Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ج - ١١ واحدة، لأن كون الطلقات الثلاث واحدة إنما هو فى صورة خاصة لا مطلقا. ويدل عليه أنه روى ابن القيم نفسه عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرنى حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: "إذا طلقُ الرجل امرأته ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا"، قال: فأخبرت طاوساً فقال: أشهد أن ابن عباس ما كان يراهَن(١) إلا واحدة، لأن هذه الرواية صريحة فى أن ابن شهاب إنما نقل فتوى ابن عباس بكونها ثلاثاً فى الطلقات المتفرقة، أعنى قوله: أنت طالق أنتَ طالق أنت طالق. وهو الذى رده طاوس وقال: أشهد أنها واحدة عنده، وقال ابن القيم أيضًا: قوله: "إذا طلق ثلاثا ولم يجمع كنّ ثلاثا"، أى إذا كن متفرّقات. فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة، وفيه بحث أما أولاً فلأنه استدلال بالمفهوم، وفى كونه حجة كلام. وأما ثانیا فلأن قوله: "ولم يجمع" ليس مَّنَ كلام ابن عباس، لأنه لا يرويه أحد عنّه، وإنما هو من كلام ابن شهاب، ونسبه إلى ابن عباس احتجاجا بإطلاق كلامه، وزاد هذا اللفظ لأنه كان سئل عن صورة خاصة، وهو ما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا ولم يجمع، فأجاب بأن ابن عباس أفتى فى هذه بكونها ثلاثا، لأنه أفتى بالطلاق، فلا حجة لابن القيم فى رواية ابن شهاب ولا فى تعجب طاوس ولا فى حلفه. وبهذا التحقيق اندفع إشكال اختلاف روايتى ابن عباس بحذافيره، وثبت أنه لا خلاف بين الصحابة فى هذه المسألة بمعنى أنا لا نعلم فيها مخالفا لا أنا تعلم عدم المخالفة، حتى يرد أنه يجوز أن يكون فيها خلاف ولم تعلموا. واحتمال الخلاف من غير دليل لا يضرنا، فأنا لا ندعى قطعية الإجماع بل ظهوره فقط، والاحتمال قادح فى القطعية دون الظهور فاعرف ذلك. ه»: وقال ابن القيم: الاختلاف فى هذه المسألة ثابت سلفاً وخلفاً، وأثبته من عدة أوجه: أحدها: ما ذكرنا أنه روى عن ابن عباس أن الثلاث جملة واحدة، وقد عرفت الجواب عنه بالتفصيل. والثانى: أن كون الثلاث واحدا هو مذهب طاوس. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: "أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وأنه كان يقول: يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضِى عدتها. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا إسماعيل بن علية عن ليث عن طاوس وعطاء أنهما قالا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فهى واحدة. والجواب عنه: أنه احتج ابن القيم بقول الرهرى: "ولم يجمع كن ثلاثاً"، على أنّه إذا جمع (١) أى ثلاث المتفرقة منه. ١٦٢ إعلاء السنن كانت واحدة، فلنا أن نحتج بقول طاوس وعطاء قبل أن يدخل بها على أنه إن طلقها بعد أن دخل بها كن ثلاثا، فلا يثبت الخلاف فى المدخول بها، فإن قال: المفهوم حجة ظاهرة، وهو حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، وههنا عارضه أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، ووجهه عنده أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. قلنا: لو أجرى هذا الكلام على ظاهره لزم أن لا يقع واحدة أيضًا إذا طلقها ثلاثا، لأنه ليس بطلاق عنده بل كلام لغو، فكيف يقع به واحدة؟ وأيضا: لو فرق الطلقات الثلاث على الأطهار ينبغى أن لا يقع الثلاث، لأنه خالف وجه الطلاق، ولا يقول به طاوس ولا ابن القيم، فهذا كلام واجب التأويل، وبعد التأويل لا يصح الاحتجاج به، والتأويل أنه كان لا يرى طلاقا معتدا به ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، والمعتد به هو الطلاق الذى لا يأمر الشرع فيه بالرجعة، ولا يكون خلاف الأولى، وهو أن يكون الطلاق فى طهر ويكون واحدة، وهذا جواب على سبيل الإلزام. والجواب التحقيقى: أن طاوسا وعطاء كانا يقولان: إنه إذا طلق الرجل غير المدخول بها ثلاثا بألفاظ متفرقة كانت واحدة، وأما إذا كانت مجتمعة أو كانت المرأة مدخولا بها فهى ثلاث إلا أنه خلاف الأولى، وليس بطلاق معتد به بالمعنى المذكور، وحينئذ لا يخالف مذهب طاوس وعطاء مذهب ابن عباس وغيره من الصحابة، وحمل كلام طاوس وعطاء مع احتمال التأويل على معنى يخالف إجماع الصحابة ويخالف دلائل الشرع، تجهيل لطاوس وعطاء وهذا مما لا ينبغى. والوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبى رباح. قال ابن أبى شيبة: حدثنا محمد بن بشر حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وقتادة وجابر بن زيد أنهم قالوا: "إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدة". والجواب عنه: أن معنى كلام عطاء هو الذى هو معنى كلام طاوس أنه قال ذلك فيما إذا طلقها ثلاثا بألفاظ متفرقة، فلا حجة فيه. والوجه الرابع: أنه هو قول جابر بن زيد كما مر. والجواب عنه: هو ما مر أن قوله ذلك فى امرأة طلقها زوجها قبل الدخول بألفاظ متفرقة. والوجه الخامس: أنه هو قول محمد بن إسحاق، قال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: ((أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فجعله رسول الله عَّ واحدة)). قال أبو عبد الله: وكان هذا مذهب ابن إسحاق يقول خالف السنة ويرد إلى السنة. والجواب عنه: أن خلاف ابن إسحاق بعد إجماع الصحابة والتابعين لا يعتد ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٦٣ به، ولم يثبت من واحد من الصحابة والتابعين أنه جعل الثلاثة واحدا على الإطلاق. وما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، فالجواب عنه: أن الناس فی حدیث ابن إسحاق ثلاث فرق: فرقة لا يحتجون به مطلقا كهشام بن عروة ومالك وسليمان التيمى وغيرهم. وفرقة يحتجون بحديثه مطلقا كابن المدينى والبخارى وغيرهما. وفرقة يقولون يحتج به فى المغازى لا فى الأحكام. ثم من قال: يحتج به افترقوا فرقتين: فرقة قال: حديثه عندى صحيح كعلى بن المدینی. وفرقة قال: يحتج به إذا توبع، ولا يحتج به إذا انفرد. قاله الإمام أحمد. وقال بعضهم: يحتج به إذا انفرد ولا يحتج به إذا خولف. قاله ابن حجر فى "الفتح"، فلا يكون حديثه حجة على جمهور أهل الإسلام، بل هو حجة على فرقة مخصوصة، وهو من يقبل حديثه مطلقا. ثم يقال: رواه ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظه: ((طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بنی المطلب امرأته ثلاثا فى مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله عَّ كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثا، فقال: فى مجلس واحد (١)؟ قال: نعم(٢) قال: فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت، قال: فراجعتها)). وكان ابن عباس(٣) يرى أن الطلاق فى كل طهر (رواه أحمد فى "المسند" كما فى "زاد المعاد") .. ورواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بنى أبى رافع عن عكرمة عن ابن عباس، قال: ((طلق عبد يزيد أبو ركانة وأخوية أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبى عرض له فقالت: ما يغنى عنى إلا كما يغنى هذه الشعرة بشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بينى وبينه، فأخذت النبی علّ حمیة فدعا بر کاته وأخوته، ثم قال جلسائه: ألا ترون أن فلانا یشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم! قال النبى ◌ّ له لعبد يزيد: طلقها. ففعل، ثم قال: راجع أم ركانة. فقال: إنى طلقتها ثلاثا يا رسول الله! قال: قد علمت راجعها، وتلا: ﴿يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. وأخرج أبو داود والترمذى من حديث زبير بن سعيد عن عبد الله بن على بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: ((أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله عَّه، فقال: ما أردت؟ قال: واحدة. قال: (١) وهذا يدل على وقوع الثلاث فى مجالس متعددة فى طهر واحد، ولا يقول به ابن القيم وشيخه. (٢) ومعناه أنه أقر بالتكلم بالطلاق ثلاث مرات ولكن قال ما أردت إلا واحدة، تركه بعض الرواة وذكره آخرون كما سيأتى منه. (٣) لا دليل فيه على أنه كان لا يجز الطلقات الثلاث فى طهر واحد، كيف؟ وقد دل الحديث على وقوعها كما عرفت (المؤلف). ١٦٤ إعلاء السنن الله؟ قال آلله! قال: هو على ما أردت)). وأخرج أيضا أبو داود من حديث الشافعى قال: حدثنى عمنى محمد بن على عن ابن السائب عن نافع بن عجير. ((أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبى ◌ّ له بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله عَ له: والله(١) ما أردت إلا واحدة؟! فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردها عليه رسول الله عّ لّه، فطلقها الثانية فى زمان عمر، والثالثة فى زمانه عثمان)). وسياق ابن إسحاق عن داود عن عكرمة يخالف سياق ابن جريج عن بعض بنى أبى رافع عن عكرمة، لأن ابن إسحاق يجعل القصة لز كانة، وابن جرهج يجعلها لأبيه عبد يزيد، وكذا هو يخالف سياق نافع بن عجير وعلى بن يزيد، لأن ابن إسحاق يقول "إن ركانة طلق امرأته ثلاثا"، وهما يقولان: "إنه طلقها البتة". وقال: "أردت بها واحدة". ولذا قال البخارى: "إن الحديث مضطرب"، كما نقله ابن القيم عن الترمذى عن البخارى ومراد البخارى هو الحكم بالاضطراب بالنظر إلى جميع طرقه، لا بالنظر إلى طريق الترمذى فقط كما فهمه ابن القيم، لأنه لا اضطراب فى تلك الطريق، وإنما الاضطراب فيه بالنظر إلى جميع طرقه. وقال أحمد: "الحديث ضعيف بجميع طرقه". كما نقله ابن القيم أيضًا عنه فالبخارى وأحمد كما يضعفان طريق نافع بن عجير وعلى بن يزيد كذلك هما يعضفان طريق ابن إسحاق و طریق ابن جريج. وأخطأ ابن القيم حیث قصر تضعيفهما على غير طريق ابن إسحاق وابن جريج. وقال أبو داود: ٦ حديث نافع بن عجیر وعلى بن يزيد أصح من حديث ابن جريج، لأنهم أهل بيته وهم أعلم به. وهذا التعلیل کما يدل على أنه أصح من حديث ابن جريج، كذلك هو يدل على أنه أصح من حدیث ابن إسحاق، وما قال ابن تيمية وتبعه ابن القيم: " أن أبا داود إنما قال هذا بالنسبة إلى حديث ابن جريج لا بالنسبة إلى حديث ابن إسحاق، وإنما قال ذلك بالنسبة إلى حديث ابن جريج لأن بعض بنى أبى رافع مجهول"، فباطل. لأن أبا داود لم يعلل حديث ابن جريج بجهالة بعض بنى أبى رافع وإنما علله بأن رواته ليسوا من أهل بيته، وهذا كما يدل على مرجوحية رواية ابن جريج كذلك هو يدل على مرجوحية حديث ابن إسحاق، فثبت أن حديث ابن إسحاق معلول عند البخارى وأحمد كغيره، وعند أبى داود هو مرجوح، وحديث أهل بيت ركانة راجح. وما قال ابن القيم فى "الإغاثة": قال شيخنا: "الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام ١) هذا يدل على أنه لو قَالُ ما أردت ثلاثًا لأنفذها عليه لأنه لو لم يقع الثلاث فى مجلس وأحد لم يحلفه رسول الله سرّه. ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٦٥ أحمد والبخارى وأبى عبيد وغيرهم، ضعفوا حديث البتة. وكذلك أبو محمد بن حزم، وقالوا: إن رواته قوم مجاهيل لا تعرف عدالتهم وضبطهم"، فباطل. لأنه قال ابن القيم نفسه فى "زاد المعاد" "ذكر الترمذى عن البخارى أن حديث ركانة مضطرب، فتارة يقول: طلقها ثلاثا، وتارة يقول: واحدة، وتارة يقول: البتة. وقال الإمام أحمد وطرقه كلها ضعيفة" اهـ. وهذا يدل على أن البخارى لم يضعف الحديث بجهالة الرواة، بل ضعفه بالاضطراب، وقال: تارة يقول: طلقها ثلاثا. (وليس هذا إلا فى حديث ابن إسحاق) وتارة يقول: واحدة (ولم أر هذا فى طريق) وتارة يقول: البتة، (وهو فى طريق نافع بن عجير وعلى بن يزيد). فبطل القول بأن البخارى إنما ضعفها لجهالة الرواة. وأما الإمام فقد صرح بضعف جميع طرقه ولم يستثن منها طريق إسحاق، ولم يصرح بجهالة الرواة، فيحتمل أن يكون ذلك للاضطراب أو لغيره، فبطل القول بأنه ضعفه لجهالة الرواة، ولم أقف على كلام ابن حزم وغيره حتى يتكلم عليه، وإن صرح بعضهم بضعف حديث البتة لجهالة الرواة يعارضه قول أبى داود: "إنه أصح لأن رواته أهل بيته، وهم أعرف به". وفيه إشارة إلى أن الرواة معروفون لأنهم لو كانوا مجهولين فماذا يفيد كونهم من أهل بيته. ثم كيف يقال: إنهم مجهولون؟ إذا كان الراوى هو الشافعى الإمام الناقد البصير، وهو أُعرف بأهل بيته من ابن حزم وغيره، ومع هذا فقد صرح الشافعى بأن محمد بن على بن شافع عمه ثقة، كما صرح به فى "التهذيب"، وعبد الله بن على بن السائب قال فى "بذل المجهود": قال فى "الخلاصة": وثقه الشافعى، ونافع بن عجير ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وكذا ذكره ابن حبان وغيره فى الصحابة، كذا فى "التهذيب"، وقد تابعه زبير بن سعيد عن عبد الله بن على بن یزید بن ر کانة عن أبيه عن جده، وزبیر بن سعيد قال ابن معين فى رواية: ثقة، وفى رواية: ضعيف، وضعفه آخرون، وعبد الله بن على بن يزيد بن السائب ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقالاً العقيلى: حديثه مضطرب لا يتابع، كذا في "التهذيب قلت: هذا خطأ من العقيلى فإنه لا اضطراب فى حديثه، وله شاهد من حديث نافع عجير، وعلى بن يزيد ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال البخارى: لم يصح حديثه، قلت: قال هذا لأنه زعم الحديث مضطربا كما تقدم، وذكره العقيلى فى "الضعفاء". قلت: لا أدرى لم ذكره فى الضعفاء ولعله لقول البخارى لم يصح حديثه، فإن كان كذلك فهو خطأ من العقيلى، لأن الحكم على حديثه بعدم الصحة للاضطراب لا يستلزم تضعيف الراوى، ١٦٦ إعلاء السنن فالحديث إن لم يصلح للاحتجاج فهو يصلح لكونه شاهدا لرواية نافع بن عجير. وحديث ابن إسحاق مع المقال الذى فى ابن إسحاق ليس له شاهد من رواية غيره إلا حديث ابن جريج عن بعض بنى أبى رافع، وهو أضعف من حديث زبير بن سعيد عن عبد الله عن أبيه عن جده، لأن بعض بنى أبى رافع لا يدرى من هو وما هو. ثم هو يخالفه ويجعل القصة لعبد یزید أبی ر کانة، ويخالفه فى السیاق مخالفة ظاهرة، كأنه حدیث غیر حديث ابن إسحاق، ثم رواة حدیث البتة أهل بيت لر كانة، بخلاف محمد بن إسحاق وبعض بنی ابی رافع، فالأصح هو حديث أهل بيته كما قال أبو داود. ولو سلم صحة حديث ابن إسحاق يقال: إن ركانة طلق امرأته ثلاثا بقوله: أنت طالق الثانى والثالث التأكيد لقوله الأول لا الاستئناف، وحلفه عليه رسول الله عَ ليه وصدقه(١) بعد الحلف. فترك هذه القصة بعض رواة حديث ابن إسحاق وذكرها نافع وغيره، أو يقال إنه طلق البتة ونوى واحدة. ففهم بعض الرواة أنه طلق ثلاثا، لأن البتة يطلق على الثلاث فى أهل المدينة، فرواه كما فهم. وحينئذ لا حاجة إلى القول الاضطراب، ولا إلى تضعيف الحديث بل غايته أنه ذكر بعض الرواة ما سكت عنه غيره، أو أخطأ فى فهم معنى قوله البتة أيضا .. وبالجملة أما حديث ركانة ضعيف بجميع طرقها، كما قال البخارى وأحمد، أو حديث أهل بيت ركانة أصح من حديث غيره، أو كلاهما صحيح على التأويل الذى قلنا، وأياما كان فلا حجة لابن القيم وشيخه فى حديث ابن إسحاق، فاعرف ذلك. ويؤيد ما قلنا أن ابن عباس راوى الحديث أعلم وأفهم وأتبع للنبى عرٍّ من ابن إسحاق فلو كان الأمر كما زعم ابن إسحاق لقال به، والحال أنه لا يقول به ويفتى بوقوع الثلاث جملة. وما يقال: إن العبرة برواية الراوى لا برأيه. فهذا بعد ثبوت الرواية ودلالته على خلاف رأيه، وما نحن فيه ليس كذلك، لأن فيها كلاما ثبوتا ودلالة كما عرفت، ثم بين ابن القيم وجوها أخر لإثبات الخلاف، وكلها سخيفة، يسهل الجواب عنها بعد الإحاطة بما قلنا فلا نطيل الكلام بذكرها وإبطالها. ومما يوقع الناس فى الغلط أنه قال: الناس من عهد رسول الله عَّه إلى عهد عمر كانوا متفقين على أن الثلاث واحدة، والذى جعلها ثلاثا هو عمر، لأنه روى مسلم فى "صحيحه" عن (١) لعل هذا التصديق كان مختصا بركانة أو بذلك الزمان لعدم شيوع الكذب فيه، أما الآن فلا يصدق لشيوع الكذب وارتفاع الأمانة منه. ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٦٧ معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: " كان الطلاق على عهد رسول الله عَ لّه وأبى بكر وسنتين من خلافة(١) طلاق الثلاث واحدة. قال: فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". وعن ابن جريج قال: أخبرنى ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبى عّ لّه وأبى بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم"! وعن إبراهيم بن ميسرة غن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "هات من هناتك ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله عَ ◌ّه وأبى بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان فى عهد عمر تتابع الناس فى الطلاق فأجازه عليهم" اهـ. والجواب عنه: أن الناس افترقوا فى هذا الحديث فرقتين، فرقة قدح فى الرواية، وأخرى تأولها، فإن سلكنا مسلك الفرقة الأولى قلنا: لا تصريح فى رواية أنه سمع طاوس ذلك عن ابن عباس، والظاهر أنه سمع ذلك عن أبى الصهباء عن ابن عباس، وأبو الصهباء وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، ولكن قال النسائى: بصرى ضعيف، وإخراج مسلم هذا الحديث فى صحيحه لا يدل على توثيقه أبا الصهباء، لأن لم يجعل هذه الرواية عن طاوس عن أبى الصهباء وإنما جعلها عن طاوس عن ابن عباس. وهذا اجتهاد منه، وليس بحجة على الذين يردونه، ولو سلم أنه من حديث طاوس عن ابن عباس من غير توسط أبى الصهباء، فلا يدل هذا على صحة الرواية، لأن الثقة قد يهم ويخطئ فيرد روايته إذا قامت قرينة على خطائه، ولو تتبعت كلام المحدثين لوجدت فى كلامهم من مثل هذا ما يعجز عنه الإحصاء، وقد قال أحمد لما سئل عنه بأنك بما ترد هذا الحديث فقال: برواية الناس عن ابن عباس خلافه. وهل هذا إلا تضعيف لهذه الرواية وقدح فيه. والعجب أن ابن القيم لا يجعله قدحا فى الرواية وتضعيفا له، ويقول: "لا يعرف أحد من الحفاظ قدح فى هذا الحديث ولا ضعفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأى شىء ترده؟ فقال: برواية الناس عن ابن عباس خلافه، ولم يرده بتضعيف ولا قدح فى صحته" اهـ، من الإغاثة. ولا يدرى أن لا تضعيف ولا قدح أقبح من الرد، ومما يدل على ضعف هذه الرواية أنه قال ابن عباس لمن طلق امرأته ثلاثا: "إن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾، وأنك لم تتق الله فلا أجد لك (١) أى طلاق الثلاث للبكر بقوله: أنت طالق ثلاثا، كما ستعرف (المؤلف). ١٦٨ إعلاء السنن مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك". فلو كان ابن عباس يعرف أن طلاق الثلاث كانت على عهد رسول الله مظهر وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة لم يقل ذلك، بل قال قد جعل الله لك مخرجا مع عدم اتقائك الله وجعل الثلاث واحدة. فدل هذا على أن ما روى طاوس عنه خطأ. وكذا سأله من طلق امرأته ثلاثا قبل الدخول، قال لأبى هريرة: "افته يا أبا هريرة! قد جاءتك معضلة". فلو علم ابن عباس ما روى عنه طاوس لم يجعله معضلة. ولم يرده إلى أبى هريرة، لأن على تقدير صحة رواية طاوس عنه لا إعضال فى المسألة، لأن الجواب على هذا التقدير ظاهر، وهو أن الثلاث واحدة فى المدخول بها وغيره المدخول بنها، ولم يكن لردها إلى أبى هريرة معنى، لأن كان أعرف لحكم المسألة من أبى هريرة، لأنه يعلم أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله ◌َِّ وبعده ويرويه، ولا يعلمه أبو هريرة ولا يرويه. ومما يدل على ضعف هذه