Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
إعلاء السنن
٣٧١٦- حدثنا جعفر بن محمد بن يعقوب الصيدلى نا على بن حرب
نا أبو عاصم عن عمران بن داود عن خالد بن دينار عن أبى إسحاق عن ابن عمر،
عن النبى ◌ّ: ((أتى برجل قد سكر من نبيذ تمر فجلده)). رواه الدار قطنى (٥٣٧:٣)
وفى الزيلعي (٩٧:٢): "عمران بن داود فيه مقال" اهـ. قلت: هو مختلف فيه، وهو
غیر مضر کما عرفت مرارا.
٣٧١٧ - أخبرنا وكيع ثنا سفيان عن أبى إسحاق عن النجرانى عن ابن عمر،
قال: "أتى النبى. عَّ ◌ُّه بسكران فضربه الحد، وقال: ما شرابك؟ قال: تمر وزبيب،
فقال: لا تخلطوهما جمیعا، یکفی أحدهما من صاحبه". رواه إسحاق بن راهويه فى
مسنده (التعليق المغنى ٥٣٧:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا النجرانى(١)، قال فى
التقريب: "مجهول". لكنه ثقة على قاعدة من روى عنه واحد زالت عنه الجهالة، وقد
مرت فالسند محتج به.
باب حد القذف
باب من نسب أحد إلی خاله أو عمه فليس بقاذف
٣٧١٨- عن عبد الله بن عمر مرفوعا: ((الخال والد من لا والد له))، رواه أبو
شجاع الديلمى فى الفردوس(٢) (زيلعى ٩٩:٢).
٣٧١٩- عن عبد الله بن الوراق مرسلا: "العم والد". رواه الضياء المقدسى فى
المختارة (كنز العمال ٢٨٠:٨).
باب من نسب أحد إلی خاله أو عمه فلیس یقاذف
قوله: "عن عبد الله" إلخ. قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب بأن رسول الله عَ لّه أُطلق
الأب على الخال والعم فلا يكون سبا وقذفا، ويدل قوله تعالى: ﴿يعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق﴾. على صحة إطلاق الأب على العم، فإن إسماعيل عليه السلام كان عما
ليعقوب عليه السلام، ثم رأيت فى المقاصد الحسنة. وذكر الحديث الأول من الباب، لكن بلفظ:
أورد الديلمى بلا سند عن ابن عمر رفعه: "الخال والد من لا والد له". (٩٤ مطبوع علوى)
(١) هكذا فى الأصل وتعليقه بالدال فى آخره، والصحيح بالراء كما فى التقريب وتهذيب التهذيب.
(٢) لعل الصحيح مسند الفردوس موضع الفردوس.

٦٤٢
١ - ١١
فصل فى التعزير
باب أن لا يجوز تبليغ التعزير حدا
٣٧٢٠- حدثنا محمد بن حصين الإصبحى ثنا عمر بن على المقدمى ثنا مسعر
عن خالد بن الوليد بن عبد الرحمن عن النعمان بن بشير. قال: قال رسول الله عّ لّه:
((من بلغ حدا فى غير حد فهو من المعتدين)). رواه ابن تاجية فى فوائده، قاله فى
التنقيح، وأخرجه البيهقى، وقال: "المحفوظ مرسل". (زيلعى ٩٩:٢).
فالاحتجاج به مشكل، نعم، إن ثبت لكان محلا للاحتجاج، وفائدة إيقاءه فى هذا الكتاب أن
يلحق به سنده من ظفر عليه فافهم.
قال ابن حزم فى "المحلى" بعد الاحتجاج بالآية: "وقوله فجعلوا عمه إسماعيل عليه السلام
أبا له، ولم ينكر الله تعالى ذلك، ولا يعقوب عليه السلام، وهو نبى الله تعالى، وقال تعالى: ﴿ملة
أبيكم إبراهيم﴾ وقد علمنا يقينا أن فى المسلمين خلائق ليس لإبراهيم فى ولادتهم نسب، (فيه أن
الخطاب للعرب، فهم أول مخاطب بالقرآن، وإبراهيم أبوهم نسبا) ثم أخرج من طريق أبى أسامة
نا محمد بن عمرو عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا طلحة صنع طعاما للنبى معرّ له،
فأرسل أنس بن مالك، فجاء حتى دخل المسجد ورسول الله عَّه فى أصحابه، فقال: دعا أبوك؟
فقال: نعم! قال: قوموا فذكر الحديث. وأخرج من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام
ابن عروة عن أبيه، قال: كانت أم عمير بنت سعد عند الجلاس بن سويد، فذ کر قصة وفيه قول
عمير: ولنعم الأب هولى، يعنى الجلاس، قال ابن حزم: فهذا رسول الله مَّه يقول عن
الربيب أب، وينسب إلى الرجل ابن امرأته، فيقول له أبوك، وهذا أنس وعمير بن سعد من أهل
اللغة والديانة يقولان بذلك، وهذا قول أبى حنيفة وأبى سليمان وأصحابنا، وبه نأخذ"
اهـ. ملخصا (٢٨٣:١١).
باب أن لا يجوز تبلیغ التعزير حدا
قوله: "حدثنا" إلخ. قلت: دلالته وكذا دلالة الذى بعده على الباب ظاهرة. والمرسل حجة
عندنا، ولا سيما قدْ تَأيَّد بمنقطع مذكور بعده خصوصاً قد احتج به الإمام المجتهد محمد قال
محمد: "فأدنى الحد أربعون، فلا يبلغ فى التعزير أربعون جلدة، قال: وهذا قول أبى حنيفة
وقولنا" اهـ (٩٠).

٦٤٣
إعلاء السنن
٣٧٢١- أخبرنا مسعر بن كدام قال: أخبرنى الوليد بن عثمان عن الضحاك بن
مزاحم هو من أتباع التابعين على الصحيح- قال: قال رسول الله عدّ له: ((من بلغ حدا
فى غير حد فهو من المعتدين)). رواه الإمام محمد فى "كتاب الآثار" (٩٠) هكذا
منقطعا، والوليد هذا لم أجده، لكنه ثقة على القاعدة المذكورة مرارا، وبقية رجاله
محتج بهم لا سيما وقد احتج به الإمام محمد.
٣٧٢٢- كتب عمر إلى أبى موسى: "لا يبلغ النكال أكثر من عشرين سوطا".
رواه ابن المنذر وقال: "وروينا عنه أن يبلغ بعقوبة أربعين" (التلخيص الحبير ٣٦٢:٢).
باب التعزير بالحبس
٣٧٢٣٠٠- عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: ((أن النبى عّ لّ حبس رجلا فى
تهمة، ثم خلى عنه)). رواه الترمذى وقال: حسن (١٧٠:١) وفى "التلخيص الحبير"
(٣٦١:٢): "وصححه الحاكم، وأخرج له شاهدا من حديث أبى هريرة".
قوله: "كتب عمر" إلخ. قال المؤلف: تقييد المكان بالعشرين محمول على مصلحة خاصة،
فلا يعارض قوله الثانى المذكور بعده، وكذلك لا يخالف الحديث المرفوع المذكور، وأما ما رواه
الجماعة إلا النسائى مرفوعا: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا فى حد من حدود الله تعالى". كما
فى "النيل" (٦٠:٧).
فينبغى تأويله لئلا يعارض حديث الباب ولئلا يخل بالمقصود فإن المقصود من التعزير إنما هو
الانزجار، ولا يصح أن يقال: إن كل مستحق التعزير يكفى هذا المقدار وإن كانت جريمة شديدة،
بل الظاهر أن الحديث ورد فى نوع خاص من الأفعال الموجبة للتعزير وإن لم ينقل، ولو كان ظاهره
مرادا لم يخالفه عمر فيما كتب، ولم يرد عن أحد من الصحابة خلاف ما ورد عن عمر، وكذلك
لم يرو عن أحد منهم العمل بالحديث المذكور: فيغلب على الظن أن الحديث ظاهره غير مراد
فافهم، وهذا ما فهمناه والعلم عند الله تعالى.
باب التعزير بالحبس
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة.

