Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
ج - ١١
باب أن لبن الفحل یحرم
٣٢٠٤- عن عائشة رضى الله عنها قالت: جاء عمى من الرضاعة ليستأذن على
فأبيت أن آذن له حتى استأمر رسول الله عَّ له فقال رسول الله عَ ليه: ((فليلج عليك فإنه
عمك. فقالت: إنما أرضعتنى المرأة ولم يرضعنى الرجل، قال: فإنه عمك فليلج
عليك)) رواه الترمذى (١٤٦:١)، وقال: حسن صحيح، وفى "التلخيص الحبير
(٣٣٢:٢): متفق عليه.
ومنهم من رواه عنه عن عبد الله بن الزبير، ومنهم من رواه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه، ولما كان
الأمر على هذا ووجدنا عروة قد خالف ذلك، فقال مثل ما قال سعيد بن المسيب: ما كان فى
الحولين وإن كان قطرة واحدة فهو يحرم، وما كان بعد الحولين فهو طعام يأكله فعلم أنه مع شدة
تمسكه بالحديث وكمال ورعه لم يترك ما روى عن عائشة إلى خلافه إلا وقد ثبت نسخ ذلك
عنده، ويحتمل أن يكون نسخه عنده على ما روى عن عائشة قالت: " كان فيما أنزل من القرآن
ثم سقط لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات، ثم نزل بعد أو خمس رضعات". فثبت عنده
سقوط ذلك من الأحكام بسقوطه من القرآن، مع أن أجلة الصحابة على التحريم بقليل الرضاع
وكثيره. منهم على بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر، وروى أن ابن عمر سئل عن المصة
والمصتين، فقال: "لا تصلح". فقيل له: إن ابن الزبير لا يرى بهما بأسا، فقال: يقول الله تعالى:
﴿وإخوانكم من الرضاعة﴾، قضاء الله أحق من قضاء ابن الزبير. ثم فقهاء الأمصار جميعا على هذا
القول من أهل المدينة وأهل الكوفة إلا قليلا منهم" اهـ من "المعتصر" (١٠٣:١).
باب أن لبن الفحل یحرم
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة.
الفائدة: فى "عمدة القارى": "قال بعضهم: وألزم بعضهم بهذا الحديث(١) الحنفية القائلين
أن الصحابى إذا روى حديثا عن النبى معَّ وصح عنه ثم صح عنه العمل بخلافه أن العمل بما رأى
لا بما روى، لأن عائشة صح عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، وأخذ الجمهور منهم الحنفية بخلاف
ذلك، وعملوا بروايتها فى قصة أخى أبى القعيس، وحرموا بلبن الفحل، وكان يلزمهم على
قاعدتهم أن يتبعوا عائشة ويعرضوا عن روايتها. وهذا إلزام قوى انتهى. قلت: لو علم هذا القائل
(١) هو أول أحاديث أحباب، وقد رواه البخارى باختلاف ألفاظ.

١٢٢
لبن الفحل یحرم
إعلاء السنن
٣٢٠٥- عن ابن شهاب عن عمرو بن الشريد أن عبد الله بن عباس سئل عن
رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلاما، وأرضعت الأخرى جارية، فقيل له:
هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: "لا، اللقاح واحد" ، رواه مالك فى "الموطأ" (٢٢٢).
قلت: رجاله رجال الصحيح.
مدرك ما قالته الحنفية فى ذلك لما صدر منه هذا الكلام، ولكن عدم الفهم وأريحية العصبية يحملان
الرجل على أخبط من هذا، وقاعدة أصحابنا فيما قالوه ليست على الإطلاق، بل هى لا يخلو
الصحابی فی عمله بما رأی لا بما روی، أنه إن كان عمله أو فتواه قبل الرواية أو قبل بلوغه إليه کان
الحديث حجة، وإن كان بعد ذلك لم يكن حجة، لأنه ثبت عنده أنه منسوخ، فلذلك عمل بما رآه
لا بما رواه، على أن ابن عبد البر قد ذكر أن عائشة أيضا كانت ممن حرم لبن الفحل" (٣٩١:٩).
قال الموفق فى "المغنى" فى تفسير لبن الفحل: "معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلا بلبن ثاب من
وطئ رجل حرم الطفل على رجل وأقاربه، كما ،- م ولده من النسب، لأن اللبن من الرجل كما
هو من المرأة، فيصير الطفل ولد الرجل والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك
المرأة أو من غيرها، وممن قال بتحريمه على وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبى
والقاسم وعروة ومالك والثورى والأوزاعى والشافعى وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر
وأصحاب الرأى. قال ابن عبد البر: وإليه هب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة
أهل الحديث، ورخص فى لبن الفحل سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن
يسار وعطاء بن يسار والنخعى وأبو قلابة. ويروى ذلك عن ابن الزبير وجماعة من أصحاب
النبى معَّ غير مسمين، لأن الرضاع من المرأة دون الرجل، ويروى عن زينب بنت أبى سلمة أنها
أرضعتها أسماء بنت أبى بكر امرأة الزبير قالت: وكان الزبير يدخل على وأنا أمتشط فيأخذ بقرن
من قرون رأسى فيقول: اقبلى على فحدثينى أراه والدا وما ولد فهم إخوتى، ثم إن عبد الله بن الزبير
أرسل يخطب إلى أم كلثوم ابنتى على حمزة بن الزبير، وكان حمزة للكلبية، فقلت لرسوله: وهل
تحل له؟ وإنما هى ابنة أخته. فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع لما قبلك، أما ما ولدت أسماء فهم
إخوتك، وما كان من غير أسماء فليسوا لك ياخوة، فأرسلى فسلى عن هذا. فسألت وأصحاب رسول
الله عَِّ متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا، فأنكحتها إياه فلم تزل
عنده حتى مات عنها (رواه الشافعى عن الدراوردى بسنده، وبه قال ابن بنت الشافعى كما فى "التلخيص"

