Indexed OCR Text

Pages 501-520

ج - ١١
حبس المقر بالزنا للاستكشاف
٥٠١
٣٥٩٥- عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "أن النبى عدد حبس رجلا فى
تهمة ثم حلى عنه". رواه الترمذى وحسنه (١: ١٧).
أتهم بذلك فلاناً، بل ولا بد من كونه داعرا متهما بالفساد عند الناس من جيرانه وعشيرته.
قال الإمام أبو يوسف فى الخراج له: "وتقدم يا أمير المؤمنين! إلى ولا تك لا يأخذون الناس
بالتهم، يجىء الرجل إلى الوالى فيقول: هذا اتهمته فى سرقة سرقت منى، فيأخذونه بذلك وغيره،
وهذا مما لا يحل العمل به، ولا ينبغى أن تقبل دعوى رجل على رجل فى قتل ولا سرقة، ولا يقام
عليه حد إلا ببينة عادلة، أو بإقرار من غير تهديد من الوالى له، أو وعيد على ما ذكرته لك.
ولا يحل ولا يسع أن يحبس رجل بتهمة رجل له، وكان رسول الله عّ لّه لا يأخذ الناس
بالقرف" اهـ (٢٠٩)، وقال أيضا: "حدثنى إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن عبد الملك بن
عمير، قال: كان على بن أبى طالب إذا كان فى القبيلة أو القوم الرجل الداعر حبسه، فإن كان له
مال أنفق علیه من ماله، وإن لم یکن له مال أنفق علیه من بيت مال المسلمين، وقال: يحبس عنهم
شره، وينفق عليه من بيت مالهم" اهـ (١٧٩). وهذا سند حسن، وإسماعيل هذا قال أبو حاتم:
ليس بالقوى يكتب حديثه". (التهذيب ٢٧٩:١). وضعفه آخرون.
فائدة: قال الإمام أبو يوسف: ولا يحل للإمام أن يحابى فى الحد أحدا، ولا تزيله عنه
شفاعة، ولا ينبغى له أن يخاف فى ذلك لومة لائم إلا أن يكون حد فيه شبهة، فإذا كان فى الحد
شبهة درأه، لما جاء فى ذلك من الآثار عن أصحاب رسول الله معدّ لاتيه والتابعين وقولهم: "ادرأوا
الحدود بالشبهات ما استطعتم، والخطأ فى العفو خير من الخطأ فى العقوبة". ولا يحل إقامة حد
على من لم يستوجبه، كما لا يحل إبطاله عمن استوجبه بغير شبهة فيه، ولا يحل لمسلم أن يشفع
إلى إمام فى حد قد وجب وتبين، فأما قبل أن يرفع ذلك إلى الإمام فقد رخص فيه أكثر الفقهاء،
ولم يختلفوا فى التوقی للشفاعة فيه بعد رفعه إلى الإمام فيما علمنا والله أعلم. قال أبو يوسف:
حدثنا هشام بن عروة عن الفرافصة الحنفى، قال: "مروا على الزبير بسارق، فشفع فيه، فقالوا:
أتشفع فى حد؟ قال: نعم! مالم يؤت به الإمام، فإن أتى به الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا عنه"،
(سند(١) صحيح، فإن الفرافصة تابعى مدنى ثقة، قاله العجلى: وذكره ابن حبان فى "الثقات"،
(١): وأخرجه مالك فى الموطأ (٣٥٣). عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن: أن الزبير بن العوام الحديث مرسلا، ومراسيل مالك وبلاغاته
صحاح عند القوم.

٥٠٢
حبس المقر بالزنا للاستكشاف
إعلاء السنن
روی عن عثمان رضى الله عنه، وعن عمر، وله رواية عن الزبير بن العوام رضى الله عنه، روى عنه
القاسم بن محمد وعبد الله بن أبى بكر ويحيى بن الأنصارى وربيعة بن أبى عبد الرحمن،
كذا فى "تعجيل المنفعة" ٣٣٢) قال: وحدثنى هشام بن سعد عن أبى حازم: "أن عليا رضى الله
عنه شفع فى سارق، فقيل له: أ تشفع فى سارق؟ قال: نعم! ما لم يبلغ به الإمام، فإذا بلغ به الإمام
فلا أعفاه الله إن عفا". قال أبو يوسف: وقد رأيت غير واحد من فقهاءنا يكره الشفاعة فى الحد
البتة ويتوقاه، ويحتج فى ذلك بما قال ابن عمر: من حالة شفاعته دون حد من حدود الله فقد حاد
الله فى خلقه اهـ (١٨٢).
قلت: أثر ابن عمر أخرجه أبو داود مرفوعا أطول منه كما فى "جمع الفوائد" (٢٧٤:١).
وهو محمول عند الجمهور على من شفع فى الحد بعد بلوغه الإمام، بدليل ما رواه أبو داود
والنسائى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعا: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما
بلغنى من حد فقد وجب)). وهو حديث حسن، وهو نص فى موضع النزاع. قال ابن عبد البر:
"لا أعلم خلافا أن الشفاعة فى ذوى الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن السلطان إذا
بلغته أن يقيمها". كذا فى "عون المعبود" عن "إرشاد السارى" (٢٣١:٤).
وقال النووى: "قد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة فى الحد بعد بلوغه الإمام، وعلى أنه
يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فأجاز أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب
شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، وأما المعاصى التى لا حد فيها وواجبها التعزير فتجوز
الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أولا، لأنها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن
المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه" اهـ (٦٤:٢ شرح مسلم).
حدیث أقیلوا ذوی الهيئات:
قلت: وهو محمل ما روته عائشة: "أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم". رواه عبد الرحمن بن
مهدى عن عبد الملك بن زيد المدينى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم عن عمرة عنها،
أخرجه ابن حزم عن عمرة عنها، أخرجه ابن حزم فى "المحلى"، وقال: "أحسنها كلها حديث
ابن مهدى، فهو جيد والحجة بها قائمة" أهـ (١١: ٤٠٥). ورواه أبو داود بزيادة: "إلا الحدود"،
كما فيه أيضا، فلا معارضة بينه وبين أدلة تحريم الشفاعة فى الحدود فافهم.

٥٠٣
ج - ١١
باب أن الإقرار أن يقر المقر على نفسه بالزنا أربع مرات فى أربعة مجالس
٣٥٩٦- عن بريدة: أن ماعز بن مالك الأسلمى أتى رسول الله عَّ له، فقال:
يا رسول الله! إنى قد ظلمت نفسى وزنيت، وأنى أريد أن تطهرنى، فرده، فلما كان من
الغد أتاه، فقال: يا رسول الله! إنى قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله عَّ له إلى
قومه، فقال: أ تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفى العقل من
صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا
بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم. الحديث رواه مسلم (٦٨:٢).
باب أن الإقرار أن يقر المقر على نفسه بالزنا أربع مرات فى أربعة مجالس
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. وفى الآخرين من أحاديث الباب أظهر
دلالة على الباب.
قلت: وقد مر فى الباب السابق قول أبى بكر لماعز: "إن اعترفت الرابعة رجمك" وهو
حديث حسن ليس فيه إلا جابر الجعفى، شهد له شعبة والثورى بالحفظ والإتقان، وكان وكيع
وزهير بن معاوية يوثقانه ويثنيان عليه، قال ابن عبد البر فى التمهيد: أجمعوا على أنه يكتب حديثه،
واختلفوا فى الاحتجاج به، (قلت: فلا ينزل حديثه عن الحسن) وقد أخرج أحمد والطحاوى
بسند صحيح عن بريدة: كنا نتحدث أصحاب النبى ◌ّ أن ماعز بن مالك لو جلس فى رحله بعد
اعترافه ثلاثة مرات لم يطلبه، وإنما رجمه بعد الرابعة، وقد مر قوله عّ لّه الماعز: ((إنك قلتها أربع
مرات فيمن؟)) إلخ. أخرجه أبو داود. ففى قول أبى بكر: إن اعترفت الرابعة، وقول الراوى: يشهد
على نفسه أربع شهادات، وقوله مرّ لي: ((إنك قلتها أربع مرات))، دليل على أن لا بد من الإقرار
أربع مرات، ولا يحد فيما دونه. وفى الاستذكار: هو قول أبى حنيفة وأصحابه والثورى وابن أبى
ليلى والحسن بن حى والحكم بن عتيبة وأحمد وإسحاق. لا يحد حتى يقر أربع مرات. كذا فى
"الجوهر النقى" (١٧٥:٢).
وقال الموفق فى "المغنى": "فإن ثبت حد الزنا بالإقرار اعتبر إقرار أربع مرات، وبهذا قال
الحكم وابن أبى ليلى وأصحاب الرأى. وقال الحسن وحماد ومالك والشافعى وأبو ثور وابن المنذر:
يحد بإقرار مرة، لقول النبى معَّه: واغديا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. واعتراف
مرة اعتراف، وقد أوجب عليها الرجم به، ورجم الجهينية وإنما اعترفت مرة، وقال عمر: إن الرجم

