Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة
إعلاء السنن
صحيحة عند جماعة. وقد رواه مسلم والطحاوى بطريق الأسود عن عمر أيضا نحوه
سواء غير الزيادة التى فى آخره: سمعت رسول الله عَ لّه إلخ.
قلت: إن أصل الحديث صحيح ثابت بالسند المتصل برواية الثقات خلا الزيادة التى زادها
إبراهيم عن عمر بقوله: سمعت رسول الله عَّ يقول: ((لها السكنى والنفقة)). فقد أخرج مسلم من
طريق أبى إسحاق: "كنت مع الأسود بن يزيد فى المسجد، فحدث الشعبى بحديث فاطمة بنت
قيس: ((أن رسول الله عّ لّه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة)) فأخذ الأسود كفا من حصی فحصبه به،
وقال: ويلك تحدث بهذا؟ وقد قال عمر رضى الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة،
لا ندرى لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ الحديث، کذا فی
فتح البارى (٤٢٤:٩).
وحديث الأسود عن عمر موصول بلا شك لا ينكر سماعه منه من شم رائحة الإسناد،
وحديث الأسود هذا قد أخرجه الطحاوى أيضا فى "معانى الآثار" (٣٩:٢) بسند رجاله رجال
مسلم سواء غير شيخ الطحاوى وهو ثقة أيضا، وقد كان ينبغى أن أقدم طريق الأسود بتخريج
مسلم فى المتن، ولكن رواية إبراهيم عن عمر أتم، وفيها من الزيادة ما ليس فى طريق الأسود،
فقدمتها وذكرت أثر الأسود بعدها كما سیأتی.
وقد وهم بعض الناس حيث قال: "ولم يزد الحافظ الإمام العلام فى الفتح الكلام فى هذا
الأثر على أنه منقطع" إلخ. وهذا يوهم أن الحافظ طعن بالانقطاع فى مجموع أثر إبراهيم المذكور
فى المتن، وهذا لا يمكن من مثل الحافظ رحمه الله، وكيف يسعه أن يطعن فيه بالانقطاع؟ وهو يرى
أن مسلما والطحاوى أخرجا أكثره من طريق الأسود عن عمر أيضا، وهى موصولة حتما، وإنما
طعن الحافظ فى الزيادة التى فى آخره فقط: سمعت رسول الله عَّة يقول: ((لها السكنى والنفقة)).
فهذه الزيادة لم يروها عن عمر غير إبراهيم، فقال الحافظ: "هذا أى قوله: سمعت رسول الله إلخ،
منقطع لا تقوم به حجة" اهـ. وقد عرفت آنفا وفى مقدمة هذا الكتاب أيضا صحة مراسيل النخعى
عندنا وعند جماعة من المحدثين، فلا لوم على الطحاوى فى الاحتجاج بها واعتماده عليها، فبطل
رد ابن السمعانى لهذه الزيادة، واندحض قوله: "إنه من قول بعض المجازفين روايته"، كما ذكره
الحافظ فى الفتح، ولعله لم يطلع على سند الطحاوى المذكور فى المتن، فإن رجاله كلهم ثقات،
وليس فيه سوى إرسال النخعى وقد عرفت أنه لا يضر فافهم.

٢٨٢
المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة
ج - ١١
٠١٠
٣٤٢٠- عن أبى إسحاق قال: "كنت مع الأسود بن يزيد جالسا فى المسجد
الأعظم ومعنا الشعبى، فحدث الشعبى بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله عدّ له لم
يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفا من حصی فحصبه به، فقال: ويلك
تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا مرّ له لقول امرأة، لا ندرى
لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة. قال الله عز وجل: ﴿لا تخرجوهن من
بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾. رواه مسلم (٤٨٥:١).
قوله: "عن أبى إسحاق" إلخ. قال المؤلف: دلالته والذى بعده على الباب ظاهرة. واعلم أن
حديث فاطمة بنت قيس رواه النسائی وسكت عنه فهو صحیح عنده (١١٩:٢) فی حديث طويل
وفيه: "فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة، فسألها عن ذلك، فزعمت أنها كانت تحت أبى
عمر، ولما أمر رسول الله مرّ على بن أبى طالب على اليمن خرج معه، فأرسل إليها بتطليقة وهى
بقية طلاقها، فأمر لها الحارث بن هشام وعياش ابن أبى ربيعة بنفقتها، فأرسلت إلى الحارث وعياش
تسألهما النفقة التى أمر لها بها زوجها، فقالا: والله ما لها علينا نفقة إلا أن تكون حاملا، وما لها أن
تسكن فى مسكننا إلا بإذننا، فزعمت فاطمة أنها أتت رسول الله عَّ فذكرت ذلك له فصدقهما"
الحديث. وفى صحيح مسلم فى هذه القصة (٤٨٤:١): "فقال مروان لم نسمع هذا الحديث إلا
من امرأة سنأخذ بالعصمة التى وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبينى
وبينكم القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ الآية، قالت: هذا لمن كانت له مراجعة
فأى أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا؟ فعلام تحبسونها(١٤٤)؟
اهـ. وقال النسائى (٢: ١٠٠): "أخبرنا أحمد بن يحيى قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سعيد بن يزيد
الأحمسى قال: حدثنا الشعبى قال حدثنى فاطمة بنت قيس، قالت: أتيت النبى معَّه فقلت: أنا بنت
آل خالد وأن زوجى فلانا أرسل إلى بطلاقی، وأنی سألت أهله النفقة والسكنى فأبوا على، قالوا:
يا رسول الله! إنه أرسل إليها بثلاث تطليقات، قالت: فقال رسول الله عَّ له: (إنما النفقة والسكنى
للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة)) اهـ. وسكت عنه فهو صحيح عنده، وفى "الجوهر النقى"
(١٤٢:٢): "سند لا بأس به".
قلت: ورجاله رجال الجماعة إلا أحمد بن يحيى وسعيدا وهما ثقتان. وفى
(١) قال الزيلعى: مخرج الأحاديث الهداية (٥٦:٢) "هذا صريح فى أن النفقة جزاء الاحتباس".