الرواية أنه روى مالك فى "الموطأ" أنه بلغه أن رجلا جاء إلى ابن مسعود فقال: "إنى طلقت امرأتى بمائتى تطليقات. فقال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لى إنها قد بانت منى! فقال ابن مسعود: صدقوا! من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، ومن لبس على نفسه جعلنا لبسته به، لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما يقولون". وهذا يدل على أن ابن مسعود لم يكن يعلم أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله عَ ◌ّه وأبى بكر وصدرا. من خلافة عمر، إذ لو كان لعرف ذلك، يقال: كذبوا! وقد بيّن الله ورسوله لنا أن الثلاث والمائة والمائتين واحدة، ولم يجعله تلبيسا على نفسه، ولم يقل: "لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم". فدل ذلك على أن ما رواه طاوس عن ابن عباس خطأ، ولم يكن يعرفه ابن عباس ولا ابن مسعود. ومما يدل على ضعف هذه الرواية أنه لما أفتى عطاء بن يسار بوقوع الواحدة البائنة فى من طلق امرأته ثلاثا قبل الدخول رده عبدالله بن عمرو بن العاص، وقال: "إنك قاص، الواحدة تبنيها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره". فلو كان عبد الله بن عمرو بن العاص يعرف أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله عَ ليه وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر لم يقل: "إنما أنت قاص"، لأنه كان أفتى على ما كان على عهد رسول الله مطلّه وأبى يكر وصدرا من خلافة عمر. فدل ذلك على أن عبد الله بن عمرو لم يكن يعرف ذلك. وقال ابن الزبير لما سئل عن طلاق الثلاث للبكر: "لم يبلغنا فيه قول" فلو كان علم ما رواه طاوس لم يقل ذلك. وهذه الروايات كما تدل على خطأ رواية طاوس كذلك تدل على خطأ ابن القيم، حيث ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٦٩ يقول: "إن الصحابة كانوا مجمعين على عهد رسول الله عَ ل وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر على جعل الثلاث واحدة". لأن ابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو لم يكونوا يعرفون هذا الأمر فضلا عن اختياره. بالجملة الحكم بالصحة على هذه الرواية بمجرد وثاقه الرواة وإخراج مسلم هذا الحديث فى صحيحه خطأ، لأن الثقة قد يخطئ ويبهم، ومسلم إنما أخرج هذا الحديث فى صحيحه بمجرد اجتهاد، واجتهاده ليس بحجة على جميع الأمة لا سيما إذا كانت الرواية محتملة لأن يكون عن طاوس عن أبى الصهياء عن ابن عباس. وأبو الصهباء قال فيه النسائى: ضعيف، ولو سلم صحته فصحته اجتهادية، ولا يصح تخطئة جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم باجتهاد مسلم ومن تبعه. وإن سلكنا مسلك التأويل نقول: إن أبا داود قد رواه عن حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس: أن رجلا يقال له أبو الصهبا كان كثير السؤال لابن عباس، قال: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله عرّ له وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى! كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا(١) قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله عَّ ◌ُلّه وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر. فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: اجيزوهن عليهم" وفى هذا تفصيل لما أجمله ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة عن طاوس. والحاصل أن الطلاق الثلاث التى كانت واحدة على عهد رسول الله عَ ليه وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر هو طلاق البكر بخصوصه، لا مطلق طلاق الثلاث سواء كانت طلاق البكر أو طلاق الثيب، وهو الذى أجازه عليهم عمر. وقال ابن القيم: "سائر الروايات الصحيحة ليس فيها قبل الدخول، ولهذا لم يذكر مسلم منها شيئا. وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثة نفر طاوس، وهو اجل من رواه عنه، وأبو الصهباء العدوى، وأبو الجوزاء، وحديثه عند الحاكم فى "المستدرك" وصححه. ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس فى شىء منها قبل الدخول. وإنما حكى ذلك طاوس عن سؤال أبى الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه ولعله إنما بلغه جعل الثلاث واحدة فى حق مطلق قبل الدخول فسأل عن ذلك ابن عباس، وقال: كانوا يجعلونيها، واحدة. فقال ابن عباس: نعم! أى (١) أى بقوله: أنتِ طالق أنتِ طالق أنتِ طالق، لأنه صح عنه أنه أفتى بوقوع الثلاث بقوله أنتِ طالق ثلاثا (المؤلف). ١٧٠ إعلاء السنن الأمر على ما قلت. وهذا لا مفهوم لو، فإن التقييد فى الجواب وقع فى مقابلة تقييد السؤال، ومثل هذا لا يعتبر مفهومه، نعم لو لم يكن السؤال مقيدا فقيد المسؤل الجواب كان مفهومه معتبراً" ، .. انتهى ما فى "إغاثة اللهفان" ببعض تغيير. والجواب عنه: أن رواية أبى الجوزاء وهم. وإنما هو أبو الصهباء قال ابن القيم نفسه: "أما من رواه عن أبى الجوزاء فإن كانت محفوظة فهى مما تزيد الحديث قوة، وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر فهى وهم فى الكنية، انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة من أبى الصهباء إلى أبى الجوزاء، فإنه سيئ الحفظ، والحفاظ قالوا أبو الصهباء، وهذا لا يوهن الحديث"، اهـ ما فى الإغاثة. فرجع الأمر إلى أبى الصهباء وسقط رواية أبى الجوزاء، ثم رواية طاوس رواه عنه ابنه وإبراهيم بن ميسرة وغير واحد من أهل العلم. فأما ابنه فرواه عنه معمر وابن جريج. أما معمر فلم يذكر فى روايته سؤال أبى الصهباء، ورواه عن ابن عباس من قوله، وأما ابن جريج فذكر فيه أبا الصهباء، وقال: إن أبا الصهباء قال لابن عباس: "أتعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة"؟ وكذا رواه إبراهيم بن ميسرة عن طاؤس، فدل هذه الروايات على أن ابن عباس إنما كان قال ذلك فى جواب سؤال أبى الصهباء، واختصر معمر أو من فوقه فلم یذ کر سؤال أبی الصهباء. وروى جواب ابن عباس. ثم ابن طاؤس وابن ميسرة أجملا فى نقل السؤال والجواب، ولم يذكرا قيد عدم الدخول وذكره غيرهما، فكما أن رواية ابن جريج وابن ميسرة مفسرة لرواية معمر، كذا رواية غيرهما مفسرة لروايتهما، وتحصل منه أن القصة واحدة إن أبا الصهباء كان سأل عن طلاق الثلاث بغير المدخول بها، ولكن بعض الرواة ترك ذكر السوال اختصارا والآخرون ذكروا السوال ولكن تركوا قيد غير المدخول بها والبعض الآخر أتى بالرواية على وجهها وجعل ابن القيم القصة قصتين والرواية روايتين ناش من سوء الفهم. وأعجب منه أنه جعل قول ابن عباس: "كان الطلاق على عهد رسول الله عَ ليه طلاق الثلاث واحدة". عاما لكل طلاق طلات سواء كانت للمدخول بها أو غير المدخول بها، والحال أنه حكاية عما كان فى زمان رسول الله عَّه، والحكاية لا عموم لها. وإنما هو مطلق، ويحتمل أن يكون أراد به كل طلاق، ويحتمل أن يكون أراد به طلاق البكر، فلما فسر الرواية الأخرى أن السؤال إنما كان عن خصوص طلاق البكر لا عن مطلق الطلاق، وجواب ابن عباس إنما كان عن الطلاق البكر بخصوصه، دل ذلك على أن المراد من طلاق الثلاث فى كلامه هو طلاق البكر. ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٧١ والحاصل أنا لا نحتج بالمفهوم ولا ندعى المنافاة بين الروايتين، حتى يجاب بأنه لا اعتبار للمفهوم فى مثل هذا المقام، ولا منافاة بين المطلق والمقيد، بل نقول: إن رواية معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس مختصرة، وأتم منها رواية ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، ورواية إبراهيم بن ميسرة. عن طاوس، وأتم منهما رواية غير واحد عن طاوس. ولا يرد على هذا ما أورده ابن القيم. فظهر من هذا التفصيل أن معنى قول ابن عباس أن الطلقات الثلاث للبكر كانت على عهد رسول الله عَّه وأبى بكر واحدة. ولكن لم يعلم منه أن الطلقات الثلاث التى كانت على عهدهما واحدة هل هى أعم من أن تكون بقوله: أنت طالق ثلاثا، أو بقوله: أنت طالق طالق طالق، أو هى مخصوصة بقوله: أنت طالق طالق طالق. فلما تأملنا علمنا أن المراد هنا هى الطلقات التى تكون بقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، لا بقوله: أنت طالق ثلاثا. لأنا قد علمنا من مذهب ابن عباس أنه يجيز الطلقات الثلاث المبكر موافقة لأبى هريرة إذا كانت بقوله: أنت طالق ثلاثا. كما رواه عنه محمد بن إياس بن البكير كما مر. ويقول إنها واحدة إذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق. كما رواه عنه عكرمة عن ابن عباس، وحينئذ يكون معنى حديث طاوس أنه قال ابن عباس: طلاق الثلاث للبكر بقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، كانت واحدة على عهد رسول الله عٍَّ وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر الخطاب، فلما تتابع الناس فى طلاق البكر ثلاثا بقوله: أنت طالق طالق طالق أجازه عليهم، بمعنى أنه منعهم من النكاح قبل أن تنكح زوجا غيرهم سياسة، لا أنه حرمة عليهم، لأن التحليل والتحريم ليس إليه بل إلى الشارع، ولكن لما كان نكاح المطلقة الغير المدخول بها قبل النكاح الثانى من المباحات كان له منعهم منه سياسة، لأن للإمام أن يمنع الناس من الذى يباح لهم لأمر يراه مصلحة. . وهذا المحمل للحديث هو الذى أشار إليه النسائى، حيث قال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، وذكر فيه حديث طاوس أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله عَ ليه وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم! لأنه حمل الطلقات الثلاث المذكورة فى كلام أبى الصهباء على الطلقات الثلاث التى يطلق بها البكر متفرقات، بقوله: أنت طالق طالق طالق. وجمع بهذا التأويل بين الروايات المختلفة عن ابن عباس: ولما لم يفهم ابن القيم هذا المعنى قال: "وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث وجدتها لا يدل عليها، ولا يشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة ١٧٢ إعلاء السنن لون وهذا لون آخر وكأنه لما أشكل عليه وجه الحديث حمله على ما إذا قال بغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، طلقة واحدة. ومعلوم أن هذا الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا تتقيد ذلك بزمان رسول الله عَّ له وأبى بكر وصدر من خلافة عمر، لم يتغير فى خلافة عمر (١) ويمض الثلاث بعد ذلك على المطلق، فالحديث لا يندفع بمثل ذلك" اهـ بلفظه من الإغاثة. وقد عرفت الجواب عنه فيما سبق. وبهذا التقرير ظهر سخافة ما احتج المانعون بوقوع الثلاث فى مجلس واحد من الحديث. ولكن بقى استدلالهم بالقياس. فقال ابن القيم: "وأما القياس: فإن الله سبحانه قال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات) الآية ومعلوم أنه لو قال: أشهد بالله أربعا لا يكون أربع شهادات بل شهادة واحدة" إلى آخر ما قال: والجواب عنه: إنا سلمنا أن الفعل الواحد لا يكون أفعالا متعددة، ولكن لا نسلم أن الواحد لا یکون له مفاعيل متعددة، وقوله: "طلقتك ثلاثا"، معناه أوقعت عليك ثلاث طلقات، فيكفى الإيقاع الواحد للطلقات الثلاث. ولا يرد عليه ما أورد، لأن المقصود فى اللعان هو أربع شهادات، والشهادة فعل، ولا يكون فعل. واحد أفعالا أربعة، والمقصود فى الطلاق هو الطلقات الثلاث لا التطليقات الثلاث، والفرق بينهما ظاهر، لأن التطليق فعل من أفعال الزوج، والطلاق أثر لذلك الفعل قائم بالزوجة، ولذا يقال للزوج مطلق؛ وللزوجة طالق. وهذا هو السر فى انعقاد النكاح بقوله: "أنكحتك هاتين المرأتين"، لأنه فى معنى قوله: "أنشأت لك نكاح هذه ونكاح هذه". فالفعل واحد والمفاعيل متعددة. وكذا بقى استدلالهم بالكتاب، وهو أنه قال الله تعالى: ﴿الطلاق مرّتان﴾، أى مرة بعد مرة، لأنه يقال مرتان إلا إذا كان مرة بعد مرة، ثم قال: "فإن طلقها"، أى بعد المرتين، "فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره". ويظهر منه أن الطلاق المحرم هو الذى يكون بعد مرة بعد أخرى، وهذا غير متحقق فى الطلاق الثلاث دفعة واحدة فلا يكون محرما. والجواب عنه: أنه لو كان الأمر كما قالوا لم يثبت الرجعة فى الطلاق مرة، لأنه تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان، فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ فرتب الإمساك على الطلاق مرة بعد أخرى، ولم يرتبه على الطلقة مرة واحدة، وهو باطل بالإجماع. وإذا لم يتوقف الرجعة على الطلاق مرة بعد أخرى، فكيف يتوقف الحرمة على (١) لعله سقط من ههنا شىء فليحرر. ج - ١١ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات ١٧٣ طلاق يكون بعد طلاق مرة بعد أخرى؟ فإن قالوا: قلنا بثبوت الرجعة بعد الطلاق مرة بدليل آخر، قلنا: ونحن أيضا قلنا بوقوع الحرمة بعد ثلاث تطليقات بدليل آخر، وثم لو قال رجل: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ينبغى أن يقع الطلقات الثلاث، لأنه طلاق ثالث بعد المرتين وأنتم لا تقولون به. فثبت أن ما قلتم خطأ، ومعنى الآية ليس كما قلتم، بل معناها أن الطلاق المثبتة للرجعية عددان، سواء فرقهما أو جمعهما، فإن طلق ثالثة سواء كان مع العددین أو بعدهما، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وقد ثبت استعمال المرتين فى العددين، لأنه قال ابن القيم: "المرتان والمرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان تارة، وأكثر ما يستعمل فى الأفعال. وأما الأعيان فكقوله فى الحديث: "انشق القمر على عهد رسول الله عَّه مرتين" أى شقين وفلقتين. ولما خفى هذا على من لم يخط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة فى زمانين، وهذا مما يعلم هل الحديث ومن له خبرة بأحوال الرسول وسيرته أنه علط. وأنه لم يقع الانشقاق إلا مرة واحدة. ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله: "مرتين"، المرة الزمانية، إذا عرف هذا فقوله: "نؤتها أجرها مرتين"، أى ضعفين فيؤتون أجورهم مضاعفا، وهذا يمكن اجتماع المرتين منه فى زمان واحد، وأما المرتان من الفعل فمحال اجتماعهما فى زمن واحد، فإنهما مثلان واجتماع المثلين محال، وهو نظير اجتماع حرفين فى زمان واحد من متكلم واحد مستحيل قطعا، فيستحيل أن يكون مرتا الطلاق فى إيقاع واحد"اهـ ما فى "إغاثة اللهفان". وهذا الكلام صريح فى استعمال المرتين بمعنى العددين فى الأعيان أى فى غير الأفعال. والطلاق فى قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، عني بمعنى أنه ليس بفعل، لأنه صفة المرأة لا فعل الزوج أعنى إيقاع الطلاق. فاندفع احتجاجهم بالآية أيضا. فثبت أنه لا دليل عند القائلين بكون الثلاث واحدة على الإطلاق إذا كانت مجتمعة، من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ولا من إجماع الصحابة من عهد رسول الله عزّ إلى عهد عمر، ولا من قول ابن عباس، ولا من قول غيره، سوى سوء الفهم والإصرار على الخطأ. والحق هو ما قال جماهير أهل الإسلام من الصحابة وغيرهم أن الثلاث واقعة مجتمعة ومفرقة فى المدخول بها، وفى غير المدخول تقع مجتمعة ولا تقع مفرقة. ونقل بعضهم خلافا فى غير المدخول بها، فقال: قال بعضهم: إنها واحدة سواء قالها بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ. وقال ١٧٤ الإنقاذ من الشبهات فى إنفاذ المكروه من الطلقات إعلاء السنن بعضهم: إنها ثلاث سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ. وقال بعضهم: أنها ثلاثة إن أوقعها بلفظ واحد، وواحدة إن أوقعها بثلاثة ألفاظ، ونسب إلى ربيعة وأهل المدينة والأوزاعى وابن أبى ليلى أنهم قالوا: إذا قال لها ثلاث مرات: أنت طالق نسقا متتابعة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. فإن هو سكت بين التطليقتين بانت بالأولى. والله أعلم بصحة ما قال، لأن الناس قد يخطئون فى نقل المذاهب بحمل كلامهم على ما هو غير مراد لهم. وقد عرفت أن مذهب ابن عباس هو وقوع الثلاث إذا كانت بلفظ واحد، ووقوع الواحدة إذا كانت بثلاث ألفاظ. وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه. ولم أر من خالفه فى هذه المسئلة من الصحابة ومن بعدهم فليحقق. هذا هو تحقيق هذه المسئلة بما لا مزيد عليه، فاحفظه فإنك لا تجد تحقيقها على هذا النمط فى زبر الأقدمين. وذلك من فضل الله وإنعامه .. فله الحمد والمنة. وقد بقى من الكلمات السخيفة لهؤلاء القوم ما ترك التعرض له أولى من الاشتغال فى إبطاله، لأن من حفظ ما قلنا يقدر على رده وإبطاله .. والله أعلم تنبيه: ومما يجب التنبيه عليه أنه لا خلاف بين الأئمة الأربعة فى وقوع الطلقات الثلاث جملة. كما صرح به ابن القيم فى زاد المعاد، إلا أنه قال فى الإغاثة: "إن وقوع الواحدة بقوله: أنت طالق ثلاثا، إحدى الروايات عن الإمام مالك، حكاها عنه جماعة من المالكية، منهم التلمسانى صاحب شرح الحلاب وعزاها إلى ابن أبى زيد أنه حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولا فى مذهب مالك وجعله شاذا" اهـ. قلت: لا ينبغى أن يغتر بما قال عن التلمسانى وغيره، لأنه لا يعلم سند تلك الرواية ولا لفظها، ولا يعلم أنها عامة للمدخول بها وغير المدخول بها، أو خاصة بغير المدخول بها، ثم لا يعلم أنها متعلقة لقوله: أنت طالق وطالق وطالق، أو عامة له ولقوله: أنت طالق ثلاثا. فينبغى أن يرجع إلى كلام التلمسانى وغيره، ولا يجزم لكونه رواية عن مالك بمجرد نقل ابن القيم، لأنه خلط فى هذا المبحث كثيرا لا سيما فى نقل المذاهب، كما عرفت فى مطاوى كلامنا: نظائره. وقال سحنون: "قلت لعبد الرحمن بن القاسم: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته: ثلاث تطليقات فى مجلس واحد؟ قال: نعم! كان يكره أشد الكراهة. قلت: فإن هو طلقها ثلاثا أو عند كل طهر واحدة حتى طلق ثلاث تطليقات أ يلزمه ذلك فى قول مالك؟ قال: نعم!" كذا فى المدونة (٦٦:٢). قلت: هذا هو مذهب مالك كما ترى، فمن ادعى خلافه فليأت بحجة مثلها فى الثبوت والبيان، ولا يقبل مجرد الدعوى. فاحفظ تمت الرسالة(١). (١) وعليك يتتمة هذه الرسالة وهى مضمومة إلى هذا الجزء بعينه من الإعلاء ص: ٦٩٨ إلى آخر الجزء. ج - ١١ ١٧٥ باب عدم صحة طلاق الصبى والمجنون والمعتوه والموسوس وصحته من المکره والسكران والهازل ٣٢٤٩- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: ((رفع القلم عن ثلاثة، إلى أن قال: وعن الصبى حتى يكبر)). رواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه، والحاكم فى المستدرك وإسناده صحيح. (الجامع الصغير، ٢٠:٢). ٣٢٥٠- حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس، قال: "ولا. يجوز طلاق الصبى". رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه (زيلعى، ٢٩:٢). قلت: رجاله رجال مسلم والبخارى إلا أن حجاجا أخرج له البخارى متابعة. ٣٢٥١- عن على: "لا يجوز على الغلام طلاق حتى يحتلم". رواه عبد الرزاق (دراية ٢٢٦). ٣٢٥٢- عن على وعمر مرفوعا: ((رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ))، الحديث. رواه أحمد وأبو داود والحاكم فى المستدرك، (الجامع الصغير ٢٠:٢). ٣٢٥٣- قال عثمان: "ليس لمجنون ولا لسكران طلاق". ٣٢٥٤- وقال ابن عباس: "طلاق السكران والمستكره ليس بجائز". رواهما البخارى تعليقا (٧٩٣:٢). باب عدم صحة طلاق الصبى والمجنون والمعتوه والموسوس وصحته من المکره والسكران والهازل قوله: "عن عائشة" إلخ، قال المؤلف: الحديث