٥٠٤
الإقرار بالزنا
إعلاء السنن
٣٥٩٧- عن أبى هريرة، قال: "جاء ماعز بن مالك إلى النبى عَّه، فقال إنه قد
زنى، فقال له: ويلك، وما يدريك ما الزنا، فأمر به فطرد، وأخرج، ثم أتاه الثانية، فقال
مثل ذلك، فأمر به فطرد، وأخرج، ثم أتاه الثالثة، فقال له مثل ذلك. فأمر به فطرد،
وأخرج، ثم الرابعة، فقال مثل ذلك، قال: أدخلت وأخرجت، قال: نعم! فأمر به أن
یرجم. مختصرا رواه ابن حبان فى صحيحه (زیلعی ٧٨:٢).
حق واجب على من زنا وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. ولأنه حق فيثبت
باعتراف مرة كسائر الحقوق. ولنا ما روى أبو هريرة قال: ((أتى رجل من الأسلميين رسول الله مرّ له
وهو فى المسجد، فقال: يا رسول الله! إنى زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا
رسول الله! إنى زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع
شهادات دعاه رسول الله عَّه، فقال: أبك جنون؟ قال: لا! قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم! فقال
رسول الله عَّ: ارجموه). متفق عليه. ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله عَّ له، لأنه
لا يجوز ترك حد وجب الله تعالى. وروى نعيم بن هزان حديثه وفيه: حتى قالها أربع مرات، فقال
رسول الله: إنك قلتها أربع مرات فبمن؟ رواه أبو داود (وقال الشوكانى فى النيل: قد سكت أبو
داود والمنذرى عن هذه الرواية، ورجالها رجال الصحيح" اهـ. أى من طريق ابن عباس، قال: جاء
ماعز الحديث. وأما طريق نعيم بن هزال فقال المنذرى: قد تقدم الكلام على الاختلاف فى صحبة
يزيد، وصحبة نعيم بن هزال كذا فى "العون" ٢٥٢:٤). وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع
هى الموجبة، وروى أبو برزة الأسلمى أن أبا بكر الصديق قال له عند النبى معَّه: إن أقررت أربعا
رّجمك رسول الله عَّ، وهذا يدل من وجهين: أحدهما: أن النبى معَِّ أقره على هذا ولم ينكره،
فكان بمنزلة قوله، لأنه لا يقر على الخطأ. والثانى: أنه قد علم هذا من حكم النبى مِّ ◌ُّه، لو لا ذلك
ما تجاسر على قوله بين يديه. فأما أحاديثهم فإن الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير،
وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذى يثبت به كان أربعا" اهـ (١٦٦:١).
الرد على ابن حزم فى القول بكفاية الإقرار مرة فى الزنا:
وبهذا اندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى" (١٧٨:١١) والشوكانى فى "النيل" (١٣:٧)
احتجاجا بحديث الغامدية، وقولها: "يا رسول الله! لعلك تريد أن تردنى كما رددت ماعزا، فوالله
إنى لحبلى الحديث. رواه مسلم، قالا: "فهذا هو البيان الجلى من رسول الله م ◌ُّ لأى شىء رد
ماعزا؟ لأن الغامدية قررته عليه السلام على أنه رد ماعز، لأن لا يحتاج إلى ترديدها، لأن الزنا الذى

ج - ١١
الإقرار بالزنا
٥٠٥
٣٥٩٨- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "جاء ماعز الأسلمى إلى رسول
الله عَّهِ، فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من الشق الآخر، فقال: إنه قد زنى،
فأعرض عنه، ثم جاء من الشق الآخر، فقال: يا رسول الله! إنه قد زنى، فأمر به فى
الرابعة، فأخرج إلى الحرة(١) فرجم بالحجارة، فلما وجد مس الحجارة فر يشتد، حتى مر
برجل معه لحى جمل فضربه به، وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول
الله عَّ أنه فر حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله عَ له: هلا
تركتموه". رواه الترمذى وقال: حسن (١٧١:١). وفى "نيل الأوطار" (١٧:٧):
رجال إسناده ثقات".
أقرت به صحيح ثابت، وقد ظهرت علامته وهى حبلها، فصدقها رسول الله عَ ◌ّه بذلك، وأمسك
عن ترديدها، ولو كان ترديده عليه السلام ماعزا من أجل أن الإقرار لا يصح بالزنا حتى يتم أربع
مرات لأنكر عليها هذا الكلام، ويقال لها "لا شك إنما أردك كما رددت ماعز، لأن الإقرار لا يتم
إلا بأربع مرات" إلخ. فإن كل ذلك قياس وتخمين، وقوله مرّ آي لماعز: ((شهدت على نفسك أربع
مرات)). كما فى رواية ابن عباس، وقوله: ((إنك قد قلتها أربع مرات فبمن))؟ كما فى رواية نعيم بن
هزال، وقول أبى بكر بحضرته مَّ له: "إن اعترفت الرابعة رجمك". صريح فى أنه لا بد من الإقرار
أربع مرات، وإلا لرد رسول الله عَِّ على أبى بكر قوله، وقال: إن الإقرار مرة يكفى، وإنما رددته
أربعا للتهمة فى عقله، أو لكونه لا يدرى ما الزنا؟ كما قاله ابن حزم، فافهم. وسيأتى ما يدل على
أنه څێ رد الغامدية أیضا أربع مرات.
ويعارض أحاديث الباب ما رواه الجماعة عن أبى هريرة وزيد بن خالد، أنها قالا: ((إن رجلا
من الأعراب أتى رسول الله مرّة، فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لى بكتاب الله، وقال
الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم! فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لى، فقال رسول الله مرّه: قل،
قال: إن ابنى كان عسيفا (أى أجيرا) على هذا، فزنى بامرأته، وأنى أخبرت أن على ابنى الرجم،
فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام،
وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله عّ لّه: والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله،
(١) لا بد فيه من التأويل أی آل أمره إلى الخروج إلى الحرة، فإن الصحیح انه اخرج إلى البقيع، وقد يعبر عنه بالمصلى، لكونه مصلى
الجنائز، ثم لما وجد مس الحجارة فر إلى الحرة كذا فى عون المعبود.

٥٠٦
الإقرار بالزنا
إعلاء السنن
٣٥٩٩- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "جاء ماعز بن مالك إلى النبى
مَ لّهِ، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت على
نفسك أربع مرات، اذهبوا به، فارجموه " رواه أبو داود (٢٥٩:٢). وسكت عنه، وفى
"النيل" (١١:٧): "رجاله رجال الصحيح".
٣٦٠٠- عن بريدة، قال: "كنا نتحدث أصحاب النبى عّ لّه أن ماعز بن مالك لو
جلس فى رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه، وإنما رجمه عند الرابعة". رواه
أحمد (نيل الأوطار ٧: ١٠). وعزاه الزيلعى (٧٦:٢) إلى مسلم وأبى داود والنسائى.
الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغديا أنيس! لرجل من أسلم إلى
امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله عَّ ◌ُلّ فرجمت))
اهـ. ويحتج به من يثبت الزنا بالإقرار مرة، وقد روى أبو داود بإسناد رجاله رجال الصحيح عن
جابر بن عبد الله: "أن رجلا زنى بامرأة، فأمر به النبى مرّة، فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر
به فرجم". رواه أبو داود اهـ من "النيل" (٢:٧ و٣).
وما رواه الجماعة أيضا إلا البخارى وابن ماجه، عن عمران بن حصين: ((أن امرأة من جهينة
أتت رسول الله مَّظله، وهى حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبت حدا فأقمه على، فدعا نبى
الله ◌َّه وليبها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فائتنى، ففعل، فأمر بها رسول الله عَّ ◌ُّه، فشدت
عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت)). الحديث كما فى "النيل" (٢٥:٧). فلا بد من التطبيق بين
الأحاديث.
فقال الزيلعي: "والجواب أما حديث العسيف فمعناه واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن
اعترفت الاعتراف المعهود بالتردد أربع مرات. وأما حديث الغامدية فالراوى قد يختصر الحديث،
ولا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، وأيضا: فقد ورد فى بعض طرقه أنه ردها أربع مرات. أخرجه
البزار عن زكريا بن سليم: ثنا شيخ من قريش عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه فذكره، وفيه:
"أنها أقرت بالزنا أربع مرات وهو يردها، ثم قال لها: اذهبى حتى تلدى". أما قولهم: إنه عليه
السلام ردد ماعز أربع مرات لأنه ظن أن يعقله شيئا. فليس بشىء، لأنه عليه السلام سأل عن عقله
بعد اعترافه الرابعة. كما تقدم فى حديث أبى هريرة وحديث جابر المخرجين فى الصحيحين. فلو
كان تكرار الأربعة لاختبار عقله لما كان فى السوال عنه بعد الرابعة فائدة، كيف؟ وقد رده عليه

ج - ١١
٥٠٧
باب ما جاء فی تلقین الإمام من یعترف بحد من حدود الله
٣٦٠١- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "لما أتى ماعز بن مالك النبى عَّه،
قال له: لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أنكتها لا يكنى؟
قال: نعم! فعند ذلك أمر برجمه". رواه البخارى (٢: ١٠٠٨).
السلام بعد أن أخبر بعقله، أورده مسلم من حديث بريدة: ((أن ماعزا أتى النبى معَّه، فرده، ثم أتاه
الثانية من الغد، فرده، ثم أرسل إلى قومه هل تعلمون بعقله بأسا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفى بالعقل
من صالحينا، فأتاه الثالثة. فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان
الرابعة حفر له حفرة، ورجمه)). مختصر، فظهر من هذا أن الأربعة معتبرة.
ويؤيد ذلك ما تقدم عند أبى داود فى حديث هزال: أنه عليه السلام قال لماعز: ((إنك قد
قلتها أربع مرات))، وفى لفظ له عن ابن عباس: ((إنك شهدت على نفسك أربع مرات)) وفى لفظ
لابن أبى شيبة: ((أليس إنك قد قلتها أربع مرات؟)) فرتب الرجم على الأربع وإلا فمن المعلوم أنه
قالها أربع مرات، ويدل عليه ما تقدم فى مسند أحمد عن أبى بكر أنه قال له بحضرة النبى معَّ له بعد
اعترافه ثلاث مرات: إن أعترفت الرابعة رجمك. وهذا أصرح فى الدلالة على اشتراط الأربعة، لو
لا أن فى إسناده جابر الجعفى (قلت: فكان ماذا؟ وقد وثقه الثورى وشعبة، وقال ابن عبد البر:
أجمعوا على أنه يكتب حديثه كما مر) وأما قولهم: إنه ورد فى الصحيح أنه رده مرتين وثلاث
مرات. فالجواب أنه رده مرتين بعد مرتين واختصر الراوى منه مرتين، يدل على ذلك ما أخرجه
النسائى وأبو داود عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ((أتى النبى ◌ّه بما عز، فاعترف مرتين،
فقال: اذهبوا به، ثم قال: ردوه فاعترف مرتين حتى اعترف أربعا، فقال: اذهبوا به فارجموه)) فتبين
بذلك أن المرتين المذكورتين فى الصحيح هما من الأربع، وكذلك رواية الثلاث أى ومعها رابعة،
ويتفق بذلك الأحاديث والله أعلم" اهـ (٧٨:٢).
وبهذا تبين أن الحنفية أبعد الناس من الرأى، وأتبعهم للأثر. ولو كانوا أهل القياس كما زعمه
أهل الظاهر لقالوا بثبوت الزنا بالإقرار مرة. كثبوت القتل وغيره به من حقوق النفس والمال. والله
تعالى أعلم بكل حال وقال.
باب ما جاء فی تلقین الإمام من یعترف بحد من حدود الله
قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. وقال محمد فى "الآثار": "وأما نحن فنقول:
لا ينبغى للحاكم أن يقول له: أسرقت؟ ولكن يسكت عنه حتى يقر أو يدع، وهو قول أبى حنيفة.

إعلاء السنن
تلقین الإمام من یعترف بحد من حدود الله
٥٠٨
٣٦٠٢- عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: " كان من مضى يؤتى إليهم
بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا! وسمى أبا بكر وعمر". رواه عبد الرزاق
فى "مصنفه"، (التلخيص الحبير ٣٥٧:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا أن عطاء
لم يلق أبا بكر ولا عمر، فهو منقطع.
٣٦٠٣- عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد، قال: "أتى عمر بن
الخطاب برجل، فسأله أسرقت؟ قل: لا! فقال: لا فتركه". رواه عبد الرزاق فى مصنفه
(التلخيص الحبير ٣٥٧:٢) ورجاله رجال الصحيحين، ولكن عكرمة لم يسمع عن عمر.
٠٠
٣٦٠٤- عن حماد عن إبراهيم، قال: "أتى أبو مسعود الأنصارى (الصحابى)
بامرأة سرقت جملا، فقال: أسرقت؟ قولى لا"! رواه سفيان (الثورى) فى جامعه
(التلخيص الحبير السابق). قلت: إسناده محتج به مع أن إبراهيم لم يلق أبا مسعود، لأن
الانقطاع غير مضر عندنا، على أن مراسيل إبراهيم صحيحة كما مر فى كتاب الحج.
٣٦٠٥- أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن
يزيد بن أبى كبشة، قال: "أتى أبو الدرداء بجارية سوداء قد سرقت وهو على دمشق،
فقال: يا سلامة أسرقت؟ قولى: لا! فقالت: لا! فقالوا: أ تلقنها يا أبا الدرداء! فقال:
أتيتمونى بامرأة لا تدرى ما يراد بها لتعترف فأقطعها". رواه الإمام محمد فى " كتاب
الآثار " (٩٣). قلت: إسناده محتج به، و كلهم ثقات.
٣٦٠٦ - روى ابن أبى شيبة من طريق أبى المتوكل: "أن أبا هريرة أتى بسارق
وهو يومئذ أمير، فقال: أسرقت؟ قل: لا! مرتين أو ثلاثًا". (التلخيص الحبير ٢: ٣٥٧).
قال محمد: وإنما أراهما (أى أبا مسعود وأبا الدرداء) قالا للسارقين: قولا لا لقولهما أسرقتما مخافة
أن يجيباهما بنعم بمسألتهما إياهما، ولم يفعلا، وكذلك قال أبو حنيفة فى الشاهد یشهد عند
الحاکم لا ينبغى للحاکم أن يقول له: أ تشهد هكذا و كذا؟ مخافة أن یقول: نعم، ولکن يدعه حتى
يأتى بما عنده من الشهادة، فإن كانت شهادة قاطعة أنفذها، وإن كانت شهادة غير قاطعة ردها،
وكذلك الحدود" اهـ. قلت: وحاصله المنع من التلقين قبل الاعتراف، وأما بعد الاعتراف أربعا
فيستحب، كما لقن النبى معَّ له ماعزا بقوله: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت أو بك جنون ونحوه
صرح باستحباب هذا التلقين فى "الدر" (٢٢٣:٣) وغيره من متون المذهب فافهم.

