. قلت: وكل ما ورد عن الصحابيات من حضورهن القتال مع الصحابة فى فتوح الشام غيرها، فلم يكن إلا للطبخ والمداواة لمحارمهن وسقى الماء ونحوه، ولم يكن مقامهن فى الصفوف بل فى الأخبية والخيام، ولم يباشرن القتال إلا عند الضرورة إذا انهزم الرجال وخفن على أنفسهن من دهم العدو، فلا حجة فى مصل تلك الوقائع لمن أنكر وجوب الحجاب على النساء فإن الصحابيات رضى الله عنهن لم يخرجن فى العساكر بغير الحجاب قط ولم يباشرن القتال إلا باللثام إذا خفن على أنفسهن والمسلمين ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان. باب من لا يجوز قتله فی الجهاد قوله: "عن رباح إلخ". وقوله: "عن المرقع بن صيفى إلخ" دلالتهما على أن المرأة لا تقتل (١) بكسر الراء بعدها تحتانية. (٢) قلت: فيه دليل صريح على أن الجهاد لم يشرع لإفناء العالم جزاء لكفرهم، بل إنما شرع لإقامة العدل والأمن بين العباد، ليتمكن المسلم من عبادة ربه من غير خوف ولا خطر وينال الضعيف حقه من القوى ويتم نور الله ويظهر دينه على الدين كله. (٣) هو الأجير وزنا ومعنى. ٣٠ من لا يجوز قتله فى الجهاد إعلاء السنن ماجة والطحاوى وابن حبان والباوردى وابن قانع والطبرانى وسعيد بن منصور ورواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجة والطحاوى والبغوى وابن حبان والحاكم عن المرقع بن صيفى بن رباح، عن جده رباح بن الربيع أخى حنظلة الكاتب، قال ابن حجر فى أطرافه: وهو المحفوظ، وادعى ابن حبان أن الطريقين محفوظان (كنز العمال ٢٧٠:٢). ٣٨١٨- عن عكزمة "أن النبى عَّه رأى امرأة مقتولة بالطائف، فقال: ((ألم أنه عن قتل النساء من صاحبها؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! أردفتها فأرادت أن تصرعنى فتقتلنى، فقتلتها فأمر بها أن توارى)) " أخرجه أبو داود فى "المراسيل" (فتح البارى ١٠٣:٦). ٣٨١٩- عن الصعب بن جثامة "أن رسول الله عّ له سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، ثم قال: هم منهم"، رواه الجماعة إلا النسائى، كذا فى "النيل" (١٤٦:٧)، ورواه الطبرانى فى الكبير بلفظ أنه قال: يا رسول الله! أطفال المشركين نصيبهم فى الغارة بالليل قال: لا تعمدوا ذلك ولا حرج، فإن أولادهم منهم، كذا فى "كنز العمال" (٢٨٦:٢). ٣٨٢٠- عن ابن عباس قال: كان رسول الله عّ لّه إذا بعث جيوشه قال: ((أخرجوا ظاهرة، نعم! لو قاتلت لقتلت، كما يدل عليه مفهوم الحديث، ويؤيده ثالث أحاديث الباب حيث أقر النبى عرّ قتلها على الوجه الذى ذكر له، وفى حديث المرقع دلالة على النهى عن قتل الدرية والأجير أيضا، لكن بشرط أن لا يقاتلا قياسا على المرأة فافهم. وذكر البيهقى عن الشافعى أنه ضعف حديث المرقع بأنه ليس بالمعروف، وقال صاحب "الجوهر النقى": بل هو معروف أخرج له ابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى "مستدركه"، وروى عنه أبو الزناد ويونس بن أبى إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهم، وقال الذهبى فى "الكاشف": ثقة وحديثه هذا أخرجه ابن حبان فى "صحيحه"، والبيهقى فى "المعرفة"، وقال: إسناد لا بأس به اهـ (٢٠٣:٢). قوله: عن الصعب إلخ دلالته على أن لا بأس بقتل النساء والذرية تبعا من غير عمد حيث لا مفر عن قتلهم ظاهرة. قوله: "عن ابن عباس إلخ" دلالته على أن أصحاب الصوامع لا يقتلون ظاهرة لكنه مقيد بالقيد الذى مر ذكره فى قتل النساء. وفى "شرح السير": "إذا أغلقوا أبواب