٢٨٣
المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة
إعلاء السنن
٣٤٢١- عن عائشة، أنها قالت: " ما لفاطمة خير أن تذكر هذا تعنى قولها:
لا سكنى ولا نفقة". رواه مسلم (٤٨٥:١).
الزيلعي (٥٦:٢): وسعيد بن يزيد الأحمسى لم يثبت عدالته إلخ. قلت: كيف لا؟ ففى تهذيب
التهذيب (٤: ١٠١): "ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الدورى: سمعت يحيى يقول: سعيد بن
یزید یروى عنه و کیع ثقة" اهـ.
فلقائل أن يقول: إنه يمكن التطبيق بين الأحاديث، ولا وجه لرد البعض ولا معارضة بين الآية .
والأحاديث، بأن الآية محمولة على ما تأولت به فاطمة بنت قيس ويؤيده حديث النسائى الذى
ذكر، والحديثان الأولان يحملان على المطلقة ثلاثا إذا كانت حاملا، وتحمل الروايات المروية عن
فاطمة بنت قيس على ظاهرها، وتغليظ عمر وعائشة كان برأيهما، فلا يعارض المرفوعات إذا ثبتت
من طريق محتج به، فالجواب عنه: أن كتاب الله قد أوجب للمطلقات السكنى والنفقة معا،
قال تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن﴾ فقوله
﴿ولا تضارّوهن﴾ فيه إيجاب لنفقتهن كما بسطه ابن التر كمانى فى الجوهر النقى (١٤٣:٢).
وقوله: "إن عمر وعائشة أنكرا على فاطمة برأيهما"، ففيه ما لا يخفى، فإن عمر رضى الله عنه
قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا مرّ لقول امرأة" إلخ. وقد ثبت ذلك عند مسلم برواية
الزبيرى كما بيناه فى المتن، وله شاهد عند مسلم برواية أبى داود عن سليمان بن معاذ عن أبى
إسحاق. وأخرجه ابن أبى شيبة من طريق ميمون بن مهران عن عمرو ابن أبى شيبة وعبد الرزاق
وابن حبان من طريق إبراهيم عن عمر، كما فى "الجوهر النقي" (١٤٣:٢).
وإذا ثبت هذه الزيادة وهى قوله: "وسنة نبينا"، وهى حديث مرفوع عندهم، فكيف يصح
القول: بأن عمر أنكر عليها برأيه؟ لا سيما وقد روى الطحاوى والقاضى إسماعيل عن عمر قال:
"سمعت رسول الله عَّه يقول: ((لها السكنى والنفقة))، أى للمبتوتة". وأخرج الدار قطنى من
حديث حرب بن أبى العالية عن أبى الزبير عن جابر عن النبى معَّه، قال: ((المطلقة ثلاثا لها النفقة
والسكنى)). وحرب اختلف فيه قول ابن معين، وقد وثقه عبيد الله بن عمر القواريرى، وأخرج له
مسلم فى صحيح والحاكم فى مستدركه، وقول مروان الذى أخرجه مسلم: "سنأخذ بالعصمة
التی وجدنا الناس عليها"، دليل على أن العمل کان عندهم على خلاف حديث فاطمة، وروی
الطحاوى وغيره أن فاطمة كانت إذا ذكرت شيئا من ذلك رماها أسامة بن زيد بما كان فى يده.
قال القاضى إسماعيل: "وإذا كان هذا الإنكار كله وقع فى حديث فاطمة فكيف يجعل أصلا؟"

ج - ١١
٢٨٤
باب النفقة على الأقارب
٣٤٢٢- حدثنا محمد بن عيسى نا الحارث بن مرة نا كليب بن منفعة عن جده:
((أنه أتى النبى معَّه، فقال: يا رسول الله! من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك،
ومولاك الذى يلى ذلك حقا واجبا ورحما موصولة)). رواه أبو داود (٣٥٢:٢)،
وسكت عنه. وفى "نيل الأوطار" (٢٦٧:٦): "ورجال إسناد أبى داود لا بأس بهم".
٣٤٢٣- عن المقدام بن معديكرب: سمعت النبى معَّ ◌ُّه يقول: ((إن الله يوصيكم
بأمهاتكم ثم يوصيكم بآباء كم، ثم بالأقرب فالأقرب))، أخرجه البيهقى بإسناد حسن
(التلخيص الحبير ٣٣٤:٢).
٣٤٢٤ - عن عائشة مرفوعا: أعظم الناس حقا على المرأة زوجها، وأعظم الناس
حقا على الرجل أمه. رواه الحاكم فى المستدرك وإسناده صحيح (الجامع الصغير ١: ٤٠).
٣٤٢٥ - عن طارق المحاربى قال: "قدمت المدينة فإذا رسول الله عَّ ◌ُله قائم على
المنبر يخطب الناس، وهو يقول يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول أمك وأباك.
وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك". رواه النسائي وابن حبان والدار قطنى وصححاه
(نيل الأوطار ٦: ٢٦٧).
٣٤٢٦- قال أبو بكر البزار: ومن صحيح هذا الباب حديث ذكره بقى بن
مخلد، فقال: ثنا هشام بن عمار ثنا عيسى بن يونس ثنا يوسف بن إسحاق بن أبى
كذا فى الجوهر النقى (١٤٣:٢). وحديث سعيد بن يزيد الأحمسى بلفظ: قال رسول الله عد له:
(إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة)) يفيد نفى السكنى والنفقة جميعا إذا لم
يكن له عليها الرجعة، وهذا خلاف الإجماع، فإن الأئمة كلهم قد أوجبوا لها السكنى، وإنما
اختلفوا فى النفقة، فلا بد من المصير إلى قول عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة،
لعلها نسيت أو وهمت". والله تعالى أعلم.
باب النفقة على الأقارب
قال المؤلف: دلالة الأخبار على الباب ظاهرة.
قوله: "قال أبو بكر البزار" إلخ. قلت: قوله مرّ ◌ُّه: ((أنت ومالك لأبيك)). معناه ما فى
حديث عائشة أى إذا احتاج الأب إلى مال ولده فله أن يأخذ منه بقدر الحاجة من غير إسراف.

٢٨٥
إعلاء السنن
إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر: ((أن رجلا قال: يا رسول الله ....! إن لى مالا
وولدا، وإن أبى يريد أن يحتاج مالى، قال: أنت ومالك لأبيك)). وأخرجه أيضا ابن ماجه
فى سننه عن هشام بن عمار بسنده المذكور. (الجوهرى النقى، ٢: ١٤٥). وفى فتح
القدير (٥: ٣٧): "رواه ابن ماجه بسند صحيح نص عليه ابن القطان والمنذرى".
٣٤٢٧ - عن عائشة مرفوعا: ((إن أولادكم هبة الله تعالى لكم، ﴿يهب لمن يشاء
إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾، فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها)). رواه الحاكم
فى "المستدرك" (كنز العمال ٢٨٢:٨). وإسناده صحيح على قاعدة العلامة السيوطى،
وفيه كلام غير مضر على قاعدتنا مذكور فى "التخليص الحبير" (٣٣٤:٢).
٣٤٢٨ - عن قيس بن أبى حازم: " جاء رجل إلى أبى بكر الصديق، فقال: إن أبى
يريد أن يأخذ مالى كله لحاجة، فقال لأبيه: إنما لك من ماله ما يكفيك، فقال: يا خليفة
رسول الله عَّه! أليس قال رسول الله عَّ له: أنت ومالك لأبيك؟ فقال: نعم، وإنما يعنى
بذلك النفقة، ارض بما رضى الله عز وجل". رواه الطبرانى فى "الأوسط" والبيهقى
(كنز العمال ٣٠٨:٨).
باب النفقة علی الوارث والإجبار عليها
٣٤٢٩- قال ابن أبى شيبة: ثنا حفص هو ابن غياث عن إسماعيل يعنى ابن أبى
خالد عن الحسن: "أن عمر أجبر رجلا على نفقة ابن أخيه". والحاج يحتج بمثل هذا
المرسل كما عرف (الجوهر النقى ١٤٥:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة، والحسن لم
يدرك عمر رضى الله عنه ومراسيله صحاح.
٣٤٣٠- عن زيد بن ثابت قال: "إذا كان عم وأم فعلى الأم تقدير ميراثها، وعلى
العم تقدير ميراثه". ذكره ابن أبى شيبة بسنده (الجوهر النقى ١٤٥:٢).
وهذا هو مذهب الحنفية فى الباب، وقد فسره بذلك أبو بكر رضى الله عنه، و کفی به مفسرا.
والله تعالى أعلم.
باب النفقة على الوارث والإجبار عليها
قال المؤلف: دلالة الآثار عليه ظاهرة.
فائدة: قد ذكر فى "الهداية" (٤٢٧:٢): "وفى قراءة عبد الله بن مسعود: وعلى الوارث

٢٨٦
ج - ١١
٣٤٣١- قال ابن أبى شيبة: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن.
مجاهد قال: على الوارث مثل ما على أبيه أن يسترضع له. وهذا سند صحيح
(الجوهر النقي ٤٥:٢).
باب وجوب نفقة المملوك والبهائم
٣٤٣٢- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى معَّ له، قال: ((للمملوك
طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق)). رواه أحمد ومسلم
(نيل الأوطار ٢٧٣:٦).
٣٤٣٣- عن ابن عمر رضى الله عنهما، أن النبى معَّ ◌ُّه قال: ((عذبت امرأة
فی هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هی أطعمتها وسقتها إذ حبستها،
ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض)). متفق عليه (نيل الأوطار ٢٧٤:٦).
کتاب العتاق
باب استحباب العتق
٣٤٣٤- عن أمامة رضى الله عنه وغيره من أصحاب النبى معَّ له، عن النبى عليه،
ذى الرحم المحرم مثل ذلك" اهـ. قال بعض الناس: "لم أجد هذه القراءة" اهـ. قلت: لا حاجة إلى
وجدانك فقد وجدها المفسرون والمحدثون والفقهاء، فقد صرح النسفى فى مدارك التنزيل
وصاحب روح المعانى وغيرهما بهذه القراءة، وقال العينى فى البناية: "لا شك أن قراءته كانت
مسموعة من النبى ◌ّه، وقراءته مشهورة فصارت بمنزلة خبر مشهور على ما عرف، فجاز تقييد
إطلاق الکتاب بها" اهـ (٤٨٥:٢).
باب وجوب نفقة المملوك والبهائم
قال المؤلف: دلالة الحديث الأول على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
ودلالة الحديث الثانى على الجزء الثانى من الباب من حيث أن العذاب لا يكون إلا على ترك
الواجب. ولشيخنا رسالة حافلة لحقوق البهائم سماها: "إرشاد البهائم". من أراد البسط
فليراجعها.
باب استحباب العتق
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة.

٢٨٧
إعلاء السنن
قال: ((أيما امرئ مسلم أعتق أمراً مسلما كان فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منه
عضوا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتین مسلمتین کانتا فکا که من النار، يجزئ كل
عضو منهما عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار،
يجزئ كل عضو منها عضوا منها)). رواه الترمذى (١٨٧،١٨٦:١). وقال: "حسن
صحیح غریب من هذا الوجه".
باب من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه
٣٤٣٥ - عن ضمرة بن ربيعة عن سفيان الثورى عن عبد الله بن دينار عن ابن
عمر عن النبى معَّه، قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)). رواه الترمذى (١٦٣:١).
ولا يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث اهـ.
وفى "التلخيص الحبير" (٤١٣:٢): "وقال البيهقى: وهم فيه ضمرة والمحفوظ بهذا
الإسناد نهى عن بيع الولاء وعن هبته، ورد الحاكم هذا بأن روى من طريق ضمرة
الحديثين بالإسناد الواحد وصححه. (على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى)، وصححه
أيضا ابن حزم وعبد الحق وابن القطان" اهـ. قلت: والاختلاف غير مضر كما علمت
غير مرة، فالحديث صحيح.
باب من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة.
قلت: ثم أورد الحاكم شاهد الحديث ضمرة هذا، وقال: وشاهده الحديث الصحيح المحفوظ
عن سمرة بن جندب رضى الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال: ((من ملك ذا رحم فهو حر)). وصححه
الذهبى أيضا (٢١٤:٢). وفى صحيح البخارى (٣٤٤:١): "قال أنس رضى الله عنه: قال العباس
رضى الله عنه للنبى مرّ له: فأديت نفسى وفاديت عقيلا، وكان على بن أبى طالب له نصيب فى
تنك الغنيمة التى أصاب من أخيه عقيل وعمه عباس " اهـ. وفى حاشيته: قوله: "وكان على بن أبى
طالب له نصيب" إلخ. هذا من كلام البخارى، ذكره فى معرض الاستدلال على أنه لا يعتق الأخ
ولا العم بمجرد الملك، إذ لو عتقا لعتق العباس وعقيل فى حصة على رضى الله عنه من الغنيمة،
وكذا فى حصة النبى معَ ◌ّه، وهو حجة على الحنفية فى أن من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه.
وأجيب: بأن الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداء، بل يتخير فيه بين القتل والاسترقاق والفداء، فلا يلزم

٢٨٨
ج - ١١
باب عتق عبد الحربی إذا خرج إلینا مسلما
٣٤٣٦- عن ربعى بن حراش، قال: نا على بن أبى طالب بالرحبة فقال: ((لما كان
يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشر کین فیهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء
المشركين، فقالوا: يا رسول الله .....! خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقاءنا،
وليس لهم فقه فى الدين. وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم
العتق بمجرد الغنيمة. قس عليه" اهـ. على أن الحنفية لا يقولون باسترقاق العرب عامة، وقريش وبنى
هاشم منهم خاصة. كما سيأتى فى كتاب الجهاد.
باب عتق عبد الحربى إذا خرج إلينا مسلما
قال المؤلف: الحديث الأول مجمل فى المقصود والثانی يفسره ويفصح به.
تذييل: فى الهداية (٤٣٧:٢): "وإذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصییه عتق، فإن
كان موسرا فشريكه بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمن شريكه قيمة نصيبه، وإن شاء استسعى
العبد، فإن ضمن رجع المعتق على العبد والولاء للمعتق، وإن أعتق أو استسعى فالولاء بينهما وإن
كان المعتق معسرا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد والولاء بينهما فى
الوجهين. وهذا عند أبى حنيفة. وقالا: ليس له إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار،
ولا يرجع المعتق على العبد والولاء للمعتق، وهذه المسئلة تبتنى على حرفين، أحدهما تجزی الإعتاق
وعدمه، والثانى أن يسار المعتق لا يمنع سعاية العبد عنده، وعندهما يمنع. لهما فى الثانى قوله معد له
فى الرجل يعتق نصيبه: إن كان غنيا ضمن، وإن كان فقيرا سعى فى حصة الآخر، قسم ص: ٢١١
والقسمة تنافى الشركة" اهـ.
قلت: ولم يذكر صاحب الهداية دليل الإمام من النقل. وله فى تجزى الإعتاق ما أخرجه أبو
داود فى المراسيل عن إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده، قال: ((كان لهم غلام يقال له طهمان أو
ذكوان، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبى معَّه فأخبره. فقال النبى معَّ له: تعتق فى عتقك
وترق فى رقك. قال: فكان يخدم سيده حتى مات)) اهـ (٢٢). وأعله البيهقى بأن جده عمرو بن
سعيد بن العاص ليس له صحبة. ورده ابن التركمانى فقال: "ذكره ابن حبان فى الصحابة، وكذا
فعل ابن مندة، وقال ابن الجوزى فى التحقيق: له صحبة، وأخرج أحمد هذا الحديث فى مسند
عمرو بن سعيد"اهـ (٢٥٨:٢).