ج - ١١
٥٠٩
باب اشتراط الإحصان فى الرجم
٣٦٠٧ - عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: "أتى رسول الله عَّ له رجل من الناس
وهو فى المسجد، إلى أن قال: فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبى عٍَّ،
فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله! فقال: أحصنت؟ قال: نعم يا رسول الله! قال:
اذهبوا به فارجموه". رواه البخارى (٢: ١٠٠٨).
وقال النووى: "قد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبى عدّه، وعن الخلفاء
الراشدين، ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه" اهـ (٦٦:٢).
باب اشتراط الإحصان فى الرجم
قال المؤلف: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة. قال الموفق فى "المغنى": "الكلام فى هذه
المسألة فى فصول ثلاثة: أحدها: فى وجوب الرجم على الزانى المحصن، رجلا كان أو امرأة،
وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار فى جميع
الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب، لقول الله تعالى:
﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. وقالوا: لا يجوز ترك كتاب الله الثابت
بطريق القطع واليقين لأخبار أحاد يجوز الكذب فيها، ولأن هذا يفضى إلى نسخ الكتاب بالسنة
وهو غير جائز.
الرد على الخوارج فى إنكارهم الرجم:
ولنا أنه قد ثبت الرجم عن رسول الله عَّ له بقوله وفعله فى أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه
أصحاب رسول الله ◌َّه على ما سنذكره فى أثناء الباب فى مواضعه إن شاء الله تعالى". وقال
المحقق فى الفتح: "وإنكارهم الرجم باطل، لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب
بالدليل، بل هو إجماع قطعى، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله عَ لّه لإنكارهم حجية خبر الواحد
فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه، لأن ثبوت الرجم عن رسول الله عّ لّه متواتر المعنى
كشجاعة على، وجود حاتم، وعدل عمر، والآحاد فى تفاصيل صوره، أما أصل الرجم فلا شك
فيه، ولقد كوشف بهم عمر وكاشف بهم، حيث قال: "خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول
قائل: لا نجد الرجم فى كتاب الله إلخ (١٣:٥). وقد أنزله الله فى كتابه، وإنما نسخ رسمه دون
حكمه، فروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا بالحق، وأنزل
عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه أية الرجم فقرأتها، وعقلتها، ووعيتها، ورجم رسول الله عَ ليه،
٠٠
:

٥١٠
اشتراط الإحصان فی الرجم
إعلاء السنن
٣٦٠٨- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله عَّ له: ((لا يحل دم
ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضلوا
بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت
البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، وقد قرأ بها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من
الله والله عزيز حكيم. متفق عليه وأما آية الجلد فنقول بها، فإن الزانی یجب جلده، فإن كان شيبا
رجم مع الجلد (هذا مذهب أحمد خلافا للجمهور، فلا يجمع بين الجلد والرجم عندهم) ثم لو
قلنا: إن الثيب لا يجلد لكان هذا تخصيصا للآية العامة، وهذا سائغ بغير خلاف، فإن عمومات
القرآن فى الإثبات كلها مخصوصة وقولهم: إن هذا نسخ ليس بصحيح، وإنما هو تخصيص، ثم لو
كان نسخا لكان نسخا بالآية التى ذكرها عمر رضى الله عنه (وإن كان نسخا بالسنة فإن السنة
المتواترة يجوز بها نسخ القرآن كنسخ الوصية للوالدين والأقربين، بقوله مَّ له: لا وصية لوارث).
رد عمر بن عبد العزيز على من ادعى العمل بالقرآن دون الحديث
وقد روينا أن رسل الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، فكان من جملة ما
عابوا عليه الرجم، وقالوا: ليس فى كتاب الله إلا الجلد. وقالوا: الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم
دون الصلاة، والصلاة أو كد، فقال لهم عمر: وأنتم لا تقولون إلا بما فى كتاب الله؟ قالوا: نعم.
قال: فأخبرونى عن عدد الصلوات المفروضات، وعدد أركانها ور کعاتها ومواقیتها، أين تجدونه فى
كتاب الله تعالى؟ وأخبرونى عما تجب الزكاة فيه، ومقاديرها ونصبها؟ فقالوا: أنظرنا فرجعوا يومهم
ذلك، فلم يجدوا شيئا مما سألهم عنه فى القرآن، فقالوا: لم نجده فى القرآن، قال: فكيف ذهبتم إليه؟
قالوا: لأن النبى معَّ فعله وفعله المسلمون بعده. فقال لهم: فكذلك الرجم وقضاء الصوم، فإن
النبى معَّه رجم، ورجم خلفاءه بعده والمسلمون، وأمر النبى معَّة الحائض بقضاء الصوم دون
الصلاة، وفعل ذلك نساءه ونساء أصحابه.
حقيقة الرجم:
إذا ثبت هذا فمعنى الرجم أن يرمى بالحجارة وغيرها حتى يقتل بذلك، قال ابن المنذر:
أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت، ولأن إطلاق الرجم يقتضى القتل به،
كقوله تعالى: لتكونن من المرجومين. وقد رجم رسول الله عَّظّ اليهوديين الذين زنيا، وماعزا
والغامدية حتى ماتوا.
قال: الفصل الثانى أنه يجلد ثم يرجم وسيأتى الكلام عليه فى أبواب كيفية الحد فانتظر.

