Indexed OCR Text

Pages 201-220

ج - ١١
المطلقة فى مرض موت الزوج ترث منه
٢٠١
له: طلق عبد الرحمن بن عوف ابنة الأصبغ الكلبية فبتها، ثم مات، فورثها عثمان رضى
الله عنه فى عدتها، رواه عبد الرزاق فى مصنفه (التلخيص الحبير ٢: ٣٢١). قلت:
رجاله رجال الجماعة وإسناده صحيح.
ما نقلناه عن جماعة من الصحابة، ولأنه يوافق القياس، فإنه لا يبقى للنكاح أثر بعد انقضاء العدة،
فكيف ترثه؟ والتوجيه اللطيف المطبق بين الأثرين هو ما ألقى فى روعى الآن: أن من روى فى
عدتها فمراده أن عبد الرحن مات فى عدتها واستحقت الورثة عنه فيها. ومن روى بعد انقضاء
عدتها فمراده أن عثمان رضى الله عنه حكم لإعطاء نصيبها من التركة بعد انقضاء عدتها، والفصل
بين الاستحقاق وبين الحكم وقع لعذر فتدبر. ولله الحمد فى الأولى والآخرة.
فإن قلت: قال مالك فى الموطأ (٢٠٨): "أنه سمع ربيعة بن أبى عبد الرحمن يقول: بلغنى
أن امرأة عبد الرحمن بن عوف سألته أن يطلقها، فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنينى فلم تحض
حتى مرض عبد الرحمن بن عوف. فلما طهرت آذنته، فطلقها البتة أو تطليقة لم یکن بقی له عليها
من الطلاق شىء غيرها. وعبد الرحمن بن عوف يومئذ مريض، فورثها عثمان ابن عفان منه بعد
انقضاء عدتها" اهـ. وربيعة هذا تابعى جليل ثقة من رجال الجماعة، كما فى "تهذيب التهذيب"
(٢٥٨:٣). فهذا يدل على أنها لو طلقت بسؤالها الطلاق لا تحرم عن الإرث. وفى "الهداية"
(٣٧١:٢): "وإن طلقها بأمرها إلى أن قال: ثم مات وهى فى العدة لم ترثه، لأنها رضيت بإبطال
حقها، والتأخير لحقها" اهـ. فما الجواب عنه؟ قلت: قول ربيعة: إن امرأة عبد الرحمن سألته أن
يطلقها رواية بالمعنى وأصل القصة ما رواه ابن سعد قال: أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا إبراهيم بن
سعد عن أبيه عن جده، قال: "كان فى تماضر(١) سوء خلق. وكانت على تطليقتين. فلما مرض عبد
الرحمن جرى بينه وبينها شىء، فقال لها: والله لئن سألتنى الطلاق لأطلقنك. فقالت: والله
لأسئلنك. فقال: أما لا(٢) فأعلمينى إذا حضت وطهرت. فلما حاضت وطهرت أرسلت إليه تعلمه.
قال: فمر رسولها ببعض أهله، فقال: أين تذهب؟ قال: أرسلتنى تماضر إلى عبد الرحمن أعلمه أنها
(١) كانت ابنة الملك أبوها الأصبغ عمرو بن ثعلبة الكلبى ملكهم. وهى أم أبى سلمة ابن عبد الرحمن الذى عداده فى الفقهاء السبعة
لأهل المدينة، كان ثقة فقيها كثير الحديث من سادات قريش، أفقه أهل بلاده. تزوجت أمه تماضر بعد موت أبيه الزبير بن
العوام، فأقام عندها سبعا، فلم يلبث أن طلقها. فكانت تقول للنساء: إذا تزوجت إحداكن فلا يغرنها السبع بعد ما صنع بى
الزبير. كذا فى الإصابة، المؤلف.
(٢) أى إن لم تنهى عن سوء الخلق ومبادرة الجواب.

٢٠٢
إعلاء السنن
أبواب الرجعة
باب استحباب الاستئذان للدخول على المرأة المطلقة الرجعية
٣٢٩٨- عن عبيد الله بن عمر عن نافع: "أن ابن عمر طلق امرأته تطليقة فكان
حاضت ثم طهرت. قال: ارجع إليها فقل لها: لا تفعلى فوالله ما كان ليرد قسمه. فقالت: أنا والله
لا أرد قسمى. قال: فأعلمه فطلقها". كذا فى "الإصابة" (٣٣:٨). وهذا سند صحيح موصول،
وفيه أنها لم تزد على حلفها بقولها، "والله لأسألنك شيئا". ومجرد الحلف ليس بسؤال، وبعد
ذلك لم تصرح بسؤال الطلاق. وإنما أعلمته بحيضها وطهرها لقول عبد الرحمن لها: فأعلمينى إذا
حضت وطهرت. ومثل ذلك ليس بسؤال للطلاق صريحا. وإن دل عليه بالالتزام، فلا يرد به على
الحنفية شىء كيف؟ وقد أجمعوا على أن المريض إذا طلق امرأته طلاقا بائنا فماتت هى قبله فى العدة
لا يرثها، ويبطل حقه لرضاه بحرمانه، فكذا لا ترثها هى إذا رضيت بحرمانها، حيث سألته
الطلاق، أو اختلعت منه، أو مكنت ابنه من نفسها، فقد رضيت بإبطال حقها. وأخرج ابن عساكر
فى تاريخه من حديث هشام بن عروة عن عبد الرحمن: "أنه طلق امرأته فى مرضه فقال له عثمان:
أُما أُنك إن مت ورثتها.
فقال له عبد الرحمن: أما أنى لا أجهل ذلك، ولكنى كانت على يمين. فمات فورثها منه
عثمان". كذا فى "الجوهر النقى" (١١٩:٢). وفيه دلالة على أن عبد الرحمن إنما طلقها ليمينه لا
لسؤالها الطلاق صريحا، وإلا لم يقل: كانت على يمين، بل قال: إنما طلقتها بسؤالها هذا. وقال ابن
حزم: وروينا من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه: "أن عبد الرحمن بن عوف
طلق امرأته ثلاثا فى مرضه، فقال له عثمان: لئن مت لأورثنها منك. فقال: قد علمت. فمات فى
عدتها فورثها عثمان". كذا فى الجوهر النقى أيضا. وفيه تأييد لما قلنا أولا أن موت عبد الرحمن
كان فى عدتها ولعل القضاء بتوريثها قد تأخر لعذر ما، فرواه بعض الرواة بالمعنى، وقال ورثها
عثمان بعد عدتها، أى قضى بذلك بعدها وقد استحقت قبله فافهم. والله تعالى أعلم.
باب استحباب الاستئذان للدخول على المرأة المطلقة الرجعية
قوله: "عن عبيد الله بن عمر" إلخ. قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب ظاهرة. وقلنا
بالاستحباب لأن النكاح قائم، فيجوز له أن ينظر إليها. والوجه ما ذكره فى "الهداية" (٣٧٩:٢):
"معناه (أى كلام القدورى ويستحب إلخ) إذا لم تكن ممن قصده المراجعة، لأنها ربما يكون مجردة