الصوامع على أنفسهم ٣١ ج - ١٢ من لا يجوز قتله فى الجهاد بسم الله تعالى تقاتلون فى سبيل الله من كفر بالله، لاتغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع»، رواه الإمام أحمد، وفى إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة وهو ضعيف، وثقه أحمد، كذا فى "النيل" (١٤٧:٧-١٤٨). قلت: وقال العجلى أيضا: حجازى ثقة. كما فى "التهذيب" (١٠٤:١)، والاختلاف لا یضر فالحدیث حسن. ٣٨٢١- عن خالد بن الفزر حدثنى أنس بن مالك أن رسول الله عّ لّه قال: ((انطلقوا بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين))، رواه أبو داود (٣٥٩:١). قال الشوكانى: وفى إسناده خالد بن الفزر -بكسر الفاء وسكون الزاى وبعدها راء مهملة- وليس بذاك، (نيل ١٤٧:٧). قلت: سكت عنه أبو داود، وفى "التقريب" (ص ٥١): "مقبول"، وفى "التهذيب" (١١٢:٣): وقال أبو حاتم: "شيخ" وذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ، فالحديث حسن. ٣٨٢٢- عن على قال: كان النبى عَّ إذا بعث جيشا من المسلمين إلى فإنهم لا يقتلون، وإذا كانوا ينزلون إلى الناس، ويصدر الناس عن رأيهم فى القتال فيقتلون اهـ" (٣٣:١). قوله: عن خالد بن الفزر إلخ دلالته على أن الشيخ الفانى لا يقتل ظاهرة، وفى "نيل الأوطار" (٧-٤٨) قوله: "لا تقتلوا شيخا فانيا" ظاهره أنه لا يجوز قتل شيوخ المشركين ويعارضه حديث ((اقتلوا شيوخ المشركين)) (الذى رواه الترمذى) وتمامه واستحيوا شرخهم. والشرخ الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذى: حسن صحيح غريب (١٩٢:١). وقد جمع بين الحديثين بأن الشيخ المنهى عن قتله فى الحديث الأول هو الفانى الذى لم يبق فيه نفع للكفار، ولا مضرة على المسلمين وقد وقع التصريح بهذا الوصف بقوله: شيخا فانيا والشيخ المأمور بقتله فى الحديث الثانى هو من بقى فيه نفع للكفار ولو بالرأى، كما فى دريد بن الصمة، فإن النبى عَّه لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقى دريد بن الصمة، وقد كان نيف على المائة، وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب فقتله أبو عامر ولم ينكر النبى عّ لّه ذلك منفيه. كما ثبت ذلك فى الصحيحين من حديث أبو موسى رضى الله عنه والقصة معروفة اهـ. قوله: عن على رضى الله عنه إلخ. دلالته على ما دل عليه الحديث السابق ظاهرة. ٣٢ من لا يجوز قتله فى الجهاد إعلاء السنن المشركين، قال: ((انطلقوا بسم الله فذكر الحديث. وفيه: لا تقتلوا وليدا طفلا، ولا امرأة ولا شيخا كبيرا ولا تغورن عين (١) ولا تعقرن شجرا (٢) يمنعكم قتالا أو يحجز بينكم وبين المشركين، ولا تمثلوا بآدمى ولا بهيمة ولا تغدروا ولا تغلوا)). رواه البيهقى وقال: إسناده ضعيف إلا أنه يتقوى بشواهد، (كنز العمال ٣٩٦:٢). ٣٨٢٣ - عن عطية القرظى قال: "عرضنا على رسول الله عَ لّه يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله فكنت فيمن لم ينبت فخلى سبيلى"، رواه الترمذى (١٩٢:١)، وقال "حسن صحيح". قوله: عن عطية إلخ. قلت: دلالته على ما فيه ظاهرة، ولا دليل فيه على كون الإنبات علامة للبلوغ، فإن مدار القتل على دفع الفساد، فمن يتوقع ذلك منه جاز قتله منهم سواء كان بالغا أو غير بالغ، ويدل على أن البلوغ غير معتبر فى القتال ما فى "الجوهر النقى" (٢٨:٢): عن سمرة بن جندب رضى الله؛ قال: كان رسول الله عَّ يعرض غلمان الأنصار فى كل عام فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عاما فالحق غلاما وردنى فقلت: يا رسول الله! لقد ألحقته ورددتنى ولو صارعته لصرعته، قال: فصارعه فصارعته فصرعته فألحقنى. قال الحاكم: صحيح الإسناد اهـ. فالإجازة للقتال منوطة بإطاقته والقدرة عليه، فمن كان من غلمان المسلمين مطيقا للقتال يجوز إلحاقه بالمقاتلة بالغا كان أو لا، وكذا من كان من غلمان الكفار مطيقا له قادرا عليه يجوز قتله، سواء كان بالغا أو غير بالغ فلم يثبت بحديث عطية كون الإنبات علامة للبلوغ بل كونه علامة لإطلاقة القتال والقدرة عليه (٣) وأيضا فقد روى الحاكم فى "المستدرك" عن عامر بن سعد عن أبيه أن سعد بن معاذ حكم على بنى قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه الموسى، وأن تقسم أموالهم وذراريهم، صححه الذهبى فى "تلخيصه" (١٢٤:٢). وفيه أيضا عن مجاهد عن عطية أخبره أن (١) أى لا تطموها ولا تغييوها فى الأرض، وقوله: ((ولا تعقرن شجرا)) إلخ، أى ولا تقطعن شجرا إلا شجرا يضركم بأن يمنعكم قتال العدو، ويحجز بينكم وبينه، كذا فى "شرح السير" (٣٥:١)، والله تعالى أعلم. (٢) وفى نسخة: ((إلا شجرا)) بعد قوله شجرا، لعل لفظ "إلا" سقط من الناسخ كما هو الظاهر. (٣) قلت: ويعكر عليه ما فى شرح السير الكبير: وأن غير البالغ إنما يقتل قبل الأسر إذا قاتل، فأما بعد ما أسر لا يقتل اهـ (١-٣٦٦). فالحق فى الجواب إما أنه ◌ِّ علم بالوحى أن ذلك علامة لبلوغ بنى قريظة، أو لأن سعد بن معاذ حكم بقتل من أنبت الشعر، وجرت عليه الموسى، وكان القوم قد نزلوا على حكمه، والله تعالى أعلم. وسيأتى تمام البحث فى المسألة فى باب عدم الإسهام للصبى والعبد والمرأة. ٣٣ ج - ١٢ من لا يجوز قتله فى الجهاد : ٣٨٢٤- عن الواقدى عن ابن أبى الزناد عن أبيه قال: شهد أبو حذيفة بدراً، ودعا أباه عتبة إلى البراز فمنعه عنه رسول الله عَ ◌ّ))، رواه الحاكم والبيهقى (التلخيص الحبير :٣٧:٢). قلت: الواقدى فيه كلام والراجح عندنا توثيقه كما مر غير مرة. ٣٨٢٥٠- عن مالك بن عمير قال: جاء رجل إلى النبى معَّ فقال: يا رسول الله! إنى لقيت العدو ولقيت أبى فيهم، فسمعت منه لك مقالة قبيحة فطعنته بالرمح فقتلته، فسكت النبى مَّ ثم جاء آخر فقال يا نبى الله! إنى لقيت أبى فتركته، وأحببت أن يليه غيرى، فيبيكت عنه، رواه أبو داود فى "المراسيل" (ص ٣٦)، وعزاه فى "التلخيص" (٣٧:٢) إلى مراسيل أبى داود والبيهقى بلفظ "جاء رجل إلى النبى عّ لّه فقال: يا رسول الله! إنى لقيت العدو ولقيت أبى فيهم فسمعت منه مقالة قبيحة فطعنته بالرمح فقتلته و أصحاب رسول الله ◌ّ ل جردوه يوم قريظة فسلم يروا الموسى جربت على عانته فتركوه من القتل. صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى (١٢٤:٢). فكان ترك من لم ينبت ولم يجر على عانته الموسى لعدم دخوله فى حكم معاذ، لا لكونه غير بالغ شرعا، نعم ثبت بالحديث أنهمن أنبت شعره وجرت عليه الموسى غير داخل فى الذرية بل هو معدود من المقاتلة، وقد مر أن حكم القتال منوط بإطاقته والقدرة عليه دون البلوغ، فافهم. وهو محمل ما روى عن أبى بصرة وعقبة بن عامر حين اختلف فى ابن قرع المهرى، هل يسهم له من الغنيمة أم لا؟ فقالا: انظروا فإن كان قد أشعر فاقسموا له فنظر إليه بعض القوم، فإذا هو قد أنبت فقسموا له، كما فى "الممنى" (٣٩٨:١٠). فغاية ما فيه أن الإنبات علامة كون الصبى مطبقا للقتال دون بلوغه والله تعالى أعلم. قولة عن الواقدى إلخ. قلت: دلالته على أن الولد لو ظفر بوالده الكافر لا يبارزه ظاهرة. وهو من حشن الأدب بأبيه فلو فعل جاز كما يدل عليه الحديث الآتى بعد هذا. فإنه مرّ ة أقر الأمرين ولم ينكر أحدهما، فما فى رواية الواقدى يحمل على الاستحباب قال المحقق فى "الفتح": ولا ينبغى أن ينصرف عنه ويتركه لأن يصير حربا علينا بل يشغله بالمحاولة، بأن يعرقب فرسه أو يطرحه عن فرسه ويلجئه إلى مكان ولا يدعه أن يهرب إلى أن يجئ من يقتله، فأما إن لم يتمكن من دفعه عن نفسه إلا بالقتل فليقتله اهـ (٢٠٤:٥). قلت: ومفهومه أنه إذا لم يمكن أن يدر كه آخر جاز قتله كيلا يتكون حربا على المسلمين، فليتأمل. فإن قيل: إن سكوته عَ له عم قتل أباه إنما كان لما صدر عن أبيه الكافر عن سبه عل ◌ّه 1 ٣٤ إعلاء السنن فلم ينكر النبى معَّ ◌ُّ صنيعه" اهـوفى "الجوهر النقى" (١٩٦:٢): قال البيهقى: "مرسل(١) جيد" اهـ. أبواب الموادعة ومن يجوز أمانه باب جواز المواد عة مع العدو إذا كان خيراً ٣٨٢٦- عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنبهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وإنه لا إسلال ولا إغلال، رواه أبو داود (٢٥:٢) وسكت عنه، وأخرجه البخارى ومسلم أيضاً. فمقتضاه أن يقيد الجواز بنحوه. قلنا: الشرك بالله والكفر به أشد من سب النبى عدّ له، فإذا جاز قتله لسب النبى معَّ جاز لشركه بالله أيضا، فافهم. باب جواز المواد عة مع العدو إذا کان خیرا قوله: "عن المسور إلخ" قلت: وفى "التلخيص الحبير" (٣٨١:٢): وقال البيهقى: "والمحفوظ أن المدة كانت عشر سنين كما رواه ابن إسحاق، وروى فى الدلائل عن موسى بن عقبة وعروة فى آخر الحديث فكان الصلح بينه وبين قريش سنتين، وقال: هو محمول على أن المدة وقعت هذا القدر وهو صحيح. وأما أصل الصلح فكان على عشر سنين (ولكن قریشا غدرت بعد سنتین فلم تتم مدة الصلح عشرا) قال: ورواه عاصم العمری عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ((أنها كانت أربع سنين)) وعاصم ضعفه البخارى وغيره اهـ. وفى "الهداية": "ولأن الموادعة جهاد معنى إذا كان خيرا للمسلمين لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل به ولا يقتصر الحكم على المدة المروية لتعدى المعنى إلى ما زاد عليها، بخلاف ما إذا لم يكن خيرا لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى اهـ." قلت: دلالة الحديث على معنى الباب ظاهرة. وقد بسطت الكلام (فى تحقيق صلح الحديبية وأنه ◌َّ لم يصالحهم بإبطال شعائر الإسلام ولا رضى بشىء من الغضاضة فى الدين المتين وإنما اصطلح معهم على شروط عدها بعض الصحابة غضاضة فى دنياهم ظاهرا، وكان فيها غلبة (١) تعقبه صاحب "الجوهر النقى" بأن ابن سميع تركه جرير وابن عيينة وزائدة لمذهبه، ومالك حاله مجهول، كذا قال ابن القطان اهـ. قلت: وفى "التقريب": صدوق تكلم فيه لبدعة الخوارج، ورمز عليه لمسلم وفى "التهذيب": قال البخارى: أما فى الحديث فلم يكن به بأس، وقال ابن نمير والعجلى: ثقة اهـ. فهو حسن الحديث. وأما مالك بن عمير فقد ذكره يعقوب بن سف ان فى الصحابة كما فى "التهذيب"، والمختلف فى صحته لا أقل من أن يكون تابعيا ثقة، والله أعلم. ٣٥ ج - ١٢ باب تحريم الغدر ولو شيئا يسيرا ٣٨٢٧- عن سليم بن عامر يقول: كان بين معاوية رضى الله عنه وبين أهل الروم عهد، وكان يسير فى بلادهم حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة. فسأله