يدل على أن الصبى مرفوع القلم لا تجری. عليه أحكام الشريعة، إلا ما استثنى عنها بدليل، والطلاق ليس هنا، فطلاقه ليس بواقع، والأثران اللذان بعد هذا الحديث صريحان بالمقصود. قوله: "عن على وعمر"، قال المؤلف: دلالته على أن طلاق المجنون ليس بواقع بما مر فى تقرير عدم وقوع طلاق الصبى عنقريب ظاهرة. قوله: "قال عثمان إلخ"، قال المؤلف: دلالته على أن طلاق المجنون والسكنران ليس بواقع ظاهرة. ولا اختلاف فى الأول عند علماءنا. والثانى مختلف فيه. ففى الهداية (٣٣٨:١ و٣٣٩): ١٧٦ بيان من يصح منه الطلاق ومن لا يصح منه إعلاء السنن ٣٢٥٥- قال على: "وكل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه". رواه البخارى تعليقا (السابق). ٣٢٥٦- قال عقبة بن عامر: "لا يجوز طلاق الموسوس". رواه البخارى تعليقا (٧٩٤:٢). ٣٢٥٧- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال مّ ◌ُله: ((إن الله تجاوز عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)). أخرجه البخارى (السابق). "وطلاق السكران واقع، واختيار الكرخى والطحاوى رحمه الله أنه لا يقع. وهو أحد قولى الشافعى، لأن صحة القصد بالعقل وهو زائل العقل، فصار كزواله بالبنج والدواء. ولنا أنه زال بسبب هو معصية فجعل باقيا حكما زجرا له، حتى لو شرب فصدع وزال عقله بالصداع نقول إنه لا يقع طلاقه" اهـ. قال بعض الناس: "فيه أن الرخص لا تختص عندنا بغير العاصى، فافهم" قلت: فهمنا أن ذلك ليس من باب الرخّص وإنما هو من باب التعزير، ويختص به العاصى. وفى فتح عناء البارى (٣٤٣:٩): "وذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران أيضا أبو الشعثاء (١) وعطاء وطاوس وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبى شيبة عنهم بأسانيد صحيحة. وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزنى، واختاره الطحاوى" اهـ. وفيه أيضا: " وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم والزهرى والشعبى، وبه قال الأوزاعى والثورى ومالك وأبو حنيفة" اهـ. وأما قول ابن عباس رضى الله عنه فى عدم وقوع طلاق المستكره فلم نقل به، لما يثبت من الحديث المرفوع الآتى فى آخر الباب خلاف قوله رضى الله عنه. قوله: "قال على رضى الله عنه إلخ. قال المؤلف: دلالته على أن طلاق المعتوه لا ينفذ ظاهرة وفيه دلالة أيضا على وقوع طلاق المستكره والسكران، لقوله: "كل طلاق جائز". ولا يرد عليه النقض بطلاق الصبى لعدم أهليته له، فالمراد كل طلاق من البالغين جائز إلا طلاق المعتوه، أو يقال: إن الصبى داخل فى المعتوه أيضا لنقصان عقله. والله تعالى أعلم. قوله: "قال عقية" إلخ. قال المؤلف: دلالته على أن طلاقٍ الموسوس لا يقع ظاهرة، وكذلك يدل عليه عموم الحديث الذى بعده. قوله: "عن أبى هريرة إلى آخر الباب". قال المؤلف: فى الحديث دلالة على أن طلاق الهازل (١) هو جابر بن زيد تابعی. ج - ١١ بيان من يصح منه الطلاق ومن لا يصح منه ١٧٧ ٣٢٥٨- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة)). صحح الحاكم إسناده، وقال الترمذى: حسن غريب (الجوهر النقى ١١٧:٢). واقع فثبت به أن الطلاق يقع بكل حال يكون فيه المطلق مختارا فى التكلم وإن لم يكن راضيا بحكمه، والمكره كذلك، فإنه يتكلم بالطلاق فى أختيار كامل ولا يرضى بحكمه، كما أن الهازل يفعل ذلك فتأمل. وأخرج العقيلى عن صفوان بن عمران الطائى: "أن رجلا كان نائما فقامت امرأته فأخذت سكينا فجلست على صدره، فقالت: لتطلقنى ثلاثا أو لأذبحنك. فطلقها ثم أتى النبى عَ لّه. فذكره له ذلك. فقال: لا قيلولة في الطلاق". وأخرجه من وجه آخر عن صفوان الطائى عن رجل من الصحابة، أن رجلا كان نائما. قال البخارى: "صفوان فى طلاق المكره منكر الحديث". كذا فى "الدراية " (٢٢٦). قلت: لفظ البخارى فى اللسان: "حديثه منكر لا يتابع عليه" اهـ. (١٩١:٣)، وبينه وبين الأول بون بعيد، فإن الذى يقول فيه البخارى: "منكر الحديث" لا يحل الرواية عنه عنده، بخلاف من قال لحديثه: "أنه منكر" ، فإنه لا يريد به إلا أنه تفرد به كما يدل عليه قوله: "لا يتابع عليه". وتفرد الراوى بحديث ليس بعلة قادحة فيه، كما ذكرناه فى المقدمة. وفى اللسان أيضا: "قال أبو حاتم ليس بقوى"، وهذا تليين هين، وأما الغازى ابن جبلة الذى يروى عن صفوان فقال ابن حزم فى المحلى: "مجهول"، كذا فى "اللسان" (٤١٢:٤). قلت: وكيف يكون مجهولا؟ وقد روى عنه اثنان، إسماعيل بن عياش وبقية بن الوحيد، كما يظهر من الزيلعى (٢٧:٢). وبالجملة فالحديث صالح للاحتجاج به. قال ابن القطان فى كتابه: "الأول وإن كان مرسلا ولكنه أحسن إسنادا من المسند، فإنه سالم من بقية، ومن نعيم بن حماد، وفيه إسماعيل بن عياش وهو يروى عن شامى" اهـ. كذا فى نصب الراية (٢٩:٢) أى وإذا روى هو عن شامى فثقة عند الكل، والله أعلم. وقد تأيد الحديث بما روى عن الصحابة فى الباب فقد أخرج عبد الرزاق فى مصنفه عن ابن عمر: "أنه أجاز طلاق المكره". وأخرج عن الشعبى والنخعى والزهرى وقتادة وأبى قلابة: "أنهم أجازوه". وأخرج عن سعيد بن جبير أنه بلغه قول الحسن: "ليس طلاق المكره بشىء". فقال: ١٧٨ بيان من يصح منه الطلاق ومن لا يصح منه إعلاء السنن "يرحمه الله إنما كان أهل الشرك يكرهون الرجل على الكفر والطلاق، فذلك(١) الذى ليس بشىء، وأما ما صنع أهل الإسلام بينهم فهو جائز" انتهى، وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه عن الشعبى والنخعى وابن المسيب وأبى قلابة وشريح. قاله الزيلعى (٣٠:٢)، وكذا فى "الدراية" (٢٢٦). وسكت الحافظان عن هذه الآثار، وهما لا يسكتان فى كتابيهما هذين عن ضعيف، فالآثار إما صحاح أو حسان. لا يقال: روى مالك عن ثابت الأحنف: "أنه تزوج أم ولد لعبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب، قال: فدعانى ابنه عبد الله بن عبد الرحمن فإذا بسياطر موضوعة وقیدان من حديد، وعبدان له قد أجلسهما. فقال لى: طلقها وإلا والذى يحلف به فعلت بك كذا وكذا. قال: فقلت: هى الطلاق ألفا. قال: فخرجت من عنده فأدركت عبد الله بن عمر بطريق مكة فأخبرته بالذى كان من شأنى. فتغيظ عبد الله بن عمر، وقال: ليس ذلك بطلاق وأنها لم تحرم عليك"، الحديث. (موطأ، ٢١٥) لأنا نقول: هذه واقعة حال لا عموم لها، وتحتمل الوجوه فلعل ثابتا اندهش برؤية السياط والقيود والعبيد واندهل، وصار مغلوبا على عقله، فلذا أفتى ابن عمر، وبعده ابن الزبير بعدم وقوع الطلاق، والله تعالى أعلم. فلا يصح معارضته بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر: "أنه أجاز طلاق المكره". وإن سلمنا صحة المعارضة فنقول: إذا تعارض المحرم والمبيح يجعل المحرم متأخرا كما تقرر فى الأصول، وأيضا: فإن مقتضى القياس فى طلاق المكره عدم الوقوع، ولكنا تركناه بحديث: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد". فالظاهر تقدم القول من ابن عمر بعدم الوقوع بعدم العدم بالأثر، ثم أفتى بالوقوع حين بلغه الأثر، هذا هو الظاهر وإنكاره مكابرة. ثم لا يخفى عليك أن حديث أبى هريرة: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد". وقع فيه عند الغزالى: "والعتاق" بدل الرجعة. ووقع فى الهداية: "واليمين" بدل العتاق. قال الشيخ قاسم نقلا عن شيخه الحافظ ابن حجر: "لم أجده كما ذكرا، وإنما الذى فى الحديث الرجعة بدل اليمين والعتاق" انتهى. قلت: ذكر الحافظ نفسه فى تخريج أحاديث الرافعى أن هذه اللفظة يعنى "العتاق" وقعت عند الطبرانى فى حديث فضالة بن عبيد بلفظ: " ثلاث لا يجوز اللعب فيهن، الطلاق والنكاح (١) قلت: وعلى هذا فحديث عائشة رضى الله عنها: ((لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق". منسوخ ولعله كان قبل الهجرة. والله أعلم. ج - ١١ بيان من يصح منه الطلاق ومن لا يصح منه ١٧٩ والعتق". وعند الحارث بن أبى أسامة من حديث عبادة بن الصامت بزيادة: "فمن قالهن فقد وجبن". وفيهما ابن لهيعة، والأخير منقطع أيضا، وفى الباب عن أبى ذر رفعه نحوه. وأخرجه عبد الرزاق عن على وعمر نحوه موقوفا. قال: وفى هذا رد على ابن العربى والنووى حيث أنكرا على الغزالى إيراد هذه اللفظة، فتأمل. كذا فى حاشية الشروح الأربعة للترمذى (٤٣٢:٢). ولكنه لم يجب عن الإيراد على صاحب الهداية. فأقول: إن الحديث أخرجه ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن مرسلا بلفظ: "من طلق أو حرم أو نكح أو أنكح جادا أو لاعبا فقد جاز عليه". وبهذا اللفظ أخرجه الطبرانى عن الحسن عن أبى الدرداء كما فى كنز العمال (١٥٦:٥). وتحريم الحلال يمين كما ستعرفه، أو يعم اليمين، فإن التحريم كما يكون بالإعتاق والطلاق قد يكون باليمين أيضا كما فى الإيلاء. وقال الجصاص فى أحكام القرآن له: وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: أربع واجبات على كل من تكلم بهن العتاق والطلاق والنكاح والنذر" اهـ (٣٩٩:١). ولا يخفى أن النذر واليمين كلاهما واحد. والأثر أخرجه البخارى فى تاريخه والبيهقى عن عمر بلفظ: قال: "أربع مقفلات النذر والطلاق والعتق والنكاح". وأخرجه عبد الرزاق من طريق عبد الكريم بن أمية عن طلق بن حبيب عن عمر قال: والهدى والنذر. كذا فى الدر المنثور (٢٨٦:١). وهذه طرق مختلفة يقوى بعضها بعضا، فاندفع الإيراد عن صاحب الهداية أيضا. فإن الفقهاء كثيرا ما يروون الحديث بالمعنى، هذا. وأما طلاق السكران فأخرج ابن أبى شيبة: "أن عمر أجاز طلاق السكران بشهادة نسوة"، انتهى. وأخرج عن عطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وسليمان ابن يسار والنخعى والزهرى والشعبى، قالوا: "يجوز طلاقه". وأخرج عن الحكم قال: "من طلق فى سكر(١) من الله فليس طلاقه بشىء، ومن طلق فى سكر من الشيطان فطلاقه جائز". وأخرج مالك فى الموطأ (بسند صحيح) عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن طلاق السكران، فقالا: "إذا طلق السكران جاز طلاقه، وإن قتل قتل". قال مالك: وذلك الأمر عندنا، كذا فى "نصب الراية" (٣٠:٢). وقال الطحاوى (٥٧:٢): حدثنا فهد قال: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة قال: ثنا أبو أسامة عن الوليد بن جميع قال: ثنا أبو الطفيل قال: ثنا حذيفة بن اليمان، قال: "ما منعنى أن أشهد بدرا إلا (١): أى من آفة سماوية لا دخل فيها لفعل العبد. ١٨٠ بيان من يصح منه الطلاق ومن لا يصح منه إعلاء السنن أنى خرجت أنا وأبى فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا: ما نريد إلا المدينة، . فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله عَّ فأخبرناه، فقال: انصرفا، نفى لهم بعهودهم ونستعين الله عليهم" اهـ. ثم قال: "قالوا: فلما منعهما رسول الله عَّ من حضور بدر لاستحلاف المشركين القاهرين لهما على ما استحلفوهما عليه ثبت بذلك أن الحلف على الطواعية والإكراه سواء، كذلك الطلاق والعتاق" اهـ. قلت: وسند الحديث محتج به، فإن رجاله كلهم ثقات. وأخرجه أحمد ومسلم فى صحيحه كما فى النيل (٢٣٦:٧). وفى "الجوهر النقى" (١١٧:٢): "وفى الاستذكار: كان الشعبى والنخعى والزهرى وابن المسيب وأبو قلابة وشريح فى رواية، يرون طلاق المكره جائزا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثورى". قلت: وفى "الموطأ" (٢١٥): ما يدل على أن مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير عدم وقوع طلاق المكره، وقد مر مثله عن ابن عباس فى المتن، وذكرنا الجواب عنها. وأما ما رواه أبو داود وسكت عنه عن عائشة مرفوعا: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) (٣٠٥:١). وفى حاشية أبى داود قال الخطابى: "هو الإكراه" اهـ. وفى النهاية (٣: ١٨٨): "أى فى إكراه لأن المكره مغلق عليه فى أمره، رقيق عليه فى تصرفه، كما يغلق الباب على الإنسان" اهـ. فهذا يدل على أن طلاق المكره لا يقع. فالجواب عنه: أولا ما قاله بعض الناس: أنه لا بد من التطبيق بين الأحاديث على قدر الإمكام، فنقول: إن المراد من الإغلاق هو إغلاق الفم، حيث لا يقدر على .. التكلم ولا يمكن له أن يتلفظ بلفظ الطلاق مفسرا، وإن تلفظ بشىء يسير مبهما لا يحصل المقصود به، فمثل هذا الطلاق لا يقع، لأنه لا يقال له عرفا أنه طلق إذا لم يفهم لفظ الطلاق من كلامه، ولم يصدر منه التلفظ به، حيث يدل على المقصود، وهذا لا يكون فى الإكراه المتنازع فيه، وتفسير صاحب "النهاية" على التفصيل أقعد بما فسرناه، فإن الضيق التام يحصل به تأمل. وثانيا: أن أبا داود أخرجه وقال: "الإغلاق أظنه فى الغضب". كما فى جمع الفوائد (٢٣٣:١). والمراد الغضب الذى يحصل به الدهش وزوال العقل، فإن قليل الغضب لا يخلوا الطلاق عنه إلا نادرا. وقد قلنا بعدم وقوع الطلاق فى مثل هذا الغضب قال الزيلعى: قال فى التنقيح: وقد فسره أحمد أيضا بالغضب. قال شيخنا: والصواب أنه يعم الإكراه والغضب والجنون، وكل أمر انغلق على صاحبه علمه وقصده، مأخوذ من غلق الباب اهـ (٣٠:٢). وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ..