Indexed OCR Text

Pages 701-720

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧٠١
الشرعى، أعنى العود إلى المعاشرة الزوجية بعد إيقاع الطلاق الرجعى، وكل ما وقع فى نصوص
الفقهاء من هذا القبيل على طبق ما ورد فى الأحاديث لفظا ومعنى، وقد سبق عدم صحة إرادة
المعنى اللغوى الذى يتحقق إذا حادثها وكلمها فى شىء فى أحاديث الباب، وابن القيم لم يجنح
إلى منع كون المعنى الشرعى مرادا من المراجعة خجلا من الأحاديث الماثلة أمامه، وهى لا تحتمل
غير المعنى الشرعی أصلا.
وحيث إن الشوكانى أوسع خطوا فى الزيغ، وأقل إدراكا لمواطن الافتضاح، لم ير بأسا فى
سلوك طريق منع كون المعنى الشرعى مرادا من اللفظ المذكور، وبعض الموسوسين من أبناء الزمان
حول هذا المنع إلى صورة دعوى، فادعى: "أن المراد بالمراجعة هنا المعنى اللغوى للكلمة، وأما
استعمالها فى مراجعة المطلقة الرجعية فإنما هو اصطلاح مستحدث بعد عصر النبوة" ولم ينتبه إلى
أنه يطالب بالدليل عليها، ويسأل عن تحديد زمن بعد زمن النبوة لحدوث الاصطلاح المستحدث
الذى يدعى حدوثه مجترئًا على الدعاوى من غير بينة، من غير نظر إلى صحة الأخبار فى احتساب
الطلقة فى حالة الحيض، وهى تقضى قضاء لا مرد له بأن المراد من المراجعة المعنى الشرعى حتما.
فالأمر بالمراجعة فى تلك الأحاديث يفيد بمفرده وقوع الطلاق فى حالة الحيض بلا شك (هذا هو
الذى فهمه المتقدمون من الأئمة المجتهدين، والمحققون من المحدثين، كالبخارى وغيره، وكفى
بهم قدوة فى معرفة معانى الحديث) فكيف وقد صحت الأخبار فى احتساب الطلقة فى تلك
الحالة كما سبق؟
ومن أحاط علما بالأحاديث الواردة فى طلاق ابن عمر، بل بالنبذة اليسيرة التى ذكرها
(الحافظ) ابن حجر فى "الفتح"، ولا سيما حديث شعبة عند الدار قطنى، وحديث سعيد بن عبد
الرحمن الجمحى عنده أيضا. يجزم أن المراجعة فى تلك الأحاديث بالمعنى الشرعى فقط،
وهو العود إلى المعاشرة الزوجية بعد الطلاق الرجعى، والحقيقة الشرعية هى المتعينة إلا عند وجود
صارف عنها ولا صارف ثم جاء الشوكانى وسلك طريق عدم تسليم إرادة المعنى الشرعى فى تلك
الأحاديث معتبرا بأن المعنى اللغوى أعم، وفاته أن الحقيقة الشرعية هى المتعينة فى الكتاب والسنة
باتفاق بين أهل العلم، فلا مجال لمنع إرادتها بعد الاعتراف بثبوتها، ثم أوغل فى التخريف
والتحريف، حيث أنكر فى نيل الأوطار أن يكون للمراجعة معنى شرعى، ظنا منه أن إغفال
الأحاديث التى هى نصوص فى المعنى الشرعى يكفى فى إضلال ضعفة أهل العلم، ولا يوجد من
يكشف الستار عن وجوه خيانته فى النقل، فسله لماذا لم ينقل قول ابن حجر فيه؟ وعند الدار قطنى
فى رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر فى القصة: "فقال عمر: يا رسول الله! فتحتسب

٧٠٢
إعلاء السنن
بتلك التطليقة؟ قال: نعم!" ورجاله إلى شعبة ثقات، وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن
الجمحى (وثقه ابن معين وغيره) عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رجلا قال: إنى
طلقت امرأتى البتة وهى حائض، فقال: عصيت ربك، وفارقت امرأتك. قال: "فإن رسول الله عَ لّه
أمر ابن عمر أن يراجع امرأته، قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعه بطلاق بقى له، وأنت لم تبق ما ترتجع
به امرأتك" وفى هذا السياق رد على من حمل الرجعة فى قصة ابن عمر على المعنى اللغوى انتهى
هذا على تقدير تسليم أن هناك معنى لغويا تصح إرادته فى أحاديث ابن عمر لكن من راجع معاجم
اللغة يتبين له أن المعنى اللغوى الأعم لا تصح إرادته فى تلك الأحاديث أصلا، فتبين أن قوله: "مره
فليراجعها" فى أحاديث ابن عمر نص فى المعنى الشرعى بدون حاجة إلى ما أخرجه الدار قطنى.
إن ابن عمر بلا شك إذ طلقها حائضا فقد اجتنبها، فإنما
:
وأما قول ابن حزم فى المحلى
،،
أمره عليه الصلاة والسلام برفض فراقه لها، وأن يراجعها كما كانت قبل بلا شك" اهـ. فإن كان
يريد بقوله: "كما كانت من قبل"، أى كما كانت قبل الطلاق، فهو اعتراف منه بأنه دليل على
الطلقة وإن كان يريد كما كانت قبل الاجتناب فهو ليس بمعنى لغوى ولا شرعى للكلمة، بل يمكن
أن يكون معنى مجازيا منتزعا من المعنى الشرعى، ولكن أين القرينة الصارفة عن الحقيقة الشرعية؟
ولفظ أبى الزبير عند أبى داود "فردها على ولم يرها شيئا". مجمل لا يدل على أن الطلقة لم
تقع، بل الرد عليه يفيد أن الطلقة ليست من إفادة البينونة فى شىء، والرد والإمساك يستعملان فى
الرجعة التى تعقب الطلاق الرجعى، ولو فرضنا أن فيه بعض دلالة على عدم الاحتساب، فقد قال
أبو داود: "الأحاديث كلها على خلاف هذا"، يعنى أنها حسبت عليه بتطليقة، وقد رواه البخارى
مصرحا بذلك، ولمسلم نحوه كما تقدم (وقد ذكر غير واحد أنه حكى عدم وقوع الطلاق البدعی
الإمام أحمد فأنكره، وقال: هو مذهب الرافضة)، وأبو الزبير مشهور بالتدليس، فمن يرد رواية
المدلس مطلقا يرد روايته، ويقبلها بشروط من يقبل رواية المدلس بشروط، ولم تتحقق تلك الشروط
هنا فترد روايته هذه اتفاقا. قال ابن عبد البر: "لم يقله أحد غير أبى الزبير، وقد رواه جماعة جلة
فلم يقل ذلك واحد منهم". وقال بعض أهل الحديث: "لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا".
حتى أن أبا الزبير لو لم يكن مدلسا وخالفه هؤلاء رواة حديث ابن عمر فى الصحيحين وغيرهما
لکان خبره هذا منکرا، فکیف وهو مدلس مشهور؟
وأما ما أخرجه ابن حزم بطریق محمد بن عبد السلام الخشنی عن محمد بن بشار عن عبد
الوهاب الثقفى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، فى الرجل يطلق امرأته وهى حائض، قال ابن