٢٠٣
ج - ١١
الرجعة فى الطلاق
يستأذن عليها إذا أراد أن يمر". رواه عبد الرزاق (الجوهر النقى ٢: ١٢١). قلت: رجاله
رجال البخارى.
فيقع بصره على موضع يصير به مراجعا، ثم يطلقها فتطول عليه العدة" اهـ. وفى "الجوهر النقى":
وقال ابن حزم: وإذ هى زوجته جاز أن ينظر منها إلى ما كان ينظر قبل أن يطلقها، وأن يطأها إذ لم يأت نص
يمنعه من شىء من ذلك. وقد سماه الله تعالى بعلا، فقال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ (١٢١:٢).
قلت: واستدلال البيهقى بأثر ابن عمر، ورواه بلفظ "أن ابن عمر طلق امرأته، فكان يسلك
الطريق الآخر كراهية أن يستأذن عليها، لمذهبه على أن الرجعية محرمة عليه تحريم المبتوتة حتى
يراجعها" وذكر عن عطاء وعمرو بن دينار قالا: "لا يحل له منها شىء". قال ابن التر كمانى
"رجح إمام الحرمين أن الطلاق الرجعى لا يزيل الملك. واستدل على ذلك النووى فى الروضة
بوقوع الطلاق وصحة الإيلاء والظهار واللعان وثبوت الإرث وصحة الخلع وعدم الإشهاد على
الأظهر فيهما، واشتهر لفظ الشافعى: أن الرجعية زوجة فى خمس آيات من كتاب الله تعالى، وقال
ابن حزم: وروينا عن الحكم بن عتيبة وسعيد بن المسيب أن الوطئ رجعة. وصح هذا عن النخعى
وطاوس والحسن والزهرى وعطاء (دل هذا على ضعف ما ذكره البيهقى عن عطاء). ورويناه عن
الشعبی، وروى عن ابن سيرين وهو قول الأوزاعى وابن أبى ليلى.
٣
وقال مالك: إن نوى بالنكاح (الجماع) الرجعة فهو رجعة انتهى كلامه، وفى نوادر الفقهاء
لابن بنت نعيم: أجمع الفقهاء على أن الجماع فى العدة رجعة إلا الشافعى قال: ليست رجعة.
وروى الطحاوى بسنده عن إبراهيم النخعى والشعبى قالا: إذا جامع ولم يشهد فهى رجعة. وعن
النخعى غشيانه لها فى العدة مراجعة وعن الحكم وعطاء مثله. قال الطحاوى: ولا نعلم لمخالف هذا
القول إماما كأحد من هؤلاء. وحكى صاحب "الاستذكار" عن الشافعى: أنه إن جامعها فليس
برجعة، ولها عليه مهر المثل. قال: ولا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل غيره. وليس قوله بالقوى،
لأنها فى حكم الزوجات، وترثه ويرثها، فكيف يجب مهر بوطئه امرأة فى حكم الزوجة؟ وروى
عن على: أنه قال: لتشوف له. وكان جماعة من فقهاء التابعين يأمرون الرجعية أن تتزين وتتعرض
لزوجها، انتهى كلامه. ولم يكن لابن عمر مقصود فى الاستئذان عليها، ولو أراده جاز له فكما
لا يلزم من تركه الاستئذان امتناعه، فكذا لا يلزم منه امتناع الوطئ لو أراده". ثم ذكر الأثر المذكور
فى المتن (١٢١:٢).

٢٠٤
إعلاء السنن
باب أن التسريح طلاق ثالث
٣٢٩٩- نا القاضى الحسين بن إسماعيل نا عبد الله بن جرير بن جبلة نا عبد الله
ابن عائشة نا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس: "أن رجلا قال: يا رسول الله! أليس
قال الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان؟﴾ فلم صار ثلاثا؟ قال: ﴿إمساك بمعروف أو تسريح
بإحسان﴾". رواه الدارقطنى (٢: ٤٢٦). قال ابن القطان: "صحيح"، عبيد الله بن
محمد بن جعفر يعرف بابن عائشة، ثقة أحد الأجواد، وعبيد الله بن جرير بن جبلة بن
أبئ رواد قال الخطيب: كان ثقة". كذا فى (الجوهر النقى ٢: ٤٢٦).
٣٣٠٠- عن أبى رزين الأسدى: يقال "جاء رجل إلى النبى عرّ ◌ُّه فقال له: أرأيت
قول الله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. قال: فأين الثالثة؟ قال:
تسريح بإحسان الثالثة". رواه أبو داود فى "المراسيل" (ص ٢). وقد سكت عنه.
باب استحباب الإشهاد على الرجعة والطلاق
٣٣٠١- عن عمران بن حصين رضى الله عنه: "أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته
ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها. فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت
لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها. ولا تعد". رواه أبو داود وابن ماجه
ولم يقل: "ولاتعد". وأخرجه أيضا البيهقى والطبرانى، وزاد: "استغفر الله". قال
الحافظ فى "بلوغ المرام": "وسنده صحيح" (نيل ٦: ١٨٠).
باب أن التسريح طلاق ثالث
قال المؤلف: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة. وفى سند الحديث المسند كلام غير مضر،
ذكره فى "التلخيص الحبير" (٣١٧:٢).
باب استحباب الإشهاد على الرجعة والطلاق
قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب ظاهرة. وأخذ الاستحباب من قول عمران رضى الله عنه:
"طلقت بغير سنة" إلخ. فلم يجب وهذا القول مجمل يحتمل أن تكون سنة مؤكدة، وأن تكون
مستحبة، والأدنى متيقن، فأخذ به. وفى "النيل" (١٨٠:٦): "ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه
قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد فى الطلاق، كما حكاه الموزعى فى "تيسير البيان".
والرجعة قرينته فلا يجب فيها كما لا يجب فيه" اهـ.

ج - ١١
٢٠٥
فصل فيما تحل به المطلقة
باب أن المطلقة المغلظة تحل إذا نكحت من زوج غير الأول وجامع الثانى ثم أبانها
٣٣٠٢- عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى
النبى معَّ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقنى، فبت طلاقى، فتزوجت بعده عبد الرحمن
ابن الزبير. وإنما معه مثل هدبة الثوب. فقال: أ تريدين أن ترجعى إلي رفاعة؟ لا، حتى
تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك)). رواه الجماعة لكن لأبى داود معناه من غير تسمية
الزوجين (نيل الأوطار ٦: ١٨٠).
٣٣٠٣- عن عائشة رضى الله عنها: "أن عمرو بن حزم طلق العميصاء، فنكحها
رجل فطلقها قبل أن يمسها، فسألت النبى مّبه. فقال: لا! حتى يذوق الآخر عسیلتها
وتذوق عسيلته". رواه الطبرانى بإسناد رجاله ثقات (نيل الأوطار ٦: ١٨١).
٣٣٠٤- عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: "سئل النبى عّ لّه عن الرجل يطلق
امرأته ثلاثا. فيتزوجها الرجل فيغلق الباب، ويرخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها،
لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر". رواه النسائى، وقال: هذا أولى بالصواب (أى من
الذی قبله فى السنن باعتبار السند).
٣٣٠٥- عن عائشة رضى الله عنها: "أن النبى عّ لّه قال: العسيلة هى الجماع".
رواه أحمد والنسائى (نيل الأوطار ٦: ١٨١). وفيه أيضا: أخرجه أيضا أبو نعيم فى
باب أن المطلقة المغلظة تحل إذا نكحت من زوج غير الأول وجامع الثانی ثم أبانها
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: دلالته والذين بعده على الباب ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" إلخ. برواية أحمد والنسائى إلخ.
قلت: سند الإمام أحمد فى مسنده هكذا: حدثنا مروان ثنا أبو عبد الملك المكى قال: ثنا عبد
الله بن أبى مليكة عن عائشة إلخ (٦٢:٦).
قال بعض الناس: " وهذا سند رجاله رجال الجماعة إلا أبا عبد الملك. فإنه روى عنه البخارى
(فى الأدب). فى "تهذيب التهذيب" (١٥٦:١٢): أبو عبد الملك بخ (أى روى عنه البخارى فى
"الأدب"). مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر حجازى، روى عن مولاته وأبى هريرة، وعنه
على بن العلاء الخزاعى اهـ. وفى التقريب: مجهول ٣٠٤). وعلى بن العلاء الخزاعى من رجال

٢٠٦
بما تحل به المطلقة
إعلاء السنن
الحلية. قال الهيثمى: فيه أبو عبد الملك لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. قلت:
حسنه العلامة السيوطى فى "الجامع الصغير" (٢: ٦٨). ونجيب عن الجرح فى الحاشية.
البخارى (أى فى الأدب) مقبول كما فى التقريب أيضا. ومروان هذا الظاهر أنه مروان بن معاوية،
فقد ثبت أن أبا عبد الملك روى عنه ثقتان من رجال البخارى ترتفع به جهالة الحال عند الدار قطنى
إمام الحديث. ففى "التعليق الحسن" قال السخاوى فى "فتح المغيث": قال الدارقطنى: من روى
عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته انتهى (٧٨:١). فالحديث سالم عن الجرح ودلالته
على تفسير العسيلة ظاهرة اهـ.
قلت: قاتل الله الجهل! فما أقبحه بالرجل! وإن من العلم إذا كان الرجل لا يدرى أن يقول:
لا أدرى! وكيف يكون مروان بن معاوية الفزارى، وهو من الطبقة الثامنة يروى عن أبى عبد الملك
مولى أم مسكين، خالة عمر بن عبد العزيز زوجة يزيد بن معاوية، وهو من الثالثة؟ وأبو عبد الملك
شيخ مروان بن معاوية الفزارى. ذكره الحافظ فى تعجيل المنفعة. وقال: "أبو عبد الملك المكى عن
عبد الله بن أبى مليكة عن عائشة فى العسيلة. وعنه مروان، قلت: هو شيخ أحمد فیه، وهو ابن
معاوية الفزارى، وهو معروف بتدليس الشيوخ" اهـ، (٥٠٠). وفيه دلالة أن أبا عبد الملك هذا من
مجهولى شيوخ مروان ومدلسيه. ولو كان هو مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر لصرح به
الحافظ. ولم يقل ما قال، فافهم. وكن من الشاكرين، ولعل الحافظ السيوطى حسنه لما له من
الشواهد. وأيضا فهو صحيح على قاعدة ابن حبان التى ذكرناها مرارا. وهى أن المجهول إذا روى
عن ثقة، والراوى عنه ثقة أيضا، ولم يأت بمنكر فهو عنده ثقة. والله تعالى أعلم.
وفى "فتح البارى" (٤١٢:٩): "ونقل ابن العربى عن بعضهم أنه أورد على حديث الباب
ما ملخصه: أنه يلزم من القول به إما الزيادة بخبر الواحد (١) على ما فى القرآن، فيستلزم نسخ القرآن
(١): قال بعض الناس: "فلا يصح ما قال صاحب الهداية وشرح الوقاية من أنه مشهور. فإنهم ليسوا من أهل الفن. ولكل فن رجال"
اهـ. قلت: قال أبو بكر الجصاص الرازى فى أحكام القرآن له بعد ما ذكر الأخبار فى أنها لا تحل للأول حتى يطأها الثانى ما
نصه: "وهذه أخبار قد تلقاها الناس بالقبول واتفق الفقهاء على استعمالها، فهى عندنا فى حيز التواتر. ولا خلاف بين الفقهاء
فى ذلك إلا شىء يروى عن سعيد المسيب، ولم تعلم أحدا تابعه عليه فهو شاذ" اهـ (٣٩٠:١). وفيه أيضا فى موضع آخر
(٣٨٦:١): " وقد استعملت الأمة هذين الحديثين وإن كان وروده من طريق الآحاد، فصار فى حيز التواتر؛ لأن ما تلقاه الناس
بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا فى معنى التواتر، لما بيناه فى مواضع" اهـ. فاعتراض بعض الناس على صاحب الهداية
منشأه عدم معرفته باصطلاح القوم.

ج - ١١
٢٠٧
باب كراهة النكاح بشرط التحليل
٣٣٠٦- عن عبد الله بن مسعود قال: ((لعن رسول الله عَّ له المحلل والمحلل له)).
رواه الترمذى وقال: حسن صحيح (١: ١٣٣).
٣٣٠٧- عن عقبة بن عامر رفعه: "ألا أخبركم بالتيس المستعارة؟ قالوا: بلى!
قال: هو المحلل. لعن الله المحلل والمحلل له". رواه ابن ماجه، ورواته موثقون (دراية
٢٢٩). قال عبد الحق فى "أحكامه": إسناده حسن (زيلعى ٢: ٣٨).
بالسنة التى لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، مع ما فيه من الإلباس.
والجواب عن الأول: أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخا
ولا زيادة. وعن الثانى: إن النكاح فى الآية أضيف إليها وهى لا تتولى العقد بمجردها، فتعين أن
المراد به فى حقها الوطئ. ومن شرطه اتفاقا أن يكون وطأ مباحا، فيحتاج إلى سبق العقد، ويمكن أن
يقال: لما كان اللفظ محتملا للمعنيين بينت السنة أنه لا بد من حصولهما" اهـ.
باب كراهة النكاح بشرط التحليل
قوله: "عن عبد الله بن مسعود" إلخ. قال المؤلف: الحديث ليس محمولا على الإطلاق وإلا
لزم أن يكون المزوج والواهب والبائع ملعونين، فإنهم يحللون لشخص شيئا كان حراما عليه قبل.
والأمر ليس كذلك فالملعون هو المحلل الخاص وهو الذى يشترط ذلك فى العقد. والنية لا اعتبار لها
فى هذه الباب ولا يمكن الاستدلال بالحديث على بطلان النكاح، فإنه معد ◌ّ لما جعله محللا علم أن
العقد قد صح، وإلا فكيف يكون محللا؟ فالنكاح يصح ويكره. وفى "فتح القدير" (٣٤:٤):
قوله: "بشرط التحليل أى بأن يقول تزوجتك على أن أحللت له، أو تقول هى ذلك، فهو مكروه
كراهة التحريم" اهـ. ودلالته على الباب ظاهرة. وكذا دلالة الذى بعده، والأثران اللذان فى آخر
الباب يدلان على الباب تأسيسا إن صحا، تأييدا إن ضعفا.
وأما ما فى "الدراية" (٢٢٩): "عن عمر بن نافع عن أبيه: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن
رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ قال: لا! إلا نكاح رغبة، كنا
نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله مرّ ة ". صححه الحاكم. وفى "كنز العمال" (١٧٠:٥):
"
"عن ابن عباس رضى الله عنه قال: سئل رسول الله عَ ليه عن المحلل، قال: لا! إلا نكاح رغبة،
لا نكاح دلسة، لا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة" رواه ابن جرير فى "تهذيب الآثار"،

٢٠٨
كراهة النكاح بشرط التحليل
إعلاء السنن
٣٣٠٨- عن ابن سيرين: "أن امرأة طلقها زوجها ثلاثا، وكان مسكين أعرابى
يقعد بباب المسجد، فجاءته امرأة فقالت: هل لك فى امرأة تنكحها فتبيت معها الليلة
وتصبح فتفارقها؟ فقال: نعم! فكان ذلك. فقالت له امرأته: إنك إذا أصبحت فإنهم
سيقولون لك: فارقها. فلا تفعل ذلك، فإنى مقيمة لك ما بدا لى وذهب إلى عمر. فلما
أصبحت أتوه وأتوها فقالت: كلموه. فأنتم جئتم به. فكلموه فأبى فانطلق إلى عمر.
فقال: الزم امرأتك، فإن رابوك بريب فأتينى وأرسل إلى المرأة التى مشت لذلك، فنكل
بها، ثم كان يغدو على عمر ويروح فى حلة. فيقول: الحمد لله الذى كساك يا ذا
الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح". رواه الشافعى والبيهقى (كنز العمال ١٧٠).
فهو محمول على النكاح الموقت المشروط بالتحليل، أو على الزجر دلالة على الطريق الأولى
والأحسن فافهم.
وقال من ذهب إلى صحة نكاح المحلل: إن الله تعالى قال: "فلا تحل له من بعد حتى تنكح
زوجا غيره". وهذا زوج قد عقد بمهر وولى ورضاها وخلوها عن الموانع الشرعية، وهو راغب فى
ردها إلى زوجها الأول فيدخل فى حديث ابن عباس: أن رسول الله عّ لّه قال: "لا، إلا نكاح
رغبة"، وهذا نكاح رغبة فى تحليلها للمسلم، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾.
والنبى عَّ ◌ُلّ إنما شرط فى عودها إلى الأول مجرد ذوق العسيلة، فالعسيلة حلت له بالنص. وأما
لعنه عَِّ للمحلل فلا ريب أنه لم يرد كل محلل، ومحلل له. فإن الولى محلل لما كان حراما قبل
العقد. والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع أمته محلل للمشترى وطئها، فإن قلنا العام إذا
خصص صار مجملا فلا احتجاج بالحديث. وإن قلنا هو حجة فيما عدا محل التخصيص فذلك
مشروط ببيان المراد منه ولسنا ندرى المحلل المراد من هذا النص، أ هو الذى نوى التحليل؟ أو شرطه
قبل العقد؟ أو شرطه فى صلب العقد؟ ووجدنا كل من تزوج مطلقة ثلاثا فإنه محلل، ولو لم
يشترط التحليل أو لم ينوه، فإن الحل حصل بوطئه وعقده. ومعلوم قطعا أنه لم يدخل فى النص
فعلم أن النص إنما أراد به من تزوج المطلقة بطريق العارية لأجل التحليل بأن يقال له: "تزوج هذه،
وبت عندها ليلة، ثم طلقها لتحل لزوجها الأول". ويدل على ذلك قوله معرّ ◌ُله: "ألا أخبركم
بالتيس المستعار"؟ فإن المستعار ما يصرح بكونه عارية، وما لا فلا، لا سيما إذا صرح بما يفيد الملك
المستمر كلفظ النكاح. وقال ابن حزم: ليس الحديث (لعن المحلل والمحلل له) على عمومه فى كل
محلل. إذ لو كان كذلك لدخل فيه كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض المحللين. وهو

ج - ١١
كراهة النكاح بشرط التحليل
٢٠٩
٣٣٠٩- عن ابن سيرين: "أن رجلا طلق امرأته، وأمر رجلا يقال له ذو الخرقتين
أن يتزوجها ليحلها له، فمكث ثلاثا لا يخرج، ثم خرج وعليه ثوب، فقال له الرجل:
أين ما قاولتك عليه؟ فأبى أن يطلقها فأتى فى ذلك عمر بن الخطاب. فقال: الله رزق ذا
الخرقتين، وأمضى نكاحه". رواه ابن جرير فى "تهذيب الآثار" (كنز العمال ١٧٠)
٣٣١٠- وصح عن عطاء (أى ابن رباح وهو الظاهر) فيمن نكح امرأة محللا
ثم رغب فيها فأمسكها. قال: لا بأس بذلك. قاله ابن القيم فى "إعلام الموقعين" (نيل
الأوطار ٦: ٥٠).
من أحل حراما لغيره بلا حجة. فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك. لأنهم لم يختلفوا فى أن
الزوج إذا لم ينو تحليلها للأول ونوت هى أنها لا تدخل فى اللعن. فدل على أن المعتبر الشرط انتهى
(التلخيص الحبير ٣٠٢:٢).
قالوا: ولا يلزم من كون المحلل الذى نكح بالشرط ملعونا بطلان النكاح الذى عقده
بالشرط، فكم من ملعون فى فعله يلزمه أثر فعله، كمن أمسك امرأة ضرارا ليعتدى عليها. فقد عده
الله ظالما ولا يلزم منه بطلان إمساكه وفساد نكاحه. قالوا: وقد روى عبد الرزاق بسنده أن امرأة
أرسلت إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها. فأمره عمر بن الخطاب أن يقيم معها ولا يطلقها،
وأوعده أن يعاقبه إن طلقها، كذا فى نيل الأوطار (٤٩:٤)، ولم يعله بشىء، فصحح عمر نكاحه
ولم يأمره باستئنافه. وقد روى عبد الرزاق أيضا عن عروة بن الزبير: "أنه كان لا يرى بأسا
بالتحليل إذا لم يعلم أحد الزوجين". قال ابن حزم: وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد.
كذا فى "النيل" أيضا (٥٠:٦).
وقال العينى فى "العمدة": "قال ابن بطال: اختلفوا فى عقد نكاح المحلل. فقال مالك:
لا يحلها إلا بنكاح رغبة. فإن قصد التحليل لم يحلّها، سواء علم الزوجان بذلك أو لم يعلما. وهو
قول الليث وسفيان بن سعيد والأوزاعى وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعى: النكاح
جائز، وله أن يقيم على نكاحه أو لا. وهو قول عطاء والحكم. وقال القاسم وسالم وعروة
والشعبى: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم بذلك الزوجان، وهو مأجور بذلك. وهو قول
ربيعة ويحيى بن سعيد. وذهب الشافعى وأبو ثور إلى أن النكاح الذى يفسد هو الذی یعقد علیه
فى نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوجها ليحللها ثم يطلقها. ومن لم يشترط ذلك فهو عقد صحيح.

٢١٠
إعلاء السنن
باب أن المرأة إذا عادت إلى الزوج الأول عادت بتطليقات ثلاث
٣٣١١- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن سعيد بن جبير، قال: "كنت جالسا عند
عبد الله بن عتبة بن مسعود إذ جاءه رجل أعرابى يسأله عن رجل طلق امرأته تطليقة أو
تطليقتين، ثم انقضت عدتها، فتزوجت زوجا غيره فدخل بنها، ثم مات عنها، أو طلقها،
ثم انقضت عدتها، وأراد الأول أن يتزوجها، على كم هى عنده؟ قال: فقال لى: أجبه!
ثم قال: ما يقول ابن عباس رضى الله عنهما فيها؟ قال: فقلت له: يهدم الواحدة والثنتين
والثلاث. قال: سمعت من ابن عمر فيها شيئا؟ قال: فقلت: لا! قال: إذا لقيته فاسأله ...
قال: فلقيت ابن عمر، فسألته عنها. فقال فيها مثل قول ابن عباس". رواه الإمام محمد
فی " کتاب الآثار"، وقال الزیلعى (٢: ٣٠٩): أثر جيد.
وروی بشر بن الوليد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة مثله. وروى أيضا عن محمد عن يعقوب عن
أبى حنيفة: أنه إذا نوی الثانی تحلیلھا للأول لم يحل له ذلك (کما قال مالك) وهو قول أبى يوسف
ومحمد. وروى الحسن بن زياد عن زفر عن أبى حنيفة: إن شرط عليه فى نفس العقد أنه إنما
يزوجها ليحلها للأول فإنه نكاح صحيح، ويحصنان به، ويبطل الشرط، وله أن يمسكها. فإن طلقها
حلت للأول. (قلت: وقد مر عن عمر ما يدل على صحة هذا القول) ثم أجاب العينى عن حديث
لعن المحلل والمحلل له: بأن لفظ المحلل يدل على صحة النكاح، لأن المحلل هو المثبت للحل فلو كان
فاسدا لما سماه محللا، ولا يدخل أحد منهم تحت اللعنة إلا إذا قصد الاستحلال. أما أثر عمر الذى
رواه ابن أبى شيبة (بلفظ: "لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما"، كما فيه أيضا) فقال
الطحاوى: هو محمول على التشديد والتغليظ" اهـ (٥٤١:٩). قلت: وكذا أثر ابن عمر الذى مر
بلفظ: "كنا نعده سفاحا". أو يحملان على النكاح المواقيت بليلة أو ليلتين. والله تعالى أعلم.
... باب أن المرأة إذا عادت إلى الزوج الأول عادت بتطليقات ثلاث
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وقد روى الإمام
محمد فى "الموطأ" (٢٥٤) أخبرنا مالك أخبرنا الزهرى عن سليمان بن يسار وسعيد بن المسيب :
عن أبى هريرة رضى الله عنه، أنه استفتى عمر بن الخطاب فى رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين،
وتركها حتى تحل، ثم تنكح زوجا غيره، فيموت أو يطلقها، فيتزوجهنا زوجها الأول، على كم
هى؟ قال عمر: هى على ما بقى من طلاقها" اهـ. ورجاله رجال الصحيح قال محمد: وبه نأخذ