٦٤٤
١ - ١١
باب التعزير بالأمور المعنوية وبترك الكلام وتفريق الأهل من غير طلاق
٣٧٢٤- عن أبى هريرة قال: ((نهى رسول الله عَ ليه عن الوصال، فقال له رجال
من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ فقال رسول الله معرّ فليه: أيكم مثلى؟ إنى أبيت
يطعمنى ربى ويسقين. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوما ثم يوما، ثم رأوا
الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم كالمنكل بهم حين أبوا)). رواه الإمام البخارى، وقال
العلامة الحافظ ابن حجر نور الله مضجعه: " يستفاد منه جواز التعزير بالتجويع ونحوه
من الأمور المعنوية" (فتح البارى ١٥٧:١٢ و ١٥٨).
کتاب السرقة
باب أدنى ما يقطع فيه اليد
٣٧٢٥- عن عائشة: "أن يد السارق لم تقطع على عهد النبی پے إلا فى ثمن
مجن جحفة أو ترس" أخرجه البخارى (١٠٠٤:٢).
باب التعزير بالأمور المعنوية وبترك الكلام وتفريق الأهل من غير طلاق
قال بعض الناس: "دلالته على جواز التعزير بوصال الصوم ظاهرة، ويقاس عليه كل ما هو
من الأمور المعنوية، وفى فتح البارى: قال ابن بطال عن المهلب: فيه أن التعزير موكول إلى رأى
الإمام، لقوله: لو امتد الشهر لزدت. فدل على أن للإمام أن يزيد فى التعزير ما يراه وهو كما قال"
اهـ (١٥٨:١٢). قلت: ولى فيه نظر وظنى أن ذلك ليس من التعزير فى شىء، فإن التعزير إنما هو
ما يكون بأمر الإمام، ولم يكن من رسول الله عَليه فى وصال الصحابة أمر، بل كان قد نهاهم عنه،
وإنما واصلوا باختيارهم، فنبههم مَّ بزيادة الوصال على أنهم لا يستطيعون ما يستطيع، والتعزير
لا یکون بما يفعله المعزر باختياره بل بما یأمر الإمام به، فالحق عندی أن وصاله مێ لم یکن من باب
التعزير، بل من باب التعجيز، فافهم.
باب أدنی ما یقطع فيه الید
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، لكن قيمة المجن لم تبين،
وسيأتى بيانه فى الأحاديث الآتية. ثم اعلم أن حديث عائشة هذا قد اضطرب الرواة فى متنه،
فبعضهم رواه بسياق أتم، وبعضهم رواه مختصرا، فرواه البخارى فى صحيحه بطريق هشام بن
عروة عن أبيه باللفظ الذى ذكرناه فى المتن، ومن ألفاظه أيضا: "قالت: لم تكن تقطع يد السارق

٦٤٥
أُدنی ما یقطع فيه اليد
إعلاء السنن
فى أدنى من حجفة أو ترس، كل واحد منهما ذو ثمن. ورواه بطريق الزهرى عن عمرة عن عائشة،
وبطريقة عن عمرة وعروة عن عائشة بلفظ: قال النبى عّ لّه: تقطع اليد، وفى الرواية الأخرى: يد
السارق فى ربع دينار، وأخرجه النسائى من رواية عبد الرحمن بن أبى الرجال عن أبيه عن عمرة
عن عائشة، قالت: قال رسول الله عرّ له: "يقطع يد السارق فى ثمن المجن، وثمن المجن ربع دينار".
وأخرجه من طريق سليمان بن يسار عن عمرة، سمعت عائشة تقول: قال رسول الله عَ ليه: ((لا
تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار اهـ (١٠٠٤:٢).
ورواه مالك من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: "ما طال على العهد، ولا نسيت،
القطع فى ربع دينار". وقال النسائى: الصواب ما وقع فى رواية مالك اهـ (فتح البارى ١٢: ٩٠).
قلت: فاظاهر أن من روى عن عائشة هذا الحديث بلفظ: "قال النبى معَ له: تقطع يد السارق
فى ربع دينار"، رواه مختصرا، وإنما روت عائشة عن النبى معَّه قوله: لا تقطع يد السارق فيما
دون ثمن المجن". ثم قالت من عندها: إن ثمن المجن ربع دينار. ولو كانت سمعت النبى معَ له:
((تقطع يد السارق فى ربع دينار"، لم يكن لذكرها المجن وثمنه فى الروايات الأخرى معنى،
والاختصار فى الرواية لم يزل من دأب الرواة والمحدثين، ويحتمل أن يكون ذلك لكون عائشة
قومت ما وقع القطع فيه إذ ذاك، فكان عندها ربع دينار، فقالت: قال رسول الله عَ ليه: ((يقطع يد
السارق فى ربع دينار)). ويؤيده اختلاف الرواة فى رفع هذا القول ووقفه، فرفعه أكثر أصحاب
الزهرى عن عمرة، ووقفه ابن عيينة (ذكره الحافظ فى "الفتح" ١٢: ٩١)، وهو أحفظ أصحاب
الزهرى لحديثه، وأبعدهم عن الخطأ، وأوثقهم فى الإتقان، حتى قبلوا تدليسه لتجنبه عن الضعفاء،
ووقفه أيضا يحبى بن سعيد عن عمرة عند مالك فى مؤطاه، وجعله النسائى أصوب كما مر، وقال
ابن العربى: ذهب سفيان الثورى مع جلالته فى الحديث إلى أن القطع لا يكون إلا فى عشرة
دراهم. وحجته أن اليد محترمة بالإجماع. فلا تستباح إلا بما أجمع عليه والعشرة متفق على القطع
فيها عند الجميع، فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق(١) على ما دون ذلك كذا فى فتح البارى
(١) أى اتفاق الرواة عن النبى عليه، فلا يرد قول بعض التابعين بأنه لا يجب القطع إلا فى أربعين درهما أو أربعة دنانير، وقال
بعضهم: لا يقطع إلا فى عشرة دنانير، كما حكاه الحافظ فى الفتح عن النخعى وغيره (١٢: ٩٥ ٩٦). فإن شيئا من ذلك لم
عدم الم مانهم

٦٤٦
ج - ١١
أدنی ما یقطع فیه الید
٣٧٢٦- حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده (يعنى عبد الله بن عمرو) قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا تقطع يد السارق فى
دون ثمن المجن))، قال عبد الله: " وكان ثمن المجن عشرة دراهم". رواه ابن أبى شيبة فى
"مصنفه" (زيلعى ١٠٢:٢). قلت رجاله محتج بهم.
٣٧٢٧- عن ابن عباس: "كان ثمن المجن على عهد رسول الله عَّ ◌ُّه يقوم عشرة
دراهم . رواه النسائی (٢٥٩:٢)، وسكت عنه، فهو صحیح عنده، وقال الزيلعى
(١٠٢:٢): "رواه الحاكم فى "المستدرك" وقال: حديث صحيح على شرط مسلم".
٣٧٢٨- أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد
الله بن مسعود، قال: "لا تقطع يد السارق فى أقل من عشرة دراهم". رواه الإمام محمد
فى "كتاب الآثار" (٩٢)، واحتج به. وإسناده صحيح.
(٩٤:١٢) لا سيما وقد اختلف على الزهرى فى لفظ الحديث، فأخرجه النسائى من طريق القاسم
بن برور عن يونس عن الزهرى عن عروة عن عائشة مرفوعا: قال: "لا تقطع اليد إلا فى يعنى ثمن
المجن ثلاث دينار أو نصف دينار فصاعدا" اهـ (٢٥٧:٢).
وكذا اختلفت الروايات فيه عن ابن عمر، فأخرج البخارى وغيره عنه: "أن رسول الله عَّ ◌ِلّه
قطع فى مجن ثمنه ثلاثة دراهم". وأخرجه النسائى بطريق مخلد عن حنظلة عن نافع عنه قال:
قطع رسول الله عَّ له فى مجن قيمته خمسة دراهم" اهـ. (٢٥٧:٢) وهذا الاختلاف مورث
للشبهة، والحدود تندرأ بالشبهات إجماعا، فالاحتياط واجب، وهو فيما قلنا: إنه لا يقطع فيما دون
عشرة دراهم، لكونه لم يرو عن النبى معَّةٍ أكثر منها، فهو المتيقن وما سواه محمول على تخمين
الراوى أو على أنه كان فى أول الإسلام تغليظا، كما أمر فى الخمر بكسر أوانيها، ثم أذن لهم فى
الأوانى بعد غسلها فافهم.
قوله: "حدثنا عبد الأعلى" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وقد فسر ثمن المجن
فى هذا الحديث عبد الله بن عمرو الصحابى الجليل.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: فيه بيان ثمن المجن من الحبر النبيل الصحابى عبد
الله بن عباس.
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. قلت: هذا الأثر صحيح على قاعدة أصول الفقه من أن

٦٤٧
أُدنی ما يقطع فيه الید
إعلاء السنن
٣٧٢٩- أخبرنا الثورى عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن
قال: قال ابن مسعود: لا تقطع اليد إلا فى دينار أو عشرة دراهم". رواه عبد الرزاق فى
"مصنفه" (زيلعى ١٠٣:٢). قلت: مرسل، ورجاله رجال الصحيح.
٣٧٣٠ - أخبرنا يحيى بن يزيد وغيره عن الثورى عن عطية بن عبد الرحمن عن
القاسم بن عبد الرحمن قال: "أتى عمر بن الخطاب برجل سرق ثوبا، فقال لعثمان:
قومه، فقومه ثمانية دراهم فلم يقطعه". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى
(١٠٢:٢). وذكره الحافظ فى "الدراية"، وسكت عنه.
٣٧٣١- ثنا موسى بن داود ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن
المجتهد إذا احتج بحديث كان تصحيحا له، وأيضا على رأى جماعة من المحدثين أيضا، فإن سماع
القاسم من أبيه مختلف فيه، فمن أثبت ذلك يوصله، ومن لم يثبت يرسله، وفى "تهذيب
التهذيب": "وقد تكلموا فى روايته عن أبيه، و كان صغيرا، ثم نقل سماعه عن كثير ونفيه عن
الآخرين" (٢١٦,٢١٥:٦). والاختلاف غير مضر كما عرفت غير مرة، على أن المنقطع أيضا
محتج به عندنا إذا لم يثبت كون المتروك ضعيفا، وهنا كذلك، ودلالته على الباب ظاهرة، ومثله
لا يقال بالرأى فهو فى حكم المرفوع، ورجاله رجال الصحيح إلا أبا حنيفة وهو الإمام المشهور.
قوله: "أخبرنا الثورى" إلخ. فإن قلت: "عبد الرحمن هذا قد اختلط بآخره" كما فى
"تهذيب التهذيب" (٢١١:٦) قلت: فى "تهذيب التهذيب" أيضا (٢١١:٦): "ويصحح له ما
روى عن القاسم ومعن وشيوخه الكبار" إلخ. وهذا الأثر عن القاسم، فلا يضر اختلاطه، ودلالته
على الباب ظاهرة.
قوله: أخبرنا يحيى بن يزيد إلخ. قلت: دلالته على أن ثمانية دراهم لا تقطع اليد بها ظاهرة.
قوله: "ثنا موسى" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وكذلك دلالة الحديث الذى
بعده، وكتاب الحجج عزاه صاحب الجوهر النقى إلى عيسى بن أبان، وكذلك نقله العلامة عبد
الحى فى "الفوائد البهية" عن على القارى، والمشهور أنه مؤلف الإمام محمد، وفى ورقة كتبها
المولوى فتح محمد محشى الحجج، وضمها بذلك الكتاب ما نصه: "ذكر فى "كشف الظنون".
كتاب الحجج لمحمد بن حسن، أملاه على أهل المدينة، وقيل: من تأليف عيسى بن أبان تلميذه
وصاحبه، كما نقله الأستاذ العلام فى "التعليق الممجد"، ولعل محمدا أملاه، وجمعه تلميذه عیسی

٦٤٨
أُدنی ما یقطع فيه الید
ج - ١١
المسيب قال: "مضت السنة أن لا تقطع يد السارق إلا فى دينار أو عشرة دراهم،
ابن أبان، وهذا يظهر عند مطالعته، حيث قال فى عدة مواضع: أخبرنا محمد اهـ. قلت: سواء كان
للإمام محمد أو تلميذه فإنه كتاب معتمد عليه، قد تلقته العلماء بالقبول، قال بعض الناس:
"ولا يرد أن عيسى هذا مجهول لما فى ميزان الحافظ الذهبى (٢: ٣١١): عيسى بن أبان الفقيه
صاحب محمد بن الحسن ما علمت أحدا ضعفه ولا وثقه اهـ. لأن تلقى كتابه من حيث لم ينكر
عليه أحد، ولم يضعفه، بل قبله العلماء، قرينة قوية على كونه ثقة عندهم". قلت: سيأتى توثيق
عيسى بن أبان، وأنه معروف فانتظر. وحديث موسى ففيه موسى الذى لم أطلع على تعيينه من هو.
وهذه أدلة مسألة الباب، ويعارضها ما رواه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجة مرفوعا:
((لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا". وفى رواية: قال (مَّر): «تقطع يد السارق فى
ربع دينار)). رواه البخارى والنسائى وأبو داود، وفى رواية: قال: ((اقطعوا فى ربع دينار، ولا تقطعوا
فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنى عشر درهما". رواه
أحمد كذا فى "نيل الأوطار" (٣٦:٧ و ٣٧). وأجاب صاحب "الهداية" عن اختلاف النقل فى
ثمن المجن (٥١٧:٢) ما لفظه: " ولنا أن الأخذ بالأكثر فى هذا الباب أولى احتيالا لدراً الحد، وهذا
لأن فى الأول شبهة عدم الجناية، وهى دارئة للحد" اهـ.
قال بعض الناس: "لا ريب أن هذا الجواب أحسن وألطف إلا أنه إنما يجرى فى نقول ثمن
المجن، فإنها مروية عن الصحابة، ولا نص فيه عن النبى ◌ّ ه، فيرجح، لكن الحديث القولى القوى
الصريح المرفوع: لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا. لا يمكن مقاومته بهذه الموقوفات،
لا سيما وهى مختلفة، بل يرجح على الكل، ولا تؤثر فيه الشبهة، وأما حديث كتاب الحجج
المرفوع المرسل فلم يعلم حال سنده، وإن صح لا يقاوم الأحاديث المعارضة ، كما لا يخفى".
قلت: قد ذكرنا ما فى هذا الحديث القولى من اختلاف الرواة فى سنده رفعا ووقفا، وفى
متنه اختصارا وتفصيلا، والراجح عندنا من حديث عائشة أنها سمعتٍ النبى معَّه يقول: "لا تقطع
يد السارق فيما دون ثمن المجن". هذا هو قوله مَ له، ثم قيل لعائشة ٨ ما ثمن المجن"؟ فقالت: "ربع
دينار". وفى رواية للنسائى: "ثلث دينار أو نصف دينار فصاعدا". وأخرجه النسائى أى حديث
عائشة: "تقطع يد السارق فى ربع دينار"، من حديث ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عمرة
عن عائشة موقوفا عليها، وأخرج أيضا عن الحارث ابن مسكين عن ابن القاسم: حدثنى مالك عن
عبد الله بن أبى بكر عن عمرة، قالت عائشة: "القطع فى ربع دينار فصاعدا". وروينا فى مسند

٦٤٩
أدنی ما یقطع فيه الید
إعلاء السنن
ومضت السنة بأن قيمة المجن دينار أو عشرة دراهم". رواه فى كتاب الحجج (الجوهر
النقى ٨٠:٢). قلت: إسناد محتج به.
الحميدى: ثنا سفيان وحدثناه أربعة عن عمرة عن عائشة، لم يرفعوه عبد الله بن أبى بكر وزريق بن
حکیم الأیلی ویحیی بن سعيد وعبد ربه ابن سعيد، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة
موقوفا، فقد اتفق ابن عيينة ومالك علی روايته عن یحیی بن سعید موقوفا، وقال الطحاوى: حدثنى
غير واحد من أصحابنا من أهل العلم عن أحمد بن شيبان الرملى ثنا مؤمل بن إسماعيل الرملى عن
حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة، قالت: "تقطع يد
السارق فى ربع دينار فصاعدا". قال أيوب: وحدث يحيى عن عمرة عن عائشة ورفعه، فقال له
عبد الرحمن: إنها كانت لا ترفعه، فترك يحبى رفعه، فظهر بهذا كله أن هذا الحديث اضطرب فى
متنه، واضطرب أيضا فى سنده مسندا ومرسلا وموقوفا، كذا فى "الجوهر النقى" (١٧٩:٢).
قلت: وأحمد بن شيبان روى عنه ابن أبى حاتم، وقال: "صدوق". وقال صالح الطرابلسى:
"ثقة مامون أخطأ فى حديث واحد". ومن الرواة عنه ابن خزيمة وابن الجارود وابن المنذر وأبو
العباس الأصم، کذا فی "التهذيب" (٣٩:١). ومؤمل بن إسماعيل مختلف فيه، قد وثقه یحیی بن
معين وأبو حاتم وغيرهما، وجرحه آخرون كما فى "التهذيب" أيضًا (٣٨٠:١٠). والباقون
لا يسأل عنهم، فأيوب هو السختياني، وعبد الرحمن هو ابن القاسم بن محمد بن أبى بكر
الصديق رضى الله عنهم، وفى إنكار عبد الرحمن على يحيى فى رفع هذا الحديث وترك يحيى
رفعه بقوله حجة قوية قاطعة للنزاع، دالة أن قول عائشة: "يقطع يد السارق فى ربع دينار"
موقوف عليها، ليس بمرفوع، وأن مثل عبد الرحمن بن القاسم الذى كان أفضل أهل زمانه من
أتباع التابعين، من الطبقة التى عاصروا صغار التابعين، أنكر على من رفعه فافهم، ولا تكن من
الغافلين، فإن عبد الرحمن هذا من أهل بيت عائشة، وهو أدرى بما فى بيته، وأعلم بحديث عائشة
من غيره، لا سيما وقد وافقه أربعة من الثقات من أصحاب عمرة على وقف الحديث كما مر.
وأما قول بعض الناس: "إن حديث كتاب الحجج المرفوع والمرسل فلم يعلم حال سنده".
فهو مشعر بقلة نظره فى كتب الرجال، فإن عيسى بن أبان ذكره السمعانى فى الأنساب فى حرف
القاضى، وذكر فيهم من اشتهر بهذه النسبة من الرواة والمحدثين، فقال: ومنهم أبو موسى عيسى بن
أبان بن صدقة القاضى من أهل بغداد، صحب محمد بن الحسن الشيباني، وتفقه به، واستخلفه
يحيى بن أكثم على القضاء بعسكر المهدى وقت خروجه مع المأمون إلى قم للصلح، فلم يزل على

٦٥٠
ج - ١١
أدنی ما یقطع فيه الید
٣٧٣٢ - ثنا على بن عاصم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن سعيد
ابن المسيب، قال: "مضت السنة من رسول الله عَّ له أن لا تقطع اليد إلا فى عشرة
عمله إلى أن رجع يحيى، ثم تولى عيسى القضاء بالبصرة، فلم ينزل عنه حتى مات، وأسند
الحديث عن إسماعيل بن جعفر وهشيم بن بشر ويحيى بن زكريا بن أبى زائدة ومحمد بن الحسن
وغيرهم، روى عنه الحسن(١) بن سلام السواق (وغيره كما فى اللسان) قال محمد بن سماعة:
كان عيسى بن أبان حسن الوجه، كان يصلى معنا، وكنت أدعوه أن يأتى محمد بن الحسن، فيقول
هؤلاء قوم يخالفون، وكان عيسى حسن الحفظ للحديث، فصلى معنا يوما الصبح، وكان يوم
مجلس محمد، فلم أفارقه حتى جلس فى المجلس، فلما فرغ محمد أدنيته إليه، وقلت: هذا ابن
أخيك أبان بن صدقة الكاتب، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى، فيقول: إنا
نخالف. فأقبل عليه، وقال: يا بنى! ما الذى رأيتنا نخالفه من الحديث، لا تشهد علينا حتى تسمع،
فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابا من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنه، ويخبره بما
فيه عن الشيوخ، ويأتى بالشواهد والدلائل، فالتفت إلى بعد ما خرجنا، فقال: كان يبنى وبين النور
ستر فارتفع عنى، ما ظننت أن فى مالك الله مثل هذا الرجل يظهر للناس، ولزم محمد بن الحسن
لزوما شديدا حتى تفقه" اهـ (٤٣٩).
وفى "الجواهر المضيئة": "عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى الكبير، قال ابن سماعة: كان
عيسى حسن الوجه، حسن الأخذ للحديث، قال الطحاوى: سمعت بكار بن قتيبة يقول: سمعت
هلال بن يحيى يقول: ما فى الإسلام قاض أفقه منه، يعنى عيسى بن أبان فى وقته، قال الطحاوى:
وسمعت بكار بن قتيبة يقول: كان لنا قاضيان لا مثل لهما، إسماعيل بن حماد، وعيسى بن أبان،
وله كتاب الحجج، رأيت المجلد الأول منه، وسبب تصنيفه له مشهور" اهـ (٤٠١:١). مات
بالمحرم ٢٢١ هـ كما فى الأنساب واللسان، فأما كون عيسى بن أبان معروف العين غير مجهولها،
فقد علم بأنه كان قاضيا فى الإسلام مشتهرا بالقضاء، لم يكن فى زمانه أفقه منه، كما قاله هلال
ابن يحيى وأبو حازم القاضى شيخ الطحاوى، كما فى "الجواهر" و"الأنسهاب" و"الفوائد
البهية". وأما كونه معروف الحال فقد علم بقول ابن سماعة: "كان حسن الحفّظ للحديث"،
وقوله: "معه ذكاء ومعرفة بالحديث". وبوصف الحنفية إياه بالإمام الكبير، فعرف بذلك كله كونه
(١) والحسن بن سلام هذا من رجال الحاكم فى مستدركه ثقة.

٦٥١
أدنی ما یقطع فیه الید
إعلاء السنن
دراهم". رواه فى كتاب الحجج (الجوهر النقى) قلت: إسناده محتج به.
صدوقا عدلا حسن الحفظ للحديث ذا معرفة به.
وأما حال إسناده فموسى بن داود هذا هو الضبى الطرسوسى الفقيه، كوفى الأصل، سكن
بغداد، کان قاضی المصیصة، ثقة صاحب حدیث مصنفا مکثرا مامونا، روی له مسلم، واستشهد
به الترمذى، كما فى "التهذيب" (٣٤٣:١٠). وابن لهيعة محدث مصر أثنى عليه أحمد وغيره
من الأعلام، حسن الحديث كما مر غير مرة، وعمرو بن شعيب ثقة احتج الأئمة بحديثه، وسعيد
ابن المسيب لا يسأل عنه، وقوله: "مضت السنة"، فى حكم المرفوع كما عرف فى الأصول.
وأما إسناد الأثر الثانى، فعلى بن عاصم هو الواسطى من رجال أبى داود والترمذى، مختلف
فيه، وثقه العجلی وغيره، وتكلم فيه آخرون، و کذا المثنى بن صباح قبله یحیی بن سعيد فى عمرو
ابن شعیب، ووثقه ابن معین فی رواية الدورى عنه، ولينه أبو حاتم وأبو زرعة، كذا فى "تهذيب
التهذيب"، وعمرو بن شعيب وابن المسيب أشهر من أن يثنى عليهما، فالسند حسن، واعتضد به
السند الأول، فلا شك فى صلاحيته للاحتجاج به، لا سيما وله شاهد من حديث ابن عباس:
" كان ثمن المجن على عهد رسول الله عّ لّه يقوم عشرة دراهم". وهو حديث صحيح وهو مرفوع
على أصل المحدثين، لكون الصحابى أضافه إلى عهد النبى ◌ّ ◌ُّه. وأصرح منه لفظ الطحاوى فى
"شرح معاني الآثار": حدثنا ابن أبى داود (مر توثيقه مرارا عديدة) وعبد الرحمن بن عمر
والدمشقى (هو أبو زرعة شيخ الشام فى وقته، وثقه أبو حاتم وغيره، كما فى "التهذيب"
٢٣٧:٦) قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبى (روى عنه البخارى فى جزء القراءة، وثقه ابن معين،
وقال الدارقطنى: لا بأس به، وأخرج له ابن خزيمة فى صحيحه، ووثقه ابن حبان هذاً فى
"التهذيب" ٢٧:١) قال: ثنا محمد بن إسحاق (إمام فى المغازى والسير، حسن الحديث، احتج به
غير واحد كما مر غير مرة) عن أيوب بن موسى (من رجال الجماعة ثقة، كما فى "التهذيب"
.. (٤١٢:١). عن عطاء عن ابن عباس، قال: "كان قيمة المجن الذى قطع فيه رسول الله عّ له عشرة
دراهم" اهـ (٢ :٩٣). وهذا سند حسن صحیح، وذکر عبد الرزاق عن إبراهیم عن داود بن
الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، قال: "ثمن المجن الذى يقطع فيه دينار". قال: وأخبرنيه داود بن-
الحصين عن ابن المسيب مثله، (وإبراهيم هو ابن أبى يحيى والشافعى حسن الظن فيه. فلا أقل من
أن يستشهد به) وشاهده حديث أيمن، أخرجه الطحاوى والحاكم فى "المستدرك"، واستشهد به
من طريق سفيان عن منصور عن مجاهد وعطاء عن أيمن الحبشى، قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((أدنى

٦٥٢
ج - ١١
باب أن قطع الید یجب بالإقرار مرة
٣٧٣٣- حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا ابن لهيعة قال: حدثنا
يزيد بن أبى حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصارى عن أبيه أن عمرو بن سمرة بن
حبیب بن عبد شمس أتی النبی مګے، فقال: يا رسول الله! إنی سرقت جملا لبنی فلان،
فأرسل إليهم رسول الله عَ ◌ّه فقالوا: إنا فقدنا جملا لنا فأمر به رسول الله مرّه، فقطعت.
يده. قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين قطعت يده، وهو يقول: الحمد لله الذى طهرنى مما أراد
أن يدخل بیدی النار. رواه الطحاوى (٩٦:٢ و ٩٧). قلت: إسناده محتج به.
ما يقطع فیه السارق ثمن المجن، قال: و کان یقوم يومئذ دينارا".
واختلف فى أيمن هذا، هل هو صحابى أو تابعى؟ قال الزيلعى "وقد ذكره جماعة فى
الصحابة، منهم ابن إسحاق وابن سعد وأبو القاسم البغوى وأبو نعيم وابن مندة وابن قانع وابن عبد
البر وغيرهم، وذكر الطحاوى أنه صحابى معروف الصحبة، وقال فى "أحكام القرآن": ولد فى
عهده مَّه، وعاش بعد وفاته. وإذا ثبت أنه من الصحابة كما عده جماعة منهم، وأنه بقى بعد
النبى معَّه كما ذكر الطحاوى، تحمل رواية مجاهد (وعطاء) عنه على الاتصال، وإن قتل بحنين
: كما زعم الشافعى وغيره، فرواية مجاهد (وعطاء) عنه مرسلة، وإن كان من التابعين كما زعم
البخارى وغيره فروايته مرسلة، والقائل بهذا المذهب یحتج بالمرسل، کیف وقد تأید بحديث ابن
عباس الذى صححه صاحب المستدرك وأخرجه عبد الرزاق من وجه ثان، وصاحب التمهيد من
. وجه ثالث، والنسائى من وجه رابع، وتأيد أيضا بحديث عبد الله بن عمرو وابن المسيب، وإليه
ذهب ابن جريج وعطاء وعمرو بن شعيب، فقد أخرج الطحاوى فى أحكام القرآن بسند جيد عن
ابن جريج، قال: كان قول عطاء على قول عمرو بن شعيب: لا تقطع اليد فى أقل من عشرة
دراهم" وفى "مصنف عبد الرزاق": عن ابن جريج كان يقول: "لا تقطع يد السارق فى أقل من
عشرة دراهم" اهـ. ملخصا من "الجوهر النقى" (١٨٠:٢-١٨١). وبالجملة فقول الحنفية فى
الباب أقوى وأحوط وأقوم وأضبط، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم.
باب أن قطع الید یجب بالإقرار مرة
قوله: " حدثنا" إلخ. قال المؤلف: أما رجاله فربيع هذا ثقة، كما فى التقريب (٥٨). وأسد
ابن موسى وثقه كثير من أهل الفن، وتكلم فيه ابن حزم وعبد الحق فضعفاه، فلا ينزل حديثه من

٦٥٣
قطع اليد يجب بالإقرار مرة
إعلاء السنن
٣٧٣٤- عن أبى هريرة: أن رسول الله عَّ ◌ُلّ أتى بسارق قد سرق شملة. فقالوا:
يا رسول الله! إن هذا قد سرق، فقال رسول الله عَّ له: ما أخاله سرق. فقال السارق:
بلى يا رسول الله! فقال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتونى به، فقطع فأتى به،
فقال: تب إلى الله، قال: قد تبت. فقال: تاب الله عليك". رواه الدار قطنى، وأخرجه
موصولا أيضا الحاكم والبيهقى، وصححه ابن القطان (نيل الأوطار ٤٢:٧).
درجة الحسن، وابن لهيعة قد مر غير مرة أنه مختلف فيه، والاختلاف غير مضر، ويزيد بن أبى
حبيب تابعى ثقة من رجال الجماعة، كما فى "تهذيب التهذيب" (٣١٨:١١). وعبد الرحمن بن
ثعلبة قال فی "التقریب" (١١٩): مجهول. قلت: روى عنه یزید بن حبیب کما فى هذا السند، و کما
فی "تهذيب التهذيب" (١٥٣:٦). ونصه: روی عن أبيه وعنه یؤید بن أبى حبيب. روی له ابن
ماجه اهـ. فهذا قد زالت جهالته برواية يزيد عنه بالقاعدة المذكورة غير مرة، على أن أولاد الصحابة
ثقات ما لم يصرح أحد بالجرح فيهم كما فى المقدمة، وثعلبة صحابى كما فى "تهذيب التهذيب"
(٢٤:٢). فالسند محتج به، ودلالته وكذا دلالة الذى بعده على الباب ظاهرة، وهو مذهب
الطرفين خلافا لأبى يوسف، وهو يشترط الإقرار مرتين فى القطع، كما فى "الهداية" (٥١٨:٢).
فإن قلت: إن فى "نيل الأوطار" (٤٥:٧): عن أبي أمية المخزومى: أن رسول الله عَ لّ أتى
بلص فاعترف اعترافا، ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله مرّله: ما أخل لك سرقت،
قال: بلى! مرتين أو ثلاثا: فقال رسول الله مرّ له: ((اقطعوه ثم جيئوا به قال: فقطعوه، ثم جاءوا به،
فقال له رسول الله عَُّله: قل استغفر الله وأتوب إليه، فقال: استغفر الله وأتوب إليه، فقال رسول
الله مَّهِ: اللهم تب عليه)). رواه أحمد وأبو داود وكذلك النسائى، ولم يقل فيه: مرتين أو ثلاثا.
وابن ماجه وذكر مرة ثانية فيه، قال: ما أخالك سرقت، قال: بلى!" قال الحافظ فى "بلوغ المرام":
رجاله ثقات. وقال الخطابى: إن فى إسناده مقالا، قال: والحديث إذا رواه رجل مجهول لم يكن
حجة، ولم يجب الحكم به، قال المنذرى: وكأنه يشير إلى أن أبا المنذر مولى أبى ذر لم يرو عنه إلا
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من رواية حماد بن سلمة عنه" اهـ.
قلت: إن غاية هذا الكلام أن الإسناد مختلف فى صحته، وهو غير مضر کما عرفته مرارا،
ولفظ ابن ماجة (١٩٠): فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ما أخالك سرقت، قال: بلى! ثم قال: ما أخالك
سرقت قال: بلى! فأمر به فقطع، قال: قل: استغفر الله الحديث، وفى "النيل" أيضا فى الصفحة
المذكورة، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أمير المؤمنين على رضى الله عنه قال: "لا يقطع السارق

٦٥٤
ج - ١١
باب أن لا تقطع اليد فى الشىء التافة
٣٧٣٥- حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة،
قالت: "لم يكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله عَّ له فى الشىء التافة". أخرجه
ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى ١٠٣:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة.
باب أن لا قطع فى الطير
٣٧٣٦ - حدثنا وكيع ثنا سفيان الثورى عن جابر الجعفى عن عبد الله بن يسار،
قال: "أتى عمر بن العزيز فى رجل سرق دجاجة، فأراد أن يقطعه، فقال له سلمة بن عبد
الرحمن: قال عثمان: لا قطع فى الطير". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى
١٠٣:٢). قلت: إسناده محتج به.
حتى يشهد على نفسه مرتين". حكاه أحمد فى رواية منها، واحتج به وفى "شرح الآثار"
للطحاوى (٩٧:٢): حدثنا أبو بشر الرقى قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن القاسم بن عبد
الرحمن عن أبيه عن على بن أبى طالب: "أن رجلا أقر عنده بسرقة مرتین، فقال: قد شهدت على
نفسك شهادتين، قال: فأمر به فقطع، وعلقها فى عنقه" اهـ. ففى هذا الحديث والأثر دليل للإمام
أبى يوسف، قلت: كلا! فإن الحديث لا دليل فيه على الاشتراط المذكور، نعم فيه وقوع الإقرار
مرتين أو ثلاثا، وهو لا يدل على كونه شرطا فى قطع اليد، وإنما يدل على أنه يندب تلقين المسقط
للحد عنه، والمبالغة فى الاستثبات، ومما يدل على أن هذا هو المراد أنه مَ ◌ّه قال: ((لا أخالك
سرقت)) .. ثلاث مرات فى رواية، ولا قائل: بأنه يشترط ثلاث مرات. كذا فى "النيل" (٤٦:٧).
لا سيما إذا ثبت بأحاديث المتن عدم اشتراطه، فلا بد من التطبيق بين الأحاديث، فنقول: إن
تلقينه عَّ للسارق مرة بعد مرة كان لدرء الحد، وكان الإقرار يكفى مرة، كما ثبت فى أحاديث
أخرى. وأثر سيدنا على رضى الله عنه الذى نقل عن النيل منقطع، لا يقاوم المتصل المرفوع، وأما
الذى نقل عن "شرح الآثار" إن صح فلا يدل على الاشتراط كما لا يخفى، ولعل الواقعة هذه
فرواها بعض الرواة بالمعنى بلفظ "لا يقطع السارق حتى يشهد على نفسه مرتين". فافهم.
باب أن لا تقطع اليد فى الشىء التافة
قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
باب أن لا قطع فى الطير
قال المؤلف: دلالة الأثرين على الباب ظاهرة.

٦٥٥
إعلاء السنن
٣٧٣٧- حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن زهير بن محمد عن يزيد، فقال: "ما
رأيت أحدًا قطع فى الطير، وما عليه فى ذلك قطع، فتركه عمر ". رواه ابن أبى شيبة
(زيلعى ١٠٣:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة.
باب لا قطع فى ثمر ولا كثر ولا طعام يتسارع إليه الفساد
٣٧٣٨ - عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((لا قطع فى ثمر ولا كثر(١)).
رواه ابن ماجه، وإسناده صحيح (دراية ٦٥٢).
٣٧٣٩- عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله عّ له يقول: ((لا قطع فى
ثمر ولا كثر)). رواه الخمسة، وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقى وصححه البيهقى وابن
حبان، واختلف فى وصله وإرساله، وقال الطحاوى: "هذا الحديث تلقت العلماء متنه
بالقبول". (نيل ٣٩:٧ و٤٠). قلت: يترجح الوصل فى هذه الصورة. فإن زيادة الثقة
مقبولة، لا سيما إذا صححه بعض أهل الفن، فإن الوصل من لوازم التصحيح المطلق.
باب لا قطع فى ثمر ولا كثر ولا طعام يتسارع إليه الفساد
قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب عليه ظاهرة. إلا أنه لم يقيد الطعام فى الحديث بما
قيد فى ترجمة الباب، ووجه التقييد ما ذكره الشيخ ابن الهمام فى فتح القدير (١٣١:٥): "ولما
كان الإجماع على أنه يقطع فى الحنطة والسكر لزم أن يحمل على ما يتسارع إليه الفساد، كالمهيا
للأكل منه وما فى معناه" إلخ. قلت: قيد به سفيان الثورى كما مر فى رواية المتن برواية عبد
الرزاق، والوجه أن ذلك ليس بذى حظر فيقطع به.
وأما ما رواه أبو داود وسكت عنه (٢٤٧:١): عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد
الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله عرّ له، أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: ((من أصاب بفيه من
ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شىء عليه، ومن خرج بشىء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن
سرق منه شيئا بعد أن يؤديه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". الحديث، وما رواه النسائي
(٢٦٠:١): عن عبيد الله بن عمر: "وأن رجلا من مزينة أتى رسول الله عَ ◌ّ، فقال: يا رسول الله!
كيف ترى فى حريسة الجبل؟ فقال: هى ومثلها والنكال، وليس فى شىء من الماشية قطع إلا فيما
آواه المراح، فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثلیه. وجلدات نكال،
(١) وفى النيل أيضا: فى القاموس: والكثر ويحرك جمار النخل أو طلعها. قال أيضا: والخمار كرمان شحم النخلة.

٦٥٦
٢ - ١١
لا قطع فى ثمر ولا كثر ولا طعام يتسارع إليه الفساد
٣٧٤٠- عن الحسن البصرى أن النبى معَّ له قال: ((إنى لا أقطع فى الطعام)). رواه
أبو داود فى المراسيل، وذكره عبد الحق فى أحكامه من جهة أبى داود، ولم يعله بغير
الإرسال، وأقره ابن القطان على ذلك (زيلعى ١٠٤:٢). قلت: ومراسيل الإمام الحسن
البصرى موصولة كما عرفتك ذلك غير مرة، وسكوت عبد الحق عن هذا المرسل وتقرير ..
ابن القطان يدل على كونه محتجا به عندهما، كما فى الزيلعى (١٠٥:٢).
٣٧٤١ - حدثنا حفص عن أشعث بن عبد الملك وعمرو عن الحسن: "أن
النبى عَ ◌ّ أتى برجل سرق طعاما فلم يقطعه". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، ورواه
عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا سفيان الثورى عن رجل عن الحسن فذكره، وزاد:
قال: يا رسول الله! كيف ترى فى الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه والنكال، وليس فى شىء من
الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ
ثمن المجن ففيه غرامة ومثلیه وجلدات نکال" اهـ.
ففى هذه الأحاديث أحكام ثلاثة مناسبة للمقام، ما لم يبلغ من الثمر ثمن المجن ففيه غرامة
مثليه، وجلدات نكال بعد ما آواه الجرين، والقطع فيما بلغ ثمن المجن، وكل ذلك مخالف لمسألة
الباب، وقد أجاب المحقق عن القطع بأبواء الجرين ما لفظه: "قلنا: أخرجه على وفاق العادة، والذى
يؤويه الجرين فى عادتهم هو اليابس من الثمر، وفيه القطع" اهـ. وفى "فتح القدير": "لكن ما فى
المغرب من قوله: الجرين المريد، وهو الموضع الذى يلقى فيه الرطب لیجف، و جمعه جرن. يقتضى
أنه یکون فیه الرطب فى زمان، وهو أول وضعه، والیابس وهو الكائن فى آخر حاله فیه، ثم قال
فیه: ثم المعنی من قوله: حتى يؤويه الجرین. أی المربد حتی یجف، أی حتی یتم إيواء الجرین إياه،
فإنه عند ذلك ينقل عنه، ويدخل الحرز، وإلا فنفس الجرين ليس حرزا ليجب القطع بالأخذ منه،
اللهم إلا أن يكون له حارس يترصده. والجواب أنه معارض لظاهر قوله عدّ له: ((لا قطع فى ثمر
ولا كثر ولا قطع فى الطعام)» إلى أن قال: وفى مثله من الحدود يجب تقديم ما يمنع الحد دراً الحد،
ولأن ما تقدم (يعنى حديث الجرين) متروك الظاهر، فإنه لا يضمن المسروق بمثلى قيمته وإن نقل
عن أحمد فعلماء الأمة على خلافه، لأنه لا يبلغ قوة ثبوت كتاب الله تعالى، وهو قوله تعالى:
﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. فلا يصح عنه عليه الصلاة والسلام
ذلك، ففيه دلالة الضعف أو النسخ (١٣١:٥). قلت: ومن هذا التحرير خرج الجواب عن الضمان

٦٥٧
لا قطع فى ثمر ولا كثر ولا طعام يتسارع إليه الفساد
إعلاء السنن
قال سفيان: "هو الطعام الذى يفسد من نهاره كالثريد واللحم". (زيلعى ١٠٤:٢).
قلت: رجال السند الأول رجال الجماعة إلا أشعث، فإن مسلما لم يخرج له، وأخرج له
الباقون - إلا عمروا، فإنه لا حاجة لنا إليه.
بمثليه، وبقى النكال فأقول: إنه موكول إلى الإمام كما هو حكم سائر التعزيرات، فافهم.
وقال الإمام أبو يوسف فى الخراج له: "ولا قطع على سارق الخمر والخنازير والمعازف
كلها، ولا فى النبيذ، ولا فى شىء من الطير ولا الصيد، ولا فى شىء من الوحش ولا فى النوى
والتراب والجص والنواة والماء، (لكون بعضها مما أمر المسلم بكسرها وإضاعتها، وبعضها من
المباحات فى الأصل، فانتقص فيها معنى الحرز والعصمة، والحدود تدرأ بالشبهات، فلا قطع إلا فى
سرقة مال معصوم من كل وجه فافهم) وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: لا قطع فى طعام
يؤكل يعنى الخبز، ولا فى مفاكهة رطبة، ولا فى الحطب ولا فى الخشب، ولا فى الحجارة والجص
والنورة والزرنيخ والفخار والطين والمغرة والقدور والكحل والزجاج، ولا فى السمك المالح منه
والطرى، ولا فى شىء من البقول والرياحين، ولا فى الأنوار (الأزهار) ولا فى التبن، ولا فی
التختج، ولا فى المصحف، ولا فى الصحف التى فيها شعر (قلت: وإنما درأ القطع عن سارق
المصحف لاختلاف العلماء فى بيع المصحف وسيأتى، ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى فأورد على أبى
حنيفة ما لا يرد عليه) فأما القت والخل فكان يرى فيها القطع قال أبو يوسف: ومن سرق عفصا أو
أهليلجا أو شيئا من الأدوية اليابسة. أو شيئا من الحنطة أو الشعير، أو من الدقيق، أو من الحبوب، أو
من الفاكهة اليابسة. أو شيئا من الجوهر أو اللؤلؤ، أو شيئا من الأدهان أو الطيب، مثل العود
والمسك والعنبر وما أشبهه من الطيب، وكانت قيمته عشرة دراهم فصاعدا، فعليه القطع، هذا
أحسن ما سمعنا فى ذلك. والله أعلم. قال: وليس على سارق الثمار من رؤوس النخل قطع، وإن
سرق منه بعد ما أحرز فى الجرين والبيوت قطع إذا بلغت قيمته عشرة دراهم فصاعدا. (قلت:
ويقطع سارق ما فى الجرين إذا كان هناك حافظ وإلا فلا) ولا قطع على سارق شىء من الحيوان من
مراعيبها، وإن سرقها من موضع قد أحرزت فيه قطع، ولا قطع على من سرق شيئا من القنا والساج
والخشب، إلا أن يسرقه وقد جعل آنية أو أبوابا. ولا قطع على من سرق شيئا من الأصنام خشبا
كان أو ذهبا أو فضة. (لكون المسلم مامورا بكسرها وإضاعتها فانتفى الحرز والعصمة) هذا أحسن
ما سمعنا فى ذلك والله أعلم (٢٠٦).
:

٦٥٨
ج - ١١
باب أن لا قطع فى سرقة العبد العاقل المعبر عن نفسه
٣٧٤٢- ثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبى أيوب عن معروف بن سويد:
"أن قوما كانوا يسترقون رقيق الناس بأفريقية، فقال على بن رباح: ليس عليهم قطع، قد
كان هذا على عهد عمر بن الخطاب، فلم ير عليهم قطعا، وقال: "هؤلاء خلابون".
أخرج ابن أبى شيبة، وهذا السند رجاله ثقات (الجوهر النقى ١٨٣:٢).
باب أن لا قطع فى سرقة العبد العاقل المعبر عن نفسه
قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب تتحصل من تعليل سيدنا عمر بقوله: "خلابون" أى
خداعون أو غاصبون، والخداع والغصب لا يتحققان إلا فى حق العاقل، وقال صاحب "الهداية"
(٥٢٠:٢ و ٥٢١)، ونصه: "ولا قطع فى سرقة العبد الكبير، لأنه غصب أو خداع، ويقطع فى
سرقة العبد الصغير، لتحققها بحدها إلا إذا كان يعبر عن نفسه، لأنه هو والبالغ سواء فى اعتبار
يده" إلخ.
وأما ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، ورواه ابن أبى شيبة: ثنا محمد بن بكر عن ابن
جريج، قال: "أخبرت أن عمر بن الخطاب قطع رجلا فى غلام سرقه". وهو منقطع كما ترى كما
فى "الجوهر النقى" (١٨٣:٢). قلت: وجه الانقطاع أن ابن جريج ليس له سماع من الصحابة،
فهو إن صح عن سيدنا عمر فمحمول على العبد الصغير غير المعبر عن نفسه.
قال بعض الناس: إن الانقطاع غير مضر عندنا، لكن ابن جريج ليس من الذين لا يضر
إرسالهم، فإنه إنما لا يضر إذا كان المرسل لا يرسل عن الضعفاء، وقد حقق قبلى هذا فى بعض
مواضع هذا الكتاب، وفى "تهذيب التهذيب" (٤٠٤:٦): قال الأثرم عن أحمد: "إذا قال ابن
جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرنى وسمعت، فحسبك به "
اهـ. وفی (٤٠٥:٦). قال الدارقطنى: "تجنب تدلیس ابن جريج فإنه قبیح التدلیس لا یدلس إلا فيما
سمعه من مجروح" إلخ. قلت: يعارض ذلك قول ابن القيم فى "الهدى": "وابن جريج من الأئمة
الثقات العدول، ورواية العدل عن غيره تعديل له ما لم يعلم فيه جرح، (وجل رواية ابن جريج إنما
هى من التابعين)، ولم يكن الكذب ظاهراً فى التابعين، ولا يظن بابن جريج أنه حملها عن كذاب،
ولا عن غير ثقة عنده، ولم يبين حاله" اهـ (١٣٤:٢). ففيه دلالة على قبول مراسيل ابن جريج،
فالحق أن الأثر صالح للاحتجاج به، ولکنه محمول على ما قلنا.

٦٥٩
إعلاء السنن
باب أن لا قطع علی خائن ولا منتہب ولا مختلس
٣٧٤٣- عن جابر عن النبى معَّ قال: ((ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس
قطع)). رواه الخمسة، وصححه الترمذى، وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقى وابن حبان
وصححه (نيل ٤٢:٨). وسكت عنه عبد الحق فى "أحكامه"، وابن القطان بعده، فهو
صحيح عندهما (زيلعى ٢: ١٠٥). وقال القرطبى: "هو حديث قوى". قلت: وصححه
أبو عوانة (فتح البارى ٨١:١٢).
٣٧٤٤- أخبرنا مالك عن ابن شهاب: "أن رجلا اختلس شيئا فی زمن مروان بن
الحكم، فأراد مروان قطع يده، فدخل عليه زيد بن ثابت. فأخبره أنه لا قطع عليه".
أخرجه محمد فى "الموطأ" (٣٠٣). وسنده صحيح غير أنه مرسل، وفى تعليقه: "إن
له شاهدا صحيحا من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه ابن ماجه" اهـ.
٣٧٤٥ - حدثنا أشعث عن أبى الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ليس
فى الغلول قطع)). رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (٢٠٥). وسنده صحيح.
باب أن لا قطع علی خائن ولا منتهب ولا مختلس
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة. وفى "الجوهر النقى" (١٨٨:٢): باب
لا قطع علی مختلس ذکر (البیہقی) فیه حدیثا عن ابن جريج عن أبی الزبير عن جابر (وهو حديث
الباب) ثم ذكر أن أبا داود قال: لم يسمعه ابن جريج عن أبى الزبير، وبلغنى عن أحمد بن حنبل قال: إنما
سمعه ابن جريج من یاسین(١) الزيات". قلت: أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن ابن جريج،
قال: قال لى أبو الزبير: قال جابر، وهذا صريح فى أنه سمعه منه، وكذلك أخرجه النسائي، فقال:
أنا محمد بن حاتم أنا سويد هو ابن نصر أنا عبد الله هو ابن المبارك عن ابن جريج، قال: أخبرنى أبو
الزبير، فذكره، وهذا سند صحيح، وبهذا اللفظ أيضا أخرجه الطحاوى، فقال: ثنا يحيى بن عثمان
ثنا نعيم هو ابن حماد ثنا ابن المبارك فذكره، ويحيى أخرج له الحاكم فى "مستدركه"، وابن حبان
فی صحیحه، ونعیم أخرج له البخارى فى صحيحه، فهو أيضا سند صحيح، وقد صرح فيه أيضا
بالسماع، فيحمل على أنه سمعه منه مرة بلا واسطة ومرة بواسطة ياسين" اهـ.
(١) قال المنذرى: "لا يحتج بحديثه"، وقال ابن أبى حاتم: "وهو ضعيف". كما فى "النيل" (٤٢:٧ و٤٣).

٦٦٠
١ - ١١
باب أن لا قطع على النباش
٣٧٤٦ - ثنا عيسى بن يونس عن معمر عن الزهرى قال: "أتى مروان بن الحكم
يقوم يحتفرون القبور، يعنى ينبشون، فضربهم ونفاهم، وأصحاب رسول الله مد اله
قلت: ویعارض بعض أجزاء حديث الباب ما رواه أبو داود وسكت عنه (٢٥٦:٢): كان
عروة يحدث أن عائشة قالت: "استعارت امرأة يعنى حليا على ألسنة ناس يعرفون ولا تعرف هى،
فباعته فأخذت، فأتى بها النبى مرِّ، فأمر بقطع يدها، وهى التى شفع فيها أسامة بن زيد، فقال
فيها رسول الله عرّ له ما قال" اهـ. وما رواه مسلم والإمام أحمد والنسائى كما فى "النيل"
(٤٣:٧): عن عائشة، قالت: " كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبى عد له بقطع
يدها". الحديث. لكن هذا الحديث روى بألفاظ مختلفة، فمنها ما ذكرنا، ومنها ما رواه البخارى
(٧٨:١٢ مع الفتح) عن عائشة: "أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التى سرقت، فقالوا: من يكلم
فيها رسول الله مرّ له؟ ومن يجترى عليه إلا أسامة حب رسول الله عَ ◌ّه! فكلم رسول الله مد خله،
فقال: أ تشفع فى حد من حدود الله". الحديث، فلا بد من التطبيق بين ألفاظ هذا الحديث، تم
الجواب عن المعارضة.
قال الحافظ فى "فتح البارى" (٨٠:١٢): "وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أن القصة
لامرأة واحدة، استعارت وجحدت، وسرقت فقطعت للسرقة، لا للعارية، قال: وبذلك نقول" أهـ.
قلت: هذا التطبيق أحسن عندى من غيره الذى ذكروه، وإن لزم عليه تفريط بعض الرواة فى النقل،
وليس ببعيد لعذر عرض لهم. وفى "فتح البارى" أيضا (٨١:١٢ و ٨٢): وقال ابن دقيق العيد:
صنيع صاحب العمدة حيث أورد الحديث بلفظ الليث، ثم قال: وفى لفظ فذكر لفظ معمر،
يقتضى أنها قصة واحدة اختلف فيها هل كانت سارقة أو جاحدة؟ يعنى لأنه أورد حديث عائشة
باللفظ الذى أخرجاه من طريق الليث، ثم قال: وفى لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر
النبى معَِّ بقطع يدها. وهذه رواية معمر فى مسلم فقط، فقال: وعلى هذا فالحجة فى هذا الخبر
فی قطع المستعیر ضعيفة، لأنه اختلاف فى واقعة واحدة، فلا يثبت الحكم فيه بترجیح من روی أنها
جاحدة على الرواية الأخرى، يعنى وكذا عكسه، فيصح أنها قطعت بسبب الأمرين، والقطع فى
السرقة متفق عليه فيترجح على القطع فى الجحد المختلف فيه" اهـ.
باب أن لا قطع على النباش
قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. منها ما يدل على إجماع الصحابة فى زمن