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧٠٣
عمر: "لا يعتد بذلك". فقد قال ابن حجر فى "تخريج الرافعى": "إنه بمعنى أنه خالف السنة،
لا بمعنى أن الطلقة لا تحسب"، على أن بندارا وإن كان من رجال الصحيح لكنه ممن ينتفى من
أحاديثهم لا ممن تقبل رواياتهم كلها، لأنه متهم بسرقة الحديث والكذب وغيره ذلك، وقد تكلم
فيه كثير من أهل النقد، وترجحت عدالته عند بعض أصحاب الصحاح، فروى من حديثه ما سلم
من النكارة، والبخارى لم يخرج حديثه هذا مع إكثاره عنه، وليس الخشنى كالبخارى فى الانتفاء
وإن كان ثقة، ودعوى أن حديث أحمد بطريق ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر يؤيد صحة
حديث أبى الزبير مما تضحك منه الثكلى (لأنه ليس من متابعة أبى الزبير فى شىء، وغايته أن ابن
لهيعة روى ذلك عن أبى الزبير أيضا، وابن لهيعة يدلس عن الضعفاء، واختلط بعد احتراق كتبه
اختلاطا شديدا، فلا يكتب حديثه إلا من رواية العبادلة الأربعة، ابن المبارك وابن وهب وابن يزيد
والقعنبى عنه، وليس هذا من رواية أحدهم بل من رواية حسن، على أن جماعة من أهل النقد
توقفوا فى رواية أبى الزبير عن جابر إلا ما كان بطريق الليث، حتى فيما لم يخالف فيه، كما ذكره
الحافظ أبو سعيد العلائى فى جامع التحصيل، وهذا ليست بطريق الليث) وعلى فرض صحتها
ليست مما يمكن أن يتصور تأييدها لعدم وقوع الطلاق فى حالة الحيض، لأن لفظها: "ليراجعها فإنها
امرأته" وهذا اللفظ من الأدلة على وقوع الطلاق فى تلك الحالة ودوام الزوجية بينهما ما دامت
العدة قائمة، كما يقول بذلك جماهير الفقهاء، فإن المراجعة إنما تكون بعد الطلاق الرجعى، وقوله:
"فإنها امرأته" نص فى دوام الزوجية بينهما، بل هذه الرواية تفسر إجمال الرواية الأخرى بأن معنى
"فليس بشىء" أن الطلاق فى حالة الحيض ليس بشىء يفيد البينونة ما دامت العدة قائمة،
فتفق رواية أبى الزبير مع رواية آخرين.
وما رواه ابن حزم بطريق همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو، قال فى الرجل
يطلق امرأته وهى حائض: "لا يعتد بها" فيه أن هماما فى حفظه شىء، وأن فيه عنعنة قتادة وهو
مدلس، على أن قوله: "لا يعتد بها"، مجمل يدور أمره بين أن تكون لا يعتد بها باعتبار أنه أتى
بالسنة، وبین أن تكون لا يعتد بها فى حد ذاتها، والإجماع يؤيد الاحتمال الأول، ولیس خلاس
ممن عرف بالشذوذ فى المسائل، ورأى ابن عبد البر فى أمثال هذا إرجاع الضمير إلى تلك الجيضة،
فإنها لا يعتد بها فى عدة المرأة.
وجنوح بعض الموسوسين إلى تائيد رواية أبى الزبير المنكرة بما فى جامع ابن وهب عن عمر
عن النبى معَّه أنه قال فى حق ابن عمر: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم

٧٠٤
إعلاء السنن
تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس تلك العدة التى أمر الله تعالى أن
تطلق لها النساء وهى واحدة" من قبيل الاستجارة من الرمضاء بالنار، وقد سعى ابن حزم وابن
القيم جهدهما فى التخلص من لفظ: "وهى واحدة"، بذكر احتمال كونه مدرجا بغير دليل،
لكونه نصا فى موضع النزاع يزداد به الجمهور حجة إلی حججهم.
واكتشف هذا الموسوس طريقا فى التخلص منه، وهو إرجاع الضمير إلى الطلقة المستفادة
من قوله: "وإن شاء طلق" فلنفرض إرجاعه إليها كما يشتهيه مع خلوه من الفائدة ومع ما فيه من
صرف الكلام عن المحدث عنه، لكن أين يوجد فى هذا أدنى تائيد لرواية أبى الزبير؟ وقصارى ما
يفيده أن ابن عمر طلق امرأته فى الحيض، فأمره النبى معَِّ بأن يراجعها على أن يكون مخيرا فيما
بعد بين أن يمسكها ويطلقها، وهذه الطلقة غير المعلوم إيقاعها واحدة فمن الذى يقول عن هذه
الطلقة غير المعلوم وقوعها فى الخارج أنها اثنتان أو ثلاث؟ وهى واحدة، حتما إذا وقعت فى الخارج
وتحققت، وهل ينافى فرض كونها واحدة أن يقع قبلها طلاق عن المرأة حقيقة كما يدل عليه لفظ
المراجعة فى الحديث؟ على أن القول ببطلان الطلاق فى الحيض يجعل الطلاق بيد المرأة، حيث
لا يعلم الحيض والطهر إلا من جهتها، فإذا طلق الرجل وقال المرأة: "إن الطلاق كان فى الحيض،
يعيد الرجل الطلاق، ويكرره فى أوقات إلى أن تعترف بأن الطلاق كان فى الطهر، أو يسأم
الرجل ويعاشرها معاشرة غير شرعية، وهو يعلم أنه طلقها ثلاثا فى ثلاث أطهار، وفى ذلك من
المفاسد ما لا يخفى على متفقه.
قال: قد ادعى بعض المتهوسين: أن لفظ: "طالق ثلاثا" فى الإنشاء والإبقاع محال عقلا،
باطل لغة، فصار لغوا من الكلام لم يعرفها الصحابة، ولم يمضها أحد منهم على الناس، وإنما الذى
أمضوه هو ما كان بالتكرار، وكلمة "أنت طالق ثلاثا" محال، وإنما هى تلاعب بالألفاظ، بل هى
تلاعب بالعقول والأفهام، ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة التابعين فمن بعدهم إلخ.
فيا للفقه ويا للإسلام! يتكلم فى الدين مثله بهذا التهور فى مثل هذا البلد الطيب، ولا تعرك أذنه،
يتخيل خلافا بين الصحابة والتابعين فى الطلاق الثلاث، ولا خلاف بينهم أصلا إلا فى خياله،
ولا الطلاق بأنت طالق ثلاثا بمجهول عندهم، بل يعرفه الصحابة والتابعون، وتعرفه العرب،
ولم يجهله إلا هذا الموسوس.
ومن الأدلة الظاهرة على ما قلنا ما أخرجه البيهقى فى سننه والطبرانى وغيرهما عن إبراهيم
ابن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة، قال: "كانت عائشة بنت الفضل عند الحسن ابن على رضى الله

ج-١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧٠٥
عنهما، فلما بويع بالخلافة هنأته، فقال الحسن: أتظهرين الشماتة بقتل أمير المؤمنين؟ أنت طالق
ثلاثا، ومتعها بعشرة آلاف، ثم قال: لو لا أنى سمعت رسول الله مَّ ◌ُلّ جدى، أو سمعت أبى
يحدث عن جدى ◌ّ، أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو طلق ثلاثا مبهمة،
لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، لراجعتها" اهـ. وإسناده صحيح، قاله ابن رجب الحنبلى الحافظ
(قلت: قد ذكرت الحديث فى الإيلاء من طريق الدار قطنى وحسنت سنده). ومما كتب عمر رضى
الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه "من قال: أنت طالق ثلاثا، فهى ثلاث". كما
أخرجه أبو نعيم.
وروى محمد بن الحسن فى "الآثار" بسنده عن إبراهيم النخعى، فى الذى يطلق واحدة
وهو ینوی ثلاثا، أو يطلق ثلاثا وهو ينوى واحدة، قال: "إن تكلم بواحدة فهی واحدة، وليست
نيته بشىء، وإن تكلم بثلاث كانت ثلاثا، وليست نيته بشىء"، قال محمد: "بهذا كله نأخذ،
وهو قول أبى حنيفة".
وقال عمر بن عبد العزيز كما فى الموطأ: "لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منها شيئا، من
قال البتة فقد رمى الغاية القصوى" اهـ. هذا رأيه فى لفظ البتة فضلا عن لفظ الثلاث. وقال
الشافعى فى "الأم" (٢٤٧:٥): "ولو رأى امرأة من نساءه مطلعة فقال: أنت طالق ثلاثا، وقال
لواحدة منهن: هى هذه، وقع عليها الطلاق اهـ.
وقال الشاعر العربى حينما استعصت عليه قافية الثاء فى مباراته مع صاحبيه:
وأم عمرو طالق ثلاثا
وكذلك قال الشاعر العربى الآخر:
وأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
وما لامرئ بعد الثلاث تندم
فبینی بها إن كنت غير رفيقة
حتى سأل الكسائى محمد بن الحسن عن ذلك، فأجابه بما استحسنه كما فى "مبسوط
شمس الأئمة السرخسى" وغيره، بل أطال النحاة الكلام فيه، ولا يقدر أحد أن ينقل شيئا ينافى
إرسال الثلاث بلفظ واحد عن أحد من أئمة النحو والعربية، فمن أين لأحد أن يتحكم، ويقول: إن
الطلاق الثلاث بلفظ واحد لم يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا الفقهاء، ولا عرفته العرب ولم يكن
إيقاع الثلاث عندهم إلا بتكرير لفظ الطلاق؟ وكل ذلك افتراء على الصحابة والتابعين، وفقهاء
الدين، والعرب والعربية، فها هو قد عرفه الحسن السبط وهو صحابى عربى، وعرفه أبوه

