Indexed OCR Text

Pages 61-80

ج - ١١
إذا ثبت النكاح بحجة فهو نكاح ظاهرا وباطنا
٦١
لم يعلم سنده فينظر فيه، يقال: إنه لا حاجة إليه، فإن المجتهد لما احتج(١) بحديث كان تصحیحا له
عند الحنفية، ودلالته على الباب ظاهرة، وقال القارى فى شرح الشفاء: "إن المسألة المذكورة هى
الرواية المشهورة عن على كرم الله وجهه، حيث قال: شاهداك زوجاك" أهـ (٢٣:٢). وقال أبو
بكر الرازى فى "أحكام القرآن" له: "قال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بينة بعقد، أو فسخ عقد مما
يصح أن يبتدأ فهو نافذ، ويكون كعقد نافذ عقداه بينهما" وإن كان الشهود شهود زور. وقال أبو
يوسف، ومحمد والشافعى: حكم الحاكم فى الظاهر كهو فى الباطن، قال أبو بكر: روى نحو
قول أبى حنيفة عن على، وابن عمر، والشعبى، ذكر أبو يوسف عن عمرو (٢) بن المقدام، عن أبيه:
أن رجلا من الحى خطب امرأة وهو دونها فى الحسب، فأبت أن تزوجه، فادعى أنه تزوجها،
وأقام شاهدين عند على فقالت: إنى لم أتزوجه، قال: قد زوجك الشاهدان، فأمضى عليها
النكاح، قال أبو يوسف: وكتب إلى شعبة بن الحجاج يرويه عن زيد: أن رجلين شهدا على رجل
أنه طلق امرأته بزور، ففرق القاضى بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين، قال الشعبى: ذلك جائز.
(قلت: شعبة لا يسأل عنه، وشيخه زيد يحتمل أن يكون زيد بن جبير ابن حرمل، أو زيدا العمى،
وأياما كان فشيوخ شعبة كلهم ثقات، فإنه لا يروى إلا عن ثقة، والشعبى تابعى جليل أكبر شيخ
لأبى حنيفة، وتبين بذلك أن أبا حنيفة ليس بمنفرد فى المسألة، بل له سلف فيها من الصحابة
والتابعين). وأما ابن عمر، فإنه باع عبدا بالبراءة، فرفعه المشترى إلى عثمان، فقال عثمان: أتحلف
بالله ما لعبته وبه داء کتمته، فأبی ان یحلف فرده علیه عثمان، فباعه من غيره بفضل كثير، فاستجاز
ابن عمر بيع العبد مع علمه بأن باطن ذلك الحكم خلاف ظاهره، وأن عثمان لو علم من مثل علم
(١) وفيه أن محمدا لم يحتج به، بل خالفه وخلاف الراوى لروايته جرح فيه، والجواب أن أبا حنيفة احتج به، وهو إمام مجتهد،
ولما بلغ الحديث محمدا فقد بلغ أبا حنيفة أيضا من غير طريق محمد، لأنه أسن منه لا سيما وفتواه يوافقه، فافهم (مؤلف).
(٢) الظاهر أنه عمرو بن أبى المقدام، وأبو المقدام اسمه ثابت بن هرمز، وعمرو هذا ضعفه الناس لغلوه فى التشيع، ولكن قال أبو
حاتم: يكتب حديثه، وذمه أبو داود، وقال: روى عنه سفيان، وليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة، يعنى أن أحاديثه مستقيمة.
وزاد ابن الأعرابى: ولكنه كان صدوقا فى الحديث كذا فى "التهذيب" (١٠:٨). وفى "الميزان" عن يحيى بن معين: قال
عمرو بن ثابت لا يكذب فى حديثه اهـ (٢٨٣:٢). وأبوه وثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود وغيرهم، كذا فى
"التهذيب" (١٦:٢). روى عن سعيد بن المسيب وأبى وائل، وهو من الطبقة السادسة، فبينه وبين على واسطة، فالحديث
حسن، مرسل، وهو حجة عندنا، والله تعالى أعلم (مؤلف).

٦٢
"إذا ثبت النكاح بحجة فهو نكاح ظاهرا وباطنا
إعلاء السنن
ابن عمر لما رده، فثبت بذلك أنه كان من مذهبه أن فسخ الحاكم العقد یوجب عوده إلی ملکه، وإن
كان فى الباطن خلافه. (قلت: أخرجه مالك فى الموطأ كذا فى "جمع الفوائد" (٢٥٠:١). قال أبو
بكر الرازى: ومما يدل على صحة قول أبى حنيفة حديث ابن عباس فى قصة هلال بن أمية، ولعان
النبى معَّ ◌ُلّه بينه وبين امرأته، ثم قال: إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لهلال بن أمية، وإن
جاءت به على صفة أخرى فهو لشريك بن سحماء الذى رميت به، فجاءت به على الصفة
المكروهة، فقال النبى مّ ◌ُله: لو لا ما مضى من الأيمان لكان لى ولها شأن، ولم تبطل الفرقة التى
وقعت بلعانها مع علمه بكذب المرأة وصدق الزوج، فصار ذلك أصلا فى أن العقود والفسوخ متى
حكم بها الحاكم مما لو ابتدأ أيضا بحكم الحاكم وقع" اهـ (٣٥٣:١).
قلت: ويستأنس لهذه المسألة بقوله تعالى: ﴿لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا
بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾. حيث حكم بكذبهم بمجرد عدم المجئ بالشهداء،
ولا يخفى أن عدم إتيان المدعى بالشهداء لا يستلزم كذبه فى نفس الأمر، ولكن الحاكم مأمور
بتكذيبه بمجرد ذلك، وإجراء الحد علیه، وهو وإن لم یکن کاذبا فى نفس الأمر، ولکنه كاذب فى
حكم الله وشرعه. ففيه دليل على أن حكم الحاكم فى العقود والفسوخ نافذ ظاهرا وباطنا، فافهم.
فائدة:
فى "نيل الأوطار": عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((الزانى المجلود لا ينكح إلا
مثله)). رواه أحمد وأبو داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رجلا من المسلمين استأذن
رسول الله عَّةٍ فى امرأة، يقال لها أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال:
فاستأذن نبى الله عَّهِ، أو ذكر له أمرها، فقرأ عليه نبى الله عَُّله: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو
مشرك﴾. رواه أحمد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: "أن مرثد بن أبى مرتد الغنوى
كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغى يقال لها عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت
النبى معَّه، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقا. قال: فسكت عنى فنزلت: ﴿والزانية لا ينكحها إلا
زان أو مشرك﴾، فدعانى، فقرأها على، وقال: لا تنكحها". رواه أبو داود والنسائى والترمذى،
وحديث أبى هريرة، قال الحافظ فى بلوغ المرام: رجاله ثقات. وحديث عبد الله بن عمرو أُخرجه
أيضا الطبرانى فى "الكبير والأوسط"، قال فى "مجمع الزوائد": ورجال أحمد ثقات، وحديث