٢٨٩
عتق عبد الحربى إذا خرج إلينا مسلما
إعلاء السنن
يكن لهم فقه فى الدين سنفقههم، فقال النبى عدّ ◌ُله: يا معشر قريش! لتنتهن أو ليبعثن الله
عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان))
الحديث. رواه الترمذى وقال: حسن صحيح غريب (٢١٣:٢).
قلت: وإسماعيل بن أمية من رجال الجماعة ثقة، وأبوه أمية ذكره ابن حبان فى الثقات،
وجده عمرو بن سعيد بن العاص أبو أمية المدنى المعروف بالأشدق، يقال: إن له رؤية روى عن
النبى معَّ مرسلا، وعن أبيه وعن عمر وعن عثمان وعلى وعائشة. أخرج له مسلم فى صحيحه
والترمذى والنسائى كما فى "التهذيب" (٣٧:٨).
قلت: فإن سلمنا كون الأثر مرسلا فهو مرسل صحابى صغير، ومراسيل الصحابة مقبولة
إجماعا، والظاهر أن لا إرسال وأن عمرو بن سعيد روى القصة عن مولاه ذكوان أو طهمان، يدل
عليه صنيع الحافظ ابن حجر حيث ذكر الأثر فى مسانيد ذكوان فى الإصابة، وقال: "قال عبد
الرزاق: حدثنا عمر بن حوشب(١) عن إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده: كان لنا غلام يقال له
ذكوان أو طهمان، فعتق بعضه فذكر القصة مرفوعة" اهـ (١٧٣:٢).
ولأبى حنيفة أيضا ما أخرجه الطبرانى من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن
سعيد قال: " كان لسعيد بن العاص عبد فأعتق كل واحد من أولاده نصيبه إلا واحدا، فوهب
نصيبه للنبى معَّ فأعتق نصيبه، فكان يقول: أنا مولى النبى معٍَّ وكان اسمه رافعا أبا البهى". كذا
فى "الإصابة" (١٩١:٢). والمذكور من السند لا مطعن فيه، والظاهر من عادة المحدثين إذا حذفوا
من الإسناد شيئا كون المحذوف سالما من الكلام، فالأثر صحيح أو حسن، ولا أقل من أن يستشهد
به. وقوله: "فوهب نصيبه للنبى ◌ّ" ظاهر فى تجزى الإعتاق كما لا يخفى.
وله أيضا ما أخرجه البخارى ومحمد فى موطأه بطريق مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر
أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((من أعتق شركا له فى عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم قيمة
العدل ثم أعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما أعتق)) اهـ (٣٥٨).
فقوله: ((وإلا فقد عتق منه ما أعتق)) صريح فى تجزى الإعتاق إذا كان المعتق معسرا، فدل على أن
الإعتاق يقبل التجزى شرعا، وأصرح منه ما أخرجه الدار قطنى بطريق إسماعيل بن مرزوق الكعبى
نا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: ((وإلا عتق منه ما عتق
(١) ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال ابن القطان: لا يعرف له حال اهــ تهذيب.

ج - ١١
عتق عبد الحربى إذا خرج إلينا مسلما
٢٩٠
٣٤٣٧- عن على بن أبى طالب، قال: ((خرج عبدان إلى رسول الله يعنى يوم
الحديبية قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم. فقالوا: يا محمد! والله ما خرجوا إليك رغبة
ورق منه ما بقى)) (٤٧٦:٢).
وفى "التعليق المغنى": "فى إسناده إسماعيل الكعبى وليس بالمشهور عن يحيى بن أيوب،
وفى حفظه شىء" اهـ. قلت: إسماعيل بن مرزوق ذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى
"اللسان" (٤٣٩:١). ويحيى بن أيوب هو الغافقى من رجال الجماعة، وثقه ابن معين والبخارى
ويعقوب بن سفيان وإبراهيم الحزلى وغيرهم، كما فى "التهذيب" (١٨٧:١١). قال الحافظ فى
"اللسان": "والزيادة التى فى آخره بعد قوله: ((وإلا عتق منه ما عتق ورق منه ما رق)) ذكرها ابن
حزم فى "المحلى"، وقال: إنها موضوعة مكذوبة لا نعلم أحدا رواها لا ثقة ولا ضعيفا كذا قال،
وقد جاز فبذلك وهى مذكورة، فقبل إسماعيل ذكرها الشافعى فى "الأم"، وجاءت بهذا السند
النظيف" اهـ. قلت: وجعل الحافظ هذا السند نظيفا دليل على كون إسماعيل ويحيى ثقتين عنده.
ولأبى حنيفة فى الثانى ما مر من حديث رافع أبى البهى، فإن النبى معَّ ◌ُّه قبل هبة نصيبه،
ولم يقل: إن على المعتق الأول خلاصه من العتق إن كان له مال، وكذا ما مر من خبر ذكوان،
فإنه عَّه قال له: ((تعتق فى عتقك وترق فى رقك))، ولم يقل: إن على المعتق خلاصه إن كان له
مال، وما رواه أبو داود من طريق ملقام بن التلب عن أبيه: "أن رجلا أعتق نصيبه من مملوك
فلم يضمنه النبى معَّه". وإسناده حسن، قاله الحافظ فى "الفتح" (١١٥:٥). وأيضا فلما ثبت
قبول الإعتاق للتجزى فكيف يجبر المعتق الأول على إعتاق نصيب غيره، وغرامة قيمته؟ فإنه ما
على المحسنين من سبيل، فكل ما ورد فى الآثار من قوله عَ ◌ّه: ((إن على المعتق الأول خلاص العبد
من ماله)) محمول على الندب. وكذا ما رواه أبو المليح عن أبيه: ((أن رجلا أعتق شقصا له من غلام،
فذكر ذلك للنبي عّ لّه، فقال: ليس لله شريك)). أخرجه أبو داود والنسائى بإسناد قوى، قاله الحافظ
فى "الفتح"، وذكر عن سمرة نحوه (١١٤:٥) أى لا ينبغى أن يكون جزء من العبد حرا لله
وبعضه رقيقا للناس، فيستحب للمعتق الأول أن يخلص كله من الرق إن كان له مال، وإلا استسعى
العبد فى أنصبة الشركاء.
ولأبى حنيفة أيضا ما أخرجه الطحاوى واحتج له به: حدثنا أبو بشر الرقى ثنا أبو معاوية عن
الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: " كان لنا غلام قد شهد القادسية فأبلى فيها.
وكان بينى وبين أمى وبين أخى الأسود، فأرادوا عتقه وكنت يومئذ صغيرا. فذكر ذلك الأسود

٢٩١
عتق عبد الحربى إذا خرج إلينا مسلما
إعلاء السنن
فى دينك وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله! ردهم إليهم،
فغضب رسول الله عَّه وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش! حتى يبعث الله عليكم
لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: اعتقوا أنتم، فإذا بلغ عبد الرحمان فإن رغب فيما رغبتم
أعتق وإلا ضمنكم". ففى هذا الحديث أن لعبد الرحمن بعد بلوغه أن يعتق نصيبه من العبد الذى قد
كان دخله عتاق أمه وأخيه قبل ذلك. (فدل على قبول الإعتاق التجزى). فأبو حنيفة يقول: لما كان
له أن يعتق نصيبه بلا بدل كان له أن يعتقه ببدل بأن يأخذ العبد بأداء قيمة ما بقى له فيه. قاله
الطحاوى (٦٣:٢). وله أيضا ما رواه البيهقى عن الحكم عن على: "إذا كان لرجل عبد فأعتق
نصفه لم يعتق منه إلا ما عتق". ثم قال: منقطع.
قلت: قد روى عن على من وجه آخر. قال ابن أبى شيبة: ثنا حفص عن أشعث عن الحسن،
قال على: "يعتق الرجل ما شاء من غلامه"، (وهذا سند صحيح موصول، فإن الحسن قد سمع من
على كما حققناه فى مواضع من الكتاب). كذا فى "الجوهر النقى" (٢٥٨:٢).
قلت: فلما ثبت أن الإعتاق يتجزئ فإذا أعتق أحد الشركاء نصيبه لم يلحق بقية الشركاء
ضرر، بل كانوا على ما كان لهم من الخيار فى أنصبائهم أن يعتقوا بلا بدل، أو يعتقوا بأخذ البدل
من العبد وهو الاستسعاء، أو يضمنوا المعتق الأول إن كان له مال، أو يكاتبوا العبد فى أنصبائهم.
ولكن ليس لهم أن يديموا العبد على حاله الأولى فى الرق، وإن كان لهم ذلك فى القياس ولكن
تركناه بالنص الوارد فى الاستسعاء، فإن التقسيم الذى فيه يدل على أن ليس لبقية الشركاء إدامة
العبد على الرق. هذا هو قول أبى حنيفة وربيعة والحسن والشعبى وطاوس وحماد وعبيد الله بن
الحسن وغيرهم، كما فى "الجوهر النقى" (٢٥٨:٢). وإليه جنح البخارى كما فى "فتح البارى"
(١١٤:٥، ١١٥).
وحديث الاستسعاء أخرجه الستة من طريق قتادة عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة رفعه:
((من أعتق شقصا له فى عبد فخلاصه فى ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد
غير مشقوق عليه)). وفى لفظ: ((يستسعى فى نصيب الذى لم يعتق غير مشقوق عليه)) اهـ. وقوله:
((فخلاصه فى ماله إن كان له مال)). معناه أنه يجبر على ضمان نصيب شريكه إن شاء تضمينه
ولا دلالة فيه على إجبار الشريك الذى لم يعتق على تضمينه من المعتق. وقوله: «فإن لم یکن له مال
استسعى العبد))، معناه أن الذى لم يعتق لا يجوز له إدامة العبد على حاله من الرق، بل يجبر على أن
یستسعى العبد فى نصیبه إن لم يرد إعتاقه بلا بدل.

ج - ١١
عتق عبد الحربى إذا خرج إلينا مسلماً
٢٩٢
من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم، وقال: هم عتقاء الله عز وجل)). أخرجه
أبو داود (١٢:٢، ١٣) وسكت عنه.
وأما ما قالاه: "أنه عَّ قسم، والقسمة تنافى الشركة، فدل على أن الذى لم يعتق ليس له
استسعاء العبد إذا كان المعتق الأول ،وسرا". ففيه أن هذا التقسيم غير حاصر اتفاقا، لأن الذى
لم يعتق يجوز له أن يعتق نصيبه من غير أن يضمن المعتق أو يستسعى العبد. وظاهر التقسيم ينافى
ذلك، فبالدليل الذى قلتم بهذا الخيار قلنا به بخيار الاستسعاء فى حالتى اليسار والإعسار كليهما
كما ذكره مفصلا، على أن ذكر الاستسعاء مختلف فيه رفعه، فجعله همام من قول قتادة، كما
قاله الحافظ فى "الفتح". ولذا لم يقل الشافعى بالاستسعاء، فلا ينتهض الاستدلال بهذا التقسيم
على نفى الخيار الذى أثبته الأصل والله أعلم.
فإن قلت: إن قوله عّ لّهِ: ((غير مشقوق عليه)) فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه المذكور
يدل على أن العبد له الاختيار فى قبول السعى لمولاه، كما فى "فتح البارى" (١١٤:٥).
والذى يظهر أنه فى ذلك باختياره لقوله: ((غير مشقوق عليه)). فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن
يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة اهـ. قلت: معناه
استسعى العبد فى قيمة نصيبه غير مشقوق عليه فى التقويم، يؤيده لفظ أبى هريرة عند البخارى:
((أن النبى معَّه قال: من أعتق نصيبا أو شقيقا فى مملوك فخلاصه عليه فى ماله إن كان له مال،
وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه)) اهـ. فقوله: "غير مشقوق عليه" حال من قوله: "قوم
عليه" فافهم.
فإن قلت: قد روى مسلم عن عمران بن حصين رضى الله عنه كما فى "فتح البارى"
(١١٥:٥): ((أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول
الله عرّ فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة)) اهـ. وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد
رجاله ثقات كما فى "فتح البارى" (١١٥:٥): ((عن أبى قلابة عن رجل من بنى عذرة: أن رجلا
منهم أعتق مملوكا له عند موته وليس له مال غيره، فأعتق رسول الله عَّه ثلثه، وأمره أن يسعى فى
الثلثين)) اهـ. فكيف التطبيق بينهما؟
قلت: قال الحافظ ابن حجر فى الفتح: واحتج من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن
حصين عند مسلم (فذكره وهو الحديث الأول) ووجه الدلالة منه أن الاستسعاء لو كان مشروعا
لنجز من كل واحد عتق ثلثه، وأمره بالاستسعاء فى بقية قيمته لورثة الميت، وأجاب من أثبت
الاستسعاء بأنها واقعة عين فيحتمل أن يكون قبل مشروعية الاستسعاء" اهـ (١١٥:٥). وحديث:

٢٩٣
إعلاء السنن
باب فى العتق على اشتراط الخدمة
٣٤٣٨- عن سفينة، قال: "كنت محكوما لأم سلمة، فقالت: أعتقك وأشترط
"من أعتق شقصا له فى مملوك إلى قوله: فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه". قول
عام فيقدم على واقعة العين، ولا يخفى أن الذى أعتق فى مرضه ستة أعبد إنما أعتق شقصا له فى كل
عبد، لتعلق حق الورثة بثلثى كل عبد، فمقتضى القول العام أن يعتق من كل عبد ثلثه ویسعی فی
ثلثی قیمته للورثة.
وأجاب الطحاوى: "بأن ما ذكروا من القرعة المذكورة فى حديث عمران منسوخ، لأن
القرعة قد كانت فى بدء الإسلام لتستعمل فى أشياء فحكم بها فيها، ومن ذلك ما كان على بن
أبى طالب رضى الله عنه حكم به فى زمن النبى معَّ باليمن، حيث أتاه ثلاثة نفر يختصمون فى
ولد قد وقعوا على امرأة فى طهر واحد فأقرع بينهم فقرع أحدهم، فأخبر به النبى عّ لّه فضحك
حتى بدت نواجذه. (أخرجه الطحاوى بسند حسن) فدل ذلك على أن الحكم حينئذ كان كذلك
ثم نسخ بعد باتفاقنا واتفاق هذا المخالف لنا (القائل بالقرعة). ودل على نسخه ما قد رويناه فى باب
القافة من حكم على رضي الله عنه فى مثل هذا بأن جعل الولد بين المدعيين جميعا يرثهما ويرثانه،
وأيضا فلو كان الحكم بالقرعة فى عتاق المريض غير منسوخ فليكن كذلك فى هباته وصدقاته
وسائر تصرفاته، ولا قائل به. ففى ارتفاعها عندنا وعند المخالف لنا من الهبات والصدقات دليل على
ارتفاعها أيضا من العتاق. وأما إقراعه عّم بين نسائه إذا سافر فإنما كان لتطبيب قلوبهن فيما يسع له
تركها، وفيما له أن يمضيه بغيرها، ولم يكن لإثبات حكم لا يجوز له إثباته إلا بالقرعة فافترقا. وقد
رأينا رسول الله عَّه حكم فى العبد بين اثنين إذا أعتقه أحدهما ولا مال له يحكم عليه فيه بالضمان
بالسعاية على العبد فى نصيب الذى لم يعتق، فثبت بذلك أن حكم هؤلاء العبيد (الذين ورد
ذكرهم فى حديث عمران) كذلك، وأنه لما استحال أن يجب على غيرهم ضمان ما جاوز الثلاث
وجب عليهم السعاية فى ذلك للورثة. وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله
تعالى" اهـ (٤٢١:٢، ٤٢٢) ملخصا وفى شرح مسلم للنووى أنه قول الشعبى والنخعى وشريح
والحسن، وحكى عن ابن المسيب أيضا (٥٤:٢). والله تعالى أعلم.
باب فى العتق على اشتراط الخدمة
قوله: "عن سفينة" إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة. وهو أصل لما ذكره الفقهاء من العتق
على جعل، والجعل عام للنقد وللخدمة ونحوهما. والله تعالى أعلم.

٢٩٤
ج - ١١
عليك أن تخدم رسول الله عَّ يه ما عشت. فقلت: وإن لم تشترطى على ما فارقت
رسول الله عَّ ◌ُّه ما عشت، فأعتقتنى واشترطت على". رواه أبو داود (٢: ١٩٣)
وسكت عنه. وفى "عون المعبود" (٣٦:٤): أخرجه النسائي وابن ماجه، وقال النسائى:
لا بأس بإسناده هذا آخر كلامه. وسعيد بن جمهان أبو حفص الأسلمى البصرى
وثقه يحيى بن معين وأبو داود السجستانى، وقال أبو حاتم الرازى: ((شيخ يكتب حديثه
ولا يحتج به "، انتهى. قلت: قد علمت أن الاختلاف غير مضر، وقد صححه الحاكم
على شرطهما، وأقره عليه الذهبى فى "تلخيص المستدرك" (٢١٤:٢).
باب التدبير
باب أن المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث
صّلىالله
٣٤٣٩- عن عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، أن النبى عَ
عدوسلم
قال: ((المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث)). رواه الدار قطنى (٢: ٤٨٣)، وقال:
لم يسنده غير عبيدة بن حسان وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر موقوف من قوله:
باب أن المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وأما ما فى "الدراية" (٢٣٨): وفى
الصحيحين عن جابر ((أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك
النبى عَّ، فقال: من يشتريه منى؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانى مائة درهم، فدفعها إليه.
وللنسائى كان محتاجا عليه دين. فقال: اقض بها دينك)) اهـ. فأجاب عنه العلامة المحدث الزيلعي
بقوله (٦٢:٢): ولنا عن ذلك جوابان، أحدهما أنا نحمله على المدبر المقيد، والمدبر المقيد عندنا
يجوز بيعه إلا أن يثبتوا أنه كان مدبرا مطلقا، وهم لا يقدرون على ذلك، و کونه لم یکن له مال
غيره ليس علة فى جواز بيعه، لأن المذهب فيه أن العبد يسعى فى قيمته اهـ. ثم قال: الجواب الثانى:
أنا نحمله على بيع الخدمة والنفقة لا بيع الرقبة. ثم ذكر أثر جابر مرسلا وموصولا الذى يأتى ذكره
فى الباب الآتى، وأصرح منه ما أخرجه الدار قطنى بطريق عبد الغفار بن القاسم عن أبى جعفر،
قال: "ذكر عنده أن عطاء وطاوسا يقولان فى الذى أعتقه مولاه فى عهد النبى عّ لّ. كان أعتقه عن
دبر، فأمره أن يبيعه. قال أبو جعفر: شهدت الحديث من جابر، إنما أدن فى بيع خدمته". انتهى،
وأعله غير واحد بعبد الغفار هذا، ولكن روى عنه شعبة وأثنى عليه هو وابن عقدة. وقال ابن عدى:

٢٩٥
المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث
إعلاء السنن
حدثنا أبو بكر النيسابورى نا محمد بن يحيى نا أبو النعمان أنا حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع: ((أنه كره بيع المدبر)). هذا هو الصحيح موقوف، وما قبله لا يثبت مرفوعا
ورواته ضعفاء. وفى "التلخيص الحبير" (٤١٤:٢) بعد نقل اللفظ الأول: "وقال
البيهقى: موقوف كما رواه الشافعى.
"ومع ضعفه يكتب حديثه". كذا فى لسان الميزان والزيلعى، ولو سلم ضعفه فتأويل الحديث يصح
بالقياس، وبالحديث الضعيف بالأولى، فإن الضعيف مقدم عندنا على القياس فافهم الخ اهـ.
وأما ما فى موطأ الإمام محمد (٣٥٩): "أخبرنا مالك أخبرنا أبو الرجال محمد بن عبد
الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن: أن عائشة زوج النبى معَ لّه كانت أعتقت جارية لها عن
دبر منها، ثم أن عائشة بعد ذلك اشتكت ما شاء الله أن تشتكى، ثم أنه دخل عليها رجل سندى
فقال لها: أنت مطبوبة، فقالت له عائشة: ويلك من طبنى! قال: امرأة من نعتها كذا وكذا فوصفها.
وقال: إن فى حجرها الآن صبيا قد بال، فقالت عائشة: ادعو إلى فلانة جارية كانت تخدمها،
فوجدوها فى بيت جيران لهم فى حجرها صبى. قالت: الآن حتى أغسل بول هذا الصبی فغسلته،
ثم جاءت، فقالت لها عائشة: أسحرتنى؟ قالت: نعم! قالت: لم؟ قالت: أحببت العتق، قالت:
فوالله(١) لا تعتقين أبدا، ثم أمرت عائشة ابن أختها أن يبيعها من الأعراب ممن يسىء ملكتها، قالت:
ثم اتبع لى بثمنها رقبة ثم أعتقها" إلخ. قلت: رجاله ثقات.
فالجواب عنه: أما أولا فبأن الأثر محمول على المدبرة المقيدة. قال بعض الناس: "وأما ثانيا:
فإن حديث: ((لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج)) لعله لم يبلغها، فإنه بمفهومه يدل على أن الرقبة
لا يجوز بيعها، وإنما يجوز بيع خدمة المدبر عند الاحتياج أعم من أن يكون ماليا أو غيره". قلت:
(١) قال بعض الناس: "وقد صدر ذلك منها للغضب عليها الذى جبل عليه الإنسان فى مثل هذه الوقائع، ولا يخفى أن العفو
والتجاوز عنه أحب وأولى" اهـ. قلت: قاتله الله ما أقيسه للصحابة على نفسه، ولم يدر أنهم برآء من النفسانية التى تصد عن
ابتغاء مرضاة الله، أو لم يعلم ما قاله رسول الله عَّه فى السحرة: ((من سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه)، رواه
النسائى. وأخرج الشافعى وعبد الرزاق عن عمر، قال: "اقتلوا كل ساحر وساحرة". وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب: "أن
عمر أخذ ساحرا فدقه إلى صدره ثم تركه حتى مات". وأخرج عبد الرزاق عن نافع: "أن جارية لحفصة سحرتها واعترفت
بذلك، فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها، فأنكر ذلك عثمان، فقال ابن عمر: وما تنكر على أم المؤمنين من امرأة سحرت
واعترفت؟ فسكت عثمان. كذا فى كنز العمال (٣٤٩:٣). ومن هنا جوز الفقهاء قتل الساحر تعزيرا وسياسة، فماذا تنكر یا
أحمق الناس على سيدتنا عائشة أم المؤمنين من امرأة سحرت فاعترفت فأبطلت تدبيرها عقوبة، وكانت الجارية تستحق القتل
الذى هو أشد من ذلك، فهل كان ذلك إلا رحمة منها حيث لم ترض بقتل من سحرتها، بل عاقبتها بأهون منه.

٢٩٦
ج - ١١
٣٤٤٠ - وروى من وجه آخر عن أبى قلابة مرسلا: أن رجلا أعتق عبدا له عن
دبر، فجعله النبى معٍَّ من الثلث. وعلى رضى الله عنه كذلك موقوفا عليه" اهـ. وقال
محمد فى "الموطأ" (٣٦٠): "لا نرى أن يباع المدبر، وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله
ابن عمر، وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا" اهـ.
باب جواز بيع خدمة المدبر
٣٤٤١ - حدثنا أبو بكر النيسابورى نا محمد بن يحيى نا يزيد بن هارون نا عبد
الملك بن أبى سليمان عن أبى جعفر، قال: ((باع رسول الله عَّ خدمة المدبر)). رواه
الدار قطنى (٤٨٢:٢). وفى الزيلعى (٢: ٦٣): "وقال ابن القطان فى كتابه: هو مرسل
صحيح، لأنه من رواية عبد الملك بن أبى سليمان العرزى، وهو ثقة عن أبى جعفر
وهو ثقة" اهـ.
ولا يخفى ما فيه من البعد. والظاهر المتبادر أنها إنما باعته عقوبة لها على ما ارتكبته من السحر،
والساحر والساحرة يجوز قتلهما تعزيرا إذا رأى الإمام ذلك، كما يدل عليه ما ذكرناه فى الحاشية
من أثر حفصة وأثر عمر، وقد قال به الفقهاء أيضا كما فى الشامية: قال أبو حنيفة: "إذا أقر الساحر
بسحرة أو ثبت بالبينة يقتل ولا يستتاب منه". قال فى "الدر": "ولو امرأة فى الأصح لسعيها فى
الأرض بالفساد" أهـ (٤٥٦:٣). وفى الحديث المرفوع: ((حد الساحر ضربة بالسيف)). أخرجه
الترمذى والحاكم عن جندب بسند صحيح غريب قاله الحاكم. وقال غيره: الصحيح موقوف كذا
فى العزيزى (٢٠٤:٢). والاختلاف فى الوصل والوقف لا يضر، والحكم فيه للرافع إذا كان ثقة،
فلما جاز لعائشة أن تقتلها لسحرها فلان يجوز لها أن تبطل تدبيرها أولى، وإنما لم تقتلها أتباعا
للنبى عَ ◌ّه، حيث لم يقتل الوليد ولا بناته من اليهود وقد علم أنهم سحروه وكان لا ينتقم لنفسه،
وبه علم أن المراد بالحد فى الحديث التعزير، لأن الحد الحقيقى لا يجوز إبطاله.
فإن قيل: إن التدبير لا يجوز إبطاله عندكم ولو تعزيرا فيمن يجوز قتله سياسة، ففعل عائشة
لا يكون موافقا لمذهبكم. قلنا: ليس على عائشة أم المؤمنين تقليد من قلدناه، فلعلها رأت إبطال ذلك
فى مثل هذه الواقعة، وأيضا فليس عن الإمام نص فى خصوص هذه المسئلة، والقياس يقتضى صحة
ما فعلته أم المؤمنين، فإن من جاز إعدام حياته جاز إعدام تدبيره، ألا ترى أن الفقهاء جوزوا
استرقاق الزوجة إذا ارتدت فيستخدمها زوجها بالاسترقاق، وإذا جاز استرقاق الحرة بالردة

٢٩٧
جواز بيع خدمة المدبر
إعلاء السنن
٣٤٤٢- نا أحمد بن محمد بن زياد القطان نا عبد الكريم بن الهيثم نا محمد بن
طريف نا ابن فضيل عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله، قال:
قال رسول الله عَ ليه: ((لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج)) رواه الدار قطنى (١٤٩:٥):
وقال: "هذا خطأ من ابن طريف(١) والصواب عن عبد الملك عن أبى جعفر مرسلا، وقد
تقدم". قلت: قد عزاه فى "كنز العمال" (٤٨٢:٢) إلى الدار قطنى والبيهقى، ثم قال :.
"وضعفه وصححه ابن القطان" اهـ. وغايته الاختلاف فى التصحيح، وهو غير مضر
كما عرفته مرارا.
فاسترقاق المدبرة لأجل سحرها مثله فافهم. فبطل احتجاج من احتج به على جواز بيع المدبر مطلقا،
بل غاية ما فيه جواز بيعه إذا ارتكب السحر، وما يجوز قتله به والله تعالى أعلم.
وقال ابن التركمانى فى الجوهر النقى: "ذكر البيهقى حديث بيع المدبر من وجوه، فى
بعضها بيعه مطلقا، وفى بعضها أن سيده احتاج، وفى بعضها أنه عليه السلام دفع الثمن إليه. وقال:
إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه. قلت: مذهب الشافعى حمل المطلق على المقيد، فوجب أن
لا يبيعه إلا إذا احتاج سيده كما سيذكره البيهقى عن طاوس. وروى أنه سئل أ يبيع الرجل مديرته؟
قال: لا إلا أن يحتاج إلى ثمنها! وحكى الخطابى هذا المذهب عن الحسن (وجوز المالكية بيع المدبر
إذا كان على سيده دين ولا مال له سواه. كذا فى "التعليق الممجد" نقلا عن العينى (٣٥٩) قال:
ثم ذكر البيهقى من حديث محمد بن طريف عن ابن فضيل عن عبد المالك بن أبى سليمان عن
عطاء عن جابر، قال عليه السلام: لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج. ثم ذكر عن الدار قطنى أنه
خطأ من ابن طريف، والصواب عن عبد الملك عن أبى جعفر مرسلا. قلت: اعترض ابن القطان
على هذا بما ملخصه: أنه إن كان فيه خطأ فهو عن ابن فضيل لأنه الذى خولف فيه. ولا يبعد أن
يكون عند عبد الملك حديثان، أحدهما عن أبى جعفر مرسلا: ((أنه عليه السلام باع خدمة المدبرة))،
هكذا من فعله عليه السلام. والآخر عن عطاء عن جابر، قال عليه السلام: لا بأس ببيع خدمة
المدبر. فرواه عبد الملك كذلك مرسلا ومسندا، وليس من قصر به فلم يسنده حجة على من حفظه
وأسنده إذا كان ثقة، وابن طريف وابن فضيل صدوقان مشهوران. فلا ينبغى أن يخطأ واحد
منهما، ثم أخرجه البيهقى من وجهين، أحدهما من طريق عبد الملك، والثانى من طريق الحكم بن
(١) لم يظهر وجه الخطأ وهو ثقة من رجال مسلم.

ج - ١١
٢٩٨
باب أن أولاد المدبرة مدبرة
٣٤٤٣- أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن يزيد بن عبد الله
ابن قسيط عن ابن عمر، قال: "ولد المدبر بمنزلته"، رواه عبد الرزاق. قلت: رجاله
ثقات، والحديث رواه الدارقطنى بسند لا مطعن فى رجاله عن ابن عمر بلفظ: "ولد
المدبرة يعتقون بعتقها ويرقون برقها". وسكت عنه فى التعليق المغنى (٢: ٤٨٢). قلت:
رجاله رجال مسلم. وفى "الجوهر النقى" (٢: ٢٦٥): فى "نوادر الفقهاء" لابن بنت
نعيم: "أجمع الصحابة أن ما ولدت المدبرة فى حال تدبيرها يعتقون بعتقها، ويرقون
برقها. وإنما جاء الاختلاف بعدهم". وفى "الاستذكار": "روى ذلك عن عثمان وابن
ومسعود وابن عمر وجابر ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة" اهـ.
عتيبة، كلاهما عن أبى جعفر مرسلا، ثم ذكر عن الشافعى أنه لم يروه عن أبى جعفر فيما علم
الشافعى من ثبت حديثه، ولو رواه من ثبت حديثه فهو منقطع يخالف المتصل الثابت. قلت: قد
رواه عنه الحكم وهو ممن أخرج لهم الجماعة، ورواه أيضا عبد الملك وهو ممن أخرج لهم مسلم،
فقد رواه من يثبت حديثه. وتقدم أيضا أنه روى مسندا أيضا من جهة ابن فضيل، فزال انقطاعه،
والظاهر أن مراد الشافعى بالمتصل الثابت حديث جابر فى بيع المدبر، وقد أشار إليه الشافعى فيما
بعد، وحديث أبى جعفر لا يخالفه، لأن ذلك فى بيع رقبته وهذا فى بيع خدمته، ويمكن أن يحمل
بيع المدبر على بيع خدمته. فيتفق الحديثان" اهـ ملخصا (٢٦٥:٢).
وفى التعليق الممجد: "اختلفوا فى جواز بيعه أى المدبر وهبته ونحوهما من التصرفات
الموجبة نقل ملك من مالك إلى مالك بعد ما اتفقوا على جواز الاستخدام والإجارة والوطئ
والتزويج ونحو ذلك، فعندنا لا يجوز بيعه وإخراجه من ملكه، لكونه مستلزما لإبطال حق الحرية
الثابت للمدير جزما، وبه قال مالك وعامة العلماء من السلف والخلف من الحجازيين والشاميين
والكوفيين، وهو المروى عن عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت. وبه قال شريح وقتادة
والأوزاعى والثورى. وقال الشافعى وأحمد وداود بجواز البيع ونحوه وهذا فى المدبر والمطلق،
وأما المقيد وهو الذى علق عتقه بالموت على صفة فيجوز بيعه عندنا أيضا" اهـ ملخصا (٣٥٩).
باب أن أولاد المدبرة مدبرة
قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.

٢٩٩
إعلاء السنن
باب الاستیلاد
متی تکون الأمة أم ولد ويحرم بيعها
٣٤٤٤ - عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "لما ولدت مارية إبراهيم قال
رسول الله عَّ ◌ُّ: ((أعتقها ولدها)). رواه قاسم بن أصبغ فى كتابه، وقال ابن القطان:
"يإسناد جيد" (زيلعى ٦٣:٢). وفى "الجوهر النقى" (٢٧١:٢): "قال ابن حزم: هذا
خبر جيد السند، كل رواته ثقة، وقال فى كتاب البيوع: صحيح السند" اهـ ..
٣٤٤٥ - عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى معَّ، قال: ((من وطئ أمته
فولدت له فهى معتقة عن دبر منه)). رواه أحمد وابن ماجه (نيل الأوطار ٣٧٢:٥).
وحسنه فى "الجامع الصغير" بالرمز (١٥٦:٢).
٣٤٤٦- حدثنا أبو بكر الشافعى نا قاسم بن زكريا المقرئ نا محمد بن عبد الله
المخرمى القاضى نا يونس بن محمد من أصل كتابه نا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله
ابن دينار عن ابن عمر: ((أن النبى معَّ نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: لا يبعن
ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما دام حيا، فإذا مات فهی حرة». رواه
الدار قطنى (٢: ٤٨١) وفى "الجوهر النقى" (٢٧٠:٢): "ذكره ابن القطان فى باب
الأحاديث التى ضعفها عبد الحق، وعند ابن القطان أنها صحيحة أو حسنة، وقال ابن
القطان: وعندى أن الذى يسنده ثقة خير من الذى وقفه".
باب متی تکون الأمة أم ولد و یحرم بيعها
قوله: عن ابن عباس رضى الله عنه إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب
ظاهرة.
قوله: "عن ابن عباس فى ثانى أحاديث الباب" إلخ. قد تكلم على هذا الحديث فى "نيل
الأوطار" بكلام يدل على ضعفه، لكن قد عرفت مرارا أن الاختلاف لا يضر، على أن ذلك الكلام
من جهة حسين بن عبد الله الهاشمى وهو ليس ضعيفا مطلقا، بل هو مختلف فيه، فى "تهذيب
التهذيب" (٣٤٢:٢): "قال ابن عدى: أحاديثه يشبه بعضها بعضا، وهو ممن يكتب حديثه، فإنى
لم أجد فى حديثه حديثا منكرا قد جاوز المقدار" اهـ. ودلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: "حدثنا أبو بكر" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.

٣٠٠
متی تکون الأمة أم ولد ويحرم بيعها
ج - ١١
٣٤٤٧- حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن أبى أويس ثنا أبى عن حسين بن عبد الله عن
عكرمة عن ابن عباس عن النبى معَّ له. قال: ((أيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات
إلا أن يعتقها قبل موته)). رواه أبو يعلى الموصلى فى مسنده (زيلعى ٦٤:٢)، ورجاله
رجال مسلم إلا حسينا وهو مختلف فيه.
٣٤٤٨- عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلمانى: "سمعت عليا
رضى الله عنه يقول: اجتمع رأيى ورأى عمر فى أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم رأيت
بعد أن يبعن، قال عبيدة: فقلت له، فرأيك ورأى عمر رضى الله عنه فى الجماعة أحب
إلى من رأيك وحدك فى الفرقة". رواه عبد الرزاق وهذا الإسناد معدود فى أصح
الأسانيد (التلخيص الحبير ٤١٥:٤).
٣٤٤٩- وفيه أيضاً ما محصله: "أن عليا رضى الله عنه رجع من رأيه الثانى"،
أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح.
قوله: "حدثنا زهير" إلخ. قلت: زهير هذا هو زهير بن حرب من رجال الصحيحين ثقة،
كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٧٢:٣ إلى ٣٧٤). وإسماعيل هذا أيضا من رجال الصحيحين
مختلف فيه، كما فى "تهذيب التهذيب" (٣١٠:١ و٣١١ و٣١٢). وأبو أويس هذا عبد الله بن
عبد الله بن أويس مختلف فيه، وهو من رجال مسلم، كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٨٠:٥).
وحسين بن عبد الله قد مر فى حاشية أول أحاديث الباب أنه مختلف فيه، وبقية رجاله رجال
الجماعة، فالسند رجاله كلهم من رجال مسلم إلا حسينا فإنه من رجال الترمذى وابن ماجه.
قوله: "عن معمر" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. وقد روى
أبو داود وسكت عنه (١٩٥:٢) عن جابر بن عبد الله، قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول
الله عٍَّ وأبى بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا" اهـ. ورواه ابن حبان والحاكم(١). قال البيهقى:
"ليس فى شىء من الطرق أنه اطلع على ذلك وأقرهم عليه عّ لٍّ". قلت: "نعم! قد روى ابن أبى
شيبة فى "مصنفه" من طريق أبى سلمة عن جابر ما يدل على ذلك يحتمل أن يكون بيع الأمهات
کان مباحا ثم نهى عنه مێے فى آخر حياته، ولم يشتهر ذلك النهى، فلما بلغ عمر نهاهم" انتهى ما
فى "التلخيص الحبير" ملخصا (٤١٥:٢). قلت: وقضيته فى ذلك كقضية المتعة والإكسال، فإن
(١) وقال: على شرط مسلم، كما فى الزيلعى (٦٥:٢).