٧٠٦
إعلاء السنن
وجده عليهم السلام، وعرفه عمر وأبو موسى رضى الله عنهما، وعرفه إبراهيم النخعى الذى يقول
عنه الشعبى: "ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه، لا الحسن ولا ابن سيرين، ولا من أهل البصرة،
ولا من أهل الكوفة، ولا من أهل الحجاز والشام" وعرفه عمر بن عبد العزيز، وهو هو، وعرفه أبو
حنيفة، وهو الإمام الوحيد الذى نشأ فى مهد العلوم العربية، وعرفه محمد بن الحسن الذى اتفقت
كلمات الموافقين والمخالفين على أنه حجة فى العربية، وعرفه الشافعى وهو الإمام القرشى الوحيد
بين الأئمة، وعرفه قبلهما مالك، عالم دار الهجرة، وعرفه هذا الشاعر العربى، وذاك الشاعر العربى،
فيا ترى! هل يندى بعد هذا البيان جبينه ويتحول يقينه؟ وإلغاء العدد فى الإنشاء لعله رويا رأها فى
المنام، وحاول أن يبنى عليها الأحكام، ودعوى الغاء العدد فى الإنشاء من الدعاوى التى أولادها
أدعياء، إذ تبين بما سبق بيانه أنه لا فرق بين الخبر والإنشاء ولا بين الطلبى وغيره، فى صحة مجبئ
المفعول المطلق العددى بعدها عند مساس الحاجة إلى ذكرها لا لغة ولا نحوا، ومحاولة القياس فى
مورد النص سخيف.
وحديث محمود بن لبيد فى غضب الرسول ◌َّه على رجل جمع بين الثلاث على تقدير
صحته لا يدل على عدم الوقوع بوجه من الوجوه المعتبرة عند أهل الاستنباط، بل على الإثم خلافا
للشافعى وابن حزم، والأكثرون على أن وقوع الثلاث مجموعة مقرون بالإثم، وسيأتى الكلام على
حديث ابن إسحاق فى تطليق وكانة ثلاثا، رواه أحمد.
ومن الدليل على وقوع الثلاث بلفظ واحد حديث الملاعنة المخرج فى صحيح البخارى
حيث قال عويمر العجلانى فى مجلس الملاعنة: "كذبت عليها إن أمسكتها يا رسول الله! فطلقها
ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله عَّ ◌ُله". ولم يرد فى رواية من الروايات أنه عليه السلام أنكر عليه
ذلك، فدل على وقوع الثلاث مجموعة، لأن رسول الله مرّ له لم يكن ليدع الناس يفهمون وقوع
الثلاث بلفظ واحد، لو لم يكن ذلك صحيحا شرعا، وقد فهم منه ذلك الأمة جمعاء، حتى ابن
حزم، حيث قال: "إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته، ولو لا وقوع الثلاث مجموعة لأنكر ذلك
عليه". وفهم البخارى أيضا من الحديث ما فهمه الأمة جمعاء من الوقوع، حيث ساقه فى باب من
أجاز طلاق الثلاث. والحاصل أن وقوع الثلاث مجموعة موضع اتفاق بين جميع من يعتد بقولهم،
كما قاله ابن التين، ولم ينقل الخلاف إلا عن غائط، أو عمن لا يعتد بخلافه، كما سيأتى تحقيقه
وابن حجر سها ههنا (حيث أبدى الخلاف) تعويلا على مثل ابن مغيث، وليس للمحدث أن يعول
على مثله بدون أن يروى الخلاف بأسانيد صحيحة عمن يقول عليهم.

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧٠٧
هل وقوع الطلاق البدعى مسألة خلافية بين الصحابة والتابعين؟
قال: الأحاديث كثيرة جدا فيمن طلق ألفا، أو مائة، أو تسعا وتسعين، أو عدد النجوم، أو
ثمانية ونحوها، عن الرسول عّ لّه وعن أصحابه الفقهاء والتابعين، ومن بعدهم فى "الموطأ"،
ومصنف ابن أبى شيبة، وسنن البيهقى وغيرها، كل ذلك يدل على وقوع الثلاث بلفظ واحد، لأن
من البعید جدا أن يوجد بین الصحابة من لا یعرف انحصار عدد الطلاق فی ثلاث، حتى يوقع
الطلاق مرة بعد أخرى إلى أن يبلغ العدد ألفا أو مائة أو تسعا وتسعين، ولا يرشدهم فقهاء الصحابة
لعدد الطلاق فى الشرع.
ومحال أن يتصور على الصحابة مثل هذا الإهمال، فإذن هى ألفاظ المطلقين عند تطليقهم
لنساءهم، فأحدهم قال: هى طالق ألفا، والآخر قال: هى طالق مائة، وثالث قال: هى طالق تسعا
وتسعين، قصدا منهم إلى إيقاع ما تحصل به البينونة الكبرى، وهو ظاهر لا يحتمل التشغيب بوجه
من الوجوه.
وفى رواية يحيى الليثى عن مالك، أنه بلغه: "أن رجلا قال لعبد الله بن عباس: إنى طلقت
امرأتى مائة تطليقه، فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت
بها آيات الله هزوا وأسنده ابن عبد البر فى التمهيد، وأخرج ابن حزم فى المحن بطريق عبد الرزاق
عن سفيان الثورى عن سلمة بن كهيل: "نا زيد بن وهب أنه رفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق
امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت؟ فقال: إنما كنت ألعب فعلاه بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك
ثلاث". ومثله فى سنن البيهقى بطريق شعبة.
وأخرج ابن حزم أيضا بطريق وكيع عن جعفر بن يرقان عن معاوية بن أبى يحيى، أنه قال:
"جاء رجل إلى عثمان بن عفان، فقال: طلقت امرأتى ألفا، فقال: بانت منك بثلاث".
ومن: طريق عبد الرزاق عن الثورى عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير: "أن ابن عباس
قال لرجل طلق ألفا: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها وزر عليك، اتخذت آيات الله هزوا". ومثله فى
"سنن البيهقى".
وأخرج ابن حزم أيضا: من طريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت، عن على
كرم الله وجهه: "أنه قال لمن طلق ألفا: ثلاث تحرمها عليك". الحديث ومثله فى "سنن البيهقى".
وأخرج الطبرانى عن عبادة عن النبى معَِّ، فى رجل طلق ألفا: "أما ثلاث فله، وتسعمائة
وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه ، وإن شاء عفر له". ومثله فى مصنف عبد الرزاق

٧٠٨
إعلاء السنن
عن جد عبادة، إلا أن فى رواية عبد الرزاق عللا (قلت: وفى إسناد الطبرانى عبيد الله بن الوليد
الوصافى العجلى وهو ضعيف كما فى "التقريب" و"التهذيب"، ومع ذلك روى عنه الجلة،
سفيان الثورى والمحاربى وعيسى بن يونس ووكيع ويعلى بن عبيد وغيرهم).
وأخرج البيهقى بطريق شعبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: "أنه قال لمن طلق
امرأته مائة تطليقة: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا ثم قرأ:
يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن".
وأخرج أيضا بطريق شعبة عن الأعمش عن مسروق عن عبد الله، يعنى ابن مسعود: أنه قال
لمن طلق امرأته مائة: بانت بثلاث، (سائرهن عدوان". وأخرج بن حزم بطريق عبد الرزاق عن
معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: "أنه قال لرجل طلق امرأته تسعا
وتسعين: ثلاث تبينها، وسائرهن عدوان". وأخرج ابن حزم أيضا بطريق وكيع عن إسماعيل بن
أبى خالد عن الشعبى أنه قال: قال رجل لشريح القاضى: طلقت امرأتى مائة فقال شريح: بانت
منك بثلاث وسبع وتسعون إسراف ومعصية".
وصح: عن زيد بن ثابت وابن عمر رضى الله عنهم أن لفظ "حرام والبتة" ثلاث تطليقات،
كما فى محلى ابن حزم، ومنتقى الباجى وغيرهما. وذلك جمع للثلاث بلفظ واحد.
وأخرج البيهقى عن مسلمة بن جعفر: "أنه قال لجعفر بن محمد الصادق: إن قوما يزعمون
أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة، ويجعلونها واحدة، يروونبها عنكم، قال: معاذ الله! ما هذا
من قولنا، من طلق ثلاثا فهو كما قال" (قلت: وقد تقدم حديث الحسن بن على فى ذلك مرفوعاً
فتذكر وهو صريح صحيح).
وفى المجموع الفقهى: عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن على عليه السلام: "أن رجلا
من قريش طلق امرأته مائة تطليقة، فأخبر بذلك النبى معَّ له، فقال: بانت منه بثلاث، وسبع وتسعون
معصية فى عنقه.
وأخرج مالك والشافعى والبيهقى عن عبد الله بن الزبير: "أن أبا هريرة قال: الواحدة تبينها،
والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره". وقال ابن عباس مثل ذلك فى رجل من أهل البادية طلق
مرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ومثل ذلك عن عبد الله بن عمرو.
وأسند عبد الرزاق عن ابن مسعود فيمن طلق تسعا وتسعين: ثلاث تبينها وسائرهن عدوان.
وقال محمد بن الحسن فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧٠٩
حسين عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، قال: أتاه رجل، فقال إنى طلقت امرأتى ثلاثا،
قال: يذهب أحدكم يتلطخ بالنتن ثم يأتينا، إذهب فقد عصيت ربك، وقد حرمت عليك امرأتك،
لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك". قال محمد: "وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة وقول العامة
لا اختلاف فیه".
وقال الحسين بن على الكرابيسى فى "أدب القضاء": أخبرنا على بن عبد الله (وهو ابن
المدينى) عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن طاوس، أنه قال: "من حدثك عن طاوس أنه
کان یری طلاق الثلاث واحدة فکذبه".
وروى ابن جريج قال: "قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: طلاق البكر الثلاث واحدة؟
قال: لا بلغنى ذلك عنه، وعطاء أعلم الناس بابن عباس".
وقال أبو بكر الرازى الجصاص فى "أحكام القرآن" بعد أن سرد ما يدل على وقوع الثلاث
من الآيات والأحاديث وأقوال السلف: "فالكتاب والسنة وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث
معا وإن كان معصية" اهـ. وقال أبو الوليد الباجى فى "المنتقى". "فمن أوقع الثلاث بلفظة واحدة
لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة الفقهاء، والدليل على ما نقوله إجماع الصحابة، لأن هذا
مروى عن ابن عمر، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبى هريرة، وعائشة
رضی الله عنهم، ولا مخالف لهم" اهـ. وقال أبو بكر بن العربی عند الكلام فی حدیث ابن عباس
فى إمضاء الثلاث: "هذا حديث مختلف فى صحته فكيف يقدم على الإجماع، ويعارضه حديث
محمود بن لبيد، فإن فيه التصريح بأن الرجل طلق ثلاثا مجموعة، ولم يرده النبى معَِّ بل أمضاه".
اهـ. وأبو بكر بن العربى حافظ واسع الرواية جدا، وغضبه عليه السلام أيضا يدل على وقوعها،
وابن عبد البر توسع فى التمهيد والاستذكار فى سرد الأدلة على المسألة، وإثبات الإجماع فيها.
وقال ابن الهمام فى "فتح القدير": "لا تبلغ عدة المجتهدين الفقهاء من الصحابة أكثر من
عشرين، كالخلفاء والعبادلة، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، (وعائشة) وأنس، وأبى هريرة رضى
الله عنهم، وقليل سواهم، والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم، وقد أثبتنا النقل عن أكثرهم
صريحا بإيقاع الثلاث، ولم يظهر لهم مخالف، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وعن هذا لو حكم
حاكم بأن الثلاث بفم واحد واحدة، لم ينفذ حكمه، لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فهو خلاف
لا اختلاف، والرواية عن أنس بأنها ثلاث أسندها الطحاوى وغيره" اهـ.
ومن أحاطه خبرا بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة رضى

٧١٠
إعلاء السنن
الله عنهم يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهمام فى المسألة، وفى عدة المجتهدين من الصحابة، وإن سعى
بن حزم فى تكثير عددهم جدا، بأن حشر فى عدادهم كل من روى عنه مسألة أو مسألتان فى
لفقه (حتى أنه عد معهم الغامدية وما عزا أيضا، وما أدرى بأى طريق عدهما معهم، ولعله تخيل أن
إقدامهما على الإقرار بالزنا من غير استيذان من النبى عّ لّ فى ذلك هو اجتهاد منهما لجواز
الإقرار، وقد أقرا عليه، فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال، كذا فى "أعلام الموقعين" لابن
القيم ٦:١)، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان فى الفقه أو حديث أو حديثان فى السنة أن
يعد فى المجتهدين؟ كائنا من كان، وإن كانت منزلة الصحابة فى الصحبة عظيمة القدر جدا، وهو
ظاهر، ولم يفعل ابن حزم ذلك إجلالا للصحابة فى العلم، بل ليتمكن من معاكسة الجمهور فى
مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كل منهم، ومن تخيل اشتراط النقل عن مائة ألف
صحابى مات عنهم النبى عَّه فى صحة الإجماع على شىء فقد غرق فى بحر الخيال،
وكان الحافظ ابن رجب (١) الحنبلى من أتبع الحنابلة لابن القيم وشيخه، ثم تيقن ضلالهما فى كثير
من المسائل ورد على قولهما فى هذه المسألة، فى كتاب سماه "بيان مشكل الأحاديث الواردة فى
أن الطلاق الثلاث واحدة". وفى ذلك عبرة بالغة لمن انخدع بتشغيبهما من غير أن يعرف مداخل
الأحاديث ومخارجها.
ومن جملة ما يقال ابن رجب فى كتابه المذكور: "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة
ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم فى الفتاوى فى الحلال والحرام شىء صريح فى أن
الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد وعن الأعمش(٢) أنه كان بالكوفة
شيخ يقول: سمعت على بن أبى طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فى مجلس واحد ترد إلى
ذلك، يأتون ويستمعون منه، فأتيته، وقلت له: هل سمعت على بن أبى طالب يقول؟ قال: سمعته
يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فى مجلس واحد فإنها ترد إلى واحدة، فقلت: أين سمعت هذا
من على؟ فقال أخرج إليك كتابى، فأخرج كتابه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا
ما سمعت على بن أبى طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فى مجلس واحد فقد بانت منه،
ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قلت: ويحك هذا غير الذى تقول، قال: الصحيح هو هذا،
ولكن هؤلاء أرادونى على ذلك" اهـ. ثم ساق ابن رجب حديث الحسن بن على عليهما السلام،
السابق ذكره بسنده، وقال: "إسناده صحيح".
وقال الحافظ الجمال بن عبد الهادى الحنبلى فى كتابه "السير الحارث -أى الحثيث- فى علم