٦٣
إذا ثبت النكاح بحجة فهو نكاح ظاهرا وباطنا
ج - ١١
عمرو بن شعيب حسنه الترمذى اهـ (٥٥:٦ و٥٦).
فهذه الأحاديث دالة على النهى عن نكاح الصالح الزانية وهى زانية، وبه نقول، ولكن
لا تدل على عدم صحة النكاح، وقد قال أهل الأصول من المحققين: إن النهى إذا كان لغيره لا يدل
على الفساد والإبطال، وإذا كان بعينه يدل عليه، وفى "رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة"
(ص١٠٣): "الزانية يحل نكاحها عند الثلاثة، وقال أحمد يحرم نكاحها حتى يتوب".
قلت: أما حديث أبى هريرة فهو عندنا محمول على مراعاة الكفاءة فى باب النكاخ ومعناه
أن الزانى المجلود ليس بكفؤ لصالحة بنت الصلحاء، فلا يتزوج إلا مثله، وفيه دلالة على اعتبار
الكفاءة من حيث الديانة أيضا. وأما حديث عبد الله بن عمرو، ومرثد بن أبى مرتد، فلا دلالة فيهما
على حرمة نكاح الزانية مطلقا، لكون أم مهزول وعناق مشركتين إذ ذاك مع كونهما مسافحتين،
فلم يبق إلا قوله تعالى: ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك،
وحرّم ذلك على المؤمنين﴾ والاستدلال به على حرمة نكاح الزانية مشكل جدا، فإن قوله تعالى:
﴿الزانى لا ينكح إلا زانية﴾. لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون خبرا وذلك حقیقة، لو نہیا
وتحريما، ثم لا يخلو من أن يكون المراد بذكر النكاح هنا الوطأ أو العقد، وعلى الثانى فيمتنع أن
يحمل على معنى الخبر وإن كان ذلك حقيقة اللفظ، لأنا وجدنا زانيا يتزوج غير زانية، وزانية
تتزوج غير الزانى، فعلمنا أنه لم يرد مورد الخبر إذا أريد بالنكاح العقد، فثبت أنه أراد الحكم
والنبهى، وإذا كان كذلك لم يكن زنا المرأة أو الرجل موجبا للفرقة إذ كانا جميعا موصوفين بأنهما
زانيان، لأن الآية قد اقتضت إباحة نكاح الزانى للزانية، فكان يجب أن يجوز للمرأة أن يتزوج
الذى زنى بها قبل أن يتوبا، وأن لا يكون زناهما فى حال الزوجية يوجب الفرقة، وكان يجب أن
يجوز للزانى أن يتزوج مشركة، وللمرأة الزانية أن تتزوج مشر کا، ولا خلاف فى أن ذلك غير
جائز، وأن نكاح المشركات وتزويج المشركين محرم منسوخ، فدل ذلك على أحد معنيين إما أن
يكون المراد بالنكاح الجماع على ما روى عن ابن عباس(١) ومن تابعه، أو أن يكون حكم الآية
(١) وصححه الحاكم فى المستدرك عنه بلفظ: "أما أنه ليس بالنكاح، ولكنه الجماع لا يزنى بها إلا زان أو مشرك" (١٩٤:٢).
فالمعنى أن الزانى لا تطاوعه على الزنا إلا زانية أو مشركة، والزانية لا يزنى بها ألا زان أو مشرك، وحرم ذلك أى الزنا على
المؤمنين. (مؤلف).

٦٤
إعلاء السنن
باب أن النكاح لا يفسد بالشروط الفاسدة
٣١٣٥ - عن عطاء الخراسانى: "أن عليا، وابن عباس سئلا عن رجل تزوج امرأة
وشرطت عليه أن بيدها الفرقة، والجماع. وعليها الصداق، فقالا: عميت عن السنة،
وولت الأمر غير أهله، عليك الصداق، وبيدك الفراق، والجماع". رواه الضياء المقدسى
فى "المختارة" (كنز العمال ٢٩١:٨). وهو صحيح على قاعدة السيوطى رحمه الله.
منسوخا على ما روى عن سعيد بن المسيب، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢٦٦:٣).
أما على الأول فالمعنى الزانى لا يطأ حين هو زان بوطئه إلا زانية أو زوجة مشركة، والزانية
لا يطأها وهى زانية إلا زان أو زوج مشرك، وإنما لم يجعل المشركة والمشرك زانيين، لجواز النكاح
بالمسلم أو المسلمة عندهما، فلا يكونان مرتكبين للزنا، ولكن المسلم والمسلمة ممنوعان عن نكاح
الشركات، وتزويج المشركين، فهما مرتكبان للزنا فى وطئ المشرك المسلمة، ووطئ المسلم
◌ُشركة، ولو بالنكاح، فافهم.
وأما على الثانى فالمعنى أن الزناة ليسوا بأكفاء للصلحاء من المسلمين، وإنما هم أكفاء
لأمثالهم من الزناة أو المشركين والمشركات، فلا يتزوجوا إلا بأكفائهم، وحرم ذلك على المؤمنين،
والمراد الزجر والتبكيت، كقوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ ﴿ومن شاء فليكفر﴾ دون جواز نكاح المسلم
الزانى بالمشركة، أو الزانية المسلمة بالمشرك، ثم نسخ حرمة نكاح العفيف بالزانية، وعكسه، بقوله
تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾
فقد روى مالك عن يحى بن سعيد عن سعيد بن المسيب فى قوله تعالى: ﴿الزانى لا ينكح
إلا زانية﴾ قد نسخها الآية التى بعدها ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ قال: كان يقال: "هن من أيامى
المسلمين". أخرجه محمد فى "موطئه" (٤٠٥) والجصاص فى "أحكام القرآن" له (٣: ٢٦٥).
باب أن النكاح لا يفسد بالشروط الفاسدة
قال المؤلف: دلالة أثر الباب عليه ظاهرة، من حيث أن الشروط المذكورة فى الأثر فاسدة،
تخالف مقتضى العقد وتستلزم قلب الموضوع، والعقد قد وقع على محل قابل ولم تعتبر، فعلم أن
الشروط الفاسدة لا تفسد النكاح.

٦٥
ج - ١١
أبواب الأولياء والأكفاء
باب لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
٣١٣٦- عن أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن رسول الله عز ◌ّ قال: لا تنكح الأيم
حتى تستأمر. ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: أن
تسکت)). رواه مسلم (١: ٤٥٥).
باب لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قال المؤلف: فى "نهاية ابن الأثير": الأيم فى الأصل التى
لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيبا، مطلقة كانت أو متوفى عنها (٦٥:١). قلت: بقى أنه يطلق على
الصغيرة أم لا؟ ففى "شرح النووى" نقل الاتفاق عن أهل اللغة أنه يطلق عليها (١: ٤٥٥). فنقول
بالاستئذان إنما يكون فى حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون مرادة. ويختص الحديث
بالبوالغ وهذا ظاهر، وأما القول بأن الاستيمار لاستطابة نفسها، فبعيد جدا، فإن قلت: لما أريد بالأيم
هذا المعنى، فما فائدة قوله عليه الصلاة والسلام ((ولا تنكح البكر)) إلخ؟ فإنها دخلت فى العموم
المذكور، قلت: وذلك لئلا يتوهم أن البكر لغلبة الحياء عليها لعلها خارجة عن العموم، فأظهره عرّ ضّ.
بقوله ذلك أن حكمها كذلك، فهذا التخصيص بعد التعميم لبيان الفرق بين الإذنين، إذن الثيب
وإذن البكر، ويؤيده قولهم فى الحديث: "وكيف إذنها إلخ" يعنى أن البكر تستحى فكيف تعتبر
إجازتها؟ وأنها لا تقول شيئا فافهم. وفى صحيح مسلم أيضا: عن ابن عباس: أن النبى معَ ◌ّه قال:
"الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" اهـ. وعلى هذه الرواية حمل
بعضهم رواية الأيم، فقالوا: الأيم بمعنى الثيب، كما قال النووى (٤٥٥:١)، فعلى هذا أيضا مطلوبنا
ثابت، فإن المعنى من محصل هذه الألفاظ المختلفة أن الثيب تستأمر، وهى أحق بنفسها من وليها،
(وهذا يفيد جواز نكاح الثيب بدون الولى، والشافعى رحمه الله لا يقول به) والبكر أيضا تستأمر،
وإنما بين حكم كل من ذلك على حدة للاهتمام بشأنه، لئلا يتوهم أن البكر بغلبة حياءها لا حاجة
إلى استثمارها، فذكر ذلك استبدادا، وأما الثيب الصغيرة فلا ولاية لها على نفسها ومالها، فلا تعتبر
استئذانها. وقد قال النووى فى "شرح صحيح مسلم": "وتخصيص العموم بالقياس جائز عند
كثيرين من أهل الأصول" (٤٥٥:١). وفى "الدراية": حديث ابن عباس رفعه: ((الثيب أحق