١٢٣
ج - ١١
دلائل ومسائل شتى من أبواب النكاح
باب الحث والتحريض على النكاح والنهى عن التبتل
وأن الاشتغال به أفضل من التخلى للعبادة
٣٢٠٦- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: "لوعلمت أنه لم يبق من
أجلى إلا عشر ليال لأحببت أن لا يفارقنى فيهن امرأة". رواه الطبرانى وفيه عبد الرحمن
وسكت عنه ٢٣٢:٢). ولنا ما روت عائشة أن أفلح أخا أبى القعيس استأذن على فذكر حديث
المتن وزاد: قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب،
متفق عليه. وهذا نص قاطع للنزاع (وفيه رد على من قال: صح عن عائشة أن لا اعتبار بلبن
الفحل، فإن ما أخرجه الشيخان عنها أصح مما أخرجه غيرهما). فلا يعول على ما خالفه. فأما
حديث زينب فإن صح فهو حجة لنا، فإن الزبير كان يعتقد أنها ابنته وتعتقده أباها (ومن لازم ذلك
كون أولاده إخوة لها). والظاهر أن هذا كان مشهورا عندهم، وقوله مع إقرار أهل عصره أولى من
قول ابنه و قوم لا يعرفون" اهـ (٤٧٨:٧).
وأيضا: فإن الاجتهاد من بعض الصحابة والتابعين لا يعارض النص، (وهو قوله عّ لّه: ((فإنه
عمك فليلج عليك))) ولا يصح دعوى الإجماع لسكوت الباقين، لأنا نقول نحن نمنع أولا أن هذه
الواقعة بلغت كل المجتهدين منهم، وثانيا أن السكوت فى المسائل الاجتهادية لا يكون دليلا على
الرضا، وظنى أن هذا الأثر لم يصح وإلا لأنكر على ابن الزبير أهل عصره، لا سيما ابن عباس
منهم، والله تعالى أعلم. وقال القاضى عياض: "لم يقل أحد من أئمة الفقهاء وأهل الفتوى بإسقاط
حرمة لبن الفحل إلا أهل الظاهر وابن علية، والمعروف عن داود (الظاهرى) موافقة الأئمة الأربعة"
اهـ من "عمدة القارى" (٣٨٩:٩). وروى أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله معرّ له: " يحرم
من الرضاع ما يحرم من النسب، من خال أو عم أو ابن أو أخ". ورجاله رجال الصحيح كما فى
مجمع الزوائد (٢٦١:٤). وفيه أيضا: عن كعب بن عجرة مرفوعا: ((لا تحل بنت الأخ ولا بنت
الأخت من الرضاعة". رواه الطبرانى وفيه جابر الجعفى وقد وثق اهـ.
باب الحث والتحريض على النكاح والنهى عن التبتل
وإن الاشتغال به أفضل من التخلى للعبادة
قوله: "عن عبد الله إلى قوله عن عبيد بن سعد" إلخ. قلت: دلالتها على معنى الباب ظاهرة

١٢٤
الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلى للعبادة
إعلاء السنن
ابن عبد الله المسعودى وهو ثقة ولكنه اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع
الزوائد، ٢٥١:٤).
٣٢٠٧- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((لعن رسول الله عَّ له المتبتلين من
الرجال الذين يقولون لا نتزوج، والمتبتلات من النساء اللاتى يقلن مثل ذلك)). الحديث.
رواه أحمد وفيه الطيب بن محمد، وثقه ابن حبان وضعفه العقيلى، وبقية رجاله رجال
الصحيح (مجمع الزوائد، ٢٥١:٤)، فالحدیث حسن.
واحتج من رأى التخلى للعبادة أفضل من النكاح، بما ذكره البيهقى عن الإمام الشافعى رحمه الله،
إن الله تعالى ذكر القواعد من النساء فلم ينههن عن القعود، ولم يندبهن إلى النكاح. وذكر عبدا
أكرمه فقال: "سيدا وحصورا". والحصور الذی لا یأتی النساء ولم یندبه إلى نكاح. قلت: من یری
أن النكاح أفضل من التخلى للعبادة لا يقول بالنهى عن القعود، بل يجوز القعود عن النكاح عنده
وإن كان النكاح أفضل. وإنما لم يندبهن إليه لأنهن لا طمع لهن فيه، إذ القواعد هن اللاتى قعدن
عن الحيض والولد لكبرهن. ومعنى "لا يرجون نكاحا" يطمعن فيه. وروى القاضى إسمعيل فى
"أحكام القرآن" بسنده عن ربيعة فى قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساءُ﴾، قال: التى إذا رأيتها
استقذرتها، فلا بأس أن تضع الخمار والجلباب وأن تراها. وأما الاستدلال بأمر يحيى عليه السلام
فهو شرعه، وشرعنا وارد بخلافه فهو أولى. وما قاله ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": "أنه ليس
الكلام فى الحصور وإنما الكلام فيمن له قوة على الجماع". فليس على ما ينبغى، لما فيه من ترجيح
معنى العنين فى تفسير الخصور وليس كذلك، بل الراجح أنه الذى يكف عن النساء ولا يأتيهن مع
القدرة. قاله سعيد بن المسيب، وهو الأصح لوجهين، أحدهما أنه مدح وثناء عليه، والمدح والثناء
إنما يكون على الفضل المكتب دون الجبلة فى الغالب، والثانى أن حصور فعول، وبناء فعول اللغة من
صيغ الفاعلين، وإذا ثبت هذا فيحبى كان كافا عن النساء عن قدرة فى شرعه. فأما شرعنا فالنكاح
قاله ابن العربى فى "أحكام القرآن" له (١١٤:١). وقال فى العارضة: هذا منكر لأنك ذكرت
يحيى ونسيت محمدا عَّ ◌ُّ ورغبته ومدحه وحثه عليه. وأيضا فإنك قلت: شريعة من قبلنا ليست
شريعة لنا ولا يقتدى منها بحرف. ثم ذكر البيهقى حديث أهل الصفة وأنهم أضياف الإسلام لا
يأوون إلى أهل ولا مال.
قلت: الكلام فى من يجد أهبة النكاح، وهؤلاء كانوا فقراء. ثم ذكر البيهقى أن امرأة سألت
النبى معَِّ عن حق الزوج وأنها قالت: لا أتزوج ما بقيت فى الدنيا. قلت: فى سنده سليمان

١٢٥
ج - ١ الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلى للعبادة
٣٢٠٨- عن أبي نجيح أن رسول الله عّ لّه قال: ((من كان موسرا لأن ينكح ثم
لم ينكح فليس منى)). رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير، وإسناده مرسل حسن كما
قال ابن معين (مجمع الزوائد، ٢٥١:٤).
اليمانى ضعيف. والراوى عنه القاسم العرنى، قال أبو القاسم: لا يحتج به، والراوى عنه ابن المغيرة.
وفى "الميزان": محمد بن المغيرة السليمانى فيه نظر، كذا فى "الجوهر النقى" (٧٢:٢). قلت:
وللحديث طرق عديدة عند البزار يقوى بعضها بعضا، وبعضها رجاله ثقات كلهم، كما فى
"مجمع الزوائد" (٣٠٧:٤). والجواب أن الكلام إنما هو فى من يستطيع النكاح، والمرأة التى
سألت النبى عّ لّه عن حق الزوج قالت: "يا رسول الله! أخبرنى ما حق الزوج على الزوجة؟ فإنى
امرأة أيم، فإن استطعت وإلا جلست أيما". وفى رواية: "أخبرنى ما حق الزوج على زوجته، فإن
كان شيئا أطيقه تزوجت، وإن لم أطقه لا أتزوج". فلما أخبرها بحقه قالت: "لا جرم لا أتزوج
أبدا". أى لأنها رأت نفسها لا تطيقه، ولا نزاع فى مثلها. وأيضا فقد قدمنا أن من يرى النكاح
أفضل من التخلى لا يقول بالنهى عن القعود، بل يجوز القعود عن النكاح عنده، وإن كان النكاح
أفضل. ألا ترى أنه مَّ خطب أم هانئ بنت أبى طالب فقالت: ما بى عنك رغبة يا رسول الله!
ولكن لا أحب أن أتزوج وبنى صغار، فقال رسول الله مرّظله: ((خير نساء ركبن الإبل نساء قريش،
أحناه على طفل فى صغره، وأرعاه على بعل فى ذات يده". رواه الطبرانى ورجاله ثقات (مجمع
الزوائد ٢٧١:٤). فمن قعد عن النكاح بعذر فلا بأس به والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": "والناس فى النكاح على ثلاثة أضرب. منهم من يخاف على نفسه
الوقوع فى المحظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه فى قول عامة الفقهاء، لأنه يلزمه إعفاف نفسه
وصونها عن الحرام وطريقه النكاح. الثانى من يستحب له وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع فى
محظور، فهذا الاشتغال به أولى له من التخلى لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأى وهو ظاهر
قول الصحابة رضى الله عنهم وفعلهم، فذكر قول ابن مسعود المذكور فى المتن وزاد: "لتزوجت
مخافة الفتنة". وقول ابن عباس لسعيد وقد مر، وقال إبراهيم بن ميسرة: قال لى طاوس: لتنكحن
أو لأقولن لك ما قال عمر لأبى الزوائد: " ما يمنعك عن النكاح إلا عجز أو فجور". (رواه ابن أبى
شيبة وغيره كما فى "فتح البارى " ٩٦:٩). قال أحمد فى رواية المروزى: ليست الغربة من أمر
الإسلام فى شىء، وقال: من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير الإسلام، ولو تزوج بشر
(الحافى) كان قد تم أمره. واحتج الشافعى بقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء
.

١٢٦
الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلى للعبادة
إعلاء السنن
٣٢٠٩- عن عبيد بن سعد يبلغ به النبى عّ لّ. قال: ((من أحب فطرتى فليستن
بسنتى ومن سنتى النكاح)). رواه أبو يعلى ورجاله ثقات إن كان عبيد بن سعد صحابيا،
وإلا فهو مرسل (مجمع الزوائد، ٢٥٢:٤).
والبنين﴾. وهذا فى معرض الذم، ولأنه عقد معاوضة فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع. ولنا
ما تقدم من امر الله تعالى به ورسوله وحثهما عليه. ثم ذكر نحو ما ذكرناه فى المتن من الآثار. ثم
قال: وهذا حث على النكاح شديد، ووعيد على تركه يقربه إلى الوجوب والتخلى منه إلى
التحريم، ولو كان التخلى أفضل لانعكس الأمر، ولأن النبى معَّ تزوج وبالغ فى العدد، وفعل
ذلك أصحابه ولا يشتغل النبى عّ لّ. وأصحابه إلا بالأفضل ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل
والاشتغال بالأدنى.
ومن العجب أن من يفضل التخلى لم يفعله؟ فكيف اجتمعوا على النكاح فى فعله وخالفوه
فى فضله؟ فما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده ويعمل بالأولى؟ ولأن مصالح النكاح أكثر، فإنه
يشتمل على تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل وتكثير
الأمة، وتحقيق مباهاة النبى معَّه وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها
أولى. وقد روينا فى "أخبار المتقدمين": أن قوما ذكروا النبى لهم فضل عابد، فقال: أما أنه لتارك
شىء من السنة. فبلغ العابد فأتى النبى سأله عن ذلك، فقال: إنك تركت التزويج. فقال: يا نبى
الله! وما هو إلا هذا، فلما رأى النبى احتقاره لذلك قال: أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج من
كان يقوم بالجهاد وينفى العدو ويقوم بفرائض الله وحدوده؟ والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح
ولا يقاربها" اهـ (٣٣٦:٧) ملخصا. قلت: قد بقى عليه قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات
من النساء والبنين﴾ الآية، قال الشافعى: وهذا فى معرض الذم.
والجواب أن نعم إذا كانت هذه أحب إليهم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله، بدليل قوله
تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة
تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى
يأتى الله بأمره﴾ الآية. وأما إذا كان الله ورسوله والجهاد فى سبيله أحب إلى النفس من تلك
الشهوات فليس حبها بمذموم، فهل ترى أن رسول الله عّ لّه كان يحب مذموما حيث قال: "حبب
إلی من دنیا کم النساء".

ج - ١١
الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلى للعبادة
١٢٧
٣٢١٠- عن ربيعة الأسلمى قال: كنت أخدم النبى معَّه فقال لى: ((يا ربيعة ألا
تزوج؟)) قلت: لا والله يا رسول الله! ما أريد أن أتزوج، وما عندى ما يقيم المرأة، وما
أحب أن يشغلنى عنك شىء. فأعرض عنى، ثم قال لى الثانية: ((يا ربيعة ألا تزوج؟))
فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندى ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلنى عنك شىء.
فأعرض عنى. ثم رجعت إلى نفسى فقلت: والله لرسول الله عّ لّ أعلم منى بما يصلحنى
فى الدنيا والآخرة، والله لئن قال لى أتزوج لأقولن: نعم يا رسول الله! مرنى بما شئت،
فقال لى: "يا ربيعة! ألا تزوج؟ قلت: بلى! مرنى بما شئت، قال: ((انطلق إلى آل فلان
حى من الأنصار، فقل لهم: إن رسول الله مَّ أرسلنى إليكم يأمركم أن تزوجونى
فلانة لامرأة منهم)). فذهبت إليهم، فقلت لهم: إن رسول الله عّ لّه يأمركم أن
تزوجونى، فقالوا! مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله عَ ليه، والله لا يرجع رسول
رسول الله عَّ إلا بحاجته. الحديث مختصر رواه أحمد والطبرانى وفيه مبارك بن
فضالة وحديثه حسن، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد، ٢٥٦:٤).
٣٢١١- عن أنس رضى الله عنه مرفوعا: ((حبب إلى من دنياكم النساء والطيب،
وجعلت قرة عينى فى الصلاة)). أخرجه أحمد والنسائى والحاكم والبيهقى، وإسناده
جيد (العزيزى، ٢٠٢:٢). وما اشتهر من زيادة ثلاث فيه بلفظ: "حبب إلى من دنياكم
قوله: "عن ربيعة الأسلمى" إلخ. قلت: وهذا نص فى موضع النزاع، فإن ربيعة كان يرجح
صحبة النبى عّ ◌ُلّه على النكاح، وما كان يحب أن يشغله عنه شىء، ومع ذلك فقد أعرض عنه
النبى معَّهِ، وحثه على النكاح مرة بعد أخرى، وهو يقول: ما عندى ما يقيم المرأة وما أحب أن
يشغلنى عنك شىء. وقال أحمد فى رجل قليل الكسب يضعف قلبه عن العيال: الله يرزقهم،
التزويج أحصن له، وربما أتى عليه وقت لا يملك قلبه فيه (ويؤيد قوله أثر ربيعة الأسلمى هذا، فإن
النبى معَّ حثه على النكاح ولم يكن عنده ما يقيم المرأة). وهذا فى حق من يمكنه التزويج، فأما
من لا يمكنه (بأن لا يرضاه أحد بعلا لابنته) فقد قال الله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون
نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾، كذا فى "المغنى" (٣٣٧:٧).
قوله: "عن أنس" إلخ. وفى قوله: "دنياكم" دون دنياى أو دنيانا إشارة إلى أنه عّ لّه إنما
يضاف إليه أمور الآخرة قاله الحفنى. ودلالته على كون النكاح محبوبا له عَّه وأن حب النساء

١٢٨
الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلى للعبادة
إعلاء السنن
· ثلاث". لا أصل له قاله العراقى فى أماليه والحافظ ابن حجر فى تخريج الكشاف وبذلك
صرح الزركشى فقال: إنه لم يرد فيه لفظ ثلاث. (المقاصد الحسنة للسخاوى (٨٦).
٣٢١٢- عن سعيد بن جبير قال: قال لى ابن عباس: "هل تزوجت؟" قلت: لا،
قال: "فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء". أخرجه البخارى (فتح البارى، ٩٩:٩).
لا ينافى الزهد وكمال العبادة، فإنه عرّ- سيد الزاهدين والعابدين، وأن النكاح لا يخل فى كون.
الصلاة قرة العين للعبد إذا اشتغل به مع حفظ الحدود وأداء الحقوق إلى أهلها ظاهرة، فافهم.
قوله: "عن سعيد بن جبير" إلخ. الظاهر أن مراد ابن عباس بالخير النبى معَ ◌ّه، وبالأمة
أحصاء أصحابه. وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبى معَّ له
غيره، والذى تحصل من كلام من العلم فى الحكمة فى استكثاره من النساء عشرة أوجه: أحدها:
أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة، فينتفى عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك.
ثانيها لتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. ثالثها: للزيادة فى تألفهم بذلك، رابعها: للزيادة فى
التكليف، حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة فى التبليغ وفى عبادة ربه.
خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه. سادسها: نقل الأحكام
الشرعية التى لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفى مثله.
سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه،
وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق فى خلقه لنفرن منه، بل الذى وقع
أنه کان أحب إليهن من جمیع أهلهن.
ثامنها: خرق العادة له فى كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام
والوصال، والصوم يكسر الشهوة، فانخرقت هذه العادة فى حقه عَ لّه، فكان يطوف على نسائه
فى الليلة الواحدة.
وتاسعها وعاشرها: ما قاله فى الشفاء: إنه لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك
عبادة لقيامه بحقوقهن وهدايته إياهن" اهـ. من "فتح البارى" ملخصا (٦٩:٩). ومن العجائب أن
أزواجه التسع قمن فى تبليغ أحكام النساء والرجال مقاما عجز عنه ألوف من الصحابة، فكانوا
يرجعون إليهن فى ما أشكل عليهم من أحكام الرجال، ولم يكن يرجعن إليهم فى شىء من أحكام
النساء، وفيه آیة کبری من تأثير صحبته مآ، فافهم.

ج - ١١
١٢٩
باب لعب النكاح وحده سواء
٣٢١٣- أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن القاسم بن عبد
٢٠٠٠
الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: دخل المسيب بن نجبة على فريعة بنت
حبان وهو ابن عمهنا وخالها فقال: يا فريعة أشعرت أنه ولدت لى جارية؟ فقالت: بارك
الله لك! قال: فإنى قد أنكحتها ابنك. قالت: قبلت، ثم لبث ساعة فقال: ما كنت بجاد
وما كنت إلا لاعبا. قالت: قد عرضت على النكاح وقد قبلت. قال: بینی وبینك عبد
الله بن مسعود، فدخل عليهما عبد الله، فلما قصا عليه القصة قال: حدثت يا مسيب
بالنكاح؟ قال: نعم! قال: "فإن النكاح جده ولعبه سواء، كما أن الطلاق جده ولعبه
سواء". أخرجه محمد فى الحجج له (٢٨٧). وقال: أجاز قول فريعة "قد قبلت"
وكانت امرأة عبد الله. والقاسم عن عبد الله مرسل ولكنه من أهل بيته، وصاحب البيت
أدرى بما فيه، فهو مرسل صحيح فى حكم الموصول.
٣٢١٤ - أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود أنه قال:
"إن لعب النكاح وجده سواء كما أن لعب الطلاق وجده سواء)). أخرجه محمد فى
الحجج (٣٠١)، وهو مرسل رجاله ثقات. ومراسيل النخعى صحاح كما مر غير مرة.
باب لعب النكاح وجده سواء
قوله: "أخبرنا عبد الرحمن إلى آخر الباب" دلالة الأثرين على معنى الباب ظاهرة.
قال محمد: قال أبو حنيفة فى نكاح اللعب والهزل: أنه جائز كما يجوز نكاح الجد، وقال
أهل المدينة: لا يجوز منه إلا ما كان على وجه الجد.
قال محمد: هذا لعمرى قياس قولهم فى المستكرهة على النكاح. ولئن جاز أن يبطل نكاح
الهزل ليجوزن أن يبطل طلاق الهزل، وما هو إلا جمع بينهما والطلاق فرقة بينهما، فإن جاز هذا
فى أحدهما ليجوزن فى الآخر، ولئن بطل فى أحدهما ليبطلن فى الآخر، وقد جاءت فى ذلك آثار
كثيرة على وجه واحد، (فلا يصح إبطال النكاح بالهزل وإيقاع الطلاق به) اهـ (٣٠١).

١٣٠
إعلاء السنن
باب من تزوج امرأة فى عدتها يفرق بينهما
وتستکمل العدة ثم یتزوجها إن شاء
٣٢١٥- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعى عن على رضى الله عنه
أنه قال فى المرأة تتزوج فى عدتها: "يفرق بينها وبين زوجها الآخر، ولها الصداق منه
بما استحل من فرجها، وتستكمل ما بقى من عدتها من الأول، وتعتد من الآخر عدة
مستقبلة، ثم يتزوج الآخر إن شاء". رواه محمد فى الحجج له (٢٩٧)، وهو مرسل
صحيح ومراسيل النخعى صحاح.
٣٢١٦- أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد أنه قال: "قد
رجع عمر رضى الله عنه فى التى تنكح فى عدتها والمفقود زوجها إلى قول على رضى
الله عنه". رواه محمد فى الحجج أيضا (٢٩٧). وهو مرسل حسن. وقال البيهقى:
روى الثورى عن أشعث عن الشعبى عن مسروق عن عمر أنه رجع، فقال: "لها مهرها.
ويجتمعان إن شاء". كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٢٨:٢).
باب جواز الدخول بالزوجة قبل أن يعطيها شيئا من صداقها.
٣٢١٧- أخبرنا سفيان بن سعيد الثورى حدثنا منصور عن طلحة بن مصرف عن
خيثمة بن عبد الرحمن الجعفى: ((أن رسول الله عَ ليه جهز امرأة إلى زوجها ولم يعطها
شيئا)). أخرجه محمد فى الحجج له (٣٠٧)، وهو مرسل صحيح.
باب من تزوج امرأة فی عدتها یفرق بينهما
وتستكمل العدة ثم يتزوجها إن شاء
قوله: أخبرنا أبو حنيفة إلخ. قال محمد: قال أهل المدينة مثل قول أبى حنيفة إلا فى خصلة
واحدة، قالوا: لا يجتمعان أبدا بنكاح مستقبل، قالوا: بلغنا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه
قال: لا يجتمعان أبدا. قيل لهم: وقد قال هذا عمر فيما بلغنا ثم رجع عنه فذكر الأثرين (٢٩٧).
باب جواز الدخول بالزوجة قبل أن يعطيها شيئا من صداقها
دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة، وكره أهل المدينة أن يمس الرجل المرأة قبل أن يعطيها
من مهرها شيئًا فيستحلها به، ولا بأس به بذلك عندنا إذا رضيت المرأة ذلك ورضى به أولياؤها وإن
كان الصداق حالا ذكره محمد رحمه الله فى الحجج وقوى مذهبه بالآثار والنظر والله تعالى أعلم.