٥١١
اشتراط الإحصان فى الرجم
ج - ١١
امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إلا فى إحدى ثلاث: رجل
قال: الفصل الثالث أن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم، وفى حديث
عمر: "أن الرجم حق على من زنا وقد أحصن". (متفق عليه) وقال النبى عرّ ◌ُله: ((لا يحل دم امرأ
مسلم إلا بإحدى ثلاث، ذكر منها: أو زنا بعد إحصان (وهو مذكور فى المتن، أخرجه أبو داود
والترمذى وابن ماجه والنسائی، قال الترمذى: حدیث حسن، وقد روی من غیر وجه عن عثمان
عن النبى عليه ٣٨:٢).
قال: وللإحصان شروط سبعة: أحدها: الوطئ فى القبل، ولا خلاف فى اشتراطه، لأن
النبى عَّ ◌ُلّه قال: الثيب بالثيب الجلد والرجم. والثيابة تحصل بالوطئ فى القبل فوجب اعتباره،
ولا خلاف فى أن عقد النكاح الخالى عن الوطئ لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو
وطئ فيما دون الفرج، أو فى الدبر، أو لم يحصل شىء من ذلك، لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبا،
ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغریب عام بمقتضى الخبر (سيأتى الكلام فى
التغريب) ولا بد من أن يكون وطئ حصل به تغييب الحشفة فى الفرج، لأن ذلك حد الوطئ
الذى يتعلق به أحكام الوطئ.
الثانى أن يكون فى نكاح لأن النكاح يسمى إحصانا بدليل قول الله تعالى ﴿والمحصنات من
النساء﴾ يعنى المتزوجات، ولا خلاف بين أهل العلم فى أن الزنا ووطأ الشبهة لا يصير به الواطى
محصنا، ولا نعلم خلافا فى أن التسرى لا يحصل به الإحصان لواحد منهما، لكونه ليس بنكاح،
ولا تثبت فیه أحکامه.
الثالث أن يكون النكاح صحيحا، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء وقتادة ومالك
والشافعى وأصحاب الرأى. وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطأ فى نكاح فاسد، وحكى ذلك
عن الليث والأوزاعى، لأن الصحيح والفاسد سواء فى أكثر الأحكام، مثل وجوب المهر والعدة،
وتحريم الربيبة وأم المرأة ولحاق الولد، فكذلك فى الإحصان. ولنا أنه وطئ فى غير ملك، فلم
يحصل به الإحصان كوطأ الشبهة، ولا نسلم ثبوت ما ذكروه من الأحكام (بهذا النكاح) وإنما
تثبت بالوطئ فيه وهذه تثبت فى كل وطئ، وليست مختصة بالنكاح، إلا أن النكاح ههنا صار
شبهة، فصار الوطئ فيه كوطأ الشبهة سواء.
الرابع الحرية وهى شرط فى قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور قال: العبد والأمة هما محصنان
يرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون إجماع يخالف ذلك. وحكى عن الأوزاعى فى العبد تحته حرة

٥١٢
اشتراط الإحصان فى الرجم
إعلاء السنن
زنى بعد إحصان، فإنه يرجم)). الحديث. أخرجه أبو داود وسكت عنه (٢: ٣٥٠).
وهو محصن يرجم إذا زنا، وإن كان تحته أمة لم يرجم.
وهذه أقوال تخالف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال: ﴿فإذا أحصنٌ﴾ ﴿فإن أتين
بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات﴾. والرجم لا ينتصف، وإيجابه كله يخالف النص مع
مخالفة الإجماع المنعقد قبله، وقد وافق الأوزاعى على أن العبد إذا وطئ الأمة ثم عتقا لم يصيرا
محصنين، وهو قول الجمهور، وزاد فقال فى المملوكين إذا أعتقا وهما متزوجان، ثم وطئهما
الزوج: لا يصيران محصنين بذلك الوطئ، وهو أيضا قول شاذ خالف أهل العلم به، فإن الوطئ
وجد منهما حال كما لهما فحصنهما، كالصبيين إذا بلغا.
وقال ابن عباس وطاوس وأبو عبيد: إن كان العبد والأمة مزوجين فعليهما نصف الحد،
ولا حد على غيرهما، لقول الله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما علی
المحصنات من العذاب﴾ فدليل خطابه أنه لأحد على غير المحصنات، وقال داود الظاهرى: على الأمة
نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال، وفى الأمة إذا لم تزوج
روايتان عنه، إحداهما لأحد عليها، والأخرى تجلد مائة. ولنا ما روى ابن شهاب عن عبيد الله بن
عبد الله عن أبى هريرة وزيد بن خالد، قالوا: ((سئل رسول الله عَّه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن،
فقال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير)). متفق عليه. قال ابن شهاب: وهذا نص
فى جلد الأمة إذا لم تحصن. وهو حجة على ابن عباس وموافقيه وداود، وجعل داود عليها مائة إذا
لم تحصن، وخمسين إذا كانت محصنة، خلاف ما شرع الله تعالى، فإن الله ضاعف عقوبة المحصنة
على غيرها. وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة. واتباع شرع الله أولى.
وأما العبد فلا فرق بينه وبين الأمة، فالتنصيص على أحدهما يثبت حكمه فى حق الآخر كما
أن قول النبى معَّهِ: من أعتق شركا له فى عبد الحديث أثبت حكمه فى حق الأمة، ثم أن المنطوق
أولى منه على كل حال. وأما أبو ثور فخالف نص قوله تعالى: ﴿وإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾
الآية. وعمل به فيما لم يتناوله النص. وخرق الإجماع فى إيجاب الرجم على المحصنات (من الإماء
والعبيد) كما خرق داود الإجماع فى تكميل الجلد على العبيد. وتضعيف حد الأبكار على
المحصنات. قاله الموفق فى "المغنى" أيضا (١٤٤:١١).
الرد على أصحاب ابن حزم فى قولهم: يرجم العبد إذا تزوج بحرة
وبهذا كله اندحض ما قاله أصحاب ابن حزم فى "المحلى" (٢٣٩:١١ و٢٤٠). واحتجوا

ج - ١١
اشتراط الإحصان فى الرجم
٥١٣
بما رواه عبد الله بن إدريس الأودى: ناليث بن أبى سليم عن مجاهد، قال: "قدمت المدينة وقد
أجمعوا على عبد زنى وقد أحصن بجرة أنه يرجم إلا عكرمة، فإنه قال: عليه نصف الحد".
قلت: أو لا يستحيى ابن حزم من الاحتجاج بليث بن أبى سليم إذا وافق غرضه، ومن
جرحه وطرحه إذا خالفه، فلا ندرى متى هو حجة عنده ومتى ليس بحجة؟ والأثر الذى رواه
لا يصح. فإن مالكا أعرف الناس بعمل أهل المدينة وإجماعهم ولا يقول برجم العبد إذا أحصن
- بحرة. وقال يونس عن ربيعة: أنه قال: لا يحصن العبد ولا الأمة بنكاح كان فى رق. فإذا أعتقهما
فكانهما لم يتزوجا قبل ذلك. فإذا تزوجا بعد العتاقة وابتنيا فقد أحصنًا. وهو قول ابن شهاب
أيضا. كذا فى "المدونة". فهؤلاء علماء المدينة كلهم على خلاف ما رواه ليث عن مجاهد. فبطل
قوله: "قد أجمعوا على عبد زنا وقد أحصن بحرة، أنه يرجم" فافهم.
قال الموفق: الشرط الخامس والسادس (للإحصان) البلوغ والعقل. فلو وطئ وهو صبى أو
مجنون، ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا. هذا قول أكثر أهل العلم. ومذهب الشافعى ومن أصحابه
من قال: يصير محصنا. وكذلك العبد إذا وطئ فى رقه، ثم عتق يصير محصنا لأن هذا وطئ
يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثا. فحصل به الإحصان.
ولنا قوله عليه السلام: والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت
تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله. وهو خلاف الإجماع. ويفارق
الإحصان الإحلال. لأن اعتبار الوطئ فى حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى
يطأها غيره. لأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس. فاعتبره الشارع زجرا عن الطلاق ثلاثا.
وهذا يستوى فيه العاقل والمجنون والبالغ والصبى المراهق والمسلم والكافر.
لا يشترط عندنا لإحلال المطلقة ثلاثا جماع الإحصان خلافا لأهل المدينة
فلو تزوج مسلم نصرانية وطلقها ثلاثا، فتزوجت نصرانيا ودخل بها، ثم طلقها، تحل
لزوجها الأول المسلم، خلافا لأهل المدينة. قالوا: لأنها لا تكون محصنة بنكاح النصرانى ولا يكون
محصنا. ولنا إطلاق قوله عليه السلام: ((لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها)). وقوله تعالى: ﴿حتى
تنكح زوجا غيره﴾. فشرط الإحلال إنما هو النكاح بزوج آخر نكاحا صحيحا، ووطأه إياها. فمن
أين قالوا: إن جماع الإحصان يحلها وجماع غير الإحصان لا يحلها؟ هل سمعوا بهذا فى أثر؟ إنما
جاءت الآثار مرسلة مطلقة ليس فيها جماع إحصان ولا غيره. قاله محمد فى الحجج له (٣٧٢).

٥١٤
إعلاء السنن
باب اشتراط الإسلام للإحصان وأن النكاح بالكتابية لا يحصن المسلم
٣٦٠٩- عن عفيف بن سالم نا سفيان الثورى عن موسى بن عقبة عن نافع عن
ابن عمر، قال: قال رسول الله عَ لّه: ((لا يحصن الشرك بالله شيئا)). أخرجه الدرقطنى
(٢: ٣٥٠). وقال: "وهم عفيف فى رفعه، والصواب موقوف". ورده ابن القطان،
ولكنه أظهر فى السند علة أخرى، سنذكرها فى الحاشية مع الخلاص عنها، وبالجملة
فالحديث حسن مرفوعًا.
بخلاف الإحصان. فإنه اعتبر لكمال النعمة فى حقه فإن من كملت النعمة فى حقه كانت جنايته
أفحش وأحق بزيادة العقوبة، والنعمة فى العاقل البالغ أكمل. والله أعلم" اهـ (١٢٨:١١).
قلت: ومن هنا قال أصحابنا الحنفية: باشتراط الإسلام للإحصان، فإن النعمة فى العاقل البالغ
المسلم أكمل، وأما الكفار فكالأنعام بل هم أضل، وسيأتى دليل المسألة بالنص فى الباب الآتى. قال
الموفق: الشرط السابع أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوطأ، فيطأ الرجل العاقل الحر (المسلم)
امرأة عاقلة حرة (مسلمة) وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه، ونسوه قول عطاء والحسن وابن سيرين
والنخعى وقتادة والثورى وإسحاق. وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا، إلا الصبى
إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها، ونحوه عن الأوزاعى، واختلف عن الشافعى كالمذهبين. ولنا أنه وطئ
لم يحصن به أحد المتواطئين، فلم يحصن الآخر كالتسرى، ولأنه متى كان أحدهما ناقصا
لم يكمل الوطى لأن كماله إنما هو بكمالهما فلا يحصل به إحصان اهـ (١٢٩:١١).
باب اشتراط الإسلام للإحصان وأن النكاح بالكتابية لا يحصن المسلم
قوله: "عن عفيف" إلخ. قال الزيلعى: " وقال ابن القطان فى كتابه: وعفيف بن سالم
الموصلى ثقة، قاله ابن معين وأبو حاتم، وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه، وإنما علته أنه من
"رواية أحمد بن أبى نافع عن عفيف المذكور، وهو أبو سلمة الموصلى، ولم يثبت عدالته" اهـ.
قلت: قد ذكرنا فى المقدمة أن قول ابن القطان "لم تثبت عدالته" ليس من الجرح فى شىء، قال
الذهبى: "فإنه يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفى رواة الصحيح عدد كثير ما علمنا أن أحداً
أوثقه، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن
حديثه صحيح" اهـ (٣:٣). قلت: ولا يخفى أن متن الحديث ليس بمنكر لصحته موقوفا، كما
صرح به الدار قطنى والبيهقى وغيرهما، وليس رفعه أيضا بمنكر، لكون شيخ أبى إسحاق رفعه مرة

١٠ - ١١
اشتراط الإسلام للإحصان
٥١٥
٣٦١٠ - أخبرنا عبد العزيز بن محمد ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن
النبى عٍَّ، قال: ((من أشرك بالله فليس بمحصن)). قال إسحاق: "رفعه مرة فقال: عن
رسول الله عَّ، ووقفه مرة" اهـ (زيلعى ٤٨:٢). وقال: رواه أسحاق بن راهويه
فى مسنده، وسنده صحيح".
كما سيأتى، وأيضا: فأحمد بن أبى نافع هذا وثقه ابن حبان، وقال: "يروى عن عفيف بن سالم،
يروى ابنه سلمة بن أحمد يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه"، كذا فى "اللسان" (٣١٧:١).
قلت: وهذا ليس من رواية ابنه عنه، بل من رواية أحمد بن يوسف الثعلبى عنه، وفى الجوهر
النقى": "فإسحاق حجة حافظ (أى إسحاق ابن راهويه)، وعفيف ثقة قاله ابن معين وأبو حاتم،
ذكره ابن القطان، وقال صاحب "الميزان": محدث مشهور صالح الحديث (وفيه دلالة على أن
إسحاق تابع أحمد بن يوسف الثعلبى فرواه عن عفيف بن سالم كما رواه أحمد عنه)، وقال محمد
ابن عبد الله ابن عمار: كان أحفظ من المعافى بن عمران، وفى الخلافيات للبيهقى: أن المعافى تابعه
أعنى عفيفا، فرواه عن الثورى كذلك، وإذا رفع الثقة حديثاً لا يضره وقف من وقفه، فظهر أن
الصواب فى الحديثين الرفع" اهـ (١٧٣:٢).
قوله: أخبرنا عبد العزيز إلخ. قلت: أما عبد العزيز بن محمد فهو الدراوردى من رجال
الجماعة ثقة والباقون لا يسئل عنهم فالسند صحيح. وقال الدار قطنى: لم يرفعه غير إسحاق ويقال:
... إنه رجع عن ذلك والصواب موقوف اهد. قال الزيلعى: وهذا لفظ إسحاق ابن راهويه فى مسنده
كما تراه ليس فيه رجوع. وإنما أحال التردد على الراوى فى رفعه ووقفه، والله أعلم اهـ (٨٤٤٢).
وفيه أيضا: "قال البيهقى فى "المعرفة": وكان المراد بالإحصان فى هذا الحديث إحصان
القذف، وإلا فابن عمر هو الراوى عن رسول الله بع له أنه رجم يهوديين زنيا، وهو لا يخالف
النبى عَّ فيما يرويه" اهـ. قلت: رجمه عّ لّاه اليهوديين إنما كان بحكم التوراة، كما ورد فى
حديث أبى هريرة، فقال النبى معَّ له: ((فإنى أحكم بما فى التوراة)). وفى حديث البراء: اللهم إنى أول
من أحيا أمرك إذا ماتود)). ذكره الحافظ فى "الفتح"، وسكت عنه (١٢: ١٥٠)، وفيه أيضًا: عن
الطبرى وغيره من المفسرين: كان رجل وامرأة من أشرافٍ خيبر زنيا، واسم المرأة بسرة وكانت
خيبر يومئذ حربا (١٤٨:١٢). ولا رجم على الكفار الحربيين بالاتفاق، فلا بد من القول بأنه معد له
إنما رجمهما على مذهب القوم، وحكم التوراة فيهم، وفيه أيضا: ((فدعا رسول الله عَ ◌ّه بالشهود،
فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره فى فرجها مثل الميل فى المكحلة فأمر بهما فرجما)) اهـ،
(١٢: ١٥٠). وقال القرطبى: "الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر،