معاوية عن ذلك فقال: سمعت رسول الله عَّ ◌ُّه يقول: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدا ولا يشدنه حتى يمضى أمده أو ينبذ إليهم على سواء)) قال: فرجع معاوية بالناس. رواه الترمذى (١٩١:١)، وقال: "حسن صحيح". الإسلام وعزته معنى) فى رسالتى "الخير النامى لدفع شر النظامى" بالهندية، فلتراجع. باب تحريم الغدر ولو شيئا یسیرا قوله: "عن سليم بن عامر إلخ" قال الطيبى: قوله: "وفاء لا غدر" فيه اختصار وحذف لضيق المقام أى ليكن منكم وفاء لا غدر يعنى بعيد من أهل الله وأمة محمد صلوات الله عليه ارتكاب الغدر، وللاستبعاد صدر الجملة بقوله "الله أكبر" وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه إذا هادنبهم إلى مدة وهو مقيم فى وطنه فقد صارت مدة مسيرة بعد إنقضاء المدة المضروبة، كالمشروط مع المدة فى أن لا يغزوهم فيها فإذا سار إليهم فى أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذى كانوا يتوقعونه فعد ذلك عمرو غدرا، كذا فى حاشية "الترمذى" (١٩١:١). وحاصله أنه لا يجوز الدخول فى دار العدو فى أيام الهدنة لأجل الإغارة عليه بعد إنقضاء المدة، فإن العدو لا يتعرض للداخلين فى داره أيام الهدنة للأمن من القتال، ولو تفرس أن الدخول للإغارة عليه بعد المدة لم يمكنهم من الاقتحام فى بلاده أبدا فإن مدافعة المقتحم أشد من مدافعة الخارج عن البلاد، فكان سير المسلمين فى بلاد العدو أيام الهدنة لأجل الإغارة بعد المدة عذرا به. فإنه إنما مكنهم من السير فيها لكونه مأمونا من القتال فى هذا المسير، وإلا لم يرض باقتحامهم فى بلاده أصلا. فافهم، وكن من الشاكرين. ثم راجعت شرح السير فرأيته قال فى معنى الحديث بمثل ما قلته قال: فبين له عمرو ابن عبسة السلمى أن فى صنعه معنى الغدر لأنهم لا يعلمون أنهم أى المسلمين يدنون منهم يريدون غارتهم إنما يظنون أنهم يدنون منهم لأمان. وفى هذا دليل وجوب التحرز عما يشبه الغدر صورة ومعنى والله الموفق اهـ (١٨٧:١). ہے ٣٦ إعلاء السنن باب إذا نقض العدو العهد فى مدة الصلح جاز القتال بغير النبذ إليه ٣٨٢٨- عن ميمونة بنت الحارث زوج النبى ◌ّ أن رسول الله عّ لّه بات عندها فى ليلتها، فقام يتوضأ للصلاة فسمعته يقول فى متوضئة: لبيك! لبيك! ثلاثا نصرت نصرت ثلاثا، فلما خرج، قلت: يا رسول الله! سمعتك تقول فى متوضئك: لبيك! لبيك! ثلاثا، نصرت ثلاثا، كأنك تكلم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ فقال: هذا راجز بنى كعب يستصرخنى، ويزعم أعانت(١) عليهم بنى بكر، ثم خرج رسول الله عَ ليه فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدا ثم ذكرت الحديث الطويل فى خروجه عن ظلّ لفتح مكة. وفيه: ثم قال رسول الله مرّ فيه: ((اللّهم أعم عليهم خبرنا حتى نأخذهم بغتة)) رواه الطبرانى فى "معجمه الكبير والصغير" (زيلعى ١٢٠:١). وذكره الحافظ فى "الفتح" ببعض ألفاظه فهو حسن أو صحيح علی قاعدته. باب إذا نقض العدو العهد فى مدة الصلح جاز القتال بغير النبذ إليه قوله: "عن ميمونة إلخ" قلت: دلالته على الباب من حيث أنه مرّ لل دعا الله عز وجل بقوله: "اللهم أعم عليهم خبرنا حتى نأخذهم بغتة" وهو ظاهر فى أنه لم ينبذ إليهم لأنه لو أنبذ لم يكن لهذا الدعاء معنى فإنهم قد صاروا على حذر منه بالنبذ. قال الحافظ فى "الفتح": " وفى مرسل أبى سلمة المذكور عند ابن أبى شيبة (رواه عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة كما ذكره الحافظ من قبل بأسطر) ثم قال النبى مرّ له لعائشة: جهزينى ولا تعلمى أحدا، فدخل عليها أبو بكر فأنكر بعض شأنها فقال: ما هذا؟ فقالت له، فقال: والله ما انقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك التى ◌َّةٍ، فذكر له أنهم أول من غدر، ثم أمر بالطرق فحبست فعمى على أهل مكة لا يأتيهم خبر اهـ (٤٠٠:٧) قلت: وأما ما رواه البخارى عن هشام عن أبيه قال: ((لما سار رسول الله مَّ له عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله عَ لّ إلخ)) فمحمول على أن قريشا غلب على ظنهم ذلك لما صدر عنهم من نقض العهد لا أن مبلغًا بلغهم ذلك حقيقة. وأما ما رواه ابن عائذ من حديث ابن عمر قال: ((لم يغز رسول الله عَّه حتى بعث إليهم ضمرة يخبرهم بين إحدى ثلاث، أن يودوا قتيل خزاعة وبين أن يبرأوا من (١) أى قريش. ٣٧ ج - ١٢ باب النهى عن بيع السلاح من أهل الحرب دون الطعام ٣٨٢٩- عن عمران بن حصين ((أن رسول الله عَ ◌ّه نهى عن بيع السلاح فى الفتنة)) رواه البيهقى فى "سننه" والبزار فى "مسنده" والطبرانى فى " معجمه"، قال البيهقى: رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، (زيلعى ١٢٠:٢). قلت: علقه البخارى بلفظ: "كره عمران بن حصين بيعه فى الفتنة"، وفى "فتح البارى" (٢٧٠:٤): "وصله ابن عدى فى الكامل من طريق أبى الأشهب عن أبى رجاء عن عمران" اهـ. حلف بكر أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة فخيرهم فقال قرظة بن عمر: لا نودى ولا نبرأ ولكنا ننبذ إليه على سواء. فانصرف ضمرة بذلك فأرسلت قريش أبا سفيان ليسأل رسول الله عَ ليه فى تجديد العهد، و كذلك أخرجه مسدد من مرسل محمد بن عباد بن جعفر فأنكره الواقدى ورغم أن أبا سفيان إنما توجه مبادرا قبل أن يبلغ المسلمين الخبر (بنقض العهد من قريش)، والله أعلم. وفى مرسل عكرمة وفى مغازى عروة عند ابن إسحاق وابن عائذ نحوه، قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٩:٨). وفى "الهداية" (٥٤٣:٢): "وإن بدأوا بخيانة قاتلهم ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم لأنهم صاروا ناقضين للعهد فلا حاجة إلى نقضه، بخلاف ما إذا دخل جماعة منهم فقطعوا الطريق ولا منعة لهم حيث لا يكون هذا نقضا للعهد ولو كانت لهم منعة وقاتلوا المسلمين علانية يكون نقضا للعهد فى حقهم دون غيرهم لأنه بغير إذن ملكهم، ففعلهم لا يلزم غيرهم، حتى لو كان بإذن ملكهم صاروا ناقضين للعهد، لأنه باتفاقهم معنى" اهـ. قلت: وكذا لو قاتلوا بإذن أهل العقد والحل منهم فلا حاجة إلى النبذ إليهم كما فعلت قريش فى قتال خزاعة وإعانة بنى بكر عليهم، فإنه كان برأى الأشراف وأهل الرأى منهم كأبى سفيان وبديل بن ورقاء وصفوان بن أمية وسهل بن عمرو وغيرهم، وأولئك هم كانوا عمود الصلح وأساسه، فلم تكن حاجة إلى النبذ إليهم أصلا. باب النهى عن بيع السلاح من أهل الحرب دون الطعام قوله: عن عمران إلخ. قلت: فيه النهى عن بيع السلاح فى الفتنة فإذا كان ذلك مكروها فى زمان الفتنة ممن هو من أهل الفتنة، فلأن يكره حمله إلى دار الحرب للبيع منهم كان أولى، كذا فى "شرح السير الكبير" (١٧٨:٣). وفيه أيضا: قال (محمد) رضى الله عنه: لا بأس بأن يحمل المسلم إلى أهل الحرب ما شاء إلا الكراع والسلاح والسبى، وأن لا يحمل إليهم شيئا أحب إلى، ٣٨ النهى عن بيع السلاح من أهل الحرب دون الطعام إعلاء السنن قلت: وذكره الزيلعى مرفوعًا من رواية ابن عدى فى "الكامل" أيضا، وفيه محمد ابن مصعب القرقسانى، وقد تكلموا فيه، ولكن قال ابن عدى: ليس عندى برواياته بأس. وقال ابن قانع "ثقة"، كما فى "تهذيب التهذيب" (٣٦٠:٩). فهو حسن الحديث، ورفع مثله حجة، على أن الموقوف حجة عندنا أيضًا إذا لم يعارض المرفوع وهو كذلك. ٣٨٣٠- عن أبى هريرة قال: بعث النبى ◌ّ ◌ُلّه خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سوارى المسجد، فخرج إليه لما فى حمل الأمتعة إليهم للتجارة نوع مقاربة معهم. فالأولى أن لا يفعل، لأن المسلم مندوب أن يستبعد من المشركين، ولأنهم يتقوون بما يحمل إليهم من متاع أو طعام وينتفعون بذلك. والأولى للمسلم أن يحترز عن اكتساب سبب القوة لهم إلا أنه لا بأس بذلك فى الطعام والثياب ونحو ذلك بدليل أثر ثمامة، فذكره ثم قال: وأهل مكة يومئذ كانوا حربا لرسول الله عَّه، فعرفنا أنه لا بأس بذلك (قلت: واستدلال المجتهد بحديث تصحيح له فثبت بذلك صحة الزيادة التى ذكرها ابن هشام فافهم). قال: وهذا لأن المسلمين يحتاجون إلى بعض ما فى ديارهم من الأدوية والأمتعة، فإذا منعناهم ما فى ديارنا فهم يمنعون أيضا ما فى ديارهم، وإذا دخل التاجر إليهم ليأتى المسلمين بما ينتفعون به من ديارهم فإنه لا يجد بدأ من أن يحمل إليهم بعض ما يوجد فى ديارنا، فلهذا رخصنا للمسلمين فى ذلك إلا الكراع والسبى والسلاح، فإنه لا يحمل إليهم شىء من ذلك، وهذا منقول عن إبراهيم النخعى، وعطاء بن أبى رباح وعمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنهم. وهذا لأنهم ينتفعون بالكراع، والسلاح على قتال المسلمين، وقد أمرنا بكسر شوكتهم وقتل مقاتلتهم بدفع فتنة محاربتهم، كما قال الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ فعرفنا أنه لا رخصة فى تقويتهم على محاربة المسلمين، وإذا ثبت هذا فى الكراع والسلاح ثبت فى السبى بطريق الأولى، لأنه إما أن يقاتل بنفسه أو يكون منهم من يقاتل، وتقويتهم بالمقاتل فوق تقويتهم بآلة القتال، وكذلك الحديد الذى يصنع منه السلاح لأنه مخلوق لذلك فى الأصل، كما فى قوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ والمصنوع منه وغير المصنوع فى كراهية الحمل إليهم سواء. وهذا لأن الحديد أصل السلاح والحكم الثابت فيما يحصل من أصل يكون ثابتا فى الأصل، وإن لم يوجد فيه ذلك المعنى، ألا ترى أن المحرم إذا كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء كما يلزمه بقتل الصيد اهـ (١٧٧:٣ و١٧٨). ٣٩ ج - ١٢. النهى عن بيع السلاح من أهل الحرب دون الطعام النبى عَبٍّ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندى خير يا محمد! إن تقتلنى تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندى ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد! والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى (فذكر الحديث الطويل - وفيه- قال ثمامة:) وإن خيلك أخذتنى، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبى معَّه وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله عّ لّه، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبى معَّه. رواه البخارى، وفى "فتح البارى" (٦٩:٨): زاد ابن هشام: " ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى النبى عّ لّه إنك تأمر بصلة الرحم فكتب إلى ثمامة أن يخلى بينهم وبين الحمل إليهم" اهـ. وهذه الزيادة صحيحة أو حسنة على قاعدة الحافظ فى الأحاديث المزيدة فى "الفتح". بحث الشراء من أهل الحرب: قلت: وهذا حكم بيع السلاح والطعام من أهل الحرب، فلا يجوز حمل السلاح إليهم من دار الإسلام ويجوز حمل الثياب والطعام. وأما الشراء من أهل الحرب فيجوز مطلقا سواء كان شراء السلاح أو شراء الثياب والطعام فإن فى ذلك تقوية للمسلمين، وما قيل: إن فى الشراء منهم تقوية لهم على محاربة المسلمين لما يحصل لهم من الدراهم والدنانير كفاسد، لأن الدراهم والدنانير ليست بآلة القتال كما لا يخفى، فلا يصح الاستدلال بآثار النهى عن بيع السلاح من أهل الحرب على النهى عن شراء الثياب وغيرها منهم. نعم! إن كان للمسلمين إمام ورأى المصلحة فى مقاطعة التجارة عن أهل الحرب فى الثباب وغيرها، فله أن يمنع المسلمين عن التجارة معهم فيما شاء، وحينئذ يجب علينا مقاطعة التجارة عنهم بأمر الإمام. وأما بدون ذلك فلا، فإن حكم الشراء منهم عكس حكم البيع فلا دلالة للأثر على حرمته أصلا فافهم. والله تعالى أعلم. ٤٠ إعلاء السنن باب من یصح أمانه ٣٨٣١- عن على رضى الله عنه فى حديث طويل مرفوعًا: ((ذمة المسلمين واحدة یسعی بها أدناهم)) رواه مسلم (٢٢:١). ٣٨٣٢- عن أبى هريرة عن النبى عّ لّه قال: ((إن المرأة لتأخذ للقوم، يعنى تجير على المسلمين)) رواه الترمذى فى "سننه" (١٩١:١)، وقال: حسن غريب، وفى "نصب الراية" (١٢٣:٢): قال الترمذى فى "علله الكبير": وسألت محمد بن إسماعيل باب من يصح أمانه قوله: "عن على رضى الله عنه إلخ" قلت: استدل به محمد والشافعى رحمهما الله تعالى على صحة أمان العبد المحجور، قالا: الذمة العهد، والأمان نوع عهد، والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث، ولأن حجر المولى يعمل فى التصرفات الضارة دون النافعة بل هو فى التصرفات النافعة غير محجور كقبول الهبة والصدقة، ولا مضرة للمولى فى أمان العبد بتعطيل منافعه علیه، لأنه يتأدى فى زمان قليل بل ولسائر المسلمين فيه منفعة، فلا يظهر انحجاره عنه فأشبه المأذون. بالقتال. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يصح أمان العبد المحجور، لأن الأصل فى الأمان أن لا يجوز. لأن القتال فرض، والأمان يحرم القتل، إلا إذا وقع فى حال يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال فى هذه الصورة، فيكون قتالا معنى، إذا الوسيلة إلى الشىء حكما حكم ذلك شىء. وهذه حالة لا تعرف إلا بالتأمل والنظر فى حال سلمين فى قوتهم وضعفهم. والعبد المحجور لاشتغاله بخدمة المولى لا يقف عليهما فكان أمانه تركا للقتال صورة ومعنى، فلا يجوز (وأيضا فالظاهر أن المولى لا يحجره عن الجهاد الذى هو عبادة إلا لعدم أمنه من منا صحته للگفرة وعدم وثوقه بمؤدته لأهل الإسلام فکان متهما فى أمانه لهم، فأشبه التاجر فى دار الحرب والأسير فيها والذى أسلم هناك)، فبهذا فارق المأذون لأن المأذون بالقتال يقف على هذه : الحالة فيقع أمانه وسيلة للقتال فكان إقامة للفرض معنى (وأيضا فقد زالت عنه التهمة بوداد الكفرة بإذن مولاه له فى الجهاد كذا فى "البدائع" (١٠٦:٧). وأما الحديث فلا يتناول المخجور، لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة وهى الخساسة، وإما أن يكون من الدنو وهو القرب، والأول ليس بمراد لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله عليه الصلاة