١٣١
ج - ١١
٣٢١٨ - قال عباد بن العوام: حدثنا الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبى رباح فى
الرجل يتزوج المرأة: "أنه لم ير بأسا أن يدخل عليها قبل أن يعطيها شيئا". رواه محمد
فى الحجج أيضا (٣٠٨). ورجاله ثقات.
٢٢-٣٢١٩٠ - أخبرنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب فى رجل
تزوج امرأة ثم دخل بها قبل أن يعطيها شيئا، قال: "لا بأس به". رواه محمد فى الحجج
أيضاً (٣٠٨). ورجاله ثقات ثم أسند عن إبراهيم النخعى وعن الحسن نحوه.
باب ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا
٣٢٢٠- أخبرنا قيس بن الربيع أخبرنا الأغر بن الصباح عن خليفة بن الحصين عن
أبي نصر عن عبد الله بن عباس قال: "جاء رجل من أهل خراسان إلى عبد الله بن عباس
فقال: تحتى امرأة من أجمل النساء قد ولدت لى سبعة كلهم قد أطاق السلاح، وإنى
كنت قد أصبت من أمها صبوة، فما ترى؟ قال: كم مالك؟ قال: ثلاثمائة ألف. قال:
فبكم يسرك أن تفديتها من مالك؟ فقال: بمالى كله. قال: قد حرمت عليك". أخرجه
محمد فی الحجج (٣٢٩) وسنده حسن. وقال أبو زرعة: أبو نصر الأسدی الذی یروی
عن ابن عباس ثقة، كذا فى التهذيب (٢٥٥:١٢).
٣٢٢١ - أخبرنا قيس بن الربيع عن القعقاع عن يزيد الضبى قال: سألت الحسن
البصرى عن رجل ضم إليه صبية بشهوة أ يتزوج أمها؟ قال: لا. رواه محمد فى الحجج
(٣٢٩) واحتج به.
٣٢٢٢ - أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: إذا قبل الرجل أم امرأته أو
لمسها من شهوة حرمت عليه امرأته. أخرجه محمد فى الحجج (السابق) ورجاله ثقات.
باب ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا
دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة. وألزم محمد من قال: إن الحرام لا يحرم الحلال، بأنه
يقول: "إن زنى بالأم لا تحرم عليه إلا بنته وكانت امرأته بحالها، وإن تزوج بالأم بعد الابنة تزويجا
فالنكاح فاسد، وإن دخل بنها حرمتا عليه جميعا، ولم تحل له إلا بنته ولا الأم، وحرم هذا الجماع
نكاحه للإبنة الصحيح الذى كان صحيحا قبل جماع الأم، فقد تركوا قولهم: إن الحرام لا يحرم
الحلال، فى قولهم: إنه إذا تزوج أمها فدخل بها حرمت عليه البنت. أرأيتم نكاح الأم إن كان

١٣٢
إعلاء السنن
٣٢٢٣- أخبرنا إسماعيل بن عياش الحمصى حدثنى سعيد بن يوسف عن يحبى
ابن أبى كثير قال: سئل عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن
وسالم بن عبد الله، عن رجل أصاب امرأة حراما هل يحل له نكاح امرأة أرضعتها؟
فقالوا کلهم: "هی حرام"، أخرجه محمد فى الحجج وسنده حسن، وسعيد بن يوسف
هذا هو الرحبى الزرقى الصنعانى من صنعاء دمشق، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال
أبو حاتم: ليس بالمشهور، وحديثه ليس بالمنكر. كذا فى "التهذيب" (١٠٤:٤).
٣٢٢٤- أخبرنا إسماعيل بن عياش الحمصى حدثنى ابن جريج عن ابن طاوس
عن أبيه، عن الرجل يزنى بالمرأة، قال: لا ينكح أمها ولا بنتها. أخرجه محمد
فى الحجج أيضا ورجاله ثقات.
٣٢٢٥- أخبرنا إسماعيل بن عياش حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قيس بن
سعيد(١) عن مجاهد، فى الرجل يفجر بالمرأة، قال: "إذا نظر إلى فرجها فلا يحل له أمها
ولا بنتها. أخرجه محمد فى الحجج أيضا ورجاله ثقات.
باب انعقاد النكاح بلفظ الهبة والتمليك ونحوهما
٣٢٢٦- حدثنا محمد بن بشر ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، "أنها
كانت تعير النساء اللاتى وهبن أنفسهن لرسول الله عرّ جله، قالت: ألا تستحيى المرأة أن
تعرض نفسها بغير صداق؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن) الآية. أخرجه
أحمد فى مسنده وهذا سند على شرط الشيخين (الجوهر النقى، ٦٩:٢).
حلالا فقد حل له أن يجمع بين امرأة وابنتها وإن كان حراما فهذا حرام قد حرم الحلال" اهـ
(٣٢٨). وقال ابن حزم: "روينا من طريق شعبة عن الحكم بن عنبسة قال: قال النخعى: إذا كان
الجلال يحرم الحلال فالحرام أشد تحريما. وعن الشعبى: ما كان فى الحلال حراما فهو فى الحرام أشد
وعن ابن مغفل: هى لا تحل له فى الحلال فكيف تحل له فى الحرام اهـ من الجوهر النقى (٨٥:٢).
باب انعقاد النكاح بلفظ الهبة والتمليك ونحوهما
قوله: حدثنا محمد بن بشر إلى قوله: عن الحكم وحماد" إلخ. حديث عائشة من الطريقين
(٢) وفى نسخة: سعاد.

ج - ١١
انعقاد النكاح بلفظ الهبة والتمليك ونحوهما
١٣٣
٣٢٢٧- حدثنا حسين بن نصر ثنا يوسف بن عدى ثنا على بن مسهر عن هشام
عن أبيه، قالت عائشة: "كنت إذا ذكرت قلت: إنى لأستحيى امرأة تهب نفسها لرجل
بغير مهر". الحديث أخرجه الطحاوى. وحسين بن نصر قال فيه السمعانى وابن يونس:
ثقة ثبت، وبقية السند على شرط البخارى (الجوهر النقى، السابق).
٣٢٢٨- عن معمر عن أيوب عن أبى قلابة أن ابن المسيب ورجلين معه من أهل
العلم قالوا: "لا تحل الهبة لأحد بعد النبى معَّه، ولو تزوجها على سوط لحلت". أخرجه
عبد الرزاق فى المصنف (الجوهر النقى، السابق) وهذا إسناد صحيح.
٣٢٢٩- وعن طاوس قال: لا يحل لأحد أن يهب ابنته بغير مهر إلا للنبى عل به.
٣٢٣٠ - وعن مجاهد: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى، قال: بغير صداق.
٣٢٣١- وعن عطاء سئل عن امرأة وهبت نفسها لرجل قال: لا يكون إلا بصداق.
وعنه: قال: لا يصلح إلا لصداق، لم يكن ذلك إلا للنبى عَ ◌ّه.
٣٢٣٢- وعن الحكم وحماد، سئلا عن رجل وهب ابنته لرجل، فقالا:
"لا يجوز إلا بصداق". ذكر الخمسة ابن أبى شيبة فى مصنفه بأسانيد صحيحة
(الجوهر النقي، السابق).
يدل على أن الذى أنكرته عائشة هو ترك المهر لا غير، وأن الذى خص به النبى عّ لّ هو الانعقاد
بغير صداق. وقد قال الشافعى: "لم يكن لأحد أن يقول: جمع رسول الله معرّه بين أكثر من أربع،
ونكح امرأة بغير مهر". وذكر البيهقى فى باب الرجل يعتق امته ثم يتزوج بنها: "أنه عليه السلام
أعتق صفية وجعل عنقها صداقها". ثم ذكر عن يحيى بن أكثم قال: هذا كان للنبى معَّ خاصة".
وذكر هذا الحديث للشافعى فحمله على التخصيص، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقا
تم تزوجها على غير مهر، ونكاح غيره لا يخلو عن مهر انتهى. وقد دلت الآثار على اختصاص
النبى معَّ بالواهبة نفسها بلا مهر دون لفظ الهبة، ويؤيد ما قاله هؤلاء أن الآية خرجت مخرج
الامتنان لرفع الحرج، والحرج إنما هو فى وجوب الصداق لا فى الانعقاد من جهة اللفظ، إذ لا فرق
فى اللفظ بين وهبت وزوجت، وذلك أنه قد لا يقدر على المهر فيضيق عليه التماسه، فأما إبدال
العبارة بغيرها فلا ضيق فيه، وإذا ثبت أن الذى خص به عليه السلام هو الانعقاد بغير مهر، فانتفت
الخصوصية بلفظ الهبة لئلا يلزم كثرة الاختصاص إذا الأصل عدمه كذا فى الجوهر النقى (٧٠:٢).