٢١١
ج - ١١
أبواب الإيلاء
باب أن الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتد عدة المطلقة
٣٣١٢- أخرج الطبرى بسند صحيح عن ابن مسعود وبسند آخر لا بأس به عن
على رضى الله عنه: "إن مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت طلقة بائنة". وبسند حسن
عن على رضى الله عنه وزيد بن ثابت مثله (فتح البارى ٣٧٧:٩) وعن جماعة من
التابعين من الكوفيين ومن غيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن
سيرين مثله (فتح)
وروى البيهقى من طريق الحكم بن عتيبة عن يزيد بن جابر عن أبيه، أنه سمع على بن أبى طالب
يقول: هى على ما بقى. كما فى "الدراية" (٢٢٩). ويزيد بن جابر وأبوه لم أطلع عليهما. ولكن
الأثر الأول صحيح. وإليه ذهب الجمهور والأئمة الثلاثة. (ومحمد بن الحسن منا). وذهب أبو
حنيفة (وأبو يوسف وبعض الصحابة (كابن عباس وابن عمر) وبعض التابعين إلى أن الزوج الثانى
يهدم الثالث وما دونه. كذا فى شرح الزرقانى على "الموطأ" (٦٩:٣). وفى "الجوهر النقى": وبه
قال عطاء وشريح وإبراهيم وميمون بن مهران (١١٩:٢). قال المحقق فى الفتح: فأخذ المشايخ من
الفقهاء بقول شبان الصحابة، وشبان الفقهاء بقول مشايخ الصحابة. والترجيح بالوجه. ثم فصله
بأحسن تفصيل. وقال: ولقد صدق قول صاحب الأسرار: ومسألة خالف فيها كبار الصحابة يعوز
فقهها ويصعب الخروج منها (٣٧:٤). فيا لجرأة بعض الناس! حيث جعل قول عمر خلاف الظاهر
مبانيا للقياس، ولم يدر أن ذلك لا يصلح وجها للرد، بل هو ملزوم للقبول. فإن قول الصحابى فيما
لا يدرك بالرأى فى حكم المرفوع. والحق أن اختلاف الصحابة فيها إنما هو بالرأى، فاختار كل من
الفقهاء ما رجحه الدليل عنده فافهم.
باب أن الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتد عدة المطلقة
قوله: "أخرج الطبرى" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة واختلفت
الروايات عن على رضى الله عنه. ففى "فتح البارى" (٣٧٨:٩): "أخرج سعيد بن منصور من
طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى: شهدت عليا رضى الله عنه أوقف رجلا عند الأربعة بالرحبة إما أن
يفئ وإما أن يطلق. وسنده صحيح" اهـ. قلت: ولكن أكثر الروايات عن على يوافق مذهب ابن
مسعود. قال ابن أبى شيبة: حدثنا حفص ويزيد بن هارون عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن

٢١٢
الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتدعدة المطلقة
إعلاء السنن
٣٣١٣- أخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح عن أبى قلابة أن النعمان بن بشير آلى
من امرأته فقال ابن مسعود رضى الله عنه: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة
(فتح البارى ٩: ٣٧٧). قال صاحب "الاستذكار": لم يختلف فيه عن ابن مسعود وهو
مذهبه المحفوظ عنه (الجوهر النقى ٢: ١٢٣).
٣٣١٤- عن علقمة قال آلى ابن أنس من امرأته فلبث ستة أشهر فبينما هو جالس
فى المجلس إذ ذكر فأتى ابن مسعود فقال: اعلمها أنها قد ملكت أمرها إلى آخره. رواه
ابن أبى شيبة وسنده صحيح (الجوهر النقى ٢: ١٢٢) ورواه الطبرانى عن إبراهيم عن
ابن مسعود بلفظ: قد بانت منك فاخطبها إلى نفسها واصدقها رطلا من فضة. وإسناد
رجاله رجال الصحيح إلا أنه منقطع (مجمع الزوائد ١١٣). ومراسيل إبراهيم صحاح
كما مر غير مرة. ورواه محمد فى "الآثار" (٧٩) عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم
وسیاقه أتم.
٣٣١٥- قال ابن أبى شيبة: ثنا وكيع عن شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن
على، قال: "إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة بائنة" (وهذا سند صحيح غير ما فى سماع الحسن
من على، وقد حققنا فيما مضى أن سماعه منه ثابت). وقال ابن حزم: "روينا من طريق حماد بن
سلمة عن قتادة عن خلاس بن عمرو، أن عليا قال: إذا مضت الأربعة الأشهر فقد بانت منه،
ولا يخطبها غيره". (وهذا سند صحيح أيضا غير ما فى سماع خلاس من على، وقد أثبته بعضهم،
وقال كان على شرطة على). وقال الطحاوى فى "أحكام القرآن": ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا وهب
ابن جرير ثنا شعبة عن سماك ابن حرب عن عطية بن جبير عن أبيه عن على: "أنها تطلق بمضى
المدة". وعطية هذا ذكره ابن حبان فى الثقات، كذا فى "الجوهر النقى" (١٢٣:٣). فالراجح
الصحيح من مذهب على ما تواطأ على نقله الجماعة، دون ما رواه عبد الرحمن بن أبى ليلى عنه.
والله تعالى أعلم.
قوله: ("أخرج ابن أبى شيبة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: عن علقمة إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: "قال ابن أبى شيبة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. حيث
جعل انقضاء المدة طلاقا معزوما عليه:
:

ج - ١١
الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتد عدة المطلقة
٢١٣
عباس قال: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، والفىء الجماع". وهذا إسناد صحيح
(الجوهر النقى ٢: ١٢٣). وأخرج نحوه أبو حنيفة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
(جامع مسانيد الإمام ١٤٦).
٣٣١٦- روى عبد الرزاق فى مصنفه: ثنا معمر عن عطاء الخراسانى عن أبى
سلمة بن عبد الرحمن: أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت كانا يقولان فى الإيلاء:
قوله: "روى عبد الرزاق" إلخ. قال المؤلف: وفى "فتح البارى" (٣٧٨:٩): "أما قول
عثمان فوصله الشافعى وابن أبى شيبة وعبد الرزاق من طريق طاوس، أن عثمان بن عفان كان
يوقف المولى، فأما أن يفىء وإما أن يطلق. وفى سماع طاوس من عثمان نظر، لكن قد أخرجه
إسماعيل القاضى فى الأحكام من وجه آخر منقطع عن عثمان: أنه كان لا يرى الإيلاء شيئا وإن
مضت أربعة أشهر حتى يوقف. ومن طريق سعيد بن جبير عن عمر نحوه. وهذا منقطع أيضا.
والطريقان عن عثمان يعضد أحدهما الآخر، وجاء عثمان خلافه" اهـ. ثم ذكر حديث أبى سلمة
ثم قال: "وقد سئل أحمد عن ذلك فرجح رواية طاوس" اهـ.
قلت: إن كان أراد الترجيح من حيث الإسناد فلا نسلم أن سندين منقطعين أولى من واحد
موصول. وإن كان أراد من حيث الدراية فلا نسلم ترجيح القول بإيقاف المولى، فإن القائلين
بالوقف يثبتون هناك معانى أخر غير مذكورة فى الآية، إذا كانت الآية إنما اقتضت أحد شيئين من
فىء أو طلاق، وليس فيها ذكر مطالبة المرأة، ولا وقف القاضى الزوج على الفىء أو الطلاق.
فلم يجز لنا أن نلحق بالآية ما ليس فيها، ولا أن نزيد فيها ما ليس منها. والقول بالوقف يؤدى إلى
ذلك، ولا يوجب الاقتصار على موجب حكم الآية، وقولنا يوجب الاقتصار عليه من غير زيادة
فكان أولى ومعلوم أيضا أن الله تعالى إنما حكم فى الإيلاء بهذا الحكم لإيصال المرأة إلى حقها من
الجماع أو الفرقة، على معنى قوله تعالى: ﴿فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. ومن قال
بالوقف يقول: إن لم يفئ أمره بالطلاق. فإذا طلق لم يخل من أن يجعله بائنا أو رجعيا. فإن جعله
بائنا فإن صريح الطلاق لا يكون بائنا عند أحد فيما دون الثلاث. وإن جعله رجعيا فلاحظ للمرأة
فى ذلك، لأنه متى شاء راجعها. فتكون امرأته كما كانت، فلا معنى لإلزامه طلاقا لا تملك به المرأة
بضعها، وتصل به إلى حقها. (أحكام القرآن للجصاص ٣٦٢:١) ملخصا.
فظاهر الآية موافق للحنفية خلاف ما قاله الإمام الشافعى بما نصه: "ظاهر كتاب الله تعالى".
على أن له أربعة أشهر، ومن كانت له أربعة أشهر أجلا فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضى.

٢١٤
الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتدعدة المطلقة
إعلاء السنن
"إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة واحدة، وهى أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة"
(زيلعى، ٢: ٣٩). ورجاله رجال مسلم، وأبو سلمة هذا لم يسمع من عثمان عند
بعضهم(١). و ثبت سماعه منه عند بعضهم. والاختلاف لا يضر.
فإذا انقضت فعليه أحد أمرين، إما أن يفئ، وإما أن يطلق. فلهذا قلنا لا يلزمه الطلاق بمجرد مضى
المدة حتى يحدث رجوعا أو طلاقا. ثم رجح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به" إلخ
(فتح البارى، ٣٧٨:٩).
والجواب: أن قد علمنا أن حكم الله فى المولى أحد شيئين إما الفىء وإما عزيمة الطلاق.
فوجب أن يكون الفىء مقصورا على الأربعة الأشهر، وأنه فائت بمضيبها فتطلق، لأنه لو كان الفىء
باقيا لما كان مضى المدة عزيمة للطلاق، بل يحتاج إلى الوقف الذى يقتضى إيقاع طلاق بالقول إما
أن يوقعه الزوج وإما أن يطلقها القاضى عليه. وإذا كان كذلك كان وقوع الفرقة بمضى المدة لتركه
الفئ فيها أولى بمعنى الآية، لأن الله تعالى لم يذكر إيقاعا مستأنفا. وإنما ذكر عزيمة، فغير جائز أن
نزيد فيها ما ليس منها. وأيضا فإن الفاء فى قوله: ﴿فإن فاءوا﴾ للتعقيب يقتضى أن يكون الفىء
عقب اليمين دون ما بعد أربعة أشهر، لأنه جعل الفىء لمن تربص له أربعة أشهر دون من قد مضت
عليه أربعة أشهر وإذا كان حكم الفئ مقصورا على المدة ثم فأت بمضيبها وجب حصول الطلاق.
إذ غير جائز له أن يمنع الفىء والطلاق جميعا. ويدل على أن المراد الفىء فى المدة اتفاق الجميع على
صحة الفىء فيها، فدل على أنه مراد فيها. فصار تقديره: فإن فاءوا فيها، وكذلك قرئ فى حرف
عبد الله بن مسعود، فحصل الفىء مقصورا عليها دون غيرها، وتمضى المدة بفوت الفىء، وإذا فات
الفىء حصل الطلاق.
لا يقال: إن قوله: ﴿فإن فاءوا﴾ عطف على التربص فى المدة، فدل على أن الفيء مشروط
بعد التربص وبعد مضى المدة، وأنه متى فاء فيها فإنما عجل حقا لم يكن عليه تعجيله، كمن عجل
دينا مؤجلا. لأنا نقول: لو لا أن الفئ فى المدة مراد الله تعالى لما صح وجوده فيها، وكان يحتاج
بعد هذا الفىء إلى فىء بعد مضيبها. ثم قولك: إن المراد بالفىء إنما هو بعد المدة مع قولك: إن الفيء
اس والرأى.

ج - ١١
الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتدعدة المطلقة
٢١٥
٣٣١٧- أخبرنا معمر، عن قتادة، "أن عليا وابن مسعود وابن عباس قالوا: إذا
مضت أربعة أشهر فهى تطليقة، وهى أحق بنفسها، وتعتد عدة المطلقة" . رواه عبد
الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ٢: ٣٩). ورجاله رجال الجماعة. وقتادة لم يسمع منهم
ولكن الانقطاع لا يضر عندنا لا سيما والروايات عن كل واحد منهم وردت موصولة
أيضا، كما مر فتذكر.
٣٣١٨ - أخرج الطبرى عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة: "الفىء الرجوع
بالقلب واللسان لمن به مانع عن الجماع، وفى غيره بالجماع". ومن طريق أصحاب ابن
مسعود منهم علقمة مثله.
٣٣٢٩- ومن طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس: الفئ الرجوع.
وعن مسروق وسعيد بن جبير والشعبى مثله. والأسانيد بكل ذلك عنهم قوية
"فتح البارى" (٣٧٥:٩).
فى المدة صحيح كهو بعدها، مناقضة منك فى اللفظ، كقولك: إنه مراد فى المدة غير مراد فيها.
والدين المؤجل لا يخرجه التأجيل من حكم اللزوم، ولو لا ذلك لما صح البيع بثمن مؤجل، ومتى
عجله وأسقط الأجل كان ذلك من موجب العقد، إلا أنه مخالف للفىء فى الإيلاء من قبل أن
فوات الفىء يوجب الطلاق، وإذا كان الفىء مرادا فى المدة فواجب أن يكون فواته فيها موجبا
للطلاق، لكونه نظير التربص فى قوله: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. فلما كانت البينونة
واقعة يمضى الأقراء وجب أن يكون كذلك حكم التربص فى الإيلاء، والمعنى الجامع بينهما ذكر
التربص فى كل واحدة من المدتين وأيضاً: فلو وقفنا المولى لحصل التربص أكثر من أربعة أشهر. وذلك
خلاف الكتاب. ولو غاب المولى عن امرأته سنة أو سنتين ولم ترفعه المرأة ولم تطالب بحقها لكان
التربص غير مقدر بوقت. وذلك خلاف الكتاب اهـ ملخصا من "أحكام القرآن" (٣٦٠:١).
قوله: "أخبرنا معمر" إلخ. قال المؤلف: دلالة الأثر على جزئى الباب ظاهرة. وفى البخارى:
"ويذكر ذلك (أى إيقاف المولى) عن عثمان وعلى وأبى الدرداء وعائشة واثنى عشر رجلا من
أصحاب النبى معَ له". وفى "فتح الباري" (٣٧٨:٩): "وأما قول أبى الدرداء فوصله ابن أبى شيبة
وإسماعيل القاضى من طريق سعيد بن المسيب أن أبا الدرداء قال: يوقف فى الإيلاء عند انقضاء
الأربعة. فأما أن يطلق وإما أن يفىء وسنده صحيح إن ثبت سماع سعيد بن المسيب من أبى