٦٦
لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
إعلاء السنن
٣١٣٧ - عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى عّ لّه قال: ((الأيم أحق بنفسها
من وليها، والبكر تستأذن فى نفسها، وإذنها صماتها)) رواه مسلم (١: ٤٥٥).
٣١٣٨- حدثنا أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عن أبى سلمة: "جاءت
امرأة إلى رسول الله عَّ له، فقالت: إن أبى أنكحنى رجلا وأنا كارهة، فقال لأبيها:
لا نکاح لك، اذهبی فانکحی من شئت". أخرجه سعید بن منصور، وهذا مرسل جيد
(دراية ٣١٩ و٣٢٠).
٣١٣٩- عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن
عباس: "أن جارية بكرا أتت النبى معَّه، فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة،
فخيرها النبى معٍَّ". رواه الإمام العلام أحمد، ورجاله ثقات. وقال ابن القطان: صحيح
(دراية ٢٢١).
٣١٤٠- عن ابن عباس رضى الله عنهما: "أن النبى مګ رد نكاح بکر وثیب
أنكحهما أبوهما وهما كارهتان". رواه الدار قطنى، وهو بإسناد ضعيف والصواب
مرسل (دراية: ٢٢١).
بنفسها من وليبها والبكر يستأمر أبوها))، أخرجه مسلم، وأجاب بعض من لا يقول بالإجبار، بأن
الدلالة منه بطريق المفهوم، وفى الاحتجاج به اختلاف، وعلی تقدیره فالمفهوم لا عموم له، فيحمل
على من دون البلوغ، وأيضا: فقد خالفه المنطوق، فإنه قال: إن البكر تستأذن، فلو كانت تجبر لم
يحتج لاستئذانها، ويحتمل أن يكون التفريق بينهما بسبب أن الثيب تخطب إلى نفسها، فتأمر
وليبها أن يزوجها، والبكر تخطب إلى أبيها فاحتيج إلى استئذانها، فمن أين وقع لهم أن التفرقة
لأجل الإجبار وعدمه" (٢٢٢).
قوله: "عن ابن عباس" إلخ برواية مسلم. قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه الحديث الذى
قبله ظاهرة، بل هو أصرح فى الجزء الأول من الحديث الذى قبله.
قوله: " حدثنا أبو الأحوص إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "عن حسين بن محمد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وفى الحديث
كلام إسنادی، فصله فى "الدراية" لكنه غير مضر.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. فى آخر الباب. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قال فى

٦٧
· لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
ج - ١١
"الجوهر النقي" (٧٦:٢ و٧٧): وقوله عّ له: ((ولا تنكح البكر حتى تستأذن)) دليل على أن البكر
البالغ لا يجبرها أبوها، ولا غيره. قال شارح "العمدة": وهو مذهب أبى حنيفة، وتمسكه بالحديث
قوى، لأنه أقرب إلى العموم فى لفظ البكر، وربما يزاد على ذلك بأن يقال: الاستيذان إنما يكون فى
حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة. ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون
أقرب إلى التناول. وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله مَ ◌ّه قال: ولا تنكح البكر حتى تستأذن،
وهو قول عام، وكل من عقد على خلاف ما شرع رسول الله عّ لّ- فهو باطل" . لأنه الحجة
على الخلق، وليس لأحد أن يستثنى من السنة إلا سنة مثلها، فلما ثبت أن أبا بكر الصديق زوج
عائشة من النبی مګ وهی صغیرة، لا أمر لها فى نفسها، كان ذلك مستثنى منه، انتهى كلامه.
وقوله معَّ فى حديث ابن عباس: والبكر يستأذنها أبوها، صريح فى أن الأب لا يجبر البكر البالغ،
ويدل عليه أيضا حديث جرير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، (فى رده مر ◌ّةٍ نكاح بكر
زوجها أبوها وهى كارهته).
العموم أولى من المفهوم بلا خلاف:
فترك الشافعى منطوق هذه الأدلة، واستدل بمفهوم حديث "الثيب أحق بنفسها" وقال: هذا
يدل على أن البكر بخلافها. قال ابن رشد: العموم أولى من المفهوم بلا خلاف لا سيما وفى
حديث مسلم: البكر يستأمرها أبوها. وهو نص فى موضع الخلاف. وقال ابن حزم: ما نعلم لمن
أجاز على البكر البالغة إنكاح أبيها لها بغير أمرها متعلقا أصلا. وذهب ابن جرير أيضا إلى أن البكر
البالغة لا تجبر وأجاب(١) عن حديث: "الأيم أحق بنفسها"، بأن الأيم من لا زوج له، رجلا أو امرأة،
بكرا أو ثيبا، بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم﴾ الآية، وكرر ذكر
البكر بقوله: "البكر تستأذن، وإذنها صماتها"، للفرق بين الإذنين، ومن أول الأيم بالثيب أخطأ فى
تأويله، وخالف سلف الأمة وخلفها بإجازتهم لوالد الصغيرة تزويجها بكرا كانت أو ثيباً من غير
خلاف اهـ، وحمل الموامرة على استطابة النفس خروج عن الظاهر من غير دليل، ولو ساغ هذا
التأويل لساغ فى قوله عَّ فى الصحيح: "لا تنكح الثيب حتى تستأمر".
قال البيهقى: وروينا عن الشعبى: لا يجبر إلا الوالد. قلت: لم یذ کر سنده، وقد صح عن
(١) باب عن إستدلال الإمام الشافعى رحمه الله بمفهومه. ظ

٦٨
لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
إعلاء السنن
الشعبى خلاف ذلك. قال ابن أبى شيبة: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عاصم، عن الشعبى، قال:
يستأمر الرجل ابنته فى النكاح البكر والثيب. ثم ذكر البيهقى رده مُ ◌ّ نكاح بكر زوجها أبوها
فأبت من حديث جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ثم قال: أخطأ فیه جریر،
والمحفوظ عن عكرمة مرسلا.
قلت: جرير ابن حازم ثقة جليل، وقد زاد الرفع، فلا يضره إرسال من أرسله، كيف؟ وقد
تابعه الثورى، وزيد بن حبان، فروياه عن أيوب كذلك مرفوعا، قاله الدار قطنى وابن القطان ..
وأخرج روایة زید کذلك النسائى وابن ماجة فى سننهما من حديث معتمر ابن سلیمان عن الباب،
والرواية التى ذكرها البيهقى بعد هذا تشهد لهذه الرواية بالصحة، قال البيهقى: وروى من وجه
آخر عن عكرمة موصولا، وهو أيضا خطأ، وفى سنده عبد الملك الذماری، قال الدار قطنی أنه ليس
بالقوى، وأنه وهم فيه، والصواب مرسل. قلت: هذه كما تقدم زيادة من الذمارى، وهو أخرج له
الحاكم فى "المستدرك"، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وذكر صاحب الكمال عن عمر بن على
الصوفى، أنه ثقة، ثم قال البيهقى: وإن صح فكأنه كان وضعها فى غير كفؤ فخيرها عليه السلام،
وعلى ذلك حمل حديث عبد الله ابن بريدة، عن عائشة قلت: إذا نقل الحكم مع سببه فالظاهر تعلقه
به، وتعلقه بغیره محتاج إلی دلیل.
وقد نقل الحكم وهو التخيير، وذكر السبب وهو كراهية (البكر) والثيب، ولم يذكر سبب
آخر، ثم قال البيهقى: مرسل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة، قلت: قد ذكر مسلم فى مقدمة كتابه
أن إمكان اللقاء والسماع يكفى للاتصال اتفاقا، ولا شك فى إمكان سماع ابن بريدة من عائشة،
لأنه ولد سنة خمس عشرة، وسمع جماعة من الصحابة. فروايته عنها محمولة على الاتصال، على
أن صاحب الكمال صرح بسماعه منها، وفى قولها: أجزت ما صنع (أبى) دليل على أن النكاح
يقف على الإجازة خلافا للبيهقى وأصحابه، وسيذكره البيهقى بعد، فى باب النكاح لا يقف على
الإجازة" اهـ. ملخصا بتقديم وتأخير يسير (٧٨:٢).
قلت: وحديث عبد الله بن بريدة عن عائشة أخرجه النسائي بلفظ: "جاءت فتاة إلى
النبى عَ ◌ّه، فقالت: يا رسول الله! إن أبى زوجنى ابن أخيه ليرفع بى من خسيسته، قال: فجعل
الأمر إليها. فقالت: إنى قد أجزت ما صنع أبى، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من
الأمر شىء". وأخرجه ابن ماجة من وجه آخر. فقال: عن ابن بريدة، عن أبيه قال: "جاءت فتاة"

ج - ١١
. لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
:٦٩
إلخ، سواء كذا فى "نصب الراية" (٨٦:٢). وهذا لاختلاف لا يضر، لإمكان أن يكون ابن بريدة
سمعه من أبيه مرة، ومن عائشة أخرى، غير أن من قال: ابن بريدة عن أبيه. فقد سلك الجادة، ومن
قال: عن عائشة، فقد حفظ، وقد ثبت سماعه عن عائشة بقول صاحب الكمال فهو الراجح، ولذا
أودعه النسائى فى مجتباه الذى هو عنده صحيح، والله أعلم. ولنا حديث آخر أخرجه الدار قطنى
عن الوليد بن مسلم قال: قال ابن أبى ذئب: أخبرنى نافع عن ابن عمر: أن رجلا زوج ابنته بكرا
فكرهت ذلك، فرد النبى معَ ◌ّ نكاحها (٣٠٨:٢). قال الحافظ فى الدراية: رواته ثقات، لكن قيل:
لم يسمعه ابن أبى ذئب عن نافع وهو مردود فقد صرح بالإخبار فى رواية الدارقطنى. اهـ (٢٢٢).
وأما الأحاديث المعارضة للأحاديث التى ذكرناها فنسوقها مع الجواب عنها. فمنها ما فى
"الدراية": "وأخرج أصحاب السنن أيضا إلا النسائى عن عائشة مرفوعا: أيما امرأة نكحت بغير
إذن وليها فنكاحها باطل، فتكاحها باطل، فنكاحها باطل، الحدیث حسنه الترمذى وصححه ابن
حبان" (٢٢٠). فالجواب عنه أنه عام مخصوص البعض للأحاديث التى ذكرت فى الباب، فهذا
الحديث محمول على نكاح الصغيرة والأمة، أو هو محمول على نفى الكمال، لئلا لا تنسب إلى
الوقاحة. قد ورد فى تزويج العبد بغير إذن مولاه نحو ذلك، ففى "الدراية": حديث: أيما عبد
تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر. الترمذى من حديث جابر وصححه، وكذا الحاكم (٢٢٣).
ويؤيد أن الحديث ليس على ظاهر معناه فعل عائشة رضى الله عنها بخلافه. وهو ما فى "الدراية":
أن عائشة زوجت حفصة بنت عبد الرحمن أخيها عن المنذر ابن الزبير وعبد الرحمن غائب، فلما
قدم غضب، ثم أجاز ذلك، أخرجه مالك بأسناد صحيح (٢٢٠).
( ومنها ما فى الزيلعي عن "مستدرك الحاكم" مرفوعا: (لانكاح إلا بولى)) اهـ. وفيه: أيضا
قال الحاكم: وهذا الحديث لم يكن للشيخين إخلاء الصحيحين منه إلخ (١١:٢). والجواب عنه
ما مر عن الحديث الأول.
ومنها ما فى الزيلعى عن أبى هريرة مرفوعا: "لا يروج المرأة نفسها» فإن الزانية هى التى
( تزوج نفسها". أخرجه الدارقطنى وابن خزيمة (أى فى "صحيحه"). وفى الزيلعى: فى هذا
الحديث كلام غير مضر (١٣:٢).
والجواب ما مر فى الذى قبله فافهم وحقق. وأيضا: فقد قلنا ببطلان التكاح بدون الولى فى
بعض الصور، وإن كان المتزوجة بالغة أو ثية، كما إذا نكحت بغير كفوء ولم يرض به الولى.

٧٠
لا يشترط الولى فى صحة نكاح البالغة
إعلاء السنن
فالمعنى أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل فى بعض الأحوال، فإن الغالب أن الولى
لا يمنع نكاحها إلا من غير كفوء لها، قال الجصاص: وقد روى فى بعض الألفاظ: "أيما امرأة
تزوجت بغير إذن مواليها". وهذا عندنا على الأمة تزوج نفسها بغير إذن مولاها، وأيضا: فإن
عائشة رضى الله عنها، والزهرى، خالفا هذا الحديث، وهما راوياه، أما خلاف عائشة رضى الله
عنها فقد تقدم فى تزويجها حفصة بنت عبد الرحمن، وما أوله به البيهقى: أنها مهدت تزويجها،
ثم تولى عقد النكاح غيرها، فأضيف التزويج إليها، وأيده بما أسنده عن عبد الرحمن ابن القاسم
قال: "كانت عائشة تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض
أهلها: زوج فإن المرأة لا تلى عقدة النكاح". كذا فى الدراية (٢٢٠). ففيه أنه لا يدل على أنها كانت
تقول بفساد نكاح البالغة بغير إذن وليبها، بل غاية ما فيه أنها كانت لا ترى للمرأة أن تتلفظ پإيجاب
النكاح أو قبوله، لما جبل الله النساء على الحياء، فكانت تقول لبعض أهلها: زوج، ولا دليل فیه علی
أن بعض أهلها هذا كان يكون وليا للمخطوبة، ولو سلم دل على أن الولى الأقرب إذا غاب تنتقل
الولاية إلى الولى الأبعد. والصحيح عند الشافعية خلافه، قاله فى "الجوهر النقى" (٧٦:٢).
وأما خلاف الزهرى فذكره ابن عبد البر، قال: " كان الزهرى يقول: إذا تزوجت المرأة بغير
إذن وليبها جاز، وهو قول الشعبى، وأبى حنيفة، وزفر" اهـ من "الجوهر النقى" (٧٥:١). ومخالفة
الراوى لمرويه قدح فيه عندنا، وفيه قدح آخر، وهو أن حديث: ((أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها
فنكاحها باطل"، إنما هو من حديث سليمان بن موسى، وابن لهيعة، وحجاج بن أرطاة، عن
الزهرى، وقد ذكر ابن جريج أنه سأل عنه الزهرى فلم يعرفه. رواه الطحاوى عن شيخه ابن أبى
عمران: أنا يحيى بن معين عن ابن علية عن ابن جريج بذلك اهـ (٥:٢). وتعقبه البيهقى بأنه لم
يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية، وليس هذا بشىء، فأيش يلزم من انفراد ابن علية بهذا؟ وقد
كان من الأئمة الحفاظ، قال ابن حنبل: "إليه المنتهى فى التثبت بالبصرة". وقال شعبة: "ابن علية
سيد المحدثين". على أنه لم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه بشر بن المفضل، قال ابن عدى فى
"الكامل": قال الشاذكونى: "ثنا بشر بن المفضل عن ابن جريج أنه سأل الزهرى فلم يعرفه".
وذكر صاحب "الكمال" بسنده عن أبى داود السجستانى، قال: "ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ
إلا ابن علية، وبشر بن المفضل"، كذا فى "الجوهر النقى"، وتأيد قول ابن علية وبشر هذا بمذهب
الزهرى، فلو أنه كان يعرف الحديث لما خالفه.

٧١
ج - ١١
باب التیب لا بد من رضاها بالقول
٣١٤١- عن عدى الكندى قال: قال رسول الله عَّ الله: ((الثيب تعرب عن نفسها
والبكر رضاها صمتها)). رواه ابن ماجه (ص١٣٦). وعزاه فى "الجامع الصغير"
(١٢٤:١) إلى ابن ماجه، والإمام أحمد، ثم صححه.
وأما حديث الحاكم عن أبى بردة عن أبيه مرفوعا: ((لا نكاح إلا بولى)). فيحتمل أن يكون
المراد بالولى هو الذى إليه ولاية البضع من والد الصغيرة أو مولى الأمة، أو بالغة حرة لنفسها،
فيكون ذلك على أنه ليس لأحد أن يعقد نكاحا على بضع إلا ولى ذلك البضع. وهذا جائز فى اللغة
قال الله تعالى: ﴿فليملل وليّه بالعدل﴾. فقال قوم: ولى الحق هو الذى له الحق، فإذا كان من له
الحق يسمى وليا، كان من له البضع أيضا يسمى وليا له، قاله الطحاوى (٦:٢).
وأما حديث أبى هريرة مرفوعا: ((لا يزوج المرأة نفسها)) فمحمول على وجه الكراهة،
لحضور المرأة مجلس الأملاك، لأن إعلان النكاح مأمور به. ولذلك يجمع له الناس، فكره للمرأة
حضور ذلك المجمع (صونا لحيائها). قاله الجصاص فى أحكام القرآن له (٤٠٣:١): وقوله: "إن
الزانية هى التى تزوج نفسها"، كونه من قول أبى هريرة موقوفا عليه لا مرفوعا أشبه، فإن عبد
السلام بن حرب رواه موقوفا وميزه، قال البيهقى: يشبه أن يكون عبد السلام حفظه، فإنه ميز
المرفوع من الموقوف، كذا فى "التعليق المغنى على الدار قطنى" (٣٨٤:٢).
ولنا أيضا ما رواه البيهقى من وجوه: "أن عليا أجاز نكاح امرأة زوجها أمها برضاها". ثم
قال: "مداره على أبى قيس الأودى، وهو مختلف فى عدالته". قلت: احتج به البخارى وصحح
الترمذى حديثه وذكره ابن حبان فى الثقات، ولا أعلم أحدا من أهل هذا الشان قال فيه: إنه
مختلف فى عدالته غير البيهقى، وقد جاء ذلك من وجه آخر، قال ابن أبى شيبة: ثنا ابن فضيل عن
أبيه عن الحكم، قال: "كان على إذا رفع إليه رجل تزوج امرأة بغير ولى، فدخل بها أمضاه" ، فقد
روى من وجوه يشد بعضها بعضا، كذا فى "الجوهر النقى" (٧٥:٢).
باب التیب لا بد من رضاها بالقول
قوله: "عن عدى" إلخ. قال المؤلف: فى "تهذيب التهذيب" ما حاصله: أن الراوى عن
عدی هذا وهو ابنه عدی بن عدی، قال أبو حاتم: "روی عن أبيه مرسلا، لم يسمع عن أبيه، يدخل
بينهما العرس بن عميرة" (١٦٨:٧). فثبت بهذا أن الحديث مرسل ولا يتصل.

٧٢
إعلاء السنن
باب أن النكاح إلى العصبات وأن المرأة قد تستحق ولاية الإنكاح
٣١٤٢- قال عمر بن الخطاب: "إذا كان العصبة أحدهم أقرب بأم فهو أحق".
رواه الإمام محمد فى "كتاب الحجج" (٢٩٣).
٣١٤٣- عن عائشة رضى الله عنها قالت: كانت عندى جارية من الأنصار
زوجتها، فقال رسول الله عَّ له: يا عائشة رضى الله عنها! ألا تغنين(١) فإن هذا الحى من
والجواب عنه أن العرس بن عميرة صحابى، روى عن النبى معَّ كما فى "تهذيب
التهذيب (١٧٥:٧) فهذا مرسل صحابى وهم كلهم عدول. ومثل هذا المرسل مقبول عند غيرنا
أيضا، ولا يقدح ذلك فى الاتصال، فالحديث متصل صحيح، كما مشى عليه فى "الجامع
الصغير"، فافهم. ولله الحمد على أن مقصود الباب يستنبط من أحاديث الباب الذى قبل هذا،
ودلالته على الباب ظاهرة.
باب أن النكاح إلى العصبات وأن المرأة قد تستحق ولاية الإنكاح
قوله: "قال عمر رضى الله عنه" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب من حيث أن العصبات
قدمت فى ولاية الإنكاح، ثم أثبت حق الإنكاح للأم، فقد ثبت أن ولاية النكاح مستحقة
للعصبات، وقد تكون للمرأة أيضا. ونقل صاحب "الهداية" حديث النكاح إلى العصبات، وقال
العينى فى "شرحه": ذكر هذا الحديث شمس الأئمة السرخسى، وسبط ابن الجوزى، ولم يخرجه
أحد من الجماعة، ولا يثبت مع أن الأئمة الأربعة اتفقوا على العمل به فى حق البالغة اهـ (٩٢:٢).
قلت: إن شمس الأئمة ليس من أهل الحديث، وسبط ابن الجوزى لا يعتمد عليه، وقد ذکر
ترجمته فى "ميزان الاعتدال" (٣:٣). وقد أطال فى ذمه شيخ الإسلام ابن تيمية فى "منهاج
السنة (١٣٣:٣ المصرى). فالحديث لا يثبت كما قال العلامة العينى، والأثر المعلق المذكور فى
المتن محتج به، حيث استدل به المجتهد فى غير هذه المسألة.
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: قد أنكحت عائشة جارية، وقرر ذلك رسول
(١) فى حاشية "المشكاة": قال التوربشتى: تغنى وغنى بمعنى، وكلا الفعلين فيه جائز، ويحتمل على لفظ الغيبة بجماعة النساء،
المراد منه من يتغانى ذلك من الإماء والسفلة. فإن الحرائر من نساء العرب يستنكفن من ذلك لا سيما فى الإسلام، وأن يكون
على خطاب الحضور لهن، ويكون من إضافة الفعل إلى الأمر به والإذن فيه، ولا يحسن فيه تفريد الخطاب ههنا، إذ قد جل
منصب الطيبات الصديقات عن مغاناة ذلك بأنفسهن اهـ. فينضبط على الأول من التفعل، وعلى الثانى من التفعيل - لمعات.