١٣٤
إعلاء السنن
٣٢٣٣- عن سهل بن سعد الساعدى، قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله عَ ليه
فقالت: يا رسول الله! جئت أهب لك نفسى، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا
جلست فقال رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله عَ ليه! إن لم يكن لك بها حاجة
فزوجنيها، فذكر الحديث بطوله، وفيه قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن".
رواه البخارى (فتح البارى، ١١٣:٩)، ومسلم (الجوهر النقي، ٨٢:٢).
باب إِذا زوج الولیان فالنکاح للأول منهما
٣٢٣٥- عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا: ((أيما امرأة زوجها وليان فهى
الأول منهما)). رواه أحمد والدارمى وأبو داود والترمذى حسنه الترمذى وصححه أبو
قوله: "عن سهل بن سعد" إلخ. قد دل قوله تعالى: ﴿إِن وهبت نفسها للنبى﴾، على جواز
النكاح بلفظ الهبة كما قدمنا، وأن الخصوصية للنبى ◌ّ : إنما هى فى الانعقاد بغير صداق لا فى
الهبة، ودل ما فى حديث سهل بن سعد من قوله عليه السلام: ((ملكتكها))، على جوازه بلفظ
التمليك أيضا. وقال الشافعى رحمه الله: لا ينعقد إلا بما سمى الله تعالى، وهو لفظ النكاح
والتزويج الذى ورد به القرآن، وينتقض ذلك بالطلاق فإنه تعالى ذكره بثلاثة ألفاظ، الطلاق
والفراق والسراح. وقد أجمع أهل العلم أنه لا يختص بها بل يشاركها ما هو فى معناها، كالخلع
والبائن والبتة والحرام. وهبة المرأة نفسها إن أراد الطلاق. واحتج البيهقى لمذهبه بحديث فى آخره:
"استحللتم فروجهن بكلمة الله" ثم قال: قال أصحابنا: وهى كلمة النكاح والتزويج الذين ورد
بهما القرآن. والجواب أنا لا نسلم ذلك، بل ذكر الهروى وغيره أن المراد بها قوله تعالى: ﴿فإمساك
بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. (أراد بالكلمة الحكم كما فى قوله تعالى: ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه
بكلمات﴾، أى بأحكام عديدة كلفه بها)، قال الخطابي: قيل فيها وجوه هذا أحسنها، وقيل المراد
بها كلمة التوحيد، وهى لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ لو لا إسلام الزوج لما حلت له، وقال
القرطبى: وأشبه من هذا الأقوال أنها عبارة عن حكم الله تعالى بجواز النكاح، ثم لو سلمنا أن المراد
بالكلمة ما ذكروه فذاك لا ينفى الحل بغيرها اهـ من الجوهر النقى (٨٢:٢) بتغيير يسير فى التعبير.
باب إذا زوج الولیان فالنکاح للأول منهما
قوله: "عن قتادة" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة. قال الموفق فى "المغنى": "إذا زوجها
الوليان لرجلين وعلم السابق منهما فالنكاح له دخل بها الثانى أو لم يدخل، وهذا قول الثورى

ج - ١١
إذا زوج الولیان فالنکاح للأول منهما
١٣٥
زرعة وأبو حاتم والحاكم فى المستدرك، وصحته متوقفة على سماع الحسن من سمرة،
فإن رجاله ثقات. ورواه الشافعى وأحمد والنسائى من طريق قتادة أيضا عن الحسن عن
عقبة بن عامر. قال الترمذى: الحسن عن سمرة فى هذا أصح. وقال ابن المدينى: لم
يسمع الحسن عن عقبة شيئا، كذا فى التلخيص الحبير (٢٩٩:٢).
والحسن والزهرى وقتادة وابن سيرين والأوزاعى والشافعى وأبى عبيد وأصحاب الرأى، وبه قال
عطاء ومالك ما لم يدخل بها الثانى فإن دخل بها الثانى صار أولى لقول عمر: إذا أنكح الوليان
فالأول أحق ما لم يدخل بها الثانى، ولأن الثانى اتصل بعقده القبض فكان أحق.
ولنا ما روى سمرة وعقبة عن النبى مؤلّ فذكر حديث المتن، وروى نحو ذلك عن على
وشريح، ولأن الثانى تزوج امرأة فى عصمة زوج فكان باطلا، كما لو علم أن لها زوجا، وأما
حديث عمر رضى الله عنه فلم يصححه أصحاب الحديث. وقد خالفه قول على رضى الله عنه،
وجاء على خلاف حديث النبى مرّ له، وما ذكروه من القبض لا معنى له، فإن النكاح يصح بغير
قبض، على أنه لا أصل له فيقاس عليه. فإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان أى يفسخ الحاكم
النكاحين جميعا، ثم تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما، نص عليه أحمد فى رواية الجماعة،
وهذا قول أبى حنيفة ومالك" إلخ ملخصا (٣٠٤:٧ و٣٠٦).
باب أن شهادة النساء منفردة لا تقبل فى الرضاع
:" ولا يقبل فى الرضاع شهادة النساء منفردات. وإنما يثبت بشهادة
قلت: وفى الهداية
رجلين أو رجل وامرأتين" اهـ (٣٣٤:٢). وعلله بقوله: "إن ثبوت الحرمة لا يقبل الفصل عن زوال
الملك فى باب النكاح، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين" (٣٣٤:٢).
ومذهب ماثور عن عمر والمغيرة بن شعبة وعلى بن أبى طالب وابن عباس رضى الله عنهم. قال
الحافظ فى "الفتح": " وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفى فى ذلك شهادة المرضعة، لأنها شهادة على
فعل نفسها، وقد أخرج أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة بن شعبة وعلى بن أبى طالب وابن عباس،
أنهم امتنعوا من التفرقة بذلك، فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت ببينة وإلا فحل بين الرجل وامرأته
إلا أن يتتزها. ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت" اهـ (١٩٨:٥).
وهذا حسن أو صحيح على قاعدة الحافظ فى الأحاديث المزيدة فى "الفتح"، والله تعالى أعلم.
وقال العينى فى العمدة: وروى ابن مهدی بإسناده عن رجل من عبس قال: سألت عليا وابن عباس

١٣٦
إعلاء السنن
كتاب الطلاق
باب أن الطلاق أبغض الحلال عند الله تعالی إذا کان بغير حاجة
٣٢٣٦ - عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى معَّ له قال: ((أبغض الحلال إلى
الله عز وجل الطلاق)). رواه أبو داود وقد سكت عنه (٣٠٣:١). ورواه الحاكم فى
المستدرك وصخح سنده فى الجامع الصغير (٤:١) بعد عزوه إليهما وإلى ابن ماجه.
٣٢٣٧- عن ابن سيرين قال: بلغنى أن أبا أيوب يعنى أراد طلاق أم أيوب،
فاستأمر النبى معَّ ◌ُله، فقال: ((إن طلاق أم أيوب لحوب)). رواه أبو داود فى المراسيل
(٢٥). وسكت عنه.
رضى الله تعالى عنهم عن رجل تزوج امرأة، فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما، فقالا: ينزه
عنها فهو خير. وأما أن يحرمها عليه أحد فلا، وقد قال زيد بن أسلم: إن عمر بن الخطاب لم يجز
شهادة امرأة واحدة فى الرضاع اهـ (٣٩٢:٩). وأما ما رواه البخارى كما فى "فتح البارى" عن
عقبة بن الحارث قال: "تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما. فأتيت النبى
عَّ ◌ُله، فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت أرضعتكما وهى كاذبة.
فأعرض عنى فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد
أرضعتكما، دعها عنك" (١٣١:٩).
فأجاب عنه فى "فتح القدير" بما نصه. وأما الحديث فكان للتورع، ألا يرى أنه أعرض عنه
فى المرأة الأولى، ولو كان حكم ذلك الإخبار وجوب التفريق لأجابه به من أول الأمر، إذ الإعراض
قد يترتب عليه ترك السائل المسألة بعد ذلك، ففيه تقرير على المحرم، فعلم أنه قال له ذلك لظهور
اطمئنان نفسه بخبرها، لا من باب الحكم، وكونها كاذبة حمقاء على ما قيل لا ينفى اطمئنان
النفس بخبرها، بل قد يكون معه، لأن بعض البلاهة يقارنها بحسب الغالب عدم الخبث الذى عنه
تعمد الكذب. والكلام فى هذا القدر لا فى الجنون، وقد قلنا إنه إذا وقع فى القلب صدقها
ليستحب التنزه ولو بعد النكاح، وكذا إذا شهد به رجل واحد اهـ ملخصا بلفظه (٣: ٤٢٤).
باب أن الطلاق أبغض الحلال عند الله تعالی إذا کان بغير حاجة
قال المؤلف: دلالة مجموع أحاديث الباب عليه من حيث أن الحديث الأول أثبت كونه
أبغض الحلال، والثانى وقوعه من رسول الله عرّ له وهو لا يفعل ما يكون أبغض عند ربه عز وجل،
:

١٣٧
ج - ١١
٣٢٣٨- عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ((أن النبى عّ لّ طلق حفصة ثم
راجعها)). رواه أبو داود والنسائی وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود والمنذری (نيل
الأوطار، ١٤٢:٦). وقد مر حديث طلاق سودة رضى الله عنها فى باب صحة ترك
القسم لضرتها.
باب طلاق السنة
٣٢٣٩- عن إبراهيم رحمه الله: كانوا (أى الصحابة) يستحبون أن يطلقها واحدة
فلا بد من حمله على الحاجة، فثبتْ بمجموع الحديثين مقصود الباب. قال الموفق فى "المغنى".
"الطلاق حل قيد النكاح وهو مشروع، والأصل فى مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. أما
الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. وقوله: ﴿يا أيها
النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، الآية.
وأما السنة فما روى ابن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض، فأمره أن يراجعها ثم يتركها حتى
تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس. فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها
النساء، متفق عليه. فى آى وأخبار سوى هذين كثير، وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة
دالة على جوازه، فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة، وضررا
مجردا بإلزام الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة. واختلف فى
الطلاق من غير حاجة إليه، فقيل: محرم، لأنه ضرر بنفسه وزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة
لهما من غير حاجة إليه، فكان حراما كإتلاف المال، ولقول النبى معَّ له: ((لا ضرر ولا إضرار فى
الإسلام)). وقيل: مباح مكروه، لقول النبى ◌ّ: أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وإنما يكون مبغوضا
من غير حاجة إليه، وقد سماه النبى معَّةٍ حلالاً وأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب
إليها، فيكون مكروها، وعند الحاجة إليه مباح غير مكروه، وعند تفريط المرأة فى حقوق الله تعالى
الواجبة عليها مثل الصلاة ونحوها أو تكون غير عفيفة أو خارجة إلى المخالعة والشقاق مندوب إليه،
ومحظور فى حال الحيض أو فى طهر جامعها فيه، أجمع العلماء فى جميع الأمصار وكل الأعصار
على تحريمه ويسمى طلاق البدعة اهـ ملخصا (٣٣٤:٨ و٣٣٥).
باب طلاق السنة
قال المؤلف: دلالة آثار الباب عليه ظاهرة. قال الموفق فى "المغنى: طلاق السنة الذى وافق

١٣٨
طلاق السنّة
إعلاء السنن
ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض. رواه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح (دراية ٢٢٦).
٣٢٤٠- أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب ثنا حفص بن غياث ثنا الأعمش عن
أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله أنه قال: "طلاق السنة تطليقة وهى طاهر
فى غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها
أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة". قال الأعمش: "سألت إبراهيم فقال: مثل ذلك".
رواه النسائي (٩٩:٢). ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن يحيى وهو ثقة حافظ
(تقريب، ١٩٨).
أمر الله تعالى وأمر رسوله عّ لّ هو الطلاق فى طهر لم يصبها فيه، ثم يتركها حتى تنقضى عدتها،
ولا خلاف فى أنه إذا طلقها فى طهر لم يصبها فيه ثم تركها حتى تنقضى عدتها أنه مصيب للسنة،
مطلق للعدة التى أمر الله بها، قاله ابن عبد البر وابن المنذر، قال ابن مسعود: "طلاق السنة أن
يطلقها من غير جماع"، ونحوه عن ابن عباس. وفى حديث ابن عمر الذى رويناه: "وليتركها
حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التى أمر
الله أن يطلق لها النساء". وقوله: "ثم يدعها حتى تنقضى عدتها"،، عناه أنه لا يتبعها طلاقا آخر قبل
قضاء عدتہا، ولو طلقها ثلاثا فی ثلاثة أطهار کان حكم ذلك حکم جمع الثلاث فی طهر واحد.
قال أحمد: "طلاق السنة واحدة، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض". وكذلك قال مالك
والأوزاعى والشافعى وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة: "السنة أن يطلقها ثلاثا فى كل قرء طلقة"، وهو
قول سائر الكوفيين (قلت: قد قسموا طلاق السنة إلى أحسن وحسن فالأحسن هو ما ذكره الموفق
وهذا أفضل عندهم جميعا من أن يطلقها ثلاثا عند كل طهر واحدة، لأنه أبعد من الندامة، وأقل
ضررا بالمرأة، والحسن أن يطلقها ثلاثا عند كل طهر واحدة، وإنما كان حسنا بالنسبة إلى طلاق
البدعة، والبسط فى "الهداية" و "فتح القدير" ٣٢٧:٣ و ٣٢٨).
واحتجوا بحديث ابن عمر: "والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء. (أخرجه الطبرانى
بلفظ: "أنه طلق امرأته تطليقة وهى حائض، ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرئين الباقيين.
فبلغ ذلك النبى معَّ، فقال: "يا ابن عمر ما هكذا أمر الله، أخطأت السنة، السنة أن تستقبل الطهر
فتطلق لكل قرء". "الحديث". وفيه على بن سعيد الرازى، قال الدار قطنى: ليس بذلك، وعظمه
غيره، وبقية رجاله ثقات. كما فى "مجمع الزوائد" (٣٣٦:٤)، فليس تفريق الثلاث فى ثالثة
أطهار كجمعها فى طهر واحد، كما ذهب إليه الجمهور، والحديث أخرجه الدار قطنى أيضا من

ج - ١١
طلاق السنة
١٣٩
٣٢٤١ - عن ابن مسعود رضى الله عنه فى قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾،
قال: "فى الطهر من غير جماع". رواه الطبرى بسند صحيح، وأخرجه عن جمع من
الصحابة ومن بعدهم كذلك، وهو عند الترمذى أيضا (فتح البارى، ٣٠١:٩).
٣٢٤٢- عن ابن عباس قال: كان نفر من المهاجرين يطلقون بغير عدة ويراجعون
بغیر شهود، فنزلت (يعنى: ﴿واشهدوا ذوى عدل منكم﴾، كما يتحصل من الفتح
أيضا)، أخرجه ابن مردويه (فتح البارى، السابق).
طريق على بن منصور، ثنا شعيب ابن رزيق أن عطاء الخراسانى حدثهم عن الحسن ثنا عبد الله بن
عمر، فذكر الحديث. وفيه: "والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء". وأعله بمعلى بن منصور
وقال: رماه أحمد بالكذب، اهـ من الزيلعی (٢٨:٢).
قلت: يا سبحان الله! أو هكذا يجرح الثقات من غير تثبت ولا تأن فيه. فإن معلى(١) ابن
منصور من رجال الجماعة ثقة ثبت، وثقه ابن معين. وقال أبو زكريا: إذا اختلف معلى الرازى
وإسحاق بين الطباع فى حديث مالك فالقول قول معلى، فى كل حديث معلى أثبت منه وخير
منه. وقال العجلى: ثقة صاحب سنة، وكان نبيلا طلبوه للقضاء غير مرة فأبى وقال يعقوب بن
شيبة: ثقة فيما تفرد به وشورك به فيه، متقن صدوق فقيه مأمون. وقال أبو حاتم: كان صدوقا فى
الحديث، وكان صاحب رأى. وقال أحمد: معلى بن منصور من كبار أصحاب أبى يوسف
ومحمد، ومن ثقاتهم فى النقل والرواية. وقال أبو زرعة: بلغنى أن فى قلبه أى أحمد غصص من
أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم، وذلك
أنه كان طلابة للعلم رحل وعنى. فأما على بن المدینی وأبو خيثمة وعامة أصحابنا فسمعوا منه.
المعلى صدوق، كذا فى "التهذيب" (٢٣٩:١٠). وفى "التقريب": أخطأ من زعم أن أحمد رماه
بالكذب اهـ (٣١٢).
قلت: ولا عيب فيه غير أنه من أصحاب أبى يوسف ومحمد، ومثله لا يزال قذاة فى عيون
المحدثين الذين لاحظ لهم فى الدراية وجل متاعهم الرواية وحدها. وروی النسائی پاسناده عن عبد
الله قال: "طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهى طاهر فى غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها
أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة"، ولنا ما روى عن على أنه
قال: "لا يطلق أحد للسنة فيندم". رواه الأثرم، وهذا إنما يحصل فى حق من لم يطلق ثلاثا
(١) المعلى بن منصور الرازى الحنفى.

ـم
إعلاء السنن
باب المنع من الطلاق فى الحيض
وأمر المراجعة لمن طلقها فيه وعد ذلك الطلاق
٣٢٤٣- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه طلق امرأته وهى حائض على
عهد رسول الله عَ ليه، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله عّ لّه عن ذلك، فقال رسول
اللّه عَ ◌ّهِ: ((مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء
(قلت: وفى حق من فرق الثلاث فى ثلاثة أطهار أيضا، فإنه لا يطلق كذلك إلا بفكر ورؤية ونظر
فى عاقبة الأمر فلا يندم). وروى ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: "طلاق السنة أن
يطلق وهى طاهر ثم يدعها حتى تنقضى عدتها، أو يراجع إن شاء" اهـ (٢٣٦:٨). قلنا: وهو
عندنا كذلك بل هو أحسن، ولكنه لا ينفى كون تفريق الثلاث فى ثلاثة أطهار سنة أيضا. فإن
السكوت عن شىء لا يستلزم نفيه، لا سيما وقد ثبت عنه كون ذلك سنة فى ما رواه النسائى
وأعمال الروايتين أولى من أعمال أحدهما وإهمال الآخر، فافهم.
باب المنع من طلاق فى الحيض وأمر المراجعة لمن طلقها فيه وعد ذلك الطلاق
قال المؤلف: دلالة مجموع حديثى الباب عليه ظاهرة. وأما ما فى "فتح البارى" من طريق
أبى داود ونصه: زاد أبو داود: "ولم يرها شيئا". وإسناده على شرط الصحيح. فالجواب عنه ما فى
"فتح البارى" أيضا: قال أبو داود: "روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة وأحاديثهم كلها على
خلاف ما قال أبو الزبير". وقال ابن عبد البر: قوله: "ولم يرها شيئا"، منكر لم يقله غير أبى الزبير،
وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صح فمعناه عندى - والله أعلم-
ولم يرها شيئا مستقيما لكونها لم تقع على السنة" (٣٠٨:٩). أو المعنى لم يرها شيئا موجبا لحرمة
المرأة على زوجها، لكون الطلاق رجعيا. قال النووى: "شذ بعض أهل الظاهر فقال: إذا طلق
الحائض لم يقع الطلاق، لأنه غير مأذون فيه فأشبه طلاق الأجنبية. وحكاه الخطابى عن الخوارج
والروافض". وقال ابن عبد البر: "لا يخالف فى ذلك إلا أهل البدع والضلال -يعنى الآن- قال:
وروی مثله عن بعض التابعین وهو شذوذ" اهـ. واحتج ابن القیم لترجیح ما ذهب إلیه شیخه (ابن
تيمية) بأقيسة ترجع إلى مسألة أن النهى يقتضى الفساد، ثم أطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة
لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع وقوع الطلاق (وسيأتى ما يبطل
حملها على معناها اللغوى من إعادتها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، مع أن الحمل على