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧١١٠٠٠٠
الطلاق الثلاث": "الطلاق الثلاث يقع ثلاثا، هذا الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح
زوجا غيره، وهذا القول مجزوم به فى أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد، كالخرقى والمقنع والمحرر
والهداية وغيرها، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) عن حديث ابن عباس: كان
الطلاق على عهد رسول الله عَّه وأبى بكر وعمر واحدة. بأى شئ تدفعه؟ فقال: برواية الناس عن
ابن عباس أنها ثلاث، وقدمه فى الفروع، وجزم به فى المغنى، وأكثرهم لم يحك غيره" اهـ.
وقوله: "أكثر كتب أصحاب أحمد" إنما هو بالنظر إلى من بعد أحمد بن تيمية من المتأخرين، وهم
اغتروا بابن تيمية، فلا يعد أقوالهم قولا فى المذهب، وذكر إسحاق بن أحمد شيخ الترمذى فى
مسائله عن أحمد مثل ما ذكره الأثرم، بل عد أحمد بن حنبل مخالفة ذلك خروجا عن السنة،
حيث قال فى جواب كتبه إلى مسدد بن مسرهد عن السنة: "ومن طلق ثلاثا فى لفظ واحد فقد
جهل، وحرمت عليه زوجته، ولا تحل له أبدا حتى تنكح زوجا غيره" اهـ. وهذا الجواب أسنده
القاضى أبو الحسن بن أبى يعلى الحنبلى فى طبقات الحنابلة، عند ترجمة مسدد بن مسرهد،
وسنده مما يعول عليه الحنابلة، وإنما عده من السنة لأن الروافض كانوا يخالفون ذلك تلاعبا منهم
بأنكحة المسلمين.
وفى "التذكرة" للإمام الكبير أبى الوفاء ابن عقيل الحنبلى: "وإذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا
طلقتين، وقعت الثلاث، لأنه استثناء الأكثر، فلم يصح الاستثناء. وقال أبو البركات مجد الدين عبد
السلام بن تيمية الحرانى الحنبلى المؤلف منتقى الأخبار فى كتابه المحرر: ولو طلقها اثنتين أو ثلاثا
بكلمة أو كلمات فى طهر فما فوق من غير مراجعة وقع، وكان للسنة" اهـ. وأحمد بن تيمية
يروى عن جده هذا أنه كان يفتى برد الثلاث إلى واحدة، وأنت ترى نص قوله فى المحرر، ونبرئه أن
يكون يبيت من القول خلاف ما يصرح به فى كتبه وإنما ذلك شأن المنافقين والزنادقة، ومذهب
الشافعية فى المسألة أشهر من نار على علم.
وقد ألف أبو الحسن السبكى والكمال والزملكانى وابن جهيل وابن الفركاح والعنزين
جماعة والتقى الحصنى وغيرهم مؤلفات فى الرد على ابن تيمية فى هذه المسألة، وابن حزم
الظاهرى على افتتانه بالشذوذ فى المسائل لم يسعه إلا يسلك سبيل الجمهور، بل أفاض فى المحلى فى
التدليل على وقوع الثلاث بلفظ واحد بتوسع يجب الإطلاع عليه، ليعلم مبلغ زيغ من يزعم
خلاف ذلك، وبهذا استبان قول الأمة جمعاء فى المسألة من الصحابة والتابعين وغيرهم،
والأحاديث التى سقناها لا تدع قولا لقائل فى وقوع الثلاث بلفظ واحد.
؟

٧١٢
إعلاء السنن
وظهر به بطلان قول من قال: "إن الخلاف فى وقوع الطلاق البدعى، والطلاق ثلاث مرات
جميعا ثابت من عهد الصحابة فمن بعدهم فى كل عصر، وكان أئمة أهل البيت رضى الله عنهم
يفتون بعدم الوقوع" إلخ. فقد عرفت أن احتساب الطلقة فى الحيض منصوص فى أحاديث سبق
ذكرها. وزيادة أبى الزبير التى يحاول أذيال الخوارج والروافض التمسك بها زيادة منكرة، وقد قال
أبو داود: "أحاديثهم على خلاف ما قال أبو الزبير". وقال ابن عبد البر: "منكر لم يقله غير أبى
الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه"؟ وقال الخطابى: قال
أهل الحديث: "لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا. وقال أبو بكر الجصاص: "غلط، فأنى يمكن
لهم التمسك بمثل هذه الزيادة المنكرة باتفاق من يعى ما يقول، على أنها على تقدير ثبوتها بعيدة من
الدلالة على ما يزعمون، لأن قوله: "ولم يرها شيئا" يحتمل ما ذكره الخطابى وابن عبد البر أى
لم يرها شيئا مستقيما، أو صوابا إلى آخر تلك الاحتمالات المسرودة فى موضعها، وقد روينا الإفتاء
بوقوع ما أوقع من الطلاق فى الحيض والطهر، بدون أى فرق بين الواحدة والاثنتين والثلاث فى
وقوعها فينها إلا من جهة الإثم، عن عمر فى سنن سعيد بن منصور، وعثمان بن عفان فى محلى
ابن حزم، وعلى وابن مسعود فی سنن البيهقى، وابن عباس وأبى هريرة وابن الزبير وعائشة وابن
عمر فى موطأ مالك وغيره، ومغيرة بن شعبة والحسن بن على فى سنن البيهقى، وعمران بن حصين
فى منتقى الباجى، وفتح ابن الهمام، وأنس فى آثار الطحاوى وغيرهم، بدون أن تصح مخالفة أحد
من الصحابة لهم.
وقال الخطابي: "القول بعدم وقوع الطلاق البدعى قول الخوارج والروافض". وقال ابن عبد
البر: "لا يخالف فى ذلك إلا أهل البدع والضلال". وقال ابن حجر فى آخر كلامه على الطلاق
الثلاث فى فتح البارى: "فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث
الاختلاف بعد الاتفاق" اهـ. فوصل إلى نتيجة أن وقوع الثلاث مجموعة على المدخول بها مسألة
إجماعية، كتحريم المتعة على حد سواء، وكلامه هذا يدل على أنه لا يرى هناك خلافا يعتد به، وإلا
لما أمكنه أن يدعى الإجماع فى المسألة عند ما يختم تحقيقه، فقوله فيما سبق: "إن الخلاف فى
الوقوع نقله ابن مغيث فى الوثائق عن على وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير، وعزاه
لمحمد بن وضاح، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس، كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار" اهـ.
إنما هو اعترض صورى، وكيف لا وهو يعلم جيدا أنه لن يثبت عن هؤلاء الأربعة من الصحابة،
هؤلاء الثلاثة من أصحاب ابن عباس شىء ينافى ما عليه الجمهور، ولو لا رغبة فى جمع

٧١٣
ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
كل ما قيل فى كتابه لما أباح لنفسه أن ينقل مثل هذه النقول الزائفة. وابن مغيث هو أبو جعفر أحمد
بن محمد بن مغيث الطليطلى المتوفى ٤٥٩ هـ، وليس هو ممن عرف بالأمانة فى النقل، ولا بجودة
الفهم فى تفقهاته، وقوله فى تعليل الرأى الشاذ (أن قوله ثلاثا لا معنى له، لأنه أخبر) من الدليل على
أنه ما شم رائحة الفقه والفهم، وكان معانى عمل كل مفت ما عن، وقد عزا تلك الروايات لمحمد
ابن وضاح بدون ذكر سند، مع أن بينهما مفاوز، وأنى يعول على مثل ابن مغيث هذا؟ وليس ابن
مغيث صاحب الوثائق سوى مضرب مثل للجهل والسقوط العلمى فى الغرب بين نقاد أهل العلم
من الأندلسيين.
قال أبو بكر بن العربى فى "القواصم والعواصم" بعد أن شرح كيف تعاطت المبتدعة فى
الغرب منصب الفقهاء، حتى اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " ثم يقال:
قال فلان الطليطلى، وفلان المجريطى. وابن مغيث لا أغاث الله نداء ولا أنا له رجاءه، فيرجع
القهقرى، ولا يزال إلى وراء" إلخ. وموضع التعويل على النقل عن الأصحاب إنما هو مثل الأصول
الستة، وباقى السنن والجوامع والمسانيد والمعاجم والمصنفات ونحوها مما لا يذكر فيه نقل عن أحد
إلا ومعه إسناده، وأين فيها نقل خلاف ما عليه الجمهور عن هؤلاء؟ بل صح النقل عن على كرم
الله وجهه بمثل ما عليه الجمهور، أخرجه البيهقى وابن حزم بطريق وكيع عن الأعمش عن حبيب
بن أبى ثابت عنه، وروى عنه ابنه الحسن فيمن طلق ثلاثا مبهمة، وإسناده صحيح كما قال ابن
رجب، وفيما رواه ابن رجب عن الأعمش عبرة كما سبق، وكذلك صح النقل عن ابن مسعود أنه
قال بمثل ذلك، وقد سبق ذكره، وفقهاء العراق والعترة الطاهرة من أصحاب زيد بن على من أتبع
أهل العلم لهما، وأنى يصح عن عبد الرحمن بن عوف خلاف ما فعله هو فى طلاق امرأته الكلبية
فى مرض موته؟ وقد ذكر ابن الهمام أنه كان طلقها ثلاثا فى مرض موته (١) وقد ورد ذكر تطليقة
ثلاثا فى مرض موته فى لفظ حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه (المحلى ٢٢٠:١٠). وفى
لفظ عبد الرزاق: عن ابن جريج عن ابن أبى مليكة عن ابن الزبير، وفى لفظ أبى عبيدة عن يحبى
ابن سعيد القطان عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، (المحلى ٢٢٣:١٠). وفى لفظ
معلى بن منصور: عن الحجاج بن أرطاة عن أبى مليكة عن ابن الزبير (المحلى ٢٢٩:١٠). وما وقع
فى "الموطأ"، وغيره من لفظ البتة ونحوه فمحمول على الثلاث بتلك النصوص، وليس أحد يعز
وبسند إلى عبد الرحمن بن عوف خلاف ما عليه جمهور الصحابة من وقوع الثلاث، حتى أن من
یری أنه لا إثم فى الجمع بين الثلاث يستدل بفعل ابن عوف هذا كما فى فتح ابن الهمام، فتبين أنه
مع الجمهور حتما فى إيقاع الثلاث مجموعة.