٥١٦
اشتراط الإسلام للإحصان
إعلاء السنن
٣٦١١ - عن أبى بكر بن عبد الله ابن أبى مريم عن على بن أبى طلحة عن كعب
ابن مالك: "أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية، فسأل النبى على له عن ذلك، قتهاه
عنها، وقال: إنها لا تحصنك". أخرجه الدار قطنى (٣٥٠:٢). وقال: "أبو بكر ابن أبى
مريم ضعيف اهـ
لا فى حد ولا فى غيره" اهـ (١٥٢:٢).
قلت: ولا تقبل شهادة الکافر على الكافر فى حد الزنا إجماعاً، وقد رجم مَّد اليهوديين
بشهادة اليهود، ولم يثبت أنهم كانوا مسلمين. قاله الحافظ فى "الفتح" أيضا، فلا بد من تأويله إلى
ا ظنا، وعلى هذا فلا مخالفة بین حديث ابن عمر: ((من أشرك بالله فليس بمحصن)). وبین حديثه
فى رجم اليهوديين، وما ورد من إطلاق المحصن على هذين فهو على عرف اليهود، وحكم التوراة،
وإن سلم أن رجمهما كان على حكم الإسلام فنقول: كان ذلك قبل اشتراط الإسلام للإحصان،
وإعمال الحديثين أولى من إجمال أحدهما، فافهم.
وفى نيل الأوطار: "وقد بلغ ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب
للرجم هو الإسلام، وتعقب بأن الشافعى وأحمد لا يشترطان ذلك" اهـ (٩:٧).
قلت: أراد ابن عبد البر اتفاق من قبلهما، والخلاف اللاحق لا يقدح فى الوفاق السابق، أو
يقال: لم يعتبر باختلافهما، فحكم بالإجماع لاتفاق الأمة، وهل يعتمد اختلاف اثنين فى جنب
اتفاق الأمة، على أن حديث المتن قول يعطى قاعدة كلية، وهذا الواقعة واقعة حال تعمل الوجوه،
فيقدم القول عليها، وأيضا: فإن الحديث أورث شبهة فى كون الكافر هل يصير محصنا أم لا،
ولا خلاف فى اشتراط الإحصان للرجم، والحدود تندراً بالشبهات، فلا يقال بوجوب الرجم إذا
وقع التردد فى ثبوت شرط من شروطه، فافهم.
قوله: "عن أبى بكر بن عبد الله" إلخ. قلت: فيه دلالة على أن التزويج بالكافرة الكتابية
لا يحصن المسلم، وهو قول أبى حنيفة وأصحابنا .. قال الحافظ فى "الفتح" فى شرح قول
عمر رضى الله عنه: والرجم فى كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء. إلخ:
"أى كان بالغا عاقلا قد تزوج حرة تزويجا صحيحاً وجامعها" اهـ (١٣١:١٢).
وفيه أيضاً: "قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد ولا الشبهة،
وخالفهم أبو ثور، وأجيب بحموم: ادرأوا الحدود. قال: وأجمعوا على أنه لا يكون بمجرد العقد

ج - ١١
اشتراط الإسلام للإحصان
٥١٧
قلت: ولكن قال ابن عدى: "هو ممن يحتج بأحاديثه، فإنها صالحة"، كما فى
"التعليق المغنى"، فالحديث حسن صالح، لا سيما وقد تليعه عتبة بن تميم عند محمد بن
الحسن الإمام فى الحجج له (٣٧٣). قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش الحمصى حدثنى
عتبة بن تميم التنوحى عن على بن أبى طلحة: "أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج
يهودية، فقال له رسول الله سنّ له: دعها عنك فإنها لا تحصتك". وهذا سند صحيح، فإن
إسماعيل بن عياش حجة فى الرواية عن أهل الشام، وعتبة بن تميم شامى، روى عنه بقية
أيضا، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى"تعجيل المنفعة" (٢٧٩).
محصنا، واختلفوا إذا دخل بها وادعى أنه لم يصبها، قال: حتى تقوم البيئة، أو موحد منه إقرار،
أو يعلم له منها ولد، واختلفوا إذا تزوج الحر أمة، هل تحصنه؟ فقال الأكثر: نعم! وعن عطاء
والحسن وقتادة والثورى والكوفيين وأحمد وإسحاق: لا. واختلفوا إذا تزوج كتابية، فقال
إبراهيم وظاوس والشعبى: لا تحصنه، وعن الحسن: لا تحصنه حتى يطأها فى الإسلام، أخرجهما
ابن أبى شيبة" إلخ (١٠٤:١٢).
قلت: وهو قول الحنفية، ويؤيدهم الحديث المرفوع الذى رواه كعب بن مالك. والله أعلم.
وقال الإمام أبو یوسف فى اخراج له: "وقد اختلف أصحابنا فى الإحصان، فقال بعضهم:
لا یکون السلم الحر محصنا إلا بحرة مسلمة قد دخل ہہا (فی نکاح صحيح)، ولا یکون على
الذمية من أهل الكتاب وغيرهم إحصان، وقال بعضهم: على أهل الكتاب إحصان يحصن بعضهم
بعضا. وكذا جميع أهل الذمة، (يحصن بعضهم بعضا) وقال بعضهم فى الحر المسلم يكون تحته
الأمة: إنها لا تحصنه، وإنما عليه الحد فى الزنا. (أى جلد مائة) وإن كانت تحته امرأة من أهل الكتاب
أنها تحصنه. وقال بعضهم: لا تحصنه. قال: وأحسن ما سمعنا فى ذلك -والله أعلم- أن الخر المسلم
"لا يكون محصنا إلا بامرأة حرة. وإذا كانت تحته المرأة من أهل الكتاب فهو محصن وليست
بمحصنة له.
حدثنا: مغيرة عن إبراهيم والشعبى فى الحر يتزوج اليهودية والنصرانية ثم يفجر، قالا:
پجلد ولا يرجم. قال (أبو يوسف):
وحدثنا: عبد الله (العمرى) عن نافع عن ابن عمر: أنه كان لا يرى مشركة محصنة.
قال: وحدثنا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: "لا يحصن الرجل يهودية ولا نصرانية

٥١٨
اشتراط الإسلام للإحصان
إعلاء السنن
٣٦١٢- حدثنا الثورى أخبرنى سماك بن حرب عن قابوس بن المخارق عن أبيه،
قال: "كتب محمد بن بكر إلى على بن أبى طالب يسأله عن مسلمين تزندقا، وعن
مسلم زنى بنصرانية، وعن مكاتب مات وترك بقية من كتابته، وترك ولدا أحرارا.
فكتب إليه على رضى الله عنه: أما اللذان تزندقا فإن تابا وإلا فاضرب أعناقهما، وأما
المسلم الذى زنى بالنصرانية فأقم عليه الحد، وارفع النصرانية إلى أهل دينها وأما المكاتب
فأعط مواليه بقية كتابته، وأعط ولده الأحرار ما بقى من ماله". أخرجه ابن حزم فى
"المحلى" (١٥٨:١١) من طريق عبد الرزاق عنه، وقال: "سماك بن حرب ضعيف، يقبل
التلقين، وقابوس بن المخارق مجهول" اهـ.
قلت: سماكَ من رجال مسلم والأربعة، وعلق له البخارى، ومن سمع منه قديما
مثل شعبة وسفيان، فحديثهم صحيح مستقيم، كما فى تهذيب التهذيب عن يعقوب
(٤: ٣٤٠). وقابوس بن المخارق ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال النسائى: "لا بأس
به". وهو من رجال مسلم وأبى داود والنسائى، وأخرج له ابن خزيمة فى "صحيحه"،
كذا فى "التهذيب" (٣٠٦:٧)، فالحديث صحيح على شرط مسلم.
ولا بأمته" اهـ (١٩٥)
وقال محمد بن الحسن الإمام فى الحجج له: "أخبرنا محمد بن أبان القرشى عن حماد عن
إبراهيم النخعى، قال: لا تحصن اليهودية ولا النصرانية ولا المملوكة الرجل، إلا أن يكون تزوج
قبلها حرة مسلمة اهـ (٣٧٣)، وهذه أسانيد صحاح وحسان. فقول الحنفية فى الباب أقوى ما
يكون. وهو قول عطاء والنخعى والشعبى ومجاهد والثورى. وهو رواية عن أحمد، قالوا: الإسلام
شرط فى الإحصان، فلا يكون الكافر محصنا، ولا تحصن الذمية مسلما، وقال مالك كقولهم إلا
أن الذمية تحصن المسلم، بناء على أصله فى أنه لا يعتبر الكمال فى الزوجين، وينبغى أن يكون ذلك
قولا للشافعى كذا في "المغني" (١٢٩:١١).
الرد على ابن حزم فى جهده لنفى اشتراط الإسلام فى الإحصان
قوله: "حدثنا الثوري إلخ. قلت: دلالة قول على: "وارفع النصرانية إلى أهل دينها".
(ليعزروها ويؤنبؤها على قواعد ملتهم) على نفى الرجم عن الذمية ظاهرة

ج .- ١١
اشتراط الإسلام للإحصان
٥١٩
٣٦١٣- عن عمرو بن دينا حدثه بجالة (بن عبدة ويقال فيه عبد) قال: "كنت
وقد جهد ابن حزم لتضعيف الرواية عن على ولكن:
ما كل ما يتمنى المرأ يدركه تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن
فقد عرفت أن كل ما جرحه به هذه الرواية رد عليه، قال ابن حزم: "ثم لو صح لما كانت
لهم فيه حجة، لأنه لا حجة فى قول أحد دون رسول الله عَ لّم ". قلنا: نعم! ولكن الصحابة أعرف
منك ومن مائة آلاف أمثالك بمراد رسول الله عَ ◌ّ بقوله ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا فى إحدى
ثلاث، رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم)). الحديث، فقصرت الإحصان على الزواج الذى يكون
فيه الوطئ. وقال ابن عمر وعلى رضى الله عنه: "لا بد فى إحصان الرجم من الإسلام". فهل
قولك: وما نعلم الإحصان فى اللغة العربية والشريعة يقع إلا على معنیین، على الزوج الذى يكون
فيه الوطئ، وعلى العقد فقط" (٢٣٨:١١) حجة؟ وليس قول ابن عمرو على حجة فى تفسير هذا
الإحصان الذى هو شرط للرجم.
تحقيق الاحتجاج بقول الصحابى:
فلا نجعل نحن ولا أحد من الأئمة قول واحد من الصحابة حجة دون رسول الله عَ ليه، وإنما
نحتج به من حيث كونه مفسرا لمراده عليه السلام، ولا شك أنهم أعرف الناس به، وبمعنى كلامه
فافهم. الدليل على درأ الحد عمن تزوج بمحرم منه والرد على ابن حزم فى إيراده على أبى حنيفة
و طعنه علیه.
قوله: "عن عمرو بن دينار" إلخ. هذه حجة ملزمة، فإن الجمهور قائلون بأن العقد على
المحارم لا يسقط الحد، ومن زنى بذات محرم يرجم على كل حال، سواء وطئها باسم نكاح،
أو بملك يمين، أو بغير ذلك، وهو قول ابن حزم ومن وافقه، وهم مع ذلك قائلون بإقامة الحدود من
الرجم وغيره على أهل الذمة أيضا، ولكن عمر رضى الله عنه لم يأمر بإقامة الحد على من تزوج
ذات محرم منه من المجوس، وإنما أمر بالتفريق بينهم، وكان مقتضى مذهب ابن حزم وغيره أن يأمر
بالرجم، كما رجم النبى معَِّ اليهوديين، فأما أن يقال: بأنه درأ الحد عنهم لكون الإسلام شرطا فى
إحصان الرجم، أو لكون عقد النكاح قد أورث شبهة، فلم يتمحض فعلهم زنا، وعلى كل حال
فهو حجة لنا عليهم. وقال البيهقى: "إن الشافعى عورض بحديث بجالة، وقال: كنت كاتبا لجزء
ابن معاوية، فأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة. فقال الشافعى: بجالة مجهول. كذا قال الشافعى فى
كتاب الحدود. وقال فى كتاب الجزية: حديث بجالة متصل ثابت، لأنه أدرك عمر، وكان رجلا

٥٢٠
اشتراط الإسلام للإحصان
إعلاء السنن
كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة:
فى زمانه كاتبا لعماله، وحديث بجالة أخرجه البخارى دون مسلم".
قلت: فثبت أن بجالة معروف، وقد روى عنه عمرو بن دينار ويسير بن عمرو وغيرهما
ووثقه أبو زرعة كذا فى "الجوهر النقى" (١٧٧:٢).
وقال ابن حزم ردا على الحنفية فى باب من وطئ حريمته أى ذات محرم منه بعقد زوج ما
نصه: "أما قوله: إن اسم الزنا غير اسم الزواج. فحق لا شك فيه، إلا أن الزواج هو الذى أمر الله
تعالى به وأباحه. وهو الحلال الطيب. وأما كل عقد أو وطئ لم يأمر الله تعالى به، ولا أباحه، بل
نهى عنه فهو الباطل والحرام والمعصية والضلال. ومن سمى ذلك زواجا فهو كاذب أفك متعد.
وليست التسمية فى الشريعة إلينا، ولا كرامة. وإنما هى إلى الله تعالى" (٢٥٤:١١).
قلنا: لا شك فى كونه حراما ومعصية وضلالا، وإنما النزاع فى كونه زنا محضا، أو زنا
مشتبها، فإن ادعيت كونه زنا محضا، لزم تقرير الصحابة أهل الذمة على الزنا المحض فى بلاد
الإسلام، وهو محال، وقد ثبت أنهم قرروا المجوس على نكاحهم بالمحارم، فقد روى أبو عبيد:
"حدثنا الحجاج عن حماد بن سلمة عن حميد، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأله ما
بال من مضى من الأئمة قبلنا أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات؟ وذكر أشياء من أمرهم
قد سماها، قال: فكتب إليه الحسن: أما بعد فإنما أنت متبع، ولست بمبتدع والسلام". (كتاب
الأموال: ٣٦) وهذا سند حسن وفى المدونة الكبرى لمالك عن يونس عن ربيعة: "لا يحصن من
كان على غير الإسلام بنكاحه، وإن كانوا من أهل الذمة بين ظهرانى المسلمين، حتى يخرجوا من
دينهم إلى الإسلام، ثم يحصون فى الإسلام وقد أقروا بالذمة على ما هو أعظم من نكاح الأمهات
والبنات على قول البهتان وعبادة غير الرحمن". وإن قلت: إنه زنا مشتبه، فقد اعترفت بما قاله أبو
حنيفة، والحدود تدرأ بالشبهات عنده وعند الجمهور، فلا يسوغ لك الطعن عليه أصلا.
وأما قولك: "ومن سمى كل عقد فاسد ووطأ فاسد وهو الزنا المحض زواجا ليتوصل به إلى
إباحة ما حرم الله، أو إلى إسقاط حدود الله تعالى، فليس إلا كمن سمى الخنزير كبشا، وكمن
سمى الخمر نبيذا، أو طلاء، ليستحلها بذلك الإسم، وهذا هو الانسلاخ من الإسلام" إلخ
(٢٥٤:١٢). فأبو حنيفة ومن قلده برآء من كل ذلك، ومن عزى إليهم استحلال شىء من
المحرمات بتبديل الإسم فقد افترى إثما مبينا. وقد علم المحفوظون من أمة محمد عّ لّ أن أبا حنيفة
كان من أعلم الناس بالكتاب والسنة، وأتبعهم لله ورسوله، وأورعهم وأتقاهم وأخشاهم الله. ولكن