٢١٦
١ الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتد عدة المطلقة
إعلاء السنن
٣٣٢٠- وأخرج سعيد بن منصور من طريق مسروق: "إذا مضت الأربعة بانت
بطلقة، وتعتد بثلاث حيض". وأخرج إسماعيل من وجه آخر عن مسروق عن ابن
مسعود مثله (فتح البارى ٦: ٣٧٧).
٤٠ ٣٣٢١- عن أبى موسى: أن رسول الله عَّه قال فى الذى يولى من امرأته: "إِن
شاء راجعها فى الأربعة أشهر فإن هو عزم الطلاق فعليها ما على المطلقة من العدة".
رواه الطبرانى وفيه يوسف بن خالد السمتى وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٥: ١٠).
وذكرناه اعتضادا.
الدرداء. وأما قول عائشة فأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أن أبا الدرداء وعائشة قالا فذكر
مثله، وهذا منقطع. وأخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن عائشة بلفظ: أنها كانت لا ترى
حتى يوقف. وللشافعى عنها نحوه، وسنده صحيح أيضا. وأما الرواية بذلك عن اثنى عشر رجلا
من الصحابة، فأخرجها البخاری فی التاریخ من طريق عبد ربه بن سعید عن ثابت بن عبيد مولی
زيد بن ثابت عن اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صَ لّه، قالوا: "الإيلاء لا يكون طلاقا
حتی یوقف " اه.
قلت: إن كان ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت هو الأنصارى فلم يثبت لقاءه، ولا سماعه
من اثنى عشر صحابيا. وجميع من لقيه من الصحابة سبعة، كما ذكره الحافظ فى "التهذيب".
قال: وفرق أبو حاتم بین ثابت بن عبيد الأنصاری وبین مولی زید بن ثابت، و کذا فرق بينهما ابن
حبان. ومؤلى زيد بن ثابت لم يرو عنه إلا عبد ربه بن سعيد (فهو مجهول على أصل الشافعى
وغيره من المحدثين لا يجوز لهم الاحتجاج بحديثه). وأما الأنصارى: فقد روى عنه الأعمش
والثورى وغيرهما، ولكنه لا يروى إلا عن سبعة من الصحابة كما يظهر من "تهذيب التهذيب"
(٩:٢). هذا وقد رواه الإسماعيلى من طريق يحيى بن سعيد الأنصارى عن سليمان بن يسار قال:
أدر کت بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله مپێ قالوا: الإيلاء لا یکون طلاقا حتى يوقف،
وأخرج الدار قطنى من طريق سهل بن أبى صالح عن أبيه أنه قال: سألت اثنى عشر رجلا من
الصحابة فذ کر مثله. کذا فی "فتح الباری" (٣٧٨:٩). وهذان شاهدان قویان لأثر مولی زید بن
ثابت، فصح الاحتجاج به. ولكنا أخذنا بقول عمر وابن مسعود وعلى وزيد بن ثابت: أن مضى
الأربعة تطليقة بائنة، لكون ذلك موافقا لظاهر القرآن كما مر على قاعدته التى ذكرها مرارا، وكفى
بهم قدوة، ولكل وجهة هو موليها، والله تعالى أعلم.

ج - ١١
الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتد عدة المطلقة
٢١٧
٣٣٢٢- أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عن عبد الله بن
مسعود، قال: "إِذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر بانت بتطليقة، وكان خاطبا
يخطبها فى العدة، ولا يخطبها فى عدتها غيره". رواه محمد فى "الآثار" (٨٠).
وسنده صحيح. وقال الدار قطنى (٢: ٣٦١): "أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه
وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه اهـ". ورواه ابن أبى شيبة عن جرير عن المغيرة عن
النخعى عن ابن مسعود، ومراسيل النخعى صحيحة (الجوهر النقى ٢: ١٢٢).
...
وفى الزيلعى (٣٩:٢): "ثم أخرج (أى الإمام أحمد) عن ابن إسحاق: حدثنى محمد بن
مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبى بكر بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب كان يقول:
إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة وهو أملك بردها ما دامت فى عدتها انتهى، وابن إسحاق صرح
فيه بالتحديث" اهـ. قلت: هذا إسناد رجاله رجال الصحيح. قال بعض الناس: "فهذا الأثر الأخير
يدل على أنها رجعية وبقية الآثار على أن الإيلاء ليس بطلاق. قلت: معنى قوله: هو أملك بردها،
أنه يجوز له خطبتها فى العدة لا يخطبها فى العدة غيره، كما قاله ابن مسعود ولفظه ما رواه أبو
حنيفة رحمه الله عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عنه، قال: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة
أشهر بانت بتطليقة، وكان خاطبا فى العدة لا يخطبها فى العدة غيره (الجوهر النقي ١٢٢:٢).
فهذا معنى قول عمر: هو أملك بردها ما دامت فى العدة. وقد مر أن الإيلاء عند ابن مسعود وزيد
ابن ثابت وابن عباس طلقة بائنة، فرجحناه لأنه أقرب إلى الفقه. قال صاحب "الهداية" (٣٨١:٢):
ولنا أنه ظلمها بمنع حقها، فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضى هذه المدة".
قال فى "الجوهر النقى" بعد ذكر الآثار الموافقة لمذهبنا معشر الحنفية، ما نصه: "فظهر بهذا
أن هذا القول قد صح عن أكثر من واحد واثنين من الصحابة. (فيه رد على الشافعى رحمه الله
حيث قال: أما ما رويت فيه عن ابن مسعود فمرسل، وحديث ابن بذيمة عن أبى عبيدة عن مسروق
عن عبد الله لم يسنده(١) غيره، يعنى لم يوصله. ولو ثبت لكان قول بضعة عشر من الصحابة أولى
، غيره، فافهم.