٧١٤
إعلاء السنن
وأما الزبير فأنى يصح عنه خلاف ما عليه جمهور الصحابة، وابنه عبد الله من أعلم الناس
به؟ وهو حينما سئل عن طلاق البكر ثلاثا، قال للسائل: ما لنا فيه قول، فاذهب إلى ابن عباس وأبى
هريرة، فسلهما ثم ائتنا، فأجابا بأن الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، كما فى
موطأ مالك، فلو كان عنده عن أبيه أن الثلاث واحدة فى المدخول بها لما تأخر عن ذكر ما عنده،
لأن غير المدخول بها أولى بذلك الحكم.
وأما ما ينسب إلى محمد بن وضاح الأندلسى من الشذوذ فى هذه المسألة فماذا تكون
قيمته على تقدير صحة النسبة إليه؟ وهو الذى يقول عنه الحافظ أبو الوليد الفرضى: "أنه كان
جاهلا بالفقه وبالعربية، ينفى كثيرا من الأحاديث الصحيحة، فمثله يكون بمنزلة العامى، وإن
كثرت روايته والاشتغال برأى هذا الطليطلى، وذاك المجريطى من المهملين، شغل من لا شغل عنده،
فلا نشتغل بكل ما يحكى".
وأما ما عزاه ابن حجر إلى ابن المنذر من أنه نقله عن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار فهو
كشوف، فإن كلام هؤلاء الثلاثة فى حق غير المدخول بها كما فى منتقى الباجى (٨٣:٤)،
ومحلى ابن حزم (١٧٥:١٠). وليس كلامنا فى حق غير المدخول بها، وأما قولهم فى إيقاع
الثلاث مجموعة على المدخول بها، فکقول الجمهور على حد سواء، وقد سبق عن ابن عباس
الافتاء بوقوع الثلاث مجموعة بطريق عطاء وعمرو بن دينار، فى الآثار للإمام محمد بن الحسن
الشيبانى، وفى مسائل إسحاق بن منصور، كما روينا تكذيب القول بأن الثلاث واحدة عن ابن
طاوس عن أبيه بطريق الكرابيسى، ثم ابن المنذر نفسه يعد المسألة من مسائل الإجماع فى كتابه
الذى ألفه فى الإجماع، فكيف يصح أن يذكر خلافا فى المسألة.
وأما الروافض ومن انخدع بهم من الإمامية فليسوا ممن يعتد بخلافهم، وأما الشيعة الذين
يدعون اتباع مذهب جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام محجوجون بقول هذا الإمام الجليل
نفسه فى وقوع الثلاث بلفظ واحد، كما سبق نقلا عن سنن البيهقى، ومن نسب إلى جمهرة أهل
البيت ما يخالف ذلك فهو مختلق أثيم، وإن كان لا بد من النقل عن الكتب المدونة فى فقه العترة
الطاهرة رضى الله عنهم، فدونك "الروض النضير فى شرح المجموع الفقهى الكبير" وهو أحق
بالتعويل من كتب أمثال النجم الحلى للفرق العظيم الماثل أمام أعيننا بين كتب هؤلاء، ففى الروض
النضير (٤: ١٣٧): "إن وقوع الثلاث بلفظ واحد هو مذهب جمهور أهل البيت، كما حكاه
محمد بن منصور فى الأمالى بأسانيده عنهم، وروى فى الجامع الكافى عن الحسن بن يحيى أنه

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧١٥
قال: رويناه عن النبى عَّه، وعن على عليه السلام، وعلى بن الحسين، وزيد بن على، ومحمد بن
على الباقر، ومحمد بن عمر بن على، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله،
وخيار آل بيت رسول الله مرّ طالله"، ثم قال الحسن أيضا: "أجمع آل الرسول على أن الذى يطلق ثلاثا
فى كلمة واحدة أنها قد حرمت عليه، سواء كان قد دخل بها الزوج أو لم يدخل، ورواه فى
"البحر": عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبى هريرة وعن على كرم الله وجهه والناصر والمؤيد
ويحيى ومالك وبعض الإمامية" اهـ. فلا يصح نسبة الإفتاء بعدم الوقوع إليهم بعد هذا البيان
الصريح.
حديث ابن عباس فى إمضاء عمر للثلاث
قال: أما حديث ابن عباس الذى يدندن حوله هؤلاء الشذاذ على أمل أنهم يجدون فيه بعض
متمسك لهم فى خروجهم على الأمة، فهو ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: "كان
الطلاق على عهد رسول الله عّ لّه وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال
عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا فى أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلم أمضيناه عليهم، فأمضاه
عليهم". وفى لفظ عن طاوس: "إن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن طلاق
الثلاث على عهد رسول الله عَّه وأبى بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان فى عهد عمر
تتابع الناس فى الطلاق، فأجازه عليهم، وفى لفظ عن طاوس: "إن أبا الصهباء قال لابن عباس:
أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبى عدّ له وأبى بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ فقال ابن
عباس: نعم!" أخرج الأحاديث الثلاثة مسلم فى صحيحه، وأما لفظ: "إن ثلاثا كن يردون إلى
واحدة"، عند الحاكم فى مستدركه، فمن رواية عبد الله بن المؤمل، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم
وابن عدى، وقال أبو داود: "منكر الحديث"، ولفظ ابن أبى مليكة فى الحديث لفظ انقطاع،
ولولا تشيع الحاكم لأبى تخريج الحديث فى "مستدركه".
فلننظر أولا فى لفظ الثلاث هل هو كل ثلاث من أنواع الطلاق بحمل اللام على
الاستغراق، أم المراد ما هو معهود منها؟ فالحمل على العموم متعذر، لأن الثلاث المفرقة على
الأطهار لا يتصور توحيدها أصلا، ولا يقول به أحد، فلم يبق إلا احتمال أن يكون المراد بالثلاث
الثلاث غير المفرقة على الأطهار التى لا وطأ فيها، دائر هذا الاحتمال بين أن يكون إيقاعها بلفظ
واحد أو بألفاظ، فإذا كان إيقاعها بألفاظ فأما أن يكون على التعاقب فى المدخول بها، أو غير
المدخول بها، فبأول لفظ تبين غير المدخول بها من غير أن تبقى محلل للثانى والثالث، وأما
:

٧١٦
إعلاء السنن
المدخول بنها فإن أراد المطلق بها واحدة، وأتى بالثانى والثالث على التعاقب لأجل التاكيد يقبل قوله
ديانة، وأما إذا كان إيقاعه بألفاظ غير متعاقبة أو بلفظ واحد، فيدور أمر الحديث بين احتمالين، إما
أن يكون معناه أن الثلاث الجارى إيقاعها ١- هذا هو ما قاله أبو زرعة الحافظ، رواه البيهقى فى
سننه من طريق ابن أبى حاتم عنه، قال: "معنى هذا الحديث عندى أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا
يطلقون واحدة فى زمن النبى معَّ وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما" اهـ (٣٣٨:٧). (مؤلف)
الآن كان يجرى إيقاع واحدة بدلها فى عهد الرسالة وعهد أبى بكر، وأوائل عهد عمر
رضى الله عنهما، وكان الناس يراعون السنة فى تفريق التطليقات على الأطهار فى تلك العهود، ثم
تتابعوا فى إيقاعها جميعا فى حيض أو طهر واحد بلفظ واحدٍ، أو بألفاظ غير متعاقبة، وإما أن
يكون معناه أن الثلاث الجارى إيقاعها اليوم بلفظ واحد، أو بألفاظ غير متعاقبة فى طهر واحد أو
حيض كان كذلك فى تلك العهود، وكانوا يعدونها واحدة، فهل نخالفهم فى ذلك ونجعلها ثلاثا
على خلاف ما كان يعد فى تلك العهود؟ فالاحتمال الأول من الاحتمالين ليس هناك شىء يضاده
أو يخالفه.
رد الحديث لمخالفته رأى الراوى هو مذهب جماعة من المحدثين
وأما الاحتمال الثانى فساقط باطل، لما فيه من مخالفة رأی الراوی، و کم من أحاديث ردها
النقادون بمخالفتها لآراء رواتها، كما بسطه ابن رجب فى شرح علل الترمذى، وهو مذهب یحیی
ابن معین ویحیی بن سعید القطان وأحمد بن حنبل وابن المدینی، وقد تواتر عن ابن عباس أنه یری
أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثا، وقد سبق رواية ذلك عنه بطريق عطاء وعمرو بن دينار
وسعيد بن جبير ومجاهد و غیرھم، بل بطريق طاوس نفسه.
وفيه أيضا انفراد طاوس على خلاف رواية الآخرين، وهذا شذوذ يرد به الحديث كما
یرد بالأول.
وفيه أيضا أنه سبق من تخريج الکرابیسی أن ابن طاوس راوی هذا الخبر عن أبيه کذب من
نسب إلى والده أن الثلاث واحدة.
وفيه أيضا: أن لفظ طاوس أن أبا الصهباء قال لفظ انقطاع وفى صحيح مسلم بعض
أحاديث منقطعة.
وفيه: أيضا إن أبا الصهباء وإن كان مولى ابن عباس فهو ضعيف على ما ذكره النسائى، وإن
كان غيره فهو مجهول.

٧١٧
ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
وفيه أيضا: أن فى بعض طرق الحديث "هات من هناتك"، وجل مقدار ابن عباس أن
يواجهه أحد من الصحابة فى طبقته فضلا عن مولاه بمثل هذا الخطاب، ولا يرد عليه بما يجب.
وفيه أيضا: أنه على تقدير إجابته من غير أن يرد عليه يكون الجواب من هناته المردودة
باعترافه، وقد اشتهر حكم رخص ابن عباس بين السلف والخلف.
وفيه أيضا: خروج عمر على الشرع بالرأى وجل مقدار عمر رضى الله عنه عن مثل ذلك.
وفيه أيضا: وصم جمهور الصحابة بأنهم لا يحكمون النبى معَّ ةٍ فيما شجر بينهم، بل
يحكمون الرأى، وهذه شناعة لا يرتضيها للصحابة رضى الله عنهم إلا الروافض، وهم مصدر هذا
الشذوذ عند أهل التحقيق.
وأما عد ذلك عملا سياسيا يسوغ لعمر عمله تعزيرا فحاشاه عن ذلك، فمن الذى يبيح
الخروج على الشرع سياسة؟ وأين هذا من التعزير المعروف فى الشرع المعترف به عند فقهاء الأمة؟
ليس لذلك نظير واحد بل فتح هذا الباب فتح لباب إلغاء الشرع كله بمثل هذه التعليلات الواهية.
وأما قول بعض المتهوسين: "إن إمضاء عمر للثلاث كان عقوبة منه لا حكما شرعيا،
وكانت عقوبة لوقتها زجرا للناس عن العبث بالطلاق، وأكثر الصحابة حاضرون يرون أمر عمر
الذى أقروه ويرهبون خلافه" إلخ. فيا سبحان الله! أمثل عمر رضى الله عنه يكره الناس على خلاف
ما ثبت فى الشرع، ويتهيبه الصحابة فيجارونه وفيهم من يقيم بسيفه أعوجاج من يعوج؟ وما هذا
إلا من نزعات الروافض، فتلك عشرة كاملة نقضى على الأخذ بالاحتمال الثانى، فإذن تعين
الاحتمال الأول على تقدير صحة الحديث.
وقال ابن رجب عند ما شرع فى الكلام على حديث ابن عباس هذا: "فهذا الحديث لأئمة
الإسلام فيه طريقان، أحدهما مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، وهو يرجع إلى الكلام فى إسناد
الحديث بشذوذه، وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوى بالحديث (مخالفا
للأكثرين) وإن كان ثقة هو علة فى الحديث، يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذا ومنكرا إذا لم
يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين كالإمام أحمد ويحيى بن معين
ويحيى القطان وعلى بن المدينى وغيرهم، وهذا الحديث ما يرويه عن ابن عباس غير طاوس، قال
الإمام أحمد فى رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس روى عنه خلاف ما روى طاوس
(ومثله روی الأثرم عنه كما مر) وقال الجوز جاني (صاحب الجرح): هو حديث شاذ وقد عنیت
بهذا الحديث فى قديم الدهر، فلم أجد له أصلا" اهـ. ثم قال ابن رجب: "ومتى أجمع الأمة على

٧١٨
إعلاء السنن
إطراح العمل بحديث وجب إطراحه وترك العمل به" إهـ.
قال: "وقد صح عن ابن عباس وهو راوى الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث ولزوم
الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعى كما ذكره (الموفق ابن قدامة) فى "المغنى"، وهذه
أيضا علة فى الحديث بانفرادها، فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ، والإنكار، وإجماع الأمة على
خلافه؟ وقال القاضى إسماعيل فى أحكام القرآن: طاوس مع فضله وصلاحه يروى أشياء منكرة،
منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يتعجب من كثرة خطأ طاوس، وقال ابن عبد البر: شذ
طاوس فى هذا الحديث، ثم قال ابن رجب: وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به
من شواذ الأقاويل" اهـ. واذكر ما سقناه من طريق الكرابيسى عن ابن طاوس ما ينفى ذلك عن
أبيه، هذا ما يتعلق بالمسلك الأول (ورواية ابن القيم عن عمر ندمه على ما فعل فى الطلاق أخلوقة
باطلة، وفى سندها خالد ابن يزيد بن أبى مالك، يقول عنه ابن معين: "لم يرتض أن يكذب على أبيه
فقط حتى كذب على الصحابة، وكتاب الديات له حقه أن يدفن" اهـ وأبوه لم يدرك عمر قطعا).
والطريق الثانى هو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام فى معنى الحديث، وهو أن
يحمل على غير المدخول بها، نقله ابن منصور عن إسحاق بن راهويه، وأشار إليه الحوفى فى
الجامع، وبوب علیه أبو بكر الأثرم فى سنته، وأبو بكر الخلال یدل علیه، وفی سنن أبى داود من
رواية حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس عن ابن عباس: كان الرجل إذا طلق امرأته
ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة على عهد رسول الله مرّ له، وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر،
فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهن! فإن قيل: تلك الرواية مطلقة، قلنا: نجمع بين
الدليلين (ونحمل المطلق على المقيد) ونقول: هذا قبل الدخول. انتهى ما ذكره ابن رجب فى
المسلك الثانى. وحاول الشوكانى أن يجعل هذا من قبيل التنصيص على بعض أفراد العام، وقد
ذكرنا ما ينافى حمل اللام فى الثلاث على الاستغراق، فلا يكون من هذا القبيل، ثم قال
الشوكانى: "إن الطلاق قبل الدجول نادر، فكيف يتتابع الناس حتى يغضب منه عمر؟ قلنا: هذا
إبطال لحكم الحديث المروى فى سنن أبى داود بالرأى، وأيضا ما يعد نادرا فى بلد أو زمان قد يكون
غیر نادر، بل کثیر الوقوع فى بلد آخر، وفى زمن آخر، وبالجملة فلا متمسك لهم فی حدیث ابن
غباس أصلا.
قلت: وحمله على غير المدخول بها لا يستقيم على مذهب الحنفية والشافعية ومن وافقهم،
لأن من حمله على غير المدخول بها أراد بالثلاث ثلاثا مفرقة، بأن يقول لها ثلاث مرات: أنت

ج - ١١
تتمة الرسالة فى الطلقات الثلاث بلفظ واحد
٧١٩
طالق، فيكون المعنى أن قول القائل: أنت طالق ثلاث مرات لغير المدخول بها كان يجعل طلاقا
واحدا فى عهد النبی مێ، وأبی بکر، وجعله عمر ثلاثا، وليس ذلك مذهبا للشافعى، ولا لأبى
حنيفة وأصحابه، ولا أحمد وإسحاق، بل مذهبهم أنها تبين بالأولى، ولا حكم لما بعدها، فيلزمهم
خلاف ما أجمع عليه عمرا ومن معه من الصحابة، والحق أن رواية أیوب هذه ضعيفة، لأنه یروی
عن مجهولين عن طاوس، ثم ظاهر رواية أيوب أنها جاءت فى إرسال الثلاث جملة على غير
المدخول بها، وقال الخطابى: قد ذهب إلى هذا الرأى جماعة من أصحاب ابن عباس، قالوا: من
طلق البكر ثلاثا فهى واحدة، وعامة أهل العلم على خلاف قولهم. (الجوهر النقى ٣٣٩:٧)
فالصحيح هو المسلك الأول، ولا يبعد أن يراد بالثلاث قول القائل: أنت طالق البتة، فإن إرادة
الثلاث بالبتة تعارفه الناس فى زمان عمر، ولم یکن کذلك فى عهد النبی مێآه، ولا أبی بکر، قال
الحافظ فى "الفتح" (١٨:٨): "الزابع حمل قوله " ثلاثا" على أن المراد بها لفظ البتة، كما فى
حديث ركانة سواء، وهو من رواية ابن عباس أيضا، فكان بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث
لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ ثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا فى العصر الأول يقبلون
ممن قال أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث فى ظاهر الحكم" اهـ، أى لكونه
متعارفا صريحا فى معنى الثلاث فى عهده، ثم تغير العرف فى عهد الفقهاء، وصار البتة من
الكنایات على الأصل، فتغیر الحکم أيضا، وعاد إلى أصله، فافهم).
وأما حديث ر كانة الذی یریدون أن يتمسكوا به فهو ما أخرجه أحمد فى مسنده: حدثنا
سعد بن إبراهيم أنبأنا أبى عن محمد بن إسحاق حدثنى داود بن الحصین عن عكرمة عن ابن عباس
رضی الله عنهما، أنه قال: "طلق ر کانة بن عبد یزید زوجته ثلاثا فی مجلس واحد، فحزن عليها
حزنا شديدا، فسأله النبى معَّ كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا فى مجلس واحد، قال: إنما تلك
واحدة، فراجعها إن شئت، قال: فراجعها" اهـ. ولا حجة فيه لمن يدعى أن الطلاق ثلاثا جملة
لم يكن فى زمن الصحابة أصلا، فلا بد له أن يحمل قوله: "طلقها ثلاثا" على أنه كرر لفظ
الطلاق، وإذا كان بتكرير اللفظ فهو يحتمل تاكيد الواحدة، وإنشاء الثلاث، فإذا علم أنه ما أراد إلا
واحدة يقبل قوله ديانة، فمن أين لهذا المدعى أن يحاول الاستدلال بهذا الحديث على رد الثلاث
إلى واحدة؟ (ولكنه يخبط دائما خبط عشواء) على أن هذا الحديث منكر، كما يقول الجصاص وابن
الهمام، لمخالفته لروايات الثقات الأثبات، ومعلول كما يقول ابن حجر فى تخريج أحاديث الرافعى.
وفيه أيضا: "حديث: أن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول الله عَّه، فقال: إنى طلقت امرأتى

٧٢٠
إعلاء السنن
سهيمة البتة، ووالله ما أردت إلا واحدة، فردها على، أخرجه الشافعى وأبو داود والترمذى وابن
ماجه، واختلفوا هل هو مسند إلى ركانة، أو مرسل عنه، وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم،
وأعله البخارى بالإضطراب، وقال ابن عبد البر فى التمهيد: ضعفوه، وفى الباب عن ابن عباس
(وهو الذى سقناه بلفظ ثلاث) رواه أحمد والحاكم، وهو معلول" اهـ. بل صوب ابن حجر فى
"الفتح" رأى من رأى أن الثلاث من تغيير بعض الرواة، حيث كانت البتة شائعة فى إيقاع الثلاث
بها، وأقوال أهل العلم فى بتة مشهورة، على أن ابن إسحاق لا يقبل قوله فيما تتابعت الروايات على
ضد ما يرويه فى أحاديث الأحكام ولو صرح بالسماع، وداود ابن الحصين منكر الحديث فى
ما يرويه عن عكرمة خاصة، فأصاب جدا من قال: "إنه حديث منكر"، ولا يصح عن أحمد تحسين
هذا المتن بمثل هذا السند، وهو القائل: بأن خبر طاوس عن ابن عباسٍ فى الثلاث شاذ مردود، كما
أسلفنا عن إسحاق بن منصور وأبى بكر الأثرم.
وقال ابن الهمام: " والأصح ما رواه أبو داود والترمذى وابن ماجة: أن ركانة طلق زوجته
البتة، فحلفه رسول الله عَ لله أنه ما أراد إلا واحدة، فردها إليه، فطلقها الثانية فى زمن عمر رضى الله
عنه، والثالثة فى زمن عثمان رضى الله عنه، ومثله فى مسند الشافعى، وفی سند أبي داود نافع بن
عجير بن عبد يزيد، فنافع ذكره ابن حبان فى الثقات، وإن جهله بعض من يكثر جهله بالرجال،
وأبوه يكفيه أن يكون تابعيا كبيرا لم يذكر بجرح، وعبد الله بن على بن السائب بن عبيد بن عبد
يزيد أبى ركانة فى سند الشافعى، وثقه الشافعى، وأما عبد الله بن على بن يزيد بن ركانة الذى
یذ کره ابن حزم فقد وثقه ابن حبان.
یکفی فی التابعین أن لا یذکروا بجرح
على أنه يكفى فى التابعين أن لا يذكروا بجرح ليخرجوا عن الجهالة وصفاء وفى الصحيحين
من هذا الصنف كثير من الرجال، على ما ذكره الذهبى فى مواضع من الميزان، وعلى هذا الحديث
عول أبو داود قائلا: إن ولد الرجل وأهله أعلم به. وقال ابن رجب فى حديث ابن جريج الذى
يقول فيه: أخبرنى بعض بنى أبى رافع مولى النبى ◌ّ عن عكرمة عن ابن عباس، بمعنى ما فى
مسند أحمد: إن فى إسناده مجهولا، والذى لم يسم هو محمد بن عبد الله ابن أبى رافع، وهو
رجل ضعيف الحديث، وأحاديثه منكرة، وقيل: إنه متروك، فسقط هذا الحديث حينئذ، وفى رواية
محمد بن ثور الصنعانى: إنى طلقتها، بدون ذكر "ثلاثا" وهو ثقة كبير، ويعارضه أيضا ما رواه
ولد ركانة: أنه طلق امرأته البتة" اهـ. وبه يعلم فساد قول ابن القيم فى هذا الحديث.