٧٣
ج - ١١ أمر النكاح مفوض إلى العصبات وأن المرأة قد تستحق ولاية الإنكاح
الأنصار يحبون الغناء. رواه ابن حبان فى "صحيحه (مشكاة نظامى دهلى ٢٣٠:٢).
الله عَّه؛ فثبت أن المرأة لها حق الإنكاح، ويعارضه ما فى "نيل الأوطار" (٢٥:٧): عن أبى هريرة
قال: قال رسول الله عَُّله: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها" الحديث. رواه ابن ماجة،
والدار قطنى. وأخرجه أيضا البيهقى. قال ابن كثير: "الصحيح وقفه على أبى هريرة". وقال
الحافظ: "رجاله ثقات" اهـ.
قلت: وقد عرف أن زيادة الثقة مقبولة، فالحديث مرفوع، والجواب عن المعارضة أن هذا
الحديث محمول على الصورة التى يكون فيها عصبة من الرجال موجودا، وهو مقدم على المرأة،
فلا ولاية للمرأة فى هذه الحالة، وأما عدم استحقاق المرأة مطلقا فلا فإن الأثر والحديث اللذين قد
ذكرا فى المتن يثبتان ذلك، فافهم. قلت: وقد أخرج البيهقى من وجوه أن عليا أجاز نكاح امرأة
زوجتها أمها برضاها، كما مر فى الباب الذى هو قبل هذا الباب بباب، وقال الجصاص فى "أحكام
القرآن" له: " وقد دلت هذه الآية " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف"
على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها.
أحدها: إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الولى، والثانى: نهيه عن العضل إذا تراضى
الزوجان، ونظير هذه الآية فى جواز النكاح بمباشرة النساء إياه قوله تعالى: ﴿فلا تحل له حتى تنكح
زوجا غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾. أضاف عقد النكاح إليها، ونسب التراجع
إليهما. ومن جهة السنة حديث ابن عباس: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود حدثنا الحسن بن
على حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن
عباس: أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((ليس للولى مع الثيب أمر)) (وهذا سند صحيح). فقوله: ليس
للولى مع الثيب أمر يسقط اعتبار الولى فى العقد. وقوله: الأيم أحق بنفسها من وليبها يمنع أن يكون
له حق فى منعها العقد على نفسها (٤٠٠:٢ و٤٠١). فدل ذلك كله على أن للمرأة مباشرة النكاح
بنفسها. وإذا كان كذلك ثبت له حق الولاية على غيرها أيضا. قال الجصاص: وحديث: ((لا تزوج
المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها))، محمول عندنا على وجه الكراهة، لحضور المرأة مجلس
الأملاك. وقد ذكر أن قوله: الزانية هى التى تنكح نفسها، من قول أبى هريرة. فقد روى من وجه
آخر، وذكر فيه أن أبا هريرة قال: كان يقال: الزانية هى التى تنكح نفسها. وعلى أن هذا اللفظ
خطأ بإجماع المسلمين، لأن تزويجها نفسها ليس بزنا عند أحد من المسلمين، ولفظ الوطئ غير

٧٤
إعلاء السنن
باب أن السلطان ولی من لا ولی له
٣١٤٤- عن عائشة رضى الله عنها أن النبى معَ ◌ّه قال: ((أيما امرأة نكحت إلى أن
قال: فإن اشتجروا فالسلطان ولى من ولى له)). رواه الخمسة إلا النسائی وابن حبان،
وصححاه، (نيل الأوطار ٢٥:٦).
فصل فى الكفاءة
باب مراعاة الكفاءة وجواز النكاح فى غيرها
٣١٤٥- عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله عَّ له: «تخيروا
مذكور فيه وإن حمل على أنها زوجت نفسها، ووطئها الزوج، فهذا أيضا لا خلاف فيه أنه ليس
بزنا، لأن من لا يجيزه إنما يجعله نكاحا فاسدا يوجب المهر والعدة. ويثبت به النسب إذا وطئ،
وقد استقصينا الكلام فى "شرح الطحاوى" (٤٠٣:١). وإذا كان الكلام مصروفا عن الحقيقة
إجماعاً لم يستقم الاستدلال به على فساد النكاح، بل غاية ما يثبت به كراهة حضور المرأة مجلس
الأملاك. وأن تتولى أمر النكاح بنفسها، لكونه دالا غلى قلة حياءها ووقاحتها، والوقاحة من
مقدمات الزنا، كما لا يخفى، ولا يدل على نفى ولايتها على نفسها، وعلى نفس غيرها، سواء
وكلت أحدا من الرجال وهو الأولى، أو لم توكل، فافهم.
باب أن السلطان ولی من لا ولی له
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال الموفق فى "المغنى": "لا نعلم خلافا بين أهل العلم فى أن
للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها، أو عضلهم، وبه يقول مالك وإسحاق والشافعى
وأبو عبيد وأصحاب الرأى، والأصل فيه قول النبى معَّ: فالسلطان ولى من لا ولی له. وروى أبو
داود بإسناده عن أم حبيبة أن النجاشى زوجها رسول الله عَّ له وكانت عنده. (قلت: كان النجاشى
وكيل رسول الله عَّه، وزوجها رسول الله عَّه وكيلها، وهو خالد بن سعيد بن العاص، فقد
أخرج الحاكم فى "المستدرك" أن النجاشى قال لها: وكلى من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن
سعيد بن العاص فو كلته ٢١:٤). ولأن للسلطان ولاية عامة، بدليل أنه يلى المال، ويحفظ الضوال،
فكانت له الولاية فى النكاح كالأب" اهـ (٣٥١:٧).
باب مراعاة الكفاءة وجواز النكاح فى غيرها
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: وفى الزيلعى: واستدل ابن الجوزى فى التحقيق على

٧٥
ج - ١١
بيان الكفاءة فى النكاح
لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم)). رواه ابن ماجه (١٤٢). وفى "فتح
البارى" (١٠٧:٩): أخرجه ابن ماجه، وصححه الحاكم، وأخرجه أبو نعيم من حديث
عمر أيضا، وفى إسناده مقال، ويقوى أحد الإسنادين بالآخر اهـ. قلت: والجملة الأولى
ذكرها فى "كنز العمال" (٣٤٤:٨) وعزاه إلى تمام، والضياء المقدسى عن أنس مرفوعا،
وإسناد الحافظ الضياء صحيح على قاعدة المتقى فى كنز العمال، وعزاه العلامة السيوطى
فى "الجامع الصغير" (١١٢:١) إلى مستدرك الحاكم، وسنن البيهقى وسنن ابن ماجه،
ثم صححه بالرمز إلا أن فيه: "فانكحوا الأكفاء" موضع "وانكحوا الأكفاء".
٣١٤٦- عن على رضى الله عنه رفعه: ((ثلاث لاتؤخر، الصلاة إذا آنت، والجنازة
إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفوا)). أخرجه الترمذى والحاكم بإسناد ضعيف (دراية
٢٢:٢). قلت حسنه السيوطى فى "الجامع الصغير" (١١٨:١) بالرمز وصححه الحاكم
والذهبى كلاهما كما فى المستدرك (١٦٢:٢). والاختلاف غير مضر كما مر غير مرة.
اشتراطها، بحديث عائشة رضى الله عنه أنه عليه السلام قال: تخيروا لنطفكم، وانكحوا الأكفاء.
وهذا روى من حديث عائشة ومن حديث أنس، ومن حديث عمر بن الخطاب، من طريق عديدة
كلها ضعيفة (١٨:٢).
قلت: وفى سند ابن ماجة الحارث بن عمران الجعفرى المدنی قد ضعفوه، ونسبه ابن حبان
إلى الوضع، وقال أبو حاتم فى حديثه هذا: "لا أصل له"، كما فى "تهذيب التهذيب" (١٥٢:٢).
وفى المقاصد الحسنة بعد نقل الحديث وعزوه إلى ابن ماجة، والدارقطنى، ما نصه: "ومداره
على أناسٍ ضعفاء، رووه عن هشام أمثلهم صالح بن موسى الطلحى، والحارث بن عمران
الجعفرى، وهو (أى الحديث) حسن" إلخ (٧٤) فحاصل هذا الكلام، أن سند الحديث مختلف
فيه، جعله بعضهم صحيحا، وبعضهم حسنا. وقد مر غير مرة أن الاختلاف غير مضر، ونقل
الحدیث فى الدراية، ولم يتكلم علیه وسكت عنه ابن الجوزی کما تری مع تشدده ودلالته على
استحباب رعاية الكفاءة ظاهرة، والصارف بصيغة الأمر عن الوجوب ما نذكره من جواز النكاح
إلى غير الكفوء.
قوله: "عن على" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.

٧٦
بيان الكفاءة فى النكاح
إعلاء السنن
٣١٤٧- سفيان وإسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى ليلى الكندى قال: قال
سلمان: لا نؤمكم ولا ننكح نسائكم. أخرجه ابن أبى حاتم فى العلل (٤٠٦:١). وقال:
ورواه شعبة عن أوس بن ضمعج عن سلمان، ثم حكى عن أبيه وأبى زرعة قالا: حديث
الثورى أصح وقال ابن تيمية فى اقتضاء الصراط المستقيم (٧٦): هذا إسناد جيد.
٣١٤٨- عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى رسول الله عَ ليه
فقالت: إن أبى زوجنى ابن أخيه ليرفع بى خسيسة)، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت:
قوله: "سفيان وإسرائيل إلخ" قلت: فيه دلالة على أن العجمى ليس بكفوء للعربية وهو
شاهد قوى لما رواه الحاكم: حدثنا الأصم ثنا الصنعانى ثنا شجاع بن الوليد ثنا بعض إخواننا عن ابن
جريج عن عبد الله بن أبى مليكة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله عُ له: ((العرب بعضهم
أكفاء لبعض، والموالى بعضهم أكفاء لبعض إلا حائك أو حجام)). قال صاحب "التنقيح": "هذا
منقطع، إذ لم يسم شجاع بن الوليد بعض أصحابه" انتهى. كذا فى "نصب الراية" (١٨:٢).
قلت: والانقطاع فى القرون الفاضلة لا يضرنا، لا سيما وله شواهد ذكرها الزيلعى بالبسط.
وقال ابن تيمية فى "اقتضاء الصراط المستقيم": "روى أبو بكر البزار وذكر سنده عن أوس بن
ضمعج قال: قال سلمان: نفضلكم يا معشر العرب! لتفضيل رسول الله عّ لّ إياكم، لا ننكح
نساءكم، ولا نؤمكم فى الصلاة، ثم قال: وهذا إسناد جيد، وتمام الحديث قد روى عن سلمان من
غير هذا الوجه. رواء الثورى عن أبى إسحاق عن أبى ليلى الكندى عن سلمان الفارسى أنه قال:
فضلتمونا یا معاشر اسیرب باثنین، لا نؤمکم، ولا ننکح نساء كم. رواه محمد بن أبی عمر العدنی
وسعید فى سننه، وغيرهما.
وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى العجمى، واحتج
به أحمد فى إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد معين، بل هى من الحقوق المطلقة
فى النكاح، حتى أنه يفرق بينهما عند عدمها، واحتج أصحاب الشافعى وأحمد بهذا على أن
الشرف مما يستحق به التقديم فى الصلاة" اهـ (٧٦). قلت: وفى حديث ابن عمر بطريق الحاكم
دلالته على اعتبار الحرية والحرفة فى الكفاءة أيضا والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عبد الله" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من حيث أنه يعد لل خيرها بعد

٧٧
ج - ١١
بيان الكفاءة فى النكاح
قد أجزت ما صنع أبى، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء".
رواه ابن ماجه ورجاله رجال الصحيح (نيل الأوطار ٣٥).
٣١٤٩- عن أبى هريرة مرفوعا: ((يا بنى بياضة أنكحوا أبا هند، وأنكحوا عليه،
قال: وكان حجاما)). رواه أبو داود والحاكم، وإسناده حسن (التلخيص الحبير.
٢٩٩:٢). وفى التعليق المغنى: بسند جيد، وكذا فى "بلوغ المرام".
٣١٥٠- عن الزهرى قال: ((أمر رسول الله عَّ له بنى بياضة أن يزوجوا أبا هند
امرأة منهم فقالوا: نزوج بناتنا موالينا. فأنزل الله عز وجل: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا﴾ الآية. قال الزهرى: "نزلت فى أبى هند خاصة". رواه أبو داود
فی "مراسیله"، وسكت عنه.
٣١٥١- عن الحكم بن عيينة: "أن النبى معَّ له أرسل بلالا إلى أهل بيت من
الأنصار يخطب إليهم، فقالوا: عبد حبشى، قال بلال: لولا أن النبى معَّ له أمر لى أن
آتيكم لما آتيتكم. فقالوا: النبى معَّ له أمرك؟ قال: نعم! قالوا: قد ملكت، فجاء النبي عدّ له
فأخبره، فأدخلت على النبى عّ لّه قطعة من ذهب فأعطاه إياها، فقال: سق هذا إلى
امرأتك، وقال لأصحابه: اجمعوا إلى أخيكم فى وليمته"، رواه أبو داود فى "مراسيله"
(ص٢٢)، وسكت عنه.
النكاح، وظاهر السياق أنه كان لعدم الكفوء، لقوله: "ليرفع بى" إلخ. فثبت أن مراعاة الكفوء أمر
معتمد عليه، وحق الكفوء للنساء ولأوليائها كليهما ثابت، وفضله فى رد المحتار مما نصه عن
الظهيرية: "لو انتسب الزوج لها نسبا غير نسبه، فإن ظهر دونه وهو ليس بكفوء فحق الفسخ ثابت
للكل، وإن كان كفوءا فحق الفسخ لها دون الأولياء (٥٢٠:٢). فثبت أن حق الكفاءة ثابت
للمرأة ولأوليائها كليهما.
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. دلالته على الجزء الثانى من الباب من حيث أنه عَ لّ أمر بنكاح
الحرة من العبد المعتق، والأمر فى الحديث ليس للإيجاب بل هو للاستحباب كما هو ظاهر.
قوله: "عن الزهرى" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى كدلالة الذى قبله.
قوله: "عن الحكم" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.

٧٨
إعلاء السنن
باب أن للولى أن يزوج مولاته من نفسه وأن الواحد يتولى طرفى النكاح
٣١٥٢- "خطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولى الناس بها، فأمر رجلا فزوجه"
رواه البخارى (٧٧٠:٢).
٣١٥٣- عن عائشة رضى الله عنها: ﴿ويستفتونك فى النساء. قل الله يفتيكم
فيبهن) إلى قوله: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾. قالت عائشة رضى الله عنها: هو الرجل
تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، فأشركته فى ماله حتى فى العذق، فيرغب أن
ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه فى ماله بما شركته. فيعضلها، فنزلت هذه
الآية". رواه البخارى (٦٦١:٢).
٣١٥٤- قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: "أ تجعلين أمرك إلى؟
قالت: نعم! فقال: قد تزوجتك" رواه البخارى (٧٧٠:٢).
٣١٥٥- عن عقبة بن عامر رضى الله عنه: أنه عليه السلام قال الرجل: ((أ ترضى
أن أُزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أ ترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم!
فزوج أحدهما صاحبه)). الحديث. رواه أبو داود بسند صحيح وأخرجه أيضا ابن
حبان فى صحيحه، والحاكم فى مستدركه وقال: "صحيح على شرط الشيخين"
(الجوهر النقي ٨١:٢).
باب أن للولى أن يزوج مولاته من نفسه وإن الواحد يتولى طرفى النكاح
قوله: "خطب" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: فى "فتح البارى": "وبه احتج محمد بن الحسن على
الجواز، لأن الله لما عاتب الأولياء فى تزويج من كانت من أهل المال والجمال بدون سنتها من
الصداق وعاتبهم على ترك تزويج من كانت قليلة المال والجمال، دل على أن الولى يصح منه
تزويجها من نفسه، إذ لا يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، ودل ذلك أيضا على أنه يتزوجها
ولو كانت صغيرة لأنه أمر أن يقسط لها فى الصداق ولو كانت بالغة، لما منع أن يتزوجها بما
تراضيا عليه، فعلم أن المراد من لا أمر لها فى نفسها" (١٦٣:٩).
قوله: قال "عبد الرحمن" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.
قوله: "عن عقبة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. ودل على هذا
جـ
غـ
فـ
غيـ
5
3

ج - ١١
٧٥
أبواب المھر
باب لا مهر أقل من عشرة دراهم
٣١٥٦- حدثنا عمرو بن عبد الله الأودى حدثنا وكيع عن عباد بن منصور قال:
حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت جابرا رضى الله عنه يقول قال: سمعت رسول الله
أيضا ما أخرجه الطحاوى فى مشكل الحديث بسنده، "أن عليا أتى برجل، فقالوا: وجدناه فى
خربة مراد ومعه جارية مخضب قميصها بالدم، فقال له: ويحك ما هذا الذى صنعت؟ قال: أصلح
الله أمير المؤمنين، كانت بنت عمى ويتيمة فى حجرى، وهى غنية فى المال، وأنا رجل قد كبرت،
وليس لى مال، فخشيت إن هى أدركت ما يدرك النساء أن ترغب عنى، فتزوجتها، قال: وهى
تبكى، فقال: أُ تزوجتيه؟ فقائل من القوم عنده يقول لها: قولى: نعم! وقائل يقول لها: قولى: لا،
فقالت: نعم تزوجته، فقال: خذ بيد امرأتك". كذا فى "الجوهر النقى" (٨٩:٢).
باب لا مهر أقل من عشرة دراهم
قوله: "حدثنا عمرو" إلخ. قال المؤلف: ذكر صاحب "فتح القدير" هذا الإسناد بقوله: "ثم
أوجدنا بعض أصحابنا صورة السند عن الحافظ قاضى القضاة العسقلانى الشهير بابن حجر (وهو
الإمام العلام الحافظ الشهير نور الله مرقده). قال ابن أبى حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله" إلخ. فإن
قلت: هذا البعض مجهول، فكيف يحتج بالمجهول على المطلوب؟ قلت: لنا عنه جوابان - فالأول
منهما أن الشيخ ابن الهمام مجتهد مقيد، واحتجاج المجتهد بحديث تثبيت له لا سيما إذا ظهر
مخرجه أيضا، والثانى أنه محفوف بالقرائن الدالة على الأمن من الكذب. فإن النقل من كتاب
أحمد من المشهورين كاذبا به بعيد جدا لا سيما عند عالم فاضل مجتهد منقد، فإن كثيرا من
العلماء يقدرون على تتبع الكتاب، فلو كذب ذلك الناقل لافتضح على روس الناس، فاجتراؤه عليه
أبعد. وأيضا: فقد أخرج الدار قطنى مثله عن جابر رضى الله عنه وعن على رضى الله عنه من قولهما
من طرق بعضها ضعيف، وبعضها حسن لا سيما إذا انضم بعضها إلى بعض. وليس هذا الحديث
مرويا على طريق الرواية الحديثية من ابن الهمام إلى النبى عّ لّه متصلا، بل هو نقل من كتاب ابن
أبى حاتم، كما هو الظاهر. فلا يضره جهالة الصاحب، فإن الاعتماد إذن على اللباب. قلت:
وأخرج الدار قطنى بطريق داود الأودى عن الشعبى قال: قال على: لا يكون مهرا أقل من عشرة

٨٠
مبحث المهر
إعلاء السنن
عدّة- يقول: ((ولا مهر أقل من عشرة)). من الحديث الطويل رواه ابن أبى حاتم، قال
دراهم (٣٩٢:٢). وأعله بعضهم بداود الأودى وضعفوه. ولكن روى عنه شعبة وسفيان، وشعبة
لا یروی إلا عن ثقة. وقال ابن عدى: "لم أُر له حديثا منكرا جاوز الحد إذا روى عنه ثقة". (وههنا
كذلك فقد روى عنه ذلك ثقتان، عند الدارقطنى كما سنبينه) وإن كان ليس بقوى فى الحديث،
فإنه يكتب حديثه ويقبل إذا روى عنه ثقة". وقال العجلى: "يكتب حديثه، وليس بالقوى". وقال
الساجى: "صدوق بهم" اهـ من "تهذيب التهذيب" (٢٠٥:٣).
قلت: قد روى هذا الأثر عن داود الأودى عبيد الله بن موسى وهو رجال من الجماعة وثقه
غير واحد كما فى "التهذيب" (٥٠:٦ و٥١). ومحمد بن ربيعة وهو من رجال البخارى فى
"الأدب"، وأصحاب "السنن" كما فيه أيضا (١٦٢:٩) وثقه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم
والدارقطنى وغيرهم، فداود الأودى حسن الحديث وإن كان ليس بالقوى فالأثر حسن. وأما ما
أخرجه الدار قطنى عن عكرمة عن ابن عباس عن على قال: "لا مهر أقل من خمسة دراهم". ففيه
الحسن بن دينار وهو ضعيف بالاتفاق، أجمع من تكلم فى الرجال على ضعفه، كما فى
"التهذيب" أيضا (٢: ٢٧٦). فلا يصلح معارضا لما رواه الأودى، والشعبى عن على ليس بمنقطع،
فقد ذكر الخطيب أن الشعبى سمع من على، وقد روى عنه عدة أحاديث. قاله المنذری فی
"مختصره"، وقال الحافظ فى "التهذيب": " والمشهور أن مولده كان لست سنين خلت من خلافة
عمر" اهـ (٦٨:٥). وعلى هذا فكان عند مقتل عثمان ابن ستة عشر سنة، فلا يبعد سماعه من
على، فلا يصح إعلاله بالانقطاع، ولو سلم فالانقطاع لا يضرنا. قال الجصاص: قال الله تعالى:
﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾. فعقد الإباحة بشريطة إيجاب بدل البضع وهو
مال، فدل على معنين: أحدهما: أن بدل البضع واجب أن يكون ما يستحق به تسليم مال.
والثانى: أن يكون المهر ما يسمى أموالا، وفى ذلك دليل على أنه لا يجوز أن يكون المهر
الشىء التافه الذى لا يسمى أموالا. واختلف الفقهاء فى مقدار المهر، فروى عن على رضى الله عنه
أنه قال: لا مهر أقل من عشرة دراهم (وسنده حسن كما مر) وهو قول الشعبى، وإبراهيم فى
آخرين من التابعين، وقول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد والحسن بن زياد. وقال أبو سعيد
الخدرى، والحسن، وسعيد بن مسيب، وعطاء: يجوز النكاح على قليل المهر وكثيره. قال أبو بكر
(الجصاص): قوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ يدل على أن ما لا يسمى أموالا لا يكون مهرا،