٢١٨
الإيلاء طلقة بائنة بعد مضى المدة وتعتدعدة المطلقة
إعلاء السنن
٣٣٢٣- ثنا و کیح عن الأعمش عن حبیب هو ابن أبی ثابت عن سعيد بن جبير
عن ابن عمر وابن عباس، قالا: "إذا آلى فلم يفئ حتى يمضى الأربعة الأشهر فهى تطليقة
بائنة". وقال أيضا: ثنا ابن فضيل عن الأعمش فذكر بسنده بمعناه، والإسنادان
صحيحان (الجوهر النقى ٢: ١٢٣).
من قول واحد أو اثنين). وفى الإشراف لابن المنذر: كذا قال ابن عباس وابن مسعود (أى وعمر
أیضل، کما رویناه عنه بسند صحیح فی الحاشية). وروی ذلك عن عثمان وزید بن ثابت وابن
عمر. وقال صاحب "الاستذكار": هو قول ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت، ورواية عن
عثمان وابن عمر، وهو قول أبى بكر بن عبد الرحمن، وهو الصحيح عن ابن المسيب، ولم يختلف
فيه عن ابن مسعود. وقاله الأوزاعى ومكحول والكوفيون أبو حنيفة وأصحابه والثورى والحسن بن
صالح، وبه قال عطاء وجابر بن زيد ومحمد بن الحنفية وابن سيرين وعكرمة ومسروق وقبيصة بن
ذؤيب والحسن والنخعى، وذكره مالك عن مروان بن الحكم. وأخرج ابن أبى شيبة عن أبى سلمة
وسالم إذا مضت المدة فهى تطليقة" اهـ. ملخصا (١٢٣:٢).
وأما ما نقله ابن المنذر عن بعض الأئمة قال: "لم نجد فى شىء من الأدلة أن العزيمة على
الطلاق تکون طلاقا. ولو جاز لکان العزم على الفئ یکون فیئا، ولا قائل به، و کذلك لیس فی
شىء من اللغة أن اليمين التى لا ينوى بها الطلاق تقتضى طلاقا" اهـ من فتح البارى (٣٧٩:٩).
ففيه إنا قد وجدنا فى النص أن مضى مدة التربص يقتضى البينوتة من غير وقف، لقوله تعالى:
﴿والمطلقات یتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. فوجب أن یکون كذلك حكم التربص فى الإيلاء،
فكما أقيم مضى ثلاثة قروء مقام إبانة الرجل امرأته كذلك أقيم مضى مدة التربص فى الإيلاء،
مقامه، والعزم كما يطلق على القصد كذلك يطلق على شد الأمر والجد فيه، كقوله: "إن ذلك من
عزم الأمور"، وقوله: ﴿كما صبر أولو العزم من الرسل﴾. والشدة فى الطلاق والجد فيه تقتضى
البينونة، سواء كانت بالقول كقوله: فأنت طلاق والطلاق عزيمة، أو بالفعل لمضى ثلاثة قروء لم
يتخللها رجعة فافهم.
فقد اندحض به قوله: "ولو جاز لكان العزم على ألفىء" إلخ. وأيضا فإن الفئ عن اليمين هو
الحنث فيها، ولا يكون حانثا إلا بفعل ما حلف على تركه، والإيلاء هو الحلف على ترك جماع
الزوجة أربعة أشهر فصاعدا، فلا يكون فائيا إلا بفعل الجماع، إلا أن يكون عاجزا عنه لبعد المسافة
أو لمرض يعوقه عنه، ففيئه بالقول كما ذكره الفقهاء وأما قوله: "وكذلك ليس فى شىء من اللغة"

٢١٩
ج - ١١
باب أن الإيلاء لا يكون أقل من أربعة أشهر
٣٣٢٤ - عن عطاء عن ابن عباس: "إذا آلى من امرأته شهرا أو شهرين أو ثلاثة ما
لم يبلغ الحد فليس بإيلاء". رواه ابن أبى شيبة وإسناده صحيح (دراية ٢٣٠).
٣٣٢٥ - أخرج الطبرى من حديث ابن عباس: " كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين
فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء . (فتح
البار ٩: ٣٧٧)، وهو حسن أو صحيح. وفى "مجمع الزوائد (١٠:٥): رواه
الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح.
إلخ. ففيه أن ذلك ليس من مسائل اللغة، بل من مسائل الشرع السمعية. وقد وجدنا فى الشرع أن
مضى مدة التربص يقتضى البينونة، فلا يدع فى اقتضاء مضى هذه المدة البينونة فى الإيلاء، فافهم.
والله تعالى أعلم.
باب أن الإيلاء لا يكون أقل من أربعة أشهر
قال المؤلف: دلالة آثار الباب عليه ظاهرة. وقد ذهب بعض أهل العلم منهم سعيد
ابن المسيب إلى أن: "من حلف أن لا يكلم امرأته يوما أو شهرا فهو إيلاء، إلا أن كان يجامعها وهو
لا يكلمها فليس بمول". كذا فى فتح البارى (٣٧٥:٩). والراجح الصحيح قول ابن عباس، لأن
من قال: إنه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر يكون موليا يقيده بأن يتركها أربعة أشهر من جماع،
«فقد اتفقوا على أن ترك جماعها بغير يمين لا يكسبه حكم الإيلا. وإذا حلف على أقل من أربعة
أشهر فمضت مدة اليمين كان تاركا لجماعھا فیما بقى من مدة الأربعة الأشهر التى هى التربص
بغير يمين، وترك جماعها بغير يمين لا تأثير له فى إيجاب البينونة، وما دون الأربعة الأشهر
لا يكسبه حكم البينونة، لأن الله تعالى قد جعل له تربص أربعة أشهر فلم يبق هناك معنى يتعلق به
إيجاب الفرقة. فكان بمنزلة تارك جماعها بغير يمين، فلا يلحقه حكم الإيلاء. روى أشعث عن
الحسن: "أن أنس بن مالك كانت عنده امرأة فى خلقها سوء، فكان يهجرها خمسة أشهر وستة
أشهر، ثم يرجع إليها ولا يرى ذلك إيلاء". ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" (٣٥٦:١) له.
والمحدث لا يحذف من أول الإسناد إلا ما كان سالما.
قال: "وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم فى المدة التى إذا حلف عليها يكون
موليا. فقال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء: إذا حلف على أقل من أربعة أشهر ثم تركها أربعة

٢٢٠٠
إعلاء السنن
باب من آلی ثم طلق
٣٣٢٦- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: "إذا آلى الرجل من امرأته
ثم طلقها فالطلاق يهدم الإيلاء". رواه محمد فى الآثار (٨٠). وقال: لسنا نأخذ بهذا.
٣٣٢٧- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن الشعبى، قال: "إذا آلى الرجل من امرأته
ثم طلقها فهما كفرسى رهان إن جاوزت الأربعة الأشهر وهى فى شىء من عدتها
وقعت تطليقة الإيلاء مع التطليقة التى طلق. وإن انقضت العدة قبل أن تجئ وقت الأربعة
الأشهر سقط الإيلاء". رواه محمد فى "الآثار" أيضا (٨٠). وقال: قلت لأبي حنيفة:
بأى القولين تأخذ؟ قال: بقول عامر الشعبى! قال محمد: وبه نأخذ اهـ.
٣٣٢٨- أبو حنيفة عن زيد بن الوليد عن أبى الدرداء رضى الله عنه أن رسول
الله عَّه قال: "إذا آلى الرجل من امرأته ثم طلقها فالطلاق والإيلاء كفرسى رهان،
أيهما سبق وقع". أخرجه الحافظ طلحة بن محمد فى مسنده (لأبى حنيفة) عن أبى
العباس (ابن عقدة) عن المنذر بن محمد عن أيمن عن يونس بن بكير عن الإمام بسنده
(جامع مسانيد الإمام، ٢: ١٥٢). ولم أعرف زيد بن الوليد شيخ الإمام، وكذا أيمن،
وإنما ذ کرته اعتضادا.
· أشهر لم يجامعها لم يكن موليا. وهو قول أصحابنا ومالك والشافعى والأوزاعى. وروى عن عبد
الله بن مسعود وإبراهيم والحكم وقتادة وحماد أنه يكون موليا، إن تركها أربعة أشهر بانت. وهو
قول ابن شبرمة والحسن بن صالح. وقال مالك والشافعى: إذا حلف على أربعة أشهر فليس بمول
حتى يحلف على أكثر من ذلك. وهذا قول يدفعه ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿الذين يؤلون
من نسائهم تربّص أربعة أشهر﴾. فجعل هذه المدة تربصا للفئ فيها، ولم يجعل له التربص
أكثر منها. فمن امتنع من جماعها باليمين هذه المدة أكسبه ذلك حكم الإيلاء والطلاق" اهـ
ملخصا (٣٥٧:١).
باب من آلی ثم طلق
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة إلى آخر الباب". قلت: دلالة الآثار على ترجيح قول الحنفية فى
الباب ظاهرة. والله تعالى أعلم.
الفائدة: قال محمد فى "الموطأ": " بلغنا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله